الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         تطبيق TrackMobApp لمراقبة الهاتف (اخر مشاركة : النخل العايم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2991 - عددالزوار : 369638 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2396 - عددالزوار : 157514 )           »          تطبيق TrackMobApp لمراقبة الهاتف (اخر مشاركة : النخل العايم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          لماذا تلجأ السيدات إلى عملية تصغير الثدي (اخر مشاركة : Elsobky - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          تقنية جي بلازما لشد ترهلات الجلد (اخر مشاركة : Elsobky - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          المختصر في تفسير القرآن الكريم***متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 169 - عددالزوار : 3603 )           »          السموأل صاحب الوفاء .. شاعر عربي يهودي! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          لا تَسَل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          عشاء فاخر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى النقد اللغوي

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 09-08-2020, 05:47 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,431
الدولة : Egypt
افتراضي الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق

الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق
د. محمد بن سعد الدبل




تقوم نظرية الأدب الإسلامي على معرفة موقف الإسلام من الأدب بعامة ومعرفة موقف الإسلام من الشعر بخاصة، ومن ثم الاطمئنان إلى ما سجل في ثنايا كتب التاريخ والسير، وأمهات مصادر الفكر والأدب عند العرب والمسلمين عبر تاريخهم الطويل الحافل بكل جديد.


ولا شك أن المصادر - التي لم يزل أدباء الإسلام قديما وحديثا - يستقون منها هي المصادر الكبرى في تاريخ الفكر الإسلامي تلك التي بلغت مرتبة علمية فكرية عالية جعلتها منهلا عذبا وموردا فياضا من مناهل أدب العربية.


وما دام الأمر - في توجيه الأدب الإسلامي، ومعرفة أسسه وقضاياه وتأصيل منهجه -يتوقف على معرفة موقف الإسلام من الأدب شعرا كان أو نثرا فإنه لا بد من نظرة متأنية وتأمل طويل في مصدري التشريع الإسلامي الخالد: كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.


نقول والله المستعان، أما كتاب الله تبارك وتعالى فهو كلام الله وكفى، كتاب أنزل من لدن حكيم خبير، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتاب كله عظات وأحكام وعبر، كتاب عقيدة سماوية سمحة خالدة، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، كتاب تعبد الله به الأنس أجمعين، والجن أجمعين، وتحداهم به أجمعين.

أما صلته بشيء اسمه الأدب فمن خلال بلاغته السامية وإعجازه الثابت في الحرف واللفظ والتركيب والجملة والمعنى، ومن خلال تصوره الشامل للحياة ولا يصح - أبدا - أن يجعل كتاب الله مصدرا من مصادر الفكر، لأنه كتاب حق من عند الحق منزل على من لا يقول إلا الحق، والفكر والأدب كلاهما يخضع للتهويمات والخيال واحتمال وقوع الشيء من عدم وقوعه، وحاشا القرآن الكريم ذلك.

ووجه الصلة - هنا - للإفادة والاستفادة من كتاب الله - هو قول الله تبارك وتعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾[1].


ولكي نوضح الصلة بين القرآن الكريم وبين الأدب الإسلامي ومدى إفادة الأدباء من هذا الأصل المتين يحسن أن نورد شيئا من كلام الأدباء والأنبياء ممن يتصف أدبهم بالنزعة الإسلامية.


قال أبو إسحاق صاحب "زهرة الآداب" هذه أمثال للعرب والعجم والخاصة والعامة استقاها أصحابها من كتاب الله تعالى مما هو أعلى وأجمل وأشرف من كلامهم: أوردها الثعالبي وساقها في كتاب "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر" قال: قال علي رضي الله عنه: "القتل أنفى للقتل" وفي القرآن ما هو أفصح وأبلغ ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ قال: والعرب تقوله لمن يعير غيره بما هو فيه: "عير بجير بره، نسى بجير خبره". وفي القرآن: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾.


