حقوق الوالدين - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         ادارة_وتشغيل_الشركات_والمشاريع (اخر مشاركة : النخل العايم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          ساعدوني في معاناتي وحياتي البائسة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          أجهل ما أريده.. وأشعر بالإحباط (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          في حيرة بين الابتعاث والعمل كمدرس (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          كيف أربي أبنائي بعد وفاة زوجتي؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          زميلي في المدرسة يحاول التقرب مني (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          مطلقة ثلاثا كتب كتابها فقط وطلقت، هل تحل لزوجها الأول؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          ظروفي لا تسمح لي بالزواج (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          زوجي وكلامه الجارح (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          أنا غير راض عن نفسي فكيف أكتسب الثقة؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-10-2020, 04:00 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,364
الدولة : Egypt
افتراضي حقوق الوالدين

حقوق الوالدين (1)


أحمد عماري





الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد؛
إخوتي الكرام؛ مع حق آخر من الحقوق الإسلامية، أوجبه الله تعالى على عباده إكراما لصاحب الحق، واعترافا بجميله وإحسانه، فرفع الله من شأنه، وأعلى من قدره، وقرَنه بالأمر بعبادته وشكره؛ ذلكم هو حق الوالدين.. وما أدراكما الوالدان.. حقوقهما في الإسلام محفوظة، ومكانتهما عند الله عظيمة..

فالوالدان هما سببُ وُجودِ الأبناء والبنات بعد إذن الله ومشيئته..
هما مَنْ ربّى وعلم، وأرشد وقوّم، وتعب وصبر، وأحبّ وأشفق...
هما موئل السعادة والفرح، وروضة العطف والحنان، ويَنبُوع المودّة والرحمة...

لا يُحْصَى ما لقياه من تعَبٍ ونصَب، وألم وأذىً، وسَهَر وقيام، وقلةِ راحةٍ وعدمِ اطمئنان، من أجل راحة الأبناء والبنات، وفي سبيل رعايتهم، والعناية بهم.. فسَهَرٌ بالليل، ونصَبٌ بالنهار، ورعاية واهتمام بالتنظيف في كل وقت وحين، وحماية من الحرّ والبرد والمرض، وتعهّد وتفقد لحالة الأبناء من جوع وشبع، وعطش وروي، وصحة ومرض.. يراقبان حركاتِ الصغير وسكناتِه، ومشيَه وجلوسَه، وضحِكه وعُبُوسَه، وصِحّته ومَرَضَه، يَفرحان لفرَحِه، ويَحْزنان لحُزنِه، ويَمْرَضان لمرضه...

الأم، وما أدراكما الأم؛ هي التي حملتْ ووضعتْ وأرضعتْ، وأطعمتْ وسقتْ، وسَهِرَتْ وتعبتْ.. فكان لبنها الغذاءَ والطعام، وحِجْرُها المرقدَ والمَنام..

الأم؛ هي التي حملتْ وَلِيدَها تسعة أشهر في بطنها، وهي تعاني من آلام ومرض ووَهَن وثِقل، حتى إذا آن وقت المخاض والولادة، شاهدَتِ الموت، وقاستْ من الآلام ما الله به عليم، فتارة تموت، وتارة تنجو..

وبعد الولادة يبدأ السهر والتعب، تُرْضِع وليدها حولين أو أقرب.. تضعُف لمرض وليديها وفلذة كبدها، وتغيبُ بسمتها إن غابت ضَحْكته، وتذرف دموعها إذا اشتد به المرض والوَعْك، وتحْرِمُ نفسَها الطعام والشراب إن صام طفلها عن لبنها، وتتحمّل من الذل والشقاء أمثالَ الجبال كي يحيا ويَسْعد، وتموتُ راضية إذا اشتدّ عودُه واستوى، ولو كان ذلك على حساب صحتها وقوّتِها وسعادتِها.. لذا خصّها الله تعالى بالذكر في وصيته بالإحسان إلى الوالدين، فقال عز وجل: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ [الأحقاف: 15]. أي قاست بسببه في حال حملِه مشقة وتعباً، ووضعته بمشقة أيضاً من الطلق وشدته. وقال سبحانه: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ [لقمان: 14]. أي حملته أمه في بطنها جَهْداً على جَهْد، وضعْفاً على ضعف، وتربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين..

