الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - الصفحة 4 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3150 - عددالزوار : 426353 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2577 - عددالزوار : 189044 )           »          حياة النبي ﷺ في رمضان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          والتي ينامون عنها أفضل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          المحفز الرمضاني (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          ثلاثون درسا للإسرة المسلمة خلال شهر رمضان المبارك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 342 )           »          إرشادات طبية للمحافظة على صحتك فى رمضان __ معكم يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 297 )           »          كلمة في استعمال لفظ المجون (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          الخصائص الصوتية للغات السامية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          الاختصار في باب ظن وأخواتها وإن وأخواتها (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم 01-04-2021, 01:07 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,423
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (31)
- الأحكام الفقهية المستنبطة من قصة موسى مع قومه


د.وليد خالد الربيع







قال -سبحانه-: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (الأعراف:150).

قال ابن كثير: «يخبر -تعالى- أن موسى -عليه السلام- رجع إلى قومه من مناجاة ربه -تعالى- وهو غضبان أسف.قال أبو الدرداء «الأسف»: أشد الغضب {قال بئسما خلفتموني من بعدي} يقول: بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم.وقوله: {وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه} ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفا وخلفا».

المستفاد من الآية

وهذه الآية الكريمة يستفاد منها مسائل فقهية عدة منها:

المسألة الأولى: تأثير الغضب في صحة التصرفات:

الغضب غريزة إنسانية، فهو تغيّر يحصل عند فوران دم القلب ليحصل عنه التشفي وطلب الانتقام، فالإنسان يغضب عندما يستثار، فتقوم الخصومات، وتندلع المضاربات، بل قد يصل الأمر إلى ارتكاب أبشع الجرائم بسبب سَوْرة الغضب وحدة الطبع.

والشرع المطهر يحثنا على الحلم وضبط النفس، وعدم الاسترسال مع الغضب وآثاره الخطيرة، لئلا يقع الإنسان فيما لا تحمد عقباه، ويندم؛ حيث لا ينفع الندم.

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه. وقال النووي شارحا الحديث: «تعتقدون أن الصرعة: الممدوح القوي الفاضل هو القوي الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم، وليس هو كذلك شرعا، بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته بخلاف الأول، وفيه كظم الغيظ، وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة».

ولهذا تكررت الوصية منه - صلى الله عليه وسلم - بعدم الغضب، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - أوصني قال: «لا تغضب» فردد مرارا قال: «لا تغضب» أخرجه البخاري.

قال ابن حجر: «قال الخطابي معنى قوله: «لا تغضب» اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجبلة. وقيل: معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب».

والغضب لا يؤثر في أهلية المكلف ولا يسقط تبعة أفعاله، قال عامة الفقهاء: والغضبان مكلف حال غضبه بما يصدر منه من كفر وقتل نفس وأخذ مال بغير حق، وغير ذلك.

نذر اللجاج والغضب

ومن الأفعال التي تقع تحت تأثير الغضب نَذرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ: وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ الناذر مَخْرَجَ الْيَمِينِ، لِيحَثِّ نفسه أو غيره عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ، غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ لِلنَّذرِ، وَلا الْقُرْبَةِ، كأن يقول: إن فعلت كذا فعليّ صوم أو حج أو صدقة.

فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فيخير بين ما التزمه أو كفارة اليمين، ودليل ذلك ما ثبت عن الصحابة الكرام: فعن عائشة أنها سئلت عن رجل جعل كل مال له في رتاج الكعبة، في شيء كان بينه وبين عمة له، قالت عائشة: «يكفره ما يكفر اليمين».

وعن ابن عباس قيل له: ما تقول في امرأة جعلت بردها عليها هدياً إن لبسته؟ فقال ابن عباس: في غضب أم في رضا؟ قالوا: في غضب قال: «إن الله -تعالى- لا يـُتـقرَّب إليه بالغضب، لتكفر عن يمينها». ومثله عن عمر وابن عمر وغيرهم، ووجه الدلالة أن الصحابة سموا نذر اللجاج والغضب (يميناً)؛ لما فيه من معنى اليمين، ثم أوجبوا فيه كفارة اليمين.

