شعور بالوحدة وشَق الجلد باستخدام آلة حادة ! - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         تأثير المسلسلات المدبلجة على الأسرة العربية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 6 )           »          الأمومة وظاهرة العنف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          من الصفات التربوية للمعلم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          صفحات من الذاكرة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الصِّرح الشامخ .. (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          على روضة نبينا mp3 الإخوة أبوشعر جودة عالية (اخر مشاركة : البيرق الاخضر - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تجربتي مع جهاز ايليت بلس (اخر مشاركة : الامور عمر - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          ثلاثون درسا للإسرة المسلمة خلال شهر رمضان المبارك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          فقه وفتاوى وأحكام الصيام يوميا فى رمضان إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          كل عام وانتم بخير .... رمضان مبارك عليكم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى مشكلات وحلول

ملتقى مشكلات وحلول قسم يختص بمعالجة المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-03-2021, 05:03 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,127
الدولة : Egypt
افتراضي شعور بالوحدة وشَق الجلد باستخدام آلة حادة !

شعور بالوحدة وشَق الجلد باستخدام آلة حادة !


أ. عائشة الحكمي


السؤال
عندما كنت في السنة الدراسية الأولى من المرحلة المتوسطة، كنت إنسانًا مَرِحة كثيرًا، وكان لديَّ الكثير من الصَّديقات، والجميع يحبُّنِي، كنتُ أشعر بأنني مُحاطة بكثيرٍ من الناس الَّذين يهتمُّون بأمري ويحبونني، لَم أشعر بالوحدة أبدًا، إلاَّ أنه كان لديَّ صديقة، ولقد تركتني فجأة، وعندما تركَتْني، أصبحتُ في حالة سيِّئة، أتضايق كثيرًا، أبكي أكثر! أبحث عن راحتي ولا أعلم أين أجدها.
لجأت إلى أسوأ شيءٍ قد يلجأ إليه الإنسان عندما يتضايق؛ أصبحت أجرِّح في يدي؛ حيث أمسكت بأداةٍ حادَّة، وجرحت يدي، وأسلت من نفسي الدَّم، وظللت أُراقبه وهو يسيل! وأصبحت هكذا، كلما حدث شيءٌ يضايقني، أجرح يدي!
مضَتْ سنتان ونصف السنة وأنا أفعل ذلك، فُصِلت من مدرستي لهذا السبب، وافترقتُ عن بعض صديقاتي لهذا السبب، ولكن في المقابل حصلتُ على صديقاتٍ جُدد، كُنَّ يهتمِمْن بي، ويُشْعِرنني بحبِّهنَّ، ولكن بعد فترة، تغيَّرنَ فجأة، لَم يتحدَّثن معي إلى الآن، قطعنَ علاقتهنَّ بي، وكأنَّهنَّ لَم يعرِفْنني من قبل.
لَم يبقَ لديَّ سوى القليل من الصديقات، حتَّى أقرب الصديقات إليَّ ابتعدَتْ عنِّي بإرادتها، لا أعلم لِمَ جميعهنَّ يفعلنَ ذلك؛ فأنا على كامل يقيني بأنَّني لَم أُضايِقْهنَّ في شيء، ولَم أفعل شيئًا لِيَمحو حبَّهنَّ إيَّاي! بعت كلَّ شيء من أجلهن، لم أعد أجرح يدي مطلقًا؛ فقط لإرضائهنَّ، ولَم أعد أتناول أقراص الأدوية بِغَرَض الانتحار؛ فقط لإرضائهنَّ! أيُجازينني بِخُلف وعودهنَّ التي وعَدْنني بها، كما وعَدْنني بعدم تركي وحيدة؟!
