شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         متجر بوهو (اخر مشاركة : hamdy98 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          توقيع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          ولكن سليمان لا بواكي له! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          شركة مكافحة حشرات بالرياض 0551988465 (اخر مشاركة : ندى ابراهيم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          اكلات صحية للرجيم (اخر مشاركة : هناه خالد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          شرح باب: وجوب الانقياد لحكم الله تعالى من كتاب «رياض الصالحين» (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          نفي الضرر في الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          شرح باب النهي عن البدع ومحدثات الأمور من كتاب «رياض الصالحين» (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          حديث: فكان يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          حديث: رمى عبدالله بن مسعود جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 20-06-2020, 04:45 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (21)

صـــــ141 إلى صــ149


على حسب ما هو المفروض الأول في الوضوء؟ هل هو الوجه، أو المضمضة، والاستنشاق، أو الإستنشاق، دون المضمضة على الخلاف المشهور.
وهذا كله على مذهب الحنابلة، وحسب الخلاف الموجود فيه.
قوله رحمه الله: [معَ الذِّكْر]: أي: أن وجوبها عند الذكر، ومفهومه: أنها ساقطة، وغير واجبة عند النسيان، وهذه هي إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله، وعليها فإنه لا يطالب بإعادة وضوئه إذا تركها نسياناً، وعنه: أنها واجبة فيهما؛ أي: أنه إذا لم يذكر اسم الله -جل وعلا- وجب عليه الرجوع، وإعادة الوضوء حتى ولو كان ناسياً.
قوله رحمه الله: [ويَجِبُ الختانُ]: الختان: مصدر خَتَنَ، يَخْتِنُ، خِتَاناً، وهو خاتن، ومختون، والختان بالنسبة للرجال: إزالة الجلدة التي على حشفة الذكر.
وأما بالنسبة للنساء فهو إزالة أعلى الجلدة التي على الفرج، وشبّهَهَا بعض العلماء -رحمهم الله- بعُرْفِ الدّيك والختان مكرمة في النساء، وسنة في الرجال، وأوّل من اختتن إبراهيم الخليل -عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام- إِختتن، وهو ابنُ ثمانين سَنةً، إِمتثالاً لأمر الله -عز وجل-، ولذلك عُدَّ هذا من ابتلاء الله، وإِختباره له، فإن الختان مع تقدم السّن، وكِبَرها لا شك أن فيه مشقةً عظيمةً، ولكنه إِمتثل أمر الله، ولذلك بيّن حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس في تفسير قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} (1) أنّ مما ابتلاه الله به: الختانَ، كما صح عنه في رواية الحاكم في مستدركه، فإنه إِبتلاه، وهو في كِبَرِ سِنِّه كما تقدم في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام، والختان شرعه الله للرجال، لما فيه من الطهارة، والنّقاء، بإزالة هذا الموضع الذي قد تَعْلَقُ فيه النجاسة، وإذا أزاله كان ذلك أبلغ في الطهارة، والنّقاء، والبُعد عن الدّنس والدين دين طهارة حساً، ومعنى كما قال تعالى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } (2)، والختان من الطهارة، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين َ} (3)، كما أن هذا الختان شُرِعَ تخفيفاً من الشهوة الموجودة في المرأة، فإن المرأة إذا تُركت على حالها إِشْتدّت شهوتها، ولذلك تعتدل الشهوة عند نساء المسلمين بالختان؛ بخلاف غيرهنّ من الكافرات، كما ذكر شيخ الإسلام رحمة الله عليه أنه: يوجد في النساء الكافرات من شدّة الشهوة، وطلب الفساد، والحرام ما لا يوجد في نساء المؤمنين، وذلك لمحل الختان، وجعل الله في الختان مصلحة الدين، والدنيا فلذلك تحصل به العفّة للمرأة، والطّهارة للرجل، والمرأة إذا استؤْصلت الجلدة التي هي موضع الختان بكاملها ذهبت شهوتها؛ كما يقول الأطباء من المتقدمين، والمتأخرين، وإذا تُركتْ اشْتدت غِلْمَتُها وإذا قُصّ منها، أو أخذَ بعضها إعتدلت، ولذلك ورد في حديث أم عطية رضي الله عنها كما أشار إليه الإمام ابن القيم رحمه الله في التحفة قوله عليه الصلاة والسلام: [أشمِّي، ولا تُنْهِكي]،
(1) البقرة، آية: 124.
(2) المائدة، آية: 6.
(3) التوبة، آية: 108.
****************************** **********
والإشمام: أن يكون من أعلى الشيء، والإنهاك يعني به: أخذ الجلدة كلها، وهو حديث متكلم في سنده، ولكنّ معناه صحيح عند العلماء أنه ينبغي عند ختن المرأة أن لا تستؤصل الجلدة، بل يُؤخذ من أعلاها، لأن استئصالها يؤدي إلى ذهاب الشهوة، كما تقدم.ومن الحكم العظيمة أن الدراسات الطبية أثبتت الفوائد المترتبة على هذه العادة الإسلامية المحمودة، حتى تبين من خلالها أن نسبة سرطان القضيب عند الرجال المختتنين لا تجاوز واحداً في المائة بالنسبة لغير المختتنين.
والصحيح:
وجوبه على الرجال، والنساء، وذكرنا في شرح البلوغ، وعمدة الأحكام، وفي كتاب أحكام الجراحة الطبية الأدلة على ذلك، والخلاف فيها، وظاهر النصوص مشروعيته في حق الرجال، والنساء معاً؛ كما يدل عليه ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: [خمس من الفطرة] وذكر منها الختان، دون أن يفرق بين الرجال، والنساء، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: [إِذَا إلْتقى الختانانِ] فبيّن أنّ الختان يكون في الرجال، والنساء، ولأن المرأة تحتاج إليه طلباً للعفة، والعفة مطلوبة، وواجبة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فلما كان اعتدال شهوة المرأة يحصُل به مقصود الشرع كان الختان من هذا الوجه أقرب للوجوب منه للاستحباب والندب.
وأما ما ورد من حديث إِبن كُليْبٍ:
[أنّ الختانَ واجبٌ على الرِّجالِ، ومَكْرَمة للنِّساءِ] فهو حديث ضعيف.
ومحل وجوب الختان على المكلف إذا قارب البلوغ، والأفضل أن يُختن الصبيُّ، وتُختن الصّبية أي في حال الصغر، وينبغي على كل من الخاتن، والخاتنة مراعاة حدود الله في الختان؛ كما نبّه على ذلك الإمام إِبن قدامة رحمه الله في المغني في الجزء السادس عند كلامه على أحكام الإجارة حيث بيّن أنه يحرم على الخاتن أن يختن إلا إذا كان بصيراً بالختان عالماً به، وبكيفية فعله، وأن لا يتجاوز الموضع المعتاد في الختان، وأنه إذا ختن وهو غير عالم بالختان، أو تجاوز حدود الختان فإنّه يضمن، ويأثم شرعاً، أما ضمانه إذا لم يكن عالماً فلقوله عليه الصلاة والسلام في حديث السُّنن: [مِنْ تَطَبَّبَ، ولمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ، فَهُو ضَامنٌ] وهو حديث صحيح.
وأجمع العلماء على أنه يأثم، وأنه يُقتص منه، ولو كان طبيباً إذا قصد الإضرار، وقال: تَعمّدتُ، لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} (1) فيختن كل من الرجال والنساء، وتُراعى حدود الله -عز وجل- من عدم ختن الرجال للنساء إذا وجد النساء، وكذلك العكس، وعدم النظر إلى العورة أكثر من الوقت المحتاج إليه وعدم الزيادة على الحدِّ المعتبر في الكشف، واللَّمس للعورة.
قوله رحمه الله: [ما لمْ يَخف على نَفْسه]: مراده رحمه الله: أنه يُستثنى من وجوب الختان هذه الحالة، وهي أن يكون الشخص يخاف على نفسه إذا خُتن، ككبير السن، والشيخ الهرم، أو يكون في الموضع إلتهابات، أو

(1) المائدة، آية: 45.
*****************************
أمراض دائمة لا يرجى زوالها، ولو اختتن زادت عليه، واستفحل شرّها فيُرخص له في ترك الختان.
قوله رحمه الله:
[ويُكْره القَزَعُ]: القزع هو: حلق بعض شعر الرأس، وترك بعضه، وقد نهى عنه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واختلف العلماء في الذي يحلق، ويترك من الرأس:فقال بعض العلماء: أن يحلق وسط الرأس، ويترك باقيه.
وقال بعضهم: أن يحلق أطرافه كأن يحلق الشق الأيمن، والأيسر، والقفا، ويُبْقي وسطه شأن أهل الفساد، وصنيع السِّفلة، والرّعاع -نسأل الله السلامة والعافية-.وقيل: أن يحلق نصف الرأس، ويترك نصفه.
وقيل: أن يحلق مقدّمه، ويترك مؤخّره، أو العكس.
ولا مانع من اعتبار هذه الصور كلها؛ لأنه يحتملها النّص، والأصل أنه إذا إِحتمل النّص وجوهاً متعددة، ولم يرد الشرع بتقييد وجه منها أن تبقى دلالته على العموم، وللعلماء في تعليل تحريم القزع وجوه:قال بعض العلماء: مشابهة اليهود، فقد كانوا يحلقون بعض الشعر، ويتركون بعضه.
وقال بعضهم: إن فيه ظلماً للإنسان في نفسه، والله أمر الإنسان بالعدل حتى مع نفسه.
وتوضيح ذلك: أنه إذا حلق شقه الأيمن، وترك الأيسر ظلم شقّه الأيمن إذا كان الزمان برداً، وظلم شقّه الأيسر إذا كان الزمان حراً، ولذلك نُهي أن يَنْتعل بإحدى رجليه، ويترك الأخرى؛ لأنه ظلم للرِّجْل التي لم تنتعل، ونهى عن الجلوس بين الشمس، والظِّل؛ لأنه إذا كان صيفاً ظلم النصف الذي في الشمس، وإذا كان شتاءً ظلم النصف الذي في الظل، ولذلك قالوا إنه نُهي عن القزع لئلا يكون الإنسان ظالماً حتى مع نفسه.
والصحيح: أن كل هذه العلل صحيحة، ومحتملة ففيه ظلم، وفيه تشبه بأهل الفساد، ولذلك ما يفعله بعض من يحلق رأسه حتى، ولو بالتقصير كأن يقصر أطراف الشعر، ويجعل الشعر كثيفاً في منتصف الرأس فإنه يشمله هذا؛ لأن فيه تشبهاً بأهل الفساد، وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء -رحمة الله عليهم- وكنا نعهد مشايخنا -رحمة الله عليهم- من الأوّلين أنهم كانوا يشددون في تخفيف الشعر، بعضه دون بعضه، وكانوا يعدّون ذلك من القزع، واختاره الوالد رحمه الله.
وقالوا: إما أن يُخفِّفَه كُله، أو يحلِقَه كله، وهذا هو الأصل الذي عليه العمل عند أهل العلم أن السُّنة في الرأس أن يحلق كلّه، أو يخفف كله لا أن يفعل ببعضه، ويترك بعضه لما فيه من مشابهة أهل الفساد، وإذا كان القزع حراماً حرم على الحلاق أن يفعله بالغير، فإن فعل أثم؛ لأنه معين على الإثم، والعدوان وحرمت الإجارة، والأجرة، يعني المال الذي يدفع في مقابل ذلك الشيء يعتبر حراماً على الأصل المقرر أن الإجارة على المحرم أجرتها محرمة.
قوله رحمه الله:
[ومِنْ سُننِ الوُضُوءِ]: السُّنة: أصلها الطريقة، وسنّ الشيء إذا شرعه، والمراد بها سنن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الوضوء أي: في عبادة الوضوء، والمراد بالسّنة: (ما يُثابُ فاعلُه، ولا يعاقبُ تَاركُه) ويشمل ذلك السنن القولية، والفعلية، والتقريرية أي: التي قالها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو فعلها، أو فُعِلت وأقرَّها، فكل ذلك يوصف بكونه سنّة، ولا يُطلب من المكلف طلب إلزام.
قوله رحمه الله: [ومِنْ سنَنِ الوُضُوءِ] شرع المصنف رحمه الله في هذه الجملة في بيان بعض السنن الواردة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وضوئه.
وفي هذا دليل على حرص الأئمة، والعلماء رحمهم الله على الدِّلالة على هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسنته كيف، وقد جعله الله قدوة للمؤمنين، وأسوة لأمته في الدين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
وينبغي أن ينبّه على أن ذكر العلماء رحمهم الله للسنن لا يدعو إلى تركها، والتساهل فيها، بل المنبغي عكس ذلك.
وقوله رحمه الله: [السِّواك] أي: فعل السّواك، وقدمنا الأحاديث الواردة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سنيته عند الصلاة، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: [لوْلا أَنْ أشُقَّ على أمّتي لأَمرتهمْ بالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صلاةٍ].
قوله رحمه الله: [وغَسْلُ الكفينِ ثَلاثاً]: لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثبت عنه في الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان، عن عثمان، وحديث علي بن أبي طالب، وعبد الله بن زيد رضي الله عن الجميع أنه استفتح وضوءه بغسل كفيه ثلاثاً، فدلّ ذلك على سنّيته قال بعض العلماء: إنما حافظ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على غسل الكفين ثلاثاً؛ لأن الكفين آلة الوضوء، وهي التي تنقل الماء، فينبغي أن تكون على نقاء، وطهارة، حتى يكون ذلك أدعى لحصول المقصود من الوضوء.
قوله رحمه الله: [ويجبُ مِنْ نومِ لَيْلٍ ناقضٍ لوضُوءٍ]: غسل الكفين على حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون للمستيقظ من النوم.
الحالة الثانية:
أن يكون لغير المستيقظ من النوم.فإن كان مستيقظاً من نومه سواء كان نوم ليل، أو نهار، فإنه يجب عليه غسلهما ثلاثاً؛ لظاهر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيحين أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: [إِذَا استَيْقَظَ أحدُكمْ مِنْ نَومِه فَلْيغسِلْ يَديهِ ثَلاثاً قَبلَ أنْ يُدخِلهما في الإِناءِ فإن أحدَكم لا يدْري أَينَ بَاتَتْ يَدُهُ] فدل هذا الحديث الصحيح على أنه يجب على من استيقظ من النوم أن يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء.
أما إذا كان مستيقظاً في سائر أوقات يومه، وحضرت صلاة الظهر مثلاً، وأراد أن يتوضأ فلا تخلوا كفّاه من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يتيقن نجاستهما، فيجب عليه أن يغسلهما قبل أن يتوضأ.
الحالة الثانية: أن يتيقن طهارتهما، فيسن له غسلهما؛ لمداومة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على غسلهما في الوضوء.
الحالة الثالثة: أن يشك في الطهارة فيستحب له غسلهما، ولا يجب؛ لأن اليقين طهارتهما، والشك نجاستهما، فيُلغي الشك، ويَبقى على اليقين.
هذا بالنسبة لغسل الكفين، وقوله رحمه الله [كفيهِ] الكفان: مثنى كفِّ، وحدُّ الكف من أطراف أصابع اليد إلى الزندين، وهما العظمان البارزان اللذان عند مفصل الكفِّ سُمِّي الكفُّ كفّاً لأنه تكفُّ به الأشياء؛ بمعنى: تُدْفَع.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 20-06-2020, 04:46 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (22)

صـــــ150 إلى صــ158

باب السواك وسنن الوضوء

قوله رحمه الله: [والبَداءَةُ بمضْمَضةٍ]: أي يسن البداءة بالمضمضة، لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد أن غسل كفّيه، مضْمَضَ، واستنْشَقَ ثلاثاً،
والمضمضة:
مأخوذة من قولهم: مَضْمَضَت الحيّة؛ إذا تحركت في جحرها فأصل المضمضة التحريك، ولذلك قالوا: يتفرع على قولنا إن المضمضة هي التحريك مسألة،
وهي:
لو أن إنساناً أدخل الماء في فمه، ثم ألقاه مباشرة، دون تحريك فإنه لا يعتبر متمضمضاً، ثم اختلفوا هل المضمضة مجرد تحريك الماء، ولا يلزمه طرحه، أو لا بد له من طرحه؟
وجهان:
أصحهما أنه لا بد من الطرح لأنه هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصار معنى شرعياً زائداً، ومن أمثلة هذه المسألة أن يدخل الماء، ويحركه في فمه، ثم يبتلعه.
قوله رحمه الله:
[ثمّ إِسْتنْشَاق]: الاستنشاق من النَّشق،
والنَّشَق:
جذب الشيء بالنفس إلى أعلى الخياشيم، ومنه النَّشوق لأنه يستعط عن طريق الأنف، وهو سنّة من سُنن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التي حافظ عليها، ولم يتركها في وضوء -صلوات الله وسلامه عليه-، والسنة أن يجمع بينهما من كفٍّ واحدة، فيجعل بعض الماء الموجود في الكف للفم فيتمضمض به، ثم يستنشق الباقي من الماء بأنفه، ثم ينثره لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما توضأ قسم كفه كما في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه فمضمض،
واستنشق ثلاثاً من ثلاث غرفات أي: أن كل غرفة تكون مقسومة بين المضمضة، والاستنشاق، وهذه هي السُّنة.
قوله رحمه الله: [والُمبالَغةُ فِيهما لِغيرِ صَائمٍ]: المبالغة: مفاعلة من البلوغ،
وهو الوصول تقول:
بلغت الشيء إذا وصلت إليه.
فقوله: [المُبالغةُ]: أي أن الإنسان يصل إلى غاية الاستنشاق في إستنشاقه، وغاية المضمضة في مضمضته، وذلك عن طريق المبالغة في جذب الماء بالنَّفَسِ في الاستنشاق، والمبالغة في الإدارة والتحريك إلى اللهاة في المضمضة، قوله رحمه الله [لِغيْر صَائمٍ] هذا الاستثناء لحديث لقيط بن صبرة -رضي الله عنه وأرضاه- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال له: [وبَالغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلا أنْ تَكونَ صَائِماً] فقد دلّ هذا الحديث على أنه لا يُسن للإنسان أن يبالغ في استنشاقه حال صيامه، وهذا من باب التنبيه بالنظير على نظيره فنبه بالاستنشاق على المضمضة، فلا يبالغ فيها أيضاً، وذكر الاستنشاق؛ لأن الغالب في الاستنشاق ألا يتحكم الإنسان فيه عند المبالغة بخلاف المضمضة، فإن الغالب أنه يتحكم فيها.
وهذا الحديث -أعني قوله-: [وبَالِغْ في الاسْتِنْشاق] فيه تنبيه على أصل عند العلماء وهو: " أنه لا يُشْرعُ تَضييعُ الفَرائِضِ، أوْ إِرْتِكابُ المحرماتِ بفعلِ السننِ ".
توضيح ذلك: أنه إذا بالغ في الاستنشاق، ودخل الماء حلقه فإنه ضيع الواجب، وهو الصيام، وكذلك أيضاً لا يبالغ في إصابة سنة لوقوع في محظور كما لو كان على الحجر طيب، فإنه إذا بالغ في إصابة الحجر وهو محرم بالنسك، وأصرّ على لمسه، أو تقبيله؛ فإنه سيصيب الطيب، وذلك تحصيل لسنة على وجه يفضي إلى الوقوع في محظور مس الطيب،
ولذلك قالوا:
يتركه حتى يقبله الغير، ثم يقبله من بعده، أو يلمسه الغير؛ فيلمسه من بعده إذا أذهب لمس، وتقبيل الغير ذلك الطيب، ولذلك لا ينبغي تفويت الواجب، وارتكاب المحظور طلباً للسُّنة؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هنا نهى الصحابي أن يبالغ في الاستنشاق حتى لا يقع في محظور الفطر.
قوله رحمه الله: [وتَخْلِيلُ اللّحْيةِ الكَثيفةِ]: التخليل: تفعيل من الخُلَل، وخُلَل الشيء أجزاءه،
والمناسم التي فيه تقول:
رأيته من خُلل الباب يعني من المناسم الموجود فيه، وهي الفتحات الصغيرة، وقالوا سُمِّي التخليل تخليلاً؛ لأن الإنسان يوصل الماء إلى الشعر من خلاله يعني يخُلل الماء بين الشعر، فيدخل في خُلَل اللحية، وكذلك شعر الرأس، والأصابع؛
لأنه يدخل خنصره بين الأصابع فقالوا:
خَلّل لدخول الخنصر بينها.
وقوله:
[وتَخْلِيلُ اللّحيةِ] يدل على أنه مسنون، وهذا كما قلنا أنها إذا كانت كثيفة وجب غسل ظاهرها، لا باطنها لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والمواجهة في اللحية الكثيفة تحصل بظاهرها؛ لا بباطنها، فكان تخليل باطنها غير واجب، والحكم بكونه سنة في اللحية مبني على حديث التخليل، وهو متكلم في إسناده،
حتى قال بعض أهل العلم رحمهم الله:
[لا يَصِحُّ في التّخلِيلِ شَيءٌ] ومن أهل العلم من إِعتبره وحكم بثبوته كالإمام الترمذي، والحاكم، وغيرهما رحم الله الجميع.
وقوله رحمه الله: [الكَثِيفَةِ] هي: الكثيرة الشعر، ومفهوم ذلك أنها إذا لم تكن كثيفة بأن كانت قليلة الشعر، وهي التي تُرى البشرة من تحتها وجب غسلها، وغسل ما تحتها من البشرة؛ لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والمراد بالوجه ما تحصل به المواجهة، فإن كانت يسيرة حصلت المواجهة بهما بالشعر اليسير، وبالبشرة من الوجه فوجب غسلهما، واعتبر وصف الكثافة لأنه صفة لحيته عليه الصلاة والسلام.
وقوله رحمه الله:
[والأَصابِعِ] أي: وتخليل الأصابع، والمراد بها أصابع اليدين، والرجلين، لأن ما بين الأصبعين قد لا يصل إليه الماء فيحتاج إلى تفقد، وعناية، وهو ما يحصل عن طريق التخليل، بإدخال الخنصر بين الأصابع للتأكد من وصول الماء إلى تلك المواضع، واعتباره سنة مبني على حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه، وقد بيّنا كلام العلماء رحمهم الله في ثبوته، وفي مسائله في شرح البلوغ.
قوله رحمه الله:
[والتَّيامُن]: تفاعل من اليمين، وهي الجهة التي شرّفها الشرع كما هو محفوظ من هدي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وذلك يكون في الأعضاء المثناه،
ويشمل ذلك:
اليدين، والرجلين فإنه يتيامن فيهما، فيبدأ بغسل يده اليمنى قبل يده اليسرى، ورجله اليمنى قبل رجله اليسرى، ولكن لا يشرع التيامن في الأعضاء المنفردة، فلا يغسل شق وجهه الأيمن، ثم الأيسر، لأن هذا تنطّع، وتكلّف في العبادة، وقد كان هدي النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه غسل وجهه غسلاً واحداً، ومسح رأسه مسحة واحدة.
وقوله: [التَّيامُن]: أي أن التيامن سنة، وبناءً على ذلك لو أن إنساناً غسل يده اليسرى قبل يده اليمنى ما حكم وضوءه؟
نقول:
إنه صحيح؛ لأنه فوت الأكمل، والأفضل، ولا إثم عليه، لأن التيامن ليس من فرائض الوضوء.
والدليل على صحته: أن الله -عز وجل- قال في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} (1) فأمر بغسل اليد مطلقاً، ومن غسل اليسرى قبل اليمنى فقد إِمتثل ما أمر الله، غير أنه فوّت الفضيلة بتقديم اليمين على اليسار.
قوله رحمه الله: [وأَخْذُ ماءٍ جديدٍ للأذنين]: أي ويسن له أن يأخذ ماءً جديداً بعد مسح الرأس ليمسح أذنيه، واعتبار ذلك سنة يدل على أنه لو مسح الأذنين بعد مسحه لجميع الرأس دون أن يأخذ ماءً جديداً أنه لا حرج عليه في ذلك، ودل على سنية أخذ الماء الجديد للأذنين بعد مسح الرأس حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه عند الترمذي، وفيه عبد الله ابن لهيعة، ومن المعروف أن الترمذي يحسّن روايته.
قوله رحمه الله: [والغسلةُ الثانِيةُ، والثّالثةُ سُنّةٌ]: أي ليستا بواجبتين.
والدليل على عدم وجوبها:
أن الله -عز وجل- قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} والغسل يتحقق بالمرة الواحدة، فمن غسل مرة واحدة، فقد إمتثل، هذا دليل الكتاب.
(1) المائدة، آية: 6.
**********************
أما دليل السُّنة فقد جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عثمان رضي الله عنه أنه توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً فدل على أنه لا تجب التّثنية، ولا التثليث، وأن الغسلة الثانية، والثالثة سنتان وليستا بواجبتين.
-------------------------------
[باب فروض الوضوء وصفته]

