المرجئة شبهات وردود - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2719 - عددالزوار : 286232 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2097 - عددالزوار : 107288 )           »          عبارات من اللهجات العربية والردود عليها (اخر مشاركة : مشعل خالد سعد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          لغتنا الجميلة··· أين هي من الإعلام؟! (اخر مشاركة : مشعل خالد سعد - عددالردود : 1 - عددالزوار : 88 )           »          شركة القوة للتنظيف 0532478842 (اخر مشاركة : marwaalkoya - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          مع الفاروق عمر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          مكانة العلماء ومكر السفهاء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          الغربة والغرباء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          تصنيف الناس وآثاره السيئة على الأمة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          أسباب انشراح الصدر وذهاب الهم والغنم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-02-2020, 05:12 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي المرجئة شبهات وردود

المرجئة شبهات وردود


أبو مريم محمد الجريتلي












إنَّ الحمْدَ لله نحْمَده، ونستعينه ونستغفِره، ونعوذ بالله مِن شرور أنفسنا، ومِن سيِّئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحْده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله.





أما بعد:
فقد أضْحى الحديثُ عن الفِرَق التي خالفتْ أهلَ السُّنَّة والجَمَاعة، وبيان أطوار نشأتها، ومنهجها، وطرق استدلالها على بِدْعتها، ودحْض شبهاتها - مِن الأمر الذي زَخَرتْ به المكتبةُ الإسلامية قديمًا وحديثًا، وقد نالتْ فِرقةُ المرجئة النصيبَ الوافر من المؤلَّفات؛ لما للإرجاء من خَطَر عظيم على العقيدة الإسلامية، كما قال الزُّهري رحمه الله: "ما ابتُدِعت في الإسلام بِدعةٌ هي أضرُّ على أهله مِن هذه - يعني: الإرجاء"، قال الأوزاعي: "كان يحيى وقتادَة يقولان: ليس مِن أهل الأهواء شيء أخوف عندَهم على الأمَّة من الإرجاء"، وقال إبراهيم النَّخَعي - رحمه الله -: "لآثار المرجئة أخوفُ على هذه الأمَّة مِن فِتنة الأزارقة"[1]، والأزارقة هم طائفةٌ من الخوارج، وقال: "ترَكوا هذا الدِّين أرقَّ من الثوب السابري"، الثوب السابري: ثوبٌ رقيق.

ولكن مقام المقالة جمْع ما تفرَّق مِن شُبهات المرجئة القديمة والمعاصَرة، وتركيز العبارة في الردِّ بجُمَل ثابتة منقولة عن علماء أهل السُّنَّة والجماعة؛ حتى يتيسَّرَ على طالب العلم حِفظُها، والردُّ على المرجئة بها دون عناء البحث والتنقيب، وتحرير محلِّ النزاع، والله من وراء القصد.

أولاً: أقدِّم بين يدي الشبهات والردِّ عليها بتعريفٍ مختصَر للإرجاء:
يقول الإمام محمَّدُ بن جَرِير الطبري - رحمه الله - في كتابه "تهذيب الآثار": "فإنْ قال لنا قائل: ومَن هم المرجئة؟ وما صفتهم؟

قيل: إنَّ المرجئة هم قومٌ موصوفون بإرْجاء أمرٍ مختلف فيما ذلك الأمر، فأمَّا إرجاؤه فتأخيره، وهو مِن قول العرب: أرجأ فلان هذا الأمر، فهو يُرجئه إرجاءً، وهو مرجئه، بهمز، وأرجاه فلان يُرجيه أرجا، بغير الهمز، فهو مرجيه، ومِنه قول الله - تعالى ذِكْرُه -: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة: 106].

يُقرأ بالهمز وغير الهمز، بمعنى: مؤخَّرون لأمر الله، وقوله مخبِرًا عن الملأ مِن قوم فرعون: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ [الأعراف: 111]، بهمز أرجه، وبغير الهمز.

فأمَّا الأمر الذي بتأخيره سُمِّيت المرجئةُ مرجئةً، فإنَّ ابن عيينة كان يقول فيما حدَّثني عبدالله بن عمير الرازيُّ قال: سمعتُ إبراهيم بن موسى - يعني الفرَّاءَ الرازي - قال: سُئِل ابن عيينة عن الإرجاء؟ فقال: الإرجاء على وجهين: قومٌ أرجوا أمرَ علي وعثمان، فقد مضَى أولئك، فأمَّا المرجئة اليوم، فهم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم، ولا تُؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصلُّوا معهم، ولا تُصلُّوا عليهم".