كما قدمها النبي صلى الله عليه وسلم على الأب في البرّ والصلة والإحسان، لما تنفرد به عن الأب من الحمل والوضع والرضاعة.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مَنْ أحقّ النّاس بحُسْنِ صحابتي؟ قال: «أمّك» قال: ثمّ من؟. قال: «ثمّ أمّك». قال: ثمّ من؟ قال: «ثمّ أمّك». قال: ثمّ من؟. قال: «ثمّ أبوك». متفق عليه. فحق الأم مُضَاعَف على حق الأب بثلاثة أضعاف؛ لأنها وحدها التي تحمِل وتضَعُ وترضِع..
ومهما اجتهد الأبناء في البر بالأم فلن يُوَفوها حقها ولن يبلغوا الغاية في مكافأتها...

عن أبي بردة أنه شهد بن عمر، ورجلٌ يماني يطوف بالبيت، حَمَلَ أمه وراء ظهره، وهو يقول: إني لها بعيرَها المذللْ * إن أُذعِرَتْ ركابُها لم أذعَرْ. ثم قال: يا بن عمر؟ أتراني جَزَيْتها؟ قال: "لا، ولا بزفرَة واحدة". أي لم تجازها ولو بطلقة واحدة عند الوضع. أخرجه البخاري في الأدب المفرد.

وعن زُرْعة بن إبراهيم، أن رجلا أتى عمرَ بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي أمّا بلغها من الكبَر أنها لا تقضي حاجة إلا وظهري مطية لها، فأوطيها وأصرف عنها وجهي، فهل أدّيْتُ حقها؟ قال: لا. قال: يا أمير المؤمنين، أليسَ بعدَ ما حملتها على ظهري، وحبسْتُ عليها نفسِي؟ قال: «لا، لأنها كانت تصنع ذلك بك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنع ذلك بها وأنت تتمنى فراقها». أخرجه ابن وهب في جامِعِه.

والوالد، وما أدراكما الوالد؛ ذلك الرجل الذي يَكدّ ويتعب، ويجد ويلهث، ويروح ويغدو، من أجل راحة أبنائه وسعادتهم، فالطفل لا يحب بعد أمه إلا أباه، الذي إذا دخل هش وبش به، ولعب معه ومرح، وإن خرج تعلق به، وبكى من أجله وصرخ، وإذا حضر قعد على حجره، مستنداً على صدره، وإذا غاب سأل عنه وانتظره بكل شوق وحُبّ، فإذا رَضي الوالد أعطى ولده ما يريد، وإذا غضب أدّبَهُ وعلمَه بالمعروف من غير عنف ولا إحراج.

الأب؛ هو الذي يعمل ليل نهار من أجل أن يجلبَ لأبنائه الطعامَ والشرابَ واللباسَ، وغيرَ ذلك مما يحتاجونه ويطلبونه.. إذا مرض أحدهم أسرَع بنجدته وإسعافه وتمريضه..

الأب؛ ذلك الإنسان العطوف الحنون، الذي يحمل بين جنبيْه قلباً كبيراً مملوءاً حباً وشفقة ورحمة لصغاره وأبنائه، يَمْرَح معهم ويُداعبهم تارة، ويُعلمهم ما ينفعهم تارة.. يتحمّل الصعاب ويقتحم الشدائد الجسام من أجل راحة أبنائه وإسعادهم.. يوفر لهم كل ما يفيدهم في حياتهم، ويعينهم على طاعة ربهم..

فمهما قدّم الأبناء من بر لوالدهم فلن يوفوه حقه، لأن له قدَمَ السّبْق في ذلك.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَجْزي وَلدٌ وَالِداً إلا أن يجدَه مملوكاً فيشتريَه فيُعتِقه». أخرجه مسلم.

فحَريّ بكل ابن وابنة أن يُقدّرَا للوالدين هذا الجُهْدَ والعناء، وأن يشكرا لهما حُسن التربية والرعاية والتعليم، وأن يقوما بأداء ما عليهما من حقوق الوالدين في كل وقت وحين..