قال المصنف رحمه الله:
[باب فروض الوضوء، وصفته]: الفروض: جمع فرض،
والفرض يطلق بمعنى:
الحزِّ، والقطع، ومنه الفريضة،
وهي:
النصيب الذي جعله الله -عز وجل- من تركة الميت للحيّ من بعده، سميت بذلك؛ لأن مال الميت يقتطع منه لكل وارث نصيبه، فقيل لها فريضة.
وأما في اصطلاح الشرع فهو: [ما يُثابُ فاعلُهُ، ويُعاقبُ تاركُهُ] فهو بمعنى الواجب، وهذا هو مذهب جهور العلماء؛ خلافاً للحنفية -رحمة الله عليهم-، فإنهم يرون أن الفرض آكد من الواجب، وأقوى من حيث الدليل ثبوتاً، ودلالة.
وقوله رحمه الله:
[فروض] جمع: فريضة، وجمعها رحمه الله لأن الواجبات التي ألزم الشرع المكلفين بها في الوضوء متعددة، ففرض الله غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، فلما تعدّدَت جمعها رحمه الله بقوله: فرائض الوضوء.
وقوله: [الوضوء]: مأخوذ من الوضاءة،
وهي:
الحسن، والبهاء، والجمال، وصف بذلك؛ لأنه يُبَيِّضُ وجه صاحبه، وأعضاءه في الآخرة كما ثبت في الحديث الصحيح أن أُمّته -عليه الصلاة والسلام- يدعون يوم القيامة غُراً محجّلين من أثر الوضوء، وهو طهارة حسِّية، ومعنوية، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة،
والسلام قال:
[ما منْ مُسلمٍ يُقرّب وَضُوءَهَ فيُمضمِضَ، ويَسْتنشِق، ويغسلُ وجْهه إلا خَرجتْ خَطَايا وجْهِهِ مع الماءِ، أو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ حتّى تَخْرجَ مِنْ تَحتِ أَشْفارِ عَيْنَيهِ، فإِذا غَسَل يَديْه خَرَجتْ كلُّ خَطِيئةٍ بَطَشتْها يَدَاهُ مَعَ الماءِ، أوْ معَ آخرِ قَطْرِ المَاءِ حتى تَخْرج من تحتِ أَظفارِ أَصابِعهِ]، ثم ذكر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تمام ذلك في أعضاء الوضوء؛ فإذاً تحصّل من هذا أن الوضوء يُفضي إلى جمال الحس، والمعنى، فوصف بكونه وضوءاً من هذا الوجه، فحقيقة الوضوء في اللغة راجعة إلى الحُسْن، والبهاء من الوضَاءَةِ.
وأما في اصطلاح العلماء رحمهم الله:
فهو (الغسلُ، والمسحُ لأعضاءَ مخصوصةٍ، بنيّة مخصوصةٍ)، والمراد بالأعضاء المخصوصة المغسولة الوجه، واليدان إلى المرفقين، والرجلان إلى الكعبين، وأما العضو الممسوح فهو الرأس، والرجلان إن مسح على الخفين، أو الجوربين.
والمراد بالنِّيةِ المخصوصة:
أن يقصد رفع الحدث، أو إستباحة المحظور كما سيأتي بيانه في مسائل النِّية وأحكامها بإذن الله تعالى.
قال رحمه الله: [باب فُروض الوُضوءِ]: أي في هذا الوضع سأذكر لك جملة من الأحكام، والمسائل التي يُعرف بها ما أوجب الله على عباده في طهارة الوضوء.
مناسبة هذا الباب:
أن من عادة العلماء -رحمة الله عليهم- أنهم يبتدئون بآداب قضاء الحاجة، ثم يُثَنّونَ بفرائض الوضوء، لأنّ المكلف إذا فرغ من قضاء حاجته تهيأ لعبادة الصلاة، وذلك بالوضوء،
ثم بعد ذلك يصلي كما قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (1) ولذلك يقولون تقديم باب آداب قضاء الحاجة الذي كنا نتكلم عنه على باب الوضوء؛ إنما هو من باب الترتيب المناسب للحال، فالغالب في حال المكلف أن يقضي حاجته أولاً، ثم يَتهيّأ لعبادة الصلاة، وقد أدخل المصنف باب السواك؛ لأن السواك يكون قبل الوضوء كما سبق بيانه عند ذكر باب السواك، ثم أتبع جميع ذلك بباب الوضوء.
قوله رحمه الله: [فُروضُهُ سِتةٌ]: الضمير في قوله: [فروضه] عائد إلى الوضوء أي: الفروض التي أوجب الله على المكلف في الوضوء ستة.
هذا يسميه العلماء الإجمال قبل البيان، والتفصيل، وهو أسلوب محمود، وقد تقدم معنا أنه منهج الكتاب والسنة أن تورد الشيء إجمالاً، ثم تفصّله،
وفي ذلك فائدة:
وهي تهيئة السامع، وكذلك المخاطب لفهم المراد،
فإنه لو قال مباشرة:
وفروض الوضوء غسل الوجه وغسل اليدين لما كان في ذلك مناسبة ألطف من قوله: [فُروضُهُ سِتّةٌ] لأنه لما قال إنها ستة نشأ السؤال: ما هي هذه الستة؟ فحدث التشويق للسامع، والمخاطَب أن يعرف تفصيل هذا الإجمال،
وهو أسلوب القرآن قال الله تعالى:
{الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} (2) وكان بالإمكان أن يقول الحاقة: كذبت ثمود، وكذلك قوله

(1) المائدة، آية: 6.
(2) الحاقة، آية: 1 - 3.
**********************
تعالى: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} (1) فأحدث بالإجمال الشوق إلى معرفة البيان، والتفصيل هكذا هنا، وقوله رحمه الله: [فروضُهُ ستّة] أي الفروض التي أمر الله، ورسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بها في الوضوء ستة.
قوله رحمه الله: [غسل الوجه]: الغسل هو: صبُّ الماء على الشيء؛
تقول:
غسلت الإناء إذا صببت الماء عليه؛ فأصاب أجزاء الإناء، وغسلت الوجه إذا صببت الماء عليه؛ فأصاب الماء أجزاءه، وبناء على ذلك قالوا الغسل لا يتحقق إلا بوصول الماء إلى البشرة.فلو أنّ إنساناً أخذ يداً مبلولة، ثم دلكها على وجهه، دون صب للماء، وجريان له على الوجه لم يكن غاسلاً، وإنما هو ماسح، وفرق بين الغسل، والمسح.
وقوله:
[الوجه]: مأخوذ من المواجهة، والوجه سيأتي إن شاء الله بيانه، وتحديده.
والدليل على فرض غسل الوجه: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} فقوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} أمر، والقاعدة في الأصول: " أنّ الأمرَ يدلُّ على الوجوبِ إلا إذا صرَفه الصارف " فلما قال: {فَاغْسِلُوا} أي فرض عليكم أن تغسلوا وجوهكم.

(1) القارعة، آية: 1 - 3.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 20-06-2020, 04:47 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (23)

صـــــ159 إلى صــ165

{باب فروض الوضوء وصفته}
كذلك -أيضاً- دلّت السُّنة على ذلك فإنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- توضّأ، ولم يثبت عنه في حديث صحيح أنه توضأ، وترك غسل وجهه، ففي الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان عن أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه وأرضاه- أنه دعا بوَضُوءٍ، فأكْفأَ على كفيهِ، فغسلهما ثلاثاً، ثمّ تَمضْمَضَ، واسْتَنْشَقَ ثلاثاً، ثمّ غَسَل وجْهَهَ ... إلخ، ومثله في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه في الصحيح، وحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في السنن كلها وصفت وضوءَ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأنه غسل وجهه فيه، ولذلك أجمع العلماء -رحمة الله عليهم- على أن غسل الوجه فرض من فرائض الوضوء، فلو توضأ إنسان، ولم يغسل الوجه لم يصحّ وضوءه بإجماع العلماء -رحمة الله عليهم-.
قوله رحمه الله:
[والفَمُ، والأنفُ منه]: بعد أن بين أن الوجه يجب غسله شرع رحمه الله في بيان ما يُعتبر من الوجه، وما لا يُعتبر منه، فبيّن أن داخل الفم، والأنف يعتبر من الوجه، وهذا هو أحد أقوال العلماء الثلاثة في هذه المسألة،
وبيانها فيما يلى:
القول الأول: أنه ليس من الوجه، فغسله سُنّة، وليس بواجب، وهذا هو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد رحم الله الجميع.
القول الثاني: أن داخلهما من الوجه، فيُعتبر غسله فرضاً من فرائض الوضوء، وهذا هو مذهب الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله على الجميع.
القول الثالث: أن داخل الأنف من الوجه،
دون داخل الفم بمعنى أن الفرض هو:
الإستنشاق، دون المضمضة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول بعض أهل الحديث رحمة الله على الجميع.
وقد بينتُ أدلتهم، ومناقشاتهم في شرح بلوغ المرام، وأن الذي يترجح في نظري، والعلم عند الله هو القول بعدم وجوبهما في الوضوء، وأن داخلهما ليس من الوجه المأمور بغسله،
وذلك لما يلي:
أولاً: لصحة دلالة الكتاب، والسنة على ذلك،
أما دليل الكتاب فقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل الوجه،
والوجه في حقيقته اللغوية:
ما تحصل به المواجهة، وهي إنما تكون بظاهر الوجه، لا بباطنه، وهو داخل الفم، والأنف، فاللسان العربي في حقيقة الوجه لا يشمل باطن الفم، والأنف، وإنما يختص بظاهر الوجه، وحْدَهُ، والقرآن نزل بلسان العرب، ويُفسَّر به كما هو معلوم.
وقد أكّدت السُّنة هذا المعنى كما في حديث الترمذي أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جاءه أعرابي؛
فقال:
-يا رسول الله- كيف أتوضأ؟ " أي صف لي الوضوء الذي أصلي به " فقال عليه الصلاة والسلام: [تَوضأ كَما أَمَركَ اللهُ] أي اقرأ كتاب الله، وما وجدت في آية المائدة،
فافعله قالوا:
فردّ النبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الأعرابيَ إلى ظاهر القرآن، وهذا أعرابي لا يعرف الوضوء إذ لو كان عالماً بالوضوء لما سأل، فكونه يردّه إلى ظاهر القرآن، فإن هذا واضح في دلالته على أن المراد ظاهر الآية، وظاهر الآية يدل على الإكتفاء بغسل ظاهر الوجه.
وأما ما استنبطوه من كون الفم، والأنف من خارج فهذه مسائل لا يدركها إلا الفقيه، ويعسر على أعرابي في بداية الإسلام يسأل كيف الوضوء أن يدرك هذه المسائل الفقهية.
ثانياً: أن ما إِستدل به من الأمر بالمضمضة محمول على الندب، والاستحباب، والصارف له عن ظاهره دليل الكتاب، والسنة المتقدم.
وعليه فإنه يترجح القول بعدم وجوب المضمضة، والإستنشاق، وأنهما من سنن الوضوء لا من فرائضه والله أعلم.
ولو قال قائل: إنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- داوم على المضمضة،
والاستنشاق فجوابه:
أن النبي -عليه الصلاة والسلام- داوم على السنن من باب التعليم لا من باب الإلزام، ألا تراه -عليه الصلاة والسلام- بإجماع الروايات عنه ما توضأ إلا غسل كفيه قبل أن يتوضأ، والذين قالوا بوجوب المضمضة والاستنشاق يُسلّمون بأن غسل الكفين قبل الوضوء لغير المستيقظ من النوم أنه مستحب، وليس بواجب فدل على أن المداومة تكون على ما هو واجب، وعلى ما هو غير واجب، فلا يقوى الإستدلال بها إستقلالاً على الوجوب عموماً.
قوله رحمه الله:
[وغَسْلُ اليَديْنِ]:
الفرض الثاني:
غسل اليدين،
واليدان:
مثنى يد -وسيأتي إن شاء الله حدُّهما عند الكلام على حدِّ الوجه-.
واليدان أمر الله بغسلهما في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فأمر بغسل اليدين، والأمر دال على الوجوب إلا أن يصرفه صارف، ولا صارف هنا، ولأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غسل كلتا يديه إلى المرفقين.
والواجب الغسل من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل، فلو غسل يديه، ولم يغسل المرفقين لم يصح وضوءه في قول الجماهير، وذهب داود بن علي الظاهري -رحمة الله على الجميع- إلى القول بأن المرفقين ليسا بداخلين في الغسل،
قال إن قوله تعالى:
{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} إِنّ: {إِلَى} غاية،
وما بعد الغاية يخالف ما قبلها كقوله تعالى:
{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (1) فإن الليل لا يجب صيامه،
والقاعدة في الأصول:
" أن ما بعدَ الغايةِ مُخالفٌ لما قَبْلَها فِي الحُكْمِ " ولذلك قالوا: لا يجب غسل المرفقين،
والمرفقان:
مثنى مرفق، وهو عند مفصل الساعد، مع العضد وسُمّي بذلك من الارتفاق، لأن الإنسان إذا جلس إِرتفق عليه.
والصحيح أن المرفقين داخلان في الغسل وذلك لما يلي:
أولاً: لظاهر القرآن في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} فقوله: {إِلَى} بمعنى مع، وهي تأتي في لغة العرب بهذا المعنى،
(1) البقرة، آية: 187.
****************************
ومنه قوله تعالى: {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} (1) أي: مع الله فإلى بمعنى: مع،
فيكون قوله تعالى: {إِلَى الْمَرَافِقِ} أي: مع المرافق.
ثانياً:
أن قولهم: " إِن ما بعدَ الغايةِ مُخالف لما قَبْلَها في الحكم " محل نظر فإنّ الغايَة لها حالتان:
الحالة الأولى:
أنْ تكون من جنس المُغيّا.
الحالة الثانية: أنْ تكون من غير جنس المُغيّا.فإن كانت الغاية من جنس المُغيّا دخلت، وإن كانت من غير جنسه لم تدخل.
وتوضيح ذلك:
أن المرفقين من جنس اليد؟ لأنّ اليد في الأصل من أطراف الأصابع إلى المنكب،
فلما قال:
{إِلَى الْمَرَافِقِ} دخلت لأنها من جنس اليدين.
وأما قوله سبحانه:
{أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} الغاية فيه الليل، وهي ليست من جنس المُغيّا، وهو النهار المأمور بصومه، فلم يدخل الليل الذي هو الغاية في المُغيّا لأنها ليست من جنسه.
ثالثاً: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- في الصحيح أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
[تَوضَّأَ فغسلَ يديْهِ حتى شَرَعَ في العَضُدِ]
يعني كاد أن يغسل عضده وهذا يدل على أن المرفقين قد غسلتا من النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وبهذا يترجح قول الجمهور رحمهم الله بوجوب غسل المرفقين مع اليدين.

