مقاصد سورة العنكبوت - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         مَن يحدّد جنس الجنين.. الرجل أم المرأة؟ (اخر مشاركة : سيد محمد على - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          من أسباب شرح الصدر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          حقوق الجوار (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          التحذير من فتنة الشتم والسباب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          من سمات تشريعنا: الصراحة والوضوح (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 7 )           »          اللوامع في خلق التواضع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الحياء منزلته وفضله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          فضل قضاء الحوائج (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          خطبة عن الصحابي عبدالله بن عمرو بن العاص وعبادته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          أضرار إطلاق البصر في المحرم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-01-2021, 04:04 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 55,964
الدولة : Egypt
افتراضي مقاصد سورة العنكبوت

مقاصد سورة العنكبوت
أحمد الجوهري عبد الجواد



نور البيان في مقاصد سور القرآن
"سلسلة منبريّة ألقاها فضيلة شيخنا الدكتور عبد البديع أبو هاشم رحمه الله، جمعتها ورتبتها وحققتها ونشرتها بإذن من نجله فضيلة الشيخ محمد عبد البديع أبو هاشم".

(29) سورة العنكبوت


الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهدِيهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفِرُه، ونعوذُ به - سبحانَه - من شرورِ أنْفُسنَا ومن سيئاتِ أعمالِنَا، من يهدِهِ اللهُ؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضللْ؛ فلا هادِيَ له، ولنْ تجدَ له وليًّا مرشدًا.
وأشهد أنْ لا إله إلا اللهَ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ نبِيَّنَا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولِهِ.
اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ النَّبيِّ وأزواجِهِ أمهاتِ المؤمنينَ وذُرِّيتِهِ وأهلِ بيتِهِ، كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ.
نشهدُ ربَّنَا أنَّه بلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونصح للأمة، وكشفت الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهادٍ حتى أتاه اليقين، فصلي يا ربنا وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وتمسك بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد..
أيها المسلمون الأكارم، مع سلسلة حديثنا نمضي قدماً حول مقاصد سور القرآن الكريم، ونحن في هذه الساعة بعون الله تعالى على مائدة سورة العنكبوت، تلكم السورة التي جعلها الله تعالى في ترتيب المصحف بعد القصص وقبل سورة الروم، تلكم السورة التي توضح حقيقةً ضروريةً من حقائق الإيمان، ولازمةً من لوازم الإيمان، وحيث يعلم الله سبحانه وتعالى أن كثيراً من الناس سيرفعون راية الإيمان وسيحملون اسم المؤمنين ويتظاهرون بمظاهر المسلمين، فجعل الله لكل هؤلاء المؤمنين قنطرةً يقفون عليها ويُختبرون عندها، وهذا الاختبار يحتاج إلى جهاد ومجاهدةٍ للنفس، والكل يمر عليها فمنهم من يقف عندها وينقلب على ظهره ويرتد على دبره، نعوذ بالله، وينكشف كذبه وخداعه، ومنهم المؤمنون الصادقون يمرون عليها بسلام ويمضون في طريق الإيمان إلى الأمام حتى يصلوا إلى مرضاة الله الملك العلام فيفوزوا بجنةٍ عظيمة ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ *الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾، إنها حقيقة الابتلاء في الإيمان.

وبدايةً أحبتنا – كما تعودنا – أقول: إن هذه السورة سماها الله تعالى: "العنكبوت"[1]، ولم يُعرف لها اسمٌ آخر عند العلماء المفسرين[2]، العنكبوت، والعنكبوت معروف حشرةٌ غير مألوفة أو غير مؤتلفة ولا مستأنسة، نزيحها من بيوتنا ونرفعها عن أغراضنا، تتخذ بيوتها في مكان ما، ربما على جدارٍ أو بين أغصان الأشجار، في أي مكانٍ من الأماكن دون مراعاةٍ لطريق للناس أو للحيوان ولذلك هو أكثر البيوت تهدماً[3].