الطلاق

ومن الأفعال الكثيرة التي تقع تحت تأثير الغضب الطلاق، وقد ذكر ابن القيم للغضب ثلاثة أقسام:

- أحدها: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.

- الثاني: ما يكون في مبادئه؛ بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصد، فهذا يقع طلاقه.

- الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته؛ بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال، فهذا محل نظر، وقد اختلف الفقهاء في وقوع طلاق الغضبان في هذه الحالة على مذهبين:

المذهب الأول: يقع طلاق الغضبان

وقال به الجمهور؛ لأن المطلق مكلف لم يزل عقله بالغضب فقوله معتبر ويقع أثره، وحملوا حديث: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» أخرجه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني على الإكراه، فقالوا: لا يقع طلاق المكره، ويقع طلاق الغضبان.

- قال ابن رجب: «وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا غَضِبْتَ فَاسْكُتْ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغَضْبَانَ مُكَلَّفٌ فِي حَالِ غَضَبِهِ بِالسُّكُوتِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُؤَاخَذًا بِالْكَلَامِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ أَمَرَ مَنْ غَضِبَ أَنْ يَتَلَافَى غَضَبَهُ بِمَا يُسَكِّنُهُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّكْلِيفِ لَهُ بِقَطْعِ الْغَضَبِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فِي حَالِ غَضَبِهِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ؟».

ولأن طلاق الناس غالبا إنما يكون في حال الغضب، ولو جاز عدم وقوع طلاق الغضبان لكان لكل أحد أن يقول فيما جناه: كنت غضبان فلا يقع طلاق البتة.

المذهب الثاني: لا يقع طلاق الغضبان

وهو قول الإمام أحمد والشافعي والبخاري وابن تيمية وابن القيم والشيخ ابن باز وابن عثيمين وغيرهم، وقد انتصر له ابن القيم في رسالته (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان) واستدل له بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومقتضى القياس الصحيح وأصول الشريعة. فمما استدل به:

1- قوله -تعالى-: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا...الآية}، قال ابن القيم: «أن موسى لم يكن ليلقي ألواحا كتبها الله -تعالى- وفيها كلامه من على رأسه إلى الأرض فيكسرها اختيارا لذلك، وإنما حمله على ذلك الغضب فعذره الله -سبحانه- ولم يعتب عليه بما فعله».

2- حديث عائشة مرفوعا: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»، قال أبو داود: «والإغلاق أظنه الغضب» ونقل الخلال عن الإمام أحمد أن الإغلاق يعني الغضب، قال ابن القيم: وقد فسره الشافعي بالغضب.

3- وما ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» ولولا أن الغضب يؤثر في قصده وعلمه لم ينهه عن الحكم حال الغضب.


قال الشيخ ابن عثيمين: «فالقول بعدم وقوع طلاق الغضبان نظرياً هو القول الراجح، لكن عملياً وتربوياً هل نقول بالفتوى به، أو نمنع الفتوى به إلا في حالات معينة نعرف فيها صدق الزوج؟ الثاني؛ لأننا لو أطلقنا القول بأن طلاق الغضبان لا يقع لَكَثُرَ من يقول: أنا غضبت وطلقت، وهو لا يفرق بين الدرجة الأولى والدرجة الثانية فيقع التلاعب، ولهذا فإطلاق الفتوى بعدم وقوع الطلاق من الغضبان يؤدي إلى أن يتتابع الناس في الطلاق».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 10-04-2021, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,423
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (32)
- الأحكام المستفادة من خلق الإنسان من نفس واحدة

د.وليد خالد الربيع







قال -تعالى-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (سورة الأعراف: 189)، يذكر الله -تعالى- نعمته على عباده؛ حيث أنشأهم من نفس واحدة، والمقصود آدم -عليه السلام- وخلق زوجه حواء -عليها السلام- منه، ثم جاءت ذريتهما وفق ما سنه الله -تعالى- لتكاثر البشر عن طريق الاتصال بين الرجل والمرأة وما يتبع ذلك من حمل وولادة، وقد امتن الله -سبحانه- على عباده بهذا الأمر في مواضع كثيرة منها قوله -سبحانه-: {واللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} (سورة النحل: 72).