(1) آل عمران، آية: 52.
***************************
واليد عامة تشمل اليد الصحيحة، والمشلولة، والمقطوعة، فلو أن إنساناً كانت يده شلاء وجب عليه غسلها فيصبُّ الماء عليها، ولو قُطِعَت، وبقي من الفرض شيء فإنه يجب عليه غسل ما بقي بعد القطع، ويجب غسل اليد بكامل ما فيها سواء كانت على أصل الخلقة فيها خمسة أصابع، أو زادت إلى ستة، أو سبعة، أو أكثر فإنه يجب غسل الجميع وذلك لأن الله -عز وجل-
أمر بغسلها في قوله:
{وَأَيْدِيكُمْ} ولا شك أن المكلف إن زادت خلقته في اليد، أو نقصت فإنها داخلة في هذا الوصف أعني كونها يداً له مأموراً بغسلها.
قوله رحمه الله:
[ومَسْحُ الرّأسِ]: الفرض الثالث: مسح الرأس، والمسح هو إمرار اليد على الشيء؛
تقول:
مسحت برأس اليتيم؛ إذا أمررت يدك عليه، والمراد بالمسح هنا سكب الماء على يده، ثم إمرارها على رأسه مبلولة بالماء.
وحدُّ الرأس المأمور بمسحه يبدأ من الناصية إلى القفا، وهذا بالنسبة للطول، ثم من عظم الصّدغ إلى عظم الصّدغ عرضاً،
والدليل على كون مسح الرأس فرضاً قوله تعالى:
{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} فإن قوله: {امْسَحُوا} أمر،
والقاعدة في الأصول:
" أنّ الأمرَ للوجُوبِ؛ ما لمْ يَصْرِفْه الصَّارفُ " ولا صارف هنا، ولأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مسح برأسه، ولم يترك المسح في وضوئه البتّة، والإجماع من العلماء منعقد على أنه يجب مسح الرأس، وأنّ من توضأ، ولم يمسح برأسه لم يصحّ وضُوءه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 20-06-2020, 04:47 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (24)

صـــــ166 إلى صــ174

{باب فروض الوضوء وصفته}


وهنا ننبه على مسألة،
وهي أن قول العلماء:
" الباء " زائدة، أو " مِنْ " زائدة ليس مراد العلماء أنه حرف زائد لا معنى له في كتاب الله، فإن بعض المتأخرين يُسيءُ الأدب مع أهل العلم المتقدمين، دون إلتفات إلى مصطلحاتهم، ومقصودهم، وهنا أنبه على أن مراد العلماء -رحمة الله عليهم- بكونها زائدة ليس إلغاء كونها من القرآن؛
وإنما المراد أن المعنى إرادة الكل لا إرادة البعض مثل قولنا هنا:
{امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} أي: أنها لم تأت للتبعيض، فيقولون هي زائدة، وحملها على الزيادة الحقيقية بمعنى أنها ملغاة من القرءان يقتضي الكفر، فإن من أنكر حرفاً من كتاب الله ثابتاً بالتواتر يكفر -والعياذ بالله- وهذا لا يقوله جاهل من عوامّ المسلمين، فضلاً عن علماء الأمة الذين هم أهل العلم، والدراية، والرواية، فلا ينبغي للإنسان أن يكون بسيط الفهم ساذجاً ينكر على العلماء -رحمة الله عليهم-، دون تروٍ، وفهمٍ لمقصودهم فإذا قالوا قراءة شاذّة، أو حرفاً زائداً؛ فليس مرادهم الشّذوذ بمعنى الانتقاص، والتحقير، ولا الزيادة بمعنى الإلغاء؛ إنما هو معنى موجود في هذه الحروف بأصل اللغة، والقرآن جاء بهذه اللغة التي من معانيها ما ذكروه،
ولذلك تأتي الباء لأكثر من عشرة معان جمعها بعض الفضلاء بقوله:
تَعَد لُصُوقاً واسْتَعنْ بِتَسَبُّبٍ ... وبَدل صِحَاباً قَابَلُوكَ بِالاسْتِعْلاوز ِدْ بَعْضَهُمْ ظَرْفَاً يَميناً ... تَحُزْ معَانِيَها كُلاَّ
الدليل الثاني لهم السُّنة: وهو: [أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- توضّأ، فمسح جميع رأسه]، كما ثبت ذلك في صفة وضوئه في الأحاديث الواردة في الصحيحين وغيرهما، ولم يحفظ عنه في حديث صحيح أنه اقتصر على بعض الرأس، أو جزء من الرأس، أو على ثلاث شعرات منه، فلو كان الاقتصار على البعض جائزاً لفعله، ولو مرة واحدة -صلوات الله وسلامه عليه-.
هذا بالنسبة لأدلة من قال بوجوب مسح الرأس كله.
وأما دليل من قال: إنه يجب مسح ربع الرأس، وهم الحنفية -رحمة الله عليهم-
فقد إحتجوا أولاً بالآية فقالوا:
إن قوله {امْسَحُوا بِرُءُوسِكُم} الباء للتبعيض،
وهذا معروف في لغة العرب كما قال تعالى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} (1) فليس المراد أنه أخذ الرأس كلِّه، ولكن أخذ البعض فَنُزِّل منزلة الكل،
وتقول:
أخذت برأس اليتيم، وليس المراد أنك أخذت بالرأس كلِّه؛ وإنما أخذت بعضه فكأنك أخذت الكل؛
لأنه بمجرد شدِّك لجزء من الرأس ينشدُّ جميع الرأس فيقال:
أخذ برأسه فقوله: {امْسَحُوا بِرُءُوسِكُم} للتبعيض.
وأما الدليل الثاني فقد إحتجوا:
بحديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
لما توضأ في غزوة تبوك:
[مسحَ بِنَاصِيَته، وعلى العِمَامَةِ] قالوا: والناصية تقدّر بربع الرأس، ولذلك يقدّرونها بأكثر أصابع الكفّ فلا يجزئ المسح بما دونها، وهذا أصل عندهم،
وتوضيحه من باب الفائدة: أن عندهم
(1) الأعراف، آية: 150.
****************************** **
أن أكثر الشيء منزل منزلة الكلِّ، وهذا أصل طردوه في مسائل لا تحصى كثرة في العبادة، والمعاملة، ولذلك تجدهم يصحّحون طواف من طاف أربعة أشواط بالبيت؛ لأنّ أكثر الطواف أربعة أشواط،
فلو ترك الثلاثة قالوا:
يصح، ويلزمه الجبران لما بقي، ولم يحكموا ببطلان جميع الطواف، وهكذا السعي،
هذا أصل عندهم أن أكثر الشيء منزل منزلة الكلِّ فقالوا:
إن ربع الرأس إذا مُسح بأكثر الأصابع يجزئ، ويكفى في هذا الفرض الذي أمر الله -عز وجل- بمسحه.
وأما الذين قالوا:
إنه يمسح ثلاث شعرات؛
فقد احتجوا بقوله تعالى:
{امْسَحُوا بِرُءُوسِكُم} قالوا: الباء للتبعيض،
وبناءً على ذلك يكون قوله:
{امْسَحُوا بِرُءُوسِكُم} أي: بعض رؤوسكم، ولا يجب مسح كلِّ الرأس، وهذا البعض الذي يصدق عليه الجمع إنما هو الثلاث، فأكثر؛ لأنها أقلُّ الجمع،
وبناءً على ذلك قالوا:
أقلّ الرأس ثلاث شعرات، فإذا مسح الثلاث صدق عليه أنه مسح برأسه، وهكذا لو حلق في الحج، أو العمرة ثلاث شعرات، أو قصّر ثلاث شعرات أجزأه هذا أصل عندهم -رحمة الله عليهم-.
هذه حاصل أدلة من قال بالتبعيض يبقى فقط القول الأخير الذي حكيناه رواية عن الإمام مالك أن الثلث من الرأس يجزئ هذا أصل عند المالكية -أيضاً- أن الثلث فرق عندهم بين القليل والكثير في العبادات، والمعاملات، ومنها ثلث الخفّ إذا كان مخرقاً في المسح على الخفين، وهكذا في المعاملات كما في مسألة المساقاة، والمزارعة إذا كان في الأرض المساقى عليها بياض دون ثلثها الذي سُقِىَ عليه لحق المساقاة، وجاز أن يتعامل مع العامل على إحيائه،
وزراعته قالوا:
إِن إِعتبار الثلث فرقاً في المذهب بين القليل، والكثير مبني على السنة الصحيحة وذلك في حديث سعد -رضي الله عنه- في الصحيح أنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قال:
[الثُّلثُ، والثُّلُثُ كَثير] قالوا: إنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: [الثُّلُثُ كَثيرٌ] فوصفه بكونه كثيراً فصار حكماً شرعياً في الفرق بين القليل، والكثير عندنا، فمن مسح ثلث رأسه فإنه يُجزيه هذا قول طائفة من أصحاب الإمام مالك -رحمة الله عليه- لكن المذهب على وجوب مسح الكلِّ.
هذه محصّل حجج العلماء في مسألة المسح على الرأس.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بوجوب مسح الرأس كلّه،
وذلك لما يأتي:
أولاً: لظاهر القرآن فإنّ حمل الباء على التبعيض تجوّزٌ، والأصل حملها على ما ذكر من الإلصاق لأنه أقرب إلى معنى المسح،
فإنّ قولك:
مسحت برأسه على أنه للإلصاق أقرب من قولك: إنه للتبعيض؛ لأن التبعيض خلاف الأصل، ولذلك يأتي غالباً في المعاني المجازية.
الأمر الثاني: أن السنة التي اُحتج بها على التبعيض،
في دليل القول الثاني الذين قالوا بوجوب مسح ربع الرأس يجاب عنها:
بأن الحديث فيه مسح بناصيته، وعلى العمامة، فَيصِحُّ الاستدلال بهذا الحديث أنْ لو اقتصر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على مسح الناصية، بل نقلب دلالة هذا الحديث، ونقول هو حجة لنا لا علينا؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أتبع الناصية بالعمامة فدل على وجوب مسح جميع الرأس لكن هنا إشكال أورده الحنفية -رحمة الله عليهم -
قالوا:
لو قلتم إن مسحه للعمامة المراد به مسح فرض لبطلت أصولكم؛ لأنه لا يصح في الأصل أن يجُمع بين البدل، وبين المبدل؛ فإن الرأس إما أن يمسح عليه، أو يمسح على العمامة، فإما أن تقولوا مسح على الفرض، وهو الناصية ويكون مسحه على العمامة لاغٍ؛ فيستقيم دليلنا،
أو تقولوا:
مسح على العمامة، والناصية ملغاة، وهذا خلاف الظاهر فكيف الجواب عن هذا الإشكال؟
والجواب:
أن يقال: إن المسح على العمامة في هذا الحديث هو الأصل؛ ولكن يجوز في العمامة أن يُكشف ما جرت العادة بكشفه بدليل أن من تعمّم العمامة المعروفة فإن السوالف تخرج، والخارج المعتاد مغتفر في المسح على العمامة، ولكنه يمُسح إبقاء على الأصل، والناصية كشفها صنيع أهل الفضل، لأن أهل الفضل لا يبالغون في إِرخاء ستر الوجه إلى حواجبهم؛ لأن ذلك غالباً من صنيع أهل الكبر، والخيلاء،
ولذلك قالوا:
إنه يُكشف عن الناصية، ويكون كشف النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عنها في هذا الحديث؛ إنما هو من باب ما جرت به العادة بكشفه، فلا يرد ما ذكروه، ويكون مسحه على العمامة أصلاً، ومسحه على الناصية تبعاً، وبناءً على ذلك لا يرد هذا الإشكال، ويستقيم مذهب من قال بوجوب مسح جميع الرأس.
أما استدلال بعض المالكية بأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قال:
[الثُّلثُ، والثلُثُ كَثِيرٌ] نقول يصح الاستدلال بهذا الحديث في ما طلب التقدير في جزءه، أي أننا نسلم الإستدلال به في الأمور التي إكتفى الشرع فيها بجزئها، لكن في الأمور التي أمر الشرع بها كُلاً لا يورد فيها مثل هذا النص الدال على تسامح الشرع في البعض، لأنّ مسح الرأس ظهر أن الشرع يريده كاملاً، وما ظهر أن الشرع يريده كاملاً لا يورد فيه ما دل على إجزاء البعض فيه كما في بقية الفروض التي قصد الشرع غسلها كاملة كاليد مثلاً،
فليس لقائل أن يقول:
يغسل الإنسان ثلث يده لأنّ النبي -عليه الصلاة والسلام-
قال:
[الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِير] لأننا نقول إن اليد أمر الشرع بغسلها كلها، وكذلك هنا في الرأس أمر بمسحه كله، فلا يستقيم الإحتجاج بهذا الحديث، وبهذا يترجح القول بمسح الرأس كله والله تعالى أعلى وأعلم.
والسنة عنه عليه الصلاة والسلام في مسحه لشعره: أنه بدأ من مقدمه حتى بلغ قفاه، ثم رجع إلى مُقَدَّمِهِ هكذا ثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه وأرضاه-
قال:
[بدأ بمقدم رأسه حتى بلغ قفاه ثم ردهما إلى الموضع الذي، بدأ منه].
وقال بعض العلماء: بل يبدأ من القفا حتى يصل بهما إلى المقدم، ثم يعود إلى القفا،
واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه المتقدم وفيه:
" أَقبلَ بِهما، وأَدبر "
قالوا: " أقبل بهما " أي: من القفا إلى المُقَدَّمِ،
وأدبر أي:
ردهما إلى القَفَا.
والذي يظهر:
أن قوله: [أقْبَلَ بِهما، وأَدبر] من باب تقديم المؤخر،
وتأخير المُقَدَّمِ وهو معنى معروف في لغة العرب أنهم يقولون:
أقْبلَ، وأَدبر،
ومرادهم:
أنه أدبَر، ثم أقْبل،
ومنه قول إمرؤ القيس يصف جوادَه:
مِكَرٍ مِفَرٍ مقْبِلٍ مُدْبرٍ مَعاً ... كجُلْمُود ِصَخْرٍ حَطهُ السيلُ مِنْ عَلِ
فإن قوله:
(مكرٍ، مفرٍ) مراده به: أنه فرَّ أولاً، ثم كرَّ بعد ذلك؛ لأن الكَرَّ لا يكون إلا بعد الفرار، فالفارس يفرُّ أولاً، ثم بعد ذلك يَكِرُّ،
فيكون قوله:
مِكَرٍ، مِفَرٍ من باب تقديم المؤخر، وتأخير المُقَدَّمِ،
وكذلك قوله:
(مُقْبلٍ، مُدبرٍ معاً) فإن الأصل أنه: أدبر أولاً، ثم أقبل على العدو،
فهذا معروف في اللغة فيكون قول الصحابي رضي الله عنه في صفة مسحه عليه الصلاة والسلام:
[فأقْبل بهما، وأَدبر] محمولاً على هذا المعنى: أنه أدبر، ثم أقبل.
وهناك وجه ثالث قال أصحابه فيه: نجمع بين الحديثين،
وهو أن قوله:
[أقبل بهما، وأدبر] المراد به بكلتا اليدين، فإحداهما مقبلة، والأخرى مدبرة، فيضع يديه في منتصف الرأس، ويقبل باليمنى إلى مقدّم الرأس، ويدبر باليسرى إلى مؤخره،
والصحيح:
ما ذكرناه أنه أقبل بهما،
وأدبر المراد به:
أدبر بهما،
ثم أقبل للرواية المبيّنة وهي قوله رضي الله عنه:
[بدأَ بِمُقدّم رَأسِه حتّى إنتَهى إِلى قَفاهُ، ثمّ رَدّهما إلى المكان الذي بدأ منه].
قوله رحمه الله: [وغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ]: هذا الفرض الرابع الذي أمر الله بغسله، وهو الرجلان، وقد أجمع أهل العلم رحمهم الله على أن غسل الرجلين من فرائض الوضوء.
وخالف بعض من لا يعتد بخلافه،
وقالوا:
إن الرجلين يجب مسحهما، ولا يجب غسلهما.
قالوا إن قوله:
{وأرجلِكم} بالجر في قراءة معطوف على قوله: {امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}،
وبناءً على ذلك يكون التقدير:
{وامْسَحُوا أرجلَكم} وهذه القراءة يجاب عنها: بأن قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ} الجر فيها للمجاورة،
ومنه قول الشاعر:
لَعِبَ الزَّمانُ بِها بَعْدي ... وغيَّرها سوافي المَورِ والقَطْرِ
فإن الأصل:
والقطرُ أي: غيّرها القطرُ فقوله: والقطرِ راعى فيه الجرَّ بالمجاورة لقوله: المورِ،
وإلا فالأصل في التقدير أن يقول:
والقطرُ،
ولا يقول:
والقطرِ، وأما قراءة النّصبِ فهي قوية واضحة في الدلالة على الوجوب، وأن الرجلينِ فَرضُهما الغسلُ، لا المسح، ثم يجب غسل الرجلين من أطراف الأصابع إلى الكعبين والكعبان داخلان في الغاية، والخلاف فيهما كالخلاف في المرفقين، فالمقصود أنه يجب غسل الكعبين والكعبان هما العظمان الناتئان في آخر الساق، ويجب غسلهما، فلو غسل رجليه، ولم يغسل الكعبين لم يصح وضوءه؛ لأن الله أمر بغسلهما،
وقال:
{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} أي مع الكعبين؛ لأن الغاية داخلة في المغيا فهي من جنسها فإن الكعبين ليسا من الساق، وإنما هما من القدم، والقدم في الظاهر عليهما، لأن حركته ووضعَه في رفعه قائم على الكعبين، فهما من القدم، وليسا من الساق، وبناءً على ذلك يجب غسل الرجلين، ولا يجزئ مسحهما.
وببيان ما سبق نكون قد إِنتهينا من أربعة فرائض، والفرض الأخير هذا ثبت وجوبه بدليل الكتاب كما قلنا في الآية وبدليل السُّنة من مواظبته -عليه الصلاة والسلام- على غسل رجليه إذا لم يكن عليهما خفٌّ، أو جورب، والإجماع،
فليس هناك أحد من أهل العلم رحمهم الله يقول:
إنّ الرجلين لا يجب غسلهما إلا الخلاف الشاذّ الذي أشرنا إليه سابقاً، يُستثنى من ذلك المسح على الخفين، والجوربين فإنه إذا غطى قدميه بالخفين نُزِّل المسحُ منزلةَ الغسلِ؛ لثبوت ذلك عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالأحاديث المتواترة، ولذلك ورد عن أكثر من ستين من أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مسح على خفّيه، حتى إن أهل السنة، والجماعة إذا ذكروا عقيدة أهل السُّنة، والجماعة أدخلوا فيها سُنِّية المسح على الخفين؛ مبالغة في ردّ قول أهل البدع، والأهواء الذين لا يرون المسح على الخفين؛ لأنه ورد عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
بالأحاديث المتواترة كما قال صاحب طلعة الأنوار رحمه الله:
ثمّ مِنَ المشْهُورِ ما تَواتَرا ... وهْوَ ما يرْويهِ جَمعٌ حُظِرا كَذِبُهم عُرْفاً كَمسْحِ الخفِّ ... رفعُ اليَديْنِ عَادِمٌ للخُلفِ وقَدْ روى حَديثَهُ مَنْ كَتَبا ... أكثرُ مِنْ سِتّينَ مِمّن صَحِبا أي أن المسح على الخفين ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام ورد عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن أكثر من ستين من أصحابه -صلوات الله وسلامه عليه- و -رضي الله عنهم أجمعين- فيُنزَّل المسح على الخفين منزلة غسل الرجلين لإذن الشريعة به،
ولذلك قال بعض المفسرين في قوله:
{وَأَرْجُلَكُمْ} في قراءة الجر قال: إنها محمولة على حالة المسح على الخفين، وينزّل الجوربان منزلةَ الخفين على أصح قولي العلماء رحمهم الله كما سيأتي.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 20-06-2020, 04:49 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (25)