العنكبوت حشرةٌ مشهورة في بيتها بالضعف، سمى الله بهذه الحشرة هذه السورة المباركة، ولا يعيب هذا في القرآن بشيء من الأشياء لأن القرآن كلام الله والذي سمى السور هو الله عز وجل، فيسمي سورة البقرة، وسورة النمل، وسورة العنكبوت، وسورة الأنعام، وسورة الفيل.. وهكذا، هذا شأنه ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، فليسمّ ما شاء وليقل ما يشاء وربك يفعل ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، فهذا لا يعيب القرآن في شيء لأن الله ذكر كل كلمةٍ ولو كانت اسماً لسورة ذكرها في مقامها ووضعها في نصابها لتؤدي معناها وإشارتها ودلالتها، وهذه الكلمة عنوانٌ على هذه السورة تشير إلى ضعف الكافرين عند الابتلاء، حيث قال الله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، الآية بينت أن الذي يبني البيت في أسرة العنكبوت إنما هي الأنثى، ومعلومٌ أن الأنثى في كل مخلوقٍ وفي كل صنف من أصناف الخلق أضعف من الذكر، وهذا شأن الله في الخلق، لا عيب في الأنوثة وإنما هذا شأن الله في الخلق أن تكون الأنثى أضعف من الذكر، فالباني هنا ضعيف ثم هي التي بنت بيتاً فصار بيت الضعيف ضعيفاً، فقال تعالى ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا إذاً الكافر المشرك كالعنكبوت الأنثى في حالةٍ واحدة وهي حين تتخذ بيتاً ﴿ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾.

لكن لا يقل أحدٌ أن الله شبَّه الكافرين بالعنكبوت، أو شبه اليهود بالحمير، أو شبَّه بني إسرائيل بالبقر، لا، هذا ظلمٌ لهذه الحيوانات، إنما قال الله ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا، إنما شبَّه الكافر بالحشرة أو بالحيوان في حالة من حالاته، وإلا فلو كان المجال يتسع لنذكر ما قاله العلماء ونجمع ما قال الباحثون من إعجازٍ لله تبارك وتعالى في خلق وحياة العنكبوت لطال بنا الزمان، فقد يكون لهذا العنكبوت أو قد تكون أنثى العنكبوت خيراً في وجودها، في تأثيرها في الحياة من ملايين الكافرين المشركين، إنما شبَّه الله المشركين بأنثى العنكبوت وهي تتخذ بيتاً من خيوط ضعيفة رقيقة لينة تذهب مع الريح، وتعلق بكل شيءٍ فينهدم البيت، فهذا الاسم على هذه السورة لا يعيب السورة ولا يعيب القرآن لأن الكافرين قديماً قالوا قرآنٌ من عند الله وفيه عنكبوت وفيه ذبابة وفيه بقرة؟! نعم فيه كل شيء مما شاء الله ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا ﴾ أي مثل ﴿ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، فكانت كلمة العنكبوت هنا ذات دلالة وإشارة للمتدبرين المتفكرين.

وهذه السورة مكية نزلت قبل الهجرة إلا أنها في أواخر العهد المكي، كما قرر علماء القرآن كان نزولها تقريباً قبل الهجرة بعام، يعني في العام الثاني عشر من البعثة النبوية، قبل الهجرة إلى المدينة بسنةٍ تقريباً كان نزول هذه السورة، فكانت من أواخر ما نزل في العهد المكي[4]، ولذلك تجد فيها تلميحاً بالجهاد الذي سيشرعه الله ويفرضه في المدينة، تجد فيها إشارةً إلى كيفية المعاملة مع أهل الكتاب، كأن الله يجهز الأمة قبل هجرتها حينما تهاجر إلى المدينة وتقابل أهل الكتاب من اليهود والنصارى كيف تعاملهم وتناقشهم ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، وهكذا فيها إشارات إلى الهجرة ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ، ضُيِّق عليكم في مكة، لا تتمكنون من عبادتي عبادةً حقةً حرةً في أرض مكة التي هي أرضكم، ليست أرضك التي ولدت فيها، ليس وطنك الذي ولدت فيه، وإنما وطنك هو الذي يفتح لك أحضانه لتقيم حدود الله عليه، ولتقيم دين الله فيه، فإن ضُيِّق عليك هنا فاتركه لمن فيه وهاجر إلى بلد آخر تقيم دين الله فيه، فأساس حياتنا ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ لم تستطع أن تعبد الله في أرضٍ مُنعت منعاً تاماً من ذلك هناك أراضٍ كثيرة تستطيع أن تذهب إليها تقيم فيها عبادة الله ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ.