قوله -تعالى-: {حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا} قال الشيخ ابن سعدي: «وذلك في ابتداء الحمل، لا تحس به الأنثى، ولا يثقلها. {فَلَمَّا} استمرت به و{أَثْقَلَتْ} به حين كبر في بطنها، فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد، وعلى خروجه حيا، صحيحا، سالما لا آفة فيه كذلك فـ {دعوا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا} ولدا {صَالِحًا} أي: صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}».

أثر الحمل في تصرفات الحامل

فمن المسائل الفقهية المستفادة من الآية مسألة: أثر الحمل في تصرفات الحامل: قال القرطبي: «دلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض. روى ابن القاسم ويحيى عن مالك قال: «أول الحمل يسر وسرور، وآخره مرض من الأمراض». وهذا الذي قاله مالك: «إنه مرض من الأمراض» يعطيه ظاهر قوله: {دعوا الله ربهما}، وهذه الحالة مشاهدة في الحمال، ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة، كما ورد في الحديث».

من الشهيد من أمتي؟

يشير -رحمه الله- إلى حديث راشد بن حبيش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على عبادة بن الصامت في مرضه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتعلمون من الشهيد من أمتي؟ وذكر منهم: «والنفساء يجرها ولدها بسرره إلى الجنة» والسرر: ما تقطعه القابلة من المولود، والحديث أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح.

وقد اختلف الفقهاء في تأثير الحمل في تبرعات الحامل المالية، وقبل ذكر ذلك لابد من بيان أمرين:

- الأمر الأول: تأثير الحمل على الأهلية: والأهلية: صفة يقدرها الشارع في الشخص تجعله صالحا لأن تثبت له الحقوق، وتثبت عليه الواجبات، وتصح منه التصرفات، وهي نوعان:

النوع الأول: أهلية الوجوب

وهي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له وعليه شرعاَ. وتثبت بمجرد ثبوت الحياة، فلا علاقة لها بالسن ولا العقل أو الرشد، بل كل إنسان حي يتمتع بأهلية الوجوب.

النوع الثاني: أهلية الأداء

وهي صلاحية الشخص لصدور التصرفات منه على وجه يعتد به شرعا، وهذا يعني أن أهلية الأداء تجعل الشخص أهلا للمعاملة بين الناس، ومناطها العقل، فتثبت للبالغ العاقل أهلية أداء كاملة، وتثبت للصبي المميز أهلية أداء ناقصة، والحامل العاقلة لها أهلية كاملة؛ لأنها تتمتع بالحياة، ولم يعرض لها ما ينقص أهليتها أو يزيلها.

الأمر الثاني: تأثير مرض الموت في التبرعات

- مرض الموت: هو المرض الذي يقعد من أصيب به عن القيام بمصالحه، ويكون مخوفا أي: يغلب الموت منه، ويموت مريض مرض الموت به. فلو تعافى الإنسان منه أو ابتلي به ولم يمت فليس مرض موت.

وألحق الفقهاء بمرض الموت كل شخص أشرف على مخاطر جسيمة يغلب فيها الهلاك، كالمحكوم عليه بالإعدام، والمشرف على الغرق، والمرأة الحامل قريبة الولادة وغيرهم.

ومرض الموت يؤثر في صحة التبرعات، فعند عامة الفقهاء يجوز الحجر على مريض مرض الموت في تبرعاته لحق الورثة بما زاد عن ثلث ماله، والتبرعات تشمل الهبة والوصية والوقف والإبراء من الدين ونحوها.

ودليلهم حديث عمران بن حصين «أن رجلا أعتق ستة أعبد عند موته، ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له قولا شديدا، ثم دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة» أخرجه مسلم فرد النبي - صلى الله عليه وسلم - تبرعه بما زاد عن الثلث.

