تصديق القرآن للكتب السابقة وهيمنته عليها - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين إضغط هنا / وبإمكانكم التواصل معنا مباشرة عبر خدمة واتس اب - Whats App / 009613654576

 
اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2469 - عددالزوار : 230822 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 1813 - عددالزوار : 81679 )           »          الكاملات من النساء مريم ابنة عمران (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          إنها الأم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          تحذير خطير : اياكم وتمرينات الطاقة (الجزء السابع) (اخر مشاركة : abdelmalik - عددالردود : 713 - عددالزوار : 98072 )           »          القسط الهندي للتنحيف (اخر مشاركة : hamdy98 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من احداث (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 79 - عددالزوار : 5666 )           »          قول عمر بن الخطاب في الحجر الأسود: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 53 )           »          ولا ينفع ذا الجد منك الجد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          أقوال النبي صلى الله عليه وسلم احتوت على جوامع الكلم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28-07-2019, 09:14 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 12,207
الدولة : Egypt
افتراضي تصديق القرآن للكتب السابقة وهيمنته عليها

تصديق القرآن للكتب السابقة وهيمنته عليها
د. محمود بن أحمد الدوسري



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
تصديق القرآن الكريم لما سبقه من الكتب السماوية السابقة وهيمنته عليها يتضمن - ابتداءً - البحث عن معنى التصديق والهيمنة في اللغة:
معنى «مُصَدِّق» في اللغة:
وردت لفظة «مُصَدِّق» في اللغة بمعانٍ متعددة ومتنوعة، نأخذ منها ما يدل على المقصود:
جاء في المعجم الوسيط: «صَدَّقَهُ، وصدَّقَ به، تَصْديقاً وتَصْدَاقاً: اعترف بصدق قوله، وحقَّقه. وفي التنزيل العزيز: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ [سبأ: 20]. ويقال: صدَّقَ على الأمرِ: أَقرَّه» [1].
وفي أساس البلاغة: «صَدَقَهُ الحديثَ...، وصَادَقَه ولم يُكاذِبْه، وتَصَادَقا ولم يَتَكاذبَا، وصَدَّقَه فيما قال... وعنده مِصْداقُ ذلك، وهو ما يُصَدِّقُه مِنَ الدَّليل» [2].
قال ابن منظور: «وهذا مِصْدَاق هذا؛ أي: ما يُصَدِّقُه» [3].
وخلاصة المعاني اللغوية لكلمة «مصدق» ما يلي:
1- الاعتراف بصدق الشيء.
2- الإقرار على الشيء.
3- الدَّلالة على صدق الشيء.
معنى «هيمن» في اللغة:
وردت لفظة «هيمن» في اللغة بعدة معانٍ أيضاً، نأخذ منها ما له صلة بموضوعنا:
جاء في (المعجم الوسيط): «هيمن فلان: قال: آمين. و - على كذا: سيطر عليه، وراقبه، وحفظه... والمهيمن: من أَسماء الله تعالى، بمعنى الرَّقيب المسيطر على كل شيء، الحافظ له. وفي التنزيل العزيز: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: 48]» [4]. وفي (مختار الصحاح): «المُهَيْمِنُ: الشَّاهِدُ» [5].
وخُلاصة المعاني اللغوية لكلمة «هيمن» ما يلي:
1- السَّيطرة.
2- الرَّقابة.
3- الحفظ.
4- الشَّهادة.
وَصْفُ القرآنِ العظيم بأنَّه مُهيمنٌ ومُصدِّقٌ لكتب الله يقتضي أنه:
أولاً: مُسيطِرٌ عليها: بمعنى أنه الحاكم والقاضي عليها، فهو الذي يكبح جِماحَها إذا جنحت إلى الغلو والباطل لتحريف أصحابها فيها؛ كما قال تعالى - رَدّاً على ما زعمه النَّصارى في المسيح وأُمِّه: ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المائدة: 75].
ثانياً: رقيبٌ عليها: بمعنى أنه المصحِّحُ لأخبارها، الممحِّصُ لحقائقها، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ [النساء: 157].
وذلك ردّاً على ما يزعمه النصارى أنه عليه السلام قُتِلَ فوق الصَّليب، فكان القرآن رقيباً على ذلك، فأوضح في الآية المتقدِّمة أن هذا الخبر الذي ألحقه النصارى زوراً وبهتاناً بالإنجيل المحرَّفِ، من مزاعمهم، وليس مما أُنزل على عيسى عليه السلام.
