الحياة في ظل اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         خوائص تكييف جري (اخر مشاركة : عمرو الراوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          مساجلة في النت والكتاب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من احداث (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 139 - عددالزوار : 34066 )           »          ملحمة شعب تتجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          الهلال (لغز شعري للأطفال) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          لي إلهٌ قادرٌ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          كبرياء رجل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          فاطمة بنت محمد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          عذراً رسول الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          رسالة إلى خالد بن الوليد_رضي الله عنه_ عبدالرحمن بن صالح العشماوي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 24-10-2020, 05:15 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,972
الدولة : Egypt
افتراضي الحياة في ظل اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم

الحياة في ظل اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم
عبدالله بن عبده نعمان العواضي



إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ [النساء1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].




أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.



مِن أين أبتدئ الحديثَ عن الهدى

وبأي لفظٍ أمدحنَّ محمدا



تتسابقُ الكلماتُ في أفواهنا

وسطورِنا أيٌّ يفوز بأحمدا



رجُل سما بخصاله وبهديه

أكرمْ به هديًا أنافَ ومحتدا



صلوا عليه وسلموا لا تبخلوا

إن الصلاة على النبيِّ من الهدى







أيها الناس، إن الحديث عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والحياةِ التي ينبغي أن نحياها تحت ظلال هديه حديثٌ ذو شجون، والكلام عن ذلك متشعب ذو فنون. ففي حياته العطرة، وسيرته النضرة ما يجعل العظمةَ الإنسانية تقف حائرة وهي تشاهد السمو الباذخ، والثبات الراسخ في المواقف والأحوال، والأقوال والأفعال، وفيها ما يجعل القلوب الصافية تميل إليه، والعقول المنصفة تسلِّم له، فلا يبقى للكبرياء صدود وهي ترى جوانب حياته-عليه الصلاة والسلام- كلها تتربع على هام العظمة والسموق.




أيها المسلمون، في حقبة من الزمان بلغ انحراف البشرية أقصى غاية له، حيث ارتضى الجم الغفير من الناس عبادة أصنام لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فقبلتها عقولهم، ومالت إليها قلوبهم، وتعلقت بها آمالهم، ورُجي بها زوالُ آلامهم. وفي هذه الأجواء المظلمة، والأحوال القاتمة ربّى الله على يديه، وحرس بعينيه نوراً سيبعثه ليبدد الظلمات، ويبدل تلك الأحوال القاتمات، فكان الاصطفاء لخيرة خلق الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.




لقد اختار الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم لحمل الرسالة الخاتمة التامة الكاملة، وكمّل حاملها بجميل الصفات، وأفضل السمات. فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح مغالق القلوب بنور دعوته العظيمة، وحسن طريقته الحكيمة. فاهتدى به أقوام، وأعراض عنه آخرون، ولقي ما لقي من المعرضين من الصدود والعداء، والإساءة والأذى، فطمر ذلك النفورَ تحت قدميه، واستمر يطرق القلوب داعيًا القريب والبعيد، والصديق الموافق، والعدو المفارق، والصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى.




فتكوّن بأولئك المؤمنين الأولين طليعةُ الإسلام الأولى، وقاعدة صرحه الكبرى. فلما طفق نور الإسلام يهتك كلَّ يوم بعضَ ستور الظلام، ويفتح أمام عيني مكة آفاقًا مشرقة، وأبوابًا كانت من قبل مغلقة؛ خرج طغاة مكة عن مكنون العداء إلى فعله على أجساد المؤمنين الضعفاء، وإيصاله إلى أسماع المؤمنين الأقوياء. حتى طالت سنوات الابتلاء، وضُيِّق الخناق على نور السماء أن يعم الأرجاء، فأذن الله تعالى لرسوله الكريم بترك مكة إلى دار أخرى أفسحَ صدراً، وألين قلبًا، وأخصب أرضًا، وأصلح لبناء صرح الإسلام المشيد.




