فن الكتابة فى الصفحة البيضاء - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3418 - عددالزوار : 515272 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2866 - عددالزوار : 233784 )           »          سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 143 - عددالزوار : 8457 )           »          بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز للفيروز آبادي ----متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 1543 )           »          السلسلة التربوية (هكذا علمنا السلف) متجددة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 40 - عددالزوار : 8067 )           »          مجالس تدبر القرآن ....(متجدد) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 36 - عددالزوار : 12635 )           »          {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 113 - عددالزوار : 10501 )           »          الفتح المبين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          أُصُولُ المْعَامَلَة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          العمل الوظيفي مسؤولية وتكليف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الأسرة المسلمة > ملتقى الأمومة والطفل

ملتقى الأمومة والطفل يختص بكل ما يفيد الطفل وبتوعية الام وتثقيفها صحياً وتعليمياً ودينياً

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 06-11-2021, 10:10 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

قواعد: ( ١٤)

{بلْ نَتَبِعُ مَا ألْفَينَا عَلَيهِ آباءَنَا}.. فِطرَةُ المُحاكَاة!


أسماء محمد لبيب



قال أبٌ لولَدِه: [[انتبهْ بُنَيْ إلى خطواتِكَ وأنتَ تَسِير!]] فأجابه: [[بَل انتبِهْ أنتَ يا أبَتِ لخُطُواتِكَ فأنا عليها أسِيرُ]]!!

بسببِ تَقلِيدِ الصغارِ لنا واستِعراضِهِم لِمِرآتِنا السلوكيةِ في كلِ صغيرةٍ وكبيرةٍ، أصبحَ مِن إيجابياتِ الإنجابِ أنهم يُعَزِزُونُ بداخلِنا عقيدةَ الإيمانِ بوجودِ مَلَكٍ رقِيبٍ عتيدٍ مُلازِمٍ لنا يُحصِي علينا أعمالَنا وربما أنفاسَنا واللهُ المستعان..!

المحاكاةُ غَريزةٌ، والغريزةُ هي الدافعُ للإنسانِ إلى عَمَلٍ دونَ تفكيرٍ وهي جُزءٌ من الفِطرَة*ِ.
فالإنسانُ بطبيعَتِهِ يَمِيلُ للتقلِيد، لِما فِي ذلكَ من إشباعٍ لشعورِهِ بالانتماءِ مَع مَن حَولِهِ في سُلُوكِهِم، خاصَّةً الأطفالُ، حيثُ يعتقدونَ أن كلَ أفعالِ الكبارِ صحيحةٌ فيقلِدُونَهُم، بدافِعِ مَحَبَتِهِم إياهُم أولًا والتجربةِ ثانيًا. وهذا بالطبعِ يُخالفُ مَزاعِمَ فرويد صاحِبِ عُقدَةِ "أوديب"، أن الولدَ يُضمِرُ بُغْضَ أبيهِ لأنهُ ينافِسُهُ على أمِهِ، وهذا افتراءٌ واتهامٌ باطِلٌ لفِطرَةِ الأطفالِ الأبرياءِ بالنفاقِ والحِقدِ، وليس المجالُ الآنَ لتفصِيلِهِ* (كتاب التربية-مشكاة-بتصرف)

القدوةُ إذًا من أهَمِّ صُوَرِ انتقالِ السلوكِ علَى مَرِّ الأُمَمِ، حتى بينَ الحيواناتِ وبعضِها، بل بينَ الحيواناتِ والبَشَرِ..
تأملوا نبأَ ابنَيْ آدمَ وكيفَ بَعَثَ اللهُ غُرابًا يَبحَثُ في الأرضِ ليُرِيَ ابنَ آدَمَ القاتلَ كيفَ يُوارِي سَوءةَ أخيهِ المقتولِ، فيتعلَمُ الدفنَ بالمُحاكاة..
بَل يَتَعَجَبُ الإنسانُ إذا جاءَهُ مَن يَصرِفُهُ عن تَقلِيدِ آبائِهِ: { {أَجِئتَنا لِتَلفِتَنا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيهِ آباءَنا} }!
فالقدوةُ سلاحٌ ذو حَدَّينِ ولاعجَبْ.. فهي غَنِيمَةٌ عظيمةٌ لو كان القائدُ صالحًا، ونِقمَةٌ وشقاءٌ إن كان مُعوَجًّا..
ولو اجتمعَ مَعَها الحُبُ صارتْ أبلَغَ في الأثَرِ كالنَقْشِ علَى الحَجَرِ، فالحُبُ أداةُ الاستِمالَةِ، والقُدوَةُ أداةُ الإقناع، وهما معًا جناحا الاتباعِ..
إذًا الأصلُ هو المحاكاةُ، والتِي أبرَزَها القرآنُ مِرارًا---< { {بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كذلكَ يَفعَلُونَ} }/ { {إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلَى أُمَّةٍ وإنَّا علَى آثارِهم مُقتَدُون} }/ { {بَلْ نَتَبِعُ ما ألفَينَا عَلَيهِ آباءَنَا} }..!
ثم تكونُ العاقبةُ: 1-إما { {وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّیَّتُهُم ((بِإِیمَـٰنٍ)) أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَمَاۤ أَلَتۡنَـٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَیۡءࣲ} }/
2-وإما { {إذْ تَبَرَّأَ الذِينَ اتُبِعُوا مِنَ الذِينَ اتَبَعُوا ورأَوا العَذَابَ وتَقَطَعَتْ بِهِمُ الأسباب} }..

ولأجلِ ذلكَ حَذَّرَ الإسلامُ مِن المُجاهَرَةِ بالخطأِ والتفاخرِ به وكَشْفِ سِتْرِه، لئلا يصيرَ عَدوَى سلوكيةً ولكيلا تُخدَشَ القدوةُ: "كُلُّ أُمَّتِي مُعافَى إلَّا المُجاهِرُين"..!
وَشَدَّدَ على اختيارِ الزوجةِ المتدينةِ وعدمِ تفويتِ الخاطبِ المتدينِ، لأنَ هؤلاءِ هُمُ الآباءُ قدواتُ الصغارِ مُستَقبَلًا:
"إذا خَطَبَ إليكُم مَن تَرضَونَ دينَه وخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إلا تَفعَلوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرضِ"، "فاظفَرْ بِذاتِ الدِينِ تَرِبَتْ يداكَ"..!
ووجَّهَ كذلكَ إلَى انتقاءِ الجُلَساءِ وضرورةِ حَبْسِ النفسِ مع الأخيارِ فهؤلاءِ هم قدواتُ الحاضِرِ:
{ {يَا وَيْلَتَي لَيْتَنِي لَمْ أَتِخِذْ فُلانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكرِ بَعدَ إِذْ جاءَنِي} }، و"مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ والسَّوْءِ، كَحامِلِ المِسْكِ ونافِخِ الكِيرِ"..
وحَثَّ كثيرًا علَى تَعلُمِ سِيَرِ السلَفِ الصالحِ لأنَ هؤلاءِ هُم قدواتُ الماضِي:
{ {لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِیهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡـَٔاخِرَ} }/ { {فبهداهم اقتدِه} }..
فالشريعةُ أحاطتْ الإنسانَ بقدواتٍ عبرَ كلِ المراحلِ الزمنيةِ لأهميتِها السلوكية..

فمتى يبدأُ الاقتداءُ؟
جزءٌ مِن طباعِ أبنائِنا طَبائِعُ كانتْ أو لازالت فينا وانتقلَتْ إليهم جِينِيًا بالوراثةِ، أو اكتِسابًا بالمُمَارَسَةِ أمامَهم.
قال ابنُ القيمِ في مَدَارِجِ السالِكِين: [[الخُلُقُ: مِنهُ ما هو طَبيعَةٌ وجِبِلَّةٌ، وما هُو مُكتَسَبٌ]]..

وبعضُ الطباعِ لَهُ وجهانِ: وَجهٌ حَسَنٌ مَحمُودٌ ووجهٌ قبيحٌ مَعيوبٌ.. مثال: سُرعةُ الكلام، مَمدوحةٌ لو لدينا مُصِيبَةٌ ونحتاجُ لمُوجَزٍ سريعٍ لما حدثَ لنَهْرُعَ بالتصرُفِ السليمِ، لكنها مُزعِجَةٌ جدًا فِي الحِوارَاتِ اليَومِيةِ الطبيعيةِ ومُخالفِةٌ للتريثِ النبويِّ الكلامِيِّ المُبِين..

والتقليدُ يبدأ عادةً بعدَ العامِ الأول، ويَبلُغُ درجةً كبيرةً عند السادسةِ والسابعةِ، ويستمرُ مُعتدلا حتى مرحلةِ الحَزَاوِرَةِ، وهِيَ ما يُعرَفُ بالطُفولةِ المُتأَخِرَةِ، أو المراهَقةِ مَا قَبْلَ البُلُوغ...*
فماذا كانَ يَحدُثُ قبلَ العامِ الأولِ؟
قنصٌ لكلِ شيءٍ بالحواسِّ الخَمسَةِ وتخزينُهُ ومُعالجتُهُ.. كاميرا ومُسَجِّلُ صوتٍ وبِطاقَةُ ذاكِرةٍ وَنَولٌ وخُيوطٌ، حتى إذا حانَتْ لحظةُ التَصدِيرِ أنتجَتْ الماكينةُ القماشَ ورأينا الثَّوبَ الذِي كانَ يُغزَلُ بسلوكِياتِنا..
فلا تَظُنِّي الماكينةَ كانتْ مُعَطَلةً قبلَ ذلكَ وعلَى مُؤَشِّرِ "غَيرِ نَشِطٍ" لأنَ القماشَ غَيرُ مَرئِيٍّ لَكِ بَعدُ!

لذلكَ نقولُ..
التربيةُ تبدأُ مِن تَزكِيةِ أنفسِنا نحنُ أولًا والنظَرُ إلَى طبائِعِنا المُكتَسَبَةَ والمَوروثَةَ والجِبِلِيَةَ، والعملُ على تهذِيبِ ما أمكنَ مِنها بالإيمانِ وسِيَرِ الصالِحينَ، قبلَ الزواجِ والإنجابِ بفترةٍ طويلةٍ لاستحقاقِ زوجٍ صالحٍ يكونُ أبًا صالحًا لذريةٍ صالحةٍ.. فنعتني بالقدوةِ بنظرةٍ مُبَكرَةٍ شامِلَةٍ، لتهيئةِ القدواتِ الصالحةِ في حياةِ الطفلِ قبلَ مَجيئِهِ، فإن لم تَكُنْ التزكيةُ قد بدأَتْ مُبكرًا منذ صِغَرِنا نحنُ في بيتِ أهلِنا، فلنبدأْها بأنفسِنا على أقصَى تَقدِيرٍ منذُ بلوغِنا الحُلُمَ وجريانِ القلمِ علينا، لنُقَدمَ من أنفسِنا نموذجًا في الصلاحِ لأبناءِ المستقبلِ، تَمهيدًا لأسرةٍ مسلمةٍ، للمتقينَ إمامٍ بحولِ اللهِ وقوتِهِ..

فَمَن غَفَلَتْ عن ذلكَ حتى تَزَوجَتْ وفُوجِئَتْ بابنِها يُحاكِي كلامَها وأفعالَها الصالحةَ والطالِحَة، فلتُدرِكْ يَقينًا أنَ ماكينةَ القدوةِ بدأتْ إنتاجَ القماشِ وأنها لن تُلاحِقَ سُرعتَها فكلُ شيءٍ قد تَمَّ ويتِمُ قَنصُهُ بِدقَّةٍ، وسَترَى الثَّوبَ قريبًا على وَلَدِها.. فلتقِفْ معَ نفسِها وتُحَلِلِ المَشاهِدَ وتنظُرْ أيُّها أزكَى سُلُوكًا فتُعَزِّزُهُ لديها لينعَكِسَ عليهِ، وأيُّها أولَى بالسِّترِ والمُجاهَدَةِ لينزوِي مِنْ مِرآةِ ولدِها السُّلُوكِيِّةِ...
فالتربيةُ بالقدوةِ تحتاجُ مُحاسَبَةً وتزكيةً وتَجَرُّدًا للحقِ..
وهذه جميعًا تحتاجُ علمًا وصبرًا: عِلمَ الأخلاقِ وعِلمَ الإيمان..
وإنما العِلمُ بالتعلُمِ... وإنما الحِلمُ بالتحلُمِ..
وقد وصفَ اللهُ عَبدَه إبراهيمَ قائلًا { {إنَّ إبْرَاهِيمَ لأواهٌ حَلِيمٌ} }، وهِي صِيغَةُ مبالغَةٍ من ((الحِلْمِ)) تُؤَكِدُ كَثرَةَ المُواظَبَةِ عَلَيهِ حتى صارَ صِفةً مُلازِمةً لَه، فلا عَجَبَ بعدَها حينَ نَقرأُ بِشارَةَ اللهِ لَهُ في وَلَدِهِ إسماعيلَ الذِي تَحلَّى بِنَفْسِ ثوبِ الحِلمِ بِالمِثلِ: { {فبشرنَاهُ بغلامٍ حَلِيمٍ} }..
فهما طريقانِ: إما { {جَعلناهُمْ أئِمَةً يَهدُونَ بأمرِنا} } ونسألُ اللهَ أن نكونَ مِنهم..
وإما { {جَعلناهُم أئِمةً يَدعُونَ إلى النَّارِ} } ونَعُوذُ باللهِ مِن ذلك..

فماذا نفعلُ إذا خُدِشَتِ القُدوَةُ وبدأَ أبنائِي يُصدِرونَ سلوكياتٍ خاطِئَةٍ؟
الجوابُ في القاعدةِ القادمةِ بإذن الله.


--أسماءمحمدلبيب
أمةالله-عفا الله عنها

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 06-11-2021, 10:13 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

قواعد: (15)

{قُلْ هُوَ مِن عِندِ أَنْفُسَكُمْ}.. فتِشِي بالداخل..!