دائمًا أشعر بالوحدة والفراغ، ليس لديَّ شيءٌ لأعيش من أجله، دائمًا أشعر بالاختناق، قلبي يؤلِمُني، ونبضاته تفوق النبض الطبيعي، أشعر بضيقِ تنَفُّس أحيانًا، أمزِّق نفسي بُكاءً، وأنا لا أدري ما السبب؟ أغضب كثيرًا من لا شيء، على كلِّ شيء! أتضايق وأتضايق، وأنا لا أدري ما سبب ضيقي؟! أتمنَّى أن أفقد ذاكرتي؛ فهي حقًّا مؤلِمة، لا أحبُّ أن أنام، أُبغض النوم بشدة، أنا أكرهه؛ لأنَّني عندما أنام، أرى أحلامًا مزعجة، منها أحلامٌ لأشياء جميلة لم تَعُد موجودةً الآن، فأنا أستيقظ لأرى أنَّها مجرد أحلام، أتمنَّى الكثير من الأشياء، لكن لا شيء منها يتحقَّق؛ أتمنى أن يكون لديَّ شخص يسمعني، يبقى بجانبي عندما أحتاجه، يفهمني، لا يتركني أبدًا، يفي بوعوده لي، لا يتغيَّر، لا يتركني لأصدقاء جدد تعرَّف عليهم، لا يكذب عليَّ، ولا يُجاملني، يَصْدق معي في كلِّ شيء، حتى في إحساسه.
أتمنَّى أن يمرَّ يومٌ دون أن أشعر فجأةً بضيقٍ لا أعلم ما سببه؟! دون أن أتمزَّق وجعًا لا أدري لِمَ يَسكنني؟! أتمنَّى سببًا أعيش لأجلِه، أتمنَّى أن يرضى الله عنِّي ويغفر ذنوبي كلَّها، ويقبض روحي؛ لأهاجر عن هذه الحياة التي أحرقَتْ ملامح الفرح في وجهي، أشتاق إلى مَن خرجوا من حياتي فجأة دون سابق إنذار، أشتاق إليهم بشدَّة، ليت باستطاعتي أن أبيع عمري كلَّه بلحظة معهم! حقًّا أنا في حالة سيِّئة، لم أعد قادرةً على الفضفضة والبوح عمَّا بداخلي، أنا كتوم، لكن أصبحتُ كتومًا أكثر.
كان لديَّ صديقة، أعدُّها (أختي وتَوْءمي)، لكنها تعرَّفَت على أصدقاء جدد، وتغيَّرَت عليَّ مِن أجلهم! كنت أُخْبِرها بكلِّ شيء، كلَّما تضايقتُ أذهب وأبوح لها بأسباب ضيقي، كانت تفهمني، وتخفِّف عني وتُواسيني، وتُنسيني ما ضايقَني، كنت أكلِّمها طوال الوقت لساعاتٍ كثيرة، وفي المدرسة، كنت لا أجلس مع غيرها، طوال اليوم ونحن معًا يدي بيدها، وقلوبنا معًا، لكن الآن كل شيء تغيَّر، يمرُّ أسبوع أو أسبوعان دون أن تتحدَّث معي، أو تسأل عنِّي، ولا يهمُّها ذلك، ولا يحزنها كما يحزنني!
أصبحت أكتم كل ما بداخلي، بداخلي؛ لأنَّني اعتدْتُ على أن أبوح لها هي (فقط)، ولَم أعتَدْ على أن أبوح لغيرها، فأصبحتُ لا أستطيع البَوْح لأحد؛ لا لها، ولا لغيرها! تغيَّروا جميعًا، فتغيَّر قلبي، أصبح كتومًا، يُخفي كلَّ شيء، ولا يحب أن يعرف أحدٌ شيئًا عنه، يحب أن يكون غامضًا، بعيدًا عن جميع القلوب؛ كي لا ينفطر!
أصبحتُ انطوائيَّة، وحيدة، أحبُّ أن أجلس وحيدة، لا أحبُّ الخروج من المَنْزل، أبقى ساعاتٍ كثيرةً في غرفتي مغلِقةً البابَ عليَّ، أتضايق عندما يأتي أحد ليجلس معي، لا أريد أحدًا، لا أحبُّ أن أتنفَّس أنفاسًا كاذبة؛ كمن يقول لي: أحبُّك، أنت مهمَّة بالنسبة لي، الأنفاس الكاذبة تلوِّث جَوِّي الكئيب، أغيب فجأةً عن الجميع؛ عن أصدقائي وأهلي، لأيام، قد يطول غيابي لأسبوع، ولا أجد مِن أحدٍ منهم أيَّ سؤال أو استفسار عنِّي! غيابي لا يهمُّ أحدًا، أَظْهر للناس بشكل الفتاة المرتاحة السعيدة، وأنا ميتة من الدَّاخل، أنا لست أنا، لَم أعد أعرِفُنِي، أنا أُحْتَضَر، أشعر بالوحدة القاتلة، ويومًا ما سيَقْتلني هذا الشعور!