وقد اتفق الفقهاء على أن الحمل قبل مرور ستة أشهر لا يؤثر في الأهلية، ولا تبرعات الحامل؛ لعدم وجود خطر الموت عليها، وأما بعد مرور ستة أشهر على الحمل فاختلف الفقهاء في منع تبرع الحامل فيما زاد على الثلث على مذاهب:

المذهب الأول: عطيتها كعطية الصحيح

وقال به الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ: عَطِيَّتُهَا كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ أي: لا يحجر على الحامل مطلقا، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَلَامَتُهَا، فلا تقيد تبرعاتها بغير موجب.

المذهب الثاني:الحمل لايؤثر في التبرعات

وقال به النَّخَعِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وهو قول الجمهور أن الحامل بعد ستة أشهر إذا لم يأتها الطلق -وهو وجع الولادة- فلا يؤثر الحمل في التبرعات، أما في حالة الطلق بعد ستة أشهر فتعد الحامل كمريض مرض الموت فيحجر عليها فيما زاد على الثلث.

ودليلهم: كما قال ابن قدامة: «أَنَّهَا إذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، كَانَ مَخُوفًا؛ لِأَنَّهُ أَلَمٌ شَدِيدٌ يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، فَأَشْبَهَتْ صَاحِبَ سَائِرِ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ. وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا أَلَمَ بِهَا، وَاحْتِمَالُ وُجُودِهِ خِلَافُ الْعَادَةِ، فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِاحْتِمَالِهِ الْبَعِيدِ مَعَ عَدَمِهِ، كَالصَّحِيحِ». ومرادهم بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة.

المذهب الثالث: تبرع الحامل من الثلث

وقال به سعيد بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ وهو مذهب المالكية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الخرقي إلى أن تبرع الحامل بعد ستة أشهر ولو لم يضربها الطلق يكون من الثلث فقط ويحجر عليها فيما زاد على الثلث.

ودليلهم: أَنَّ سِتَّةَ الْأَشْهُرِ وَقْتٌ يُمْكِنُ الْوِلَادَةُ فِيهِ، وَهِيَ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ. فتقام المظنة مقام السبب الفعلي.

قال القرطبي مستدلا بالآية المذكورة: وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه.

ونوقش هذا الاستدلال: بأن احتمال الموت وارد لكنه قليل، ومثل هذا الاحتمال القليل لا يسوغ الحجر على المرأة البالغة العاقلة الحرة الرشيدة، قَالَ الْمَازِرِيُّ وهو من فقهاء المالكية في تعقب دليل المالكية: «مُسْتَنَدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَوَائِدُ، وَالْهَلَاكُ مِنْ الْحَمْلِ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، لَوْ بَحَثْتَ عَنْ مَدِينَةٍ مِنْ الْمَدَائِنِ لَوَجَدْتَ أُمَّهَاتِ أَهْلِهَا إمَّا أَحْيَاءً وَإِمَّا أَمْوَاتًا مِنْ غَيْرِ نِفَاسٍ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ لَمْ تَخْرُجْ بِهِ الْمَرْأَةُ إلَى أَحْكَامِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ وَهَذَا مُخْتَارُنَا»، وبهذا يظهر رجحان مذهب الجمهور، والله أعلم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 10-04-2021, 05:16 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,423
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (33)
- الأحكام الفقهية من قصة موسى -عليه السلام- مع بني إسرائيل


د.وليد خالد الربيع






لا نزال مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (سورة الأعراف: 150)، ومعنى الآية كما قال الشيخ ابن سعدي: «أي: فلا تظن بي تقصيرا فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة، وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فتعاملني معاملتهم».