ثالثاً: حفيظٌ عليها: وهو قريب من المعنى الثاني.
رابعاً: شهيدٌ عليها: بمعنى أنه يشهد لها بالصِّحة والثَّبات، فيقرر أصولها، ويشهد بما فيها من الحقائق.
خامساً: أمينٌ عليها: بمعنى أن ما أَخْبَرَ به عنها، أو أنه فيها فهو الحقُّ، وما عداه مِمَّا زعمه أهلُها فباطل لا يُصدَّق. قال ابن جُرَيج: «القرآن أمينٌ على ما قبله من الكتب، فما أَخْبَرَ أهلُ الكتاب عن كتابهم، فَإِنْ كان في القرآن فصدِّقوا، وإلاَّ فكذِّبوا» [6].
سادساً: مُعْتَرِفٌ بصدقها: بمعنى أنه مُعْتَرِفٌ بأنها من عند الله تعالى، أنزلها على رسله عليهم السلام معترف بما فيها من العقائد الصحيحة، والكليات التي لا يختلف عليها العقلاء؛ كَحُبِّ الخير، والأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامةِ العدل، وإحقاقِ الحقِّ إلى غير ذلك.
سابعاً: مُقَرِّرٌ لها على ما جاءت به من الحق: بمعنى أنه لا ينازعها فيما جاءت به من الحق في العقائد، والأخبار، وغيرها.
ثامناً: دالٌّ على صِدْقِها: بمعنى أنه هو الدليل على أَنَّ هذه الكتب من عند الله، وعلى أنَّ أخبارها الصَّحيحة حقَّة، ذلك أنَّ الكتبَ السابقة جاءت - مثلاً - بأوصاف نبيِّنا محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وأوصاف أُمَّتِهِ، وبَشَّرت بمبعثه صلّى الله عليه وسلّم.
فجاء القرآن العظيم مصدِّقاً بما أخبرت به هذه الكتب، ومطابقاً لهذه الأوصاف، فدلَّ ذلك على صِدْقِ هذه الكتب فيما أَخبرت به في هذا المجال، وصِدْقِ كونها من عند الله تعالى [7].
والمتأمِّلُ في هذه المعاني المتقدِّمة يلحظ أنَّ بعضها يقترب من بعض، إلاَّ أنها كُلَّها وأكثَرَ منها وردت فيها نصوصٌ كثيرة من القرآن العظيم تفيد أنه تصديق، أو مُصَدِّقٌ لما تقدَّمَهُ من كتب [8].
وهيمنة القرآن الكريم على سائر الكتب السَّماوية إنَّما تعود إلى سلامة النَّص القرآني من التَّحريف أو التَّبديل أو الزِّيادة أو النُّقصان، حيث تكفَّل الله تعالى بحفظه دون سائر الكتب، وإنَّما أوْكَلَ حفظَها إلى البشر فوقع فيها التَّحريف والتَّبديل والزِّيادة والنُّقصان، فجاء القرآن مهيمناً عليها، مبيِّناً ما فيها من حقٍّ، وما طرأ عليها ممَّا هو دونه.
ولقد تعلَّق بهذه الآيات أو بعضِها أعداءُ الإسلام وخصومُه، فزعموا أنها تعني سلامة الكتب السَّابقة من التَّحريف والنَّسخ، وأن ذلك يستتبع وجوبَ العمل بهذه الكتب؛ كالقرآن سواء بسواء.
تَصْدِيقُ القرآن لِمَا سَبَقَهُ من كتب الله:
فبالإضافة لِمَا تقدَّم ذكره، يكون تصديق القرآن العظيم لِمَا سبقه من كتب الله، من جهات متعددة:
الجِهَةُ الأُولى: أَثْبَتَ أنه الوحي، وقَرَّرَ إمكانية وقوعه فِعْلاً، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [النساء: 163].
فهذا تصديقٌ لأصل الوحي وللرِّسَالات السابقة، وبذلك يكون القرآن مُصَدِّقاً لما بين يديه، كما قال تعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [آل عمران: 3].
الجِهَةُ الثانية: أنَّ القرآنَ العظيم جاء حَسبَ وَصْفِه الموجود في تلك الكتب، حيث اشتملت على وَصْفِ خاتم الرسل، وأنه يأتي بكتابٍ من عند الله تعالى، فنزول القرآن على وِفْقِ هذه النعوت تصديقٌ لهذه الكتب.