الجواب
بِسْمِ اللهِ الهادي للحق
وهو المُستعان

أيَّتُها العزيزة:
إنَّ شَقَّ الجِلْد باستخدام آلةٍ حادَّة حتى يَغُذَّ العِرْقُ ما فيه من الدَّم، أو تناوُلَ العَقاقِير بإفراطٍ لغَرَض الانْتِحار، من الأعراضِ الشَّائِعة لسُلوكِ إيذاءِ الذَّات Self - injury/cutting، وهو سُلوكٌ يَدخُل ضِمْن نِطاق الوِسْواس القَهريّ، من فِئَة اضطراباتِ العَادات Habit Disorders أو اضطرابات التَّحكُّم في الانْدِفاع "النَّزَوان" Impulse ******* Disorders، وهي وسيلةٌ تعبيريَّة يلجأ إليها المُراهِق حين يَعْجِزُ عن التَّعبير بالكَلِمات عمَّا يَجِيش صدْرُه من انفعالاتٍ تَقَلْقل فيه؛ كالغَضَب، أو الحُزْن، أو المَقْت، أو الخَوْف، أو الشُّعور بالذَّنْب.
يشملُ إيذاء الذَّات صُورًا شتَّى من الإيذاء والإيلام؛ كإِحراقِ الجِلْد بحَدِيدة، أو سقي السُّم، أو الضَّرب، أو تناول العَقاقِير المُخدِّرة، أو الشَّرَه المرَضيّ، أو فقدان شَهِيّة الطَّعام، إلا أنَّ أكثرها شُيوعًا بين أَحْداث السِّنِّ: شَقُّ الجِلْد باستخدام آلةٍ حادَّة.
ففي دِراسةٍ حدِيثة شَمِلتْ 4000 حَدَث، وُجِد أنَّ 80% من الأَحْداثِ يَلْجؤون إلى شَقّ جُلُودهم بآلاتٍ حادَّة عند تعرُّضهم لمَواقِف انفعاليَّةٍ عَنِيفة، ومِن أبرز العَوامِل التي تدْفَع المُراهِقَ إلى إيذاء نفسِه بنفسِه:
1 - التَّعرُّض لاعتداءٍ جِنْسيّ.
2 - الشُّعور بالاكتِئاب.
3 - تدنِّي احْترام الذَّات.
4 - المُشكِلات مع الأَهْل والأَصْدقاء.
5 - البَطَالة أو وجود مُشكِلات في العمَل.

ويصبح الحَدثُ أكثرَ عُرْضةً لإيذاء نفسه إذا تَخَالَجَتْه المَشاعِر التَّالية:
1 - الإحساس بأنَّ النَّاس من حَوْله لا يُصغون إليه.
2 - القُنُوط مِن رَحْمة الله.
3 - الوَحْدة والانفراد عن الأَصْحَاب.
4 - عدم القُدرة على ضَبْط النَّفس؛ بسبب تعاطي الكُحول أو المُخدِّرات.
5 - العَجْز عن تغيير الظُّروف أو الواقع المَرير.
وأنا أُهنِّئ نفسي بكِ قبلَ أنْ أُهنِّئكِ بنفسكِ؛ إذ استطعتِ التَّغلُّب على هذه السُّلوكيَّات المُؤذية لنفسكِ، دون الحَاجِة إلى نَصِيحة مُختصٍّ نفسيّ، فليس في مُشكلتِكِ ما يدلُّ على عَجْزكِ، وإنَّما يدلُّ على امتلاككِ لنفسكِ، وقُوَّة إرادتكِ، وصَلابةِ قُدرتكِ على التَّغيير، وهي مزِيَّةٌ ستمكِّنكِ - إنْ شاءَ الله تَعالى - من التَّغلُّب على مُشكلتِكِ الحَاليَّة.