الشبهة الأولى
الإيمان في الشَّرْع هو التصديق، كما أنَّه في اللغة هو التصديق، قال القاضي أبو بكر الباقلاني (أشعري المذهب):
"فإن قال قائل: خبِّرونا ما الإيمانُ عنبدَكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العِلم، والتصديق يوجد بالقلْب، فإنْ قال قائل: وما الدليلُ على ما قلتم؟ قيل له: إجماعُ أهل اللغة قاطبةً على أنَّ الإيمان في اللغة قبلَ نزول القرآن وبعْثةِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو التَّصْديق، لا يَعرِفون في لغتهم إيمانًا غير ذلك، ويدلُّ على ذلك قوله – تعالى -: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: 17]؛ أي: وما أنت بمصدِّق لنا، فوجب أن يكونَ الإيمان في الشريعة هو الإيمانَ المعروف في اللُّغة؛ لأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - ما غيَّر لسان العرب، ولا قَلَبه، ولو فعل ذلك لتواترتِ الأخبار بفِعْله، وتوفَّرتْ دواعي الأمَّة على نقْله، ولغلَب إظهارُه وإشهاره على طلبِه وكِتمانه، وفي علمنا أنه لم يفعلْ ذلك؛ بل أقر أسماء الأشياء والتخاطُب بأسْره على ما كان فيها - دليلٌ على أنَّ الإيمان في الشَّرْع هو الإيمان اللغوي"[2].

والجواب باختصار: في نقطتين:
الأولى: إبطال القوْل بأنَّ الإيمان هو التصديق؛ فإنَّ الإيمان يختلف عن التصديق في اللفظ والمعنى:
في اللفظ:
فإنَّك تقول لمن أخبرَك بخبر صدَّقْته، فيتعدَّى بنفسه، ولا يقال: آمنته؛ بل يُقال: آمنتُ له، فيتعدَّى بحَرْف الجر، وكذلك الاستعمال: فإنَّ التصديق يُستعمل في كلِّ خبر، فيُقال لمن قال: السماء فوقَ الأرض: صدقْت، أو صدقْنا بذلك، ولا يقال له: آمنا لك، ولا آمنَّا بهذا؛ لأنَّ هذه الأخبار من الأمور المشهودة، أما لفظ الإيمان، فلا يُستعمل إلا في الإخْبار عن الأمور الغائبة.

في المعنى:
فإنَّ الإيمان مأخوذٌ من الأمْن، الذي هو الطُّمأنينة، كما أنَّ الإقرار مأخوذٌ من القرار، وهو قريب من "أَمِن يأمن"، فالمؤمِن دخَل في الأمْن، كما أنَّ المقر دخَل في الإقرار، ومِن الفروق اللغوية الهامَّة: أنَّ لفظ الإيمان يقابله لفظُ الكفر، وأما لفظ التصديق فيُقابله لفظُ التكذيب؛ ولأنَّ الكُفْر ليس محصورًا في التكذيب فقط، فوجَب أن يكون ما يقابله - وهو الإيمان - ليس محصورًا في التصديق.

النقطة الثانية:
مع التسليم بأنَّ الإيمان لُغةً هو التصديق:
فإنَّ الإيمان وإنْ كان في اللغة هو التصديق، فالتصديقُ يكون بالقلْب واللِّسان، وسائر الجوارح، كما في الحديث: ((والفَرْج يُصدِّق ذلك أو يُكذِّبه)).
إنْ ثَبَت أنَّ الإيمان في اللغة هو التصديق، فليس هو مطلَق التصديق، بل هو تصديقٌ خاص، مقيَّد بقيود اتَّصل اللفظ بها، كما في الصلاة، فهي في اللغة: الدعاء، ولكنَّها في الشَّرْع عبادة مخصوصة، بأركان وشروط مخصوصة، تبدأ بالتكبير وتُختم بالتسليم.
وإن كان التصديقُ هو المعنى المراد مِن الإيمان، فالتصديق الذي يقوم بالقلْب يستلزم أعمال القلوب والجوارح، فإنَّها لوازمُ الإيمان، وانتفاء اللازم دليلٌ على انتفاء الملزوم.
أو يُقال: إنَّ لفظ الإيمان بقِي على معناه في اللُّغة، لكن الشارع زاد فيه أحكامًا.
أو يقال: إنَّ الشارع نقَل المعنى من اللُّغة إلى الشَّرْع.
"ومِن هنا يتبيَّن لك: أنَّ من قال من أهل السُّنة في الإيمان هو التصديق على ظاهر اللغة، أنَّهم إنما عنوا التصديقَ الإذعانيَّ المستلزمَ للانقياد ظاهرًا وباطنًا"[3].

