إشكاليات طلب العلم المعاصرة - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         مدافن للبيع بالتقسيط (اخر مشاركة : دينا22 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          بحث في معنى قول الله تعالى:{ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 9 - عددالزوار : 384 )           »          فن الكتابة فى الصفحة البيضاء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 549 )           »          لماذا كل هذه الحرب على الإسلام؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أقوال عن الكتابة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          وسائل التواصل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          وقل جاء الحق وزهق الباط (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          الإنسان بين الفطرة والاختيار (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          قراءة فى كتاب أشاهد فلان؟ (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3367 - عددالزوار : 501072 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 24-07-2021, 01:58 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 72,392
الدولة : Egypt
افتراضي إشكاليات طلب العلم المعاصرة

إشكاليات طلب العلم المعاصرة


مصطفى مهدي







بالرغم من الحالة التي كان عليها سلفُنا، من العلماء وطَلَبة العلم ورجال الدَّعوة، من الفقر والحاجة، وقلَّة المصادر والمراجع العلميَّة، وبُعد المسافات بين العُلماء، وتفرُّقهم في البُلدان، وانشغالهم مع طَلَبِ العلم بالجهاد، وغير ذلك من الأمور التي انتفتْ عن حاضرنا الآن؛ إلاَّ أنه من المُتَّفق عليه أنَّهم كانوا أعلمَ وأتْقن، وأضبط للعلم، وأخلص لله -تعالى- لذلك خلَّد الله -تعالى- ذِكرهم، وبارك أعمالهم، فلا يدانيهم أحد في بذْلهم وعطائهم.

وعلى النقيض تجد حالَنا الآن، فبالرَّغم من تحسُّن الأوْضاع المادّيَّة لكثير من طلَبة العِلْم في بعض البُلدان، وبالرَّغم من توفّر الكتُب العلميَّة المختلفة والمتنوّعة في المكاتب العامَّة والخاصَّة في بعض البقاع، وسهولة الاتّصال بالعلماء ورجال الدّين، من خلال وسائل الاتِّصال الحديثة المتنوّعة، إضافةً إلى إمكانيَّة الاحتفاظ بالدُّروس مسجَّلة، والاستِماع إليها مرارًا، إلاَّ أنَّ المنصف يجد أنَّه لا وجهَ للمقارنة بين طلب العلم المعاصر وطلب العلم عند السَّلف، وهذا يتبين من آثار حالتي الطَّلب على الفرد والمجتمع.

ولأنَّ ما أسلفته مقرَّر عند كلِّ عاقل ناصح لنفسه، فأرى أنَّ الأَوْلى والأَحْرى هو الدّخول في صُلب الموضوع، وهو حال طلب العلم المعاصر، ولماذا لا يُثمرُ الثَّمرة المرجُوَّة على الوجه الذي يُداني حالَ السَّلف أو يُقاربه؟ أو لماذا إنتاجُه ليس على وجهٍ يُلبِّي ويُشبعُ حاجة المجتمع الإسلامي المعاصر؟

فأقول - مستعينًا بالله تعالى، طالبًا منه التوفيق والسَّداد والرشد -: إنَّ طلب العِلْم الشَّرعي الهدفُ منه في الجملة حفظُ الشَّرع، وحفظ التُّراث العلمي، ونقله للأجيال القادمة، وبالطبع الغاية من ذلك العلم والعمل ليس مُجرَّد العمل، ولكن دَوْر العُلماء الأكبر هو حِفْظ الشَّرع من التَّحريف والتَّبديل والذَّب عنه، ونقله سالمًا خالصًا إلى المسلمين، وأمَّا العمل فكلٌّ بحسبه ما بين مُقلٍّ ومستكثر.