والسفر فيه مخطرة الموت، قال الله بعدها ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ تبقى هنا تهاجر إلى هناك ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾، ويخاف الإنسان إن بقي حياً مع سفره يخاف على رزقه، بعدها بآيات يقول الله تبارك وتعالى ﴿ وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، فلا تخش على أجلك فستموت ستموت لا محالة ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴾، ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾، لا تخش على رزقك لأن كثيراً من الدواب التي تدب على الأرض لا تستطيع حمل رزقها، الله يحمل إليها رزقها حيث كانت، أما أنت أيها الإنسان فتستطيع أن تحمل رزقك وأن تسعى عليه فكيف تخاف، بالله يرزقها ويرزقك أيضاً﴿ اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾، إذاً أقم دين الله في أي أرض.

هذه سورةٌ مكية - كما قلنا - وكانت في أواخر العهد المكي ولذلك تُجهِّز الأمة لما سيواجهها من قتال ومن مواجهة أهل كتاب مواجهةً فكريةً وما إلى ذلك، تُجهِّزهم للهجرة حتى يهاجروا إلى المدينة المنورة وأمثالها من البلاد التي تفتح أحضانها لتستقبل عباد الله المؤمنين.

هذه السورة لها موضوعات ولها ترتيب وتسلسل، بدأها الله تبارك وتعالى ببعض الأحرف المفردة كثمانٍ وعشرين سورة غير هذه السورة بها تكون تسعاً وعشرين سورة بُدأت بهذه الأحرف وأمثالها، وسورتنا تبدأ كبداية البقرة ﴿ الم وهذا تحد للكفار كما عرفنا بأن القرآن من عند الله، ولو كان من عند محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره من الخلق فأنتم يا عرب يا أهل مكة أنتم أفصح أهل الأرض فألِّفوا قرآناً مثله، وهذه حروفه "ا ل م ط س م ي س ك هـ ع ص" هذه حروف القرآن وهي حروف كلامكم ركِّبوا منها قرآناً مثل القرآن ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾، بدايةً يتحدى الله أهل مكة الذي افتروا أن القرآن من عند غير الله تحداهم بأن يأتوا بقرآن مثل القرآن ولو بسورة من مثله.