أسماء محمد لبيب



إِحدَى صَدِيقاتِي كانتْ تَشكُو إِلَيَّ بِشدةِ من وَلَدِها.
جَلَسْتُ مَعَهُ في أولِ زِيارةٍ لهم.. يبدُو جميلًا وزكيًا حفظَهُ الله، مُندمِجٌ بشكلٍ صِحِيٍّ مع أولادِي ولا تَظهَرُ عليهِ أيُّ أماراتِ اعوجاجِ سُلُوكٍ..! فسألتُها: مَالَهُ وَلَدُكِ؟! أراهُ بِخَيرٍ، ففيمَ شكواكِ مِنهُ؟ فقالتْ لِي إِجمالًا: نَعَم، هو وَلَدٌ رائعٌ ومنيرٌ، لكنِ اختَلِفِي مَعَهُ فقط في الرأيِ وستُظلِمُ الدنيا فِي وَضَحِ النهارِ..!
في الحقيقةِ، أنا سَكَتُّ ولم أُعَقِّبْ، لأنها رَمَتْهُ بدائِها وانسَلَّتْ وهِي لا تَشعُرُ، وكُنتُ أتمنَّى إخبارَها أن هذا الشِبلَ مِن ذاكَ الأسدِ للأسفِ وأنه اكتسَبَ العِنادَ مِنها ولطالما عانيْتُ مِن ذَلِكَ مَعَها، لكِني استحيَيْتُ لأنِي في بيتِها ولأنَ عَلاقتَنا لمْ تَتَعافَ بَعدُ مُنذُ آخِرِ صِدام!
أيتها الأمهاتُ الطيبةُ..
لا تأتِينِي شاكيَةً مِنْ عَيبٍ أو خَطَأٍ مِن أولادِكِ، أنتِ شخصيًا الكبيرةُ الراشدةُ ذاتُ الإرادةِ تَفعَلِينَهُ وتَعجَزِينَ عن تَركِهِ وتَعذُرِينَ نفسَكِ بأنَّ هذا وُسعُكِ وتُماطِلِين فِي المُجاهَدَةِ والتزكِيةِ..
فمثلما تَعذُرِينَ نفسَكِ في تَركِ التَزكِيةِ، للأسفِ هُم كذلكَ يَعذُرُونَ أنفسَهم وينتظِرُونَ مِنكِ إعذارًا بِالمِثلِ.
غَضَبُكِ الكاسِحُ، كَذِبُكِ، سِبابُكِ، اغتيابُكِ للناسِ، نقرُ الغُرابِ في صلاتِكِ، احتقارُكِ للناسِ، شكواكِ المستمرةُ على كلِ حال، نُكرانُكِ للجَمِيل، فُجورُكِ في الخُصومَةِ، ضَعفُ شَخصيتِكِ، كسلُكِ، إهمالُكِ لمسؤولياتِكِ، تَدخينُكِ، جَزَعُكِ عِندَ المُصيبةِ...... إلى آخِرِ مُنكَراتِ السلوكِ والعباداتِ كافةً، إن رأيتِ أولادَكِ يُحاكونَها ولا تُبادِرِينَ بتزكيةٍ مُعلَنَةٍ وصادقةٍ، فراجِعِي نفسَكِ قبلَ فواتِ الأوان..
وقبلَ أن تشتكِي من وَلَدِكِ، هناكَ أمورٌ ينبغِي فعلُها أولًا، وأمورٌ ينبغِي ألا تفعَلِيها..
فإياكِ أن يكونَ أولَ ما تفعلينَهُ هو تبريرُ خطئِكِ لتبرِئَةِ نفسِكِ أمامَهُ.. لا تستهِينِي ببطاقةِ الذاكرةِ وعملياتِ الفرزِ والتحليلِ التي يُجرِيها عقلُهُ كلَّ ثانيةٍ للمُدخَلاتِ، والتي من ضِمنِها اقتناصُ نقاطِ التعارُضِ وازدواجيةِ المعايير..
ثم إننا كأمهاتٍ طَمُوحَةٍ نَبتَغِي تربيةَ أجيالَ العِزَةِ، ليسَ في قاموسِنا التَربَوِيِّ مُصطلَحُ "أنا فقطْ أسبُّ أو أصرُخُ أو أُدَخِنُ أو ألطُمُ وَجهِي عِندَ المُصيبَةِ أو أُشاهِدُ المسلسلاتِ" مثلا..
أي نَعَمْ هناكَ أمورٌ خاصةٌ بالكبارِ فقط لا إثمَ فيها وَلَيستْ مِن صلاحياتِ الصِغار، لكِنَها تكونُ منطقيةً وبتقبلونَها بالحوارِ المُقنِعِ الهاديءِ الودودِ، وبالدليلِ الشرعيِ أو العقليِ مِن مَنطِقِ الحياةِ إجمالًا: مِثلُ سَهَرُكِ بالليلِ أحيانًا وهو لا، وقيادةُ والدِه للسيارةِ وهو لا..
إياكِ أيضًا أولَ شيء أن تَبحثِي عن آخَرِين تُلصِقِينَ بِهم تُهمَةَ فسادِ سُلُوكِ وَلدِكِ تَبرِئَةً لنفسِكِ مِنَ المَعَرةِ التربويةِ كذلك، على غرار: ((ابنُ فلانٍ سَيءُ الخُلُقِ وهُوَ الذي عَلَّمَ وَلَدِي يَفعَلُ الخطأ))..
وأنا لا أنفِي تأثيرَ البيئةِ الخارجيةِ ولا دَورَ الصُحبَةِ السيئةِ معهم -(ولنا كلامٌ عنها لاحقًا بإذنِ الله)- ولا أنكِرُ تَأثُّرَ الصِغارِ ببعضِهِمِ البَعضَ بطبيعةِ الحالِ فالتقليدُ فِطرَةٌ غريزيةٌ عامَّةٌ كما قلنا،
لكنِ المَطلوبُ: ألا نلجأَ أولَ شَيْءٍ لهاتَينِ الحِيلَتَينِ النَفسِيتَينِ دُونَ رَوِيَّةٍ وَتَبَيُّنٍ وصِدْقٍ مَعَ النَفسِ، لمجَردِ تَبرِئَةِ نفسِكِ كقُدوَة..
وأن نعرفَ أن غالبيةَ مشاكلِ التربيةِ داخليةٌ وليستْ خارجيةً، أيْ مِن بُيُوتِنا ولَيسَتْ مِن خَارِجِها، غالبًا ولكلِ قاعدةٍ استثناءٌ.. {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ {وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} {وَمَا أَصابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِنْ نَفسِكَ} {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا.. قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}..
فما أَوَّلُ شَيءٍ نَفعَلُهُ حِينَها لنَفهَمَ مَوطِنَ الداءِ؟
أولًا: نُفَتِشُ عن تربيتِنا نحنُ لأولادِنا.. هل ربيناهُم على ذلكَ السوءِ؟ ثُم هل حصَّنَّاهُم مِنَ المُدخَلاتِ الخاطِئَةِ وعَلَّمناهُم كيفَ لَا يكونُوا إِمَّعَةً -إذَا أحسَنَ الناسُ أحسنُوا وإذا أساؤُوا أساؤُوا؟ بل يقولون للمُخطِيءِ: "أنتَ مُخطِيءٌ.. وَكُفَّ عن السُوءِ فإنهُ لا يَلِيقُ بالمُسلِم"، ولا يُسارِعُون في تقلِيدِ الخطأِ كلَ مَرَّة....؟
فإن كانتْ تربيتُكِ تَرتَكِزُ على أن يكونَ ولدُكِ هو المُؤَثِرَ في الآخرينَ بالخَيرِ وليسَ العَكسَ، ونشّأتِهِ على تَجَنُبِ المُنكراتِ وسَيِّءِ الأخلاقِ وعَدَمِ محاكاتِها، وعلى التَحَلِّي بالفضائلِ وتقليدِها== ومَع ذلكَ يُقلِدُ أقرانَهُ في أخطائِهم، فحينَها: { {لا يَضُرُّكُم مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتَدَيتُمْ} }، فلا لَوْمٌ عليكِ ولا حَرجَ، ولْتُكمِلِي تِكرارَ النُّصحِ والإصلاحِ، وأجرُكِ على الله..

ثانيا: نُفَتِشُ عَن قدوتِنا نحنُ في مِرآتِهِمُ السلوكيةِ لنَرَى هل نحنُ نفعَلُ ذلكَ السُوءَ أمامَهم؟
وإن رأينا انعكاسَهُ مِنا بالفعلِ، وشعُرنا بالذنبِ والندمِ والعزمِ على الإصلاحِ، فالحمدُ للهِ: لقد وضعنَا أيدِينا على بدايةِ طريقِ التقويمِ الفعّالِ وتعديلِ السلوكِ مُمتَدِ الأثَرِ فينا وفيهم بإذنِ اللهِ..
فحين نتعامل هكذا مع جذور المشكلة بكل تَجَرُّدٍ للحقِ وصِدقٍ معَ اللهِ والنفسِ== سنتعلم من أخطائِنا ونُصلِحُ ما أفسدناهُ لاستئصالِ السوءِ من مَنبَعِهِ، وحينَها كذلك: {لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا هتَدَيتُمْ}..
أما خِلافُ ذلك؟=== { {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أنفُسِهِم} }.....!؟
فلا نَدفِنُ رأَسَنا في الترابِ لتفادِي مُواجَهَةِ الحقائقَ والمُورِثَةِ للحُزنِ والضِيقِ والجُهدِ التَزكَوِيِّ والتَربَوِيِّ المُضاعَف..
فلن يورِثَنا ذلكَ الهروبُ إلا راحةً مُزَيَفَةً مُؤقَتَةً نَشقَى ونتخَبَطُ بعدَها أكثرَ..
واللهُ لا يُغَيِرُ ما بقومٍ حتَى يُغَيرُوا ما بأنفُسِهِم...
فإن سألتِ:
بعدما يَتَضِحُ أنَ الخطأَ {فبِما كَسَبَتْ أيديكم} ، كيفَ أغنَمُ الآيةَ {لا يَضُرُكُم مَنْ ضَلَّ إِذَا اهتَدَيتُمْ} ، وقُدوتِي لَهُم مَخدُوشةٌ للأسف ولازِلتُ أُجاهِدُ نفسِي في الإصلاحِ؟
والجوابُ في القاعدة القادمة بإذن الله..



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 06-11-2021, 10:16 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

قواعد: (16)

{لا يَضُرُّكُم مَن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}


أسماء محمد لبيب




من جميلِ كلامِ الشيخِ عليِّ الطنطاوي، حين عُوتِبَ في حَلقِه للِحيَتِه:
((أمَّا حَلقُ اللحيةِ فلا واللهِ ما أجمَعُ على نفسِي بين الفِعلِ السيءِ والقولِ السيء، ولا أكتمُ الحقَ لأني مُخالِفُهُ، ولا أكذبُ على اللهِ ولا على الناس.. وأنا مُقِرٌ على نفسِي أَني مُخطِىءٌ في هذا، ولقد حاولتُ مِراراً أن أدَعَ هذا الخطأَ، ولكن غَلَبَتْنِي شهوةُ النفسِ وقوةُ العادةِ، وأنا أسألُ اللهَ أن يُعِينَنِي على نفسِي حتى أُطلِقَها، فاسألوا اللهَ ذلكَ لي فإنّ دعاءَ المؤمنِ للمؤمنِ بظهرِ الغيبِ لا يُرَدُّ إن شاء الله))
ثُمّ وفقهُ اللهُ بعدها فأرخَى لِحيتَهُ وأعفاها.

يُلهِمُنا هذا بالكثير..
فما إن يبدأُ وَلَدُكِ في تَقليدِك في خطأٍ ما لازِلتِ تجاهدينَ نفسَكِ في الإقلاعِ عنه والتزكية، فبإمكانِكِ رُغمَ ذلكَ وبفضلِ اللهِ اغتنامُ الآيةِ: { {لا يضُرُكُم مَنْ ضَلَّ إذَا اهتَدَيتُم} }..
حتى وإن استَمَرَّ هوَ على الخَطأِ..
كيف؟
-أولُ خُطُواتٍ كما قلنا في القاعدةِ السابقة: عدمُ البدء بإلصاقِ الخطأِ بالبيئةِ الخارجيةِ دون دليلٍ، للتَمَلُّصِ وتبريرِ الخطأِ بحِجج وحِيَلٍ نفسِيةٍ والتبرؤِ مِن الحَرَج..
-بل نفتشُ في الداخلِ وفي مِرآتِنا السلوكيةِ أولًا، وإن ثَبَتَ أن المَنبَعَ مِن عِند أنفسِنا، فالخُطوَةُ التاليةُ: إقرارٌ واعتذارٌ..

فتقولين لولدكِ:
=أنا مُخطِئَةٌ في هذا السلوكِ وهو لا يُرضِي اللهَ وقد قالَ فيه كذا، فلا تفعلْ مِثلي يا بُنَي..
=وأنا أتوب إلى الله من ذلك وأجاهِدُ نفسِي دَومًا، لكنّي أحيانًا أضعُفُ ويَستحوِذُ عليَّ الشيطانُ ويُنسِيني ذِكرَ اللهِ وأحتاجُ حِينَها لصُحبَةٍ صالِحَةٍ مِثلِكَ يا بَطليَ الصغيرَ المؤدب، لتُذَكِّرَني باللهِ، فتغنمُ صُبَحتِي وأغنَم: {اجعل لِي وزيرًا مِن أهلِي.. هارونَ أخِي.. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا.. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا}...
=لا صحبةٍ سيئةٍ تُكرِرُ خَطَئِي فتأثَمُ وتُؤثّمُنِي أكثرَ ونُضاعِفُ عَدَدَ المسلمينَ المُسِيئِينَ المُسرِفين..
=الإنسانُ يا بُنَيّ قليلٌ بنفسِهِ كثيرٌ بإخوانِهِ ولا حولَ له ولا قُوةَ إلا بإعانةِ رَبهِ ثم بالتعاونِ مَع غيرِه على الصلاح..
=فإن رأيتَني أفعلُه مُجَددًا فقُل لي:
أمي هذا خطأٌ ولا يُرضِي اللهَ ولا يَلِيقُ بالمسلم كما عَلَّمْتِنِي، ولْنتعاوَنْ في تَركِهِ بمتابَعةٍ عَمَلِيةٍ حَثِيثَةٍ، وقاعدتُنا يا أمي: { {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} }..