صـــــ175 إلى صــ180

{باب فروض الوضوء وصفته}

قوله رحمه الله: [والتّرتِيبُ]: يقال رتّب الأشياءَ: إذا جعل كل شيء منها في موضعه، وجعلها تلو بعض، فقدّم ما حقّه التقديم، وأخّر ما حقّه التأخير
والمراد بقوله هنا: الترتيب؛ أن يُوقع الغَسلَ، والمسح على التّرتيب الذي جاءت به آية المائدة، فيبدأ بغسل وجهه، ثم غسل يديه، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه، فلو قدم مسح الرأس على غسل الوجه لم يُجْزِه، ولو قدّم غسل الرجلين على مسح الرأس لم يُجْزِه، وهكذا.
إذاً الترتيب أن يوقع الأعضاء المأمور بغسلها، ومسحها على وفق آية المائدة.
وهذا الترتيب دلّ عليه دليل الكتاب: فإن الله -عز وجل- أمر بغسل الوجه، ثم أتبع الوجه اليدين، ثم أتبعهما بمسح الرأس، ثم أتبع الجميع بغسل الرجلين، والواو لا تقتضي الترتيب في لغة العرب إلا عند وجود القرائن الدالة على الترتيب،
فهو ليس بأصل فيها فأنت إذا قلت مثلاً:
جاء محمد، وعلي لا يستلزم ذلك أن يكون محمد جاء أولاً،
ثم من بعده علي إذ يجوز أن تقول:
جاء محمد، وعلي، وقد كان علي قد جاء أولاً،
ويجوز أن تقول:
جاء محمد، وعلي وقد جاءا مع بعضهما،
لا يسبق أحدهما الآخر إذاً فالواو في قوله:
{فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} وقوله بعد ذلك: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُم} الواو في هذه الأربع لا تفيد التّرتيب نصّاً لكن فُهِم الترتيبُ من سياقها، وذلك أنه لا معنى لإدخال الممسوح بين المغسولين إلا إرادة التّرتيب الوارد فإن الله -عز وجل- أدخل المسح على الرأس، وهو ممسوح، وجعله بين مغسولين، وهما اليدان، والرجلان، فلو كان الترتيب ليس بلازم لذكر المغسولات أولاً، ثم أتبع بالممسوح، أو ذكر الممسوح أولاً، ثم أتبع بالمغسول، فلا وجه لإدخال المسح بين الغسل على هذه الصورة إلا إرادة الترتيب بين تلك الأعضاء بحسب ورودها في الآية الكريمة.
ثانياً: أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قال للأعرابي:
[تَوضّأ كَمَا أَمَركَ الله -عز وجل-] أي على الصفة التي وردت في كتاب الله -عز وجل- وقد وردت فيه مرتبة.
ثالثاً: أنه لم يحفظ عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه توضاً فقدم عضواً على عضو على خلاف ترتيب الآية الكريمة.
لكن هنا إشكال في الحديث الذي ورد من كونه -عليه الصلاة والسلام- تمضمض بعد أن غسل وجهه، فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟
والجواب: أن الترتيب في أعضاء الوضوء يقع على الصور التالية:
أولاً: الترتيب بين مفروض، ومفروض.
ثانياً: الترتيب بين مسنون، ومسنون.
ثالثاً: الترتيب بين مفروض، ومسنون.فأما الترتيب بين مفروض، ومفروض فكغسل اليدين بعد غسل الوجه، وهو مفروض، ولازم.
وأما الترتيب بين مسنون، ومسنون فكالترتيب بين المضمضة، والإستنشاق بأن يوقع المضمضة أولاً، ثم يستنشق بعدها، وهو مسنون.
وأما الترتيب بين مفروض، ومسنون؛ فكالمضمضة، والإستنشاق، مع غسل الوجه يبدأ بالمضمضة أولاً، ثم الإستنشاق وكلاهما سنة، ثم يغسل وجهه، وهو الفرض، وهذا الترتيب مسنون أيضاً، والذي ورد في الحديث من كونه غسل وجهه، ثم تمضمض؛ إنما هو بين مسنون، ومفروض، ومحل الكلام فيما بين المفروضات، وبناءً على ذلك يكون هذا الحديث لا علاقة له بالترتيب الواجب، ولا يصحّ الإستدلال به على إسقاطه، وهذا أمر يُغْفِله بعض طلاب العلم أنه يحتج بهذا الحديث على إلغاء الترتيب، وليس في الحديث دلالة؛ إنما يستقيم الإستدلال بالحديث أن لو غسل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يديه قبل وجهه، أو قدّم مسح رأسه على غسل اليدين؛ أما عدم الترتيب بين المسنونات، أو بينها، وبين الفرائض؛ فالأمر فيه واسع ليس كالفرائض.
هذا الترتيب إنما هو في الفرائض إذا كان بين عضو، وعضو، كما قدمنا في ترتيب اليدين بعد الوجه، وأما إذا كان العضو واحداً متعدداً، كالأعضاء المثناة، فلا يجب الترتيب، ففي اليدين والرجلين يجوز لك أن تغسل اليمنى قبل اليسرى، وأن تغسل اليسرى قبل اليمنى، ولا يشترط الترتيب بين اليمنى، واليسرى؛ لأنّ الله -عز وجل- أمر بغسل اليدين مطلقاً، وهذا قد غسل يديه، وفِعْلُ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بتقديم اليمنى على اليسرى كمالٌ؛ لقول عائشة -رضي الله عنها-: [كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُه التَّيمنُ في تَنَعُّلِهِ، وتَرجُّلِه، وطُهُورِهِ، وفي شَأنِه كُلِّه]، وبناءً على ذلك لا يجب الترتيب بين المسنونات، ولا بين الأعضاء المثناة كاليدين والرجلين.
قوله رحمه الله:
[والموالاة]: المراد به أن تقع هذه الفروض على الولاء بعضها يلي بعضاً، دون وجود فاصل مؤثر،
وتوضيح ذلك:
أن يغسل وجهه، ثم يقوم بغسل يديه قبل أن ينشف وجهه، ثم يمسح رأسه قبل أن تنشف يداه، ثم يغسل رجله قبل أن ينشف الماء الذي مُسح به رأسه، هذا هو مراد العلماء بالموالاة،
ولذلك قال العلماء ضابطها: أن لا ينشف العضو المفروض قبل أن يبدأ بالفرض الذي يليه،
مثال ذلك:
لو أن إنساناً توضأ في بيته، ثم انقطع الماء أثناء الوضوء، وكان قد غسل وجهه، فقام من موضعه إلى موضع آخر فيه الماء، ومشى حتى بلغه فحينئذ ننظر فإن كان الفاصل الذي بين انقطاع الماء، وغسله للعضو فاصلاً مؤثراً؛ بمعنى أنه ينشف فيه العضو في الزمان المعتدل الذي هو ليس بشديد البرد، والحر، (لأن الحر فيه نوع من الرطوبة خاصة إذا كان الإنسان في الظل فيبقى العضو طرياً إلى أمد أكثر والبرد مع الهواء، والريح يحصل به النشاف بسرعة) فلو قُدِّر مثلاً إلى خمس دقائق أن العضو في الزمان المعتدل ينشف نقول: إذا مضت خمس دقائق ما بين غسله لوجهه، وغسله ليديه بعد عثوره على الماء بطل وضوءه، وإن كان دون ذلك صحَّ، ولم يؤثر وجود هذا الفاصل.
والأصل في فرضية الموالاة دليل السنة،
وذلك:
أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [لمّا رأى على قَدَمِ الرَّجُلِ قَدْرَ لُمْعَةٍ لَمْ يُصِبْها الماءُ أَمَره أَنْ يُعيدَ وضُوءَه، وصَلاَته]-صلوات الله وسلامه عليه- فدلّ هذا على أن الولاء من فرائض الوضوء لأن أمره بإعادة الوضوء يدل دلالة واضحة على بطلان الوضوء بغير موالاة.
قال رحمه الله: [والنِّيةُ شَرْطٌ لِطَهارةِ الأَحْداثِ كُلِّها]:
النِّية: مأخوذة من قولهم نوى الشيء، ينويه نيّة، ونيَة بالتخفيف، والتّشديد.
والنِّية في لغة العرب معناها:
القصد،
تقول:
نويت الشيء إذا قصدته، سواء كان ذلك في القول،
أو الفعل وقولهم أعني العلماء رحمهم الله:
(النّية شرطٌ في طهارة الأَحداثِ) مرادهم بذلك أن يقصد المكلف العبادة،
ويكون قصده مشتملاً على أمرين:
الأول: التقرب لله -جل وعلا-،
والثاني:
رفع الحدث،
واستباحة ما تشترط الطهارة لفعله:
كالصلاة، والطواف، ولمس المصحف.
والأصل في وجوب النية، ولزومها في العبادات قول الله -تعالى-
مخاطباً نبيه:
{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (1) فقوله تعالى: {فَاعْبُدِ} أمر وقوله سبحانه: {مُخْلِصًا} أي حال كونك مُخْلِصًا له الدين، ومن المعلوم أنه لا يتحقق الإخلاص إلا بتجريد النية لله، وبناء على ذلك توقف اعتبار العبادة على نية القربة، فلو أن إنساناً أراد أن يصلي، ولم يقصد العبادة لله -جل وعلا- أو فعل أفعال الصلاة وقصد بها رياضة البدن فإنها لا تعتبر عبادة مجزئة، إذاً لا بد في العبادة من قصد القربة لله -سبحانه وتعالى-، والوضوء عبادة من العبادات، فهو داخل تحت هذا الأمر، فتجب فيه النية.
وأما قصد رفع الحدث؛ فهو أعم المقاصد في النية في الطهارة، وبه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر، فيستبيح فعل جميع ما تشترط له الطهارة، دون استثناء،
وأما إذا قصد استباحة معين لزمه تعيينه في قول الجمهور لحديث عمر رضي الله عنه أنَّ النبيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
[إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكُلِّ امرئٍ ما نوى] فقد دل الحديث بمنطوقه على أن من نوى شيئاً كان له، وبمفهومه أن من لم ينو شيئاً لم يكن له، فأخذوا منه دليلاً على التفريق بين نية رفع الحدث العامة، ونية الإستباحة الخاصة، وهذا النوع الثاني في النية وهو قصد رفع الحدث، أو الإستباحة الخاصة هو الذي يقصده العلماء رحمهم الله في مسألة نية الوضوء،
وأما النوع الأول:
وهو الإخلاص، وقصد القربة لله عز وجل، فإنه معلوم من الشرع بداهة لأن
(1) الزمر، آية: 2.
**********************
العلماء أجمعوا على أن العبادات لا تصح إلا بنية، وقد قرر الإمام الشاطبي -رحمه الله- مبحثاً نفيساً ينبغي على طالب العلم أن يرجع إليه في كتابه الموافقات في الجزء الأول منه حيث عقد فصلاً كاملاً لتقرير وجوب النية، ولزومها في العبادات، وبيّن وجه اعتبار الشرع لها، وإلزامه للمكلف بها، الشاهد من هذا أنه لا يصح إيقاع الوضوء، والغسل من الجنابة، وغيرها على الوجه المعتبر شرعاً إلا إذا نوى الإنسان به رفع الحدث، أو الإستباحة على التفصيل المتقدم، فلو أن إنساناً غسل، ومسح أعضاء الوضوء قاصداً التبرد، أو نظافة البدن لم يُجْزِهِ ذلك الوضوء؛ إلا إذا نوى به الوضوء الشرعي، وكذلك الحال لو أنه كانت على الرجل جنابة، أو إمرأة طهرت من حيضها ثم انغمس كل منهما في بركة، وكان عند انغماسه قاصداً التبرد في زمان صيف، فإن هذه النية لا تجزيهما، ويلزمهما الغسل مرة ثانية بنيّة رفع حدث الجنابة، والحيض وهذا هو الذي عبّر المصنف -رحمه الله-
عنه بقوله:
[لِطَهارةِ الأحداث] والأحداث هنا عامة أي سواء كانت صغرى، أو كبرى،
ومفهوم قوله:
[الأحداث] أن طهارة الخبث لا تشترط لها النية، لأنها من الوسائل، وليست من المقاصد، والإجماع على أن الوسائل لا تشترط لها النية.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 07-07-2020, 04:21 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (26)

صـــــ180 إلى صــ188

قوله رحمه الله: [والنّيةُ شَرْطٌ]: الشرط في اللغة: العلامة.
وأما في اصطلاح العلماء: (فما يلزم من عَدمِه العدمُ، ولا يلزم من وجُوده الوجود).
مثال ذلك: الوضوء شرط لصحة الصلاة يلزم من عدم الوضوء عدم صحة الصلاة، لأننا نقول إنه شرط لصحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الوضوء وجود الصلاة؛ فإن الإنسان قد يتوضأ،
ولا يصلي هذا معنى قولهم:
[ما يلزمُ من عدمِه العدمُ، ولا يلزم من وجودِه الوجود].
وقوله:
[شَرْطٌ لطهارةِ الأحْداثِ كُلِّها]: فيه عموم،
وذلك في قوله:
[كلّها]، فشمل الأحداث الصغرى والكبرى، فكلّها تشترط النية فيها، وهذه مسألة خلافية إختلف فيها جمهور العلماء مع الإمام أبي حنيفة، وأصحابه رحمة الله على الجميع؛ فالجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة،
والظاهرية يرون:
أن الوضوء، والغسل لا يصحّ إلا بالنية، فمن توضأ بنية التَّبرد، وكان عليه حدث أصغر؛ فإنه لا يجزيه، وهكذا لو إِغتسل تبرداً، أو نظافة، وعليه جنابة.
وذهب الإمام أبو حنيفة،
وأصحابه إلى:
أن الوضوء، والغسل يصحّ كلٌ منهما بدون نية، فإذا توضأ، أو اغتسل بدون نية رفع الحدث، أو كان قاصداً النظافة؛ فإنه يجزيه، ويصحُّ منه.
واحتج الجمهور بدليل الكتاب، والسُّنة، والعقل.
أما دليل الكتاب فقوله تعالى:
{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} وجه الدلالة: أن الوضوء عبادة، فلا يصح إلا بنية،
وكذلك قوله سبحانه:
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (1)، والدليل على كونه عبادة أنه غَسْل للأعضاء على صفة مخصوصة، ولذلك أمر بغسل بعض الأعضاء ومسح بعضها، ولو كان عبادة معقولة المعنى لما جاء على هذا الوجه.
وأما دليل السُّنة:
فحديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قال:
[إنما الأعْمالُ بالنِّيات، وإنما لِكُلِّ إمْرئٍ مَا نَوى] ووجه الدلالة: أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بيّن في هذا الحديث أن صحة الأعمال موقوفة على النية، والوضوء عمل، فلا يصح إلا بنية.
كذلك إستدلوا بما ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام:
[الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ] فوصف الطهور، (وهو الطهارة من الحدث بنوعيها الوضوء، والغسل) بكونه شطر الإيمان، والمراد به الصلاة،
لأن الله سمى الصلاة إيماناً كما في قوله سبحانه:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أي: صلاتكم التي توجهتم فيها إلى بيت المقدس.
فإذا ثبت بدليل السنة أنّ كُلاًّ من الوضوء، والغسل شطرَ الصّلاة؛ فإن الصّلاة بالإجماع تُشترط لها النِّية فلزمت النية في شطرها،
وهو الطُّهورُ أعني:
الوضوء، والغسل.
وأما دليلهم من العقل؛
فالقياس حيث قالوا:
تجب النِّية في الوضوء، والغسل كما تجب في التيمُّم؛ بجامع كون كل منهما طهارة تُسْتَباح بها الصلاة.
هذا حاصل ما استدل به الجمهور من دليل النّقل، والعقل.
أما الإمام أبو حنيفة -رحمة الله عليه-،
وأصحابه فدليلهم العقل حيث قالوا:
إن الوضوء، والغسل كلٌّ منهما عبادة معقولة المعنى، وهو وسيلة، وليس بمقصد، والوسائل لا تشترط لها النية إجماعاً، ولذلك قالوا يصح الوضوء بدون نية،
وقولهم وسيلة أي: أنه يتوصل به إلى فعل العبادة لا أنه عبادة بذاته فيكون حينئذ مثل ما لو ركب دابة ليصل إلى المسجد لم تجب عليه النية، ولم تلزمه كذا هنا.
والذي يترجح في نظري والعلم عند الله: هو القول باشتراط النية لصحة الوضوء، والغسل لِصِحَّة دلالة النقل، والعقل على ذلك، وما ذكروه غير مسلم، وقد بيّنا دلالة النقل على اعتبار الوضوء، والغسل عبادةً لا وسيلة معقولة المعنى والله أعلم.
(1) البينة، آية: 5.
*****************************
ثم هذه النية لها ضوابط:
أولاً:
أنه ينبغي أن تقع قبل البداءة بالعبادة، دون فاصل مؤثر، أو عند البداءة بها مصاحبة دون سبق من أول الفعل المفروض في أول الطهارة،
وذلك لقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (1) أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم والأمر بغسل الوجه لا يتأتى إلا بعد نيته، وتكون مُصاحبةً لأول مفروضٍ، أو واجب فإذا قام الإنسان من النوم تكون نيته عند غسله لكفيه فتكون النية عند إرادته لغسل الكفين، وإن كان في نهاره تلزمه النية عند غسله لوجهه فلو عزبت عنه قبل ذلك صحَّ وضوءه؛ لأنها تجب عند أول مفروض، ولكن بالنسبة لما قبل المفروض الأول لا يتحقق فيه الثواب كما قرره العلماء -رحمة الله عليهم- إلا بالنّية.
ثانيًا: النّية في الوضوء إما أن ينوي النية العامة، أو الخاصة؛
فالأول:
نيّته لرفع الحدث،
والثاني:
نيّته لاستباحة محظور على المحدث مثل: الصلاة، والطواف، ونحوهما، فإذا نوى رفع الحدث؛ فلا إشكال في جواز فعله لجميع ما تشترط لها الطهارة، دون تفصيل؛ لأن حدثه إرتفع فزال الحاظر عن الجميع.
وأما إذا نوى إستباحة المحظور؛ فإنه يختلف بحسب اختلافه، فإما أن يكون أعلى؛ كالصلاة المفروضة.
وإما أن يكون أدنى؛ كلمس المصحف، وعليه فإمّا أن ينوي الأعلى، ويندرج تحته الأدنى، أو ينوي الأدنى ولا يندرج تحته الأعلى، وإما أن ينوي المساوي، وفيه تفصيل.
فأما إذا نوى الأعلى فمثاله: الصلاة المفروضة فإنها أعلى من غيرها، وهو النافلة، وصلاة الجنائز، والطواف، ومس المصحف، وسجود التلاوة.
فإذا نواها (أي الفريضة) صح له أن يصلي جميع ما دونها، كراتبتها القبلية، والبعدية، وغيرها من النوافل، وهكذا الطواف، ولمس المصحف، وبقية ما تشترط له الطهارة.
وأما إذا نوى الأدنى: فإنه لا يجوز له أن يستبيح به ما هو أعلى مثل: أن ينويه لنافلة لم يصحّ أن يصلي به فرضاً.
وأما إذا نوى المساوي: فيصح في حال يكون فيها مساوياً في مطلق الوصف مثل الفريضة المقضِيّة فلو دخل وقت فريضة الظهر، وكان عند وضوئه قد نواها، ثم تذكّر أنه لم يصلّ الفجر صحَّ له أن يصلي بذلك الوضوء الفجر، والظهر، وهكذا الحال في النوافل.
واستدل من قال بهذا التفصيل بحديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين، والذي تقدمت الإشارة إليه وإلى دلالته على المسألة.
وقد أشار بعضهم إلى هذه الأحوال في النِّية بقوله:
ولْيَنْوِ رَفْعَ حَدَثٍ أَوْ مُفْتَرَضْ ... أَوْ إِسْتِبَاحةً لِممْنُوعٍ عَرَضْ وذهب آخرون إلى أنه إذا توضأ للمسنون، والمستحب، والمفروض فإنه لا فرق وتجزيه هذه النيّة عن الكلّ، لأن الحدث عندهم يرتفع بالطهارة، بِغضِّ النظر عن نوعية النية،
ويشهد لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
[لا يَقْبلُ الله صَلاةَ أَحدِكُم إِذَا أَحْدَثَ حَتّى يَتَوضأ] فإذا توضأ للمسنون، أو المستحب، ناسياً رفع الحدث؛ فإنه يُحكم بإرتفاع حدثه،
وهذا ما مشى عليه المصنف رحمه الله وذلك بقوله:
[فَإِنْ نَوى ما تُسَنُّ لَهُ الطهارةُ، أو تَجْدِيداً مَسْنُوناً؛ نَاسِياً رَفعَ حَدثِه؛ إِرْتَفَعَ، وإِنْ نَوى غُسْلاً مَسْنُوناً أَجْزَأَ عَنْ وَاجِبٍ]، والقول الأول مذهب المالكية، والشافعية، وهو الأقوى من حيث الدليل؛ الذي دلّ على إعتبار النيّة،
والقول الثاني الذي مشى عليه المصنف هو مذهب الحنابلة رحمهم الله، وأما الحنفية فلا إشكال عندهم، لأن النية ليست واجبة في الوضوء، والغسل، فلا فرق عندهم.
ومذهب القائلين بالتفصيل ألزم للأصل، وأقوى من حيث الدليل،
لأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
[لا يَقْبلُ الله صلاةَ أَحدِكُم إِذَا أَحْدَثَ حتّى يتوضّأ] إذا أخذ بظاهره قد يستدل به على إسقاط النية أيضاً، فإذاً لا وجه للأخذ بعمومه في نية الطهارة، وحديث النية وهو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقدّم عليه، في اعتبار النية في الطهارة، وكذلك مقدّم عليه في تعيين النية، وهي مسألتنا،
وقوله عليه الصلاة والسلام:
[وإِنما لِكلّ امرئٍ مَا نوى] دالّ على أن من نوى الأدنى لم يجز له أن يستبيح الأعلى على التفصيل الذي قدمناه، والله أعلم.
قوله رحمه الله: [وإن نوى غُسْلاً مسْنوناً أجزأ عن واجب]: وإن نوى غسلاً مسنوناً كغسل العيدين أجزأ عن واجب كالحدث وتقدم وجهه أن الحدث يرتفع بالمسنون، وهكذا المستحب بناء على وجود النية التي تصلح لرفع الحدث بغضِّ النّظر عن وصفها.
قوله رحمه الله: [وكَذا عَكْسُه]: يعني لو نوى الأعلى لاندرج الأدنى، وهذا صحيح قولاً واحداً عند العلماء -رحمة الله عليهم-، والخلاف إذا نوى الأدنى هل يرفع الحدث فيستبيح الأعلى، أو لا؟
قلنا الصحيح: أنه لا يستبيح.
وإن نوى الأعلى إِندرج تحته الأدنى، وصح له أن يصلي ما دونه كأن ينوي صلاة الظهر جاز له أن يوقع النوافل قبلها، وبعدها.
قوله رحمه الله:
[وإِنْ إِجْتَمعتْ أحداث تُوجِبُ وضوءاً، أو غُسْلاً؛ فَنَوى بطهارته أحدهما إرتفع سائرها]: معناه أن من أحدث أكثر من حدث أصغر أو أكبر إندرج بعضها تحت بعض، وأجزأت عنها طهارة واحدة، سواءً نوى رفعها كلها، أو نوى رفع بعضها،
فمثاله في الحدث الأصغر:
إذا بال، وتغوّط، وخرج منه الريح، فتوضأ ناوياً رفع حدث البول إرتفع الحدث عن الجميع، لأنه بنيته لرفع الحدث إرتفع حدثه في الكلّ.
وهكذا الحال في الطّهارة الكُبرى مثل: أن يحتلم، ثم يجامع أهله، أو العكس، فإنه إذا اغتسل ناوياً رفع حدث الجنابة إرتفع الحدث الأكبر كلّه، ولم يتبعض، وفي هذه المسألة وجد الأصل الموجب لارتفاع الحدث، فأجزأ عن الكل، واعتبرت للجميع النية الواحدة، من باب الحكم الوضعي.
قوله رحمه الله: [ويَجِبُ الإِتْيانُ بها عِنْد أَوّلِ وَاجباتِ الطهارةِ]: بعد أن بيّن لنا مضمون النية في الطهارة شرع -رحمه الله- في بيان موضع النية، ومكانها.
فقال رحمه الله: [ويجب الإتيان بها عند أوّل واجباتِ الطهارة]: يجب الإتيان بالنّية عند أوّلِ واجبات الطهارة،
فأوّل واجبات الوضوء إن كان مستيقظاً من النوم:
أن يغسل كفّيه ثلاثاً؛ فيجب عليه أن يأتي بالنية عند أول هذا الواجب.
وإن قلنا بوجوب المضمضة، والإستنشاق: فإنه في حالة ما إذا كان في غير الإستيقاظ من النوم تكون نيّته عند إرادته المضمضة، والإستنشاق، وإن قلنا بعدم وجوب المضمضة، والإستنشاق، فإن أول مفروض بالإجماع هو الوجه، فتكون نيته عند غسله للوجه، فإن سبقت النية هذا الواجب،
فلا يخلو سبقها:
إما أن يكون بالزمن اليسير، أو الكثير، فإن كان سبقها بفاصل يسير، فإنه لا يؤثر قياساً على الصلاة،
وسائر العبادات مثل:
أن ينوي رفع الحدث، ثم يحرك الإناء، أو يفتح الصنبور، ثم يشرع في طهارته، فهذا الفاصل بالزمن اليسير مغتفر.
وأما إن كان الفاصل بالزمن الكثير؛ فإنه يعتبر مؤثراً، مثل: أن ينوي الطهارة، ثم يتحدّث مع غيره ساعة، ثم يتوضأ، دون تجديدٍ للنِّية فإن هذا الفاصل موجب لعدم الإعتداد بنيته الأولى؛ لأن مُضِي هذا القدر من الزمان المؤثر يوجب إلغاء النّية؛ كالحال في الصلاة، والعبادات.
قوله رحمه الله: [وهو التَّسْمِيةُ]: المصنف إختار وجوبها، وبناء على القول بوجوب التسمية تكون النية عند التسمية وهناك قول في وجوب التسمية يفصّل بين نسيانها، وعدم نسيانها فإنْ نسيها، ونوى عند غسله لكفّيه صحَّ وضوءه على القول بأن النسيان يسقط المطالبة، والمؤاخذة كما سبق بيانه عند ذكر مسألة التسمية.