قال ابن عاشور: «وَالتَّفْرِيعُ فِي قَوْلِهِ: {فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} تَفْرِيعٌ عَلَى تَبَيُّنِ عُذْرِهِ فِي إِقْرَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، فَطَلَبَ مِنْ أَخِيهِ الْكَفَّ عَنْ عِقَابِهِ الَّذِي يَشْمَتُ بِهِ الْأَعْدَاءُ لِأَجْلِهِ، وَيَجْعَلُهُ مَعَ عِدَادِ الظَّالِمِينَ فَطَلَبُ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ طَلَبِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْعِقَابِ»، فهذا الجزء من الآية الكريمة يدل على منع الشماتة بالمسلم ابتداء وتسببا؛ بأن يفعل ما يلحق الشماتة بالمسلم.

وقبل بيان حكم الشماتة لابد من تعريفها:

قال القرطبي: «الشماتة: هي السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا».

قال ابن عاشور: «وَالشَّمَاتَةُ: سُرُورُ النَّفْسِ بِمَا يُصِيبُ غَيْرَهَا مِنَ الْأَضْرَارِ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْحَسَدِ».

حكم الشماتة

قال القرطبي: «وهي محرمة منهي عنها»، وقد دل على هذا الحكم أدلة صريحة، وأخرى تضمنت النهي عن الشماتة دلالة، ومن ذلك النهي عن إيذاء المؤمنين، والنهي عن السخرية منهم، والتحذير من مشابهة المنافقين في فرحهم بمصائب المسلمين وما يلحقهم من محن وابتلاءات.

فمن الأدلة على حرمة الشماتة قول الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا{(سورة الأحزاب: 58)، قال القرطبي: «أذية المؤمنين والمؤمنات بالأفعال والأقوال القبيحة، كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق. وقد قيل: إن من الأذية تعييره بحسب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه؛ لأن أذاه في الجملة حرام «.باختصار، ولا شك أن إظهار الفرح بما يصيب المسلم من المكروه والمصائب من الإيذاء والإساءة المحرمة التي تندرج تحت دلالة الآية الكريمة.


وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ} (سورة الحجرات: 11).

عبارات المفسرين في بيان السخرية

وقد تنوعت عبارات المفسرين في بيان السخرية المنهي عنها في الآية الكريمة، ومن ذلك قول ابن زيد أن السخرية المحرمة التي تتضمن معنى الشماتة فقال: «لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة».

قال الطبري: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله عمّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك»، وهذا كما لا يخفى يتناول الشماتة بالمسلم والفرح بمصابه وذنبه.

صفات المنافقين

وقال -سبحانه- في شأن المنافقين وعداوتهم للمؤمنين: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (سورة آل عمران: 120)، قال القرطبي: «والمعنى في الآية: أن من كانت من صفته شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلا لأن يتخذ بطانة».

قال قتادة: «فإذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهورًا على عدوهم، غاظهم ذلك وساءهم، وإذا رأوا من أهل الإسلام فُرقة واختلافًا، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به».

والله -تعالى- يحكي أخلاق المنافقين وأحوالهم للعلم بها والحذر من الاتصاف بها، فالشماتة بالمسلم كما دلت هذه الآية من أخلاق المنافقين والمسلم يربأ بنفسه عنها.

النهي عن الشماتة

ومن الأدلة الصريحة في هذا الباب حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تظهر الشّماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك» أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال محقق جامع الأصول: «حديث حسن بشواهده». وذكره المنذري في الترغيب ووافق الترمذي في تحسينه.

بيّـن في تحفة الأحوذي أن الحديث من باب العقوبة لمن تعالى على أخيه المسلم فقال: «والمعنى يرحمه رغما لأنفك (ويبتليك) حيث زكيت نفسك ورفعت منزلتك عليه، ونحوه قوله - صلى الله عليه وسلم - في قول من قال لصاحبه» والله لا يغفر الله لك أبدا: «فقال الله -تعالى- للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: تستطيع أن تحظر عن عبدي رحمتي «الحديث».