---هذا مثالٌ للأمهات، أو كما تَرَينَ الردَ المناسبَ، المهمُ أن يكونَ بمصداقيةٍ تُعَوّضُ وتُفسِّرُ عَجزَكِ كقُدوةٍ، عن تعديلِ سلوكِك في نفسِ الخطأ..
-وعليكِ إظهارُ حَسرتَكِ الحقيقيةَ كَونَ هذا العيبَ فِيكِ..
-والتمني بشدةٍ أن يعافيكِ اللهُ منه..
-ومجاهدةُ نفسِكِ فيه فِعليًا كلَ مَرةٍ خاصةً أمامَه، وتَعَمُّدُ جَذْبِ انتباهِه لذلكَ بمواقفَ عمليةٍ صَرِيحَةٍ تَشرَحِينَ له فيها كيفَ قاوَمْتِ هنا بصِدقٍ وإصرارٍ واستعانةٍ بالله/ وكيف ضَعُفتِ هنا وتلومينَ نفسَكِ/ وماذا ستفعلينَ المرةَ القادمةَ أكثرَ بخُطواتٍ: واحدٍ اثنانِ ثلاثة..
-وتقديمُ الأسبابِ الشرعيةِ والعقليةِ لقُبْحِ هذا العيبِ، والحرصُ أن تكونَ أسبابًا تَلمِسُ قلبَهُ وتحركُ فِكرَهُ وتؤثرُ فيه وتستعرِضُ عواقبَ هذا الخطأِ في الدنيا والآخرة، والاستعانةُ بقصصٍ واقعيةٍ لأناسٍ هَلَكُوا بسببِه أو خَسِرُوا خيرًا كثيرًا..
وبالمِثل: استِعراضُ المقابلَ الصالحَ من هذا السلوكِ وعواقبَهُ الطيبةَ في الدارينِ كذلك، شرعًا وعقلًا وواقعًا ملموسًا صادقًا..

=مع مُضاعفَتِكِ لسلوكياتِكِ الزكيةِ أمامَ حواسِّه..
=والاستتارِ بالسلوكِ السيئِ الذي لازِلتِ بعدُ تُجاهِدِينَهُ..
فمثلًا لو أنكِ لازالتِ تُقاوِمِينَ التدخينَ أو مُشاهَدَةَ الأفلامِ والأغانِي عافانا اللهُ، فعلَى الأقلّ لا تفعليهِ أمامَ وَلَدِكِ بل استَتِرِي، وجاهِدِي حتَى يتوبَ اللهُ عليكِ ويعافِيَكِ من المَعَرَّةِ والمَلامَةِ والذنبِ، وقاعدتُك هنا "كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ"..

=وهكذا إذًا...
إذا خُدِشَتْ قُدوَتُكِ في مَوطِنٍ، تُعَوِّضِينَها في مواطِنِها الأخرى، بخمسِ قواعِدَ قرآنيةٍ ونبويةٍ،
احفظِيها عَني:
=واحد: الاعترافُ بالحقِ مباشرةً: {وآخَرُونَ اعترَفُوا بذنُوبِهم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيئًا عسَى اللهُ أن يتوبَ عليهِم}
=اثنان: التوبةُ فورًا: {ثم يَتُوبُون من قريب}..
=ثلاثة: عدمُ الإصرارِ والتمادِي في الخطأِ: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا ((وَهُمْ يَعْلَمُونَ)).. أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ}
=أربعة: البِدءُ بإصلاح النَفسِ قَبلَ الآخَرِين: {قُوا أنفُسَكُمْ وأهلِيكُم نارًا}
=خمسة: الإكثارُ مِن السلوكياتِ الطيبةِ سرًا وعلنًا لمزاحَمَةِ الأخطاءِ ومَحوِها: "أتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تَمحُها"، {إن الحسناتِ يذهبن السيئات}

فأدركي أمرَكِ قبلَ أن ينفَرِطَ عُقْدُ القُدوةِ من بينِ يديكِ وتجدينَ ولدَكِ يومَ القيامةِ يقولُ: {إنا وَجَدنا آباءَنا كذلكَ يَفعَلُونَ وإنَّا على آثارِهِم مُقتَدُون}، والعياذُ بالله..
أعلمُ أن لدينَا طِباعًا يَغلِبُنا فيها التطَبُّعُ والمُجاهدةُ، ولا يكلفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها، لكِنْ يَظهَرُ لولدِكِ بوضوحٍ كيف أنكِ تحاولينَ تغييرَها بصدقٍ، من خلالِ تنفيذِك لتلك القواعد..

أما إذا اتضح أن وَلَدَكِ مُجرد يُترجِمُ فِعلَكِ بِشكلٍ خاطِيءٍ فيُحاكِيكِ في سلوكٍ ظاهرُه خطأٌ فحَسْب، وليسَ خطأً مطلقا =فبيِّنِي لهُ أنّ ما رآهُ ليسَ كما فَهِمَ، وبَرِّئِي نفسَك فأنتِ قدوة.. مِثال: رآكِ تُلقِينَ الفُطورَ في سَلَّةِ القِمامةِ فَألقَى طَعَامَ الغَداءِ مثلَكِ..! فسألتِه: لماذا بُنَيَّ فعلتَ ذلك؟ فأجاب: رأيتُك تفعلينَهُ يا أمي..! فتقولين: لكنِّي ألقيتُهُ لأنهُ فاسدٌ لا يَصلُحُ للأكلِ الآدَمِي، وألقيتُهُ في القمامةِ المُجَمَّعَةِ لقِططِ الشوارِعِ، فعمَلِي مأجورَةٌ عليهِ، بينما عَملُكَ لا يُرضِي اللهَ لأنكَ ألقيتَ نَعمَةً يحتاجُها المَساكينُ.. في المرةِ القادمةِ بُنيَّ تَبَيَّنْ أولًا قبلَ تقلِيدِ أحد، ولا تُقَلِّدْ الخطأَ.. وَوَجَبَ عَلَيّ كذلكَ أنْ أُبيِّنَ فِعلِي لِئلَّا يُساءَ الظنَّ بِي ويُقتدَى بِي بِالخطأ..

وختامًا..
إذا اتضح بعد نقاشِكُما أنّ مصدرَ السلوكِ الخطأِ الذي يُحاكِيهِ ليسَ مِنكِ، ففتِشِي عن الصُحبَةِ والأقاربِ والمَرئِياتِ، كما سنتكلمُ عنهم لاحقًا بإذنِ اللهِ لأهميتِهم..
فلكَيْ تَستَقِيمَ النَبتَةُ علَى سَوقِها، تَحتَاجُ لمناخٍ مُلائِمٍ وصَوبَاتٍ خاصة.. أم نتركُها في مَهَبِّ الرِيح وهي لازالَت خَضراءَ طريةً، بزَعمِ أنّ هذا يُقَوِّيها؟
والجواب في القاعدة القادمة بإذن الله..













__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 25-11-2021, 11:30 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

قواعد: (17)

{فَأوُوا إِلَى الكهْفِ}.. صَوباتُ التربية!


أسماء محمد لبيب





تخيلِي مَعِي.. كُرِةً صغِيرَةً في ماسورةٍ، مَنقُوشٌ بداخِلِ مسارِها رسوماتٌ دائريةٌ سوداءُ، تُشبِهُ الحُفَر.. وأنَّكِ قد عَلَّمْتِ تلكَ الكُرةَ أنها يَومًا ستَخرُجُ مِن الماسُورةِ وتُواجِهُ في الحياةِ حُفَرًا حقيقيةً مُهلِكَة، وقد تَقَعُ فيها إن لم تتَعَلمْ مِنَ الآنَ داخلَ الماسورَةِ أولًا كيفيَّةَ تفادِي أشباهِ الحُفَر..!
ثم تَخَيَّلَي مَعِي كُرَةً أُخرَى صَغِيرَةً كذلك، قد سمَحْتِ لها بالقَفْزِ خارِجَ الماسورةِ إلى أرضِ الحياة، وقُلتِ لها وهي لازالتْ تتعلمُ المَشْيَ والتَدَحرُجَ بَعدُ:
((انتبِهِي للحُفَرِ في طريقِكِ ولا تَمُرِّي فوقَها، قد حّذَّرتُكِ!))
في رأيكِ أيتُها الطيبة:
أيُّ الكُرَتَينِ هي الأقربُ لإكمالِ أطولَ مَسارٍ مُمكِنٍ بِسلامٍ ونجاحٍ دونَ السقُوطِ المُبَكِّر؟
بالتأكيد الكُرَةُ الأُولَى..

حسنًا.. تَخيلِي مَعِي شيئًا آخَرَ..
لديكِ وَلَدَان.. قد ربَّيْتِهما علَى القِيَمِ والعقيدةِ، ثم معَ أحدِهِما أحكَمتِ السيطرةَ على الجَبَهاتِ الداخليةِ والخارِجيةِ، والآخرُ ربَّـيْـتِهِ بانفتاحٍ مُطلَقٍ وتَخَفُفٍ مِن قُيُودِ الدِين، وتغافُلٍ عنِ المُحيطِ الذِي يَرتَعُ فِيه..
ثم كلاهُما انْحرَفَ والعياذُ بالله، فمع أيِّهما ستندَمين على تربيتِكِ وتلومينَ نفسَكِ على انحِرَافِه؟ ومع أيِّهما لن تندَمِي؟
بالتأكيد أنتِ مَلُومَةٌ معَ الثاني..
ولكن....
ربما تقولين:
((لا! سأندمُ مع الولدِ الأولِ كذلكَ لأنَّ التضييقَ على الأولادِ باسمِ الدينِ وقواعِدِ السلامَةِ يَخنُقُهُم فينحَرِفون كذلكِ! فالأفضلُ بالنسبةِ لَهُ هو أن يَكبُرَ وهو -كما يُقالُ بالعامِّيةِ- "خِبرة" و"مقطّع السمكة وديلها" و"سالِك" في الحياة و"مخَربِش"، لا أن يَخرُجَ من "الماسورَةِ" ويصلَ لسنِ الجامِعَةِ وهُو: "مِقفّل" و "لبخَة" و "بَرِيء" ولمْ يُجَرِّبْ "خِبراتِ" الشبابِ "المعتادةِ" لمثلِ سِنِّهِ في زماننا... لذلك فأنا لا أُقَيدُ حُريتَهُ على الإنترنتِ والتِلْفازِ مَثلًا، ولا أمنعُهُ من الخروجِ مع أيِّ أصحابٍ يرُوقُونَ لَه، ولا مِن الاختلاطِ بالبناتِ في المَدرَسةِ والنادِي وغيرِهم، ولا مِن قِراءَةِ المَجلاتِ والقِصَصِ الغَربيةِ وأشباهِها، بل أُفَهِّمُهُ الصوابَ من الخطأ ثم أتركُهُ يمارسُ حياتَهُ دُونَ قُيود، ليُمارِسَ تَفادِي الخطأَ بنفسِهِ دُونَ تَدَخُل..))

فلو أن هذا تفكيرُكِ أيتُها الأمُ الطيبةُ فأقولُ لكِ: راجِعِي نَفسَكِ..
لأن غَنِيمةَ ((شابٌ نشَأَ فِي طاعَةِ اللهِ)) بالتأكيدِ هِي أفضَلُ من شابٍ نشأَ في حُفَرِ ومُستنقعاتِ "الخِبراتِ" المُهلِكَة.. لأنَّ هذِه العاقِبةَ الزَكِيةَ هي عند اللهِ الأفضلُ والأكملُ والأرقَى حالًا ومآلًا، فيُـبَـلِّغُهُ بها ظلَ عَرشِهِ يومَ القِيامَة..

ثم أنتِ تستطيعينَ أن تجعلِي وَلَدَكِ كَما شِئتِ خِبرةً في الشَرِ وتُلَقِّنـِيـهِ كيفَ يَقتَحِمُ الحياةَ، دُونَ إلقائِهِ مباشرةً لتَجربةِ الشرِ ليُعايِشَ المُهلِكاتِ والفِتَنَ فِعليًا..!
أم أنكِ تلسَعِينَهُ بالنارِ وتُغرِقِينَهُ في البَحرِ كيْ يَتَعَرَّفَ على خَطَرِهِما...؟
وسأفتَرِضُ مِعَكِ احتمالَ انحرافِهِ بِزَعمِ بعضِ المَنعِ والتضييقِ التابِعَينِ للتنشِئةِ السليمةِ، وأسألُكِ:
=هلْ يَجعَلُكِ هذا تَندَمِينَ على تربيتِكِ لهُ بما يُرضِي اللهَ؟ هل هذا خَطأٌ مِنكِ أنتِ أم مِنَ النفسِ المُنحَرِفَة؟
=وإن كان هناك بعضُ مَن يَنحرفونَ بِزَعمِ أن الممنوعَ مرغوبٌ، فهل هذا يَعنِي أن أجعلَ الممنوعَ غَير مَمنوعٍ؟!
مؤكدٌ أن الجوابَ المُشترَكَ لهذِه كلِها هو: ((لا))..

فثمرةُ الاستقامةِ رِزقٌ مَحضٌ كما قُلنا مِرارًا، وطالما أنها مُتَغَيرَةٌ وغَيبِيةٌ، فعلينا أن نَلتزِمَ طريقةَ الزراعةِ التي قضاها اللهُ لِحمايةِ تَرَعرُعِ الشجرةِ، ثم لا نُبالِي بَعدَها..
ومن أسبابِ أنَّ تربيتَنا لولدِنا على الاستقامةِ ربما لا تُؤتِي ثمارَها المَرجوَّةَ أحيانًا:
سُوءُ تطبيقِنا لها، أو ربما ظروفٌ استثنائِيةٌ خاصةٌ بالطفلِ تُؤثرُ على استجابتِهِ، أو أسبابٌ تَخُصُّ البيئةَ مِن حَولِهِ.. فتكونُ المشكلةُ هي عدمُ الكفاءةِ التربويةِ أو انحرافاتٍ مَنهجيةٍ في التلقِينِ والتطبيقِ، وليستْ في مَنهَجِ الاستقامةِ ذاتِه ولا عدَمِ مُلاءَمَتِهِ للتربيةِ وصناعةِ النَشءِ الصالحِ، حاشَ للهِ..
بالتالي، لا شكَّ أنكِ كأمٍّ –(ومهما كانتْ عثراتُكِ وإخفاقاتُكِ التربويةِ)- ستكونينَ مُطمَئِنةً وأبعدَ عن الندمِ في كل الأحوالِ إن اتَّبَعتِ مَنهجًا ربانيًا قَوِيمًا، وقرآنًا يَهدِي للتي هِي أَقوَمُ، ولن تَخافِي من لحظةِ السؤالِ عن رَعِيتِكِ يَومَ الحِسابِ، لأنكِ تَعلَمِينَ أن سؤالَهُ لكِ -سبحانهَ- عن المنهجِ التربويِ سيكونُ أشدَ وأعسرَ مِن سؤالِهِ عن مَدَى حِكمَتِكِ أو تَخَبُّطِكِ في تَطبِيقِه، وتعلمينَ أن عَفوَهُ عنِ الذينَ يُطبِقُونَ مَنهجَهُ سبحانَهُ لكِن بِضعفِ كفاءَةٍ وقِلَّةِ حِكمَةٍ في الوسائل، يكونُ -بإذن الله- أقربَ إليهم مِن الذينَ تَركُوا مَنهجَهُ تمامًا واستبدَلُوا بِهِ مَنهجًا آخَرَ مِن صُنعِ البَشَرِ واجتهاداتِ الأمهاتِ حسب الأهواءِ..