الشبهة الثانية
عطْف الأعمال الصالحة على الإيمان يدلُّ على المغايرة:
والجواب:أنَّ عطْف الشيء على الشيء في القرآن، وسائرِ الكلام، يقتضي مغايرةً بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحُكْم الذي ذُكِر لهما، ولكن المغايرة على مراتب:
1- أن يكونَا متباينين، ليس أحدُهما هو الآخرَ، ولا جزءَه، ولا يُعرف لزومه له؛ مثل: السموات والأرض، جبريل وميكال، التوراة والإنجيل، وهذا هو الغالِب.
2- أن يكون بينهما لزوم؛ مثل:
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون [البقرة: 42]، فإنَّ مَنْ لَبَسَ الحق بالباطل أخْفَى من الحق بقدْر ما ظهَر مِن الباطل، ومَن كتَم الحق احتاج أن يُقيم من موضعه باطلاً، فهُما متلازمان.
3- أن يكون من عطف بعض الشيء عليه؛ مثل:
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238]، ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة: 98]، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: 7].
4- عطْف الشيء على الشيء لاختلاف الصِّفتين:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى: 1 - 3]، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة: 3 - 4].
5- أن يكون اللفظان مما يتَّفقان عندَ الإطلاق والتجريد، ويفترقان عندَ الاقتران والتقييد: وذلك أنَّ الاسم الواحد تختلف دلالتُه بالإفراد والاقتران، فقد يكون عند الإفراد فيه عمومٌ لمعنيين، وعند الاقتران لا يدلُّ إلا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين، والإثم والذنب، والإيمان والإسلام، والمنكَر والبغي، إذا أُفْرِد أحدهما تناول الآخَر، وإذا جُمِع بينهما كان لكلِّ واحد منهما مسمًّى يخصه، والإيمان والعمل الصالح مِن هذا النوع، قال - تعالى -: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون: 99 - 100]، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس: 103].
"فإذا قُرِن الإيمان بالعمل، كما في قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة: 277]، فقد يُقال: اسم الإيمان لم يدخلْ فيه العمل، وإنْ كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخَل فيه، وعُطِف عليه عطفَ العام على الخاص"[4].

ويَقصد الإمامُ ابن تيمية بالحالة الأولى: أنَّ الإيمان أصله في القلب، وأعمال الجوارح لازمة له لزومًا لا ينفكُّ عنه.
أو أنَّ عطْف العمل الصالح على الإيمان مِن باب عطْف الخاص على العام؛ لبيان أهميَّة الخاص، أو رفْع توهُّم مظنون؛ مثل قوله - تعالى -: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238]؛ لبيان شرَف الصلاة الوسطى وفضلِها، والحذر مِن إضاعتها.
أو كقوله - تعالى -: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [البقرة: 98]؛ ردًّا على اليهود الذين يزعمون أنَّهم لم يدخلوا في الإسلام؛ بسبب بُغْضِهم لرسول الوحي جبريل - عليه السلام - فنصَّ القرآن على عداوةِ الملائكة عامَّة، ثم خصَّ بالذِّكْر جبريلَ وميكال؛ ردًّا على باطلهم.

الشبهة الثالثة
أنَّ قول اللسان عمل:
لَمَّا وجَد أصحابُ البِدع من المرجئة تَكْرارَ ذِكْر العمل في النصوص الشرعية مِن الكتاب والسنَّة، وأقوال السلف الصالح، لجؤوا إلى قولٍ خبيث، وهو: إذا كان الإيمانُ ظاهرًا وباطنًا، وأنَّ الباطن لا يصلُح إلا بالظاهر، كما أنَّ الظاهر لا يصلح إلا بالباطن، وأنهما متلازمان، إذا زال الظاهرُ بالكلية زال الباطن، وإذا نقَص نقَص، وإذا زاد زاد، لجؤوا إلى القول بأنَّ الظاهر المستلزم للباطن هو مجرَّد قول اللِّسان، ولكن لكي تستقرَّ الشبهةُ في قلوب الأتباع، قالوا: (إذا قال، فقد عَمِل)، فالقول هو عملُ اللِّسان.

