من سمات تشريعنا: الصراحة والوضوح - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         شركة مكافحة النمل الابيض بابها 0507240005 (اخر مشاركة : البيت الحضارى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          شركة تنظيف بابها 0507240005- ركن الابداع (اخر مشاركة : البيت الحضارى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          شركة تنظيف موكيت بابها 0507240005- ركن الابداع (اخر مشاركة : البيت الحضارى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          تحذير خطير : اياكم وتمرينات الطاقة (الجزء السابع) (اخر مشاركة : abdelmalik - عددالردود : 813 - عددالزوار : 162684 )           »          بين حولي و اسطنبول : صاحبة الفيروزتين (اخر مشاركة : ذكرى ماضى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          فوائد من كتاب تاريخ الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 172 )           »          الأطعمة والأشربة التي كان يتناولها صلى الله عليه وسلم في إفطاره وسحوره (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          يا رجال الليل جدوا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          رمضان: اصنعوا لأبنائكم ذكريات إيمانية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          المنهج العلمي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-03-2021, 10:47 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 58,928
الدولة : Egypt
افتراضي من سمات تشريعنا: الصراحة والوضوح

من سمات تشريعنا: الصراحة والوضوح (1)


الشيخ : أحمد شريف النعسان







عناصر الخطبة

1/ تميز شريعة الإسلام بالصراحة والوضوح 2/ أثر غياب الصراحة على الفرد والمجتمع 3/ اتصاف أصحاب الهمم العالية بالصراحة والوضوح 4/ قصص رائعة في صراحة ووضوح محمد -عليه الصلاة والسلام- 5/ فوائد الصراحة


اقتباس

لقد أكرمنا الله -تعالى- بهذا الدين الحنيف العظيم القوي الواضح المتين, الذي لا يأتيه الباطل, هذا الدين الذي هدانا الله إليه له سمات وميزات لم تكن في تشريع من التشريعات السابقة, فضلاً عن التشريعات الوضعية…









الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فيا عباد الله: لقد أكرمنا الله -تعالى- بهذا الدين الحنيف العظيم القوي الواضح المتين, الذي لا يأتيه الباطل, هذا الدين الذي هدانا الله إليه له سمات وميزات لم تكن في تشريع من التشريعات السابقة, فضلاً عن التشريعات الوضعية.

من سمات هذا الدين: الصراحة والوضوح؛ لأن الصراحة فيها الراحة والطمأنينة, لأن الصراحة تعلِّم على الصدق والأمانة, وتبعد الإنسان عن الكذب والنفاق والمداهنة.

ربَّى الإسلام أتباعه على الصراحة؛ لأنَّ الإسلام حقٌّ وواضحٌ وقويُّ الحجة, لذلك ما أُكره أحد على الدخول فيه, قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة: 256].

وقال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) [يونس: 99].

ومن وضوحه وقوَّته: قال تعالى معلِّماً نبينا سيدنا محمداً -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أن يقول لمخالفيه: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [سبأ: 24].

الإسلام ربَّى أتباعه على استواء الظاهر والباطن, وعلى استقامة اللسان مع الجَنان, فالمسلم ليس له ظاهر يناقض الباطن, باطنه وظاهره سواء, بل سريرته أصلح وأفضل من علانيته.

أيها الإخوة الكرام: إذا حلَّت الصراحة أسرة من الأسر, ومجتمعاً من المجتمعات, رأيت أفراد الأسرة والمجتمع متماسكين متحابِّين متعاونين, أما إذا غابت الصراحة في أحاديث الناس مع بعضهم البعض, إن كان على مستوى الأسرة, أو المؤسسة, أو الأمة, فلا تتعجب عندما ترى البغضاء قد انتشرت أوصالها بين الناس, وكثر التنافر وضَرَبَ بجذوره في العلاقات الإنسانية.