أحسب أنَّكِ بحاجةٍ إلى تدعيم هذا العِلاج الذَّاتيّ ببعض الأمور؛ مثل:
- تقوية الجانب الدينيّ عَبْر تذكُّر وصيَّة الله لنا بحفظ النُّفوس؛ ففي التَّنْزيل العزيز يقول تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195]، ويقول - عزَّ مِن قَائِل -: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، فاستَوْصي بنفسكِ خيرًا؛ فإنَّما أنتِ ياقُوتَةٌ غَاليِة.

وَالنَّفْسَ صُنْهَا وَعَامِلْهَا بِإِشْفَاقِ
وَحَاذِرَنْ سَفْكَهَا يَوْمًا بِإِزْهَاقِ



- تذكَّري أنَّكِ أُنْثى جَمِيلة، وهذا الإيذاء سيشوِّه جَمَال يديْكِ، ولعلَّكِ اليوم لا تشعُرين بضَرر ذلكَ، ولكنَّكِ حين تكبرين قليلاً، وتتمُّ خِطْبتكِ - بإذن الله تعالى - ستشعرين بمدى الضَّرر الذي لحق بهما من أثَر الجُرُوحِ والنُّدُوب، فابدئي منذُ الآن بالاهتمامِ بيديْكِ؛ فهما عُنْوان جمَالكِ.
- استثمري مَواهبكِ وهواياتكِ المُحبَّبة؛ فقد تلمَّستُ بين سُطوركِ رُوحَ أديبةٍ صغيرة، تستحقُّ منَّا الإشادَة، فلا تُهْملي موهبتكِ التَّعبيريّة بل استثمريها في عِلاج هذه المُشكلة؛ لأنَّ الكِتَابةَ الأدبيَّة وسيلةٌ رَائِعة مِن وَسائل التَّنفيس الانفعاليّ.
أما الصَّديقات، فهُنَّ مطلبٌ مُلِحٌّ لمن هي في عُمركِ، والصَّديق صِنْوُ الرُّوح، "لا أريدُ بالصَّديقِ ذلكَ القَريِن الذي يَصْحبكَ كمَا يَصْحبكَ الشَّيْطان؛ لا خيرَ لكَ إلا في مُعاداتِه ومُخالفته، ولا ذلكَ الرَّفِيق الذي يتصنَّعُ لكَ، ويُماسِحكَ متى كان فيكَ طَعْمُ العَسَل؛ لأنَّ فيه رُوحَ ذُبابةٍ، ولا ذلكَ الحَبِيب الذي يكونُ لكَ في همِّ الحُبِّ كأنَّه وطنٌ جَديد، وقد نُفِيت إليه نَفْي المُبْعَدين، ولا ذَلكَ الصَّاحِب الذي يكونُ كجِلْدَة الوَجْه: تحْمَرُّ وتصْفَرُّ؛ لأنَّ الصِّحَّةَ والمرَض يتَعاقبان عليها، فكُلُّ أولئكَ الأصدقاءِ لا تراهُم أبدًا إلا عَلى أَطْرافِ مَصائِبكَ، كأنَّهم هنُاك حُدود تُعرَف بها مِن أينَ تَبْتدئُ المُصِيبة لا مِن أين تبْتدِئ الصَّدَاقة، ولكنَّ الصَّديِق هو الَّذي إذا حضَر رأيتَ كيفَ تظهرُ لكَ نَفْسُكَ لتتأمَّل فيها، وإذا غابَ أَحْسَسْتَ أنَّ جُزءًا مِنكَ ليس فيكَ، فسَائِرُكَ يَحِنُّ إليه، فإذا أَصْبَح من مَاضِيكَ بعدَ أن كانَ من حَاضِركَ، وإذا تحَوَّلَ عنْكَ ليصِلَكَ بغيرِ المَحْدُود كما وصلَكَ بالمَحْدُود، وإذا ماتَ... يَوْمئذٍ لا تقُول: إنَّه ماتَ لكَ مَيِّتٌ، بل ماتَ فيكَ مَيِّتٌ؛ ذَلِكَ هُو الصَّدِيق"؛ ["السَّحاب الأحمر"؛ للرافعيّ].
والصَّديق الَّذي لا يقدِّر الصَّداقة، ولا يُخلِص للقُلُوب الصَّادقِة، فإنَّ القلبَ عنه في غِنى، وفي الكُتب مَنْدُوحَة عن كلِّ صَدِيق، والحَياة مستمرَّة بوجُود الأَصْدقاءِ مثلما هي مُستمرَّة بدونِهم!
في المَاضي، لم تكن هُناك فُرَص عديدة لاكتسابِ الأَصْدقاء إلا من خِلاَل الجِيرَةِ أو الدِّراسةِ في المَدْرسة، أمَّا اليوم فالمجالُ واسعٌ للتَّعارُف والتَّواصُل من خلال الشَّبكة، والنَّاس على اختلافِ أعْمَارِهم وأَجْناسِهم وجِنْسيَّاتهم وثَقافَاتِهم ومَذاهِبهم، موجودون بكَثْرة في المُنتديات والشَّبكات الاجتماعيَّة؛ مِثْل: الفيس بوك وتويتر وجوجل بلس، وكذلك يتواجدون في البَرامج الحِواريَّة الصَّوتيَّة؛ كالبالتوك والبايلوكس والإنسبيك، فلا تُضيِّقي دَائِرة صَداقاتكِ بالاقتصارِ على المُحيطين حَوْلكِ، بل سجِّلي في أحد المُنتديات ذات التَّوجُّه الإسلاميّ الثَّقافيّ الذي يُناسبكِ، وشاركيهم باهتماماتكِ، وطوِّري مَهاراتِكِ الفنِّيَّة أو الأدبيَّة أو العِلميَّة أو الدِّينيَّة، ومع مرور الوَقْت ستَستعيدين ثقتكِ بنفسكِ - إن شاء الله تعالى - كما ستكتسبين العديد من الصَّديقات الرَّائِعات.