وفي معاودة العقوبة عند معاودة الذنب، تقول العرب. (إن عادت العقرب عدنا لها)، وفي القرآن: ﴿ وَإِنْ عُدْتُّمْ عُدْنَا ﴾ وإن تعودوا نعد، وتقول العرب في ذوق الجاني وبال أمره: "يداك أوكتا وفوك نفخ"، وفي القرآن: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾، وفي قرب الغد من اليوم يقول شاعرهم: "وإن غدا لناظره قريب"، وفي القرآن: ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيْبٍ ﴾ ثلاث لفظات فقط.


وقالوا في ظهور الحق:"قد وضح الأمر لذي عينين"، وفي القرآن قول الله تعالى: ﴿ الْئَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ﴾.. وقالوا في الإساءة لمن لا يقبل الإحسان: أعط أخاك تمرة فإن أبى فجمرة، وفي القرآن: ﴿ وَمَن يَعْشُ عِن ذِكْرِ الَّرَحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيَطَانَاً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾.


وفي فوت الأمر قالوا: "سبق السيف العذل" وفي القرآن قول الله تعالى: ﴿ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾... وقالوا في الوصول إلى المراد ببذل الرغاب. "ومن ينكح الحسناء يعط مهرها". يقول الله في كتابه: ﴿ لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾.


وفي منع الرجل مراده يقول صخر بن عمرو أخو الخنساء:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه
وقد حيل بين العير والنزوان



وفي القرآن الكريم: ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ﴾.


وقالوا في تلافي الإساءة: "عاد غيث على ما أفسد"، وفي القرآن الكريم: ﴿ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَحَتّ َى عَفَوْا، وفي الاختصاص قالوا: "لكل مقام مقال"، وفي القرآن: ﴿ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ .


وقالت العامة: من حفر لأخيه بئرا وقع فيها"، وفي القرآن: ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.




ومن الشعر قولهم:
كل امرئ يشبهه فعله
ما يفعل المرء فهو أهله



وفي القرآن يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾.

ومن كلام العامة: المأمول خير من المأكول، وفي القرآن: ﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾ ومن جيد كلام العجم:"كل شاه تناط برجلها" وفي القرآن الكريم: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [2].

وهذه الفوائد التي مر ذكرها كلها مستوحاة من كتاب الله الذي لا يند عن علمه شيء. وإيرادها في هذا المقام ليس للمقارنة، ولا للموازنة ولا للمماثلة، وأننا نعلم علم اليقين أن كتاب الله تعالى كتاب لا يشبهه كلام مهما كان من البلاغة والفصاحة والبيان. فالكلمة الواحدة منه تأتي واسطة العقد وجوهره الثمين ومعناه الشريف. ولا يملك بليغ أو أديب إلا أن يقول: القرآن كلام الله وكفى.

أما حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وكل ما صدر عنه من قول فلا شك أنه المصدر الثاني للتشريع لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا الحق. ويمكن لكل أديب إسلامي أو قل لكل أديب ينزع من أدب إسلامي. غائي نبيل هادف يمكن أن يفيد ويستفيد من كلام النبوة في معرض القول لفظا لفظا، وجملة جملة وتركيبا تركيبا وفي الفكرة والصورة والمعنى بل والعاطفة المشبوبة الصادقة. والتخييل الحسن.

ذلك لأن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفه الجاحظ من عمالقة الفكر والأدب هو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجل من الصنعة، ونزه عن التكلف، وكان كما قال الله تبارك وتعالى قل يا محمد: ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِي نَ ﴾، فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التعقيب، واستعمل المبسوط في موضع البسط. والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي ورغب في الهجين السوقي. فلم ينطق إلا عن ميراث حكمه، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد. ويسر بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله تعالى عليه المحبة وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته. وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلت به قدم. ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب بل يبز الخطب الطوال بالكلم القصار، لا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفنج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر. ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أصدق لفظا ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى من كلامه صلى الله عليه وسلم كثيرا"[3].

