شرح باب المبادرة إلى الخيرات من كتاب رياض الصالحين - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         دورة فن التحليل الإحصائي باستخدام spss تعقد في تونس والاردن ومصر ولبنان ولندن (اخر مشاركة : almjd - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          دورة تقنيات التحليل المتقدم في أمن المعلومات تعقد في اسطنبول وكوالالمبور ودبي وعمان (اخر مشاركة : almjd - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          دورة الإبداع والتميز فى تصميم وبناء نظم المعلومات في مجال التدريب (اخر مشاركة : almjd - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          دورة الحكومة الإلكترونية – الاهمية والاهداف – التطبيقات والأداء تعقد في القاهرة ودبي (اخر مشاركة : almjd - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          البلاء والابتلاء كتاب الكتروني رائع (اخر مشاركة : Adel Mohamed - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          اقمشة شراشف الصلاة من العمارى (اخر مشاركة : زيناات - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2718 - عددالزوار : 286029 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2096 - عددالزوار : 107233 )           »          اقمشة فساتين السهرة (اخر مشاركة : زيناات - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الثمر الداني في الذب عن الخليفة العثماني (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-03-2020, 12:19 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,219
الدولة : Egypt
افتراضي شرح باب المبادرة إلى الخيرات من كتاب رياض الصالحين




باب المبادرة إلى الخيرات


وحث من توجه لخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردد


سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين

قال الله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148]، وقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

قال العلَّامةُ ابنُ عثيمين - رحمَه الله -:
قال المؤلف - رحمه الله تعالى-: «باب المبادرة إلى الخيراتِ وحث من أقبل على الخيرِ أن يُتمَّه من غير تردُّدٍ»، وهذا العنوان تضمَّن أمرين:
الأول: المبادرة والمسارعة إلى الخير.
والثاني: أن الإنسان إذا عزم على الشيءِ - وهو خير - فليَمض فيه ولا يتردد.

أما الأول: فهو المبادرة، وضد المبادرة: التَّواني والكسل، وكم من إنسان توانى وكسل؛ ففاته خير كثير، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن القويّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ. احرصْ على ما ينفعُك واستعن باللهِ ولا تعجز».

فالإنسانُ ينبغي له أن يسارعَ في الخيرات، كلَّما ذُكر له شيءٌ من الخير بادَرَ إليه، فمِن ذلك الصلاة، والصدقة، والصوم، والحج، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، إلى غير ذلك من مسائل الخير التي ينبغي المسارعة إليها؛ لأنَّ الإنسان لا يدري، فربما يتوانى في الشيءِ ولا يقدر عليه بعد ذلك، إمَّا بموتٍ، أو مرض، أو فوات، أو غير هذا، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد أحدكم الحج فليتعجل؛ فإنَّه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة».

فقد يعرض له شيءٌ يمنعه من الفعل، فسارع إلى الخير ولا تتوانى.

ثم ذكر المؤلف قول الله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾، واستبقوها: يعني اسبقوا إليها، وهو أبلغ من: سابقوا إلى الخيرات، فالاستباق معناه: أن الإنسان يسبق إلي الخير، ويكون من أول الناس في الخير، ومن المسابقة في الصفوف في الصلاة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير صفوف الرجال أولها، وشرُّها آخرها» وقال في النساء: « وخيرُ صفوفِ النِّساءِ آخرها، وشرُّها أولُها».


ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا في مؤخرة المسجد؛ لم يسبقوا ولم يتقدَّموا، فقال: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عزَّ وجلَّ». فانتهز الفرصة واسبق إلى الخير.


وقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ... ﴾ [آل عمران: 133، 134] قال: سارعوا إلى المغفرة والجنة.

أما المسارعة إلى المغفرة: فأنْ يسارع الإنسان إلى ما فيه مغفرة الذنوب؛ من الاستغفار، كقول: أستغفرُ الله، أو اللهم اغفر لي، أو اللهم إني أستغفرك، وما أشبه ذلك، وكذلك أيضًا: الإسراع إلى ما فيه المغفرة، مثل الوضوء، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، فإن الإنسان إذا توضأ، فأسبغ الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين؛ فإنَّه تفتح له أبواب الجنة الثمانية؛ ويدخل من أيها شاء، وكذلك إذا توضأ؛ فإن خطاياه تخرج من أعضاء وضوئه؛ مع آخر قطرةٍ من قطر الماء، فهذه من أسباب المغفرة.