ثم تلتفت السورة مباشرةً إلى إعلان تلك الحقيقة ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾، فقد أوذي المسلمون الأوائل في مكة إيذاءً عظيماً وابتُلوا ابتلاءً كبيراً فصبروا والله تعالى يواصل مثابرتهم وتسليتهم في حزنهم هذا وفي مُصابهم هذا حتى يثبتوا، فما من قائلٍ يقول آمنت بالله إلا ويبتليه الله تبارك وتعالى، يبتليه يعني يمتحنه، يختبره أهو مؤمنٌ حقاً بالله مهما حدث له في الدنيا سيحتفظ بأعظم قيمة وهي الإيمان، يضحي بكل شيء دونها بالنفس والمال، أو أنه سيقدم الإيمان والدين رخيصاً يبيعه بثمنٍ زهيد من أول الأمر ومن أول ابتلاء، لابد من تعريض المؤمن هنا إلى هذا الابتلاء حتى يتبين الكاذب من الصادق ويميز الله الخبيث من الطيب، ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾ إذاً ستبتلون وتفتنون في طريق الإيمان أيها المؤمنون وعندها ينبغي ألا ترسبوا في هذا الابتلاء، وألا يعطلكم شيئاً ولو كانت الأمهات والآباء، ولذلك يأتي بعد ذلك ببعض آيات ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ نعم هذا ثابتٌ ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ﴾ رغم أننا أمرناك وأوصيناك أيها الإنسان أن تحسن للوالدين لكن لا تطعهما في معصية الله، هذا ابتلاء ومحلٌ من محال الابتلاء أن يبتلى الإنسان بوالديه، يا ولدي إن ذهبت إلى المسجد فلن أعرفك ولن تعرفني، لن تدخل البيت، لو آمنت بالله لن أعطيك من ميراثي..، وهذا حصل كثيراً في الأمة، يتبرأ الآباء والأمهات أحياناً من ولدهم إن آمن بالله عز وجل، من تطيع؟ هذا ابتلاء، أبي يمنعني أمي تمنعني، لا ولا كبراء الناس، ولا دعاة الفتنة أصحاب اللسان المعسول والشعارات الجذابة الكاذبة فالذين قال الله عنهم ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾، اتبعوا سبيلنا، كونوا وراءنا، اسمعوا كلامنا، توجهوا بتوجيهنا، نحن أفهم الناس، نحن أعقل الناس، ﴿ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ نحن فداؤكم، الله يكذبهم ويقول ﴿ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾، هذا ابتلاء، يبتلى الإنسان في مجتمعه الصغير في الأسرة، أو يبتلى في مجتمعه الكبير بكبرائه ودعاة الفتنة، فعليه أن يثبت على دينه وإلا فالخسارة كل الخسارة ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، هذه الإشارة فصلها الله بعد ذلك عبر آيات طويلة في السورة ذكر فيها ذكراً سريعاً لجملة كبيرة من الأمم السابقة، أرسل الله نوحاً وإبراهيم ولوطاً وفلاناً وعاداً وثمود، وقوم عاد وقوم ثمود وما جرى لهم، وقوم فرعون ومعه هامان وقارون، كل ذلك ذكره الله تعالى ليبين لهذه الأمة أن من قبلكم اختُبروا وابتُلوا فسقطوا ورسبوا وقدموا دينهم رخيصاً وضحوا بإلههم الحق في سبيل أشياء أخرى من متاع الدنيا الزائل الفاني، فماذا كانت عاقبتهم ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا ريحاً ترميهم بالحصى والحجارة ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ إذاً احذر على نفسك، أيها المؤمن انتبه فهناك ابتلاء، استعد نفسياً لاستقبال هذا الابتلاء واصبر واثبت عند هذا الابتلاء وحاول أن تتجاوزه بالثبات على دينك وإلا فالعاقبة معروفة ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ، وقريباً في سورة القصص السابقة ذكر الله ما جرى لقارون ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ، وذكَّر الله تذكرةً سريعةً في هذه السورة..
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-01-2021, 04:05 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 55,964
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مقاصد سورة العنكبوت

