واجب الدولة في النهوض بفروض الكفاية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين / بإمكانكم التواصل معنا عبر خدمة واتس اب - 009613654576

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 10 - عددالزوار : 318 )           »          رثاءُ المعلم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          محمد بن القاسم الأنباري في كتابه الأضداد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 5 )           »          من وحي عبقرية خالد بن الوليد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الإغراق في المدح.. وفي الذمّ! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          لغتنا كيف نتعلمها (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          رثاءُ الأحياء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          طريقة عمل كيكة ورق العنب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          طريقة عمل كرات الرز بالسبانخ والموتزاريلا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          طريقة عمل كفتة البرغل المشوية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-08-2020, 03:21 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 42,091
الدولة : Egypt
افتراضي واجب الدولة في النهوض بفروض الكفاية

واجب الدولة في النهوض بفروض الكفاية


د. مصطفى عطية جمعة






قد يتكاسل الأفراد ويتركون القيام بالفروض الكفائية أو بتعطيلها، فيضرون الناس ويلحقون الخلل بأحوال المجتمع، كما إذا تركوا أو عطلوا الحرف والصنائع التي يحتاجون إليها، ولا يتم معاشهم إلا بها فإنهم آثمون، ويجوز للدولة أن تلزم الناس بهذه الفروض الكفائية، وتقيم الوسائل التي يتحقق بها ذلك وترتب الجزاءات العقابية على تركها، وهذا من واجبات الدولة [1] التي ينبغي أن تتدخل، وتعنى بشؤون الناس جميعاً، ولو وصل الأمر إلى أن تأخذ - عنوة - من مال الأغنياء لتساعد الفقراء في حالة امتناعهم عن أداء الزكاة كما قال ابن حزم: "هو فرض على الأغنياء من كل بلد؛ أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم [2] من هنا، فإن البعض يرى أن قيام الدولة بواجباتها هو من فروض الكفاية، التي يمكن أن تأخذ تسميات حديثة وأكثر تحديدا لمهامها، بأن تسمى الفروض العامة أو التضامنية التي تعنى بالمهام الاجتماعية و السياسية والاقتصادية.. إلخ، على أن يتم تحديد الجهات المعنية بذلك، والأفراد المخاطَبين بهذه الواجبات، أما الفروض العينية فتحمل اسم الفروض الخاصة[3]، وإن كنا نختلف مع المؤلف بأن تسمية الفروض الكفائية غير كافية، وأنها ترتبط بالأداء فحسب، بأن يقوم بها البعض، وهي فكرة الإنابة أو التمثيل، وقد أدى هذا إلى سوء الفهم وعدم التقدير، لأهمية هذه الفروض [4] وأرى أن هذا تسرع في الحكم، ربما يكون ناتجا عن الفهم الأولى لدلالة الكفاية، فالقصد من التفرقة بين الكفائي والعيني لا يقتصر على الأداء فحسب، بل على التكليف، الذي تحدد طبيعته الأمور والقضايا المستجدة في المجتمع، وهو في جميع الأحوال يرتبط بالنية والرغبة في الثواب من ناحية، ومن ناحية أخرى بقدرة الفرد المكلف على الفعل، فقد يكون ضعيفا أو لا يمتلك القدرة ولا المَلَكة على ذلك، أما لو أطلقنا عليها الفروض العامة، فهي قد توقع لبسًا أيضا، لأنها قد تنصرف إلى مهام الدولة ومؤسساتها، فيكون الخطاب هنا ذا منحى سياسي - وهو ما رامه المؤلف - وهو ما يُخْرِج البسطاء وعامة الشعب من دائرة الخطاب حسب فهمهم، لأنهم يرون أنهم غير عابئين به، فهو موجه لمؤسسات الحكم وتوابعها.



كذلك، فإن الدين في المجتمعات المسلمة له تأثير كبير في النفوس، وعندما يرتبط الأمر المجتمعي بالدين فإن عامة الناس يتسابقون لنيل الثواب بالفعل والأداء، أما لو جعلت الخطاب خطابا عاما - سياسياً - فإنه يفقد تأثيره المعنوي، ويرتبط أكثر بالشكل القانوني للدولة. فالناس تلتزم بما تضعه الدولة من نظم وقوانين ما دامت هناك رقابة فاعلة، وعند ضعف الرقابة يظهر الضعف في التطبيق، مثل أداء الضرائب، فالناس تتهرب منها، في حين يتسابقون إلى الزكوات والصدقات، لأن الثانية بمثابة الفرض الديني، والشاهد في الأمر؛ كلما كان النظام جزءا من تكوين (الناس) الجمعي والدين أساس في هذا التكوين، كان الالتزام به أكثر ترجيحا [5].