فكانت الهجرة إلى طيبة الطيبة، أرضِ الحب والإيمان، والنصرة والإذعان. وهناك هناك ترعرعت شجرة الإسلام وبسقت، وعلت في سماء الحق وارتفعت، ومن هناك أنجد دين الحق وأتهم، وشرَّق وغرَّب، واستمر وسيستمر على ذلك، هذا وعد الله على لسانه رسوله الأمين: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر)[2].




عباد الله، لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرَه الذي قسمه له وهالاتُ العظمة تحيط به من كل جانب قبل البعثة وبعدها. فكان مهيبَ الجانب، عاليَ القدر، مبجلاً معظّماً، مكرَّمًا مفخّمًا. فقوله أحسن الأقوال وأبهاها، وفعله أفضل الأفعال وأزكاها، وحاله أكمل الأحوال وأوفاها، وسيرته أنصع السير وأنقاها. يبذل المعروف، ويغيث الملهوف، ويحسن ما وجد للإحسان موضعًا، ويعين ما رأى لعونه منتجعًا. من رآه أحبه لمرآه، فكيف لو جالسه وآخاه، حتى تملّك حبُّه القلوب، وبهرت عظمته العيون، ففدّوه بالآباء والأمهات، وبالنفس وبالنفيس في الحياة. وتعزّوا بسلامته عن كل فقيد، وتسلّوا بقربه عن كل بعيد.




"مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحد، فلما نُعُوا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تريد صغيرة"[3].




أيها الأحباب الفضلاء، إن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا وما عاش ثراءها وغناها، ولا عافس غفلتها وملهياتها، ولا خادن صلفها وكبرياءها، ولا نافس أهلها في زهرتها ومفاتنها.




بل عاش في دنياه كثير العبادة، دائم الزهادة، ليله ونهاره، سره وعلنه، ميممًا وجهه نحو الآخرة، عاملاً بقول الله تعالى: ﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه:131]. وأخذ من الدنيا ما قل وكفى، وترك ما كثر وألهى، وصبر على المشقات والشدائد، وواجه المعضلات والمكائد، وتحمّل من الأهوال ما لا تنوء بحمله الجبال. مع تواضعه الجم، ولينه العم، وبسمته المشرقة في الوجوه، ويده المطلقه بالكرم في محمود الوجوه، وحرصِه الكبير على تيسير الدين لأمته، وإزالة المشقة عنهم في جميع أمره، وهذا خلق لهم دائم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة:128]. وفي يوم القيامة يقال لنبينا عليه الصلاة والسلام-وهو ساجد تحت العرش-: (يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع، قال: فأرفع رأسي فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال: يا محمد، أدخلِ الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهو شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب)[4].




بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمة نبيًا رسولاً ثلاثًا وعشرين سنة حتى أدى أمانة ربه، وأتم بناء الدين والدنيا للأمة، وأوكله إلى جيل رباه على يده ليحمل البلاغ عنه من بعده إلى أرجاء المعمورة، فكان ذلك.

ثم إن الله تعالى أنزل عليه -صلى الله عليه وسلم- آياتٍ كريمات تلوِّح بوداع الحياة والأحياء، وتسليم النفس إلى رب السماء، فقال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا ﴾ [المائدة:3]، وقال: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 1 - 3].




وهنا اطمأنت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطابت لخبر الله ووعده، حتى رضي بالرحيل والانتقال إلى دار المآل. كما أنه لوّح لأصحابه الكرام - من غير تصريح - بدنو الأجل، وقربِ المرتحَل، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: (إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده فاختار ما عنده) . فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا . فعجبنا له وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا، وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا! فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر وكان أبو بكر هو أعلمنا به)[5]. فصعِدت روحه الطاهرة- صلى الله عليه وسلم- إلى بارئها، فانقطع وحي السماء، وسالت العيون بالبكاء، ودمعت الغبراء والخضراء، وتلفعت الآفاق بالظلماء في ذلك الحادث العظيم.




فموت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم المصائب على الأمة؛ لأنه- صلى الله عليه و سلم- كان أمَنَةً لأمته، فلما "مات أصاب الناس من الفتن والأهواء والأعمال والتغير ما لا يكاد يحصى"[6].