فهذه المعضلة المُعاصرة يتجاذب أطرافَها أمورٌ، وكلُّ أمر منها له تأثير بشكْل مُعيَّن على عمليَّة طلب العلم الشرعي، وأَثَرٌ ملموس، إمَّا سلبي، وإمَّا إيجابي، هذه الأمور على ما يلي من تقسيم وعرض:
أولاً: طالب العلم:
وهذا العُنصر أتناوله من عِدَّة مَحاور، وهي على الوجه الآتي:
أ- كثيرٌ من الذين يزجُّون بأنفسهم في طلب العلم يَخلطون بين التديُّن أو الالتِزام وطلَب العلم، وهذا أمر مُلاحظ مشاهد، ففرْقٌ بين أن تكون مسلمًا متديّنًا عالمًا بحدود دينِك؛ للتعبد إلى الله -تعالى- على بصيرة، وبين أن تكون طالبًا للعلم، وهذا الفرق يتَّضح ببيان ما يلي:
1- المسلم العادي يلزمُه العلمُ بما يَحتاجه من الدِّين، ممَّا تصحُّ به عبادته وعبادة أُسرته، وما يتعرَّضون له من أحوال يُريدون معرفة حُكم الشَّرع فيها، ويكفيه العمل بقول المفتي العدل، بخلاف طالب العلم، فإنَّه يتعلم لنفسه ولغيره، فيحيط بمسائلَ قد لا تقعُ له؛ ولكن ليبيِّن للنَّاس حكم الشَّرع فيها، والصَّواب الأقرب للأدلة، مع العمل على تحصيل آلات الفهم من علوم الوسائل، والتدرُّج فيها، وبلوغ الغاية الممكنة في التشبُّع بآلات الفهم والإدراك الصحيح لكلام الشَّرع وأهل العلم.

2- طالب العلم يلزمُه الصِّدق مع نفسه، والنَّظر في قُدراته الَّتي وهبها الله -تعالى- له، من جوْدة الذِّهن، وقدْر من الذَّكاء والفهم، والقُدرة على الحفظ، مع فقه النَّفس وسَعة الأفق، إضافة إلى إدراك الواقع، من خلال متابعتِه أو الانخراط فيه، ومشاهدته عن حسٍّ أو تجرِبة، بخلاف المسلم غير طالب العلم، فلا يلزمُه شيء من ذلك، سوى أنَّه يَجب عليه تعلُّم أصول عقيدته وعبادته، ويعلم أنَّه لا يَحِلُّ له إجماعًا الإقدامُ على شيء من الأمور إلاَّ بعد معرفة حُكمه الشَّرعي.

3- البذل والتضحِيَة من متطلَّبات طلب العلم، فالطَّالب يحتسب الوَقْتَ، ويحتسب قليلَ الكسْب الَّذي يُعين على قيام الحياة؛ ليفرِّغ وقته وجهده وذهنه لطلب العلم، والإحاطة بالمسائل الشرعية، بخلاف غيره، فلا يلزمه ذلك؛ بل إنَّ جُهده ووقته إمَّا مقطوع في عبادة، وإمَّا مستثمر في عمل وكسْب حلال.

وغير ذلك من الأُمُور التي يجبُ على المرء أن يكون صادقًا مع نفسه ويدركها، ولا يقْحِم نفسَه في أمر قد لا يستطيعه، ويترتَّب على العجز عنه الآثار السلبيَّة على الطلب، أو نفسيَّة الطالب، أومَن زجَّ بنفسه في هذا المضمار، فبذلك يكْفي المراد من الإشارة إلى الفرق بين طلب العلم، والتدين والالتزام.

وليلاحظ أنَّ الخلط بين هذين الأمرين لا ينتج إلاَّ ما نراه من ضَعْفِ كثير ممن ينتسبون للطلب، فتجده قليلَ الفهم والإدراك، ضعيفَ الحفظ والاستحضار؛ بل إنَّ منهم مَن لَم يَختم القرآن حفظًا وفهمًا، ثمَّ زجَّ بنفسه في ذلك البحر الخِضَمِّ، الَّذي يقف المتمكنُ على ساحله، فما بال المنصِف بمَن كان دون ذلك؟! ولله -تعالى- الحكمة البالغة، وفَضْل الله -تعالى- واسع.

ب- يواجه طالبُ العلم في الوقت المعاصر كثيرًا من العوائق التي تعرقل السير في طريق التحصيل، ولو بوجهٍ ما، فمن ذلك:
1- قضيَّة الكسْب وتحصيل الرِّزق، والتي يقضي الطالب فيها وقتًا، ويبذل فيها جهدًا يعود على طلبِه للعلم بقدْر من السلبيَّة والانتقاص من حقِّه، والعجز عن إتيان الأمر على وجهه.