إن اصطلاح الكفاية كما أوضحه الفقهاء، وفصّلوا في أحكامه، يتسع ليشمل الكثير من الجوانب في الحياة العامة للناس، ولو أخذنا بعض القضايا التي جاءت في كتب الفقه، ومنها على سبيل المثال كتاب المنهاج - الذي استشهد به المؤلف - لوجدنا أنه ينطلق في العديد من فصول الكتاب من مفهومي الكفاية والعين بشكل دقيق، كما ذكر في باب السير، حيث يشير المؤلف إلى أن آية النفرة ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا ﴾ [التوبة: 41] تُؤخذ على أنها فرض كفاية، ولكن في حالة التقاعد فإن الله سيعذبهم عذابا أليما ﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [التوبة: 39] [6] فهي بمثابة فرض عين في حالة التقاعس الضار بالأفراد والمجتمع [7]، وهناك حالات يكون فيها الخروج للجهاد فرض عين، وهو ما يسميه العسكريون " النفير العام "، حيث يخرج القادرون على حمل السلاح من المسلمين، مجاهدين بأموالهم وأنفسهم، فكل قادر على حمل السلاح يجاهد بنفسه، وكل قادر على بذل المال يجاهد بماله، وكل من لديه القدرة على الإعانة والمساعدة في ميدان القتال أو خلف خطوط الجيش، فهو مطالب به، وهو ما يطلق عليه - عسكريا - الحرب الإجماعية، أي يطالب أفراد المجتمع جميعا بالقيام بها، وتعني: حشد الطاقات المادية والمعنوية كافة للأمة، لا للجيش النظامي وحده، ولا للقوات المسلحة بمختلف أشكالها وواجباتها وتسمياتها وحدها، بل للأمة كافة من أجل المجهود الحربي [8] وهو ما بينته السنة المطّهرة، فيما يرويه أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لم يغزُ ولم يجهّز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة " [9]. ومقصود الحديث جليٌّ؛ أن يجعل جميع أفراد الأمة في حالة الجهاد، وهو يتناول مختلف أحوال الجهاد والنصرة والإعانة والإخلاف في الأهل والولد، وهي نفس ما نصَّ عليه مفهوم الحرب الإجماعية، ومَن تدبّر الحديث يجدْ أنه يطبق في حالات فرض العين، حيث يصبح الجهاد على كل من قدر عليه أو قدر على الإعانة فيه.



لقد رأينا في عصرنا الحاضر، كيف أن فروض الكفاية تصبح عينية في الجهاد، كما في مأساة البوسنة المسلمة مع العدوان الصربي، وقضية فلسطين مع الاحتلال الصهيوني، وأفغانستان مع الاحتلال السوفيتي ثم الأمريكي، وما تعرضت فيه بعض الشعوب العربية من بطش وتنكيل على أيدي أنظمة قمعية، وجهّت فوهات أسلحة جيوشها نحو الشعب عندما هبّ مطالبا بحرياته، منددا بالظلم والقمع وتبديد الموارد، وتأخر التنمية.



وعليه؛ فإن إقامة الفروض واجبة على جميع أبناء الأمة دون تعيين، حتى ينالوا الأجر، ويسقطوا الإثم عنهم، والعبرة هنا بتحقيق المقاصد، وكما يذكر الإمام الشاطبي: " يصح أن يقال إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز، لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة. فبعضهم هو قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلا لها، والباقون- وإن لم يقدروا عليها- قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها[10]، فصار الأفراد مكلفين على قسمينِ، قسم يرى في نفسه القدرة على فعل الفرض الكفائي فعليه أن يقوم به، والقسم الثاني عليه أن يحث القسم الأول على فعل الفرض، ويرشده إلى تقصيره إن حدث، ويجبره - إن امتنع - على القيام، وتظل ذمة كل فرد من أفراد الأمة مشغولة حتى يتحقق الواجب الكفائي ويثمر ثماره ومنافعه، فهو إذن واجب عيني على الأمة إلا أنه لا يتكرر القيام به إذا وجد.