فالإسلام ربَّى أتباعه على الصراحة, ربَّى الأسرة على ذلك, وربَّى الأمة على جميع مستوياتها على ذلك؛ لأن كمَّ الأفواه ومنع الكلام ليس من عادة الأقوياء في حجَّتهم, بل من شأن الضعفاء أصحاب القوة العاتية بدون حجة ولا برهان, بل هو شأن الفراعنة الذين يعيشون على حساب الناس بقوَّتهم الباغية, لذلك ترى منطلق الفراعنة من خلال قول قائلهم: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29].

ليس عنده الاستعداد لسماع كلام غير كلامه؛ لأنه خائف على سلطانه وجاهه ودنياه.

يا عباد الله: إن أصحاب النفوس الكبيرة, وأصحاب الهمم العالية, والشخصيات القوية هم المؤهَّلون لتحمُّل صراحة محدِّثيهم معهم, ويقدِّرون ذلك جيداً, فلا يغضبون, ولا تتغير وجوههم فيحملهم ذلك على معاداتهم, أو خصامهم, أو مقاطعتهم وتحدِّيهم, أو مقابلة صراحتهم بالتهكُّم عليهم والإساءة لهم, فضلاً عن الضرب والقتل والتشريد وسفك الدماء.

أصحاب النفوس الكبيرة والهمم العالية يجعلون من سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قدوة لهم؛ لأن الله -تعالى- قال لهم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]؛ لأن حبيبهم ونبيَّهم -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال لهم: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" [أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، وصححه النووي في الأربعين].

أصحاب الهمم العالية لا يأبهون أين موقع نفوسهم, ولا ينظرون إلى مكانتهم الاجتماعية؛ لأنهم يعلمون أن مواقعهم ومكانتهم هي عمل وظيفي إن أحسنوا وأتقنوا عملهم كانوا محبوبين عند الله -تعالى-, وذلك لقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "إن الله -عز وجل- يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملاً أن يُتْقِنَهُ" [أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب].

الأصل عند هؤلاء أن يكونوا على سنة نبيِّهم -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في تقبُّل الصراحة من الآخرين.

معشر المسلمين: لقد جعل الله -تعالى- لنا نموذجاً رائعاً لتقبل الصراحة من الآخرين, لقد جعل لنا نموذجاً ليس له مثيل قبله ولا بعده, لقد جعل الله -تعالى- لنا نموذجاً هو سيد ولد آدم -عليه السلام-, بل هو سيد الأنبياء والمرسلين, بل هو سيد أولي العزم من الرسل, بل هو سيد المخلوقات العلوية والسفلية على الإطلاق, هذا النموذج هو سيدنا وحبيبنا وقرةُ أعيننا سيدنا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، هذا النموذج ضرب أروع الأمثلة لتقبل الصراحة من جميع الخلق, مع سموِّ قدره وعلوِّ شأنه, مع أن الله -تعالى- قال فيه: (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) [التحريم: 4].

هذه الشخصية العظيمة مع جلالة قدرها وعظم هيبتها ما كانت لتمنع أصحابها من قول الصراحة في قول الأمور كلِّها صغيرها وكبيرها, كانت هذه الشخصية تقبل صراحة الآخرين, ولا تكمُّ أفواههم, مع أن الله -تعالى- هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير.

فيا من يريد أن يكون ناجحاً في بيته إن كان ربَّ أسرة, ويا من يريد أن يكون ناجحاً في مؤسسة إن كان صاحبَ مؤسسة, ويا من يريد أن يكون ناجحاً في ملكه ورئاسته إن كان صاحبَ ملك ورئاسة: عليك أن تقبل صراحة الآخرين, وانظر إلى حبيبك -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- إن كان حبيباً إلى قلبك.

أولاً: بل نسيت يا رسول الله:

يا عباد الله: أخرج الإمام البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ, ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا, وَفِي الْقَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ, وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قَصُرَتْ الصَّلاةُ, وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدْعُوهُ ذَا اليَدَيْنِ, فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ, قَالُوا: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: صَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ, فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ سَلَّمَ, ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ, ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ, ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.

يا عباد الله: انظروا إلى سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في هذا الموقف, لم يغضب, وما زجر, بل أيَّد ما قاله الصحابة, رغم أنه قال لهم: "لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ", فما دامت الصلاة لم تقصر, قالوا: "بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ" ما أجملها من صراحة مع كمال الأدب.