وفي هذا التمهيد لا يمكن أن نبسط الكلام على نظرية هذا اللون الأدبي لأن التمهيد مدخل لما سيقرره الباحث من موضوعات أخرى يتناولها بالتفصيل، ومن هنا تبرز أسئلة كثيرة، وعلامات استفهام كبيرة حول الأدب الإسلامي أصوله ومنهجه، وموضوعاته وأغراضه، خصائصه ومميزاته، تصوره للإنسان، تصوره للحياة، تصوره للكون، تصوره للحياة الآخرة، أخلاقيته وموقفه من العلاقة بين الجنسين، قديمه وحديثه ومعاصرته وكذلك الشأن من حيث ثبوته بين المدارس الأدبية. استمرار عطائه ونفعه وجدواه، أراد النقاد حول هذا الأدب، المغرضون ومدرسة الفكر الإسلامي التائهون والمتطرفون، المصيبون المعتدلون.


كل هذه القضايا إثارتها أمر غريب وعجيب، وأغرب منها وأعجب إلحاح كثير من المتأدبين في السؤال عن مدى وجود الأدب الإسلامي واختصاصه بتصور عام للحياة والكون والإنسان، ووجه الغرابة أن كيف يتساءل ويسأل هؤلاء عن صحة التسمية، ووجود المسمى؟ وكيف يسأل هؤلاء عن ذلك كله؟ وهم يعلمون علم اليقين أن لا صلاح ولا فلاح لإنسان هذه الأرض إلا باتخاذ الإسلام دينا ومنهج حياة، لأنه المنهج الوسط في كل شيء، وأهله هم الوسط في كل شيء، وعن هذه الأسئلة الكثيرة، وعلامات الاستفهام الكبيرة، وعن هذه القضايا، ومن خلال مسالة تنظير الأدب الإسلامي ومنهجته وتطبيقه لا بد من التدليل على الصحة وعدمها وتفنيد أضدادها، لينطلق الأديب المسلم من خلال عطائه الأدبي متيقنا بأنه الأديب الذي يعطى بقدر ما يعرف، ويجيب بقدر ما يعلم، ويسهم بقدر ما يستطيع مؤمنا بأنه لا يدوم إلا الحق، ولا يصح إلا الصحيح.


ومن الجيد النافع لبسط موضوع الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق أن نناقش - أولا - مسألة الصراع بين الحق والباطل بين البشر منذ أن بزغت شمس الإسلام، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمل رسالة دين الله ونشرها وتطبيق أحكامها. وبيان أنها النظام الشامل الشافي الكافي الذي لا تصلح حياة بدونه مهما بلغ الفرد والمجتمع في حياتهما من تمدن ورقي.


وهذه أشارات مقتضبة عن واقع الأدب الإسلامي بين القوى المتصارعة والتيارات المعاكسة لشيء اسمه الفكر الإسلامي، لتتضح رؤية التنظير والتطبيق لهذا الأدب.


لقد صاحب الدعوة الإسلامية منذ فجر تاريخها العريق كثير من القوى المناوءة والتيارات المغرضة التي لا هم لها ولا هدف ولا غرض سوى القضاء على الإسلام وفكره وأدبه ونظامه المشرع للحياة والأحياء، ومعلوم أن الإسلام في عطائه ينبع من مصدر واضح جلي لا يخفيه عن الأبصار إلا هذه القوى المغرضة أما كونه واضحا جليا فلأن مصدره هو القرآن الكريم والسنة النبوية، وأما أن القوى تسلط عليه لتخفيه فهذا أمر معروف لكل من تأمل وتدبر وأمعن لأن الخير لا يتضح إلا بجانب الشر، وقديما قيل: إذا رأيت الشر فاحكم بأن تحته الخير، فإذا استفحل الكفر فاعلم بأن الإيمان قوي إذ هو سبب استفحال الكفر ليصد الإيمان وأهله عنه، ويشير القرآن إلى صحة هذه القاعدة "الخير والشر في صراع" هذه الإشارة القرآنية نلحظها في قول الله عز وجل: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾، أي مثل الحق، ومثل الباطل فالزبد مثال أو مثل لظاهرة الشر الذي يسيره الكفر ويدعو إليه فهذا المبدأ الخيري يحاول الشر بفعل الكفر أن يستره ويخفيه ويقف ضده، وإذا رأيت الشر فاحكم بأن معه الخير، فالزبد شر يقع على القشرة من العلو، وأما ما ينفع الناس فهو الخير الصراح الذي يمكث في التحتية ليخصب العلو ومن عليه ويمدها بالخير، والصراع العقدي الذي تشب أواره شياطين الإنس والجن موجود منذ أوجد الله تعالى الخليقة، لأنه سبق في علمه المحيط بكل شيء أن تلك الظواهر من المخلوقات لا يتم نفع بعضها لبعض إلا بوجود ما يناقضها أو يضاهيها، ومن هنا يأتي المعنى الكبير والمغزى المقصود من امتحان الخلق وابتلائهم بالصبر والامتثال.