هل يستويانِ مثلًا...؟
الحمد لله...

لذلك كان ضِمنَ عُنوانِ المَقالةِ ((الصوباتُ التربويةُ)).. فإن الصوباتِ الزراعيةَ هِي واحِدةٌ مِن أهمِ الوسائلِ الآمِنةِ لإنتاجِ المَحاصيلِ الزراعيةِ وحمايتِها من التلوُثاتِ الخارجيةِ والظروفِ المناخيةِ المُتَغَيرَةِ والحشراتِ والآفاتِ؛ وتهيئةِ ((الظروفِ البيئيةِ)) المُلائِمَةِ لإنتاجِ المحاصيلِ داخلَها وزيادةِ مُعَدلاتِ الإنتاجِ الزراعيِّ، حتى أنهُ في بَعضِ الدراساتِ: القيراطُ الواحدُ من إنتاجِ الصوباتِ يُعادِلُ إنتاجَ فدانٍ كامِلٍ من الأراضِي ((المَكشوفَة)) سبحانَ الله..
وتُسهِمُ كذلك في تِرشِيدِ استخدامِ المياهِ وصِيانةِ ((الثروةِ المائية)) وخَفضِ الاحتياجاتِ من الغذاءِ، بل تُساهِمُ في إنتاجِ بعضِ الخُضَرِ ((في غَيرِ مَوسِمِها))...!
لذلك تُعرَفُ باسمِ: ((البُيوتُ المَحمِية)).. وصَدَقُوا..!
فالصوباتُ تُوَفِّرُ الطاقةَ وتَصُونُ الموارِدَ وتضاعِفُ الثمرةَ وتُنَوِّعُها وتُهَيِّئُ ((بَيْتًا آمِنًا)) للغَرسِ المُثمِر..

وهو ما يُذَكِّرُنا كذلِك، برَشادِ فِتيةِ الكهفِ حينَ احتَمُوا مِن ((فِتنَةِ الدِينِ)) بالكهفِ وقالُوا: {فأوُوا إلَى الكهفِ يَنشُرْ لكم ربُكُم مِن رَحمَتِهِ ويُهَييءْ لكُم مِن أمرِكُم مِرفَقًا}..

فكما نهتمُ بالجبهَةِ الداخِليةِ، مِن توفِيرِ قُدوةٍ، وصِدقٍ، وعَدلٍ، وعِلمٍ ومنهجٍ قويمٍ،
=علينا بنفس القَدرِ الاهتمامُ بالجهبةِ الخارجيةِ، وأن نَنْصِبَ حولَ أبنائِنا صَوباتٍ تربَوِيةً مُحكَمَةً، تُفَلتِرُ الصَحبَةَ والمَرئياتِ والمَدرسةَ والمُدخَلاتِ كلَها، لضَمانِ إطالَةِ أمَدِ صَلَاحِ الثمرَةِ وبُعدَها عن المهلكاتِ بإذن الله، حتى يَشتدَّ عُودُها..
وقطعًا لن نَستطيعَ غَرسَ أبناءَنا في بيئةٍ مُعَقّمَةٍ مِئةً بالمِئةِ كفِتيَةِ الكهفِ، لكن ما لايُدرَكُ كُلُهُ لا يُترَكُ كلُهُ، فالمطلوبُ هو تَحصينُهم مِن فِتنَةِ الدينِ والعَقلِ والفِطرَةِ، وعزلُهم -بما نستطيعُ- عَن مُخالَطَةِ الفِتنِ والقبائحِ، معَ تَهيِئَةُ شَتَى أنواعِ الكُهوفِ الداخليةِ في محاضِنهم التربويةِ:
=كهفُ العِلم/ =وكهفُ الصُحبَةِ/ =وكهفُ الدين..
حتى يَرشُدُونَ ويَشتدَّ عُودُهُم وتتكوّنَ لديهِم مَناعَةً ذاتِيَّةً مَعقُولَةً، لمواجِهةِ العالمِ بِشَرِّه وهَمزِهِ ونَفثِه بحولِ اللهِ وقوتِهِ..

فإن سألتِ بعدَ كُلِ تلكَ القواعدِ: كيفَ السبيلُ إلى ضمانِ السِقايةِ الحَكيمةِ بجُرعاتٍ آمِنةٍ مُثمِرَة؟
فالجوابُ في القاعِدَةِ القادِمَةِ بإذن الله..


--


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 25-11-2021, 11:33 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

قواعد: (18)

فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ.. ترتيبُ التلقين للأبناء.


أسماء محمد لبيب



تكلمنا في المقالة السابقةِ عن ترويضِ أبنائِنا بالإسلامِ، واليوم نتكلمُ عن أولويات السقايةٍ الحكيمةِ المُثمِرَةِ بإذنِ الله، فقد لا تَظْهَرُ الثمرةُ أحيانًا لاختلالِ أولَوِياتِ رِعايةِ النبتَةِ وكثافةِ سِقايتِها وعدمِ مُراعاةِ أحوالِ البُذور..
فمن أينَ نبدأُ؟ وكيفَ نَتَرَقَّى؟ كيفَ نُرَتِّبُ أولوياتِ التلقِينِ الذي يترتبُ عليهِ تعديلُ السلوك؟
نتأملُ مثلًا وَصيةَ النبي ﷺ لِمعاذِ بنِ جبلٍ حينَ ابتعَثَهُ لأهلِ اليمَنِ ليُعَلِمَهمُ الإسلامَ:
"إنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أهْلَ كِتَابٍ.. فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إلى أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لكَ بذلكَ، فأخْبِرْهُمْ أنَّ اللَّهَ قدْ فَرَضَ عليهم خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يَومٍ ولَيْلَةٍ، فإنْ هُمْ أطَاعُوا لكَ بذلكَ، فأخْبِرْهُمْ أنَّ اللَّهَ قدْ فَرَضَ عليهم صَدَقَةً..." (إلى آخر الحديث)
ونتأملُ قولَ عائشةَ عنِ القرآنِ: "إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ، نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ.. وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا...".. (والمُفَصَّلُ هو الأجزاءُ الأخيرةُ من المُصحف)..
▪️فلدينا تلقينُ ((إيمانٍ)) و((قُرآنٍ)) و((عباداتٍ))..
▪️فنَزَلَ مِنَ القرآنِ ما يُرَسِّخُ الإيمان..
▪️ثم نَزَلَ تِباعًا مِن القرآنِ ما يُؤَسِّسُ للعباداتِ والآدابِ والأخلاقِ المَبنِيةِ على هذا الإيمان..
يُؤكدُهُ ما قالَهُ جُندَب بنُ عبدِ الله: "كُنَّا مَعَ النبي ﷺ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ (أي قاربنا البلوغ)، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا"..
وليس معنى كلامِه تَركُ القرآنِ أو تأخيرُه في المرتبةِ الثانية!
بل الاستعانةُ بالقرآنِ في تعليمِ الإيمانِ.. فالقرآنُ هو الإيمانُ جملةً وتفصيلًا..
هو كتابُ التوحيدِ والعقيدةِ الأولُ الذي نِسكُبُهُ في مَسامِعِ صِغارِنا وهُم أجِنَّةٌ في بطونِنا، ذَهَبًا مُسالًا في عُرُوقِهِم رُويْدًا رويدًا..
فالقرآنُ والإيمانُ كلاهُما بَوابَةٌ للآخَرِ ووَقُودٌ لَه..
▪️▪️وأول ما نزل كان القرآنُ، ليُعَلمَ النبيَ ﷺ الإيمانَ: "اقرأ باسم ربك الذي خلق"..
▪️▪️وقد كانَ يَنزِلُ الوَحيُ على مَسامِعِ صِغارِ الصحابةِ قَبلَ تَعَلُّمِهِ:
قالَتْ عائشةُ: "لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ}../ وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ" (تقصِدُ بعدَ زواجِهِ بها ﷺ في المدينة..)
إذًا... جاريةٌ صغيرةٌ تتلقَّى القرآنَ بأذنَيها وتَحفَظُهُ قبل أن تَفهَمَهُ..
▪️ ▪️ كما عَلَّقَ ابنُ تيميةَ على حديثِ جُندَبٍ قائلًا: [[القرآنُ يُعطِي العِلمَ المُفَصَّلَ، فيِزِيدُ الإيمان.. وتَعَلُّمُ الصحابةِ للإيمانِ قَبلَ (((استِكثارِهِم))) مِنَ الحِفظِ، ساهَمَ فِيهِ أنّ أُسُسَ الإيمانِ مَبثُوثَةً فِي سُوَرِ المُفَصَّلِ؛ ولذا سَمَّى ابنُ مَسعودٍ سُوِرَ المُفَصّلِ بلُبابِ القُرآنِ.]] (انتهى كلامه)

فلا نُعَطِلُ تَحفيظَهُ للصغارِ ريثما نُتَمِمُ تَلقينَ العقيدةِ، بلِ المذمومُ هو تكديسُ حِفظِ القرآنِ كلِهِ مِن فاتِحَتِهِ إلى خاتِمَتِهِ، على حِسابِ تعليمِ الإيمان..
كذلك، ليسَ مَعنى الحديثينِ تأخيرُ تلقينِ بقيةِ شُعَبِ الإيمان -من أخلاق وعبادات- أو عدم دمجِها مع تلقينِ العقيدة، فقد جمعها النبي ﷺ معًا:
▪️كما في حديث الغُلام: "يا غلام: سَمِّ اللهَ=(عقيدة)/ وكُل بِيمينِكَ=(عبادات)/ وكُل مما يَلِيك=(أخلاق)"،
▪️وكما في حديثِ شُعَبِ الإيمانِ،
▪️وكما في آيةِ تعريفِ البِرّ، الجامعةِ لأصولِ الدينِ الثلاثةِ: الإيمانُ والأخلاقُ والأعمالُ..
بل إن أركانَ الإسلامِ الخمسةَ ذاتَها= تربيةٌ للنفس وتعديلٌ مستمرٌ للسلوك وتنميةٌ لروحِ الثبات على مُرادِ الله.. فكيف نؤجلُ تلقينَها وتعليمَها للبراعم...؟
لذلك:
▪️مَنْ يَستَنكِرُ البِدءَ بتعليمِ أركانِ الإسلامِ قَبلَ أركانِ الإيمانِ...
▪️أو يستنكرُ بِدءَ تحفيظِ الصغارِ القرآنَ قبلَ إتمامِ الإيمانِ....
فليُراجِعْ حَدِيثَ الغلامِ/ وجُندَبٍ/ وعائشة/ وغيرِهِم..

فلا يعنِي الترتيبُ أنَّ التربيةَ تتناولُ رُكنًا بعدَ رُكنٍ مُنفَصِلِين بالضرورة.. بل هناك تداخلٌ وتكاملٌ بينَها في كلِ مرحلةٍ بلا استثناء، لكنْ فقط ستزدادُ كثافةُ رُكنٍ مُعينٍ عَن كثافةِ بقيةِ الأركانِ ليكونَ لهُ الأثرُ الأقوَى في المَرحلةِ، دونَ إهمالٍ لبقيةِ الأركانِ لأنهم كالبُنيانِ التربوِيِّ المرصوصِ يَشُدُّ بعضُهُ بعضًا.. وهذا ما نراهُ بوضوحٍ في التربيةِ القُرآنيةِ والنبويةِ للفئاتِ العُمرِيةِ المختلفةِ..