حقوق الوالدين:
إخوتي الكرام؛ حق الوالدين عظيم، ومعروفهما لا يُجَازَى، وجميلهما يربو على كل جميل من الخَلق، وليس في الناس أعظمُ إحساناً ولا أكثرُ فضلاً من الوالدين.

ويكفي بيانا لعِظم حق الوالدين، أن الله تعالى قرَنَ حقهما في البرّ والإحسان بحَقهِ في العبادة والتوحيد، فقال سبحانه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]. أي وصّى وأمر بإفراده بالعبادة، ووصّى وأمر بالإحسان إلى الوالدين. وقال عز وجل: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36]. كما قرن شكره بشكر الوالدين، فقال سبحانه: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14]. وشكرُ الوالدين يكون بأداء حقوقهما التي أوجبها الله تعالى وحث عليها رسوله صلى الله عليه وسلم.

1- فمن حقوق الوالدين على الأبناء: برّهما والإحسانُ إليهما؛ بخدمتهما، وطاعتهما، والتودّد إليهما، والإنفاق عليهما، ومعاملتهما بحُسْنِ خلق وأدب، وغير ذلك من أوْجُهِ البرّ والإحسان.
سئل الحسن البصري رحمه الله: ما برّ الوالدين؟ قال: "أن تبذل لهما ما ملكت، وتطيعهما فيما أمراك ما لم يكن معصية".

فالبرّ بالوالدين والإحسانُ إليهما، وصية الله لعباده؛ فقد قال سبحانه: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ [الفاتحة: 8]..
برّ الوالدين والإحسانُ إليهما، خلقُ الأنبياء، ودأبُ الصالحين؛ قال تعالى في وصف نبيه يحيى عليه السلام: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾ [مريم: 14]. وقال عن عيسى عليه السلام: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ [مريم: 32].

برّ الوالدين والإحسانُ إليهما، من أفضل الأعمال التي يتقرّب بها العبد إلى ربه؛ فعن عبد الله بن مسعود قال: سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ العمل أحبّ إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أي؟ قال: «ثم برّ الوالدين» قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. متفق عليه.

ويقول ابن عباس رضي الله عنه: "إني لا أعلم عملاً أقربَ إلى الله من برّ الوالدة". أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد.

وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحَيّ والداك؟»، قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهدْ». أي: ابذُلْ جُهدَك في إرضائهما وبرّهما، فيُكتبُ لك أجرُ الجهاد في سبيل الله.

2- من حقوق الوالدين على الأبناء: طاعتهما وإجابة ندائهما؛ حق على الأبناء أن يطيعوا آباءهم في المعروف، وأن يُلبّوا نداءهم ويستجيبوا لطلباتهم بكل حبّ وشوق وتطلع إلى خدمتهما، وبدون تردد أو تضجر أو كسل، فلهما قدمُ السبق والتقدّم في التربية والرّعاية والقيام بواجب الأبناء عليهم.. فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع: - منها - "وأطِعْ والِدَيْك، وإنْ أمَرَاك أن تخرُجَ من دُنْيَاك؛ فاخرُجْ لهما". أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد. أي إن أمراك أن تتخلى عن بعض أمور دنياك لتتفرّغ لخدمتهما فعليك أن تطيعهما.

فإنْ كان طلبُ الوالدين في معصية الله، أو مما لا طاقة للأبناء به، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكن لا ينبغي أن يُرَدّ ذلك الطلبُ بعنف وتضجّر واستهزاء، بل برفق ولين وأدب وبيان وحُسْن اعتذار.. وفي ذلك يقول ربنا سبحانه: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: 15].

3- من حقوق الوالدين على الأبناء: الإنفاق عليهما بالمعروف؛ فواجب على الأبناء أن يُنفقوا على آبائهم إن كانوا فقراء محتاجين، أن يَسُدّوا حاجاتِهم من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ودواء...
فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنّ لي مالا وَوَلدا، وإنّ والِدِي يَحتاج مالي؟ قال: «أنت ومالك لوالِدِك، إنّ أولادكم من أطيب كسْبكم، فكلوا من كسْبِ أولادكم». أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود.