وإذا كان هذا في جانب العقيدة فهو في جانب الحياة الفكرية والأدبية أوسع وأرحب وأعظم خطرا، لأن الفكر والأدب معينان يملأهما اللسان، واللسان كثيرا ما يفوت الطلبة الحسنى على صاحبه لأنه مظنة الشر كما هو مظنة الخير سواء بسواء، أما ما يتعلق بجانب العقيدة فللسان أثره وللقلب أثره وللروح أثرها وللعقل أثره وللنفس أثرها في إمداد الجانب العقدي سلبا وإيجابا امتثالا وانتهاء عملا وإتباعا.


وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".


وإذا تأملنا في هذا الصراع العقدي الفكري وجدنا أن شباب الإسلام منذ فجر الدعوة الإسلامية إلى جيل العصر الحاضر هم محور هذه القضية في الأدب الإسلامي نظرا لما يشكله شباب الأمة من قوة فتية تقف أمام القوة الشريرة المناوئة فتحاول أن تخطف الشباب، وتحاول أن تصده بمغرياتها متى عجزت عن أخذه بوسائل قمعها وتعذيبها، ودليل تلك القضية ما لقيه الشباب المسلم في عهد محمد صلى الله عليه وسلم على يد الكفرة المشركين الضالين الذين أبوا الإسلام واتبعوا دين أبائهم،. فما الذي لقيه صهيب الرومي؟ وسلمان الفارسي؟ وما الذي لقيه خباب وبلال وعمار؟ وتعود هذه القضية مجلية بخيلها ورجلها تملأ السجون بشباب الإسلام عبر قرون طويلة إلى اليوم فما الذي يلاقيه شباب الأمة في حربنا مع العدو في أفغانستان وفي فلسطين؟ وفي الحرب النفسية التي يشب أوارها أقلام المفكرين من الأدباء شيبا وشبانا؟ لا لشيء إلا لإزهاق الباطل وإظهار الحق والسير بالناس على الصراط المستقيم. صراط الله الذي له الملك في السموات والأرض، الصراط الذي أنعم به الله تعالى على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهذه القضية من أكبر القضايا ومن أجل الأغراض التي ينزع عنها الأدب الإسلامي، وإذا كان مما يعين على رسم صورة لنظرية الأدب الإسلامي الوقوف على أغراضه وفنونه فإن مما يصح ذكره أن نقول: إن الأدب الإسلامي في عموم أغراضه وفنونه لا يختلف عن وظيفة الأدب بمعناه العام النافع السليم، ذلك لأن الأدب من منظور إسلامي هو محاولة وضع الشيء في مساره الصحيح شكلا ومضمونا.


والإسلام دين الفطرة - فطرة الله الذي خلق كل شيء، وتمشيا مع تلك الفطرة السليمة حدد الإسلام كل ما يتصل بحياة المسلم. وما يصلحه في معاشه، وينفعه في معاده وهو بذلك يرسم للأديب طريقة سليمة، وجادة واضحة ينطلق منها إلى ميدان العطاء من خلال الكلمة الطيبة الصادقة المعبرة، فيحمله إلى أن يميز الكريم من اللئيم، والطيب من الخبيث، ويقطع حجة كل جدل خصيم وتحامل كل معتد أثيم، وأول ما يجب أن يعني به الأديب المسلم في الغرض والهدف والغاية من الكلمة أن يجيء فنه الأدبي زاخرا بعظيم حق الله تعالى على عباده، وثقل أمانته على خلفائه في أرضه، وأمنائه على شرائعه.