▪️▪️ وتَنقَسِمُ مراحلُ التربيةِ والتلقينِ حَسْبَ الفِئاتِ العُمرِيةِ مِن المَهدِ إلى الرُّشدِ، إلى مراحلَ ثلاث:
1-مرحلةُ ((البُذُور)): وهي مِن الجَنِينِيةِ والمَهدِ إلَى بدايةِ سِنِّ التمييزِ.
2-مرحلةُ ((الساق)): وتَشمَلُ سِنَّ التمييزِ والمراهقةِ إلى البلوغ..
3-مرحلةُ تَمَدُّدِ الجُذُورِ وتَفَتُحِ ((الثمار)): وهي من البُلُوغِ إلى الشبابِ والرشدِ.
ومصادِرُ التلقينِ المُعتَمَدَةُ لتَعدِيلِ السلوكِ هِيَ: القرآنُ وصحيحُ السُنةِ، وسِيرةُ النبيِّ ﷺ والصالحينَ سَلَفًا وخَلَفًا، وقواعِدُ الدين ومُحكماتُهُ بِفَهمِ سَلَفِ الأُمة..
▪️أولا: مَرحلةُ البُذورِ- حتى سَبْعِ سِنِين..
هي مرحلةٌ تأسِيسيةٌ مَعرِفِيةٌ لأصولِ الدينِ الثلاثة، فلا يكادُ يَطغَى هنا رُكنٌ مَعرِفِيٌّ على آخَر..
فنبدأ بسقايةِ نَبتَةِ العقيدةِ في قلوبِ الصغارِ بتَعرِيفِهم بِربهم وقَدرِهِ،/ ورسولِهم ومَنزِلَتِهِ ﷺ،/ وكتابِهِم وعَظَمَتِهِ،/ والملائكةِ والشياطينِ/، والغايةِ من وجودنا في الدنيا،/ والخيرِ والشرِ، واليومِ الآخِرِ والجزاءِ والجنةِ والنارِ...
ولو بأبسَطِ أدواتِ التَلقينِ كالقَصَصَ والأمثالِ والعلومِ، كما سنتكلمُ في [[الأدواتِ التربويةِ]] بإذن الله..
فيتعلمونَ هنا أركانَ الإسلامِ وأركانَ الإٍيمانِ إجمالًا،/ وأسماءَ اللهِ الحُسنى،/ وقِصَصَ الأنبياءِ والقرآنِ والصحابةِ وسِيَرَ أعلامِ النُبلاءِ عُمومًا،/ والأذكارَ والآدابَ والأخلاقَ والعباداتِ ومعانيها حَسْبَ استيعابِهِم،/ وثوابَ وعقابَ الأعمالِ والأقوالِ إجمالًا.. ويُمنَعُونَ مِن الحرامِ ويُعَوَّدُون على تَركِه ويُخاطَبُون بالعِلَّةِ مِنَ المَنعِ كما فعلَ النبيُّ ﷺ مع تَمرَةِ الحسن والحسين التي أخذاها من تمر الصدقة وهما يلعبان..
ونستعينُ في هذه المرحلة:
-بالقدوةِ والمكافآتِ والتشجيعِ واللعبِ..
-وبتحفيظِهِم ما تيسَّرَ فَهمُهُ وحِفظُهُ مِنَ المُفَصَّلِ وأحادِيثِ الصِغارِ المُوجَزَةِ، وتقويةِ لُغَتِهِمُ العَرَبِيةِ.. (وحديثُ عائشةَ يُعلِمُنا أنَّ حتى مَرحَلَةَ [[تَحفيظِ القُرآنِ]] لها سُلَّمٌ بِداخِلِها مِثلَ بقيةِ المراحِل..)
وبِقَدرِ ترسِيخِنا هنا في قلوبهمْ لمقامِ اللهِ وحلاوةِ الجنةِ وفظاعةِ النارِ، سنتمكنُ من تدريبهم على الفضائلِ والقِيمِ بحولِ اللهِ وقوتِه..
▪️ثانيا: مَرحَلَةُ الساقِ: سِنُّ التمييزِ والمراهقةِ إلى البلوغ..
وهي مرحلةٌ تطبيقيةٌ رئيسيةٌ قبلَ التكليفِ، يَغلِبُ الاهتمامُ فيها بثلاثة أمور:
1-بالتوسُّعِ في تلقينهم أصولِ الدينِ وفروعِهِ ودقائقِهِ.
2-بالتطبيقِ العمليِّ الجادِّ المنتظِمِ، لِما عَلَّمناهُم إيَّاهُ في المرحلةِ السابقة.
3-وبمَدَى ظُهورِ وثباتِ أثرِهِ على تَطوُّرِ سُلوكِهم..
---ويُؤكدُ ذلك، حديثُ "مُرُوا أولادَكُم بالصلاةِ لسَبعٍ، واضربُوهُم عليها لعشرٍ"..
فنعاوِدُ هنا المرورَ على أركانِ الإسلامِ والإيمانِ وأصولِ الدينِ، مِن عقيدةٍ ومُعامِلاتٍ وعباداتٍ وأعمالِ البِرِّ عُمومًا، لكن:
-بتفصيلٍ وتفرُّعٍ أكبرَ يُناسبُ تطورَ نُمُوِّهِم العَقلِيِّ والفكريِّ والنفسيِّ والمَهارِيِّ..
-وبتعويدٍ مُنتَظِمٍ وجادٍّ يُمَهِّدُ لمرحلةِ التكليفِ..
ويُرشدُنا لذلكَ المفهومِ، أنَّ الصغارَ لو مارسُوا الطاعاتِ والفضائلَ، يُكتبُ لهم أجرُها سبحان الله، وما ذلكَ إلا لتشجيعِ فئاتِ ما قبلَ البُلوغِ على التطبيقِ والتَعَوُّدِ بالمُمارَسَةِ العَمَلِيةِ كثيرًا، وإن كانتْ الفريضةُ لا تَسقُطُ عنهم إلا بأدائها عند البلوغ بالطبع..
•••ومن أهمِّ المُعِيناتِ في تلكَ المرحلةِ: المُصاحبةُ والقدوةُ الصالحةُ وبِيئةُ المَسجِدُ، بجانِبِ ربطهُم أكثرَ بقدواتِ السلفِ وعُظمائِهِ، والتعمقُ في إثباتِ صِدقِ وإعجازِ وربانيةِ القرآنِ والسُنةِ، وتشجيعُهم على طَرحِ الأسئلةِ بلا خوف، دُونَ دخولٍ في جدلياتٍ مذمومةٍ شرعًا.
▪️ثالثا: مرحلةُ الثمارِ- مِنَ البُلوغِ إلى الرُّشدِ..
وهي مرحلةٌ حصاديةٌ قِياسِيةٌ، فتُعتَبَرُ المِقياسُ السلوكيُّ الحقيقيُّ لحصادِ ((التلقين))ِ و((التطبيقِ))، الذَينِ حَدَثا في مَرحَلَتَيِ ((البذورِ)) و((الساقِ))..
ويغلبُ الاهتمامُ فيها:
-بتحميلِهم همومِ الأُمةِ..
-ودفعِهم للقيادةِ والدعوةِ والإصلاحِ والإنتاجيةِ
-والاستزادةِ من طَلَبِ العِلمِ
-وإتقانِ العباداتِ والمعاملاتِ الشرعيةِ
خِتامًا نُلَخِّصُ فَنَقول،،،

نبدأُ بالإيمانِ..
فأولُ حُبٍّ نَغرِسُهُ: حُبُّ اللهِ ورسولِهِ وقرآنِه..
وأول مَنطِقٍ نُؤَسِّسُهُ: خَلْقُهُ إيَّانا لِنَعْبُدَهُ..
وأولُ عُلُومٍ نَسكُبُها: كمالُ وإِحاطةُ علمِهِ وقدرتِه وتدبيرِه وحِكمتِهِ ومُلكِه لكلِ شيء، وأننا مِن دُونِهِ نَضِيعُ..
وأولُ أمنيةٍ نُعَلِّقُهُم بِها: جَنتُهُ ورِضاه..
وأولُ مَحذُورٍ نُخَوِّفُهُم مِنهُ: نارُه وغَضَبُه..
دُونَ فصلِ تَعَلُّمِ الإيمانِ عن تَعلمِ بَقيةِ أصولِ الدين من أخلاقٍ وآدابٍ وعباداتٍ، كُلٌّ حَسْبَ مَرحَلَتِهِ العُمرِية، ثم كلما ازدادَ البُنيانُ مَتانةً ورُسوخًا رفَعنا دَورًا جَديدًا كما رَفعَ إبراهيمُ وإسماعيلُ القواعدَ من البيت، حتى تصيرَ النبتَةُ شجرةً طيبةً أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ، وتصيرَ الشجرةُ جنَّةً بِربوَةٍ أصابَها وابِلٌ فآتَتْ أُكُلَها ضِعفَين..
ولدينا فطرةٌ نقيةٌ مُهيأةٌ تلقائِيًا لقبولِ ذلك، وقرآنٌ تسقينَ بهِ كلَّ بِذرَةٍ تُلقينَها في قلوبِهِم..
فاغتنمي البُكورَ.. قد بُورِكَ للأُمَّةِ في بُكُورِها..

انتهتِ القواعدُ التربويةُ العامةُ التي تنطبقُ على أيِّ عمليةٍ تربويةٍ.. يَتَفَرَّعُ عنها قواعدٌ فرعيةٌ وجزئية لا حصرَ لها، يَختَلِفُ تَطبيقُها وكثافتُها حَسْبَ الأسرةِ وأفرادِها والأحوالِ والطباعِ وغيرِهم، مُستَنبَطَةٌ كذلكَ مِنَ الوَحيينِ، لنا كلامٌ عنها في مَقالاتِ الأقسامِ القادِمةِ بإذنِ الله..

--


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 25-11-2021, 11:37 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

قواعد: (19)

في ختام القواعد: "دليلُكِ التربَوِيُّ المُختَصَرُ"..


أسماء محمد لبيب




في خِتامِ القواعِد.. نُذَكِّرُ بأنه لدينا:
▪️ قواعدُ عامةٌ/ أو كُليةٌ/ ثابتة/ أو أركانٌ... أيًّا كان مُسمَّاها فهي تِلكَ القوانينُ الثابِتَةُ التي تَنطَبقُ على أيِّ عَمَليةٍ تربويةٍ أو مرحلةٍ عُمريةٍ بالضرورة، فلا يتعطلُ تفعيلُها ولا تنحَسِرُ نِسبَتُها في وقتٍ دونَ وقت..

▪️وهناك قواعدُ جزئيةٌ/ أو متغيرة، تتفرَعُ وتتشعَبُ عن القواعِدَ الكليةِ تلك وتَتَرَتبُ عليها، ولكن تختلفُ وتتغيرُ ضَرورَةُ ونِسبَةُ تفعيلِها بحسبِ الأُسرةِ والثمرةِ الملموسةِ والمراحلَ العُمريةِ والفروقِ الفَرديةِ..


▪️▪️القواعدُ الكليةُ مثلًا تَمَثَلَتْ في:

-النيةُ من التربيةِ
-الاكتفاءُ بتربيةِ الوحيينِ، وتركُ التربوياتِ الغربية
-الدعاءُ والصبرُ وحسنُ الصلةِ بالله
-إعلاءُ الطموحاتِ التربوية
-عدمُ التعلقِ بالثمرةِ بشكلٍ يؤدِي إلى تَركِ السَعيِ، فالعبرةُ بالسعيِ مادامَ وِفْقَ التربيةِ الحَق.
-قَدرُ الأمومةِ والأبوةِ في الإسلام، وفِتنَةُ البُنُوَّة..
-أهميةُ تنشئةِ الأبناءِ في طاعةِ اللهِ وكيفيتُها..
-قيمةُ القُدوَةِ ومَرجِعِيتُها وفِطرَةُ المُحاكاة..
-قيمةُ الصِدقِ والعدلِ في تأسيسِ علاقةٍ أسريةٍ متينةٍ مُحَصنة.
-مَرجعيةُ قوانينِ الأسرةِ وإدارةِ الأزماتِ داخلَ البيت.
-تحييدُ حظِ النفسِ وتشوهاتِ الماضي عند تربيةِ الأبناء..
-ضرورةُ التعايُشِ مع واقعِ أن الخطأَ والمحاكاةَ طبيعةٌ بشريةٌ، وأهميةُ التفرقةِ بين العَمدِ والسَهوِ..
-أهميةُ تفعيلِ الصوباتِ التربويةِ للوقايةِ مِن الفتن..
-وأخيرًا... كيفيةُ ترتيبِ تلقينِ القناعاتِ والقِيمِ السلوكيةِ المَطلوبةِ للأبناءِ حسبَ المراحلَ العمريةِ، والتي يَنبَنِي عليها تعديلُ السلوكِ بشكلٍ عام..

فكلُها قواعدُ لا خَيارَ لنا في التأسِيسِ عليها كالأركان للبنيان، ولا تَحتَمِلُ التعطيلَ أو التأويلَ أو التقييدَ أو التجزِئةَ.. فَصَّلنا كثيرًا مِنها وأجمَلنا البعضَ..

▪️▪️أما القواعدُ الجزئيةُ:

-فتطبيقُها نِسبِيٌّ لتَوَقُفِهِ على عواملَ مُتَغَيرة،
-وهي قواعدُ لا حَصرَ لها ولا يَتَسِعُ لها المجالُ هنا،
-وأؤجلُها للكتابِ بإذنِ الله..

لكن مبدئيًا نُوجِزُ نُبذَةً عنها ونقول:
-أن بعضَها كما قلنا يَتَرَتبُ على القواعِدَ الكُلية..
-وبعضُها مَوجودٌ مُباشَرةً في توجِيهاتِ التربيةِ النبوية وقواعِدِ الفِقه، أو مُستخلَصٌ مِن مَقاصِدِ الشريعةِ العامةِ..

**أمثلةٌ لقواعِدَ جُزئية:
تقنينُ الأجهزةِ الالكترونيةِ والانترنت/ اختيارُ مدارسَ مُعينة/ المكافأةُ على الصالحات والرشاوَى التربوية/ الضربُ على ترك الصلاة/ الضربُ التأديبي/ التدريج/ المُحاورةُ في الشبهاتِ ابتداءً وتفنيدُها/ الإيفاءُ بالوعد/ التبكيتُ/ التخييرُ/ العقابُ بالهَجر/ التعويدُ على صلاةِ المَسجدِ للصبيانِ وعلى الحجابِ للفتيات/ حَملُ القرآن/ مراعاةُ المشاعِر/ التقليلُ من التنعُمِ/ الدفعُ بهم في مُعتَرَكِ الحياةِ ليشتدَ عُودُهم..........

إلى آخر قائمةٍ من قواعدَ بحجمِ الحياةِ كافة، لا حَصرَ لها ولا قوالبَ تطبيقيةً ثابتةً لها غالبًا على وَجهِ الدِقة.. تتنوعُ حسبَ الواقعِ عمومًا وبيئةِ المحاضِنِ التربويةِ المُتَغَيرةِ كما قلنا..

▪️▪️ويُقابِلُ القواعدَ أو يُماثِلُها في القُوةِ والإطلاقِ والتأسِيسِيةِ:
((المَمنوعاتُ التربوية))..


وبعضُها ممنوعاتٌ عامةٌ/ كُليةً كَذلك، وبعضُها ممنوعاتٌ جُزئية..

**أمثلةٌ للممنوعاتِ التربويةِ عُمومًا، كُليةٌ أو جُزئيةٌ:
عدمُ الدعاءِ على الأبناءِ/ عدمُ سبِّهِم أو احتقارِهم أو السخريةِ منهم/ عدمُ المجاهَرَةِ بالمعاصِي أمامَهم/ عدمُ إدخالِهم مَدارِسَ مُختَلَطَةٍ/ عدمُ إرغامِهم على الأكل/ عدمُ تركِهِم وحدَهُم بدون رَقيب/ عدمُ التَجَسُسِ عليهم.......

فالممنوعاتُ إذًا تُعتَبر في حقيقتِها (((قواعدُ))) لكن بالسَّلبِ والإحجام والاجتنابِ..
لذا سنتناولُ بعضَها بإذنِ اللهِ مباشَرةً بعدما أنهينا القواعدَ الكُلية..
ثم بعدَها سنتكلمُ عن بَعضِ الأدواتِ التربويةِ التي هي وسائلُ الوالِدَينِ لتعديلِ السلوكِ وغَرسِ القِيَم، تحتَ مِظَلَةِ القواعدَ والمَمنوعاتِ بالطبعِ..