وعن عائشة رضي الله عنها: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخاصم أباه في دَيْن عليه، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أنت ومالك لأبيك» أخرجه ابن حبان، وصححه الألباني في الإرواء.
فإياك أن تبخل بمالك على والديك، أو تمنّ عليهما بما تعطيه، فإنفاقك عليهما واجب، وليس تطوّعا، وهما أحق الناس بعطائك وإحسانك..

4- من حقوق الوالدين على الأبناء: استئذانهما؛فعلى الأبناء أن يستأذنوا آباءهم ويحترموا رأيهم ويأخذوا بمشورتهم، فيما يحتاج إلى مشورة واستئذان؛ فهم أهل التجربة والصدق في النصيحة.. ولا ينبغي إهمالُ الوالدين، واحتقارُ مشورتِهما ونصيحتِهما، بل ينبغي مشاورتهما وإشراكُهما في شؤون الأسرة، فذلك مما يُدخِل السرور عليهما ويُشعرهما بالاهتمام والاحترام..

ومن حقهما كذلك: استئذانهما قبل الدخول عليهما؛ حماية للعوْرَات، ودَرْءا للإزعاج والإساءة... فقد قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور:58: 59]


ومن حق الوالديْن على الأبناء: الإهتمامُ بهما عند الكبَر، وبرّهما بعد الموت، واجتنابُ عقوقِهما والإساءةِ إليهما. وذلك ما سنتعرّف عليه في الجمعة القادمة إن شاء الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا بارّين بآبائنا وأمهاتنا، وأن يعيننا على أداء حقوقهما وحُسْنِ مصاحبتهما..
اللهم أعنا على بر الوالدين، وأعنا على طاعتهما، وارزقنا رضاك ورضاهما يا رب العالمين.
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهما كما ربونا صغارا، اللهم متع الأحياء منهم بالصحة والعافية ووفقهم لما تحبه وترضاه، وارحم الأموات منهم برحمتك الواسعة في جناتك جنات النعيم. يا رب العالمين.
اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، وأصلح أحوال المسلمين، واشف مرضى المسلمين أجمعين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-10-2020, 04:01 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,364
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حقوق الوالدين

حقوق الوالدين (2)


أحمد عماري










الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:

إخوتي الكرام، مرة أخرى مع حقوق الوالدين، تلكم الحقوق التي أمر الله تعالى بها في كتابه، وحثَّ عليها نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، إكراما للوالدين، واعترافا بفضلهما، وبيانا لمكانتهما.. وهذه جملة أخرى من حقوق الآباء على الأبناء، إضافة إلى ما ذكرناه في الجمعة الماضية:

من حقوق الوالدين على الأبناء: الاهتمامُ بهما عند الكبَر:

فأشدّ فترةٍ يحتاج فيها الآباء إلى الأبناء عند الكِبَر والتقدم في السّن، حين تحُلّ بهم الشيخوخة ويعتريهم الهرَم والوهَن، حينها يتأكدُ وجوبُ برّ الوالدين والإحسان إليهما، فقد يحتاجان إلى من يساعدهما على الأكل والشرب، والنوم والاستيقاظ، والنهوض والجلوس، والخروج والدخول، وعند قضاء الحاجة، وإزالة الأذى... لذا خصّ الله تعالى هذه المرحلة بالذكر، فقال سبحانه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]. أي إذا بلغ الوالدان الكِبَرَ أحدُهما أو هما معا، وهما في كنفك وكفالتِك، قد صارَا عندك في آخر العمر كما كنتَ عندهما في أوله، فيجبُ عليك أن تحنوَ عليهما وتشفقَ عليهما، وتعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه.. فلا تتأففْ ولا تتضجّرْ مما يستقذِرُه الناس، أو تستثقله النفس.. ولا تزْجُرْهما، ولا تقسُ عليهما بالقول.. وقل لهما قولا لينا جميلا مهذبا.. وتواضعْ لهما، وتذلل لهما، وارفُقْ بهما.. وادعُ لهما برحمة الله الباقية، بعد رحمتك الفانية، جزاءَ حُسْنِ تربيتهما ورعايتهما لكَ حين كنتَ صغيرا.