ثانياً: لأنت أحبُّ إليَّ من كلِّ شيء إلا من نفسي:

يا عباد الله: لقد أصبحنا في هذا العصر لا نعرف الصراحة -إلا من رحم الله- لقد فقد الناس الطريق إلى الصراحة, وسلكوا طريقاً آخر, طريق الكذب والنفاق, يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم, وإذا كان المجتمع هكذا فأيُّ خير يرتجى؟ أيُّ خير يرتجى من مجتمع متفكِّك لا يستطيع فيه الواحد أن يقول ما بداخله صراحة؟

يا عباد الله: تعلَّموا الصراحة وعلِّموها للآخرين بحالكم قبل مقالكم.

أيها الآباء: علِّموا الصراحة لأبنائكم!

أيها الأزواج: علِّموا الصراحة لنسائكم!

أيها المدراء: علِّموا الصراحة لموظَّفيكم!

أيها الحكام: علِّموا الصراحة لمحكوميكم!

واسمعوا إلى ما أخرجه الإمام البخاري عن عبد الله بن هشام -رضي الله عنه- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه-, فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا مِنْ نَفْسِي! فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ!" فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي! فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الآنَ يَا عُمَرُ".

ما هذه العظمة في الصراحة؟

أولاً: صراحة سيدنا عمر -رضي الله عنه-: "يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا مِنْ نَفْسِي", صدق وصراحة, لا كذب ونفاق, اليوم هناك من يبالغ في المجاملات, وخاصة مع الشخصيات الكبيرة أصحاب المراكز العليا, وتزداد المجاملة وضوحاً وظهوراً إذا كانت لا تتجاوز حَيِّزَ الكلمات والأقوال, وتقل كلما دخلت دائرة الأداء العملي.

النفاق ما كان يعرف طريقاً إلى قلوب الصحابة -رضي الله عنهم-.

ثانياً: صراحة سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-, هي صراحة المتبوع للتابع, وإلا كيف يتعلَّم التابع الصراحة مع المتبوع, سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال لسيدنا عمر -رضي الله عنه-: "لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ".

رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ما كان حريصاً على محبة الناس له انطلاقاً من نفسه الشريفة, بل كان حريصاً على ذلك امتثالاً لأمر الله -تعالى-؛ لأن الله -تعالى- قال: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة: 24].

يجب أن يكون رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أحبَّ إلينا من أنفسنا؛ لأن الله -تعالى- يقول: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ) [الأحزاب: 6]، فإذا كان أولى بنا من أنفسنا فيجب علينا أن نحبَّه أكثر من أنفسنا, لذلك قال لسيدنا عمر هذا الكلام: "حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ".

يا عباد الله: هل تجدون هذه الصراحة بين التابع والمتبوع على كلِّ المستويات في مجتمعنا؟ إذا كنا فقدنا هذا, فاعلموا بأن السبب في ذلك هو أننا ما وضعنا يدنا بيد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

هذا سيدنا عمر -رضي الله عنه- أخذ رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- بيده حساً ومعنى حتى أدخله الجنة, حيث كان من المبشرين بالجنة وهو في حياته الدنيا, فهل ينظر كلُّ واحد منا إلى نفسه لينظر من هو الذي آخذ بيده؟ وعلى خطى من يسير؟

سل نفسك -يا أخي-: الذي آخذٌ بيدك هل يوصلك إلى جنة عرضها السماوات والأرض؟ هل يوصلك إلى أن تقول عند سكرات الموت: واطرباه غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه؟ أم لا قدر الله يوصلك إلى أن تقول عند سكرات الموت: (رَبِّ ارْجِعُون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) [المؤمنون: 99 – 100].

وفي الآخرة تقول: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) [الفرقان: 27 – 29].

ثالثاً: ترجع إلى قومك وتَدَعنا:

أيها الإخوة الكرام: لقد ربَّى الإسلام أتباعه على الصراحة والوضوح والاستيثاق, أخرج الإمام أحمد في مسنده, في بيعة العقبة قال سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ".

قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا, فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ.

قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ ـ وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ـ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالاً, وَإِنَّا قَاطِعُوهَا ـ يَعْنِي الْعُهُودَ ـ فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ, ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ, أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا, قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ: "بَلْ الدَّمَ الدَّمَ, وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ, أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي, أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ".

صراحة من التابع: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالاً, وَإِنَّا قَاطِعُوهَا ـ يَعْنِي الْعُهُودَ ـ فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ, ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ, أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا".

وصراحة من المتبوع: "بَلْ الدَّمَ الدَّمَ, وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ, أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي, أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ".

يا عباد الله: بالصراحة كان المجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى, وبغير الصراحة كان المجتمع متفكِّكاً متمزِّقاً, تظهر فيه علامات النفاق, فهل رجعنا إلى دين الله -تعالى- على كلِّ المستويات وكنا صريحين, ونحب الصراحة من الآخرين؟

أقول هذا القول, وكلٌّ منا يستغفر الله, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-03-2021, 10:49 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 58,928
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من سمات تشريعنا: الصراحة والوضوح


من سمات تشريعنا: الصراحة والوضوح (2)


الشيخ : أحمد شريف النعسان



عناصر الخطبة

1/ أثر الصراحة في حياة الفرد والمجتمع 2/ اتصاف المؤمنين بالصراحة وحبهم لها ولأهلها 3/ نماذج رائعة في الصراحة 4/ حاجة المسلمين للصراحة 5/ الصراحة في النصيحة وعدم الغش فيها


اقتباس

الصراحة والوضوح من شيم أصحاب النفوس الكبيرة التي تحترم نفسها, وتأبى عليها إلا القول بالحقيقة والبعد عن الغموض, ويرفضون النفاق بكلِّ أشكاله وألوانه, ولا يستخدمون التقية ولا التورية في…








الخطبة الأولى:


الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فيا عباد الله: إن أساس العلاقات الناجحة بين أفراد الأسرة, وأبناء المجتمع على كلِّ المستويات, هو الصراحة, فبها تطمئنُّ القلوب, وترتاح النفوس, وهي مفتاح لحلِّ أكثر المشاكل.

الصراحة والوضوح من شيم أصحاب النفوس الكبيرة التي تحترم نفسها, وتأبى عليها إلا القول بالحقيقة والبعد عن الغموض, ويرفضون النفاق بكلِّ أشكاله وألوانه, ولا يستخدمون التقية ولا التورية في أحاديثهم.

يا عباد الله: الصراحة والوضوح من صفات وأخلاق المؤمنين؛ لأن الإيمان لا يستقيم في القلب إلا إذا صدق اللسان, أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ".

فإذا أردت استقامة الإيمان فعليك باستقامة القلب, واستقامة القلب لا تكون إلا باستقامة اللسان, ومن استقامة اللسان الصراحة.

كن صريحاً, وخاصة إذا كنت قدوة, فالأبَوان قدوة للأبناء, والمدراء قدوة للموظفين, والضباط قدوة للمجنَّدين, والحاكم قدوة للمحكومين.

فيا أيها القدوة: كن صريحاً مع متبوعيك, وحرِّضهم على الصراحة معك؛ لأن الصراحة سبب من أسباب تماسك أفراد الأسرةِ الصغيرة, وهي البيت, والأسرةِ الكبيرة, وهي المجتمع.

يا عباد الله: إذا كانت الصراحة من صفات وأخلاق المؤمنين, ولا يقولون إلا ما تختلج به نفوسهم, كذلك هم الذين يحبون الصراحة من غيرهم, ويكرهون النفاق لهم, على العكس تماماً من أهل الدنيا الذين ضعف الإيمان في قلوبهم, فلا يحبون الصريح معهم, بل يحبُّون من يكذب عليهم وينافق لهم, ويتظاهر لهم بأنه يَصدُقُهم القول.

أيها الإخوة الكرام: انظروا إلى الصراحة التي ربَّى عليها سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- صحابته الكرام, التي تعطي للإنسان الراحة, وتدفعه لأن ينطق بلسانه ما يجول في خاطره.

فسيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ومن معه من الصحابة الكرام هم أسوتنا وقدوتنا في كل شيء, ومنها الصراحة, قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100].

اسمعوا -يا عباد الله-: روى الإمامان البخاري ومسلم عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: "قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ, لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ, وَلَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا -وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ- فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟

قَالَ: بَلَى.

قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ؟

قَالَ: بَلَى.

قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟

فَقَالَ: يَا بْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ, وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا.

قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟

قَالَ: بَلَى.

قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ؟

قَالَ: بَلَى.

قَالَ: فَعَلامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟

فَقَالَ: يَا بْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ, وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا.

قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْفَتْحِ, فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ, فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ".

أيها الإخوة الكرام: لقد أراد سهل بقوله: "أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ" تصبيرَ الناس على الصلح يوم صفين, وإعلامَهم بما يُرجى بعده من الخير, وإن كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس, كما كان الشأن في صلح الحُدَيْبية.

فسيدنا عمر -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- ما كان شاكّاً فيما يفعله سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عندما قال: "فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟" يعني: النقيصة, بل كان طالباً كشف ما خفي عليه؛ لأن شروط الصلح كانت قاسية وشديدة على المسلمين يوم الحديبية, ولا شك بأن الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنهُم- عندما سمعوا تلك الشروط القاسية جال في خواطرهم بعضُ الأمور, والتي من جملتها ما صرَّح به سيدنا عمر -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-.

ما أجمل الصراحة بين القائد والمَقود, بين الحاكم والمحكوم, بين الرئيس والمرؤوس, فهذا سيدنا عمر -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- يريد إزالة الإشكال الذي ساوره, وأراد أن تُكشف له الحقيقة, فقال: "فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟" إن ذهب مسلم مرتد إلى مكة لا تردُّه مكة, وإن جاء مسلم من مكة إلى المدينة ردَّته المدينة, إلى غير ذلك من الشروط القاسية.

هل تضايق سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من صراحة سيدنا عمر؟ حاشاه, بل عندما نزلت سورة الفتح, استدعاه سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وتلا عليه سورة الفتح.

أيها الإخوة الكرام: لا يفقد الصراحة إلا من كان ضعيفَ الإيمان, ولا يكره الصراحة إلا من كان في إيمانه خللٌ, أو كان متلبِّساً بالأنا الفرعونية, والإسلام لا يقرُّ هذا ولا ذاك.

اسمعوا -يا عباد الله- إلى قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي؛ عبدُ الله بن عبد الله بن أبي صحابي قريب من سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-, وأبوه رأسُ النفاق والمنافقين بعيدٌ عن سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-, هذا المنافق قال في بعض الغزوات التي كان فيها مع سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "قد ثاورونا في بلادنا، والله ما عزنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: "سمن كلبك يأكلك" [رواه البيهقي في الدلائل].

وقال أيضاً: (لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا) [المنافقون: 7].

وَقَالَ أَيْضًا: (لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) [المنافقون: 8] [رواه البخاري].

وقال في حقِّ أمِّنا السيدة عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنهُا- ما قال.

سمع الابن الصحابي الجليل هذا, فأتى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فقال: "يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي، فإن كنت فاعلاً فأمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبرَّ بوالده مني، ولكني أخشى أن تأمر به رجلاً مسلماً فيقتله, فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله يمشي في الأرض حياً حتى أقتله, فأقتل مؤمناً بكافر, فأدخل النار، فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "بل نحسن صحبته ونترفَّق به ما صحبنا" [رواه البيهقي في الدلائل].

يا الله! ما هذه العظمة في شخص سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-, لقد تجسَّد قول الله -تعالى-: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: 18] في هذه القضيَّة, الولد صحابي حبيب, والوالد كافر فاسق فاجر منافق, فما أثَّر نفاق الوالد على الولد, وما أثَّرت الإساءة من الوالد في حقِّ سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- على الولد.

واحد مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, والآخر في الدرك الأسفل من النار.