مقاصد سورة العنكبوت
أحمد الجوهري عبد الجواد




وهكذا إلى أن تأتي العبر الأخيرة في السورة إذ ينادي الله تعالى على عباده المؤمنين، يا من تريد الإيمان حقاً لا تتقيد بأرض ولا تتقيد بوطن، إنما تقيد بدينك، وطنك حيث كان دينك ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ أي اعبد الله في أي أرض ولا تضيق على نفسك، وهذا التوجيه الرباني يشير إلى مدى ما في القرآن من سلام اجتماعي بين أفراد البشرية، من سلامٍ اجتماعي عند المسلمين والإسلام، لم يأمر الله تعالى بمقاتلة من ضيَّق علينا ديننا بقدر ما أمرنا أن ننتشر في البلاد، هذه الأرض ضاقت بنا فلننطلق إلى أرض أخرى، وكان بإمكان الله تبارك وتعالى أن يأمر أهل مكة من المؤمنين أن يواجهوا الكافرين مهما كانت العواقب، قاتلوهم، عذبوهم، لكن أمر بذلك حين ذهبوا إلى المدينة فكان الكافرون ينهالون عليهم من كل مكان، فمن جاءنا من بلده إلى بلدنا ليقاتلنا ماذا نفعل معه؟ لابد أن نرد عن أنفسنا ذلك العدوان، لكن حين كانوا معاً في مكة أمر الله المؤمنين بالصبر، أمرهم بالإعراض عن أذى المشركين، أمرهم بالانتظار، أمرهم بالتحمل والالتزام، ومن السلام في الإسلام أن الله يقول ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ يعني إن ضُيق عليكم في أرضٍ فأرضي أنا، أنا الخالق أرضي أنا واسعةٌ وهي تحت أمركم انطلقوا فيها ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾ انطلق في الأرض واعبد الله حيث استطعت، ولم يأمر بمقاتلة من ضيق على دين الله ولنتركه لله، وكما قلنا مع هذا التوجيه وهذا الأمر يخشى الإنسان على عمره أولاً فإن السفر مخطرة ومخاطرة بالنسبة وخاصةً قديماً، ثم إذ رزقنا الحياة وبقينا أحياء فربما نموت في هذا الطريق الوعر المجهول، لا، لا تخشى على عمرك ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِبين أهلك ستموت، بعيداً عنهم ستموت، وحدك ستموت، في كل مكانٍ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾، تخشى على رزقك، لا، فالرزق بيد الله عز وجل ﴿ وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ فبسط الرزق وقدره ومنعه وإعطاؤه إنما هذا لله، فلا تخشى من شيء انطلق في أرض الله. [5]



هذا الهدف لا يقال بالادعاء فكثيرٌ من الناس اليوم يقولون لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، سهلةٌ جداً على لسانه، يسيرةٌ في نطقها، جميلةٌ في منطقها، ولكن أين هو إذاً ألمَّت به ملمة، إذا دخل لجنة من لجان الاختبار والابتلاء في الإيمان، ماذا لو ضاق رزقه، ماذا لو لم تتزوج ابنته أو ولده، أين يذهب، إلى من يفر والله يقول ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ، يفر إلى ميت في قبره بزعم أنه وليٌ نافع، يفر إلى واحد من الناس من الأحياء لينقذه من هذه الورطة وأنا في عرضك، ماذا يملك لك وعندك ربك الذي يملك كل شيء، إلى من نفزع عند شدائد أمورنا، وغلى من نلجأ ومن ندعو ومن نرجو؟ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة، فبعد أن نبه الله تعالى عن نفي الشرك وطلب التوحيد بيَّن أن كل من قال هذه الكلمة سيبتلى في سبيلها، يلتزم الإنسان بعد ضياع، كان قد ضيع دينه، بلغ مبلغاً من العمر لم يصلي ولم يصم ولم يقم بأمرٍ لله، ثم بدأ في الالتزام فأصابته بعض الإصابات فيقول له المقربون منه أصحابه الأقدمون على الوزر والباطل، يقولون له من يوم أن صليت وحالك قد انقلب، كأن الصلاة هي السبب، التزامك بالدين هو السبب، كان قبل أن يلتزم يمشي آمناً، بعد أن التزم يمشي خائفاً، أرأيت كنت آمناً معنا مطمئناً نسهر معاً نفعل معاً، إنما الآن تنام في بيتك كالدجاج من بعد العشاء، وربما ينام ليقوم لصلاة الفجر، وهكذا يُحمِّل الناس الأخطار شؤماً للإسلام والدين والالتزام، وهذا خطأٌ كبير، إنما اعلم أن الله يمتحنك ستثبت وتصبر أو أنك سترجع، ستنقلب على دبرك، انتبه هذا اختبارٌ من الله تعالى وله ألوانٌ وأشكالٌ كثيرة ولابد من الصبر.