2- العجز عن شراء الكتُب والمراجع اللاَّزمة لعمليَّة الطَّلب، إمَّا بسبب ارتفاع ثمنها - وهو السببُ الأكبر - وإمَّا بسبب عدم توفّرها، فإذا قيل: لا يلزم الطالب الشِّراء والتملك، ولكن الأهم توفر الكتاب وتمكُّنه من المطالعة، فيجاب عن ذلك بقلَّة أو ندرة المكتبات العامَّة التي تُعنَى بتوفير الكتب الشرعيَّة اللازمة لطالب العلم على تنوّع المراحل، وتنوع الكتب ما بين تصنيف لمعاصر، ومُتقدم، وغير ذلك من الأمور.

3- فإذا توفَّر للطالب القُدرة الجِبِلِّيَّة والوقت والكتاب، وصاحَبه التَّوفيقُ في ذلك، احتاج للمتابعة من قبل العُلماء والمتقدّمين من طلبة العلم في جَميع مراحله، وهي قليلة جدًّا، بحيث إنَّك تكاد لا تراها متَى قلَّبت بصرَك في أرجاء معاقل الطَّلب والتَّحصيل.

4- مجال التَّطبيق العملي لما تحمَّله الطالب من العلم، ففرصة الدَّعوة أو التعليم أو التصنيف يتجاذبها كثيرٌ من الأطراف، والتي تعرقل عمليَّة بثِّ العلم ونشْره، ممَّا يؤدِّي إلى ركود ذهني، وتراكُم الرَّصيد العلمي، مما يُنسي بعضه بعضًا، حتَّى ولو عمد الطالب إلى المراجعة، فإنَّ التَّعليم والتَّلقين ممَّا يعين على تثبيت العلم.

ج- المنهجيَّة: والمقصود بالمنهجيَّة الطَّريق الواضحة في تَحصيل العلم، والسير على مرحليَّة تناسِبُ القُدرات، وتناسب الحاجة، وتناسب الظُّروف المُحيطة بالطالب، مع مُراعاة البداية السَّليمة، الَّتي تؤدي للثمرة المرجُوَّة بأنْ يكونَ تركيزُ الطالب وسيره وبذْله في الاتِّجاه الصحيح، الذي يصنع منه عالمًا يومًا ما.

والناظر في المناهج التعليميَّة الآن يَجدها على ثلاثة أنواع:
1- المنهج العشوائي:
وهذا المنهج الطالبُ يتخبَّط فيه، لا يدري ما يدرس، وما المقدَّم، وما المؤخَّر من العلوم، ومتى يقرأ ذلك، ومتى لا يقرؤه، ولا تجد المنتسب لهذا المنهج عنده علم بالعلوم المتنوعة، ولا بالكتب، ولا بالفنون، ولا القُدرة على التفرقة بين علوم الآلة وعلوم المقاصد، فضلاً عن أن تجده قد أنهى كتابًا واحدًا، وحصَّل ما فيه من علم، فهذا الصِّنف من الطَّلَبة سرْعَان ما يتبدَّل بهم الحال، إمَّا إلى ترك الطَّلب بالكلِّية والاكتفاء بالثَّقافة العامة، وإمَّا إلى الهداية لمنهج سليم صحيح، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.

2- المنهج المقلوب:
وهذا المنهجُ من أخطر الآفات التي أصابت طُرُق الطَّلب والتحصيل؛ مِمَّا أدَّى لقلب كثير من الموازين والمفاهيم في عالَم طلب العلم، وهذا المنهج لا يثمر عالمًا ولا فقيهًا؛ بل إنْ أثْمَرَ فلا ينتج إلاَّ حافظة ووعاء لنقْل أقوال العلماء فقط.