فكان لزاما أن يعني الأديب ببسط الأركان الخمسة التي ينبني عليها الإسلام، وشرحها وتقريب مفهومها للمتلقين، ليقوم المسلم بأداء كل ركن على الوجه الذي شرعه الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقرب مثال على ذلك طريقة الرسول الكريم في تربية المسلمين على كيفية القيام بأركان الإسلام وأدائها وفي جملتها الصلاة، فاستمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم من حديث المسيء صلاته: ارجع فصل فإنك لم تصل.


فهنا تحرك العواطف بشيء من الحزم، على الرغم أن الموقف موقف عبادة امتثله صاحبه عن رضا وطيب خاطر، ولكن لا بد من شيء من الحزم ليهيئ ذلك الرجل المسيء صلاته، كل جوارحه فيتعلم شعائر دينه ممن لا ينطق عن الهوى.


وليس بمنتظر من الأديب في أغراض أدبه وفنونه أن يأتي بمثل ما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الرسول الكريم إنما يزود بالمعارف الربانية من عند الله تعالى، ولكن على الأديب المسلم أن يسلك الطريقة المثلى في العطاء الأدبي وأسلوب التأثير.


ويسير - جدا - على الأديب المسلم أن يبين للناس بعض الحكم والأسباب التي من أجلها شرع هذا الحكم - مثلا - وسن هذا وحرم ذلك وأقرب مثال على ذلك مشروعية الصيام، ففي استطاعة الأديب أن يبين أن ليس الصوم ركنا للدين فقط، بل هو كذلك ركن للحياة السليمة الصحيحة، لأن الحياة تتكون من عنصرين: هما الجسد والروح، ولكل منهما غذاء من نوعه فغذاء الجسد مادي، وغذاء الروح معنوي يأتي في جانب الصوم من خلال الصبر على احتمال التكاليف والمرونة على مدافعة الشهوات.


وقل مثل ذلك في سائر الأركان الخمسة، وفي كل ما ندب إليه الشارع الحكيم صلى الله عليه وسلم، وفي كل ما نهى عنه الشارع الحكيم صلى الله عليه وسلم، فأين الأديب المسلم من تبين خطر الربا؟ مثلا - أينه في أغراضه الأدبية وموضوعاتها من بيان خطورة هذا التعامل، هذا الأسلوب في البيع والشراء وما هو من البيع والشراء المباح في شيء؟


أين الأديب المسلم في كيفية معاملة أهل الكتاب؟ أين الأديب المسلم من كيفية التعامل مع الفرد المسلم ومع الجماعة المسلمة في جميع الأشياء؟ أين الأديب المسلم في بيان الكيفية السليمة لبسط التربية الإسلامية للناشئة وتوجيه الشباب؟ كل هذه الأغراض من صميم أغراض الأدب الإسلامي لكنها تختلف في طريقة العطاء عند الأدباء أنفسهم، إذا فحري بالأديب المسلم أن يحلق بالمتلقين في سماء هذه الأغراض ذات الغايات النبيلة فيحدث سامعه ويقرئ الناظر في كتابه بيتا من الشعر أو سطرا من النثر عن هذه المعاني، إليك - مثلا - الجهاد ذلك الموضوع الذي شرعه الإسلام وجعله مفتوح الباب إلى يوم القيامة من أجل الدفاع عن الإسلام وأهله وما لهم من حقوق في الدنيا والدين، ودليل استمرار فضيلة الجهاد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل أي الناس أفضل؟: "مؤمن يجاهد في سبيل الله تعالى بنفسه وماله"، فانظر إلى التعبير بلفظة "يجاهد" حيث جاءت بصيغة المضارع وفي ذلك معنى التجدد والحدوث والاستمرار.


وليحدثنا الأديب المسلم عن كل ما يتفرع عن الجهاد: عن معاملة الأسرى.. عن قسمة الغنائم.. عن الثبات والثبوت في صفوف المسلمين عن مقارعة العدو.. عن الوفاء بالعهد.. عن التزود بما يجب أن يكون عليه المجاهد.. عن مفهوم كلمة: الجهاد، ومفهوم كلمة الحرب، عن الغدر والخيانة.. عن الخدعة ومفهومها عن كل ما يتصل بأطراف هذا الموضوع.