قال ابن كثير - رحمه الله - في معنى قوله تعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ [المائدة: 48]، «أي: من الكتب المتقدِّمة المتضمِّنة ذِكْرَه ومَدْحَه، وأنه سينزل
من عند الله على عبدِه ورسولهِ محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، فكان نزوله كما أَخْبَرت به مما زادها صِدْقاً عند حامليها من ذوي البصائر، الذين انقادوا لأمر الله، واتَّبَعُوا شرائِعَ الله، وصَدَّقوا رسلَ الله» [9].

الجِهَةُ الثالثة: أنَّ القرآنَ العظيم وافَقَ الكتبَ السَّابقة في مقاصِدِ الدِّين، وأصولِه، والتي لا تختلف باختلاف الشرائع والرسالات، ومن هنا نَلْحَظُ اتِّفاقَ القرآن مع غيره من كتب الله فيما يلي:
1- الدَّعوة إلى الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وما يتَّصل بذلك من تنزيه الله تعالى عن النقائص، وَوَصْفِه بكلِّ كمالٍ يليق بذاته المقدسة.
2- تَتَّفق الكتب المُنَزَّلة كذلك في: أصول الشَّرائع؛ كالصَّلاة، والصِّيام، والزَّكاة... حيث أَخْبَرَ القرآنُ العظيم أنَّ الله عزّ وجل تعبَّدَ بها مَنْ قَبْلَنا.
فقال في الصَّوم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].
وقال في الصَّلاة والزَّكاة: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 83].
ومن هنا نلحظ أنَّ أصولَ الشرائع واحدةٌ في جميع الأديان والرسالات السماوية، كما صَرَّحَ بذلك قولُه تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ [الشورى: 13].
وأمَّا تفصيلات الشَّرائع العَمَلية، فتختلف فيها الكتب السماوية، اختلافاً يتلاءم مع زمان كُلٍّ منها، ويتَّفقُ مع مصالح أتباعِها، مِصداقُ ذلك قولُه تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48].
3- تَتَّفِقُ الكتب المنزَّلة كذلك في الدعوة إلى الفضائل، والترغيب فيها، والترهيب من الرذائل والتنفير منها، فَكُلُّ كُتُبِ الله أمرت بالعدل، والإحسان، والصِّدق، والصَّبر، والأمانة، والوفاء، والرَّحمة، وما إلى ذلك من الفضائل، ومكارم الأخلاق التي تسعد بها البشرية في كل زمان ومكان، وكل كتب الله كذلك نهت عن الظُّلم، والخيانة، والكذب، والغدر، والقسوة، وما إلى ذلك من الرذائل التي تُورِدُ البشريةَ مواردَ الهلاك، ويشهد لذلك قولُه تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83].
وقال تعالى أيضاً - في حَقِّ إبراهيمَ وإسحاقَ وإسماعيلَ ويعقوبَ - عليهم السلام: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 73].
الجِهَةُ الرابعة: من جهات تصديق القرآنِ لِمَا سبقه من الكتب، أَنَّ الله تعالى قد جَمَعَ فيه ما تَوَزَّعَ في هذه الكتب من الفضائل، فأنقَذَ بذلك أصولَ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ كتب الله، وحَفِظَه، وصَدَّقَه.
فهذا القرآن العظيم هو خُلاصةٌ كاملة للرسالات الأُولى، وللِنَّصائح التي بُذِلَتْ للإنسانية من فجر وجودها، وهذا مِنْ أَوضَحِ وأَبْيَنِ مظاهر عظمة القرآن [10].
هَيْمَنَةُ القرآن على ما سَبَقَهُ من كتب الله:
وكما جاء القرآن العظيم مُصَدِّقاً لِمَا قَبله مِنْ كتب الله، فقد جاء كذلك مهيمناً عليها، كما صَرَّحَ بذلك قولُه تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: 48].
ومعنى قوله: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾، أي: أَنَّ القرآنَ العظيم رقيبٌ على الكتب السابقة؛ لأنه يشهد بصحَّتِها، ويقرِّرُ أصولَها، وما يتأَبَّدُ من فروعها، ويُبَيِّنُ أحكامَها المنسوخةَ بتعيُّن وقت انتهاء مشروعيتها.
أو على معنى أنه أَمِينٌ عليها، فما أخبر عن صِدْقِه مما ورد فيها صُدِّقَ، وما أخبر بزيفه فهو باطل.