فرُدّ المعروفَ بالمعروف، وقابلِ الإحسان بالإحسان، وتذكرْ أنك قد مررتَ بهذه المرحلة من الضعف والعجز عن كل شيء في صِغرك، وكان الوالدان هما من يتولى أمورك ويسدّ حاجتك ويقوم برعايتك، فلا تبخلْ عليهما ولا تتكبّرْ ولا تتضجّرْ، فقد يطولُ بك العمرُ حتى تصيرَ إلى مثل حالهما، كما قال ربنا سبحانه: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضعْفٍ ثمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضعْفٍ قُوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم: 54].



إنها فرصة لمضاعفة الأجْر والثواب، والفوز بالنعيم في أعالي الجنان. فهنيئا لمن اغتنم هذه الفرصة بمزيد من البرّ والمعروف والإحسان، وويل لمن ضيّعها بالكبْر والعقوق والحرمان..



عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رغم أنفُ، ثم رغم أنفُ، ثم رغم أنفُ». قيل: من يا رسول الله؟. قال: «مَنْ أدرَكَ والديه عند الكِبَر، أحدَهما أو كِليْهِمَا، ثم لم يَدْخُلِ الجنة». رواه مسلم.



في مرحلة الشيخوخة والكبَر يحتاج الوالدان إلى مزيد من التوقير والاحترام؛ فحق على الأبناء أن يوقروا آباءهم، ويحترموهم، ويعترفوا بفضلهم ومكانتهم، وأن يتأدبوا معهم في مخاطبتهم، والجلوس معهم، وأن يتواضعوا لهم، ولا يتطاولوا عليهم بقول أو فعل...﴿ وَاخْفِضْ لهُمَا جَنَاحَ الذلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴾. فهما أحق الناس بعطفك ورفقك ورحمتك وتواضعك ومعروفك...



عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركتُ أبوَيّ يَبْكِيان، فقال: «ارجعْ إليهما فأضحِكهُمَا كما أبكيتهما». أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.



فإياك أن تأففَ من شيء تراه أو تشمّه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبرْ على ذلك واحتسب الأجرَ عليه من الله عز وجل، كما صَبَرَا عليك في صغرك، واحذر الضجرَ والملل قليلاً أو كثيراً، وعليك بالرفق واللين معهما، والله لا يُضِيع أجرَ من أحْسَنَ عملاً..



إياك أن تُسيءَ الأدبَ معهما، أو تقسوَ عليهما، أو ترفعَ صوتك فوق صوتهما، أو تخالفهما على سبيل الردّ عليهما والتكذيب لهما، بل احفظ وصية الله فيهما: ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا ﴾.



في مرحلة الشيخوخة والكبَر يحتاج الأبوان إلى زيارة الأبناء لهما وتفقد أحوالهما على الدوام؛ فهما أحق الناس بصِلتك وتفقدك وزيارتك.



فإياك أن تهجرَ والديك وتقطعَ الصلة بهما، أو تزجّ بهما في دُور العجزة وأنتَ قويّ البدن سليمُ الأعضاء، بلْ عليك بخدمتهما، والإحسان إليهما، مهما كانت ظروفك وكثرَتْ همومُك وانشغالاتُك، ومهما كانت أسباب خلافك مع والديْك..



ففي الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَة، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ». فإذا كان هذا مع الأم المشركة؛ فكيف بالأمّ التي أرضعتك مع اللبن دينَ الفطرة والتوحيد؟.



من حقوق الآباء على الأبناء: برّهما بعد مماتهما:

فبرّ الوالدين لا ينقطعُ بالموت، وحقهما لا ينتهي برحيلهما عن هذه الدار، بل هو مستمرّ ودائم مدة بقاء الأبناء على قيد الحياة؛ لأن حقوقهما لا تنحصرُ في خدمتهما والنفقة عليهما... بل لهما حقوق يحتاجانِها بعد رَحيلهما. وهذه دعوة لمن قصّرَ في برّ والديه في حياتهما، أو كان صغيرا عند وفاتهما، أن يستدرك ما فاته من البرّ بعد وفاتهما.