وربما يتداخل الفهم قليلا بين الأمة والدولة؛ فلاشك أن الدولة هي الشكل التنظيمي المؤسساتي للأمة، بمعنى أن الدولة تتفرع عن الأمة، فهناك الأمة المسلمة التي تمثل عموم الشعوب الإسلامية في مختلف البلدان والأصقاع، وبحكم الاتساع الجغرافي، وظروف كل مجتمع، فإن الأمة المسلمة مقسمة إلى دول، تقوم الدولة على شؤون رعيتها، وترتبط مع الأمة المسلمة برباط الشريعة الذي يحدد القواعد الحاكمة لنظم الحكم، فالغرض الأساسي من الدولة هو أن تتوصل الأمة بواسطتها إلى القيام بالواجبات العامة والسهر على المصالح الضرورية، فهي أداة بيد الأمة لتنفيذ الواجبات المفروضة عليها، وهذا مقتضى "عقد الإمامة" الذي تحدث عنه الأئمة والفقهاء قديما، حيث أشاروا إلى أنه فرض كفاية كالقضاء، فالإمام الأعظم هو " القائم بخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.. ليرعى مصلحة الإسلام وأهله..، (وأن يكون) ذا رأي ليدير مصالحهم الدينية والدنيوية..، وأن يعرف أقدار الناس " [11]، وهي شروط وقيود عديدة، تجعل منصب الإمامة ساميا، لا يناله إلا من فيه من الخصال الحميدة والقدرات الإدارية والقيادية والعلمية الكثيرة، وكما يشير الماوردي بأن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، ويؤكد على ضرورة عقدها لمن يقوم بها في الأمة وهو أمر واجب بالإجماع، وإن شذّ عنهم الأصم، واُختلِف في وجوبها هل وجبت بالعقل أو بالشرع؟ فقالت طائفة وجبت بالعقل لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين، وهمجا مضاعين. قالت طائفة أخرى: بل وجبت بالشرع دون العقل، لأن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزا في العقل أن لا يرد التعبد بها، فلم يكن العقل موجبا لها، وإنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء عن التظالم والتقاطع، ويأخذ بمقتضى العدل في التناصف والتواصل، فيتدبر بعقله لا بعقل غيره، ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين[12].



والعبرة هنا أن يقوم الإمام بمصالح الدين ومقاصده، وأيضاً يراعي شؤون الناس في دنياهم، وهذا المنصب فرض كفاية، وهذا يعني أهمية وجوده في الدولة المسلمة، وأنه ليس مجرد منصبا فرديا، بل هو يتخذ شكل المؤسسة، فلن يقوم الإمام بمهامه إلا في وجود مؤسسات وهيئات تعينه وهو يتابع عملها، ويقيّم أداءها، وهذا ما يقترب من مفهوم "الوظائف العامة" الملقاة على عاتق الدولة سواء كانت هذه الوظائف سياسية أو اجتماعية.



غير أن المستقرئ للواقع الإسلامي المعاصر والمتتبع لأحوال المجتمعات يرى أن كثيرا من المصالح العامة والفروض الكفائية ضاعت بين تواكل الأمة على الحكومات وإهمال الحكومات وتعطيلها للمصالح، ولعل أبرز مثال لذلك ميدان البحث العلمي الذي به تقوى الأمة ويستقيم حالها، فهو يشهد تراجعا يعيش حالة أقرب إلى التجاهل، الذي دفع العلماء إلى الهجرة أو الكسل.



وإذا كان الأصل في اشتراك الدولة والأمة، وتداخل مسؤولياتها في النهوض بالواجب الكفائي؛ أن يكون دافعاً للقيام بهذه الفروض، وتكثيف الجهود وتجميع الطاقات لإعمال هذه المصالح العامة في الحياة، فإنه من الناحية العملية يعتبر هذا التداخل سببا في تعطيل هذه الفروض نظرا لسوء فهم الدولة والأمة لواجباتهما.



ومن هنا، يكون الدور الأهم هو نشر الوعي بالفرض الكفائي على مستوى الأفراد (المسلمين)، بوصفه سبيلا إلى نهضة الأمة، وأنه السبيل إلى ربط المسلم بقضايا الأمة ومجتمعه، وهذه الخطوة الأولى، وهذا الوعي يشمل المسلم البسيط، وأهل النخبة في المجتمع، على كافة تخصصاتهم ليعلموا أن المسألة ليست مسألة ذاتية، ولا بحوث علمية، ولا مسؤوليات قيادية وإدارية فحسب، بل تتخطاها إلى كونها قضية أخروية، تتصل بالثواب ومرضاة الله، وأنها ليست خاضعة للرغبات الشخصية، كلٍ حسب ما يريد ويهوى، فإن شاء اجتهد، وإن شاء قصر، بل عليه أن يجتهد، غير مطالب ولا متوقع بنتيجة.