(1) المائدة، آية: 6.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 07-07-2020, 04:21 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (27)

صـــــ188 إلى صــ197

قوله رحمه الله: [وتُسَنُّ عنْدَ أوّلِ مَسْنوناتها]: إذاً للنية حالتان:
الحالة الأولى: أنها تجب عند أول واجب، ويختلف ذلك بحسب إختلاف العلماء، فإن قلت التسمية واجبة فعند التسمية، وإن قلنا إن أول الواجبات هو المضمضة، والإستنشاق تكون نيّته عند إرادة المضمضة والإستنشاق، وإن قلنا إن أول واجب هو غسل الوجه كانت نيته واجبة عند ابتداءه بغسل وجهه وهو الصحيح إلا في حال الإستيقاظ من النوم، فتكون نيته عند إرادة غسله لكفيه.
وأما الحالة الثانية فقد أشار إليها بهذه العبارة وهي:قوله رحمه الله: [وتُسنّ عِنْد أوّلِ مَسْنُوناتها إِنْ وُجِدَ قَبل واجبٍ]: أي أنّ النّية تُسنُّ عنْد أوّل مسنونات الطهارة إن وجد قبل واجب، ويتأتى هذا في غسل الكفين لغير المستيقظ من نومه؛ حيث يكون غسله لكفيه سنة، فتسن النية عند إبتدائه الغسل لهما، وهما في هذه الحالة قبل أول واجب، وهو غسل الوجه إن قلنا بعدم وجوب التسمية، وأما إذا قلنا بوجوب التسمية عند الذكر، وسقوطها عند النسيان، فنسيها عند إبتداء وضوئه في هذه الحالة يكون المسنون قبل الواجب وهو غسل الكفين، لأنه في غير حالة الإستيقاظ من النوم فتسن النية حينئذ عند أول مسنون وهو غسل الكفين لأنه وُجِدَ قبل الواجب.
قوله رحمه الله:
[واستصحاب ذكرها في جميعها]: الإستصحاب إستفعال من صحب الشيء إذا لازمه، وكان معه،
ومنه:
الصاحب،
والمراد باستصحاب ذكرها أي:
أن يستصحب ذكر النية فالضمير عائد إلى النية،
وقوله:
[في جميعها] أي: جميع الطهارة صغرى كانت، أو كبرى، وعليه فإنه يلزمه إستصحاب قصد رفع الحدث من بداية الوضوء إلى نهايته، وهكذا الحال في الغسل، وهذا هو أحد الوجهين عند العلماء رحمهم الله.
وهناك وجه ثان أن العبادة التي لا يقع فاصل بينها بأجنبي يجزيء أن تكون النية في أولها، ولا يلزمه الإستصحاب، ولكن ينبغي أن لا يقع منه إلغاء لها حتى ينتهي من فعلها.
وهذا الوجه هو الأقوى، وعليه فالمهم أن يستحضر النية في أول الوضوء، ولا ينقضها بشيء حتى ينتهى منه، وهكذا الحال في غُسله.
قوله رحمه الله:
[وصِفَةُ الوضُوءِ]: بعد أن بين لنا -رحمه الله- فرائض الوضوء وشرط صحته من النية شرع في بيان صفة الوضوء،
وللفقهاء في طريقة بيانها مسلكان:
بعضهم يبدأ بصفة الوضوء الكاملة، ثم يذكر بعدها صفة الإجزاء المعبَّر عنها بفرائض الوضوء، وشرائط صحته، وممن مشى على هذا المسلك الإمام ابن قدامة -رحمة الله عليه- في كتابه العمدة حيث قدّم الصفة الكاملة، ثم أتبعها ببيان صفة الإجزاء،
وهذا المسلك أنسب من وجهين:
الأول: مراعاة الأدب، وذلك بالإبتداء بذكر هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكامل في عبادة الوضوء.
والثاني:
أن التكرار فيه محمود بخلاف المسلك الأول.
قوله رحمه الله: [وصِفَةُ الوُضُوءِ]: صفة الشيء: حِلْيته، وما يتميز به، ولما كان الوضوء قد أمر الشرع فيه بغسل، ومسح أعضاء مخصوصة؛
فإن له صفتين:

الأولى:
صفة الكمال.
والثانية: صفة الإجزاء.
أما صفة الكمال:
فهي الصفة التي توضّأ بها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حال الإسباغ كما في الصحيحين من حديثي عثمان، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما، وهي أكمل ما يكون عليه إيقاع هذه العبادة؛ لأن المكلف يحصل بها أعلى درجاتها،
وأما صفة الإجزاء:
فهي الصفة التي إذا فعلها أجزأه وضوءه؛ كأن يكون الماء عنده قليل، ويخشى أنه لو فعل المسنونات لا يستطيع غسل المفروضات؛ فيقتصر على صفة الإجزاء.
هذا وجه تقسيم الوضوء إلى صفة إجزاء، وكمال، والسبب في هذا التقسيم أنه يستفاد منه في الحكم بصحة الوضوء، وعدم صحته في حال ترك شيءٍ منه، فإن كان المتروك فرضاً حكمنا بعدم صحته، وإن كان مسنوناً حكمنا بالصحة، وعدم تأثير تركه؛ إلا في نقصان الأجر.
قوله رحمه الله:
[أَنْ يَنْوِي، ثُمَّ يُسَمِّيَ، ويَغْسِلَ كفيهِ ثَلاثاً]: تقدم الكلام على النّية، وعلى التَّسْمِية،
وقوله:
[ويغسلَ كفّيهِ ثَلاثاً] الأصل فيه ما ثبت في الصحيحين عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من حديث عثمان، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما، وكذلك في حديث علي -رضي الله عنه- في السنن أنه -عليه الصلاة والسلام- إفتتح وضوءه بغسل كفِّيه، ولذلك يعتبر غسل الكفّين في الوضوء أول المسنونات إذا لم يكن الإنسان مستيقظاً من النوم لأنه يكون حينئذ يكون واجباً على أصحِّ قولي العلماء رحمهم الله في حكمه وقد تقدم معنا بيان حقيقة الكفين، وأحوالهما، وحكمهما في أول الوضوء.
قوله رحمه الله:
[ثمّ يتمضْمَضَ، ويَسْتنشِقَ]: تقدم معنا بيان حقيقة المضمضة، والإستنشاق، وخلاف العلماء رحمهم الله في حكمهما.
قوله رحمه الله: [ويستنشق]: الإستنشاق: استفعال من النَّشق، وأصل النَّشق جَذْبُ الشيءِ إلى الخياشيم بالنَّفَسِ، ومنه سمي النَّشوق نشوقاً؛ لأنه يُستعط، ويُجذب بالنَّفَسِ، والإستنشاق ظاهره مبني على ما قدمنا، وأما إخراج الماء المستنشق فيسمى إستنثاراً، وثبت في الصحيح أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قال:
[إِذَا توضّأَ أَحدُكُمْ فَليسْتَنْشِقْ بمِنْخَريْهِ] وظاهره ليس فيه تعرّض للإستنثار،
ولذلك قال بعض العلماء:
إذا استنشق يعني جذب الماء تحقق الإستنشاق، ولا يلزمه الاستنثار يعني الطرّح.
والصحيح أن تعبير الشرع بالإستنشاق متضمن لطلب الإستنثار؛ لأن الإنسان إذا استنشق لا يصبر على بقاء الماء حتى ينثره، وفائدة إِشتراط النّثر أن الإنسان إذا عصر أنفه دون أن ينثر لم يكن محققاً للاستنشاق على أكمل صوره،
ولذلك لا بد من النَّثْرِ كما في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:
[إِذَا تَوضّأ أحدُكُمْ فَلْيَجْعلْ على أَنفِهِ ماءً]، هذا الإستنشاق،
ثم قال:
[ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ] أي ليطرح لأن النَّثْرَ في اللغة: هو الطرح،
فقوله:
[لِيَنْتَثرْ] أي: لينثر الماءَ الذي جَذبَه بِنَفَسِه إلى خياشيمه، ولذلك لا بد من النَّثر لأن المقصود من إدخال الماء تطهير هذا الموضع، فإذا كان يعصره دون أن يكون منه نثر لم يتحقق به كمال التطهير لهذا الموضع.
قال رحمه الله: [ويَغسلَ وجْهَه منْ مَنابِتِ شَعرِ الرَّأسِ إلى ما انحدَرَ مِنَ اللّحْيَينِ، والذِّقْنِ طُوُلاً]: قوله [ويَغْسلَ وجْهَهَ] الوجه: تقدم أنه من المواجهة، وبيّنا كلام العلماء في الوجه، ودليل وجوب غسله والآن نبيّنُ حدَّ الوجْهِ.
أما طولاً فقالوا: إنه من منابت الشعر الذي يكون في ناصية الإنسان إلى ما انحدر من اللّحييْنِ، وهما الفكّان السُّفليان الأيمن منهما، والأيسر إلى ما انحدر منهما،
والسبب في تعبير المصنف بقوله: [إلى ما إنحدر]؛ لأنه لا يمكن إستيعاب الوجه كاملاً إلا بأخذ جزء يسير مما جاوره حتى يستوعب المحل المفروض غسله، فما انحدر من اللّحْيين هو الغاية في الغسل، والتي بها يتمكن من إستيعاب جميع الوجه،
وقوله:
[مِنْ مَنابتِ شَعَرِ الرَّأسِ] المراد به المكان بغضِّ النَّظر عن كون الشعر موجوداً، أو غير موجود كما في الأصلع، فالعبرة بمكان نبات الشّعر من الناصية، هذا كلّه في حدِّ الوجه طولاً،
أما حدُّه عرضاً فقد بيّنه بقوله رحمه الله:
[ومِنَ الأُذنِ إلى الأُذنِ عَرْضاً] من الأُذنِ إلى الأُذنِ، وهذا الحدّ يُدْخل البياض الذي بين الأذن، وشعر اللحية في العارضتين بالنسبة لمن كانت له لحية.
قوله رحمه الله: [وما فِيه مِنْ شَعَرٍ خَفيفٍ]: أي في الوجه فالضمير عائد إليه، والمراد أنه يجب عليه غسل الشعر الخفيف الموجود في الوجه؛ لأنّ البشرة تُرى من تحته، وإذا كانت البشرة تُرى من تحته فإنه يجب عليه غسل الشعر، وغسل ما تحته؛ لأن المواجهة تتحقق بالشعر، وبما تحت الشعر من البشرة، فيجب غسل الجميع.
قال بعض الفضلاء في هذه المسألة:خَلّلْ أَصابعَ اليدينِ وشَعَرْ ... وَجْهٍ إِذا مِنْ تَحْتِه الجِلْدُ ظَهرْ
فقال رحمه الله:
(إذا من تحته الجلد ظهر)،
والمصنف رحمه الله قال:
[إِذَا كانَ الشعرُ خَفِيفاً] بمعنى أنك ترى البشرة من تحته؛ لأنك إذا رأيت البشرة من تحت الشعر، فإنه حينئذ تكون المواجهة قد حصلت بالشّعر، وبالبشرة فهذا هو وجه المطالبة بغسل كل منهما.
وقوله رحمه الله: [والظَّاهِر الكَثيف مَعَ مَا اسْتَرْسَل مِنْه] أي: ويجب عليه غسل ظاهر الشعر الكثيف وما استرسل منه،
فأصبحت اللّحية على حالتين:

الأولى: أن تكون خفيفة ترى البشرة من تحتها فالحكم أنه يجب غسل الإثنين؛ لأن المواجهة حصلت بهما، والله أمر بغسل الوجه فصدق على الإثنين؛ فلزم غسلهما معاً، لتحصيل المأمور به شرعاً.
والثانية: أن تكون كثيفة بمعنى أنها تحجب البشرة، فلا تُّرى مِنْ تحتها، فحينئذ يجب غسل الظاهر من اللحية فقط، لأنه هو الذي تحصل به المواجهة، وأما باطنها، وظاهر البشرة فلا مكان لهما في المواجهة لستر الشعر الكثيف لهما، فنزّل منزلَتهما، وأغنى غسل ظاهر اللحية الكثيفة عن غسل باطنها، وهذا هو فقه المسألة، وما استرسل من اللحية تابع لها؛ لأن المواجهة حصلت بالكلّ أعنى ظاهر اللحية، وما استرسل فوجب عليه غسلهما.
قوله رحمه الله: [ثمّ يديه إِلى المِرْفَقين]: ثم يغسل يديه مع المرفقين، وقد تقدم بيان حدِّ اليدين، ومعنى المرفقين، ودخولهما في غسل اليدين، وهنا ننبه على خطأ شائع عند كثير من الناس من العامة، فإنهم إذا توضؤوا يغسل الواحد منهم الكفين، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه، فإذا غسل يديه بدأ من آخر الكف فيغسل ساعده، ويغفل عن الكفّين، من فعل ذلك لا يصح وضوءه، وتلزمه إعادة الوضوء،
والصلاة لأن غسلهما أول الوضوء لا يجزئ عن غسلهما المفروض من وجهين:
الأول: أن المسنون لا يجزئ عن الفرض، فغسلهما في غير حال الإستيقاظ الأصل إستحبابه، فلا يجزئ عن الفرض.
الثاني: ولو وقع واجباً كما في حال غسلهما عند الإستيقاظ من النوم؛ فإنه لا يجزئ؛ لأنه سابق للوجه فيفوت فرض الترتيب، حيث لا يصح غسل اليدين، ولا بعضهما قبل غسل الوجه كما بيّناه في شرط الترتيب، وعليه فلا يجزيه بكل حال.
وكثير يقع في هذا، وينبغي تنبيههم.
قوله رحمه الله:
[ثُم يمسَحُ كل رأسه مَعَ الأذنيْنِ مرةً واحدةً]: شرع -رحمه الله- في بيانه للفرض الذي يلي غسل اليدين، وهو مسح الرأس،
فقال:
[ثم يمسحُ رأسَه كُلّه] وهذا على الصحيح، وقد تقدم بيان دليل وجوب مسح الرأس كله، وأنه هو الراجح من أقوال العلماء رحمهم الله،
وقوله:
[مَع الأذنين] أي: أن الأذنين تأخذان حكم الرأس، فيجب مسحهما؛
لقوله عليه الصلاة والسلام:
[الأذنَان مِنَ الرأسِ] وقد تقدم معنا بيان ذلك، وبيان صفة مسحهما مع الرأس،
وقوله رحمه الله:
[مرةً واحدةً] أي: أنه لا يثلث مسح الرأس حتى، ولو أسبغ الوضوء، فإذا غسل جميع الأعضاء ثلاثاً؛ فإن الرأس لا يمسحه إلا مرة واحدة، وهذا هو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله، وذهب الشافعية رحمهم الله إلى القول بسنية التثليث في مسح الرأس، وإستدل الجمهور على مذهبهم بدليل النقل، والعقل،
أما دليلهم من النقل:
فهو السنة وذلك في أحاديث منها: حديث عثمان، وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما في صفة وضوء النبيِّ صلّى الله عليه، وسلم حيث بيَّنا أنه غسلَ جميع أعضاء الوضوء ثلاثاً، ولم يذكرا ذلك في مسح الرأس، فلم يفعله عثمان رضي الله عنه في وصفه لوضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وقال عبد الله رضي الله عنه:
[فأقبلَ بهما، وأدبَر] ولم يذكر أنه ثلث المسح.
وقد جاء التصريح بإقتصاره عليه الصلاة، والسلام على المرة الواحدة حتى في حال إسباغه،
كما في حديث علي رضي الله عنه حيث إنه وصف وضوء النبيِّ صلّى الله عليه وسلم:
[وأنه توضَّأَ فغسلَ كفّيه ثم مضمضَ ثلاثاً، واسْتَنْشَق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه مرةً ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثمّ قال: أحببتُ أنْ أُريَكُمْ كيفَ كان طُهُور رَسولِ الله صلّى الله عليه وسلم]. رواه الترمذي وصححه، وعن أنس رضي الله عنه مثله.
وفي حديث الربيع رضي الله عنها أنها رأتْ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتوضّأ فقالت: [مَسَحَ برأسِه ما أَقْبل منه، وما أَدْبر، وصَدْغَيه، وأُذُنيه مرةً واحدةً] رواه الترمذي، وصحّحه.
وأما دليلهم من العقل فقالوا: إِن تكرار المسح يجعل الممسوح مغسولاً، ومقصود الشرع في هذا العضو هو المسح، وليس الغسل.
وإستدل الشافعية رحمهم الله بحديث علي رضي الله عنه عند الدارقطني:
[أنه مَسحَ برَأسِه، وأُذنَيْهِ ثلاثاً] وسنده ضعيف.
وعليه فإنه يترجح القول بأن المسح لا يكون إلا مرةً واحدةً حتى ولو كان الوضوء ثلاثاً؛ لصحّة دلالة النقل، والعقل على ذلك، ولأنّ دليل القول بالتّثليث لم يثبت.
فائدة: إستدل بعضهم بحديث: [توضأَ ثلاثاً، ثلاثاً] على أنه عام فيشمل مسح الرأس،
وجوابه:
أنه محمول على الأغلب، لأن أحاديث الجمهور مفصّلة بيّنت أن التثليث كان في أغلب أعضاء الوضوء لا في كلّها فتُقدم على هذا الحديث الذي وصف وصفاً غالبياً.
قوله رحمه الله:
[ثمّ يغسلُ رجْلَيْه مع الكَعْبينِ]: ثم يغسل رجليه، وهذا هو الفرض الأخير غسل الرجلين، أو مسحهما إذا كان لابساً للخفين، أو الجوربين،
والكعبان يجب غسلهما مع القدم لقوله تعالى:
{وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} وقد تقدم بيان دليل وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، وهل الكعبان يجب غسلهما، أو لا؟ وذكرنا الأقوال، والأدلة، والراجح في هذه المسألة تبعاً للخلاف في المرفقين مع اليدين بما يغني عن الإعادة.
قوله رحمه الله:
[ويَغسِلُ الأَقْطعُ بَقيَّةَ المفروضِ]: لأنّ الله أمره بغسل الجميع، فإذا سقط عنه البعض لمكان العذر فإن سقوط البعض لا يقتضي سقوط الكل؛ فالخطاب متوجه عليه أن يغسل يده كاملة فإذا قُطع بعضُها، وبَقي ساعِده مثلاً فإن السَّاعد داخل في المأمور، فيجب عليه غسل ما بقي من الساعد بعد القطع.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 07-07-2020, 04:22 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (28)