فمن برّ الوالدين بعد وفاتهما: زيارة أقاربهما وأهلِ وُدِّهِما: ففي زيارة الأقارب وصلة الأرحام برّ بالوالدين، وفي صلة أهل وُدّ الوالدين من الأحباب والأصدقاء برّ بالوالدين..



عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبا كبيرا، فهل لي من توبة؟، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألك والدان؟»، قال: لا، قال: «فلكَ خالة»؟، قال: نعم، قال: «فبرَّها إذاً». أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وأخرجه الترمذي بلفظ: «هل لك من أمّ؟»... وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخالة بمنزلة الأمّ».



وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر، أن رجلا من الأعراب لقِيَهُ بطريق مكة فسلمَ عليه عبد الله، وحمله على حمار كان يركبُه، وأعطاه عِمامة كانتْ على رأسِه، فقال ابن دينار فقلنا له: أصلحكَ الله، إنهم الأعرابُ، وإنهم يَرْضَوْنَ باليَسير. فقال عبد الله: إنّ أبَا هذا كان وُدّا لِعُمَرَ بنِ الخطاب، وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنّ أبَرَّ البرّ صلةُ الوَلدِ أهلَ وُدّ أبيهِ».



ومن برّ الوالدين بعد وفاتهما: الدعاءُ لهما؛ فذلك من أفضل ما يقدّمه الأبناء لآبائهم بعد وفاتهما، أنْ تدعوَ لهما بالرحمة والمغفرة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار. فذلك مما أمر الله تعالى به، فقال سبحانه: ﴿ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾.



والدعاء للوالدين من هدي الأنبياء والرسل؛ فقد قال تعالى عن دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾. وقال عن دعاء نوح عليه السلام: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلا تَبَارًا ﴾ [نوح: 28].



والدعاء للوالدين من برّ الأبناء الصالحين الذي يستمرّ أجرُه وثوابه للوالدين بعد رحيلهما.. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عنه عَمَلهُ إلا مِنْ ثلاثة؛ إلا مِنْ صدقةٍ جارية، أو عِلمٍ يُنتَفعُ به، أو وَلدٍ صالح يَدعو له»..



وبالدعاء للوالدين بالمغفرة ترْفعُ درجتهما في الجنة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عز وجل ليَرْفعُ الدرجة للعبدِ الصالح في الجنة، فيقول: يا ربّ أنّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار وَلدِكَ لك». أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.



ومن حق الآباء على الأبناء بعد وفاتهما: انفاذ عهدِهِما وقضاءُ دَيْنِهما؛ فمن مات والِداه وتركا ديْنا عليهما، أو وصية من بعدهما، فعلى الأبناء أن يَقضوا عنهما الدّيْن، وأن يُؤدّوا وصيتهما، من تركة الوالدين قبل قسمتها، أو من مال يتبرّع به الأبناء على الوالدين... فقد قال الله تعالى في آيات المواريث: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾، أي أن قسمة المواريث إنما تكون بعد قضاء الديْن وأداء الوصيّة.



وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نفسُ المؤمن معلقة بدَيْنِهِ، حتى يُقضَى عنهُ». رواه الإمام أحمد الترمذي وابن ماجة والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع.



ومن برّ الوالدين بعد وفاتهما: قضاء ما عليهما من نذر؛ فمن مات من الوالدين وقد نذر أن يتقرب إلى الله تعالى بطاعة معينة، كالصوم أو الحج أو الصدقة أو غير ذلك من الطاعات، ولم يتمكن من الوفاء بنذره قبل موته، فمن برّ أبنائه به أن يَقضوا عنه نذرَه إن كان في استطاعتهم.

ففي الصحيحين - واللفظ للبخاري - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، فَقالَ: «اقضِهِ عَنْهَا».