وما هذه العظمة في صراحة التابع مع المتبوع: "ولكني أخشى أن تأمر به رجلاً مسلماً فيقتله, فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله يمشي في الأرض حياً حتى أقتله, فأقتل مؤمناً بكافر, فأدخل النار".

وما هذه العظمة في شخص الحبيب الأعظم سيدنا محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- عندما قال: "بل نحسن صحبته، ونترفَّق به ما صحبنا".

يا عباد الله: نحن بأمسِّ الحاجة إلى هذه الصراحة, وخاصة صراحة الحبيب -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "بل نحسن صحبته، ونترفَّق به ما صحبنا".

وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لسيدنا عمر عندما أراد قتل عبد الله بن أبي: "دَعْهُ, لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" [رواه البخاري].

اللهمَّ لا تشمت بدائنا أعداءنا.

معشر المسلمين: هكذا ربَّى النبيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أتباعه, فما كانوا يعرفون المداهنة والنفاق والكذب فيما بين بعضهم البعض, ولو كان الواحد منهم أميراً، روى البيهقي في السنن الكبرى عن الحسن قال: "إن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- بلغه أن امرأة بغيَّة يدخل عليها الرجال, فبعث إليها رسولاً, فأتاها الرسول فقال: أجيبي أمير المؤمنين, ففزعت فزعة وقعت الفزعة في رحمها, فتحرك ولدها فخرجت فأخذها المخاض, فألقت غلاماً جنيناً, فأتى عمر بذلك, فأرسل إلى المهاجرين فقصَّ عليهم أمرها, فقال: ما ترون؟ فقالوا: ما نرى عليك شيئاً يا أمير المؤمنين, إنما أنت معلِّم ومؤدِّب, وفي القوم عليٌّ, وعليٌّ ساكت, قال: فما تقول أنت يا أبا الحسن؟ قال: أقول: إن كانوا قاربوك في الهوى فقد أثموا, وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا, وأرى عليك الدية يا أمير المؤمنين, قال: صدقت, اذهب فاقسمها على قومك".

وفي رواية قال علي: "عليك الدية, عزمت عليك أن لا تجلس حتى تضربها على قومك".

وقد روي أنه قال له: "إن كانوا قد نصحوك فقد غشوك, ويوم القيامة لن ينفعوك".

اسمعوا هذا -يا عباد الله-: "إن كانوا قاربوك في الهوى فقد أثموا, وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطؤوا".

هلاَّ سمعتم هذا -يا عباد الله- لقد خاف سيدنا عمر -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- من الجنين الذي أسقطته المرأة بسبب هيبته, أن يسأله الله -تعالى- عنه يوم القيامة, واستشار الصحابة الكرام هل وجبت عليه الغرة أم لا؟ والغرة هي دية الجنين, والتي تبلغ نصف عشر الدية, والدية مئة ناقة.

هلاَّ سمع هذا حكَّامنا؟

هلاَّ فكَّروا في قوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيه * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: 34 – 37].

وصدق سيدنا علي -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-: "ويوم القيامة لن ينفعوك".

لقد خاف سيدنا عمر -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أن يُسأل عن جنين سقط من رحم أمه, فكيف بمن سيُسأل عن دماء سُفِكت بغير حق, فما هو قائل لله -عز وجل- يوم القيامة؟

يا عباد الله: لقد وصف الله -تعالى- المجتمع الإيماني بقوله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [آل عمران: 110].

والذي كان من سماته الصراحة الصراحة بين التابع والمتبوع, بين الحاكم والمحكوم, بين الآباء والأبناء, وبين الأزواج, وبين أفراد المجتمع.

فهلاَّ انطلقنا بالصراحة من دائرة الأسرة الصغيرة حتى نصل إلى دائرة الأسرة الكبيرة؟

الصراحة راحة, ومن حُرِم الصراحة حُرِم الراحة.

أقول هذا القول, وأستغفر الله العظيم لي ولكم, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 91.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 88.88 كيلو بايت... تم توفير 2.30 كيلو بايت...بمعدل (2.52%)]