ومن أسباب المغفرة أيضًا: الصلوات الخمس كفارةٌ لما بينهنَّ ما اجتُنبتِ الكبائر، الجمعة إلى الجمعة كفارةٌ لما بينهما ما اجْتُنبتِ الكبائر، رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، فليسارع الإنسان إلى أسباب المغفرة.

الأمر الثاني: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾، وهذا يكون بفعل المأمورات، أي: أن تسارع للجنة بالعمل لها، ولا عمل للجنة إلا العمل الصالح، هذا هو الذي يكون سببًا لدخول الجنة، فسارع إليه.

ثم بيَّن الله هذه الجنة؛ بأن عرْضَها السماوات والأرض، وهذا يدل على سعتها وعظمها، وأنَّه لا يقدر قدرها إلا الله عزَّ وجلَّ. فسارع إلى هذه الجنة بفعل ما يوصلك إليها من الأعمال الصالحة. ثم قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يعني: هيئت لهم، والذي أعدَّها لهم هو الله عزَّ وجلَّ، كما جاء في الحديث القدسي: «أعْددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلب بشرٍ».

ومن هم المتقون؟ قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136].

هؤلاء هم المتقون: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ يعني: يبذلون أموالهم ﴿ فِي السَّرَّاءِ ﴾ يعني في حال الرخاء، وكثرة المال، والسرور، والانبساط، ﴿ وَالضَّرَّاءِ ﴾ يعني في حال ضيق العيش والانقباض.

ولكن؛ لم يبين الله - سبحانه وتعالى - هنا مقدار، ولكنه بينه في آيات كثيرة، فقال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ [البقرة: 219].

العفو: يعني ما زاد عن حاجاتكم وضروراتكم فأنفقوه، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67]. فهم ينفقون إنفاقًا ليس فيه إسراف ولا تقتير، وينفقون - أيضًا - العفو، أي: ما عفا وزاد عن حاجاتهم وضروراتهم.

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ أي: الذين إذا اغتاظوا - أي اشتد غضبهم - كظموا غيظهم، ولم ينفذوه، وصبروا على هذا الكظم، وهذا الكظم من أشد ما يكون على النفس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشَّديدُ بالصُّرعةِ، ولكن الشديدَ الذي يملكُ نفسَه عند الغَضَبِ».

الصُّرعة: يعني يصرع الناس، أي: يغلبهم في المصارعة، فليس هذا هو الشديدُ، ولكن الشديدَ: هو الذي يملك نفسه عند الغضب؛ لأن الإنسان إذا غضب ثارت نفسه، فانتفخت أوداجُه، واحمرَّت عيناه، وصار يحب أن ينتقم، فإذا كظم الغيظ وهدأ، فإنَّ ذلك من أسباب دخول الجنة.

واعلم أن الغضب جمرةٌ يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم؛ إذا أتاه ما يهزه، ولكنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أعلمنا بما يطفئ هذه الجمرة، فمن ذلك: أنْ يتعوَّذَ الإنسانُ بالله من الشيطان الرجيم، فإذا أحسَّ بالغضب - وأن الغضب سيغلبه - قال: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، ومنها: أن يجلس إن كان قائمًا، ويضطجع إن كان قاعدًا، يعني: يضع نفسه، وينزلها من الأعلى إلى الأدنى، فإن كان قائمًا جلس، وإن كان جالسًا اضطجع، ومنها: أن يتوضأ بتطهير أعضائه الأربعة؛ الوجه واليدين والرأس والرجلين، فإنَّ هذا يطفئُ الغضب، فإذا أحسست بالغضب؛ فاستعمل هذا الذي أرشدك إليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يزولَ عنك، وإلَّا فكم من إنسانٍ أدَّي به غضبه إلى مفارقة أهله فما أكثر الذين يقولون: أنا غضبت على زوجتي فطلقتُها ثلاثًا، وربما يغضب ويضرب أولاده ضربًا مبرحًا، وربما يغضب ويكسر أوانيه، أو يشق ثيابه، أو ما أشبه ذلك مما يثيره الغضب، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ مدحهم لأنهم ملكوا أنفسهم عند ثورة الغضب.

﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ يعني الذين إذا أساء الناس إليهم عفوا عنهم، فإنَّ من عفا وأصلح فأجره على الله، وقد أطلق الله العفو هنا، ولكنه بيَّن في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40] أن العفو لا يكون خيرًا إلا إذا كان فيه إصلاح، فإذا أساء إليك شخصٌ معروف بالإساءة والتَّمرُّدِ والطغيان على عباد الله، فالأفضل ألا تعفو عنه، وأن تأخذ بحقك؛ لأنك إذا عفوت ازداد شره، أما إذا كان الإنسان الذي أخطأ عليك قليل الخطأ، قليل العدوان، لكن الأمر حصل على سبيل الندرة، فهنا الأفضل أن تعفو، ومن ذلك حوادث السيارات التي كثرت، فإنَّ بعض الناس يتسرَّع، ويعفو عن الجاني الذي حصل منه الحادث، وهذا ليس بالأحسن، الأحسن أن تتأمَّل وتنظر: هل هذا السائق متهور ومستهتر؛ لا يبالي بعباد الله ولا يبالي بالأنظمة؛ فهذا لا ترحمه، خذ بحقك منه كاملًا، أما إذا كان إنسانًا معروفًا بالتأني، وخشية الله، والبعد عن أذية الخلق، والتزام النظام، ولكن هذا أمر حصل من فوات الحرص، فالعفو هنا أفضل؛ لأنَّ الله قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ فلابد من مراعاة الإصلاح عند العفو.

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ محبة الله - سبحانه وتعالى - للعبد هي غاية كل إنسان؛ فكل إنسان مؤمن غايته أن يحبه الله عزَّ وجلَّ، وهي المقصود لكل مؤمن؛ لقول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]، ولم يقل: اتَّبعوني تصدقوا فيما قلتم، بل عدل عن هذا إلى قوله: ﴿ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ لأن الشأن - كلَّ الشَّأنِ - أن يحبَّك الله عزَّ وجلَّ، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أحبابه.

وأما المحسنون في قوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ فالمراد بهم المحسنون في عبادة الله، والمحسنون إلى عبادِ الله.

والمحسنون في عبادِة الله؛ بيَّن النبي - عليه الصلاة والسلام - مرتبتهم في قوله حين سأله جبريل عن الإحسان فقال: «أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك» يعني: أن تعبد الله - سبحانه وتعالى - بقلب حاضر؛ كأنك ترى ربك تريد الوصول إليه، فإن لم تفعل؛ فاعلم أن الله يراك، فاعبده خوفًا وخشية، وهذه المرتبة دون المرتبة الأولى.

فالمرتبة الأولى: أن تعبد الله طلبًا ومحبة وشوقًا.
والثانية: أن تعبده هربًا وخوفًا وخشية.

أمَّا الإحسان إلى عبادِ اللهِ: فأنْ تعاملهم بما هو أحسن؛ في الكلام، والأفعال، والبذل، وكف الأذى، وغير ذلك، حتى في القول؛ فإنَّك تعاملهم بالأحسن، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ [النساء: 86]، يعني: إن لم تفعلوا فتردوا بأحسن منها، فلا أقلَّ من أن تردوها؛ ولهذا قال كثير من العلماء: إذا قال المسلم: السلام عليكم ورحمة الله، قل: وعليكم السلام ورحمة الله. هذا أدنى شيء، فإن زدت: (وبركاته) فهو أفضل؛ لأن الله قال: بأحسن منها، فبدأ بالأحسن ثم قال: ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ كذلك إذا سلَّم عليك إنسان بصوت واضح بيِّن؛ ترد عليه بصوت واضح بين على الأقل، كثيٌر من الناس - أو بعض الناس - إذا سلَّمت عليه رد عليك السلام بأنفه، حتى إنك تكاد لا تسمعه في رد السلام، وهذا غلط؛ لأنَّ هذا خلاف ما سلَّمَ عليك به، يسلم عليك بصوت واضح ثم ترد بأنفك!! هذا خلاف ما أمر الله به.

