السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله - الصفحة 8 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         تطبيق لزيادة متابعيك في سنابشات (اخر مشاركة : سمير كمال - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          كوبون خصم كل (اخر مشاركة : hamdy98 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          خادمات بالشهر (اخر مشاركة : زينب محمدي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الغض من أبصارهن وحفظ فروجهن . وعدم الضرب بأرجلهن (اخر مشاركة : سعيد شويل - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          إدناء جلابيبهن ومواراة جيوبهن . وعدم إبداء زينتهن (اخر مشاركة : سعيد شويل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 38 )           »          تدبر القرآن ويقظة الأمة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 10 )           »          تطبيق مصحف التجويد (اخر مشاركة : سمير كمال - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          هل يمكن علاج ادمان الكريستال ميث فى المنزل؟ وكيف يتم تحديد البرامج؟ (اخر مشاركة : NoorAhmed101 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          فيديو ذكرى الإنقلاب العسكري الفاشل ضد تركيا أنشودة 15 تموز من أمام مسجد آيا صوفيا. (اخر مشاركة : البيرق الاخضر - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          افضل شركة تشطيب شقق و فلل (اخر مشاركة : ezzalii - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #71  
قديم 15-04-2020, 04:48 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(71)


الإرهاص في حياة الأنبياء السابقين








حدثنا القرآن الكريم ، والسنة النبوية والتاريخ عن جملة من الإرهاصات بالنسبة لفريق من الأنبياء والرسل ، من غير استيعاب للجميع ، ولم يتوسع القرآن ولا السنة في هذا الشأن .

وحينما نستعرض ما ورد موجزا في القرآن والسنة من تلك الإرهاصات : سنراها تأخذ في القلب نصيبها من الروعة ، وتثير في النفس مباهج الإعجاب ، وتنبه الإنسان رويداً رويدا من غفلة إلى يقظة ، ومن جهالة إلى معرفة،ومن إنكار إلى إيمان يوم كانت تلك الإرهاصات في عصرها أو بعد عصرها ، لمن لا يزالون في شقاق عن بعض الأنبياء والرسل.

وحينما يفقه الإنسان ، ويصيب الحق ... يتحقق أن تلك الإرهاصات كانت وسيلة رحيمة بالإنسان الذي تعلقت به . إذ جعله الله معدنا للخير ، لأنها تمهيد له ، وتوجيه للأنظار نحوه ، فلا يكون ظهوره بالوحي فيهم بعد ذلك : بعيدا كل البعد عن مألوفهم ، وما عهدوا فيه ــ قبل رسالته ــ من الخير ولا يستوحشون منه كما يستوحشون من غريب دخيل عليهم ، فيتجهمون له ، أو يتهجمون عليه .

وكذلك يتحقق من يفقه ، ويصيب الحق : أن تلك الإرهاصات كانت وسيلة رحيمة بالقوم : لأنها تخلق فيهم وعيا سابقا ، وتثير بينهم تفكيرا في شأنه ومناجاة فيما عهدوا من ملامحه التي لم تكن لغيره من جمهرة الناس في محيطهم .

وذلك التمهيد يقرب المسافة العقلية بينهم وبينه ، ويدنيهم أو يدني فريقا منهم إلى الاستئناس به ، ويكون هذا التمهيد سبيل التجاوب بين الداعي والمدعوين ، وأيسر على الجانبين كثيرا مما لو فاجأهم بالوحي من الله دون إرهاصات تتقدمه ، وتوقظهم من غفلاتهم .

ويوضح قولنا هذا أن الله ــ تعالى ــ جرت سنته على أن يختار نبيه أو رسوله من بين قومه ليكونوا على معرفة بشخصيته ، وعلى علم بسيرته ، وعلى خبرة بأصوله ، وبكل ما يدور حوله فيهم .

فلا يكون مريبا ولا مسترابا فيه ، ولا يكون مغموزا في نفسه ولا مغموزا فيه .

فإذا سفهوا في شأنه كان مردودا عليهم بالواقع الذي يعلمونه حقا دون أن ينزل قدره عن مكانته التي هيأها له ربه ، ولا عن كرامته التي أقامه الله عليها .

وإن تناولوه من ناحية تمسه من هذا القبيل أو من قبيل دعوته : فالله كفيل بحمايته،ويظل بتكريم الله من المصطفين الأخيار،لم يمسسه سوء القالة.

وإن أزهقوا روحه وسفكوا دمه : فإنما هو الاستشهاد في سبيل الله ، يذهب ضحيته الأخيار من عباد الرحمن ، ويبوء بإثمهم الأشرار من جنود الشيطان .

وكان المفروض بعد أن تحصل الإرهاصات لمن جعلهم الله معدن الخير أن يكون للعقول رشاد ، وللقلوب تبصر، فلا تتخلف الاستجابة المرموقة عن المقدمات المشهودة بما أرهص الله به لعبده .. ولكن الناس يختلفون في فطرتهم ، وفي ميولهم .. فمن حسنت فطرتهم واستقامت ميولهم كانوا مستهدين وقليل ما هم !

ومن عميت بصائرهم ، وانحرفت ميولهم ضلوا عن الرشد ، واستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله (1)

(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ) ــ بسبب شذوذهم وسوء اختيارهم ــ إلا من رحم ربك )[ سورة هود/ 117ــ 118]

وهذه أمثلة للإرهاصات التي صاحبت بعض الأنبياء السابقين .