ومُشكلة هذا المنهج أنَّه يسير ضد تيار الفطرة والتدرُّج، وضد منهج القُدماء، والرَّاسخين من المعاصرين، فالطالب المبتدئ الذي لم يحسن قراءة القرآن، ولم يدرس العربيَّة، والأصول الفقهيَّة، وعلم المصطلح، والقواعد، والضوابط المنطقيَّة التي يحتاج إليها بصورة تُمكِّنه من الفهم والإدراك، تجده يتجاسَرُ بالخوض في مقارن الفقه، ومُتقدم كُتُب العقائد، ويلبس ثَوْبَ العُلَماء؛ لما علَّمه شيخه - المخطئ - من مسائل كثيرة وأقوال ونقولات، ثُمَّ رجَّح له أحد الأقوال، فيظنُّ المسكين أنَّه قد حِيزَت له دنيا الطَّلب، ولا يدري أنَّ ذلك سرْعَان ما يذهب هباءً منثورًا؛ لأنَّه لم يتأسَّس، ولم يرسخ في التَّقعيد والتَّأصيل الَّذي يُمكن له تَشْيِيد بناء علمي يبقى ولا يزول، ويزداد مع الوقت يُعين صاحبَه على الفهم والضَّبط، والرَّبط بين ما تحصَّل وما جدَّ وحدث من المتغيرات والوقائع والنوازل.

وهذا المنهج الطالب فيه ضحيَّة نفسه، وضحيَّة مَن تصدَّر وتَمشْيَخ، وقدم هذا الطرح على أنَّه منهج علمي، فيجعل مَن لا يُحسن قراءة الفاتحة ينظر في "المغني" لابن قُدامة، أو "الدرء" لابن تيمية، أو متون البخاري ومسلم، بلا أدوات النَّظر في تلك البحور العظيمة، ثُمَّ يَمر الزَّمن، ويكتشف الطالب أنَّه لم يحصل شيئًا، ولم يبقَ معه شيء مِمَّا قرأه وطالعه.

3- المنهج الفطري التدرُّجي:
وهو المنهج الذي سار عليه الرَّاسخون في العلم من المتقدمين والمعاصرين، والذي يتناسَبُ مع الفطرة وسُنَّة التدرُّج، والبداية بصغار العلم قبْل كباره، والاهتِمام بالمراحل العمرية للطَّالب والقُدرات الذِّهنية، وتقديم الأهمّ على المهمّ.

فالطَّالب يستقبل أمرَه بدراسة يسيرة لأصول العقيدة الصَّحيحة، وشيء من الفقه الَّذي تصحّ معه عبادته، ثمَّ يبدأ بحفظ كتاب الله -تعالى- وشيء من سنَّة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ بعد أنْ يحفظَ الأصول يعتني كثيرًا بدراسة وتحصيل الآلة التي تُعينه على فهم كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيدرس اللغة، ومصطلح الحديث، وأصول الفقه، وغير ذلك من العلوم الخادمة لأصول الدين والملَّة، ويتدرَّج الطالب في دراسة هذه العلوم إلى أنْ يصلَ إلى مرتبة تُؤهله لحُسن الفهم والإدراك عن الله - عز وجلَّ - ورسوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - وجودة ضبط المسائل الفقهيَّة، وما يناسب النَّاس من الأحكام التي تمليها الأدلَّة والنُّصوص والغايات والحكم والمقاصد الشَّرعيَّة.

وهذا المنهج هو الذي سار عليه أهلُ العلم، الذين يتقوَّى المرءُ بمطالعة كُتُبهم، ويحيا باستنشاق روح الرُّسوخ والإخلاص والتأصيل من تصانيفهم، ومع أنَّ هذا المنهج يستغرق الوقتَ من العمر ولكنَّه أكثر المناهج سدادًا وتوفيقًا، وبه يُصنع العالِمُ الرَّاسخ، الَّذي يستطيع حمايةَ الشَّريعةِ، ونقْلها على أكمل وجْه وأتمِّه، وثَمرتُه أحْلى الثَّمرات وأطيبها على الإطْلاق.

ثانيًا: المعلم:
يُعدُّ طلبُ العلم الشَّرعي تركيبةً من طالبٍ ومُعلِّم، يربطُ بينهما منهجٌ، ويوحِّدهما هدفٌ، وهو نُصرة الدين والذَّب عنه، وحمل علم الأُمَّة وتراثها للأجيال القادمة، وحفظ الشَّريعة ونشرها؛ ليكون الدين كلّه لله - تبارك وتعالى.

والمعلِّم له دَوْر عظيم في هذه المهمَّة، وعليه من الأعْباء ما لا يُطيق حمْله إلاَّ الرَّاسخون المسدَّدون، ممن وفَّقَهم الله -تعالى- ورزقهم حُسْنَ الفهم والخبرة، وفقه النفس العلمي والتربوي.