السورة السابقة تنبه على الحقيقة المطلوبة وهي توحيد الله تبارك وتعالى، وهذه السورة من بدايتها تبين أن هذه الحقيقة لا تحق لإنسان ولا يستحق الوصف بها إلا بعد أن يُبتلى فيثبت وأن يختبر فيصبر، صبرنا الله جميعاً على الإيمان وثبتنا عليه حتى نلقاه وهو راضٍ عنا غير غضبان، ربنا لا تجعلنا كالعنكبوت ضعافاً هزالا نسقط في أول ابتلاء ونسقط من أول اختبار، نسألك ربنا أن تجعلنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

****



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد فأوصيكم عباد الله بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي عن عصيانه تعالى ومخالفة أمره، فهو القائل سبحانه وتعالى ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.



أما بعد..

أيها الإخوة المسلمون، ما بقي لنا في هذه السورة المباركة إلا بيان هدفها وغرضها الأساس، وربما قد أعلنت عنه ولكن خلال الكلام، إنما حينما ننظر في حال العنكبوت وهي تبني بيتها فإنها تبنيه في أي مكانٍ دون مراعاة لشيءٍ يهدمه أو يخطفه، فربما تبنيه على بعض أغصان الشجر فإذا هبت الرياح تلاعبت الأغصان فتمزقت الخيوط، وربما تبني العنكبوت بيتها وتنسج خيوطها في طريق يمر في إنسان، فأمر فيه فأشعر بخيط العنكبوت على وجهي فأمسحه، كما نسجت العنكبوت بيتها على باب غار حراء كما رُوي ذلك، فربما دخل داخلاً أو خرج خارج فيقطع خيوط العنكبوت.



هذا الضعف وفي مقابله القوة لا يظهر هذا من ذاك ولا يتميز إلا بالابتلاء، فهدف هذه السورة من خلال الإشارة باسمها ومن خلال أولها وآخرها ﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا إشارةٌ إلى أن الأمر يحتاج إلى مجاهدة، والمسلمون الأوائل بعد نزول هذه السورة بسنةٍ تقريباً هاجروا إلى المدينة، وما هي إلا سنةٌ أخرى حتى خرجت قريش لمحاربتهم فكان يتواجه الولد مع والده، الولد مسلم وأبوه كافر في جيش الكفار، ويُضطر إلى قتله أو الفرار من أمامه وخرق صفوف المؤمنين، وربما كان العكس، وربنا تقابل أهل القرابة الواحدة، وربما تقابل الصديقان والحميمان هذا أسلم وذاك بقي على كفره، ابتلاءٌ عظيم أن يضحي الولد بأبيه في سبيل الله، أن يضحي الأب بولده في سبيل الله، أن يضحي الصديق بصديقه الحميم في سبيل الله، ابتلاءٌ خطر أنزل الله من أجله سورةٌ تحمله وتبلوره وتهوِّن من خطورته على قلوب الصحابة رضي الله عنهم، سورة الممتحنة وفيها الامتحان الشديد ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ كما قلت وفيهم الأولاد وفيهم الآباء وفيهم الأمهات وفيهم الأصحاب وفيهم أهل القرابة والأرحام، ولكن لا تتخذه ولياً من دون الله، الله يكون أعز عليك يا مؤمن من ذاك القريب ومن ذاك الحبيب ومن ذاك الصديق الحميم، ابتلاءٌ شديدٌ جداً لتحقق لا إله إلا الله، ابتلاءٌ صعب نسأل الله أن يعيننا عليه وأن يجعلنا من الناجحين الفائزين فيه، معناها أو من معناها أن لا تخاف من أحدٍ مثلما تخاف من الله، أن لا تخضع لأحدٍ مثلما تخضع لله، أن لا ترجو في أحدٍ مثل رجاءك في الله، أن لا تحب أحداً مثل حبك لله، مسألةٌ في منتهى الخطورة، تحتاج فعلاً إلى مجاهدة نفس تنازع وتماطل وتُسوِّف، تقول لصاحبها حينما تصل إلى المسجد الفلاني الذي يُبنى، حينما يأتيك المال الفلاني، حينما يوسع الله عليك فادفع في هذا المسجد مبلغاً وقدره، كلامٌ جميل، وعند التنفيذ تشح النفس ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ، تعد بفعل الخير وعند توقيعه وتحقيقه تخالف، امتحان، الأهل في البيت يعاكسونني في دين الله، الأب، الأم، الزوجة، الأولاد ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾، قد يكون لزوج، قد تكون الزوجة، قد يكونوا الأولاد صادَّاً عن سبيل الله مانعاً في طريق الإيمان معطلاً عن عمل الخير، ابتلاء، اختبار، المجتمع الذي أعيش فيه يسلك منهجاً معيناً، يسير في تيار معين وأنا لو التزمت بديني سأعاكس الناس وأخالف الناس، وماذا يقول الناس عني، متخلف، رجعي، بخيل، كذا وكذا.