صـــــ198 إلى صــ207

قوله رحمه الله:
[فإِن قُطِعَ منَ المِفْصَلِ غَسلَ رَأسَ العَضُدِ مِنْه]: هذا مبني على ما ذكرناه من كون الكعبين، والمرفقين داخلين في الغسل ولا يمكن إستيعابهما إلا بالشروع في العضد كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم، فصار طرف العضد داخلاً من هذا الوجه، فإذا بقي بعد قطع اليد شيء منه وجب غسله، وفيه نظر، حاصله أن غسل العضد إن كان للإستيعاب لم يلزمه غسله عند قطع ما قبله، وإن كان غسله مفروضاً أصلاً صحّ غسله، فعلى الأول يكون تابعاً، وعلى الثاني يكون أصلاً، فيسقط في الأول لسقوط أصله دون الثاني حيث إنه أصل مأمور بغسله.
قوله رحمه الله:
[ثمّ يرفع نظره إلى السماء ويقول ما ورد]: رفع النظر إلى السماء بعد الفراغ من الوضوء لم يصح فيه شيء عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحيح أنه يقتصر على القول من ذكر الشهادة،
فيقول:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله، وقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أن من قالها عند تمام وضوءه، فُتِحَت له أبوابُ الجنّة الثمانيةِ يدخل من أيها شاء -نسأل الله العظيم أن يجعلنا، وإياكم ذلك الرجل-.
قوله رحمه الله:
[وتُباحُ مَعُونته، وتَنْشِيفُ أَعْضَائِه]: الإباحة: إستواء طرفي الحكم أي: لا يؤمر به ولا ينهى عنه،
وقوله:
[تُباحُ مَعونتُه] أي: معونة المتوضئ، كما ثبت في الأحاديث الصّحيحة من صبِّ الصّحابة رضي الله عنهم لوضوء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث أنس، وحذيفة، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم في الصحيح، فإنها كلّها دلّت على مشروعية خدمة الأحرار بعضهم لبعض، وخاصة إذا كان من أهل الفضل، وكبار السن، والوالدين، فإنّ هؤلاء خدمتهم عبادة، وقربة لله -جل وعلا-، وتجب عند وجود الحاجة، كالمشلول، ونحوه.وإذا كان صغير السن، وأردت أن تخدمه فلا حرج إذا قُصد بذلك وجه الله لا رياءً، ولا سمعةً لكن الأفضل لطالب العلم ألا يمكّنَ الناس من خدمته في بداية طلبه للعلم، أو في صغر سنه لما في ذلك من الفتنة، والإنسان في مقتبل عمره لا يأمن الفتنة بخلاف كبار السن، فإن الخشوع فيهم أكثر، وقربهم من الموت يُبْعدهم من قصد إهانة الناس غالباً، مع ما لهم من حق كبر السن، ولذلك يستحب بعض العلماء أن الإنسان إذا كان صغير السن ولو كان من العلماء أنه يتورع عن خدمة الناس له حتى يكون ذلك أبلغ في إخلاصه، وفي طاعته لله -جل وعلا-، أُثر عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-
أنه قال:
(إن صحبت رفقة في سفر؛ فلا يعلموا بصيامك؛
إنهم إن علموا بصيامك قالوا:
أنزلوا الصائم، أكرموا الصائم احملوا الصائم حتى يذهب أجرك)
أي: لا يزالوا يكرمونك حتى يذهب أجرك بما يكون منهم من إكرام، ولذلك ينبغي للإنسان أن يتورع، وقد عهدنا علماء أجلاء -رحمة الله عليهم- بلغوا من العلم شأواً عظيماً كانوا يتورعون عن خدمة الناس لهم خاصةً في هذه الأزمنة التي قل أن يُوجد فيها المُخلِص وكذلك إن وجد المُخلص قد يوجد المُغالي، وكثير من البدع، والأهواء، والغلو في الصالحين نشأ بسبب الخدمة، ولذلك لا ينبغي أن يُتخذَ الدين طريقاً لإهانة عباد الله -جل وعلا- فإن الله أخرج الناس بالإسلام من العبودية لغيره إلى العبودية له -سبحانه وتعالى-، وقد تكلم الإمام ابن القيم -رحمة الله عليه- كلاما نفيسا في الفوائد،
وقال:
إن كثيراً من الفساق يغترون بصحبة الصالحين حتى يكونوا جريئين على المعاصي بسبب فضلهم على الصالح بخدمته، ولذلك تجده يخدمه فيغتر بصحبته، فيجرأ على حدود الله، ولا يصلح من حاله، وتصبح صحبته للعالم صحبة شكلية للخدمة، لكن أن ينتفع بعلمه، ويستفيد من ورعه وتقواه لا تجد لذلك أثراً حتى -والعياذ بالله- يفسد عليه دينه.والمنبغي أن يحمل الإنسان نفسه على أتم الوجوه، وأقربها إخلاصاً لله -جل وعلا-، خرج عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-
من المسجد فخرج معه أصحابه يشيّعوه قال:
مالكم؟ قالوا: رأيناك تسير وحدك فأردنا أن نشيّعك، قال: (إليكم عنّي إنها فتنة للتابع، والمتبوع) هذا عبد الله بن مسعود في عصر الخيرية،
وفي القرون المفضلة يقول:
إنها فتنة للتابع أي: أن الإنسان إذا سار مع العالم، دون أن يسأله، ودون أن يستفيد من علمه ذلك فتنة للتابع بالإغترار بالصحبة، ورؤية الناس له مع أهل الفضل،
وأيضاً فتنة للمتبوع أي:
أن العالم ربما دخله الغرور برؤية من حوله ممن يشيّعه، ويسير معه.
ولذلك الأسلم والأكمل أن الإنسان يتورع وإذا نظر الله إليك قد حباك العلم والفضل لا تهين عباده ولا تأخذ منهم أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً كَمُلَ أجرك عنده -جل وعلا-،
ولذلك قال تعالى:
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} وقال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (1) لكن لا يعني هذا التحريم،
والمنع ولكن نقول:
أن الإنسان إذا خشي الفتنة على نفسه، أو على من معه، فإنه ينبغي عليه أن يتورّع، وهذه المسألة أحبُّ أن أُنبه عليها؛ لأنه حصل فيها كثير من الدَخَل، فلقد رأينا كثيراً من طلاب العلم يصحبون العلماء، ويكون في بداية صحبته للعالم كأحسن ما أنت رآءٍ أدباً، وخلقاً، واستفادة من العالم، وكثرة سؤال، ومدارسة له، ولكن ما إن يدخل إلى مقام خدمته، والقيام على شأنه، ويداخله في أموره الخاصة إلا وتغير حاله فيخرج عن حدِّ الأدب، ولربما يأتي وقت، وقد رأينا ذلك بأعيننا في بعض ضعاف النّفوس في حال صحبتهم لمشائخنا يأتي وقت يجرؤ فيه على أن يُفتي فيه بحضرة العالم، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من المزالق الخطيرة إذا صحبت أهل العلم لا حرج أن تخدمهم، وأنت تريد وجه الله؛ ولكن اعلم أن صحبة العلماء للعلم، والفائدة، وليست للمظاهر، والأمور التي قد تكون فتنة على الإنسان في دينه، ودنياه، وآخرته.
قال رحمه الله: [تُباحُ مَعُونتُه]: أي: يجوز أن يعاونه الغير.
قوله رحمه الله: [وتَنْشيفُ أَعضائه]: التنشيف: هو التجفيف أي: يباح التنشيف، ويجوز، ولكن الأفضل أن لا ينشف أعضاء الوضوء لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
أنه قال:
[مَا مِنْ مُسْلم يُقرِّبُ وضُوءَه فيُمضمِضَ، ويَسْتَنْشق، ويَغسِل وجْهَه إلا خَرجتْ كُلُّ خَطيئةٍ نَظرتْ إِليها عَيْناهُ مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخرِ قَطْرِ الماءِ] فقوله: [مَع الماءِ، أوْ مع آخِرِ قَطْرِ المَاءِ]، وكذلك قال في اليدين: [حتى تَخْرجَ مِنْ تَحتِ أَظْفارِ أَصابِعه مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماء] فقد دلّ على فضيلة عدم تنشيف الأعضاء، وترك الماء يتقاطر حتى يكون أكثر طهارة من الذنوب، والخطايا.
وكذلك ثبتت السُّنة بتأكيد هذا المعنى المستنبط في الوضوء، فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما اغتسل،
وجاءته أمّ المؤمنين بمنديل قالت رضي الله عنها:
[فلم يُرِده، وجعل يَنْفضُ الماءَ بيديْه].
ولهذا استحَبّ طائفةٌ من العلماء أنه يُبقي الأعضاء مبلولة، حتى يكون ذلك أدعى لخروج خطاياه، مع الماء أو مع آخر قطر الماء على ظاهر الحديث.
[باب المسح على الخفين]

قال رحمه الله:
[باب المسح على الخفين]: تقدم معنا في مباحث الوضوء أن المسح هو: إمرار اليد على الشيء تقول: مسحت الرأس إذا أمررت يدك عليه،
والمراد به هنا:
(إمرارُ اليدِ مبلولةً على الخُفّين، وما في حكمهما)،
والخفان:
مثنّى خُف، وهو النّعل من الجلد، أو الأدم الذي يكون للقدم، والأصل فيه أن يكون ساتراً لموضع الفرض، وذلك من أصابع الرجلين إلى الكعبين، وهما داخلان، كأنه يقول رحمه الله في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة برُخْصةِ المسح على الخفين.
أما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله فقد تكلم المصنف -رحمه الله- على صفة الوضوء الشرعية فلما فرغ من بيانها وَذِكْرِ المواضع التي أمر الله -عز وجل- بغسلها، ومسحها في الوضوء ناسب أن يذكر ما يتعلق بآخر عضو من أعضاء الوضوء، وهما الرجلان حيث رخّص الله -جل وعلا- بسنة رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يمسح المكلف على ساتر مخصوص لهما، فناسب بعد الفراغ من باب الوضوء أن يذكر باب المسح على الخفين لأنه متعلق بآخر فرض من فرائض الوضوء وهو غسل الرجلين، والمسح على الخفين رخصة من رخص الشرع، وهذه الرُّخصة ثبتت مشروعيتها بالأحاديث الصحيحة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى بلغت مبلغ التواتر، قال الإمام أحمد -رحمه الله-: [فيه " أي: في المسح على الخُفين " أربعون حديثاً عن أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مرفوعة]، ومثله عن الحافظ إبن عبد البر رحمه الله،
وقال الحسن رحمه الله:
[حدّثني سبعونَ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّه مسحَ على الخُفّينِ].
ولذلك قال بعض العلماء عن أحاديث المسح على الخفين:
إنها بلغت سبعين حديثاً،
وقد أشار إلى ذلك صاحب الطلعة رحمه الله بقوله:
ثُمّ مِنَ المشْهُورِ ما تَواتَرا ... وهْوَ ما يرْويهِ جَمعٌ حُظِراكَذِبُهم عُرْفاً كَمسْح الخفِّ ... رفعُ اليَديْنِ عَادِمٌ للخُلْفِ وقَدْ روى حَديثَهُ مَنْ كَتبا ... أَكثُر مِنْ سِتّينَ مِمّنْ صَحِباأي أكثر من سِتّين من أصحاب النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رووا هاتين السنُتين عن المصطفى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
الأولى:
رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام.
والثانية: المسح على الخفين،
والأحاديث التي وردت في المسح على الخفين منها:
ما هو قولي،
ومنها:
ما هو فعلي، ولذلك لا إشكال في مشروعيته، وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- عندهم خلاف في الصدر الأول وقع من بعض الصحابة رضي الله عنهم، ثم إنتهى بعد بلوغ السنة لهم.
قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: [ليس في المسح على الخُفّين عن الصحابة إختلاف لأن كل من رُوي عنه منهم إنكاره، فقد روي عنه إثباته]، ولذلك اتفقت الكلمة على مشروعية هذه الرخصة وأثر عن بعض السلف من العلماء أنه خصّها بالسفر لكنّه قال بأصلها، وهو إحدى الروايات الثلاث عن الإمام مالك -رحمة الله عليه- وسُنبين أنّ الصحيح أنها رخصة لا تختص بالسفر لحديث حذيفة رضي الله عنه في إثباتها، وفعلها في الحضر، وهو ثابت في صحيح مسلم أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالَ عند سُباطةِ قومٍ قال:[فَصَببْتُ عليه الوضوء، فتوضّأ، ومسح على خُفّيه] وذلك في الحضر فالمسح على الخفين ثابت، وثبوته معتبر عند السلف، ومن بعدهم حتى كان بعض العلماء يدخل في عقيدة أهل السنة، والجماعة القول بمشروعية المسح على الخفين مبالغة في الرد على أهل البدع، والأهواء الذين لا يقولون بمشروعيته، والسبب في ذلك أن ثبوته ثبت بالتواتر، فأصبح من الأمور التي ثبتت مشروعيتها بدليل القطع، وما ثبت مشروعية بدليل القطع، وأنكره من اعتقد ثبوته بالقطع الذي لا شك فيه فقد كفر -والعياذ بالله-؛ لأنه يكذب الشريعة، وكل قطعي ثابت في الشريعة في الكتاب، أو السُّنة فإن إنكاره لمن اعتبر قطعيته، وثبوته يعتبر إنكاراً، وتكذيباً للشرع فيكفر بذلك كما هو مقرّر في العقيدة.
وهذا المسح رخصة على سبيل التخيير، لا إلزام فيها.
قال رحمه الله: [باب المسح على الخفين]: أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة بالمسح على الخفين،
ومنها:
أولاً: مشروعيته ببيان الدليل الشرعي على ثبوته.
ثانياً: هل مشروعيته على سبيل اللزوم، أو لا؟
ثالثاً:
ما هي الشروط المعتبرة في الخفين الممسوح عليهما.
رابعاً:
ما هي صفة المسح هل هي لأعلى الخفّ، وأسفله، أو للأعلى، دون الأسفل، أو للأسفل، دون الأعلى؟
خامساً: هل المسح على الخفين مؤقت؟ وإذا كان كذلك فما هي المدة المؤقتة فيه؟ إلى غير ذلك من المسائل المتعلقة بالمسح على الخفين، ثم من عادة الفقهاء -رحمة الله عليهم- أنهم يعتنون بذكر حكم النظير مع نظيره فيدخلون المسح على العمامة إذا قالوا بمشروعيتها في باب المسح على الخفين، فيذكرون أحكام المسح، ويُتْبعونها بأحكام المسح على الجبائر، والعصائب، وقد يُتْبعونها كذلك بالمسح على الخمر بالنسبة للنساء على القول بمشروعيته، وكلّ ذلك سيبينه المصنف رحمة الله عليه في هذا الباب.
قال رحمه الله:
[يَجُوزُ يوماً، ولَيْلَة لُمقيمٍ]: يجوز أي: المسح على الخفين،
ولما قال:
يجوز فهمنا منه أنه مشروع على سبيل الإباحة، والتخيير،
فلا إلزام فيه للمكلف أي:
أنه لا يجب على الإنسان أن يمسح على الخفين، وإنما ذلك مباح له، وجائز، فإن ترتبت مصالح من قصد إحياء السُّنة، ودلالة الناس عليها؛ فإنه يثاب ويعتبر مندوباً في حقه، وقد يصل إلى الوجوب إذا توقف بيان هذه السنة على تطبيقها، وفعلها.
قال رحمه الله:
[يَجوزُ يوماً، وليلةً لمُقيم]: قوله: [لمقيم] الإقامة: ضد السفر، وتتحقق الإقامة حقيقة إذا كان الإنسان في موضعه الذي هو نازل فيه سواء كان في بادية، أو حاضرة، وتتحقق الإقامة -أيضاً- بالحكم وهي: الإقامة الحكمية كأن يكون الإنسان مسافراً، ثم نوى أن يمكث في بلد أربعة أيام، فأكثر غير يومي الدخول، والخروج.