ثم تأتي الخطوة الثانية، بتوعية المجتمع للقيام بالفروض الكفائية، فالخطط والمشاريع التنموية يجب أن تتجه وفق الفروض الكفائية، منطلقة من الدين بوصفه مكونا فعالا في النفوس، ورؤية الإسلام الشاملة لحاجات المجتمع، والخطوة الثالثة، هي دور المخطط (صانع القرار والمنفذ) فيجب أن يفقه دوره ويعي مسؤوليته في الدنيا المستقاة من مقاصد الشريعة ومن واقع المسلمين اليوم. فمن المهم إحياء الواجب الكفائي، وترسيخ فلسفته، وتوضيح أبعاده داخل المجتمع، وهو مرهون بتربية المجتمع المسؤول الذي يحرص على أداء واجباته وتحصيل المصالح العامة المقصودة من إقامته، فيساهم في حماية الكيان الإسلامي وإعماره.



إن إحياء فقه الواجبات الكفائية والمصالح العامة؛ وأبعادها الحقيقية في الأمة، وإعمالها في الحياة الاجتماعية والسياسية عن طريق تجديد الفهم وفقه المقاصد، كفيل بإعادة الأمة إلى طريق الشهود، والحفاظ على خيراتها ووسطيتها حتى تصبح هذه الواجبات طريق التنمية والتقدم، وسبيلا لإقامة مجتمع الخلافة والإعمار[13].



ومن ثم يكون الخطاب الكفائي موجها إلى المجموع لا إلى الأفراد، والمقصود بالمجموع القائمون على أمر الأمة، ومَن بيدهم القرار، والقدرة على التنفيذ، ولديهم الرؤية المكتملة لما يحتاجه الناس، ذلك أن " للأمة مصالح كثيرة لابد من وجودها لتنظّم أحوالها وتسعد في حياتها، ومن هذه المصالح ما لا يقدر عليه إلا باستعداد خاص وتعلم ودراية، فمثلا الطب لا يقدر على القيام به الفلاح الذي لم يتجاوز فكره دائرة مزرعته... والقضاء بين الناس لا يقدر عليه إلا الفقيه ذو الفراسة الذي عنده علم بأحوال البيئة التي يعيش فيها إلى غير ذلك من الكفايات اللازم وجودها، ولا يقدر عليها إلا بعض من الأمة استعد لها وأتقن مقدماتها ووسائلها.. وإذا لم يكن في الأمة مستعدون فعليها تذليل الطريق لإيجادهم بالتعليم[14]. وهذا لا يمنع أن يكون الخطاب أيضا لأفراد الأمة، لينهض من يجد في نفسه القدرة والموهبة، ويعرّف أولي الأمر بهذا. حيث يتوجب على قادة الأمة ومؤسساتها إعداد من يقوم بالفروض الكفائية ومساعدة من تظهر عليه الكفاءة والقدرة على أداء مصلحة معينة، فلا تناقض بين أن يوجه الخطاب إلى عموم الناس وفي نفس الوقت إلى الخصوص منهم فلكلٍ وجهته.



أيضا فإن في كل فرض كفائي نوعين من التكليف، عام وخاص، فالعام يتوجه إلى الأمة قاطبة، والخاص يتوجه إلى الفئات المختصة المؤهلة عمليا بهذا الفرض.



ذلك أن استعدادات الناس مختلفة ومواهبهم في الأمور متباينة، ومن المهم توجيههم إلى ما يوافق ميول كل فرد، حتى يبرز كل إنسان فيما غلب عليه ومال إليه، فتتوفر بذلك كل المصالح والتخصصات التي يحتاجها المجتمع الإسلامي ليكون أقوى المجتمعات اقتصاديا وعسكريا وعلميا إلى جانب القوة الإيمانية العقدية.



يقول الشاطبي: "وبذلك يتربى لكل فعل - هو فرض كفاية - قوم، لأنه سُيّر أولا في طريق مشترك، فحيث وقف السائر وعجز عن السير فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة، وإن كان به قوة زاد في السير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية... فبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة، فأنت ترى أن الترقي في طلب الكفاية ليس على ترتيب واحد، ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل، ولا بالعكس؛ بل لا يصح أن ينظر فيه نظر واحد حتى يُفصَّل بنحو من هذا التفصيل، ويوزع في أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع، وإلا لم ينضبط القول فيه بوجه من الوجوه "[15].



فالإمام الشاطبي يركز على أمور عدة تلزم من يضطلع بالفروض الكفائية؛ أولها: أن كل فعل / مجال هناك قوم يقومون به، وهم متفاوتون في ذلك، فبعضهم ينبغ ويتفوق ويستمر حتى يكون في طليعة المتخصصين في مجاله، وبعضهم يقف عند مستوى بعينه، هكذا حسب قدراته واجتهاده.