وأهل السنَّة يقولون: الإيمان قولٌ باللِّسان، واعتقاد بالجَنان، وعمل بالأركان، ففرَّق السَّلفُ بين قول اللسان، وعمل الجوارح، واعتقاد القلب، قال الإمام البدر العيني - رحمه الله -: "وما ذَهَب إليه السلفُ وأهل الأثر أنَّ الإيمان عبارةٌ عن مجموع ثلاثة أشياء: التصديق بالجَنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان"[5].

أما جواب الشبهة:
فقد روى الخلاَّل في كتاب "السنَّة": "عن أبي بكر الأثرم - رحمه الله - قال: سمعتُ أبا عبدِالله - وقيل له: (شبابة) أيّ شيء تقول فيه؟ فقال: (شبابة) كان يَدَّعي الإرجاء، وحُكي عن (شبابة) قولٌ أخبثُ مِن هذه الأقاويل، ما سمعت عن أحدٍ بمثله، قال شبابة: إذا (قال) فقَدْ (عمِل بلسانه)، كما يقولون، فإذا (قال) فقَدْ (عمِل) بجارحته؛ أي: بلِسانه حين تكلَّم به، ثم قال أبو عبدالله: هذا قولٌ خبيث، ما سمعتُ أحدًا يقول به، ولا بلغني"[6].

وقد حدَّثتُ داعية من دعاة الإرْجاء، فقال: الظاهر اللازم للباطن هو (لا إله إلا الله)، فإنْ قال، فقد أتى بلازم التصديق الباطن، وإن لم يفعلْ أيَّ شيء مع القُدرة والاستطاعة، فسألتُه: مَن نشأ لأبوين مسلمين، كيف ينجو يومَ القيامة؟ قال: بالاعتقاد والإقرار بالشهادتين، فقلتُ له: هل مِن دليلٍ على أنَّ الذي وُلِد لأبوين مسلمين مطالَبٌ بالإقرار بالشهادتين؟ فسكَتَ وتحيَّر، ثم قال: نعم مطالَب بهما، فقلتُ له: هل هذا شرْط أو واجب؟ قال: بل هو واجب، فقلت: هل لو تخلَّف عن واجبٍ مِن الواجبات يخلد في النار؟ واحتار لفساد مذهبِه، وقلَّة حُجَّته ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82]، ثم زَعَم أنه يَكفيه الاعتقاد، قلت: انتهى المطاف إلى قول جهْم - والعياذ بالله.

قال الوليد بن مسلِم: سمعتُ الأوزاعي، ومالكَ بن أنس، وسعيد بن عبدالعزيز "يذكرون قولَ مَن يقول: إنَّ الإيمان قول بلا عمل، ويقولون: لا إيمانَ إلا بعمل، ولا عملَ إلا بإيمان"[7].

قال ابن تيمية: "فإنَّ حقيقةَ الدِّين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتمُّ بالفِعْل لا بالقول فقط، فمَن لم يفعلْ لله شيئًا، فما دان لله دِينًا، ومَن لا دِين له فهو كافِر"[8].

وعلَّق الشيخ ابن باز على قوْل صاحب الطحاوية: "والإيمان هو الإقرار باللِّسان والتصديق بالجَنان"، فقال - رحمه الله -: "هذا التعريفُ فيه نظَرٌ وقصور، والصوابُ الذي عليه أهلُ السُّنَّة والجماعة: أنَّ الإيمان قول وعمل واعتقاد، يَزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والأدلَّة على ذلك من الكتاب والسنة أكثرُ مِن أن تُحصَر، وقد ذكر الشارح ابن أبي العز جُملةً منها، فراجعْها إن شئت.

وإخراج العمل مِن الإيمان هو قولُ المرجئة، وليس الخلاف بينهم وبيْن أهل السنة لفظيًّا؛ بل هو لفظي ومعنوي، ويترتَّب عليه أحكامٌ كثيرة يعلمها مَن تدبَّر كلامَ أهل السنَّة، وكلامَ المرجئة، والله المستعان"[9].