فالشَّيخ يلزمه فهمُ منهج الطلب، وكَيْف اعتنى السَّلف بالطلب، وكيف تدرَّجوا في الطلب إلى أنْ وَصلوا إلى ما وصلوا إليه من المكانة الرَّفيعة بين الأُمَّة، وكذلك معرفة نفسيَّات الطلبة، وقدراتهم الذهنيَّة، ومُؤهلات الطَّالب، وما الَّذي يستطيعه في عمليَّة الطَّلب، ومع كوْن الشَّيخ نفسه قُدوة علمًا وعملاً، فيكون كالصّورة التطبيقيَّة للعلم والعمل.

وبالطَّبع لا يغفل الشيخُ عن جانب التربيَة، والسلوك، والإرشاد إلى هَدْيِ الإسلام في تزكية النُّفوس وتحليتها بكريم الخصال والشِّيَم.

فالنَّاظر بعين البصيرة في الواقع المعاصر، يجد أنَّ طالب العلم يفتقر في كثير من البلدان والأحيان إلى:
1- العالم المنهجي:
وهو الذي يهتمُّ بتلقين الطالب أصولَ الفنّ، ثُمَّ يرفع الطالبَ شيئًا فشيئًا في سلَّم التحصيل العلمي للعلوم المختلفة، وهذا النَّوع من أهل العلم، إمَّا موسوعي أو متخصِّص في فنٍّ من الفنون، وعلى دراية قويَّة به، وعلى كلِّ حال، فالمهمّ هنا هو التدرُّج والمرحليَّة التي تصنع عالمًا مرتبطًا بسلَفِه، في إطار منظومةٍ كبيرة من اتِّصال الخلف بالسَّلف في العلم وأصوله وقواعده ومنهجه، وأمَّا أنْ يتلقَّى الطالبُ ما انتهى إليه العُلماء من المسائل، وما انتهت إليه أيديهم من التَّصنيف، ثُم يظنُّ أنَّ ذلك العلمُ - فخداع للنَّفس وللطلبة المساكين، يدُلُّ على جهل بمنهج التَّعليم، الذي صار عليه الرَّاسخون مُنذ عهد النُّبوَّة إلى الآن، والأحرى بصاحبه أنْ يصلحَ من نفسه، ولا يقع في تَخليط ومغالطة لمنهج التَّعليم والتلقِّي، ولْينظر في سِيَر العُلماء الذين سلَّمت لهم الأمَّة بالإمامة والفقه في الدين بِمعناه العامّ؛ لعلَّ الله - تعالى - أنْ يُنير له بصيرتَه، ويسدِّد خطاه.

2- العالم المربي:
وهو الشَّيخ الخبير بالنَّفس وأحوالها، العالم بكيفيَّة معالجة الشَّرع لأدران البشريَّة، فيعمد إلى الأخذ بيد الطَّالب من التخلية إلى التحلية، وبنائه بناية نفسيَّة سويَّة ترتبط بالله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ارتباطًا تطبيقيًّا، من خلال الآيات والأحاديث، والنَّماذج السلفيَّة والتَّاريخيَّة والمعاصرة للعُلماء وأهل الصَّلاح والفلاح من صالِحي المسلمين وعُبَّادهم.

وهذا النَّوع من العلماء كالأب للابن والأخ لأخيه، يبثُّ فيه التوادّ والإخلاص والجدِّيَّة، واللِّين والرِّفق والمحبَّة، والتَّواضُع والصِّدْق والصَّبر، وتعْبيد النَّفس إلى الله - تعالى - يُراعي أحوالَ الطالب ونفسيته، وينظرُ في أمره، ويرشده وينصحه، ويصنع منه نموذجًا يثبت في مظانِّ المواجهة.

3- القدوة الصَّالحة العالمة العاملة:
وهذا النَّوع من العُلماء هو الَّذي يُمثِّل نموذجًا تطبيقيًّا للقرآن والسُّنَّة، والسَّلف من الصَّحابة والتَّابعين، ماشيًا على الأرض بين النَّاس، فمن المقرر أنَّ التجربة العمليَّة والنماذج التطبيقيَّة لها على النَّفس من التَّأثير ما لا تبلغه النَّظريَّات المسطَّرة في الكتُب المدوَّنة.