ثانيها: أن الترقي في سد المفروضات الكفائية ليست في مستوى واحد، بل هو يتعدد، حسب اجتهاد كل فرد. ثالثها: بناء على ما سبق، لا يصح التعامل مع من يقوم بالفرض الكفائي ككل واحد، وكخطاب واحد، بل يجب تعدد الخطابات، كل حسب ترتيبه وعطائه، والاختلاف في تقدير جهد كل شخص.



وعندما نربط هذا بواقع الأمة الآن، فإنه يتعين أن يكون الخطاب النهضوي مستهدفا ما يأتي:

تعدد مستويات المخاطبين، بأن يخاطب كل جيل أو طائفة أو مهنة أو نوع على حدة، يستنهض عزيمتهم، ويشحذها.



ربط المخاطبين بالمشروع الحضاري العام للأمة، وهذا من شأنه جعل الفرد، كل فرد، مستشعرا مهمته وسط الملايين، وأن على عاتقه الكثير الذي يمكنه من خدمة دينه، وأمته.



إعلامهم أنهم مستخلفون من الله سبحانه على الأرض، وهذا يربطهم بالغاية العليا من خلق الله تعالى لهم، وأنهم مكلفون برسالة سامية، فلا يقعدون عنها.



توعيتهم بأن كل فرد منهم على ثغرة من ثغور الإسلام، فلا تؤتين من قبله، وهذا مفهوم أصيل، يستحضر همة كل فرد، ويشعره بعظم المسؤولية، ويربطها بضميره الروحي.





[1] النظريات السياسية الإسلامية، م س، ص318.




[2] المحلى، ابن حزم، تحقيق أحمد محمد شاكر، مطبعة النهضة، القاهرة، بدون تاريخ، ج6، ص156.




[3] النظريات السياسية الإسلامية، م س، ص308، 309.




[4] السابق، ص 308.




[5] انظر: الدولة والأمة " في فقه الحضارة العربية الإسلامية "، د. رفيق حبيب، دار الشروق، القاهرة، ط1، 1401هـ، 2001 م، ص139، 140.




[6] سورة التوبة، الآية 41.




[7] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج في الفقه على مذهب الإمام الشافعي، للعلامة شمس الدين محمد بن أحمد الرملي، طبعة مصر، 1292هـ، ج7، ص193، 194.




[8] الحرب الإجماعية في الإسلام، اللواء الركن محمود شيت خطاب، كتاب ندوة النظم الإسلامية، منشورات مكتب التربية العربي لدول الخليج، أبوظبي صفر1405هـ، نوفمبر1984م، ج2، ص297 - 301. وقد أشار المؤلف أن العسكريين الأوروبيين تحدثوا عن الحرب الإجماعية لأول مرة عندما وجدوها متحققة في الحرب العالمية الأولى في بريطانيا وفرنسا وألمانيا على نحو ما شرحه المشير الألماني " فون لودندروف " في كتابه "الأمة في الحرب "، وينفي أن تكون هذه الأمم سباقة إلى هذا المفهوم / مؤصلا له إسلاميا بالقرآن والسنة والسيرة العطرة.




[9] رواه الدارمي بمسنده، بإسناد صحيح، سنن الدارمي، عبد الله الدارمي، تحقيق: حسين سالم أسد الداراني، دار المغني للنشر والتوزيع، بيروت، ط1،1421هـ، 200م، ج3، ص1568، وأخرجه أيضا البخاري في باب الجهاد ومسلم في باب الإمارة.




[10] الموافقات في أصول الشريعة، ج 1، ص141.




[11] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج7، ص119، 120، وقد جاء ذلك في شرحه عن شروط الإمام، بأن يكون مسلما مكلفا حرا ذكرا شجاعا ذا رأي وسمع وبصر ونطق، وأشار أن يكون من قريش مع الخلاف حول هذا الأمر، وتنعقد الإمامة بالبيعة من أهل الحل والعقد ووجوه الناس وأعيانهم وعلمائهم المتيسر اجتماعهم، وتكون فيهم صفة الشهود من عدالة وغيرها.




[12] الأحكام السلطانية، علي بن محمد بن حبيب الماوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، د ط، د ت، ص5، ص6.




[13] النظريات السياسية الإسلامية، م س، ص311.




[14] أصول الفقه، محمد الخضري، م س، ص41-42.




[15] الموافقات في أصول الشريعة، ج1، ص143.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 78.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 76.22 كيلو بايت... تم توفير 1.99 كيلو بايت...بمعدل (2.54%)]