وننوهُ هنا إلى أننا قد نَجِدُ قاعدةً ما أو مَمنُوعًا مُعَيَّنًا، هو أداةٌ في نفسِ الوقت....

مِثال:
-الدعاءُ... هو قاعدةٌ/ وفي نفسِ الوقتِ وسيلةٌ لتعديلِ السلوك..
-كذلك الصدقُ والعدلُ.. قاعدةٌ/ وفي نفسِ الوقتِ أدواتٌ لكسبِ قلوبِ الأبناءِ وثِقَتِهِم..
-كذلك "ادفَعْ بالتِي هِيَ أحسن"... قاعدةٌ عند زلاتِهِم/ وفي نفسِ الوقتِ أداةٌ لتعزيزِ الحُبِ والامتنان..
-كذلك "لا تدعُوا على أولادِكم"... هي من الممنوعات، وأيضا وسيلةٌ لترسيخِ الأمان..

فلن نختلفَ كثيرًا هنا في تصنيفِ الأدواتِ والقواعدَ والممنوعاتِ، لشدةِ تداخُلِهِم وتضافُرِهم أحيانًا، إنما فقط عمليةُ العناوينِ والسَّبرِ والتَقسِيمِ هَذِهْ، مُجَردُ محاوَلةٌ تَنظيميةٌ لخريطةِ التربيةِ قَدرَ المُستَطاع، لكن بِمُرونَةٍ وبساطةٍ بإذن الله..

ويأتي السؤالُ الأهمُ على الإطلاق لدى الأمهات:
ماذا علَى الأمِ من خُطواتٍ لتبدأَ التربيةَ بَعدَ ما تَضطَلِعُ على كل ذلك؟

والجوابُ:
-مبدئيًا عليها اتباعُ القواعِدَ الكُليةِ مُطلَقًا، واجتنابُ المَمنُوعاتِ الكُليةِ مُطلقًا..
-ثم تَتَبُعُ القواعدَ والممنوعاتِ الجُزئيةِ/ والأدوات، وتفعيلُهم مع الأبناءِ دوريًا حسبَ المَرحَلةِ العُمريةِ والمَنفعةِ المَرجُوةِ والمصلحةِ الراجِحة..

وخِتاما نَجمَعُ القواعِدَ الكليةَ إجمالًا في عِقدٍ مُترابِطٍ بعُنوانِ ((دليلُكِ التربويُّ المُختَصَرُ)) بإذنِ اللهِ، فنقول:

1-نيتُكِ من التربيةِ هي إرضاءُ اللهِ وأداءُ الأمانةِ وإعزازُ الأُمةِ برجالٍ يَحرُسونَ بيضَتَها ويُعَبِّدُونَ الأرضَ لله..: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}..
2-وهدفُكِ من التربيةِ هو حَجزُ مَكانٍ لأبنائِكِ تحتِ ظِلِ عَرشِ الرحمنِ..: ((شاب نشأ في طاعة الله))..
3-وطموحُكِ في التربيةِ هو بحَجمِ أعظَمِ جزاءاتِ الله...: ((وإذا سألتَ فاسألِ الفِردَوس)).
4-ومرجعيتُكِ في التربيةِ هي القرآنُ والسُنةُ بفَهمِ سَلَفِ الأُمة، فَدعِي عَنكِ تربيةَ الغَربِ وأقبِلِي على تربيةِ ربِ العالمين...: {{إن هذا القرآنَ يَهدِي للتِي هِي أقومُ..}}، ((وإن أحسَنَ الهَديِ هَدْيُ مُحمدٍ ﷺ..))، {{وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عَن سَبِيلِه}}..
5-وزِمامُ الأمورِ بِيَدَيكِ وسوفَ تُسألِين..: ((كُلكُم راعٍ.. وكُلكُم مَسؤولٌ..))
6-والمُثابَرَةُ وتَحسِينُ الصِلَةِ باللهِ وَقودُ التربيةِ وسَببٌ لثمرتها..: {وَالذِينَ جاهَدُوا فينا لنَهدِينَّهُم سبُلَنا} .، ((فأعنِي على نفسِكَ بكثرةِ السُجُود))..
7-وبعدَ بَذلِ الوُسْعِ بِصِدقٍ وإخلاصٍ وعِلمٍ فلا نَدَم...: {لا يَضُرُّكُم مَن ضَلَّ إذا اهتديتم}
8-ولْتَطمَئِنِي على ذريتِكِ مادُمتِ بدأتِ البنيانَ بالعقيدةِ الحَقِّ....: {وَالذِينَ آمنُوا واتَبَعَتْهُم ذُريتُهُم بِإيمانٍ ألحَقْنا بِهِم ذُرِّيتَهُم}
9-والإقرارُ بالخطأِ والاعتذارُ عنه واجبٌ وليس فَضلا...: {وَلم يُصِرُّوا على ما فَعلوا وهُم يَعلَمون}
10-والفَصلُ في أمورِ الأبناءِ يَكونُ بحُكمِ اللهِ لا بالهَوَى...:{وأنِ احكُمْ بينَهُم بما أنزلَ اللهُ}
11-والدعاءُ والصبرُ والتقوى مفاتيحُ الفَرَج....:{إنهُ مَن يَتَقِ ويَصبِرْ فإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجرَ المُحسِنِين}
12-واليأسُ من رحمةِ اللهِ كُفرٌ، وانتظارُ الفَرَجِ عِبادةٌ... والثبات على تربيتهم رغم تأخر الثمرة واجبٌ لا فضل..:{معذرةً إلى ربكم ولعلهم يتقون}..{فاصبرْ صبرًا جميلًا} .. و «استعِن باللهِ ولا تَعجَز»
13-((وكُلُ ابنِ آدمَ خطاءٌ.. وخيرُ الخطائينَ التوابون))....:{فَمن تابَ وأصلَحَ فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنُون}
14-وأنهُ مَن يَترُكْ بيتَهُ بلا سقفٍ فلا يَندِبُ حَظَهُ العاثِرَ حينَ تَهطِلُ السُيول.. {فأوُوا إلى الكهفِ يَنشُرْ لكُم رَبكم مِن رَحمَتِهِ ويُهَيِّءْ لكم مِن أمركمْ مِرفَقًا}

وإلى لقاءٍ مع (((الممنوعاتِ التربوية))) في المقالةِ القادمةِ بإذن الله..



--أسماءمحمدلبيب
أمةالله-عفا الله عنها​​​​​​





















__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 25-11-2021, 11:41 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

ممنوعات (مقدمة):

{هاؤُمُ اقرأُوا كِتابِيَهْ}: أنقّى صَحِيفَةٍ تَربَوِيَّة..


أسماء محمد لبيب


إليك أنظفَ صَحِيفَةٍ تربويةٍ يمكنُها أن تُقِرَّ عينَ أيَّ أُم، سواءٌ في الدنيا أو في الآخِرَةِ لدى ربِها الملِكِ الديّانِ عز وجل مهما كانت تَفِدُ إليه سبحانه بتقصير تربويٍّ وتفريط..
  • التصنيفات: التربية والأسرة المسلمة -
المَمنوعاتُ العَشرُ

... يا بُنَيَّ يا فلذَةَ كبِدِي وقِطعَةَ نَفسِي:
أنا وللهِ الحمدُ ربِ العالمين:
1-أبدًا ما عصيتُ اللهَ لأُرضِيَك..
2-أبدًا ما دعوتُ عليك..
3-أبدًا ما شَتَمتُك..
4-أبدا ما شَمِتُّ فِيك..
5-أبدا ما فَضَحتُك..
6-أبدًا ما ربيتُكَ لأجلِ منفعتِي الخاصة..
7-أبدا ما لَطَمتُكَ على وَجهِكَ ولا ضَربتُكَ الضَربَ المُحَرَّمَ..
8-أبدًا ما كذبتُ عليك..
9-أبدًا ما خدَشْتُ فِطرَتَك..
10-أبدًا ما تَعَدَيْتُ على حُقوقِكَ المكفولةِ لكَ شرعًا وأنا أعلم ذلك وسكتُّ"...

أيتها الأمهاتُ الطيبات..
رأيتُنَّ تلكَ المُجتنَبَاتِ العَشْر...؟
هي في رأيي المتواضع تمثلُ:
أنظفَ صَحِيفَةٍ تربويةٍ يمكنُها أن تُقِرَّ عينَ أيَّ أُم، سواءٌ في الدنيا لدَى ولدِها مهما كان بينهما من نِزاعَات وتَجاذُبات، أو في الآخِرَةِ لدى ربِها الملِكِ الديّانِ عز وجل مهما كانت تَفِدُ إليه سبحانه بتقصير تربويٍّ وتفريط..

فجهزي تلك العَشَرَة من الآن، بالمُجاهَدةِ والمُثابَرَةِ والصبرِ والاستعانةِ بالله، كي تتمكنينَ بحولِ اللهِ وقوتِهِ من قَولِها لولدِكِ بكلِ فَخرٍ وثِقَةٍ وصِدقٍ حينَ يَكبُرُ، وبين يديْ ربِكِ ضِمنَ الصائِحِين فَرَحًا وسُرورًا{هاؤُمُ اقرَؤُوا كِتابِيَهْ...}..

أعلَمُ أن كثيرًا مِنكُنّ مُفَرِّطَةٌ في إحدى النقاط العَشْرِ- وربما كلِها والعياذُ باللهِ مِن ذلكَ العَجزِ والتَفرِيطِ- ويَنكَوِي قلبُها الآنَ وهي تَستَمِعُ بحسرَةٍ للكلامِ وتقولُ لنفسِها: ((هيهاتَ هيهاتَ لتلكَ المَنزِلَةِ الرفيعةِ وهذا الفَخرِ المَجِيدِ يا مِسكينة!))، لِعلمِها أنها قد سَقَطَتْ في اختبارِهم منذ زمنٍ وما عادَ يُمكِنُها أن تقولَ "أبدًا ما فَعَلْتُ كذا فيكَ بُنَيْ"...
وكم كانت تتمنى ذلكَ النقاءَ لصحيفتِها التربوية..!

وأقولُ لصواحِبِ تلكَ الأنَّاتِ الأسيفةِ الرَّئِيفَةِ: لا زالت أمامكِ تلكَ الفرصةَ أخيتِي رُغم أننا لا نَستطيعُ إرجاعَ عقاربَ الساعةِ للوراءِ..
أجَل...! فاقتَنِصِيها..
  • تُوبي عن أولئِكَ العشرةِ فورًا تَوبةً نصُوحًةً صادقَةً.
  • وقَدِمِي لولدِكِ إقرارًا واعتذارًا وأظهِرِي فيهما ندمَكِ ذاك بكل صدقٍ وتجرد.
  • وأخبرِيهِ أن كلَ ابنِ آدمَ خطاءٍ وأن خيرَ الخطائينَ التوابينَ.
  • وأنكِ الآن مِن هؤلاءِ وتبتغِينَ تَصحيحَ مسارَكِ، إرضاءً للهِ وإفراحًا لَهُ سبحانه بالتوْبِ والأوبِ وَدُونَ تَباطُؤ..
فكما قال الحكماءُ:
"عندما تركبُ القطارَ الخطأَ، حاوِلْ أن تنزِلَ في أوَّلِ مَحطَةٍ، لأنه كلما زادَتْ المَسافةُ، زادَتْ تكلِفَةُ العَودَة"..
وقال رَبُكِ أحكمُ الحاكِمين:
{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان:70]
وقال أيضًا: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِم} [آل عمران:136]

إذًا...
أشهِدِي ولدَكِ على نيتِكِ الإقلاعِ عن كلِ ذلكَ بعَونِ الله، وحينها ستستطِيعِين يومًا ما قريبًا غيرَ بعيدٍ بإذنِ اللهِ وحولِهِ وقُوتِهِ أن ترفَعي رأسَكِ وتقولِي لَهُ في الدنيا ولرَبِكِ في الآخِرَةِ تلكَ المَفخَرَةَ العزيزةَ والمَصفُوفَةَ الغاليةَ للممنوعاتِ العَشرِ:
".. يا بُنَيَّ يا فلذَةَ كبِدِي وقِطعَةَ نَفسِي:
أنا وللهِ الحمدُ ربِ العالمين، منذ تُبتُ وأنَبْتُ إلى اللهِ وعَرَفْتُ الصوابَ مِنَ الخطأِ في أمانةِ تَربيتِكَ وفي ديني وأن كلَنا رُعاةٌ وكلَنا مسؤولون عن رَعيتِنا:
1-أبدًا ما عصيتُ اللهَ لأُرضِيَك..
2-أبدًا ما دعوتُ عليك..
3-أبدًا ما شَتَمتُك..
4-أبدا ما شَمِتُّ فِيك..
5-أبدا ما فَضَحتُك..
6-أبدًا ما ربيتُكَ لأجلِ منفعتِي الخاصة..
7-أبدا ما لَطَمتُكَ على وَجهِكَ ولا ضَربتُكَ الضَربَ المُحَرَّمَ..
8-أبدًا ما كذبتُ عليك..
9-أبدًا ما خدَشْتُ فِطرَتَك..
10-أبدًا ما تَعَدَيْتُ على حُقوقِكَ المكفولةِ لكَ شرعًا وأنا أعلم ذلك وسكتُّ".

حبيباتِي جاهِدنَ أنفُسَكُنَّ وصابِرنَ... وأبشِرنَ،،، {إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[النمل:11]

هذا إجمالٌ...
وفي المقالاتِ القادِمَةِ من هذا القسم الجديد [[ممنوعاتٌ تربويةٌ]]،
نَستَعرِضُ بتفصيلٍ تلك العَشْرةَ، لنتعاونَ معًا على إغلاقِ مداخِلِها وتثبيتِ التوبةِ مِنها بحولِ الله وقوتِهِ، ومعرفةِ كيفيةِ تَدارُكِ الزَلَلِ فيها بإذنِ الله.. لنستكمل معًا بقية قواعد وأدوات التربية من الوحيين..{..وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ}[طه:82]









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 28-11-2021, 12:45 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

ممنوعات (2):

"ولا تدعوا على أولادكم"... دعاؤكم عليهم دعاءٌ على الأُمة..!