وبعد أنْ تعرَّضْنا لهذه الأمور على طرفٍ من الإشارة والإيجاز، والَّتي يُرجى أنْ تكون أوْقع في النَّفس من التَّطويل والتَّذييل، وبها ندرك ما يلزم الحريصَ التزامُه، والسَّعي فيه وانتهاجه، لا يبقى إلاَّ بعضُ التَّوصيات والنَّصائح التي قد تُسْهِم في حلِّ هذه الإشكاليَّات، التي يَجب أن تُحَلَّ؛ لإنقاذ تُراث الأمَّة، وحمل عبْء التَّبليغ للعالم بجدّ وإخلاص، ومنهجيَّة سالمة من الآفات والعوائق.

النصائح والتوصيات:
1- من لم يَجدْ في نفسه القُدرة على الوفاء بشروط الطلب الجِبِليَّة والمكتسبة، فلا يقحم نفسه فيه؛ خوفًا على دينه، وعلى دين الناس، وليعلم أنَّ أبواب الخير ونُصرة الدين كثيرة، فلا يتَّبعُ شَهْوَتَه في ذلك، ولا يُطِيعُ نفسه الأمَّارة، بل يكبحُ جماحها ويقودها نحو سُبُل الخير، التي تتناسبُ مع ما منحه الله - تعالى - من قُدرات؛ كالدَّعوة العامة، والإنفاق، والجهاد، والقيام بحقوق الأهل والإخوان، أو كفالة طالب علم، وهم في الأَجْر - بأمر الله تعالى - سواء، ولعلَّ ذلك يكون سببًا في الوصول إلى الرُّتَب والدَّرجات في رِضوان الله - تعالى - وجنَّته.

2- توفير الكسب والرِّزق للطَّالب، بالإعانة أو الكفالة أو المشاركة في الأعمال قليلة الوقت، كثيرة الدخل، واهتمام الحكومات والمؤسسات الرسميَّة والخاصَّة بذلك.

3- توفير الكتاب لطالب العلم، سواء بالنُّسَخِ المجانيَّة لطلبة العلم المعروفين بذلك، أو بالتَّخفيضات بحيث يكون الكتاب ثمنه رمزيًّا، أو بإنشاء المكتبات العامَّة، التي تحتوي على ما يحتاجه طالب العلم من كُتُب ومراجع متنوّعة لكافَّة المراحل.

4- إتاحة الفُرصة لطلبة العلم للعمل الدَّعوي، ونشر ما تحمَّلوه من علم، من خلال مساعدة إخوانهم، ويكون ذلك تحت إشرافِ ومُتابعة العُلماء ورجال الدَّعوة، مِمَّا يعين الطالب على استحضار المادة العلميَّة، ويتيحُ له التدرُّب على إلقاء العلم والمشاركة في مسؤوليَّة تحمُّل العلم ونقْله للمسلمين.

5- الاهتمام بالتدرُّج والتأصيل في منهجيَّة طلب العلم، والاعتناء بتشبّع الطَّالب من علوم اللُّغة والأصول والقَواعد، وصِغار العِلْم قبْل كباره، والتدرُّج في طلب الأقوال والآراء، والتشبُّه بعلمائنا وسلَفنا الصَّالح، ومَن أراد أن ينتهي مثل نهايتهم، فليبدأْ مثل بدايتهم، ولْينتهج نهجهم.


6- الاهتمام بصناعة العُلماء والمربّين المنهجيِّين، وصناعة النَّماذج التطبيقيَّة العالمة العاملة من العُلماء، مع الانتِباه إلى التَّخطيط لصناعة كتائب من هذا الثَّالوث المبارك؛ لتتعدَّد الصُّفوف، وتتوالى في المواجهة والدَّعوة، والتَّعليم والتطبيق، وغير ذلك من الأمور، التي بها ينصر دين الله -تعالى- وسنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومنهج السَّلف في العلم والتعبُّد.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 73.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 71.24 كيلو بايت... تم توفير 1.83 كيلو بايت...بمعدل (2.51%)]