ومن بر الوالدين بعد وفاتهما: قضاء ما لزمهما من صيام رمضان؛ فقد يُفطِرُ أحدٌ من الوالدين لعُذر كالمرض، أو السفر، أو الحيض والنفاس بالنسبة للأم، فإن ماتا قبل قضاء ما عليهما من الصوم، صام عنهما وليّهما من الأبناء أو الأقارب، فإن كان سببُ الإفطار مرضا مزمنا أطعم الأبناءُ عنهما عن كل يوم مسكينا.

ففي الصحيحين - واللفظ لمسلم - عَنْ عَائِشَة رَضِيَ الله عَنْهَا، أنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَليْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيّهُ».



وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صوْمُ شَهْرٍ، أفَأقضِيهِ عَنْهَا؟ فَقالَ: « لَوْ كان عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أكُنْتَ قاضِيَهُ عَنْهَا؟» قالَ: نَعَمْ. قالَ: « فَدَيْنُ اللهِ أحَقّ أنْ يُقْضَى».



ومن بر الوالدين بعد وفاتهما: التصدق عنهما؛ بأي نوع من الصدقة، كالإطعام أو النقود أو اللباس أو غير ذلك مما يدفع للفقراء والمساكين. ففي الصحيحين عَنْ عَائِشَة رَضِيَ الله عَنْهَا: أنَّ رَجُلا قالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأظنّهَا لَوْ تَكلّمَتْ تَصَدَّقتْ، فَهَلْ لهَا أجْرٌ إِنْ تَصَدَّقتُ عَنْهَا؟ قالَ: «نَعَمْ».



وفي صحيح البخاري عن عِكْرِمَة مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَقولُ: أنْبَأنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُوُفِّيَتْ أمّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَأتَى النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أمِّي تُوُفِّيَتْ وَأنَا غَائِبٌ عَنْهَا، فَهَلْ يَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قالَ: «نَعَمْ»، قالَ: فَإِنِّي أشْهِدُكَ أنَّ حَائِطِيَ المِخْرَافَ صَدَقةٌ عَليْهَا. (المخراف): اسم لحائطه، وهو في الأصل الشجرة، وقيل ثمَرها..



ومن حقوق الوالدين على الأبناء: اجتنابُ عقوقِهما والإساءةِ إليهما:

فإذا كان برّ الوالدين والإحسان إليهما واجبا على الأبناء، فإن عقوق الوالدين والإساءة إليهما محرّم على الأبناء.

وقد حذرَ الله تعالى من العقوق في أدنى صوره، وأقلّ أشكاله وألوانه، فقال جل وعلا: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا ﴾. فإذا كان التأفف والتضجر في وجه الوالدين عقوقا محرما، فما بلك بالسبّ والشتم والإهانة والضرب والقتل، الذي يتعرّض له الوالدان من قبل الأبناء العاقين المنحرفين..!!.

أهكذا يكون جزاء من رَبّى وأنفق، ورحم وأشفق، وسهر وتعب...؟.

أم هكذا يكون جزاء من حملتْ ووضعتْ وأرضعتْ، وسهرت وتعبتْ...؟.



أبالعقوق والجحود تكون مكافأة الوالديْن الذيْن لطالما عاشا لحظاتٍ حاسمة في هذه الحياة ينتظران تفوّقَ ابنهما ونجاحَه، وتخرّجَه وزواجَه، ثم بعدَ أن يَشِبّ ويَشقّ طريقه في هذه الحياة يترقبان بكل شوق ولهف ماذا سيكون جزاءُ الأعمالِ التي قدّماها؟ وبماذا سيكافئهم جزاءَ تضحياتهم وجهودهم وآلامهم؟ هل سيقابلُ الإحسانَ بالإحسان؟ أم سيذهب كل ذلك أدراج الرياح؟ ويكون جزاءُ الإحسان هو العقوقُ والنكران؟.



فمن الأبناء والبنات من هو قاسي القلب، جاحدٌ ناكر، شقي النفس، خبيث الطباع، متحجّرُ الضمير، يريد كل شيء لنفسِه، ولا يبالي بوالدين، همه أن يأخذ ولا يعطي، ويُخدَم ولا يَخدُم، يَطيبُ كلامه مع الناس، ويَسُوءُ مع والديه، يتودّدُ إلى الناس، ويتنكرُ لوالديه، يبتسم في وجوه الآخرين، ويَعْبِسُ في وجه والديه.. يتصرّف مع والديه بوحشية وهمجية وقسوة.. إذا سمع من والديه ما لا يُرْضيه، يُذِلّ أمّه ويُبْكيها، ويَبْطش بأبيه ويَرْميه..