وليحدثنا الأديب المسلم عن موضوع: الإيمان بالله تعالى جملة وتفصيلا وليحدثنا الأديب المسلم عن معنى النصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.


وليحدثنا الأديب المسلم عن بر الوالدين وصلة الرحم، والسعي على الأرملة واليتيم، وأداء الحقوق لأهلها، ورد المظالم إلى أصحابها.


وما أجمل أن يحلق الأديب في آفاق هذه الأغراض وتلك المثل العليا التي أسداها الإسلام إلى الناس أجمعين، أسداها بمثله الرشيدة، وأحكامه العادلة، وهل كان الأدب في عموم أغراضه ومعانيه إلا التعبير عن قيم حية يتفاعل مع تجربتها الأديب من خلال ارتباط وثيق موثق بين الإنسان والكون والحياة؟ يصله هذا الارتباط بخالق الكون ومن عليه اللهم نعم.
فتعرف يا ابن أمي في العقيدة
يا أخا الإسلام في الأرض المديدة
وتجرد لانطلاقات بعيدة
وتوقعها جراحات جديدة
فهي طوبي واختبارت مجيدة
وتساءل عنها اليوم قصيدة
ما حياة المرء من غير عقيدة[4]

وسنبسط الكلام على أصول الأدب الإسلامي وأغراضه وفنونه في موضع أخر من هذه الدراسة والذي يحسن أن نوضحه - هنا - هو ما يتعلق بنظرية هذا الأدب وتطبيقه.



إنه من خلال هذا الصراع الأدبي، ومن خلال تعرفنا على رسالة الأدب الإسلامي يمكن القول: بأن مسألة نظرية هذا اللون من الأدب يجب أن تكون حصاد جهود مكثفة في مجالات متعددة فلا تشمل - فقط - الدراسات الأدبية بفروعها من التاريخ والنقد والدراسات الأدبية المقارنة[5].


ولا بد من مراعاة وحدات أربع لتصح النظرية وتحصل الثمرة هذه الوحدات هي: الحقيقة أو العالم الذي يعبر عنه الأدب، المتلقي لهذا العالم الأدبي، الأديب نفسه، نص العمل الأدبي.


وما دام الأمر كذلك، فيجب أن نفهم ونؤمن بقضية لها خطرها وأثرها تلك القضية هي: الإقناع والتسليم بوجود أسس متينة تبنى عليها معطيات الحياة البشرية ومقوماتها في مختلف ميادين الحياة سواء فيما كان مجاله العلم أو فيما كان مجاله الفكر والأدب. فالحياة الاقتصادية، والحياة العلمية والحياة الاجتماعية كل ذلك كان مبنيا في وجوده على أسس تنهض به ربما يعيده إذا إخلولق أو ضعف وضع نظرية جديدة تقومه وتعيده، وقل مثل ذلك عن الحياة الفكرية والأدبية فإنه لا يختلف اثنان على أنه قد كان للأمة العربية والإسلامية حياتها الفكرية والأدبية أسس شيدت عليها معالم فكرها وأدبها حتى إذا ما إخلولق عطاؤها الفكري والأدبي جاءت إلى وضع نظرية لهذا اللون من الأدب كما هو الحال في الأدب الإسلامي، فإنه لما تنبه المسلون إلى خطورة الموقف في حياتهم الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وإلى بعد هذه المعطيات عن نظام الإسلام بتأثير من تغريب العوام، تنبهوا إلى خطورة تغريب الحياة الفنية والأدبية، الأمر الذي فتح لعلمائهم وأدبائهم ومفكريهم وضع نظريات إسلامية في الفكر والاقتصاد والاجتماع والسياسة، وإلى محاولة جادة تعمل على إيجاد نظرية إسلامية للفن والأدب[6] وإذا أردنا أن نعرف أبعاد النظرية الإسلامية لرسم الخطوط الدقيقة والعريضة لمنهجة الأدب الإسلامي ثم لمرحلة تطبيقية، فإن لتصور هذه الأبعاد ولتصور هذه النظرية، ولرسم هذه الخطوط حتى تصل مرحلة التطبيق.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 169.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 166.88 كيلو بايت... تم توفير 2.17 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]