الشبهة الرابعة
أنَّ الترْك عمل:
وأصحابُ هذه الشُّبهة يقولون: نعم، الإيمان قول وعمل؛ قول بالقلْب واللسان، وعمل بالقلْب والجوارح، وهذه عقيدةُ أهل السنة، ولكنَّهم يقولون: ومقصودُنا من عمل الجوارح، هو التُّروك دون الأفعال، واعتبارُ التَّرْك عملاً معمولٌ به عند كثيرٍ من الأصوليِّين، واحتجاجًا بقوله - تعالى -: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: 79].

الجواب: نعم، التَّرْك عمل عند كثيرٍ من الأصوليِّين؛ كما يقول الشاطبي: "فإذًا قوله في الحد (حد البدعة): "طريقة مخترَعة تُضاهي الشرعية" يشمل البِدعةَ التَّرْكية، كما يشمل غيرها؛ لأنَّ الطريقة الشرعية أيضًا تنقسِم إلى ترْك وغيره، وسواء علينا قلْنا: إنَّ التَّرْك فعْل، أم قلنا: إنَّه نفي الفعل، الطريقتين المذكورتين في أصول الفِقه، وكما يشمل الحدُّ الترك، يشمل أيضًا ضدَّ ذلك، وهو ثلاثة أقسام: قسم الاعتقاد، وقسم القوْل، وقسم الفِعْل، فالجميع أربعة أقسام، وبالجملة فكلُّ ما يتعلَّق به الخطابُ الشرعي يتعلَّق به الابتداع"[10].

ولكن الخلاف بيْن أهل السنَّة والمرجئة ليس في التروك؛ وإنما في العمل، وهو الفِعْل الظاهر.

يقول الإمام ابن تيمية: "وإذا كانتِ الأعمال والتروك الظاهرة لازمةً للإيمان الباطن، كانتْ مِن موجَبِه ومقتضاه، وكان من المعلوم أنَّها تَقْوَى بقوَّته، وتَزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإنَّ الشيء المعلول لا يَزيد إلا بزيادة موجِبه ومقتضيه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جُعِل العمل الظاهر موجبَ الباطن ومقتضاه، لَزِم أن تكون زيادتُه لزيادة الباطن، فيكون دليلاً على زيادة الإيمان الباطن، ونقْصه لنقص الباطن، فيكون نقصه دليلاً على نقْص الباطن، وهو المطلوب"[11].

ويقول - رحمه الله -: "إذ رأسُ الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خُلِقت لتعملَ لا لتترك، وإنما التَّرْك مقصودٌ لغيره، فإن لم يشتغلْ بعمل صالح، وإلا لم يترك العمل السيِّئ أو الناقص، لكن لَمَّا كان من الأعمال السيِّئة ما يُفسد عليها العملَ الصالح نُهِيتْ عنه؛ حفظًا للعمل الصالح"[12].

يقول ابن القيم: "وكل حقيقة باطِنة لا يقوم صاحبُها بشرائع الإسلام الظاهر لا تنفع، ولو كانتْ ما كانتْ، فلو تمزَّقَ القلب بالمحبَّة والخوف، ولم يتعبَّدْ بالأمر وظاهر الشَّرع، لم يُنجِه ذلك من النار"[13].

الشبهة الخامسة
الأعمال شرْط كمال، إلا ما دلَّ الدليل على أنه شرْط صحَّة، ولم يدلَّ الدليل على شيء:
سبحان الله! هذه الشُّبْهة من أعجب الشُّبَه، وهي مناقضةٌ للشرع والعقل بنوع من الحِيَل، وكأنهم يقولون: الإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، وعمل الجوارح على قسمين:
1- منه ما هو شرْطُ كمال، وهو الغالِب.
2- منه ما هو شرْط صحَّة، وهو القليل.

ولو وَقَف عند هذا الحد لقلنا: أصبتَ منهج أهل السنة، وأخطأتَ في العبارة، غير أنه ما يَلْبثُ أن ينقضَ ذلك بقوله: (ولم يدلَّ الدليل)، والمعنى أنَّ القسم الثاني (ما هو شرْط صحَّة، وهو القليل) قسم وهمي فارِغ، لا يوجد فيه شيء؛ وإنما الاستثناءُ كان مِن باب استثناء العدم مِن الكل!

والجواب:
إذا كنت تقول: إنَّ مِن الأعمال ما هو شرْط صحَّة، ولم يدلَّ الدليل عليها، فقد قلت: إنَّ الأعمال كلها شرْط كمال كما قالتِ المرجئة، ولكن المرجئة بالأمس كانوا أكثرَ صراحةً ووضوحًا في بيان مذهبهم بغيْر الْتواء ولا ادِّعاء.