وفي هذه الجملة دليل على مشروعية المسح على الخفين للمقيم،
فيصبح القول بجوازه عاماً أي:
شاملاً للسفر، والحضر.
وللعلماء قولان في هذه المسألة:
منهم من يقول: المسح مختص بالسفر، وهو إحدى الروايات عن الإمام مالك -رحمة الله عليه-؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مسح في السفر، والسفر يناسبه التخفيف، وذلك أن حديث المغيرة رضي الله عنه في إثبات المسح كان في سفره -عليه الصلاة والسلام-
لغزوة تبوك فقال:
أصحاب هذا القول إنه يختص بالسفر.
وقال الجماهير: إن المسح لا يختص بالسفر، بل يشمل السفر، والحضر؛ لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
قال كما في صحيح مسلم من حديث علي:
[يَمسحُ المُسافرُ ثَلاَثة أيامٍ، والمقيمُ يَوماً، وليلةً] فدلّ على أنه مشروع للمسافر، وللمقيم، وهي دلالة من السُّنة القولية،
كذلك دلت السُّنة الفعلية على مشروعية المسح في الحضر كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما:
إن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أتى سُبَاطَة قَومٍ فَبالَ قَائِماً، ثم قال لي: [اُدْنُ]، فدنوتُ حتى كنت عند عقبيه،
قال:
فلما فرغ صببت عليه وضوءه حتى قال: [ثُمّ مَسحَ علَى خُفّيهِ] وهذا في الحضر، فدلّ على مشروعية المسح في الحضر كما هو مشروع في السفر.
(1) ص, آية: 86.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 07-07-2020, 04:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (29)

صـــــ207 إلى صــ216


وفي حديث صفوان بن عسال المرادي -رضي الله عنه- في السنن قال: [أَمَرَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ لا ننزِعَ خِفَافنا ثلاثةَ أيام بِلَيالِيهنَّ للمُسَافِر، ويوماً وليلةً للمُقِيم] فأثبت مشروعية المسح حضراً، وسفراً.
وبناءً على ذلك فإنه يترجح قول الجماهير بأن المسح يشرع حضراً، وسفراً، وعلى هذا فلا تتقيد رخصته بالسفر كما ذكر من يقول إنه متقيّد بالسفر؛ لأن ورود المسح عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حديث المغيرة رضي الله عنه في السفر لا يقتضي تخصيص الحكم بالسفر لوجود الحكم نفسه في الحضر بدليل السنة القولية والفعلية كما تقدم.
قوله رحمه الله: [ولِمسَافرٍ ثَلاثةَ بِلَيالِيهَا]: أي: أنّ المسح على الخفين مؤقت للمسافر، كما هو مؤقت للمقيم، وتعرف هذه المسألة بمسألة توقيت المسح على الخفين،
وذلك على قولين:
فذهب الجمهور رحمهم الله من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية إلى أن المسح على الخفين مؤقت ثلاثة أيام للمسافر، ويوماً، وليلة للمقيم، وحجتهم ما سبق من حديث علي رضي الله عنه في صحيح مسلم، وحديث صفوان بن عسّال المُرادي رضي الله عنه في السنن،
وقد تقدم ذكرهما في المسألة السابقة قالوا:
إنهما نصّا على أنّ المسح مؤقت بيوم، وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر.
وأما بالنسبة للقول الثاني فقال: المسح على الخفين غير مؤقت، وهذا هو مذهب المالكية -رحمة الله عليهم-، والليث، وهو مروي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.وقد احتج المالكية على عدم التأقيت بحديث أُبيِّ بن عمارة أنه سألَ النبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
عن المسح على الخفين فقال:
يا رسول الله أمسح على الخفين يوماً؟ قال: " نَعمْ " قال: " ويَوْمينِ "؟ قال: " نَعمْ " قال: " وثَلاثةً "؟ قال نَعمْ، وفي رواية: " وما شِئْتَ " قالوا: إن هذا الحديث أصل في عدم تأقيت المسح على الخفين،
ومعناه:
أنك إذا لبست الخفين فامسح ما بدا لك، وينتهى الوقت عند نزعك للخفين، وعند أصحاب هذا القول لا يتأقت، لا في السفر، ولا في الحضر، فالإنسان يمسح مدة لبسه للخفين.
وأصح القولين فى نظري والله اعلم أن المسح يتأقت،
وذلك لما يلي:

أولاً:
لصحة دلالة السُّنة على ذلك.
ثانياً:
أن حديث أُبيِّ بن عمارة ضعيف.ضعفه الإمام أحمد، والبخاري، والدارقطي،
وغيرهم من أئمة الحديث رحمهم الله قال إبن معين رحمه الله:
(إِسْنادُه مُظْلِمٌ)، ولذلك لا يعارض السُّنة الصحيحة التي أثبتت المسح مؤقتاً.
قوله رحمه الله:
[مِنْ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ عَلى طَاهرٍ]: قوله [مِنْ حَدثٍ] مِنْ: للابتداء أي: يبدأ تأقيت المسح من الحدث الأول بعد اللبس على طهارة، فيبدأ التأقيت بالثلاثة الأيام إذا كان الإنسان مسافراً، واليوم، والليلة إذا كان مقيماً مِنَ الحَدثِ بعد لُبسه، فمن المعلوم أن لُبس الخفين يكون بعد طهارة كاملة تامة، فإذا كان متطهراً، ولبس خُفّيه فإنه ينتظر أول حدث بعد لُبْسه للخُفّين، فإذا أحدث بدأ التوقيت بذلك الحدثِ إلى مثله يوماً، وليلةً، أو ثلاَثة أيامٍ على حسب حاله مسافراً كان، أو مقيماً.
فعلى سبيل المثال:
لو لبس الخفَّ الساعة العاشرة صباحاً، وهو على طهارة، ثم أحدث الساعة الحادية عشرة فإنه يَعْتدّ بوقت حدثه، وهو الساعة الحادية عشرة فإن كان مقيماً كان له المسح منها إلى مثلها في اليوم التالي، فينتهي توقيت المسح له في الحادية عشرة من اليوم التالي إذا كان مقيماً، وهكذا الحال في السفر ينتهي في مثل وقت الحدث بعد ثلاثة أيام.
ونصّه رحمه الله على إِعتبار الحدث معناه:
أنه لا عبرة بوقت اللُّبس، ولا بوقت المسْح الأول الذي يقع بعد اللبس، وإنما العبرةُ بالحدثِ لأنه بحصوله شُرِع له أن يمسح فاعتدّ بوقته بِغضِّ النّظر عن كونه مسح بعده، أو انتظر مدة.
ولذلك قال العلماء رحمهم الله:
أن العبرة بوجود السبب، وهو الحدث، فأحاديث التوقيت جعل الشرع فيها المدة محدودة للرخصة، وإستباحة الرخصة إنما يكون بوقوع الحدث نفسه، لا بلُبس المكلّف، ولا بمسحه.
قوله رحمه الله: [عَلى طَاهرٍ مباحٍ]: يشترط في الخف أن يكون طاهراً، وأن يكون مباحاً،
ومفهوم الشرط أنه لا يصح المسح على خفٍ نجس لأن الخف النجس
أولاً:
لا تصح الصّلاة به لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه نزع نعليه لما أخبره جبريل أنهما ليستا بطاهرتين، فدلّ على أن حذاء المصلي لا بد، وأن يكون طاهراً، فلا يتأتى فيه أن يمسح على هذا النوع، وهو النجس.
الأمر الثاني: أنه بالمسح باليد المبلولة على خفّ نجس العين، أو متنجس في موضع المسح، فإنه يتنجس بمرور يده على موضع النجاسة، أو على الخف نفسه إذا كان نجس العين، وبذلك لا تتحقق الطهارة المقصودة من المسح، بل يحصل ضدها، وهو النجاسة، فلم يصحّ المسح.
وقوله رحمه الله: [مباحٍ] أي: أن يكون الخف مباحاً،
ويخرج بقوله:
[مباحٍ] ما كان حراماً كالمغصوب فبيّن رحمه الله أنه لا يصح المسح إذا وقع على خفّين مغصوبين؛ لأن من شرط صحة المسح على الخفين أن يكونا مباحين، والمغصوب غير مباح، وهذا على مذهب الحنابلة رحمهم الله.
قوله رحمه الله: [ساترٍ للمفروضِ]: ساتر هذا الشرط الثالث،
وهو:
أن يكون الخفّ ساتراً لمحل الفرض، وهو الرِّجْلُ لأن البدل يأخذ حكم المُبْدل، والمسح بدل عن ما أمر الله بغسله، وهو الرجلان فوجب أن يستر جميع الرّجْلين اللّتين أمر الله بغسلهما، فلا بد من أن يكون ساتراً من أطراف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان داخلان كما قررناه في آية الوضوء، فلو كان على نصف القدم، فإنه لا يجوز أن يمسح عليه لأنه غير سائر لمحل الفرض، ولو كان دون الكعبين، بحيث ستر جميع الرجل، إلا الكعبين فإنه لا يصح أن يمسح عليه لأنه غير ساتر لمحل الفرض.
قوله رحمه الله: [يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ]: يثبت بنفسه هذا الشرط مبني على أنه إذا وردت الرخصة في الشّرع ينبغي تقييدها بالوصف الذي ثبت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فالخفاف التي كانت موجودة، ومعروفة في زمانه عليه الصلاة والسلام تثبت بنفسها، فيخرج ما لا يثبت؛ لأن الذي لا يثبت بنفسه عُرضة إلى أن يكشف منه محل الفرض، وبناء عليه فإنه لا يمُسح عليه، ولا يعتبر على صفة الخف الذي ورد دليل الشرع باستباحة المسح عليه، فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يكن خُفّه مَشْدوداً، ولو كان مما يشدُّ، أو كان غير ثابت وينزل عن الكعبين لبُين ذلك، ولكان ظاهراً من الأحاديث التي جاءت بذكر مسحه -صلوات الله وسلامه عليه- على خفيه.
قوله رحمه الله: [مِنْ خُفٍ، وجَوْرَبٍ صَفِيقٍ، ونحوهما]: قوله: [مِنْ خُفٍّ] من: بيانية، وقوله: [وجورب] الواو للعطف الموجب للتشريك في الحكم أي سواء مسح على خف، أو جورب، والفرق بينهما أن الخفاف تكون من الجلد،
أما الجوارب فإنها تكون من القماش ولها صورتان:

الصورة الأولى:
أن تكون كلُّها من القماش؛ كجورب الصّوفِ، والقُطن الخالصين.
والصورة الثانية: أن تكون من القماش المنعّل،
وصورته:
أن يكون أعلاه من الصوف، ويكون أسفله الجلد فهذا يسمونه الجوربَ المنعَّلَ فهو من القماش لكن أسفله مما يلي الأرض، أو موطئ القدم منه من الجلد، وهو موجود في زماننا، ويعتبر جورباً منعلاً، وكلا النوعين داخل معنا هنا،
وفيهما مسألتان:
المسألة الأولى: هل يجوز أن يمُسح على الجوارب كما يمُسح على الخفاف؟
المسألة الثانية: هل ذلك شامل لكلِّ جورب؟
أما المسألة الأولى:
وهي هل يمسح على الجورب كما يمسح على الخف؛
ففيها قولان مشهوران:
القول الأول: يُمسح على الجوارب كما يُمسح على الخفّ، وبه قال الإمام أحمد، وطائفة من أهل الحديث رحمهم الله.
القول الثانى:
أنه لا يمسح على الجوارب، وهو مذهب الجمهور رحمهم الله.فالذين قالوا بمشروعية المسح على الجورب إحتجوا بحديث الترمذي،
وأحمد:
[أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مسحَ على الجَوْربَيْنِ].
والذين لا يرون جواز المسح على الجوربين قالوا
أولاً:
إنه لم يثبت في الجوربين ما ثبت في الخفين، فلا وجه للإستثناء، والرُّخصة.
وثانياً: أنه يُحمل قوله على الجوربين على الرواية بالمعنى،
فيكون المراد بهما:
الخفان من الجلد، لا الجوربان من القماش.
والذي يظهر والله أعلم جواز المسح على الجوربين لصحّةِ حديثه، فقد صحّحه غير واحد من أئمة الحديث منهم الإمام أحمد، والترمذي رحمة الله عليهما،
وقد جاءت هذه السُّنة عن تسعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم:
عليٌ، وعمار، وإِبن مسعود، وأنس، وإِبن عمر، والبراء، وبلال، وإبن أبي أوفى، وسهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهم.ً
ثانياً:
أنّ حمل الحديث على الخفين خلاف الظاهر، والمعروف أن إطلاق الجورب له معنى، وإطلاق الخف له معنى، وليس الصحابي يجهل دلالة اللفظين فإنّه عبر بلغة صحيحةٍ، ولذلك قالوا إن رواية مُنَعَّلَين تدل على الجلد، ويمكن أن يجاب عنها بأنّ المنعلين المراد بها بعض أفراد الجوارب، وهي الجوارب التي لها بطانة من الجلد.
ومن أهل العلم من أجاب: بأن المراد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسح على الجورب مع النعل، والنعل لا تغطي كل الظاهر فلم يحتج إلى نزعها عند المسح، لأن النعل لا يلزم مسحه لأنه من باطن كالخف فاقتصر على مسح الجورب، فقال الصحابي على الجورب المنعل يعني أنه مسح مع وجود النعل، والمقصود الجورب، وعلى هذا يصح القول بالمسح على الجوربين.
أما المسألة الثانية: فإن الجورب الذي يجوز المسح عليه يشترط فيه أن يكون صفيقاً، وعلى ذلك كلمة أكثر من يرى المسح على الجوربين، أنه لا بد، وأن يكون صفيقاً، وهي عبارات العلماء، لأن الجوارب الخفيفة الشّفافة هذه لم تكن موجودة على عهد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ إنما كانوا يلبسون الجوارب الثخينة، وكانوا يمشون بها، ولذلك كانوا يلفون الخرق على أقدامهم، وهو المعبّر عنه بالتساخين في بعض الروايات،
وهذا يدل على ما اعتبره العلماء من اشتراط الصّفاقة أي:
كونه صفيقاً، وأيضاً النظر يقتضيه، فإن الجورب منزّل منزلة الخفِّ، والخفُّ أصله من الجلد، ولا يمكن للجورب أن ينزّل منزلَته إلا بالثّخانة، والصّفاقة، وعلى هذا فإنه يصح المسح عليه إذا كان صفيقاً ثخيناً فالذي يشف البشرة، أو يكون غير ثخين فإنه لا يمُسح عليه؛ لأنه غير معروف على عهد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،
ومن قال بجوازه يقوله بالقياس فيقول:
أقيس هذا الشّفاف على الجورب الموجود على عهد النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
ويجاب عنه:
بأنه قياس مع الفارق، والفارق هنا مؤثر، ومن شرط صحة القياس، واعتباره أن لا يكون قياساً مع الفارق،ثم إن المسح على الخفين رخصةٌ جاءت على صفة مخصوصة فيقتصر الحكم على الوارد، والقياس في مثل هذا ضيق.وعليه فإنه لا يصح المسح على الجوربين إلا إذا كانا صفيقين، كما نبه عليه الأئمة منهم الإمام ابن قدامة -رحمة الله عليه- في المغني، وغيره من أصحاب المتون المشهورة في المذهب الحنبلي الذي يقول بجواز المسح على الجوربين كالإمام الحجّاوي في الإقناع، وابن النجّار في المُنتهى، وغيرهم رحمهم الله كلهم نصّوا على كونه صفيقاً إخراجاً للخفيف الذي يصف البشرة، أو يكون غير ثخين.
قوله رحمه الله: [ونَحْوِهِما] أي نحو الجورب الثخين بمعنى: أنه لا يختص الحكم بالجلد، ولا بالقماش فإذا وجد الساتر للقدمين من غيرهما، ولكنه على صفة الخفّ، والجورب في الثّخانة صَحّ المسح عليه،
وهذا ما يدل عليه قوله:
[نحوهما] المتضمن لمعنى الشَّبَهِيةِ.
قوله رحمه الله: [وعلى عِمَامةٍ لرجُل]: بعد أن فرغ -رحمه الله- من بيان أحكام المسح على الخفين شرع في بيان أحكام المسح على العمامة،
والعمامة مأخوذة من قولهم:
عمَّ الشيء إذا شمله، وصفت العمامة بكونها عمامة؛ لأنها تشمل الرأس بالغطاء فهي تستره،
والعمامة تأتي على صور فمنها:
العمامة التي لها ذؤابة، ومحنّكة،
ومنها:
العمامة التي لها ذؤابة غير محنكة،
والعمامة:
التي لا ذؤابة لها، وليست بمحنكة هذه ثلاث صور للعمائم.فأما ما كان من العمائم له ذؤابة سواء كان محنّكاً، أو غير محنّك فإنه يشرع المسح عليه لأنها على صفة عمائم المسلمين كما يشهد لذلك الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه عمّم عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ رضي الله عنه وأرسل العذبة بين كتفيه،
وقال:
[هَكذا فَاعتمَّ يا ابنَ عَوْفٍ] فالعمامة تكون لها عذبة سواء كانت مُحنّكة، أو غير مُحنّكة، وسواء أرسل عذبتها بين الكتفين من خلفه، أو أرسلها من جهة المقدمة على صدره من الجهة اليمنى تفضيلاً للأيمن على الأيسر، هذا بالنسبة لعمائم المسلمين.وهناك نوع ثالث من العمائم وهي العمامة المقطوعة التي لا عذبة لها، ولا ذؤابة كانت شعاراً لأهل الذِمّة لأن أهل الذِمِّة إذا كانوا مع المسلمين فإنهم يكون لهم شعار يعرفون به، ويتميزون به عن المسلمين حتى لا يلتبسوا بهم، فلا بد من وجود علامة فارقة لهم، في ملبسهم بحيث يتميزون عنهم في المجامع وغيرها، وأول من سنَّ ذلك عُمر رضي الله عنه، فكانت لهم العمائم مقطوعة، والزنّار مَشْدوداً في أوساطهم، ولها أصل في السُّنة أن الكفار إذا دخلوا بلاد المسلمين لا يشابهونهم في اللباس، فلذلك كان رضي الله عنه يلزمهم بعمائم مخصوصة، ولباس مخصوص حتى يكون علامة لهم، فهذا النوع من العمائم يختص بأهل الذمّة، فالأصل منع المسلمين من لُبسه، وشدد العلماء -رحمهم الله- فيه لأن فيه مشابهة بأهل الذمة، فمِثلُ هذه العمائم لا يمسح عليه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 07-07-2020, 04:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,477
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب الطهارة)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (30)