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس، أيما أحد من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحداً من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)[7].




أيها المسلمون، لقد مات رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولكن تركته مازالت باقية في أمته، وهي دين الإسلام الذي أرسله الله تعالى من أجل نشره، وتثبيت أعمدة بقائه في الأرض. فالقرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى عليه، وسنته الشريفة التي هي أقواله وأفعاله وتقريراته هما ركنا الدين، وهما باقيان ما بقيت الحياة؛ لأن الله تعالى تكفّل بحفظ ذلك. فالقرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، والسنة النبوية الشريفة الصحيحة هي المصدر الثاني، وبهما يقوم الإسلام، وتحصل الحجة على الأنام. قال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر7]، وقال: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران:32]، وقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب:36]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أُلفِين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)[8]. " أراد به أصحاب الترفه والدعة الذين لزموا البيوت، ولم يطلبوا بالأسفار من أهله فيقول: أي: في رد ذلك الحديث حيث لا يوافق هواه، أو مذهب إمامه الذي قلده"[9].




ولا يستغنى بالقرآن عن السنة، ولا بالسنة عن القرآن، ولن يفترقا حتى يردا على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحوض، ففي القرآن والسنة الصحيحة قيامُ الدين، وحصول العلم والهدى، والوصول إلى الحق المبين، وبقاء الإسلام غضًا طريًا صالحًا لكل زمان ومكان، فهما كجناحي الطائر: فمن تمسك بهما ارتفع ونجا، ومن تركهما أو أحدَهما سقط وهلك.




أيها الأحباب الكرام، إن المؤمن الصادق الذي يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظِّمه هو من يبني حياته على نهج رسول الله عليه الصلاة والسلام متبعًا مقتديًا. فينقل حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية إلى واقع حياته القولية والفعلية، فيمتثل أوامره، ويجتنب زواجره.




فاقتداؤه برسول الله صلى الله عليه وسلم هو نوره المتوهج في دروب الحياة المظلمة، ودليله العارف في متاهات الواقع المضلة، وسفينة النجاة في بحار العيش المتلاطمة، ويد الآمال التي تقوده إلى رحاب الحياة المطمئنة. فما أجملَ حياة المسلم إذا عمرها بالائساء بخير الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وأصبحت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية التشريعية هي المنبعَ الذي يستقي منه-بعد القرآن- ماءَ الحياة الصالحة، وريَّ العيش السعيد. إن الحياة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحبة والتعظيم، والانقياد والتسليم، والاتباع والامتثال في الأقوال والأعمال والأحوال؛ هي الحياة السعيدة والعيشة الحقيقية الرشيدة، التي تجلب لصاحبها طمأنينة النفس، وانشراح الصدر، وصفاء البال، وصلاح الحال والمآل. فبهذه الحياة يعرف السبيلَ السوي للتعامل الصحيح مع ربه، ومع نبيه، ومع نفسه، ومع خلق خالقه. وبهذه الحياة ينجو من أسر الشهوات، ويُفك من قيود الشبهات، ولا تجد الحيرة والشكوك إليه طريقاً، ولا الانحراف عن الجادة إليه سبيلا. وبهذه الحياة يزداد حبًا لله تعالى، وحبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبًا لدينه، وحبًا لمن هم على نهجه ودربه. وبهذه الحياة يزداد شوقًا إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظفر برؤيته، وجلاء عينيه بمقابلته، وتشنيف أذنيه بسماع حديثه.