كذلك الإحسان بالفعل: مثل معونة الناس ومساعدتهم في أمورهم. فإذا ساعدت إنسانًا فقد أحسنت إليه، مساعدة بالمال، بالصدقة بالهدية، بالهبة وما أشبه ذلك هذا من الإحسان.

ومن الإحسان أيضًا: أنك إذا رأيت أخاك على ذنبٍ؛ أن تبين له ذلك وتنهاه عنه؛ لأن هذا من أعظم الإحسان إليه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُنصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا» قالوا: يا رسول الله، هذا المظلوم فكيف ننصر الظالم؟ قال: «أن تمنعه من الظُّلمِ» فإنَّ منعَك إيَّاه من الظلم نصرٌ له وإحسان إليه، والمهم أنَّه ينبغي لك - في معاملة الناس - أن تستحضر هذه الآية: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ فتُحْسن إليهم بقدر ما تستطيع.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذنُوبِهِم ﴾ [آل عمران: 135].

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ الفاحشة: ما يُسْتفحشُ من الذنوب، وهي كبائر الذنوب، مثل: الزنا، شرب الخمر، وقتل النفس وما أشبهها، كل ما يُستفحش فهو فاحشة ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ بما دون الفاحشة من المعاصي الصغار ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾ أي: ذكروا عظمته وذكروا عقابه، ثم ذكروا أيضًا رحمته وقبوله للتوبة وثوابها.

فهم يذكرون الله من وجهين:
الوجه الأول: من حيث العظمة، والعقوبة، والسلطان العظيم، فيوْجَلون ويخْجَلون ويستغفرون.

والثاني: من حيثُ الرَّحمةُ وقبول التوبة، فيرغبون في التَّوْبة ويستغفرون الله؛ ولهذا قال: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم ﴾ ومن أفضل ما يستغفر به سيد الاستغفار: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدِك ووعْدِك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شَرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فأغفر لي، فإنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلَّا أنت».

قال الله تعالى: ﴿ ومَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللهُ ﴾ يعني: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله عزَّ وجلَّ لو أنَّ الأمَّةَ كلَّها من أوَلها إلى آخرِها، والجنة والملائكة اجتمعوا على أن يغفروا لك ذنبًا واحدًا ما غفروه؛ لأنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلَّا الله عزَّ وجلَّ، ولكننا نسأل الله المغفرة لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وأمَّا أنْ يكون بيدنا أن نغفرَ، فلا يغفر الذنوب إلا الله.

قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني: لم يستمرُّوا على معاصيهم وظلمهم؛ وهم يعلمون أنها معاصي وظلم، وفي هذا دليل على أن الإصرارَ مع العلم أمره عظيمٌ، حتى في صغائر الذنوب؛ ولهذا ذهب كثيرٌ من العلماءِ إلى أنَّ الإنسانَ إذا أصرَّ على الصغيرةِ صارت كبيرةً. ومن ذلك ما يفعله جهَلةُ النَّاس اليوم من حلق اللحيةِ، تجدهم يحلقون اللحيةَ ويصرُّون على ذلك، ولا يرونها إلا زينةً وجمالًا، والحقيقة أنَّها شينٌ، وأنها قُبحٌ؛ لأن كلَّ شيء ينتج عن المعصية فلا خير فيه، بل هو قبح، وهؤلاء الذين يصرُّون على هذه المعصية - وإن كانت صغيرة - أخطئوا؛ لأنها بالإصرار تنقلب كبيرة والعياذ بالله؛ لأن الإنسان لا يبالي بما يفعل، تجده كل يوم، كلما أراد أن يخرج إلى السوق، أو إلى عمله؛ يذهب وينظر في المرآة، فإذا وجد شعرة واحدة قد برزت، تجده يسارع إلى حلقها وإزالتها، نسأل الله العافية، وهذا لا شكَّ أنَّه معصية للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الإنسان ليخشى عليه من هذا الذنب أن يتدرَّج به الشيطانُ إلى ذنوبٍ أكبر وأعظم.

قال الله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾.
اللهم اجعلْنا من هؤلاءِ العاملين واجعل جزاءنا ذلك يا ربَّ العالمين.

المصدر: «شرح رياض الصالحين» (2/ 5 - 16)










__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 70.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 68.48 كيلو بايت... تم توفير 1.83 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]