صـــــ217 إلى صــ228

قوله رحمه الله: [وعلى عمامة لرجُلٍ محنّكةٍ، أو ذاتِ ذُؤابة]: وعلى عمامة لرجل، فالمرأة لو إعتمت فإن اعتمامها،
وعصب رأسها يكون على حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون بدون حاجة فتكون -والعياذ بالله- ملعونة، لأنها تتشبّه بالرجال، وقد يفعل هذا بعض المسترجلات من النساء -نسأل الله السلامة والعافية-،
وفي الحديث الصحيح أنّ النبيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[لَعَنَ المُسْتَرجِلاتِ مِنَ النساءِ].
الحالة الثانية:
أن تحتاج إلى عصب رأسها لشدِّ رأسٍ من وجع، أو ألم، أو نحو ذلك، فهذا أمر مستثنى من التحريم لوجود الحاجة فهذه العصائب التي قد تشبه العمامة في بعض أحوالها لا يُمسحُ عليها، والأصل أن العمائم تختص بالرجال، والنساء لا عمائم لهن.
الأصل في مشروعية المسح على العمامة حديث المغيرة -رضي الله عنه- أنّ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَسَحَ على نَاصِيته، وعلى العمامة، وورد -أيضاً- أَمرُه -عليه الصلاة والسلام- بالمسح عليها، وحسّنه بعض أهل الحديث، فهذه السنة الثابتة بالفعل، والقول أصل في جواز المسح على العمامة،
ويُشترط فيها كما قال:
[ذاتِ ذؤابةٍ، أو مُحنّكة] أي موضوعة تحت الحنك وتعبيره بـ[أو] في قوله [أو محنكة] فيه دليل على عدم إختصاص الرخصة بالعمامة المحنكة، بل المهم أن تكون من عمائم المسلمين لها ذؤابة، سواء كانت محنَّكة، أو غير محنَّكة.
وإذا كانت العمامة محنَّكة كانت المشقة بنزعها أكبر، ولذلك لم يشرع المسح على كل ساتر للرأس فالطاقية، والعمامة المقطوعة لا يشقُّ نزعهما، فلم يرخص بالمسح عليهما، وعليه فالمنع من المسح على العمامة المقطوعة في أحد الوجهين راجع إلى عدم المشقة بالنزع كالقلنسوة.
قوله رحمه الله: [وعلى خُمُرِ نِساءٍ مُدَارةٍ تَحتَ حُلوقِهنّ]: أي ويجوز المسح من المرأة على خمارها،
والخمار:
فعال من الخَمْر، والخَمْر أصله التّغطية، ومنه قوله -عليه الصلاة والسلام-: [خَمّروا الآنيةَ] أي: غطوها، وسُمّيت الخمرُ خمراً -والعياذ بالله-؛ لأنها تغطي العقل، فكأن الإنسان إذا شربها صار كمن لا عقل معه، ووصف الخمار بكونه خماراً؛ لأنه يستر رأس المرأة، ويغطيه،
والأصل في مشروعية المسح عليه حديث بلال في صحيح مسلم عنه رضي الله عنه أنه قال:
[مَسحَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلم على الخُفينِ، والخمَارِ، أي أذن بالمسح على الخمار للنساء،
وفي مسند أحمد بلفظ:
[إمسحوا على الخفين والخمار]، وفيه أيضاً أثر أم سلمة رضي الله عنها، وقياساً على العمامة في كونها ساترين يشقُّ نزعهما.
قوله رحمه الله: [مدارة تحت حلوقهن]: أي تكون تحت الحلق قالوا: إنه ينبغي أن يكون ذلك الخمار مداراً مثل: المِسْفَع، ونحوه يكون تحت الحلق، كالحال في المحنّك من عمائم الرجال حتى تحصل المشقة بنزعه، فيرخص بالمسح عليه، وهذا مبني على أن الرخصة فيهما مبنية على مشقّة النزع.
قوله رحمه الله: [في حدثٍ أصغَر]: بعد أن بيّن -رحمه الله- ما الذي يمسح عليه، ووقت المسح شرع في بيان محل المسح هل هو في جميع الأحداث، أو في بعضها؟ فبيّن رحمه الله إختصاص المسح على الخفين، والعمامة، والخمار بالحدث الأصغر، دون الأكبر، فلا يجوز للإنسان أن يمسح عليها في الحدث الأكبر إجماعاً، بل يجب عليه غسل القدمين، والرأس في الطهارة من الحدث الأكبر، والأصل في هذا ما ثبت في الحديث الصحيح، وهو حديث صفوان بن عسّالٍ المُراديِ -رضي الله عنه-
وأرضاه قال:
[أَمَرنا رسولُ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ألا نَنْزِعَ خِفَافَنا من بولٍ، أو نومٍ، أو غائطٍ؛ لكن من جنابةٍ]،
فدل على أن الخف يمسح عليه في الحدث الأصغر المعبر عنه بقوله:
[من بولٍ، أو غائطٍ، أو نومٍ] دون الأكبر الذي يجب فيه نزع الخفين،
وهو معنى قوله: [لكِنْ منْ جَنابةٍ] أي لكن نزعهما من جنابة، فدلّ على أن الحدث الأكبر لا رخصة فيه بالمسح على الخفين، بل يجب فيه الرجوع إلى الأصل، وهو غسل العضو.
قوله رحمه الله: [وعلى جَبِيرةٍ لم تَتَجاوز قَدرَ الحَاجةِ]: شرع رحمه الله في بيان أحكام المسح على الجبيرة بعد أن بيّن -رحمه الله- المسح على الخفّين، والعمائمِ، والخُمُرِ.
ويرد السؤال: أليست الجبيرة يمسح عليها كما يمسح على العمامة هذا من قماش، وهذا من قماش، وكلاهما ساتر لمحل الفرض، فلماذا أفردها؟
الجواب:
أن الجبيرة تخالف ما تقدم في كونها في الحدث الأصغر، والأكبر، فإن الإنسان إذا جَبرّ كسراً ووضعها فإنه يحتاج إلى بقائها مدة معينة، فسبب الرخصة قائم بخلاف المسح على الخفين، والعمامة، والخمر، فإنه ليس مرتباً على سبب، ولا علة، وإنما هي رخصة مطلقة على أحد الوجهين عند أهل العلم رحمهم الله.
والأصل في المسح على الجبائر:
حديث ذي الشّجَةِ الذي رواه الدارقطني، وغيره أنّ رجلاً من أصحابِ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سافَر مع أصحابهِ فأصابتهُ شِجَاج،
أو كانت به جراح قال:
فأجنب، فسألَ أصحابَه هلْ من رُخصة؟
قالوا:
لا رخصة،
وإغتسل أي:
يلزمك الغسل، فاغتسل فمات، فقال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: [قَتَلُوه قَتَلهُمُ الله هلا سَأَلوا إِذْ جَهِلُوا إنما شِفَاءُ العِيِّ السُّؤالُ]،
وفي بعض الروايات:
[قَدْ كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَعصُبَ جُرحَه] فأخذوا منه مشروعية المسح على العصائب، والجبائر وهذا الحديث متكلم في سنده، والقول بضعفه في رواية الجبائر أقوى، ولكن أصول الشريعة، وقواعدها العامة تدل على مشروعية المسح على الجبائر، ولذلك اتفقت كلمة العلماء، وأجمعوا على أنه يجوز المسح على الجبيرة لماذا؟
لأن التكليف شرطه الإمكان قال تعالى:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (1) فإذا كان بإمكان المكلف أن يفعل كُلّف، وإن لم يكن بإمكانه لم يكلف، فهذا الذي أصابه الكسر في يده، أو ساعده، أو زنده، أو كفه ليس بإمكانه أن ينزع الجبيرة حتى يغسل، ويترتب على نزعه ضرر عظيم ولأن الشريعة لما أذنت له أن يتداوى؛ فقد أذنت بلازم التداوي من بقاء الجبيرة، فتبقى الجبيرة على ما هي عليه، ويمسح عليها، ويحلّ هذا الساترُ محل الأصل بشروطه،
وهي:
أولاً: وجود الحاجة، وهو أن يتحقق من وجود الكسر الذي يحتاج إلى الجبر.
ثانياً: أن يشدّ بقدر الحاجة، فلو فُرضَ أن موضع الكسر الذي يحتاج بسببه إلى الجبر محدّد بخمسة أصابع ويحتاج الطبيب إلى إصبع قبل، وبعد يعني من البداية، والنهاية، فهذا الزائد الذي هو الإصبع السابق واللاحق في حكم الأصل فيشرع تغطيته بالجبيرة، ولا حرج عليه.
قوله رحمه الله: [وعلى جَبِيرةٍ لم تَتجَاوز قدرَ الحاجةِ، ولو في أَكْبر]: للقاعدة الشرعية: " أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها "
وهي إحدى القواعد المشهورة عند العلماء بالقواعد الخمس وهي:
" الأمُورُ بمقاصِدِها "
و " اليَقينُ لا يُزالُ بالشكِ "
و " الضررُ يُزالُ "
و " المشقّةُ تَجلِبُ التيْسِير و
"
العادةُ مُحكّمةٌ "
هذه الخمس القواعد انبنى عليها الفقه الإسلامي بمعنى: أن كثيراً من مسائل الفقه تفرع عليها،
والقاعدة الرابعة منها تقول:
[المشقةُ تجلبُ التَّيسير]، وتفرعت منها قواعد،
منها قولهم:
[الضَّروراتُ تُبيحُ المحظُوراتِ] ثم ضبطت بقولهم: [ما أبيح للحَاجَةِ، والضَّرورةِ يُقدّرُ بِقَدْرها] أي: أن ما حكمنا بإباحته، وجوازه بناء على وجود ضرورة، أو حاجة فإن الواجب أن نتقيّد فيه بقدر الضرورة، والحاجة، وأن لا نزيد على ذلك،
وهذا ما بنى عليه المصنف رحمه الله قوله في هذه المسألة:
[لم تَتَجاوزْ قَدْرَ الحَاجةِ].
وقوله رحمه الله: [ولو في أكبر] أي ولو كان المسح على الجبيرة في حدث أكبر، ومن هنا خالفت الجبيرة المسح على الخفين والعمامة والخمار في كونها لا تختص بالحدث الأصغر بل إنها تكون في الحدث الأصغر، والأكبر، ومن هنا قال العلماء رحمهم الله لا يمسح في طهارة كبرى على غير الجبيرة.
قوله رحمه الله: [إلى حَلِّها]: أي إلى أن يحلّ الجبيرة، ويُرجع في ذلك إلى قول أهل الخبرة،
فإن قال الأطباء:
تبقى شهراً فإنها تؤقت بالشهر، وإن قالوا شهرين فكذلك، فلا يُتجاوز القدر الذي حكم الأطباء بالحاجة إليه، فإذا زاد عليه، فإنه لا يصح له أن يمسح في ذلك الزائد من الزمان.
قوله رحمه الله: [إِذَا لَبِسَ ذَلكَ بَعدَ كمالِ الطهارةِ]: المراد به بيان شرط جواز المسح على الخفين، والعمامة، والخمار، والجبيرة،
وهو:
أن يلبسها على طهارة كاملة،
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال:
[فأَهْويتُ لأَنزعَ خُفّيه؛ فقال: دَعْهُما فإني أَدخَلْتُهما طَاهِرتَيْنِ]، وهذا يدل على إشتراط لبس الخفين على طهارة تامة، ولا بد من أن تكون الطهارة تامة بحصولها بغسل الرجلين، فلو غسل إحدى الرجلين، ثم أدخلها في الخف بعد غسلها وقبل غسل الثانية لم يصحّ.
واستثنى بعض العلماء رحمهم الله الطهارة في شدِّ الجبيرة في الحالات التي يتعذر أن يتطهّر فيها فتشد الجبيرة قبل حصول الطهارة، فخفّف فيها لوجود الحرج الموجب للرّخصةِ.
قوله رحمه الله: [ومنْ مَسحَ في سفرٍ، ثمّ أقامَ، أو عكس، أو شكّ في ابتدائهِ فمسحُ مقيمٍ]: هذه المسألة مفرعة على الأصل حيث عرفنا أن المقيم يمسح يوماً، وليلة على الخف،
والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن فلو فرضنا:
أنك كنت مسافراً فمسحت اليوم الأول، ثم رجعت إلى البلد في اليوم الثاني، فأصبحت مقيماً في اليوم الثاني فهل نقول العبرة بالابتداء، فتتم مسحك مسح مسافر، أو نقول العبرة بالانتهاء فتقطع مسحك؛ لأنك أتممت مسح المقيم؟ هذا إذا كان في سفر، ثم أقام، وكذلك إذا كان مقيماً، ثم سافر، فلو أنه لبس الخف على طهارة وهو مقيم ثم مسح عليه نصف يوم ثم سافر بعد ذلك فهل يُتمّ مسح يوم وهو مسح المقيم، أو يتمّ ثلاثة أيامٍ وهي مسح المسافر، لأنه أصبح مسافراً وهكذا لو شكّ وهو في سفرٍ هل أحدث بعد لبس الخفّ حال إقامته فيتم مسح مقيم، أو أحدث حال سفره، فيتم مسح مسافر؟ ثلاثة أحوال ذكرها المصنف رحمه الله وهي مسألة خلافية،
وللعلماء فيها قولان:
القول الأول: أنه يُردّ إلى الأصل، واليقين، وهو مسح اليوم، والليلة، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة رحمهم الله.
والقول الثاني: أنه يمسح بحاله الطارئ، فلو طرأ عليه السفر أتم ثلاثاً، ولو طرأت عليه الإقامة اعتبر اليوم والليلة فإن كان قد أمضاها في السفر، وزاد عليها إنتهى مسحه بمجرد إقامته، وهذا هو مذهب الحنفية.
وأما المالكية فإنه لمّا كان مذهبهم عدم التأقيت في المسح فإن هذه المسألة على مذهبهم غير واردة؛ لأنه لا فرق عندهم بين مسح المقيم، والمسافر.
وأقوى القولين: هو القول بالرجوع إلى اليقين، لأن المسح على الخفين رخصة، ونشكُّ في بقائها فوجب علينا الرجوع إلى اليقين، وهو مسح اليوم، والليلة لأنه مقطوع به على كلا الوجهين، وما زاد على اليوم، والليلة فإنه مشكوك في ثبوت الرخصة فيه، فوجب الأخذ باليقين، وإلغاء ما زاد عليه،
وهذا معنى قولهم في القاعدة:
[الشّكُ في الرُّخَصِ يُوجِبُ الرُّجوعَ إِلى الأَصل.
قوله رحمه الله: [وإنْ أَحْدثَ ثُمّ سَافَر قَبلَ مَسْحِه فَمسْحُ مُسافِرٍ]: بناه على ظاهر الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: [يمسح المسافر]، وإن كان الأصل يقتضي أن العبرة بالحدث، فكان يلزم إعمالاً للأصل أن يقال إن العبرة بالحدث فإن وقع حدثه في السفر أو في الحضر فالعبرة بالحدث وهذا هو الصحيح إتباعاً للأصل الذي تقرر أن الحدث سبب الرخصة الشرعية بالمسح فوجب الإعتداد به، ولا عبرة بالمسح فننظر متى كان حدثه، فإن كان في حال إقامته، ثم سافر مسَح مسْح مقيم، والعكس بالعكس، وهذا هو المذهب في الأصل، وأجيب عن الظاهر، باعتبار الشرع لسبب الرخصة، وهو أولى بالإعتبار.
قال المصنف رحمه الله:
[ولا يَمسَحُ قلانسَ، ولُفافةً]: شرع -رحمه الله- في بيان ما لا يمسح عليه فبين عدم جواز المسح على القلانس، وهي كالطواقي الموجودة في زماننا فلا تأخذ حكم العمامة، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله،
وهي المذهب كما أشار إلى ذلك في الإنصاف بقوله:
[إحداهما: لا يباحُ، وهو المذهبُ] لأن الأصل وجوب مسح الرأس والعمامة ثبت الدليل باستثنائها، فبَقيَ ما عداها على الأصل من وجوب نزعه، ومسح الرأس عملاً بالآية الكريمة.
وأما اللفافة:
فهي ما يدار على العضو مثل: لفائف الأطباء في زماننا، وهي المسمّاة بالشاش فهذه لا يمسح عليها،
وكذلك لفائف الرجلين:
وهي التساخين، وذلك لأن الأصل يوجب غسل الرجلين، واليدين، والوجه، وجاءت الرخصة بالجبيرة فبقي ما عداها على الأصل، لكن يستثنى منها ما كان الضرر فيه، والمشقة كالجبيرة.
قوله رحمه الله:
[ولا ما يَسْقُط من القَدَمِ، أو يُرى منه بَعضُه]: ذكرنا أن من شرط المسح على الخفين أن يثبت بنفسه، فلا ينكشف من محل الفرض شيء، فإذا كان الخف لا يثبت، وينكشف من محل الفرض شيء؛ لم يصحّ المسح عليه لأنه مخالف لما ثبت في السنة بالرخصة في المسح عليه.
قوله رحمه الله: [فإنْ لَبِسَ خُفاً على خفٍ قبلَ الحدثِ، فالحكمُ للفَوْقَاني]: إختلف العلماء -رحمهم الله- في مسألة المسح على خفٍ،
فوق خف:
فقال بعض العلماء: الرخصة تختصّ بالخفّ إذا باشر القدم.
وقال بعضهم: يجوز المسحُ على خفٍ فوق خف أي لا يشترط أن يكون الخُفُّ على القدم مباشرة فدرج المصنف -رحمه الله- على هذا القول.
والأول أقوى، وذلك أن الذي ورد في السُّنة عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مسحه على خفٍ يلي محل الفرض، وعلى هذا لا يقوى القول بالمسح على خف فوق خف؛ لأنه يلي ما حُكْمه المسح.
لكن على القول بالجواز ينبني عليه أن الحكم للخف الفوقاني،
أي:
الأعلى منهما، وهكذا لو لبس أكثر من خف، وقيل بالجواز كان المسح للأعلى، وألحق به بعضهم العمامة على العمامة.
قوله رحمه الله: [ويَمْسحُ أَكثَر العِمامة]: لأن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مسح على عمامته كما في حديث المغيرة -رضي الله عنه- ولم يحكِ المغيرة -رضي الله عنه- تكلّف النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في تتبعه للمسح لكورِ العمامةِ،
بل قال:
[ومَسحَ على ناصيته، وعلى العِمَامةِ]، فدلّ هذا على أنه إذا مُسح على العمامة فإنه يمسح أكثرها، ولا يُشترط في صحة المسح الاستيعاب، لما فيه من المشقة المخالفة للمقصود من الرخصة.
قوله رحمه الله:
[وظَاهرِ قَدمِ الخفِّ] المراد به بيان محل المسح في الخفين، وهو ظاهر الخفين، وعليه فإنه لا يجب مسح أسفلهما،
ودليل ذلك حديث علي رضي الله عنه الصحيح عند أبي داود أنه قال:
[لَوْ كَانَ الدِّين بالرّأي لكَان أَسْفَل الخفّ أولى بالمسح منْ أعلاه، وقد رأيتُ رسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسحُ على ظاهرِ خُفّيهِ]، وفي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عند أبي داود،
والترمذي بسند حسن قال:
[رأيتُ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمسحُ على ظهورِ الخفّين] فدلّ هذانِ الحديثانِ على أن الواجب مسحُ ظاهر الخفّ، وأعلاه، وأنه لا يجب مسح أسفله.
قوله رحمه الله: [مِنْ أَصابِعه إلى سَاقِه، دونَ أَسْفَلِه، وعَقِبِه]: قوله: [من]: للابتداء،
وقوله: [أصابعه] أي أصابع القدمين،
وقوله:
[إلى ساقه] أي: ينتهي المسح إلى السّاق، ومراده إدخال الكعبين؛ لأن إدخالهما كاملين لا يكون إلا بالشروع في أول الساق، وليس المراد مسح السّاق، لأن السّاق غير داخل في محل الفرض، وصورة المسح على الخفين: أن يُمرّ أصابع كفّيه مفرّقة على ظاهر الخفين، من أطراف أصابع القدمين إلى الساق، ولا يمسح العقبين، ولا أسفل الخفين لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يثبت عنه أنه مسح أسفل الخفين.
قوله رحمه الله:
[وعلى جَميع الجَبِيرَةِ]: هذا من الفوارق بين المسح على الخفين،
والمسح على الجبيرة أن في المسح على الجبيرة يجب عليه أن يستوعبها بالمسح إذا كانت محاذية لمحل الفرض مثل:
الجبيرة على الساعد بخلاف المسح على الخفين، فإنه لا يجب إستيعاب الخفين، بل يقتصر على مسح أعلاه، مع أن كلاً منهما محاذياً لمحل الفرض.
قال رحمه الله:
[ومتى ظهر بعض محل الفرض]: أي انكشف، سواء في المسح على الخفين، أو في المسح على الجبيرة فإنه يوجب انتقاض المسح، وذلك لعلّة ذكرها أهل العلم -رحمة الله عليهم-، وهي أنه إذا ظهر جزء من المستور الذي مُسح عليه بدل غسله، فقد توجه الخطاب في الشرع بغسله، ولا يستطيع أن يغسل؛ لأن شرط الموالاة قد فُقِدَ فإنّ مُضي المدة بين وضوئه الذي مسح فيه، وبين انكشاف العضو يقتضي بطلان شرط الموالاة، وإذا بطل شرط الموالاة تعذر أن يغسل، فيُرجع إلى الأصل من وجوب الوضوء عليه.
توضيح ذلك:
لو فرضنا أن إنساناً توضأ،
ثم نزع من خفه ما بان به محل الفرض فحينئذ نقول:
إنه في الأصل مطالب بغسل رجليه، وهو محل الفرض ورُخّص له بالمسح على خفيه بشرط أن يبقى على الصورة التي أذن الشرع بها من استتمام المدة، والخفّ ساتر، فإذا نزع، وانكشف جزء من محل الفرض، فقد توجه خطاب الشرع بالأصل، وهو غسل الموضع؛ لأنه فقد شرط المسح فلما توجه الخطاب بالأصل وهو غسل الموضع، وقد مضت فترة لا يمكن معها أن يتحقق شرط الموالاة حُكم بإنتقاض طهارته، وبطلانها، وكلُّ ذلك مبني على سبب فوات شرط الموالاة، ولذلك لو انكشف جزء من محل الفرض في الخفين، وكان قريب العهد بمسح الرأس كأن يكون مسح برأسه، ثم مسح على خفيه، وبعد دقيقة مثلاً إنكشف جزء من محل الفرض، أو خلع خفه؛ فإنه يمكنه أن يغسل رجليه، وتصح طهارته لأن شرط الموالاة لم يفقد فالعلة في المسألة هي فقد شرط الموالاة كما نبّه على ذلك الإمام الموفق -رحمة الله عليه- في المغني.
(1) البقرة، آية: 286.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 256.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 250.88 كيلو بايت... تم توفير 6.03 كيلو بايت...بمعدل (2.35%)]