__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #72  
قديم 15-04-2020, 04:53 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(72)



الإرهاص لآدم عليه السلام







كان الإرهاص موجودا منذ اللحظات الأولى للحياة الدنيا ووجود الإنسان فيها ،فحينما أراد الله أن يلقي الأضواء حول عبده آدم قبل أن يكون له شأن معروف ، أخبر الملائكة بقوله ــ سبحانه: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) فأدرك الملائكة من هذا ، أو من أمارات بجانب هذا النبأ : أن ذلك تنويه بما يكون لآدم في هذا العالم من قدر خطير ، لأن آدم هو الوافد عليهم من الأرض ، وليس لديهم مخلوق يتجه إليه الفكر سوى هذا الإنسان الأرضي ، الذي كرمه ربه ــ أولا ــبرفعه إلى الجنة ، فذلك إرهاص مبكر ، تنبه له الملائكة ، وعلقوا عليه بالاستفهامات والتعجب ، وسبق إلى ذهنهم أنهم خير وأولى بالخلافة في الأرض من هذا الإنسان الأرضي الذي لم يكن مستخلصا مثلهم من عالم النور ، ولا مطبوعا مثلهم على تسبيح الله ، والتقديس له .

ولكن الله رجع بهم إلى حكمته ، وعلمه الرباني ، فقال لهم : (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) .

ثم كان إرهاص آخر : بما أفاض الله على آدم من علم لم تتهيأ له طبيعة الملائكة : (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) أسماء المخلوقات من بحار ، وأشجار ، وجبال ، ونجوم ، وكائنات أخرى .... مما له ارتباط بحياة آدم في الأرض التي سيكون خليفة فيها هو وذريته إلى يوم القيامة، يعبدون الله فيها ، ويستثمرونها بجهودهم .

وكان إرهاص ثالث : بتلك المناظرة التي امتحن الله فيها الملائكة ، إذ عرض عليهم أن يجيبوا عن تلك المسميات ، فلم يكن لهم الإمداد الذي ظفر به آدم ، لعدم ألأهلية لذلك العلم ، ولكن آدم كان بطبيعته متأهلا ، وكان بإمداد الله له عالما ، ,مجيبا عما سئل .

وكان إرهاص رابع : بتكليف الله للملائكة أن يعظموا ىدم تعظيما يناسب مقامه بعد أن تبين لهم ما كان خافيا عليهم من حكمة الله في صنعه ، واختياره للإنسان دون الملائكة .

وكان الإرهاص الخامس : بتوبيخ الله لإبليس على امتناعه من تعظيم آدم تعظيما أشاد الله به ، حتى سماه سجودا ، وإن لم يكن سجودا على الجبهة كما نعهد ، فإن هذا النوع لم يشرع لغير الله تعالى .

وينتهي ذلك الإرهاص في هذه القضية بطرد إبليس من الجنة ، رجيما مسخوطا بلعنة الله إلى يوم الدين بسبب عصيانه لله فيما أمره من تعظيم آدم


لم يكن آدم أثناء هذا نبيا ، ولا رسولا ، وإنما هي تمهيدات لما سيصادفه بعد ذلك من الوحي ... فأي إرهاص يكون أبلغ من هذا في مطلع التاريخ البشري






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #73  
قديم 15-04-2020, 04:55 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله


السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(73)

الإرهاص لداود عليه السلام








كان في فلسطين على عهد موسى – ومن قبل موسى – طائفة من الوثنيين، لا يؤمنون بربهم، ولا يستجيبون لدعوة رسول، وقد أراد موسى جهادهم بأمر الله، ولكن أتباعه من بني إسرائيل عصوه وقالوا له: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة: 24].

هؤلاء الوثنيون الجبارون ظلوا على كفرهم، حتى كانت النبوة من بعد موسى – بوقت ما – لرسول آخر يدعى «شمويل».

وقد أخبر هذا الرسول أمته أن الله اختار لهم – طالوت – ملكًا عليهم وهو الذي سينهض معهم بقتال الجبارين، وقد خرج طالوت يومًا بجيشه، واستقبل الجبارين تحت قيادة ملكهم – جالوت- وحينما رأى المؤمنون جيش الكافرين في كثرته وعتاده، حسبوا حسابه، ولكنهم اعتزوا على الكثرة بمعونة الله، وقالوا: ( رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ). وتهيئوا للقاء العدو، وكان في جيش المؤمنين غلام، لا عهد له بالحروب، ولا طاقة له بحمل السلاح والمقاومة، وهو غلام يرعى الغنم، ويحمل المقلاع والأحجار ليذود عن غنمه، ويجلب لها الكلأ، ويسقط أوراق الشجر ليطعمها.

نهض الغلام بمقلاعه، وقذف جالوت الملك القائد بحجر، فأصاب رأسه، وصرعه قتيلًا، ففر جيشه الكبير خوفًا من الجيش القليل، وأعز الله حينئذ طالوت، وكفى الله المؤمنين القتال، ثم حمل هذا الفتى – واسمه داود بن يسى – رأس جالوت، وذهب فخورًا بها إلى طالوت – الملك – فأعجب به، وأكبر شأنه، وزوجة ابنته، وأوصى له بالملك بعده.

ثم ظهر أن ذلك كله إرهاص لداود، إذ ظهر من حكمة الله أن اختاره للرسالة وأنزل عليه الوحي بها، وهو أول إنسان من بني إسرائيل اجتمع له سلطان الملك في الدنيا، وشرف الرسالة في الدين، وأقام الله به دينًا، ودولة.

فرمية الحجر بالمقلاع من غلام، وقتل الملك، وفرار جيشه، وانتصار المؤمنين في هوادة من غير تضحية، واندحار الجبارين في هوان بعد أن عاثوا في الأرض مفسدين زمنًا طويلاً.. كل هذه أحداث خارقة للعادة، وهي إرهاصات – ولا شك – لما تحقق لداود من شأن الرسالة.