يرسب لو أطاع نفسه كما رسب أبو طالب، يحب الدين ويحب ابن أخيه صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه ويمنع عنه، وحينما جاءه الموت عرض النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول لا إله إلا الله على ما كان منه، أن يختم بها حياته، يدافع له وعنه بها عند الله يوم القيامة، فقال لا يا ابن أخي بل على ملة الأشياخ[6]، أي كبار قريش، ملة الشرك والأصنام، بل على ملة الأشياخ أخشى أن تقول قريشاً ضعف أبو طالب عند موته[7]، الخوف من الناس شركٌ مع الله عز وجل[8]، إنه يمنع الإنسان من تطبيق حد من حدود الله على نفسه، من إقامة شعيرة من شعائر الدين في نفسه وفي ولده، لماذا يقيم الناس أفراحهم في الشارع هكذا، يقطعون الطريق على المارة، يزعجون الحي بأكمله، بأصوات أنكرها الشرع، بأصوات مزعجة، بأصوات محرمة، لماذا، لماذا يشربون الخمور في الشارع علناً، لماذا يجعلون ليلةً راقصةً ماجنةً هازلة، لألا يُقال بخلوا، لألا يُقال ما هان عليهم أن يزوجوا ابنتهم وأن يقيموا لها فرحاً مثل الناس، لماذا يتنافس الناس على فندق كذا أو نادي كذا في الأفراح، لماذا يقيمون ليالي المآتم بسرادقاتٍ كبيرة وبشكل مبالغ فيه، ويأتوا بالشيخ فلان من هناك وربما من الإذاعة أو التليفزيون أو كذا، لماذا؟ تفاخر في الدنيا ليس لله ولا رحمةً بالميت، تعالى وقل لهم نريد مبلغاً للمسجد، نريد مبلغاً لأسرةً فقيرة، تلك فتاة يتيمة تريد الزواج مثل ابنتك وابنتي، من يزوجها قد مات أبوها وأنت أبوها وأنا أبوها تعالى نزوجها، يعطيك الفتات المتبقي المتهالك الذي لا ينصرف معه، وهكذا ابتلاءات واختبارات في الأسرة الصغيرة وفي الأسرة الكبيرة وهي المجتمع، حينما يسمع من يقول له ﴿ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ رقبتي سدادة، فينظر إلى رقبة المتحدث فيراها رقبةً ضخمة سمينة فيفرح بها ويقول والله هذه تحملني ما شاء الله، أتعلق بها، علقها في رقبة عالم واطلع سالم، هذا كلامٌ باطل ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾، احذر أن يغريك أحدٌ بكلام مثل هذا، لا تفعل كذا من الخير وأنا أحمله عنك، ذنبك علي، سأتحاسب عنك يوم القيامة، أنا سأقول لله يا رب أنا الذي أمرته بهذا، لا تحمل هماً لكن اذهب كما أقول لك، كل هذا بأشكاله وألوانه الله أجمله في قوله ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾.