أو على معنى أنه الحافِظُ لها، فهو الذي حَفِظَ ما فيها من التوحيد، وَكُلِيَّاتِ الدِّينِ إلى يوم القيامة.
أو على معنى أنه دَالٌّ على صدقها، أي: هو دليل على أنها من عند الله؛ لأنه جاء كما نَعَتَتْهُ هذه الكتب [11].
وهيمنة القرآن - أيضاً - تعني: السَّيطرة والقوَّة، فأبطَل القرآنُ العملَ بما في الكتب السَّابقة، وأوجبَ على أتباعها متابعتَه والدُّخولَ تحت رايته، مُعلناً سيطرته وهيمنته عليها.
قال ابن كثير - رحمه الله: «وهذه الأقوال كُلُّها متقاربة المعنى، فإن اسم (المهيمن) يتضمن هذا كلَّه، فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، جَعَلَ اللهُ هذا الكتابَ العظيم، الذي أنزله آخِرَ الكتب وخَاتَمَها، أشْمَلها وأعْظَمَها وأحْكَمَها، حيث جَمَعَ فيه محاسِنَ ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً، وأميناً، وحاكماً عليها كلها، وتكفَّلَ تعالى بِحِفْظِه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]» [12].
علاقَةُ الهيمنةِ بالتَّصْدِيق:
ومما تَقَدَّم ذِكْرُه «نستطيع أَنْ نُقَرِّرَ أن مفهوم الهيمنة أَتَمُّ وأشْمَلُ من مفهوم التَّصديق؛ لأن الهيمنة لا تقتصر على مجرد الشهادة لهذه الكتب بصحة إِنزالِ أصولها، وتقريرِ أصولِها وشرائِعِها، بل تتعدَّى ذلك فَتُبَيِّنُ ما اعتراها من نَسْخٍ أو تحريفٍ، وما عَرَضَ لها من زَيفٍ وفساد.
فالقرآن بذلك مُهيمنٌ على المعاني الصحيحة التي كانت في تلك الكتب، وشاهِدٌ بكونها من عند الله، وبذلك تتلاقى الهيمنةُ مع التَّصديق، ولكنه كذلك يشهد على هذه الكتب بما أصابها من تحريفٍ وتسرَّبَ إليها من باطل، وبه تنفرد الهيمنة عن التَّصديق، فمفهومُها إذاً أَتَمُّ وأشملُ من مفهوم التَّصديق» [13].
مظاهر هيمنة القرآن على الكتب السابقة:
لِهَيمَنةِ القرآنِ العظيم على كتب الله المنزلة قبله - فوق ما تقدم من تصديقه لها - مظاهِرُ متعددةٌ، من أهمِّها:
1- إِخبارُهُ بتحريفِ الكتب السابقة وتبديلِها: فتناولتها أيدي أهل الكتاب الآثمة بالتحريف والتبديل، وتناولوا ما بقي منها بالتَّأْويل الفاسد، طِبْقاً للأهواء والشهوات، أو مُحاولةً لكسب الجدل على أعدائهم وخصومهم.
بل أَخْبَرَ القرآنُ كذلك أَنَّهم كتبوا الكتب بأيديهم ونسبوها - زوراً وبهتاناً - إلى الله تعالى، فقال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ [البقرة: 79].
2- بيان المسائل الكبرى التي خالفوا فيها الحقَّ: ففي جانب العقائد - على سبيل المثال - نفى القرآن العظيم ما صَرَّحت به الأناجيل المُحرَّفة مِنْ قَتْلِ عيسى - عليه السلام - وصَلْبِه، فقال: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ [النساء: 157].
وحَكَمَ على النصارى بالكفر لقولهم بالتَّثليث، وألوهية المسيح، فقال: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 72، 73].
أما التَّوراةُ المحرَّفة فإنها تنْسِبُ إلى الله تعالى كثيراً من النقائص، والتي جاء القُرآن العظيم بدحضِها وإِبطالها.
فلقد أخبر القرآن العظيم أنَّ اليهود نسبوا إلى الله عزّ وجل الولد، كما وَصَفَهُ اليهودُ المعاصرون للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالفقر، والبخل، وغِلِّ اليد.
فَكَرَّ القرآن على ذلك بالإبطالِ والدَّحْضِ، قال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: 30].
وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [آل عمران: 181].
وقال تعالى: ﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ﴾ [المائدة: 64].