الشماتة أمر سيء

ومما يدل أن الشماتة أمر سيء تعوذ النبي - صلى الله عليه وسلم - منها فقد روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء، وفي رواية للبخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَعَوَّذُوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء»، فقوله: «وشماتة الأعداء»: أي: نعوذ بك من أن تلحقنا مصيبة في ديننا أو دنيانا يفرح بها أعداؤنا، قال ابن بطال مبينا أن الشماتة مؤذية: «وشماتة الأعداء ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ».

مفهوم الأعداء

قال الشيخ ابن عثيمين: «الأعداء جمع عدو، وقد ذكر الفقهاء ضابطا للعدو فقالوا: من سره ما ساء في شخص، أو غمه فرحه فهو عدوه، كل إنسان يسره ما ساءك، أو يغمه فرحك فهو عدو لك، وشماتة الأعداء: أن الأعداء يفرحون بما أصابك، والعدو لا شك أنه يفرح في كل ما أصاب الإنسان من بلاء، ويحزن في كل ما أصابه من خير، فأنت تستعيذ بالله -عز وجل- من شماتة الأعداء».

قال ابن بطال: «وإنما تعوذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك تعليما لأمته فإن الله -تعالى- كان آمنه من جميع ذلك وبذلك جزم عياض».

وجاء في حديث أبي جري جابر بن سليم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوصاه فقال: «وإن امرؤ شتمك وعيّـرك بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه». رواه أبو داود والترمذي، وقال في عون المعبود: «(فَلَا تُعَيِّرْهُ) مِنَ التَّعْيِيرِ وَهُوَ التَّوْبِيخُ وَالتَّعْيِيبُ عَلَى ذَنْبٍ سَبَقَ لِأَحَدٍ مِنْ قَدِيمِ الْعَهْدِ سَوَاءً عَلِمَ تَوْبَتَهُ مِنْهُ أَمْ لَا». وهذا مما يؤيد الحكم المذكور وهو حرمة الشماتة بالمسلم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 10-04-2021, 05:20 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,423
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (34)
- الأحكام الفقهية من قصة موسى -عليه السلام- مع قومه


د.وليد خالد الربيع






لا نزال مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (سورة الأعراف: 150)

المسألة الثانية: الاستطاعة شرط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

قال القرطبي: «فدلت الآية على أن لمن خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن يسكت».

وبيان ذلك أن الله -تعالى- أخبر أن موسى -عليه السلام- لما رجع من مناجاة ربه، فوجد قومه قد تركوا أعظم واجب وهو توحيد الله -تعالى-، ووقعوا في أعظم ذنب وهو الشرك بالله بعبادتهم العجل، فغضب أشد الغضب، وأخذ برأس أخيه خشية أن يكون قد قصر في الإنكار عليهم، فلما أخبره بما صنع وما ردوا عليه كما أخبر -تعالى- في سورة طه: {قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} (سورة طه: 92 - 94) وقال هاهنا: {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال ابن كثير: «أي: لا تسقني مساقهم، ولا تخلطني معهم. وإنما قال: (ابن أم) لتكون أرأف وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه. فلما تحقق موسى -عليه السلام- من براءة ساحة هارون -عليه السلام- كما قال -تعالى-: {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري} فعند ذلك قال موسى: {رب اغفر لي ولأخي}».

فهارون -عليه السلام- أنكر عليهم عبادة العجل لكنه لم يغير ذلك بيده لما خشيه من جرأتهم عليه وقتله، قال الشوكاني: «فَقَالَ هَارُونُ مُعْتَذِرًا مِنْهُ: {ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي} أَيْ: إِنِّي لَمْ أُطِقْ تَغْيِيرَ مَا فَعَلُوهُ لِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: اسْتِضْعَافُهُمْ لِي، وَمُقَارَبَتُهُمْ لِقَتْلِي».

فهذه الآية تدل على قاعدة عامة في التكليف عموما وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصا، وهي أنه (لا واجب بلا اقتدار، ولا محرم مع اضطرار).

شرط التكليف العلم والقدرة

فمن المعلوم أن شرط التكليف (العلم والقدرة)، قال شيخ الإسلام: «من استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل، فمن كان عاجزا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها».