شوقي إليك - رسولَ الله- دفّاقُ

فنهرُ حبِّك في الأعماق رقراقُ



لُقياك - يا خيرَ خلقِ الله - أُمنيتي

على ضفافِ الرضا والأفْقُ برَّاق



كم للعيون من الإشراق لو نظرتْ

لنورِ وجهٍ له الأنوارُ تشتاق



رجاء نفسيَ أن أحظى برؤيته

في جنة الخلد فالأشواقُ إحراق






قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أشد أمتي لي حبًا ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)[10]. والمعنى: يتمنى الإنسان أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو قدّم فداء لنيل ذلك المطلب أهلَه وماله، إما شوقًا لرسول الله، وإما لشدة وطأة الفتن والمحن.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أيها المسلمون، وبعد هذا فماذا علينا نحو رسولنا صلى الله عليه وسلم؟

هل يكفي أن نقول: إننا من أمة محمد، أو من أتباعه، أو من محبيه، أو من معظميه، ولم نقم بالواجب علينا نحوه صلى الله عليه وسلم ونحو ما جاءنا به؟.

إن واقع الإنسان العملي هو الذي يكشف الصادقين من الكاذبين، والمتبعين من المدّعين.




فمن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا: أن نعظمه التعظيمَ الذي يرضاه الله تعالى، ونجعل له في قلوبنا مكانة عليا لا يزاحمه في تلك المنزلة أحد من البشر، وبرهان هذا التعظيم والتبجيل: أن لا نقدم على شرعه قول أحد من الخلق كائنًا من كان. ومن حقه علينا صلى الله عليه وسلم: أن نحبه حبًا عظيمًا أكثر من حبنا لأنفسنا، وأهلينا وأموالنا؛ فحبه من حب مَن أرسله تبارك وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده، والناس أجمعين)[11].




ودليل الحب الصادق: اتباعه، والعمل بما جاء به، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران:31]. ومن حقه علينا صلى الله عليه وسلم: أن نغار عليه، وندافع عنه، ونرد عنه شتم الشاتمين، وسخرية الساخرين، فإذا لم ندافع عنه فإن الله تعالى سيهيئ من يدافع؛ ذكر ابن حجر في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"[12]، أن بعض أمراء المغول تنصر، فحضر عنده جماعة من كبار النصارى والمغول، فجعل واحد منهم ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك كلب صيد مربوط، فلما أكثر من ذلك وثب عليه الكلب فخمشه فخلصوه منه، وقال بعض من حضر: هذا بكلامك في محمد، فقال: كلا، بل هذا الكلب عزيز النفس، وإني أشير بيدي فظن أني أريد أن أضربه، ثم عاد الرجل إلى ما كان فيه فأطال، فوثب الكلب مرة أخرى فقبض على رقبته فقلعها، فمات من حينه، فأسلم بسبب ذلك نحو أربعين الفًا من المغول.




عباد الله، ومن الواجب علينا نحو رسولنا وقرة عيوننا، وحبيب قلوبنا صلى الله عليه وسلم: العمل بسنته، واتباع هديه، والمنافحة عن دينه وشريعته. ومن الواجب علينا كذلك: أن نرضى بكل ما جاء به، ونسلم لذلك، من غير ردٍّ ولا كراهية. قال تعالى: ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء:65].




ومن الواجب علينا كذلك: أن نحب من أحب رسول الله، ونبغض من أبغض رسول الله، ونوالي من والى رسول الله، ونعادي من عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم.




ومن حق رسولنا الكريم علينا: أن نكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، كما أمرنا الله تعالى بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب:56]. صلى الله عليه وسلم.




وأن نسأل له الوسيلة-وهي منزلة عالية لعبد واحد في الجنة-، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي؛ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة)[13].

هذا وصلوا وسلموا على خير البشر...




[1] ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في: 29/ 4/ 1438هـ، 27/ 1/ 2017م.



[2] رواه أحمد والبيهقي والحاكم، وهو صحيح.



[3] السيرة النبوية، لابن هشام (4/ 50).



[4] متفق عليه.



[5] متفق عليه.



[6] شرح سنن ابن ماجه - السيوطي وآخرون (ص: 115).



[7] رواه ابن ماجه، وهو صحيح.



[8] رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وهو صحيح.



[9] قاله الخطابي، حاشية السندي على ابن ماجه (1/ 12).



[10] رواه مسلم.



[11] متفق عليه.



[12] الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (4/ 153).



[13] رواه مسلم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 85.59 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 83.46 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (2.49%)]