أسماء محمد لبيب


[[خِلصِت روووحك... اتفلِق.... يخرب بيتك... يخرب عقلك...!]]
إن كنتِ ممن يقولونَ تلك الجمل أو شيئًا منها لأبنائِكِ حال الغضبِ منهم، وتُسرِفين فيها دونَ مراجعةٍ وتوبة، وعلى أمورٍ دنيويةٍ تافهةٍ غالبًا أو أمورٍ لكِ فيها حظوظُ نفسٍ، فلا تظنِّي أن هذِه دُعاباتٌ من الكلامِ أو زلاتٌ مَغفُورَةٌ منسيةٌ مارَّةٌ مرورَ الكِرام...
ومثلها: أتاكَ الرَعدُ في أذنَيكَ..! أتاكَ العَمَى في عينيكَ..! ضُربْتَ في قلبِكَ...!! أحرقَ اللهُ دمَك...! دَهَسَتْكَ قاطِرَةٌ...! قُطِعَتْ رقبتُك...! قُصِمَ ظَهرُك...! شُلَّتْ أركانُك...! سمَّمَ اللهُ بدنَك...! لعَنَكَ اللهُ...!
كلها بالطبعِ بعدَ ترجمتِها للفُصحى، فسماعُها بالعاميةِ أشدُ إهانةً وبأسًا وتنكيلًا...!
وغيرُها مما يتَحَرجُ القلمُ مِن كتابتِه، ويحمِلُ غِلًا وغَلَيَانًا عَجيبًا يستَحِثُّ انتقامَ اللهِ للآباءِ مِن الأبناءِ في لحظةِ غضب، ثم يَنسَونَها وكأنها لم تكن..!
فلا تظني أنها مَغفولٌ عنها، بل كلُها أدعيةٌ صريحةٌ على ولدِك، تُقْلِعِينَهُ بها من تُربَةِ الأمانِ وتَزرَعينَه في أرضِ الخوف، ناهِيكِ عما فيها من إهانةٍ، فتكسِرِينَهُ مرتينِ بل ثلاثَ، بل مراتٍ ومرات...
هذا بخلافِ تعويدِه بذلك على اللعنِ والمبالغةِ في الانفعالاتِ والشططِ في المشاعرِ وعدمِ السيطرةِ على غضبِ اللسانِ وآفاتِه، بدلًا من تعويدِه على العِفةِ والنزاهةِ والرقيِّ والأدبِ وقولِ التي هي أحسنُ... كيف -بربكِ- ستُلقنِينَه: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[الإسراء:53] و «ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ» (رواه الترمذي والحاكم وصححه الألباني)؟
دَعُوني أقُصُّ عليكم قِصةَ أمٍّ من هؤلاءِ عفا اللهُ عنها..
ظَلتْ تَشكُو إليَّ من ابنِها ونِسيانِه لكثيرٍ من طلباتِها وفَشلِهِ في تلبيةِ كُلِ احتياجاتِها نظرًا لظروفِهِ المَعِيشيةِ الصعبةِ التي هي تَعلَمُها وتُدرِكُ صعوبَتَها وتُطالبِهُ بالمثالية رُغمَ ذلك..

فقلتُ لها هداهُ اللهُ، نظرًا لأني لم أُعُدْ أملِكُ أيَّ ردٍ غيرَ ذلك، فلا جدوَى من أيِّ نُصحٍ أو استعطاف..
فردّت قائلةً بالنَّص: "سواء ربنا يهديه أو ما يهديهوش، هو مش نافعني في حاجة كده كده.. ربنا يحرق دمه زي ما هو حارق دمي.."
حين أسمع أمامي أمًّا تقولُ على ابنِها: "ياربِ ينكِّدْ عليك زي ما نكّدت عليا ويوجَع قلبك زي ما بتوجع قلبي" أو "ربنا يشلَّك وينتقم منكَ ويحرَق دمك زي ما بتشلِّني على ما تعمل لي إللي بطلبُه"، أشعر بذهولٍ وصدمةٍ عَقليةٍ مُتجمدة..!
حسنًا... أين الخللُ.....؟ ربما تظنون أنه في اللسان.. وربما في الأخلاق... لكنْ -ولا عجبَ!- إنه في العقلِ والقلبِ..

إن قناعةَ الأم أنها ليست مُلامَةً أن تفعلَ ذلك، يَدلُ على خَلَلٍ في إخلاصِ النيةِ في التربيةِ للهِ ربِ العالمين، إذ تجعلُ لِذاتِها مِن أبنائِها حَظَ نَفسٍ، إن لم تحصلْ عليهِ بالحُسنَى منهم طَفِقَتْ مَسحًا بالسوقِ والأعناق..!
"يا رب يهِدَّك عشان أرتاح شوية من تنطِيطَك وكَركَبتَك"؟
سبحان الله..!
وحتى تلك الأم الأفضل، التي لا تريدُ من ابنِها إلا أن يهتدِيَ للخيرِ ولا تدعُو عليهِ لمصالحَ دنيويةٍ ولا حظِّ نفسٍ، ليسَتْ بعيدةً عن الخَلَلِ إذا دعتْ على ابنِها حين يُعانِد!
لكنه خللٌ من نوعٍ آخر: خَللُ المَنطِق..
إذ كيف يُقنِعُني أحدٌ أنها تَدعُو على وَلدِها -وهي بوعيِها!-أن يزيدَهُ اللهُ عذابًا وشقاءً وفشلًا، لأنه لا يريدُ أن يستجيبَ ويجتنبَ طريقَ العذابِ والشقاءِ والفَشَل...!
"يارب تسقَط وتعيد السنة عشان مش راضي تقوم تذاكر".....!
سبحان الله..!
فالأمُ الأُولَى خلُلها في إخلاصِ النيةِ للهِ والتي محِلُّها القلبُ، والثانيةُ خَلَلُها في إِعمالِ العَقلِ وتَغليبِهِ على العواطِفِ.. وكلتاهما لديها خَلَلٌ واضحٌ في الأمومة...!

لأجلِ ذلك نقول: إن عَلاقَةَ الدعاءِ على أولادِنا// بالنيةِ مِن التربيةِ ووُضوحِ الرؤيةِ في ذلك عَلاقةٌ طَردِيَّةٌ: كُلما استَحضَرتِ غايتَكِ التَربَوِيةَ= كلما أشفَقْتِ مِنَ الدعاءِ عليهم واجتنَبتِهِ مهما أُحبَطتِّ بخُذلانٍ أو عنادٍ أو تأخُرٍ للثمرة..
النيةُ من التربيةِ إذًا ألفْ باءْ أمومةٌ وعبودية..
لا يصحُ أن ننسَى لماذا نُنجِب..

نحن لا نُنجِبُ خدمًا تحت أقدامِنا..
نحن ننجبُ خَدَمًا تحتَ أقدامِ الأُمة..
ودعاؤنا عليهم دعاءٌ على الأمةِ بالنقصانِ والفشلِ والتعثرِ والخيباتِ..

قد نتفهمُ مبرراتِ ودوافعَ الصياحِ الشديدِ لإحدى الأمهاتِ أو حتى ضربَها بعنفٍ لولَدِها في لحظاتِ انفعالٍ وإحباطٍ -وإن لم نَعذُرْها قَطعًا..

لكن في النهايةِ: قُوةُ ضربتِها لَه هي قُوةُ ضَربِ "إنسان" لـ "إنسان"..
لكن أن تستسهلَ الأمُ بسببِ نفسِ الدوافِعِ -غيرِ المُبَررةِ- أن تُفَوَّضَ "ربَّ الكونِ القويَ المتينَ" بقُدَرتِهِ المُطلقةِ وبطشِه الشديدِ، أن يُعاقِبَ ولدَها وينتقمَ لها مِنه..!!
فذلك هو ما لا أتفهمُه مُطلقًا ولا أتعاطَفُ معه ويَصدِمُني كلَّ مَرة..
نعم... اللحظةُ التي تتحولين فيها من كائنٍ يُضرَبُ به المَثَلُ في المَرحَمَةِ وصَدِّ الأذَى عن ابنِها ولو كانَ مِن "لدغَةِ نامُوسةٍ" إلى كائنٍ مُستَمطِرٍ للأذَى على فلذَةِ كبِدِها مِن القويِّ شديدِ العقابِ ذِي الطَولِ سبحانه، وتعَلَمِينَ أن دعوتَكِ مُستجابَةٌ اعلَمِي أنكِ الآن فاقِدَةٌ للأمومةِ الحَقةِ والخَالِصةِ لوجهِ الله.. حتى تستفيقِي وتُصلِحي..
فكما أن السكرانُ فاقدٌ لعقلِهِ حتى يَفِيقَ... فإن الأمَّ التي تدعو على ابنِها فاقدةٌ لأمومتِها حتى تَفِيقَ..

اللهُ أعطاكِ سِلاحًا -الدعاءَ المستجابَ- رحمةً منه لَكِ.. ليُدرِكَ الأبناءُ قَدْرَ مَعيّةِ اللهِ لكِ فيوقِّرُونَكِ ويبَرُّونَكِ ويهابُونَ غضَبكِ ويُطِيعونَكِ في المعروف.. لا لكي تذبحيهم به..
يا طيبة.. فلا تذبَحِي أبناءَكِ برحمَةِ اللهِ لك..
الخلاصةُ...
دعاؤكِ على ولدِكِ من الدعاءِ المستجابِ.
وهو سلاحٌ أودعَهُ اللهُ مَعَكِ أمانةً وامتحانًا.
لا تقتُلِي بهِ أولادَكِ انتقامًا لنفسِكِ بزَعمِ أنكِ تريدينَ أن ينصَلِحَ حالُهم.. هذا إفسادٌ من حيث تريدين إصلاحًا.
دعاؤكِ عليهم دعاءٌ على الأمةِ الإسلاميةِ أن يزدادَ فيها عددُ الفشلةِ والمتعثرينَ والخائبين.
لن نغنمَ شيئًا حين ندعو أن يذيقَهم اللهُ ما أذاقونا إياه في تربيتِهم، ولا ينبغِي لذلكَ أن يُدخِلَ علينا السرورَ إن حَدَث.. فلا تنسَيْ قِصةَ أمِ جُرَيجٍ وما حَدَثَ لهُ بدعوتهِا عليهِ حينَ تأخَّرَ عن تلبيةِ ندائِها مِرارًا فقالت: "اللهم لَا تُمِتْهُ حتى تُريَهُ وجوهَ المومِساتِ".. وقد كان.. تَعَرَّضّتْ له المُومِساتِ وظُلِمَ واعتُدِيَ عليهِ وتَعَلَّم كلاهُما الدَرسَ بالدمِ، حتى قالَ حين استفاقَ: أصابَتْنِي دَعوَةُ أمِ جُرَيج..
فلن تَفرَحِي حينَ تَجِدِينَ ولدَكِ وقد كُسِرَ ظهرُه أو أُصيبَ بعاهةٍ من حادِثٍ مثلًا سبقَهُ دعاؤكِ عليهِ لتَعَنُّتِهِ في مُذاكرَةٍ أو مهامٍ منزليةٍ ونحوُه... أنتِ بذلك تكسرين قلبَكِ مرتين.. ألا تَكفيكِ كسرتُكِ من بَعضِ عقوقِهِ ذاك؟ وواللهِ إن تلكَ الكَسرَةِ أهونُ وتَنجَبِرُ بإذنِ اللهِ بالدعاءِ لَهُ والحوقلةِ كثيرًا والصبرِ والحِلمِ {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ}[البقرة:45].. لكن عاقبةَ الدعاءِ عليهم لا تَنجَبِرُ...
الوالِدِيَّةُ الحَقَةُ لا مكانَ فيها للتشفِّي والثأرِ للذاتِ وتنفيسِ الغِل.. بل هي قَلبٌ مُخلِصٌ للهِ يَحمِلُ هَمَّ الأمةِ، وعينٌ ساهرةٌ على ترميمِ كسرِها بإصلاحِ أبنائِها، مهما كانت مشاكلُهم شاقةً ومُنهِكةً وخانِقةً، فالثمرةُ تستحقُ: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعاً}[المائدة:32]
فاستهدِي بالهادِي الحليمِ الصبورِ.. وربِّي ولدَكِ بالدعاءِ له لا بالدعاءِ عليه.. وردِّدِي دومًا: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فإن سألتِ:} [الأحقاف:15].

ألم يَقُلِ النبيُّ ﷺ لبعضِ صحابتِه ثَكِلَتْكَ أمُكَ بل ودعَا علَى بَعضِ أهلِه؟ وما الحَلُ لِمَن دَعَتْ بالفعلِ عليهِم وينهَشُها الخوفُ الآنَ من إجابةِ اللهِ لدعائِها؟ وَمَن تابتْ وتجاهدُ ولكن لازالَ لسانُها يَفلِتُ، فماذا تفعلُ إلى أن ينتهِيَ هذا الأمرُ مِنها؟ وما قصةُ جُرَيجٍ وأمِه؟
فالجوابُ في المقالةِ القادمةِ بإذن الله...