وخاصة: بعد الذي عرفنا سابقًا من مهابة بني إسرائيل لحرب الجبارين وتخلفهم عن دعوة موسى إلى ذلك، وقولهم لموسى – عليه السلام - «إن فيها – القدس – قومًا جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها» وقولهم أخيرًا لموسى ( فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) [المائدة: 24].

وقد تحدث القرآن عن أصل القصة في سورة البقرة من آية (247) وختمها في قوله تعالى: ( فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ) [البقرة: 251]، وهو داود أبو سليمان عليهما السلام (1) .









(1) الوحي إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم للشيخ عبد اللطيف السبكي، ص(20، 21)، ط: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية (الكتاب الحادي والخمسون 1389هـ - 1969م).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #74  
قديم 21-05-2020, 03:00 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(74)



الإرهاص ليحيى بن زكريا عليه السلام

كان رسول الله زكريا – عليه السلام – غير منجب للذرية حتى بلغ من العمر مائة وعشرين سنة، وبلغت زوجه التسعين، وذلك أشبه بحال إبراهيم وسارة.
وكان زكريا كفيلاً على مريم في تربيتها، ورعايتها، لأنها فاقدة الأب، ولأن زكريا زوج خالتها، وبحكم تردده على مريم في محرابها الخاص بها كان يشهد مشاهد عجيبة من تكريم الله لمريم بنزول الطعام لها من عند الله.
وكان هذا التكريم يثير في نفسه الحنين إلى الذرية، ويغالبه الأمل في الله أن يرزقه ذرية طيبة ويدعو، ويكثر الدعاء في ذلك.
والقرآن يسوق لنا قصصه عن ذلك في مقامين، يعتبر كل منهما إرهاصًا ليحيى عليه السلام.
أحدهما: في سورة آل عمران إذ يقول الله تعالى: - «هنالك – يعني في موقف من مواقفه عند مريم – دعا زكريا ربه، قال: «رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ » [آل عمران: 38 – 39].
فانظر كيف يستجيب الله دعاء زكريا؟ وكيف تكون بشرى الملائكة له بمولود ذكر، وباسم المولود يحيى، وأنه سيكون جامعًا لصفات من الكمال، بل سيكون رسولاً، وسيكون حصورًا عن زواج النساء ليكون متفرغًا للرسالة والعبادة، على نحو ما كان التبتل قديمًا من العبادة.
هذه البشرى استعظمها زكريا، وكأنه رغب في التحقق منها: لا لشك عنده في خبر الملائكة – ولكن ليزداد سرورًا بسماع ما يؤكدها له من جانب الملائكة... فقال: « قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ » [آل عمران: 40].
يا رب: كيف أطمع في هذا بعد أن بلغت من الكبر ما بلغت.. ومع أن زوجتي عاقر لم يسبق لها حمل في زمن كان يرجى فيه حملها؟
ثم يتفضل الله على زكريا فيوحي إليه ما يزيده اطمئنانًا «اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ».
فيعود زكريا، ويلتمس من فضل الله علامة على ذلك، عندما يحين الموعد الكريم... فيوحي إليه الله أن علامة هذا: أنك تُمنع من كلام الناس بلسانك ثلاثة أيام بلياليها.. ولكنك تتفاهم معهم بالإشارات رمزًا، وعليك أن تكثر من ذكر ربك، وتسبيحه كل أوقاتك «قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً » [آل عمران: 41].
فهذا القدر من قصص القرآن إرهاص واضح بشأن يحيى – عليه السلام – من قبل أن يخلق، بل من قبل أن تحمل فيه أمه.
وهذا القدر المذكور قد يزداد وضوحًا لنا إذا ذكرنا المقام الثاني لهذه القصة من سورة مريم، ففي هذه السورة نرى تفصيلاً جميلاً لبعض الجوانب في القصة.
فزكريا يناجي في ضراعة خافية على الناس: يشكو ضعف جسمه واشتعال الشيب في رأسه لكبر سنه وأن هذه أخريات العمر، وامرأته عاقر لم تنجب له ولدًا، وأنه يخاف بعد وفاته على شريعة الله أن يعبث بها من يتولون الأمر بعده من بني إسرائيل كما هو دأبهم في التبديل، والتحريف.. وأنه يتعلق بالرجاء في الله أن يرزقه من فضله وليًّا يخلفه في الدعوة إلى الله ويكون وارثًا لأبيه، وللأخيار من آل يعقوب في البركة، والهداية، والإرشاد.. إلى آخر ما عرف من شأنه في هذا الاتجاه.
ويكون من فضل الله أن يستجيب له كما تقرر فيما أسلفنا من سورة آل عمران، وتصارحه البشرى في هذه المرة بأن اسم يحيى: لم يسبق لغير ولده، وهذا مما يزيده تفاؤلاً بابنه المرموق.. وتستغرق هذه القصة في سورة مريم أربع عشرة آية.. والشطر الأول منها في حكاية ما يقوله زكريا .. والشطر الثاني في تأكيد البشرى، وهو « يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ » [مريم: 7 – 9].
ونكتفي بهذا القدر من الإرهاصات في حياة الأنبياء السابقين وننتقل إلى الإرهاص في حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #75  
قديم 21-05-2020, 03:04 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله


السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(75)