وبناء على هذه القاعدة يستفاد أن الواجبات تسقط عن المكلف في حال عجزه عن القيام بها، قال ابن تيمية: «فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد»، والعجز عن العلم أو العمل قد يكون عجزا تاما، كعجز المجنون عن العلم، أو عجز المسن عن الصيام، وفي هذه الحالة يقول ابن تيمية: «التكليف الشرعي مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء والصلاة قائما والصوم وغير ذلك على من يعجز عنه».

وقد يكون عجزا نسبيا؛ بحيث يتمكن من العلم أو العمل، لكنه ليس تمكنا تاما، بل يلحقه في ذلك كلفة ومشقة، وفي هذه الحال يقول ابن تيمية: «قد تسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم والقدرة تخفيفا وضبطا لمناط التكليف، وإن كان التكليف ممكنا، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه».

فالنصوص الشرعية بينت شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضوابطه، ومن ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

قال ابن رجب: «فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، أما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فمن لم ينكر بقلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه، وسمع ابن مسعود رجلا يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقال ابن مسعود: «هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر». يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد فمن لم يعرفه هلك.

الإنكار باللسان واليد بحسب القدرة

وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب القدرة، وقال ابن مسعود: «يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع له، غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره». فيستفاد من هذا:

1- أن الإنكار القلبي فرض على كل مسلم في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة، يقول شيخ الإسلام: «حب القلب وبغضه وإرادته وكراهته ينبغي أن تكون كاملة جازمة، لا توجب نقص ذلك إلا بنقص الإيمان، وأما فعل البدن فبحسب قدرته، ومتى كانت إرادة القلب وكراهته كاملة تامة، وفعل العبد معها بحسب قدرته فإنه يعطى ثواب الفاعل الكامل».

2- التغيير باليد مشروط له الاستطاعة الشرعية؛ وهي الولاية والسلطة: قال شيخ الإسلام: «وهذا واجب على كل مسلم قادر أي الأمر والنهي وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره، والقدرة هو السلطان والولاية، فذوو السلطان أقدر من غيرهم، وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم، فإن مناط الوجوب هو القدرة، فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال -تعالى-: {فاتقوا الله ما استطعتم}».

ابن باز: الإنكار لمن استطاع

وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «فالإنكار باليد في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور والهيئة المختصة بذلك فيما جعل إليها، وأهل الحسبة فيما جعل إليهم، والأمير فيما جعل إليه، والقاضي فيما جعل إليه، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع، أما من لا يستطيع ذلك، أو إذا غيّر بيده يترتب على ذلك الفتنة والنزاع والمضاربات فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه ويكفيه ذلك لئلا يقع بإنكاره ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره كما نص على ذلك أهل العلم».

وبيّن الشيخ ابن عثيمين تلك مراتب فقال: «المرتبة الأولى: التغيير باليد: فإذا كان لك سلطة يمكنك بها أن تغير هذا المنكر بيدك فافعل، وهذا يمكن أن يكون للإنسان إذا كان المنكر في بيته وكان هو القائم على البيت، فإنه في هذه الحال يمكن أن يغير بيده.

المرتبة الثانية: فإذا كان لا يستطيع تغيير المنكر بيده فإنه ينتقل إلى المرتبة الثانية، وهي تغيير المنكر باللسان، والتغيير باللسان على وجهين:

- الوجه الأول: أن يقول لصاحب المنكر: ارفع هذا المنكر ويتكلم معه ويزجره إذا اقتضت الحال ذلك، الوجه الثاني: إذا كان لا يستطيع هذا فليبلغ ولاة الأمر.


- المرتبة الثالثة: التغيير بالقلب: فإذا كان لا يستطيع تغيير المنكر بيده أو بلسانه فلينكر بقلبه وذلك أضعف الإيمان، والإنكار بالقلب أن تكره هذا المنكر وتكره وجوده».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 103.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 99.83 كيلو بايت... تم توفير 3.26 كيلو بايت...بمعدل (3.16%)]