3- بَيَّنَ القرآنُ كثيراً من المسائل التي أَخْفَوها: فمن ذلك: أن الدَّارس لأسفار العهد القديم يرى أنها «قد خَلَتْ مِنْ ذِكْرِ اليوم الآخِرِ ونعيمِه وجحيمِه - وإذا كانت اليهوديَّةُ في أصلها تُقَرِّرُ البعثَ، والنشورَ، والحسابَ، والجنةَ والنار، كما يُنبئ بذلك القرآن - فإِنَّ ذلك يدلُّ على أنَّ اليوم الآخِر وما فيه، وما يتَّصِلُ به، من المسائل التي أَخْفاها أهلُ الكتاب» [14].
ومن ذلك أيضاً إِخفاؤُهم ما يَتَّصِلُ بخاتم الرسل من بشائرَ ونعوتٍ، وتحريفهم لها بالحذف، أو التأويل الفاسد، فجاء القرآنُ العظيم بالحقِّ في ذلك كُلِّه، قال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾ [المائدة: 15].
4- أَنْهَى القرآنُ العملَ بالكتب السَّابقة: فلا اعتبارَ لها بجانبه؛ لأنه شَغَلَ الفراغَ كُلَّه بتشريعه المبارك الجديد، وليس لأحدٍ أن يركن إلى هذه الكتب بعدما تسرَّبَ الباطلُ إليها، ولَعِبتْ الأيدي الآثمةُ بها.
وهذا لا ينافي أَنَّ القرآنَ أَقَرَّ كثيراً من أحكام هذه الكتب، ولم يتناوله بنسخ؛ لأنه أَمَرَ بهذه الأحكام وأقَرَّها من جديد، فعَمَلُنا ليس متابعةً لهذه الكتب، بل لإقرار القرآن لها، وأمرِه بها.
وكُلُّ آية دلَّتْ على اتِّحاد الشَّرائع، فهي محمولة على مقاصد الدِّين، وأصولِ العبادات، والآيات التي تدل على اختلاف الشرائع، فمحمولة على الفروع، وما يتعلق بظواهر العبادات، ولله الأمرُ مِنْ قبلُ ومن بعد [15].
وقد تَبَيَّنَ لنا مما سبق ذِكْرُه أن تصديق القرآن العظيم لكتب الله السابقة وهيمنته عليها، من أهم مظاهر عظمة القرآن، وفَضْلِهِ على كتب الأنبياء جميعاً.

[1] المعجم الوسيط (ص510)، مادة: «صَدَقَ».
[2] أساس البلاغة، لمحمود بن عمر الزمخشري (ص251)، مادة: «ص د ق».
[3] لسان العرب (10 /195)، مادة: «صدق».
[4] المعجم الوسيط (ص105)، مادة: «هيمن».
[5] مختار الصحاح (ص328)، مادة: «هـ م ن».
[6] تفسير البغوي (2 /43). وانظر: تفسير الطبري (6 /266).
[7] انظر: التفسير الموضوعي للآيات القرآنية المتعلِّقة بالكتب السَّماوية، د. عبد العزيز الدردير موسى (ص392، 393).
[8] تأمَّل نماذجَ للآيات التي تحدَّثَتْ عن هيمنة القرآن العظيم على سائر الكتب السابقة عليه، وتصديقه لها، في أربعة عشر نصاً من كتاب الله تعالى، وهي كما يلي: (البقرة: 41، 89- 91، 97)، (آل عمران: 3)، (النساء: 47)، (المائدة: 48)، (الأنعام: 92)، (يونس: 37)، (يوسف: 111)، (طه: 133)، (الشعراء: 196)، (فاطر: 31)، (الأحقاف: 12، 30).
[9] تفسير ابن كثير (3 /152).
[10] انظر: تصديق القرآن الكريم للكتب السماوية وهيمنته عليها، د. إبراهيم عبد الحميد سلامة، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة عدد (46)، (ربيع الآخر 1400هـ) (ص80-82).
[11] انظر: تفسير الطبري (6 /266، 267)، تفسير ابن عطية (2 /200).
[12] تفسير ابن كثير (3 /153).
[13] تصديق القرآن الكريم للكتب السماوية وهيمنته عليها (ص85).
[14] الأسفار المُقدَّسة، علي عبد الواحد وافي (ص29).
[15] انظر: المصدر السابق (ص77-88).

__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 82.54 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 80.38 كيلو بايت... تم توفير 2.16 كيلو بايت...بمعدل (2.61%)]