إذاً هو الابتلاء أحبتي الكرام، صبراً صبرا، وإذا ثقل الابتلاء عليك في الدين فانظر إلى من ابتلي قبلك، انظر إلى الصحابة رضي الله عنهم كم ابتلوا، انظر إلى العلماء كم ابتلوا، انظر إلى الأنبياء فهؤلاء أكثر الناس ابتلاءً، كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون للنبي صلى الله عليه وسلم ويخبرونه بما وقع عليهم من أذى، يا رسول الله أوذينا فُعل بنا كذا وكذا، لا يقولون هذا ضجراً بالإسلام ولا تبرماً في الدين، يريدون أن يتحللوا منه، لا، إنما تأذن أن ندفع عن أنفسها، صرنا أقوياء، صرنا كثيراً ائذن لنا أن ندفع عن أنفسها، ولا جواب عنده إلا أن يقول لهم اصبروا أيضاً، ولكن اصبروا اصبروا اصبروا حتى متى؟ فيخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام بدلاً من أن يقول اصبروا يذكرهم بمثالٍ ممن سبقهم، من الأمم السابقة فيقول: "إن الرجل ممن كان قبلكم كان يؤتى به" بسبب دينه، بسبب أنه يقول لا إله إلا الله "إن الرجل ممن كان قبلكم كان يؤتى به فيوضع المنشار في مفرق رأسه فيشق نصفين بالطول ثم يمشط بأمشاطٍ من حديد ما بين اللحم والعظم" يعني يُشفى "وما يصرفه ذلك عن دينه"[9]، فيتقوى الصحابة وينتظرون استقبال بلاءً أكبر وإيذاءً أكثر وهم صامدون صابرون.



هذا هو العلاج، اصبر وإذا ثقل عليك الصبر فانظر إلى أمجادك وإلى أهل العلو من الأمة الذين ابتلوا فصبروا وصبروا وصبروا ولم يضجروا ولم يتركوا دينهم، ولم يتخلوا عن شيء من الدين، لهذا نسأل ربنا سبحانه وتعالى أن يثبتنا على دينه.



اللهم إنا ضعافٌ فخفف علينا الابتلاء، اللهم إنا ضعافٌ فخفف علينا الابتلاء، وارزقنا معه عدة الصبر والصابرين يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نستعيذ بك من كثرة الفتن، وموج الفتن، وأهل الفتن، اللهم ثبتنا على دينك الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم سلمنا في ديننا، اللهم سلمنا في ديننا، سلمنا يا ربنا في ديننا، نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، اللهم لا تخرجنا من الدنيا إلا على لا إله إلا الله، اجعلها حياتنا، واجعلها آخر كلامنا في الدنيا، واجعلها يا ربنا لفظ موتنا، ولهج أنفاسنا عند قبض أرواحنا، وأحيينا يا ربنا في أهلها يوم القيامة وابعثنا فيهم يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار، اغفر اللهم للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات ورافع الدرجات، اشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم أمواتنا وأموات المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اجعل اللهم خير أعمالنا خواتمها وخير أعمالنا أواخرها، وأوسع أرزاقنا عند كبر سننا، وخير أيامنا يوم نلقاك يا أرحم الراحمين.



عباد الله ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾، اذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم.. وأقم الصلاة.





[1] عن عكرمة قال: كان المشركون إذا سمعوا تسمية سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزئون بهما، أي بهذه الإضافة فنزل قوله تعالى: {إنا كفيناك المستهزئين} [الحجر: 95]، انظر: التحرير والتنوير (20/199).



[2] انظر: الإتقان في علوم القرآن (1/148- 157).



[3] لسان العرب (1/632).



[4] انظر: التحرير والتنوير (20/ 200).



[5] بعد هذه الفقرة ذكر الشيخ عبارات لم أوردها هنا، حيث لم أتبينها لعدم وضوح التسجيل.



[6] أخرجه البخاري (1294)، ومسلم (24).



[7] أخرجه مسلم (39، 40).



[8] روى البيهقي في الشعب (6469) عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: "تَرْكُ الْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللهُ عَنْهُمَا"، وانظر تفصيل ذلك في: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (10 /648).



[9] أخرجه البخاري (6544).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 90.10 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 87.81 كيلو بايت... تم توفير 2.30 كيلو بايت...بمعدل (2.55%)]