الإرهاص لمحمد صلى الله عليهوسلم

كما جرت سنة الله _ تعالى _ أن يكون لبعض الرسل إرهاصات سابقة على بعثتهم كان الشأن كذلك مع خاتم الرسل محمد صلى الله عليه و سلم فلم يكن محمد بدعا من الرسل في الإرهاص له , كما لم يكن بدعاً من الرسل في اختياره رسولاً إلى الناس , و إن زاغ عن ذلك أهل الإفك و الضلال ممن كفروا به , مفترين على الله و رسوله ما ليس لهم به علم .
وبقدر ما كانت رسالة سيدنا محمد خطيرة الشأن بعد غيرها من الرسالات الأولى كان الإرهاص لها أعمق في التاريخ , وأفسخ مدى في جوانبه العلمية ،ووجه ذلك : أن الحياة الدنيا قبل بعثة محمد صلى الله عليه و سلم كانت متصدعة في نظمها الاجتماعية و في قيمتها الأدبية .
و كانت الإنسانية في ظمأ شديد إلى تشريع سماوي جديد يشفى غلتها , و يسد ذلك الفراغ الشاغر في مجتمعها , و يكفل توجيه الناس إلى الخير المنشود و يرأب الصدوع التي أحدثها الجهل الفاشي في البيئات البدائية , والتي أثارها النزاع الطائفي بين أهل الكتاب حتى طمسوا أكثر معالم الرشد التي جاءت بها الكتب السماوية الأولى.
وحينئذ تكون الشريعة المرجوة تامة , و نهائية , لا تمهيدية , و حسب الدنيا ما مر بها من التجارب في عصورها الغابرة.
وحينئذ _ أيضا _ يكون الإرهاص لهذه الشريعة مدعوماً بوسائل البيان الواسع الذي يقوم عليه صرح الدعوة شامخاً , لا تنال منه محاولات المبطلين مهما بطل الزمن.
وإزاء هذه الاعتبارات كانت حكمة الله متجاوبة مع طموح البشرية إلى الهداية الكاملة ، وكانت متلاقية مع الأهداف المثالية للإنسانية بالتوجيه إلى تلك الرسالة عبر الإرهاصات و المعجزات التي خص بها صلى الله عليه و سلم و إليك الحديث عن هذه الإرهاصات .

أخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه:
من الإرهاصات التي سبقت ميلاد نبينا محمد صلى الله عليه و سلم وأعلنت عن عظيم قدره , ورفيع منزلته ، وإكرام الله له : أخذ الميثاق على الأنبياء و المرسلين أن يؤمنوا به و ينصروه إن أدركوه و لحقوه ، فإن لم يدركوا زمنه فليبشروا أممهم بمجيئه و ليعهدوا إليهم بالإيمان به و النصرة له , قال تعالى وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[ سورة آل عمران /81 ، 82 ] .
و الميثاق في اللغة : عقد مؤكد بيمينو الميثاق : ــ العهد ــ وفيه معى الحلف ففي أخذه استحلاف لهم .
وأخذ الميثاق من المرء عبارة عن كون المأخوذ منه وهو المعاهَد ــ بفتح الهاءــ يلتزم للآخذ وهو المعاهِد ــبكسر الهاء ــأن يفعل كذا مؤكداً ذلك باليمين أو بلفظ من المعاهدة أو المواثقة .
و معنى ميثاق النبيين ما وثقوا به على أنفسهم من طاعة الله فيما أمرهم به و نهاهم عنه .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #76  
قديم 21-05-2020, 03:10 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(76)