الإنترنت نِعْمةٌ عَظِيمة متى استُثْمِرتْ في الدَّعوة والثَّقافة والتَّواصل الاجتماعيّ الذي يُرضي الله - سُبحانه وتعالى - فكُوني كما آمُل أن تكوني، والتمسي من هذه الدُّنيا الإلكترونيَّة ما ييسِّر به الله لكِ طريقًا إلى الفِرْدَوس الأَعْلى من الجنَّة.
تنتَمِين - أيَّتُها العزيزة - إلى جيلٍ وهبَهُ اللهُ العديدَ من الفُرص والتَّسهيلات الَّتي لم تحظَ بها الأجيالُ السَّابِقة؛ فكلُّ شيءٍ باتَ اليوم يقْرُب مُتَناوَله؛ كالكُتب والصُّحف والمجلاَّت والعِيادات ومَراكز التَّعليم والتَّدريب؛ لذلكَ أتعجَّب كثيرًا ممَّن يشكو الفَراغَ، وقِلَّة المَعْرفة، ونُدْرة الأصدِقاء، والإنترنت بين يديْه!
جيلُكم اليوم أكثرُ ذكاءً، وأعمقُ إدراكًا، وأقدرُ على حلِّ مُشكلاته بنفسه؛ لتوافُر وَسائِل المَعْرِفة والاتِّصال بين يديه، لكنَّكم لا تستثمرون هذه النِّعم كما ينبغي؛ لأنَّ الأجيالَ السَّابِقة (الأهل والمُعلِّمين والمُربِّين) يُحذِّرونكم منها، ويُخوِّفُونكم من تبعاتها، فجعلوا تفكيركم مَحْصُورًا في الوُقوع في الفِتْنة والشُّرور! رغم أنَّ الإنترنت كغيره من الوَسائِل قد يُستعمَل في الخَيْر، مِثْلما قد يُستعمَل في الشَّر؛ ﴿ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ [المائدة: 41]، ومن يُرِد اللهُ فتنتَه فسيُفتَتن دون دُخول الإنترنت أو الاتِّصال بالآيفون والبلاك بيري والجالكسي، والله - عزَّ وجلَّ - يقول في مُحكَم كتابه: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 10]، فهي هِداية وَضَعها اللهُ في قُلوبِ البشَر، ﴿ وَهَدَيْنَاهُ ﴾ تعمل كالبوصلة في دَواخِلنا؛ كي تدلَّنا على مواطن الشَّرِّ والخطَر، والمزالق وأماكِن الحُفَر، والطُّرق الآمنِة والمُعبَّدة، فلا تُعطِّلي هذه البوصلة الرَّبانيَّة في داخلكِ، بل اتركيها تعمْل وتُحذِّر وتدُلّ على الخَيْر، واستعملي عقلَكِ؛ لتُميِّزي بين الخَيْر والشَّر، ثم تَبْقى إرادتكِ هي العَامل الفَاصِل، فإن أردتِ استعمالَ الإنترنت في الشَّر، كان لكِ الإنترنت شرَّا ووبالاً وسببًا لدخُول جهنَّم، أو شئتِ استعمالَه في الخَيْر، كان لكِ الإنترنت خيرًا وصلاحًا وسببًا لدُخول جنَّة عَدْن؛ ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾ [النجم: 39 - 41].
فاطلبي من الله - سُبحانه وتعالى - أن يُقوِّيكِ ويَهْديكِ، ويحميكِ من شرِّ نفسكِ، ومن شرِّ كلِّ ذي شرِّ، واستأنسي بربِّكِ؛ فإنَّ مَن يأنس بربِّه لا يستوحش لفراقِ النَّاس والأشياء، ومَن يطمئِن قلبُه بربِّه فلا يقلق من صَرْفِ الدَّهْرِ، ومن يتنعَّم بذكِره - تَعالى - وطاعتِه فلا يُؤذيه أن يتخلَّى عنه الأحبَّة، أو يُؤذوه في نفسِه.
أما صديقتُكِ، فلا بُدَّ من أنْ تُصارحيها بقصُورها معكِ، فالصَّداقة إنْ لم تُبنَ على صِدق المودَّة والنِّصيحة والمُصارحة، فهي وهمٌ نعيشه باسم الصَّداقة، فصارحي صديقتَكِ بتغيُّرها وابتعادها عنكِ، لكِ أن تكتبي في رسالةٍ ما يجولُ في خاطركِ؛ فأنتِ مُتميِّزة في التَّعبير، فإذا استجابتْ لكِ فبنعمةٍ من الله، وإذا بَقِيتْ على حَالِها، فلا تأسفي عليها.

فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفِي التَّرْكِ رَاحَةٌ
وَفِي القَلْبِ صَبْرٌ لِلحَبِيبِ وَلَوْ جَفَا



ولا تعيشي من أَجْل الصَّداقة وحسب، بل عيشي لحُبِّ النَّاس ونفعِهم جميعًا، يقول "سيِّد قُطب" - رحمه الله - في رسالته "أفراح الرُّوح": "إنَّنا نعيشُ لأنفسِنا حياةً مُضَاعَفة حينما نعيشُ للآخَرين، وبِقَدْر ما نُضَاعِفُ إحسَاسَنا بالآخَريِن، نُضاعِف إِحْسَاسنا بِحياتِنا، ونُضاعِف هَذِه الحيَاة ذَاتَها في النِّهاية"، فحرِّري نفسَكِ مِن هذه الشَّرْنَقة الضَّيِّقة التي تحصرين بداخِلها سعادتكِ مع شَخْصٍ وَاحِد، فالحيَاة تَنْبجِس بالنَّاس، وحَبْسُ نفسِكِ بين جُدران غُرفتكِ سيقلِّل من فُرص تعارفكِ بهم، انطلقي - أيَّتُها العزيزة - كفراشةٍ صغيرة ترفرف بجناحيْها نحو السَّماء ونحو السُّمُوّ.



وَمَا دَامَ فِي الدُّنْيَا سُمُوٌّ وَرِفْعَةٌ
فَمَا أَنَا مَنْ يَرْضَى وَيَقْنَعُ بِالأَرْدَا



حُفِظتِ من شرٍّ ومن حَزَن، ونلتِ من المُنى فوق المزيد، آمين، والله - سُبحانه وتعالى - أعلم بالصَّواب.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 71.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 69.57 كيلو بايت... تم توفير 1.83 كيلو بايت...بمعدل (2.57%)]