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 28-11-2021, 12:49 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فن الكتابة فى الصفحة البيضاء

ممنوعات (2) تابع :

ألم يدعُ النبيُّ ﷺ علَى بعضِ أهلِهِ والمُسلِمِين؟


أسماء محمد لبيب



وقفنا عند أسئلة:
-ألم يدعُ النبيُّ ﷺ على بعضِ أهلِه والمسلمين؟ ألم يقل لبعضِ صحابَتِه " «ثَكِلَتْكَ أمُك» !" أيْ: "فَقدَتْكَ" أيْ: دعاءٌ بالموتِ كما نقولُ بالعامية "ربنا ياخدَك"؟
-وما الحلُ لمن دَعَتْ بالفعلِ على أولادِها وينهَشُها الخوفُ من إجابةِ اللهِ لدعائِها؟
-ومَن تابتْ وتجاهدُ ولكنْ لازالَ لسانُها يفلِتُ، ماذا تَفعَلُ؟

نبدأُ بالسؤالِ الأولِ..
أولًا... تلك الكلمةُ في لهجةِ العَرَبِ ليسَ معناها طلَبُ تَحَقُقِ الشيءِ وتمنِّي وُقوعِهِ، فليستْ دعاءً على أحدٍ بالموتِ حقيقةً -حتى وإن كان هذا معناها الحرفيُّ لُغَوِيًا..
إنما تُطلَقُ على سبيلِ العادةِ التي جَرَتْ بها ألسنةُ العَرَبِ آنذاك مِن وَصلِهم لكلامِهم دونَ قَصدٍ أو نِية، مثل: تربَتْ يَمينُك،/ ولا أشبَعَ اللهُ بَطنَك،/ ولا كَبِرَ سِنُك، وغيرهم...
قال النوويُّ في شرحِ صحيحِ مُسلم :
"وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا كَلِمَةٌ اعتادتْ الْعَرَبُ اِسْتِعْمَالهَا غَيْرُ قَاصِدَةٍ حَقِيقَةَ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ، فَيقولون: تَرِبَتْ يَدَاك، وَقَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ! وَلَا أُمَّ لَهُ وَلَا أَبَ لَك، وَثَكِلَتْهُ أُمُّه، وَوَيْلَ أُمِّهِ..... وَمَا شابَهَهُم مِنْ أَلْفَاظٍ يَقُولُونَهَا عِنْدَ إِنْكَارِ الشَّيْءِ، أَوْ الزَّجْرِ عَنْهُ، أَوْ الذَّمِّ عَلَيْهِ، أَوْ اِسْتِعْظَامِه، أَوْ الْحَثِّ عَلَيْهِ، أَوْ الْإِعْجَابِ بِهِ". انتهى كلامُه بتَصَرُّفٍ يَسِير.

وقد قالها ﷺ في مواقفٍ تَستَجلِبُ الدهشةَ.. مثلا:
*حين قال لإحدَى زوجاتِه «تَرِبَتْ يداكِ» حين تعجَّبَتْ مِن وُجودِ ماءٍ للمَرأةِ كالرجلِ..

*وحين قال: «لا كَبِرَ سِنُكِ!» لبنتِ أمِ سُلَيمٍ الصغيرةِ اليتيمة! حيث رآها ﷺ يومًا بعدما كَبُرِتْ قليلًا، فاندهشَ وقالَ لها مُتَعَجِّبًا: «أنتِ هِي؟ كَبُرْتِ..! لا كَبِرَ سِنُكِ!»... مثلما يُقالُ ربما -واللهُ أعلمُ- بالعاميةِ المصريةِ دونَ قصدٍ الدعاءِ: "يُقصُفْ عُمرَك عَملتَها إزاي دي!" أو "يِخَيِّبَك! صلحتها إزاي!" أو يا مَقصُوفِ الرقبة!...

فعادتْ اليتيمةُ إلى أمِها تبكِي مِن الخوفِ سبحانَ الله، فلما سألَتْها قالتْ: دعا علَيَّ النبيُّ ﷺ أن لا يَكبُرِ سِني أو قِرْنِي -أي أقرانِي وأشباهُ سِني..
فهَرَعَتْ أمُ سُليمٍ إليهِ على عَجلٍ تستَفهِمُ، فلما رآها وَجِلَةً قال: «مالَكِ يا أمَّ سُلَيم!؟»فقالت: يا نبيَّ اللهِ! أدعوتَ على يَتِيمَتِي؟ فتعجبَ وسألَها! فلما أخبرَتْهُ ضَحِكَ ﷺ.. ثم قال يُطَمئِنُها: «أما تَعلَمِينَ أنِّي اشتَرَطْتُ علَى ربِّي فقُلتُ: إنَّما أنا بشرٌ أرضَى كما يَرضَى البشرُ، وأغضَبُ كما يَغضَبُ البشرُ، فَأيُّما أحَدٍ دعَوتُ عليهِ مِن أُمَّتِي بِدَعوةٍ ليسَ لها بِأهلٍ، أنْ تجعلَها لهُ طَهُورًا وزكاةً وقُربةً يُقرِّبُهُ بها مِنهُ يومَ القيامةِ»(رواه مسلم)
كذلك قالَها ﷺ في مَواقِفَ تَستَوجِبُ الإنكارَ والاستِعظام... كما حَدَثَ حين سألَهُ سيدُنا مُعاذٌ مُتَعَجِّبًا: يا رسولَ اللهِ! أنؤاخَذُ بكلِّ ما نتكلمُ به؟.. فأجابه النبي ﷺ مُنَبِّهًا إياهُ مُندَهِشًا من السؤال: «ثَكِلَتْكَ أُمُكَ يا مُعاذ! وهلْ يُكَبُّ الناسُ على مَناخِرِهِم فِي جهنمَ إلا حصائِدُ ألسنتِهم!؟» (رواه الترمذي)
فكلُها مِن كلامِ العربِ الدارِجِ للتعبيرِ عن الدهشةِ ونحوِها.. وربما أَحَدُ معانِيها الذِي يتبادَرُ لذِهنِي مُباشرَةً، هو: التَنَبُؤُ بما سيَقَعُ في المستقبلِ لهذا الشخص. فكأنها باللغةِ البسيطةِ واللهُ أعلَم: "سَوفَ تَهْلَكُ يا فلانُ إن لمْ تَنتَبِهْ لكذا!"..
المهمُ أنها ليستْ للدعاءِ على أحدٍ كما يَفعلُ معظمُنا للأسفِ وقتَ الغضَب.. وإنَّما وقعُ هذا مِنهُ ﷺ نادِرًا؛ فلم يَكنْ فاحشًا ولا لعَّانًا لكنه فقط بَشرٌ..
ثانيًا... وحتى إذا صدَر منه ﷺ دعاءٌ على مُسلمٍ غيرُ كلامِ العَربِ الدارِجِ- وتَلَفَّظَ بهِ ﷺ في لحظةِ غَضبٍ بشريةٍ حقيقيةٍ عَفَوِيةٍ كذلكَ -لأنهُ بَشرٌ يَغضبُ مثلَنا كما يَصِفُ نفسه ﷺ:
  • فيكونُ ذلكَ فِي مَوضِعٍ شَرعِيٍ تربويٍ مِحوَرِيٍّ جدًا يَستَوجِبُ الغضبَ لله.
  • بالإضافةِ إلى أنه ﷺ يُرَمِّمُ ويَتَقِي عاقبَةَ تلكَ الغَضبةِ البشريةِ العفويةِ بِنفْسِ الحَلٍ الوِقائِيِّ المُستدَامِ الذي فعلَه فِي قصةِ أم سليم، بِقولِه: «اللهم إني أتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَإنَّما أَنَا بَشَرٌ.. فَأَيُّ المُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لهُ صَلاةً وزَكاةً وقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِها إِلَيْكَ» فبذلك تُصِيبُ دعواتُه المنافقين وأمثالَهم فقط..

1*مثلما قال ﷺ يومًا لإحدَى زَوجاتِهِ«قَطَعَ اللهُ يدَكِ!».
والقصةُ كما تحكيها هي بنفسِها، أنها -رضي اللهً عنها- غَفَلَتْ عن أمرٍ عظيم استودَعَها ﷺ إياه، حيثُ كانَ ﷺ قد أحضَرَ أسيرًا لتَحبِسَهُ عندها في بيتِه، وأمرَها ألا تغفَلَ عنهُ فيهرُب.. فزارتْها صويحباتُها فانشَغَلَتْ بهِنَّ عنه فهرَب..
كافرٌ يحاربُ دينَ اللهِ ويؤذِي المسلمين، وَأُسِرَ بعدَ معاناةِ الحَربِ، ويحبِسُونَهُ غالبًا حتى تَتِمَّ مبادلتُهُ بأسرَى مُسلمين لدَى العدوِّ، أو ربما يأخذونَ فديةً عنهُ تُرَدُّ إلَى بيتِ مالِ المسلمين..
هذا الأسيرُ هَرَب من يَدِ المسلمين! لغفلةِ أمِّنا الفاضلةِ تلكَ عَنهُ بصويحِباتِها -رضي اللهُ عنها- فغضبَ النبيِّ ﷺ وقالَ لها: " «قطعَ اللهُ يَدَكِ»
ولم يَقُلْها قبلَ سؤالِها والتَحَقُّقِ من السببِ أولًا وأنها غَيرُ مَعذورَةٍ فيما يَظهَرُ له...
ثم هي زوجتُه وليستْ ابنتَه أو أطفالًا لم يَبلُغُوا الحُلُمَ بعد...
فأين نحنُ من ذلك مع أبنائِنا....؟

لكن -ورغمَ كلِ ذلك- حينَ عادَ ﷺ مرةً أخرَى للبيتِ -بعدما أرسل الصحابةَ في ملاحقةِ الأسيرِ ووجدوه وأعادوه- ووجدَها مُتأَثِّرةً وخائفةً من الكلمةِ التي قالها لدرجةِ أنه وَجدَها قد مَدَتْ يديْها تُقَلِّبُ فيهما بقلقٍ تَتَرَقَّبُ أيتُهما تُقطَعُ، لأنها ليسَتْ مُعتادةً على ذلك مِنهُ ﷺ -هذا أولًا- ولأنها تَعلَمُ أن دعاءَهُ مُستجابٌ..
فبَشَّرَها ﷺ بالعهدِ والشرطِ الذي أخذَه مَعَ ربهِ فيما يَخُصُّ الدعاءَ على أحدٍ من أُمَّتِهِ.. فاطمأنَّتْ..

فأين نحنُ مِن ذلكَ، بما نفعلُهُ مَعَ أولادِنا؟

2*ومثالٌ آخَر لدعائه على أحدٍ في الغَضَب:
قالتْ عَائِشَةُ: دَخَل عَلَى رسولِ الله رَجُلانِ.. فكلَّماهُ بشَيءٍ لا أَدرِي ما هُو، فأَغْضَبَاهُ -
فلَعَنَهما وسبَّهما -(واللعنُ دعاءٌ بالطردِ من رحمة الله، وسيأتي كلامُنا عن السبِ في مَوضِعِهِ بإذنِ اللهِ)- فلمَّا خَرَجَا قالتْ له ما معناه أن هذين الرجلين قد حُرِما من الخير لا مَحالة..! فقال: «وما ذاك؟» قالت: لَعَنْتَهُما وسَبَبْتَهما! فقال ﷺ: «أوَما عَلِمْتِ ما شارَطتُّ عليه ربِّي؟ قلتُ: اللَّهُمَّ إنَّما أنا بَشَرٌ، فأيُّ المسلِمين لَعَنْتُه أو سَبَبْتُه فاجْعَلْه له زَكاةً وأجْرًا»

فالنبي ﷺ إذًا...
- قد يجتهدُ في الحُكمِ فيَظهر له ﷺ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّة استحقاقُ أحد الناس للدعاء عليه لأنه منافقٌ مثلا، بينما هو عند الله قد لا يكون أَهْلًا لِذَلِكَ، فلأنه ﷺ لا يعلمُ الغيب يحكم بالظاهر وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر..
- أو قد يَغضبُ عَفَوِيًّا كما يَغضَبُ البشرُ فيدعو كذلك على من لا يَستحقُ من أمَّتِه..
- أو قد يتَفَوه بدعاءٍ من كلامٍ العربِ الدارجِ غيرِ المقصود بعينهِ كدعاء...

فماذا فعل....؟
أمَّنَ واحتاطَ للمؤمنين من ذلك كلِه:
-بتفويضِ اللهِ في تحديدِ أهليةِ واستحقاقِ الشخصِ لدعائِهِ عليه من عدمِه،
-وتقريرِ مَن هو منافقٌ أهلٌ للدعاءِ عليه فتَصيبُه دعوتُه، ومن هوغيرُ أهلٍ لذلكَ وكان مسلمًا فتكونُ لَهُ طَهُورًا وقُربَةً..
-وقبل كل ذلك أمَّنَهُم بأن عَفَّ لسانَهُ عن تلكَ الأمور ابتداءً إلا نادرًا فهو بَشرٌ مثلُهم لكنه أكملُهم
-ثم لو تَتَّبَعْنا مواطنَها فلن نجِدَها إلا عندَ مواطِنِ الغَضَبِ لِحَقِّ اللهِ والناسِ، لا الغَضَبِ للنفسِ أو الدنيا.. قالت عنه عائشة:"ما انتقم لنفسه قطّ إلاَّ أن تُنتَهَكَ حرماتُ الله"..

لأنها ليستْ طبيعةَ لسانِهِ الشريفِ ولا قلبِهِ الرئيف، فقلبه لا يُبَيِّتُ رَغبِةً أبدًا في إيذاءٍ مُسلمٍ... فكيف بأهلِ بيتِه وأبنائِه....؟
بل ويحكي عن الأنبياءِ الرحماءِ مِن قبلِه، منهم نبيٌ قد ضَرَبَهُ قومه فأدمَوه فكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.."

فأين نحن من كل ذلك مع أبنائنا قبل أن نسألَ ألم يَدْعُ النبيُّ على بعضِهم؟

ونأتي للسؤالِ الثاني الخاصِّ بالأمِ التي دَعَتْ على أولادِها وينهشُها الخوفُ الآنَ ِمن استجابةِ اللهِ للدعاءِ، وكلما حدثَ لهم مكروهٌ أنَّبَتْ نفسَها..
فكلُ ما عليها هو أن تتوبَ إلى اللهِ مما قالتْ وتستبدلَهُ بدعاءٍ لهم ليلَ نهارٍ، وتُشهِدُ اللهَ وتُشهِدُهُم أنها لا تَقصِدُ إيذاءَهُم، وتطلبُ منه سبحانَهُ أن يَجعلَ فَلَتَاتِ لِسانِها السابقةَ خيرًا لهم في حياتِهم وقُربَةً لَهم عندَه، وإذا حدَثَ لهم مَكروهٌ فعليها ألا تُصابَ بالوساسِ أنهُ بسببِ دعائِها عليهم، ولْتطْمَئِنَّ بربٍ توابٍ حَليمٍ رحيمٍ..

وأخيرًا يأتي السؤالُ الثالثُ المُتَبَقِّي:
ما الحلُ لِمَن لازالَ لسانُها يَفلِتُ؟
والجوابُ:
حلٌ عمليٌ مُصاغٌ في سِتِ نِقاطٍ، نَجمَعُها فِي المقالةِ القادمةِ، بعدما نحكي قصةَ جُرَيج بإذنِ الله...


أسماءمحمدلبيب
أمةالله-عفا الله عنها












__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 173.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 167.49 كيلو بايت... تم توفير 5.55 كيلو بايت...بمعدل (3.21%)]