تفصيل الأخذ في الميثاق


وأخذ الميثاق يقتضى آخذاً و مأخوذاً له و مطلوباً للأخذ . فآخذ الميثاق : هو الحق تبارك و تعالى كما يدل عليه ظاهر اللفظ.
والمأخوذ عليه الميثاق تعددت فيه الأقوال :
ففريق قال : المأخوذ عليه الميثاق هم النبيون كما يدل عليه ظاهر اللفظ.
وفريق قال : بل المأخوذ عليه هم أولاد النبيين على حذف المضاف و المراد بهم على الصحيح بنو إسرائيل لكثرة أولاد الأنبياء فيهم وأن السياق في شأنهم.
وفريق قال : بل المأخوذ عليه أمة النبيين فقد ورد كثيراً في القرآن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم و يراد به الأمة كقوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء) [ سورة الطلاق / 1 ].
وفريق قال : المرد من النبيين بنو إسرائيل و إنما سماهم الله بذلك تهكماً لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد صلى الله عليه و سلم لأنا أهل الكتاب ومنا كان النبيون، وهذا كما تقول لمن ائتمنته على شأن فخان فيه ثم زعم الأمانة : يا أمين ماذا صنعت بأمانتي:؟.
وهذه الأقوال مبينة على إن الإضافة في قوله " ميثاق النبيين " من إضافة العهد إلى المعاهد منه .
وهناك نوع آخر من الإضافة ينبني على معنى آخر ( وهو أن يضاف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثوق لا إلى الموثوق عليه كما تقول ميثاق الله وعهد الله , كأنه قيل : (وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم ).
والمأخوذ له الميثاق : هو سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم كما قال الإمام علي و ابن عباس رضي الله عنهما ، واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلي معين كقوله " ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً"ــ إلى قوله تعالى ــ " وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ " ( سورة النحل من 112 -113)
ومطلوب الأخذ : هو الإيمان بمحمد صلى الله عليه و سلم و النصرة له.
يقول العلامة الخازن في تفسيره " و ذكروا في معنى أخذ الميثاق وجهين :
أنه مأخوذ من الأنبياء.
أنه مأخوذ لهم من غيرهم.
فلهذا السبب اختلفوا في المعنى بهذه الآية ــ فذهب قوم إلى أن الله تعالى أخذ الميثاق من النبيين خاصة قبل أن يبلغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده أن يصدق بعضهم بعضاً , وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء و ينصره إن أدركه , وإن لم يدركه أن يأمر قومه بنصرته إن أدركوه ، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ، و من عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه و سلم ــ و هذا قول سعيد بن جبير و الحسن و طاووس"(1).
والحكمة من وراء ذلك : " أنه لما كان القصد من إرسالهم واحداً وجب أن يكونوا متكافلين متناصرين ، إذا جاء واحد منهم في زمن آخر آمن به و نصره بما استطاع , ولا يلزم من ذلك أن يكون متبعاً لشريعته كما آمن لوط لإبراهيم و أيد دعوته ، إذ كان في زمنه "(2)
و قيل أنما أخذ الميثاق من النبيين في أمر محمد صلى الله عليه و سلم خاصة ــ وهو قول علي و ابن عباس و قتادة و السدى .
فعلى هذا القول اختلفوا : فقيل إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل إليهم النبيين و يدل عليه قوله : ( ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ) "وإنما كان محمداً صلى الله عليه و سلم مبعوثاً إلى أهل الكتاب دون النبيين ، و إنما أطلق هذا اللفظ عليهم لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل كتاب و النبيون منا.
و قيل أخذ الله الميثاق على النبيين وأمهم جميعاً في أمر محمد صلى الله عليه و سلم فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد مع الإتباع وهو قول ابن عباس.
قال الإمام علي رضي الله عنه : " لم يبعث الله عز وجل نبياً , آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به و لينصرنه ، ويأمره فيأخذ العهد على قومه " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ... " (3)
و قيل : إن المراد من الآية أن الأنبياء كانوا يأخذون العهد و الميثاق على أممهم بأنه إذا بعث محمد صلى الله عليه و سلم أن يؤمنوا به و ينصروه ــ و هذا قول كثير من المفسرين .
و يؤكده أن الله تعالى حكم بأنهم إن تولوا كانوا فاسقين , و هذا الوصف لا يليق بالأنبياء و إنما يليق بالأمم.
وإلى هذا ذهب ابن عابس رضي الله عنهما _ فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير أنه قال : قلت لابن عباس إن أصحاب عبد الله يقرءون ( وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ) و نحن نقرأ ( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ) (آل عمران81) فقال : إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ــ وأشار بذلك رضي الله عنه إلى أنه لا تناقض بين القراءتين " .
(1) تفسير الخازن ( 1 / 373 ) ، وانظر : تفسير البغوي ( 1 / 374 ) ، حاشية الجمل ( 1 / 292 ).
(2) تفسير المنار ( 3 / 289 ).
(3) تفسير الطبري ( 6 / 555 )، والمحرر الوجيز ( 2 / 488 ) ، وتفسير الخازن ( 1 / 373 ) ، والبحر المحيط ( 2 / 509 ) ، والشفا (1/ 36 ) ، والوفا لابن الجوزي ( 1 / 37 ) وإسناد الحديث عند الطبري ضعيف من أجل سيف بن عمر ــ أحد رواته ــ قال عنه ابن عدي : بعض أحاديثه مشاهير وعامتها منكرة لم يتابع عليها ، التهذيب ( 2 / 470 ) . وله شاهد من حديث ابن عباس عند الطبري ( 5 / 556 ) وإسناده ضعيف ، فيه محمد بن حميد الرازي ، قال عنه ابن حجر في التقريب : " حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأي فيه " ، وفيه أيضا : محمد بن أبي محمد المدني ، قال عنه ابن حجر في التقريب ( 2 / 214 ) : مجهول .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #77  
قديم 21-05-2020, 03:16 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(77)