من الأبناء من يعامل أمه معاملة الخدَم، يجعلها خادمة في بيته لزوجته وأبنائه، فتظلّ المسكينة محبوسة في البيت، في طبخ وتنظيف وترتيب... بينما العاق وزوجته في وظائفهما أو في الشوارع يتجولان.. وربما شرّد أمه ورمى بها في الشارع إرضاء لزوجته.



ومن الأبناء من يتكبّر على والديه، فلا يَرْضى أن ينتسبَ إليهما، تكبراً وجُحُودا وإنكارا، فينتسِبُ إلى غير والديه من أجل منصب أو مكانة أو عَرَض من الدنيا زائل.. ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن ادّعَى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غيرُ أبيه، فالجنة عليه حرام». متفق عليه.



ترى العاق لوالديه يبتعد عنهما أميالاً حتى لا يقول الناس هذان أبَوَا ذلك الرجل، ولم يعلمْ أنّ دَمعة الأبوين المظلومَين بسبب ظلم الأبناء تقع من الله بمكان، ويجعلها على العاقين ناراً ووبالاً، فرضى الله في رضاهما، وسخطه سبحانه في سخطهما، والظلم ظلمات يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴾ [الأحقاف: 17، 18].



ومن الأبناء من يسبّ أبويه، أو يتسبّبُ في سَبّهما من طرف الآخرين، وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتبره من الكبائر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مِنَ الكبائر شتمُ الرجل والديه». قالوا: يا رسولَ الله؛ هل يشتمُ الرجلُ والديه؟. قال: «نعَمْ، يَسُبّ أبا الرجل فيَسُبّ أباه، ويَسُبّ أمّه فيَسُبّ أمّه». متفق عليه، واللفظ لمسلم.

وفي صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لعَنَ الله مَنْ لعَنَ وَالديْه..».



إخوتي الكرام؛ احذروا عقوق الوالدين:

إياكم وعقوق الوالدين؛ فإنه من كبائر الذنوب وموبقاتها، ففي الصحيحين عن أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ - وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ - أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ»، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.



إياكم وعقوق الوالدين؛ فإنه يوجب سخط الله تعالى وغضبه، فعن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رضى الرّبّ في رضى الوالد، وسخط الرّبّ في سخط الوالد». أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.



إياكم وعقوق الوالدين؛ فإنه يُذِلّ صاحبه يوم القيامة ويمنعُه من دخول الجنة.. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ينظرُ الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى». أخرجه الإمام أحمد والنسائي والطبراني، واللفظ للنسائي. وصححه الألباني في صحيح الجامع.



فيا من تريد الجنة؛ اجتنب العقوق، واجتهد في برّ والديك، فذاك سبيلك إلى الجنة.. عن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: «هل لك من أم؟» قال: نعم قال: «فالزمها فإن الجنة عند رجليها». أخرجه الإمام أحمد والنسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.



فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا لآبائكم قدرَهم، واحفظوا لهم مكانتهم، وأدّوا لهم حقوقهم التي أوجبها الله عليكم.. وَقرُوهم واحترموهم، وأطيعوهم، وأدخِلوا السرور عليهم، وتجنبوا كل ما يُغضِبهم ويُؤذِيهم..



فاللهم اجعلنا بارّين بآبائنا وأمهاتنا، وأعنا على أداء حقوقهما على الوجه الذي يرضيك عنا، يا رب العالمين.

اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحمهما كما ربونا صغار، اللهم متع الأحياء منهم بالصحة والعافية ووفقهم لما تحبه وترضاه، وارحم الأموات منهم برحمتك الواسعة، واجمعنا بهم في جناتك جنات النعيم. يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، وأصلح أحوال المسلمين، واشف مرضى المسلمين أجمعين.

ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 104.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 101.86 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (2.48%)]