القول الراجح في المأخوذ له الميثاق

والقول الذي أرجحه و يميل إليه قلبي و تستريح له نفسي : هو أن الله أخذ الميثاق على الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه و سلم وأن ينصروه.
و معلوم بداهة أن الأخذ على المتبوع في طيه أخذ على الأتباع حيث إنهم مأمورون باتباع أنبيائهم فيما جاءوا به وأرشدوا إليه , وعليه فيكون أخذ الميثاق واقعاً على الأنبياء كفاحاً وعلى أممهم بالتبعية لهم.
روى الطبري بسنده إلى السدى قال في قوله ( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ ). الآية " لم يبعث الله عز وجل نبياً قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه ليؤمنن بمحمد و لينصرنه إن خرج وهو حي,وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به و لينصرنه إن خرج وهم أحياء"(1) .
و قال ابن كثير : " قال علي بن أبي طالب و ابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما : ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به و لينصرونه "(2).
وقال ابن هشام : و كان الله ــ تبارك و تعالى ــ قد أخذ الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به , و التصديق له , و النصر له على من خالفه , وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم ، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيهم , يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه و سلم وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ .....الآية )(3) .
ويقول بعض العارفين :- فآدم كانت أوامره بنصرته لأولاده لا تحصى , و نوح عهد إلى أتباعه باتباعه ووصى , و الخليل كان أكثرهم اجتهاداً في ذلك وحرصاً , و بنوه تواصوا و إسماعيل أكثرهم فحصاً , وتوراة موسى نطقت بنعته و صفاته , وأبانت عن معانيه وآياته , و أوضح برهان على ذلك و دليل ( أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ ) , وزبور داود أفصح بصدق معجزاته و أعرب عن ظهور بيناته ، وإنجيل عيسى شهد بأنه الخاتم الذي يشكر ويحمد , وصرح به قوله تعالى : ( وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) (4).
و بناءً على هذه الأقوال يكون المقصود من قوله تعالى : (ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ..... الآية ) رسولاً واحداً وهو محمد صلى الله عليه و سلم .
و بذا يضعف القول إلي ذهب إلى أن الميثاق إنما أخذ على كل نبي في النبي الذي يأتي بعده.
والذي يدعم ذلك و يؤكده وجوه :
الوجه الأول : أنه لم يرد في آية ولا في حديث صحيح أن الله تعالى أخذ العهد في شأن نبي غير نبينا صلى الله عليه و سلم , و يؤكده أن الميثاق في الآية مأخوذ من جماعة لمفرد " النَّبِيِّيْنَ , جَاءكُمْ " هذا في المأخوذ عليه أما المأخوذ له فقال " رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ ".
الوجه الثاني : أن القرآن لم يصف نبياً بأنه مصدق لما بين يديه أو مصدق لما مع الأنبياء قبله ، غير نبينا صلى الله عليه و سلم ، و لم يوصف كتاب بأنه مصدق لما بين يديه غير القرآن .
قال تعالى (وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ)[ سورة البقرة / 89 ] .
و قال تعالى ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ )[ سورة البقرة / 97 ] .
و قال تعالى : (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)[ سورة المائدة / 48 ] .
و قال تعالى : (وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ)[ سورة الأنعام / 92] .
و قال سبحانه في وصف النبي صلى الله عليه و سلم (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ منْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ)[ سورة البقرة / 101 ] .
و انظر كيف قال الله تعالى في حق عيسى عليه السلام (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ )[ سورة المائدة / 46 ].
و قال سبحانه (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) [ سورة الصف / 6 ] .
و يقول تعالى أيضاً (وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ )[ سورة آل عمران / 50 ] .
فعيسى الذي جاء متمماً لشريعة موسى عليهما السلام لم يكن إلا مصدقاً لما بين يديه من التوراة ، والإنجيل الذي جاء به كان مصدقا لما بين يديه من التوراة فقط , ولكن التوراة التي جاء عيسى متمماً ومصدقاً لها لم تكن مصدقة لما أنزل على إبراهيم أو لوط أو شعيب عليهم السلام , لتباين الشرائع المنزلة , ولأن تصديق الكتب كلها و الهيمنة عليها من خصائص القرآن العظيم.

(1) تفسير الطبري ( 6 / 556 ) .
(2) تفسير ابن كثير ( 1 / 378 ) .
(3) السيرة لابن هشام ( 250 ) .
(4) إيثار الحق على الخلق ص 82 .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #78  
قديم 09-06-2020, 08:16 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله


السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(78)



بقية وجوه الترجيح في المأخوذ له الميثاق



الوجه الثالث : أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم عامة , و شريعته دائمة , فناسب أن يؤخذ العهد على الأنبياء ــ إن ظهر في زمانهم ــ أن يؤمنوا به و ينصروه لعموم دعوته التي تشملهم , بخلاف الأنبياء , فقد كان كل واحد منهم يبعث لقومه خاصة , وربما اجتمع في الزمن الواحد نبيان وثلاثة وأكثر , كل نبي في قرية كإبراهيم ولوط , و يعقوب ويوسف , وموسى والخضر عليهما السلام , و لم يثبت أن نبياً اتبع غيره و ترك قومه أو أمرهم بإتباع ذلك النبي , ولولا أن موسى ذهب يطلب الخضر ليتعلم منه بواطن الأمور التي أوحى بها إليه , ما قدر لهما أن يجتمعا , فلا يعقل أن يؤخذ عهد على نبي في نبي آخر لا يلزمه اتباعه و لا الاجتماع به .

و لا يرد على هذا قول الله تعالى في شأن زكريا ( فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ )

لأن الملائكة لم يبشروه بيحيى مصدقاً بعيسى باسمه و شخصه , كما بشرت التوراة و الإنجيل بنبينا باسمه ونعته , ولكن مصدقاً بكلمة من الله , أي بعيسى من حيث كانت ولادته آية كما قال الله تعالى (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً)[ سورة المؤمنون / 50 ] .

و الحكمة في ذلك : الرد على النصارى لأنه إذا كان يحيى , وهو يوحنا المعمدان عندهم , يؤمن بأن عيسى كلمة من الله , أي أوجده بكلمة كن , كان ادعائهم فيه أنه ابن الله أو ثالث باطلاً لا ينبني على أساس.

الوجه الرابع: أن الله تعالى أخبر عن كبار الأنبياء أنهم بشروا بنبينا صلى الله عليه وسلم فقد دعا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فقالا ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ )[ سورة البقرة /129 ].

قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية في قوله " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ " يعنى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقيل له: قد استجيب لك ، وهو كائن في آخر الزمان ، وكذا قال السدى وقتادة(1)

وقال تعالى مبيناً بشارة التوراة والإنجيل به صلى الله عليه وسلم: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ)[ سورة الأعراف / 157 ] .

ولم يأت هذا في شأن نبي غيره، ومن ثم آمن به تبع الأكبر وحبيب النجار وورقة بن نوفل وغيرهم قبل ظهوره،ولم يؤمن بنبي أحد إلا بعد ظهوره كما قال الزمخشرى.

الوجه الخامس: أن الله أمد نبيه بالملائكة يقاتلون معه وينصرونه كما سيأتي وحيث وجب نصره على الملائكة الذين لم يتعبدهم الله بشريعة نبي قبله، لا في قتال، ولا في غيره، فمن المعقول جداً أن يجب نصره على إخوانه الأنبياء.

الوجه السادس: أن الله تعالى وصف صحابته في التوراة والإنجيل فقال: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ..) [ سورة الفتح / 29 ]

فبهذه الوجوه وهى مأخوذة من القرآن تكون آية الميثاق نصاً في نبينا صلى الله عليه وسلم لا تحتمل غيره.

وقد ورد على هذا القول إشكال بناء على أن الميثاق قد أخذ على النبيين أنفسهم، وهو أن هذا الرسول ما جاء في عصر أحد منهم وكان الله تعالى يعلم ذلك عند أخذ الميثاق عليهم لأن علمه أزلي أبدى.

وأجيب عنه: بأنه مبنى على الفرض، أي إذا فرض أن جاءكم وجب عليكم الإيمان به ونصره، ويكون المراد منه بيان مرتبته صلى الله عليه وسلم مع النبيين إذا فرض أن وجد في عصرهم، وهو أن يكون الرئيس المتبوع لهم، فما قولك إذا في أتباعهم لا سيما بعد زمنهم .

وإنما كان له صلى الله عليه وسلم هذا الاختصاص، لأن الله تعالى قضى في سباق علمه بأن يكون هو خاتم النبيين الذي يجئ بالهدى الأخير العام الذي لا يحتاج البشر بعده إلى شئ معه سوى استعمال عقولهم واستقلال أفكارهم وأن يكون ما قبله من الشرائع التي يجيئون بها هداية موقوتة خاصة بقوم دون قوم(2)




(1) تفسير ابن كثير ( 1 / 184 ).

(2) تفسير المنار ( 3 289 ).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #79  
قديم 09-06-2020, 08:23 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله


السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(79)




أقوال للعلماء تؤيد الترجيح السابق



والقول الذي رجحته وذهبت إليه ليس تفرداً منى: بل إن العلامة الأوسي بعد أن ذكر آراء العلماء حول الآية يقول : " واختار كثير من العلماء القول الأول – وهو ما رجحته وانتهيت إليه- وهو أخذ الميثاق من النبيين له صلى الله عليه وسلم على ما دل عليه قول الإمام على كرم الله تعالى وجهه، مع علمه سبحانه أنهم لا يدركون وقته لا يمنع من ذلك، لما فيه مع ما علمه الله تعالى من التعظيم له صلى الله عليه وسلم والتفخيم، ورفعة الشأن، والتنويه بالذكر، ما لا ينبغي إلا لذلك الجناب، وتعظيم الفائدة إذا كان ذلك الأخذ عليهم في كتبهم لا في عالم الذر فإنه بعيد كبعد ذلك الزمان – كما عليه البعض.

ويؤيد القول بأخذ الميثاق من الأنبياء الموجب لإيمان من أدركه عليه الصلاة والسلام منهم به، ما أخرجه أبو يعلى عن جابر قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني ) (1)

وفى معناه أخبار كثيرة وهى تؤيد بظاهرها ما قلنا – ومن هنا ذهب العارفون إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو النبي المطلق، والرسول الحقيقي والمشرع الاستقلالي، وأن من سواه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في حكم التبعية له صلى الله عليه وسلم" (2)


ويعلق العلامة ابن كثير على حديث أبى يعلى السابق بقوله: "وفى بعض الأحاديث: "لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي".

فالرسول محمد خاتم الأنبياء – صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين – هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل جلاله لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصص به صلوات الله وسلامه عليه"(3)

وللشيخ تقى الدين السبكى استنباط رائع استقاه من هذه الآية يقول الشيخ في كتابه "التعظيم والمنة في "لتؤمنن به ولتنصرنه" (في هذه الآية من التنويه بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيم قدره العلى ما لا يخفى- وفيه مع ذلك أنه على تقدير مجيئه فى زمانهم يكون مرسلا إليهم، فتكون نبوته ورسالته عامة لجميع الخلق من زمن آدم إلى يوم القيامة، وتكون الأنبياء وأممهم كلهم من أمته ، ويكون قوله:( بعثت إلى الناس كافة ) (4)،لا يختص به الناس في زمانه إلى يوم القيامة بل يتناول من قبلهم أيضا.

فانظر هذا التعظيم العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، من ربه سبحانه وتعالى، فإذا عرفت ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم هو نبي الأنبياء ولهذا ظهر ذلك فى الآخرة ، جميع الأنبياء تحت لوائه، وفي الدنيا كذلك ليلة الإسراء صلى بهم، ولو اتفق مجيئه في زمن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم وعلى أممهم الإيمان به ونصرته ، وبذلك أخذ الله الميثاق عليهم، فنبوته عليهم ورسالته إليهم معنى حاصل له، وإنما أمره يتوقف على اجتماعهم معه ــ فتأخر ذلك الأمر راجع إلى وجودهم لا إلى عدم اتصافهم بما يقتضيه – وفرق بين توقف الفعل على قبول المحل وتوقفه على أهلية الفاعل، فهنا لا توقف من جهة الفاعل ولا من جهة ذات النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة، وإنما هو من جهة وجود العصر المشتمل عليه، فلو وجد فى عصرهم لزمهم اتباعه بلا شك، ولهذا يأتي عيسى فى آخر الزمان على شريعته وهو نبي كريم على حاله، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدا من هذه الأمة – نعم هو واحد من هذه الأمة لما قلناه من اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم – وإنما يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن والسنة وكل ما فيهما من أمر ونهى فهو متعلق به كما يتعلق بسائر الأمة، وهو نبي كريم على حاله لم ينقص منه شيء، ولذلك لو بعث النبي صلى الله عليه وسلم فى زمانه أو فى زمن موسى وإبراهيم ونوح وآدم كانوا مستمرين على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم نبي الله ورسوله إلى جميعهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل وأعظم ويتفق مع شرائعهم فى الأصول لأنها لا تختلف – وتقدم شريعته صلى الله عليه وسلم فيما عساه يقع الاختلاف فيه من الفروع إما على سبيل التخصيص، وإما على سبيل النسخ – أو لا نسخ ولا تخصيص – بل تكون شريعة النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الأوقات بالنسبة إلى تلك الأمم مما جاءت به أنبياؤهم، وفي هذا الوقت بالنسبة إلى هذه الأمة هذه الشريعة ــ والأحكام تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات).

ولعمري إنه لاستنباط رائع وفهم جميل.








(1)الحديث أخرجه أحمد ( 3 / 387 ) وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني ، قال عنه ابن حجر في التقريب : ( 2 / 237 ) " ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره ، وقال في التنقيح : رجال أحمد رجال الحسن ، وعند أحمد وابن ماجه عن ابن عباس ، وإسناده حسن ، وعند ابن حبان عن جابر أيضا بإسناد صحيح ( بلوغ الآماني ( 1ذ / 175 ) وأخرج طرفا منه أبو نعيم في دلائله ( 1 / 8 ) ، وانظر : تفسير ابن كثير ( 2 / 56 ) .

(2) تفسير الألوسي ( 3 / 210 ).

(3) تفسير ابن كثير ( 2 / 56 ، 57 ) .

(4) أخرجه البخاري ، كتاب الصلاة ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ( جعلت لي الأرض مسجدا ... ) ( 438 )




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #80  
قديم 09-06-2020, 08:33 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,770
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية والشمائل المحمدية **متجددة إن شاء الله

السيرة النبوية والشمائل المحمدية
الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر

الحلقة(80)



تساؤل والإجابة عليه





فإن قيل قال الله تعالى: ( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ )[ سورة الأنعام / 90 ] فهذه الآية قد يشم منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع الأنبياء، وهو ينافى ما قرر سابقاً.

فالجواب:- ( بأن هداهم من الله وهو شرعه صلى الله عليه وسلم ، أي الزم شرعك الذى ظهر به نوابك من إقامة الدين وعدم التفرقة فيه ، ولم يقل الله "بهم اقتده" وكذا قال تعالى " ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً" [ سورة النحل / 123 ] وهو الدين فهو صلى الله عليه وسلم مأمور باتباع الدين، فإن أصل الدين إنما هو من الله تعالى لا من غيره – وأين هذه فى قوله صلى الله عليه وسلم "لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني" فأضاف الاتباع إليه ، وأمر هو صلى الله عليه وسلم باتباع الدين لا باتباع الأنبياء – فإن السلطان الأعظم إذا حضر لا يبقى لنائب من نوابه حكم إلا له، فإذا غاب حكم النواب بمراسيمه فهو الحاكم فى الحقيقة غيبة وشهادة

فإنك شمس والملك كواكب إذا ظهرت لم يبد منهن كوكب

وأنت مصباح كل فضل فما تصدر إلا عن ضوءك الأضواء

هذا وقد حقق القطب الرازى فى حواشية على الكشاف:- "أنه يتعين أن الاقتداء المأمور به ليس إلا فى الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة : كالحلم والصبر والزهد وكثرة الشكر والتضرع ونحوها ، ويكون فى الآية دليل على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل منهم قطعاً ، لتضمنها أن الله تعالى هدى أولئك النبيين عليهم السلام إلى فضائل الأخلاق وصفات الكمال، وحيث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بهداهم جميعاً، امتنع للعصمة أن يقال إنه لم يمتثل، فلابد أن يقال إنه صلى الله عليه وسلم قد امتثل وأتى بجميع ذلك وحصل تلك الأخلاق الفاضلة التى في جميعهم، فاجتمع فيه من خصال الكمال ما كان متفرقاً فيهم، وحينئذ يكون أفضل من جميعهم قطعاً كما أنه أفضل من كل واحد منهم، وهو استنباط حسن"

ولعله من نافلة القول أن ننقل كلام الخازن، ففيه توضيح وتفصيل لما حققه القطب الرازي.

يقول الإمام الخازن:- " احتج العلماء بهذه الآية – أى آية الأنعام السابقة – على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

بيانه: أن جميع خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقه فيهم، فكان نوح صاحب احتمال على أذى قومه، وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة فى الله عز وجل، وكان إسحاق ويعقوب من أصحاب الصبر على البلاء والمحن، وكان داود عليه السلام وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، قال الله فيهم: "اعملوا آل داود شكراً" وكان أيوب صاحب صبر على البلاء، قال الله فيه: "إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب" وكان يوسف قد جمع الحلتين يعنى الصبر والشكر، وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة، وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد فى الدنيا، وكان إسماعيل صاحب صدق، وكان يونس صاحب تضرع وإخبات.

ثم إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بهم، وجمع له جميع الخصال المحمودة المتفرقة فيهم، فثبت بهذا البيان أنه صلى الله عليه وسلم كان أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال التى كانت متفرقة فى جميعهم والله أعلم (1)

لكن قد يقال إن المزية لا تقضى الأفضلية ولذا قال أشياخنا المحققون: إنه وإن كان جامعاً لجميع ما تفرق فى غيره فتفضيله من الله لا بتلك المزايا، فقد فاقهم فضلاً ومزايا(2)






(1) تفسير الخازن ( 2 / 157 ) .

(2) حاشية الصاوي ص 10 ، 11 .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 192.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 186.28 كيلو بايت... تم توفير 6.01 كيلو بايت...بمعدل (3.12%)]