قال الكوثريُّ: "ولَمَّا كان العمل شرْطَ كمال عند المرجئة، فقد ذَهبوا إلى أنَّ الكفر لا يكون إلا بالجَحْد والتكذيب"[14].

وسُئل ابن باز - رحمه الله - عمن يقول: إنَّ العمل داخلٌ في الإيمان، لكنه شرْط كمال، فأجاب - رحمه الله -: "لا، لا، ما هو بشرْط كمال، هو جزء مِن الإيمان، هذا قول المرجئة"[15].

وسُئِل الشيخ صالِح الفوزان عن قوْل بعض الناس:
إنَّ عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة: أنَّ العمل شرْطٌ في كمال الإيمان، وليس شرطًا في صحَّة الإيمان، فقال - حفظه الله -: "هو قولُ مرجئة أهل السنَّة، وهو خطأ، والصواب أنَّ الأعمال داخلةٌ في حقيقة الإيمان، فهو اعتقاد وقول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية"[16].

قال الشيخ علويُّ السقَّاف ردًّا على ابن حجر: (الأعمال شرْط كمال)
"وكلامه هذا عليه مآخِذ: أهمها نِسبتُه القول بأنَّ الأعمال شرْط كمال الإيمان للسَّلَف، وهو على إطلاقه غيرُ صحيح؛ بل في ذلك تفصيل، فالأعمال المكفِّرة، سواء كانت تركًا؛ كترك جِنْس العمل، أو الشهادتين، أو الصلاة، أو كانتْ فعلاً؛ كالسجود لصَنم، أو الذبح لغير الله - فهي شرْطٌ في صحَّة الإيمان، وما كان ذنبًا دون الكُفْر فشرْط كمال"[17].

قال سفيان الثوري: "رُكوبُ المحارِم من غير استحلال معصيةٌ، وترْكُ الفرائض متعمِّدًا مِن غير جهل، ولا عُذْر كفر"[18].

قال الشيخ عبدالقادر الجيلاني: "تَرْك العبادات المفروضات زَنْدَقة، وارتكاب المحظورات معصيةٌ، لا تسقط الفرائضُ عن أحدٍ بحالٍ من الأحوال"[19].

يقول الشيخ عبدالله آل سعد: عن قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: 143]: "هذه الآية الكريمة لا تُفيدُ أنَّ العمل مِن الإيمان فحسْبُ؛ بل تفيد أنَّ العمل لا بدَّ منه في الإيمان، وأنه لا ينفكُّ عنه، ولا يصحُّ دونَه"[20].




يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-02-2020, 05:13 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المرجئة شبهات وردود

المرجئة شبهات وردود


أبو مريم محمد الجريتلي






الشبهة السادسة

أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حَكَم بالإسلام بمجرَّد الإقرار:
والجواب:
أنَّ صاحبَ هذه الشُّبهة لم يفرِّق بيْن أحكام الدنيا والآخرة، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حَكَم للمنافقين بالإسلام، وأجْرى عليهم أحكامَه الظاهرة؛ (أي: أحكام الدنيا)، وحَكَم الله عليهم بأنَّهم في الدَّرْك الأسفل مِن النار؛ (أي: أحكام الآخرة).

فأحكام الدنيا على قسمين:
1- أحكام الإسلام.
2- أحكام الكفر.
وأحكامُ الإسلام الظاهرة يَشترك فيها المؤمِنُ الصادق، والمنافق الذي يُظهِر الإسلامَ ويُبطِن الكفر.

أما أحكام الآخرة، وهي مَحلُّ البحث، فعلى ثلاثة أقسام:
1- مؤمن.
2- منافق.
3- كافر.

المنافق: الذي عُصِم دَمُه وماله في الدنيا بالكلمة، والْتزام ظاهِر الإسلام، لا يعصمه ذلك مِن عذاب الله - عزَّ وجلَّ - يومَ القيامة؛ بل هو كما قال - سبحانه -: ï´؟إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِï´¾ [النساء: 145]، فهو أشدُّ من الكافر؛ لأنَّه جمَع بين أمرين: الكفر بالله - عزَّ وجلَّ - وخِداع المؤمنين، خلافًا للكافِر المُظهِر للكفر.
"فلا يَنفع ظاهرٌ لا باطنَ له، وإن حُقِن به الدماء، وعُصِم به المال والذريَّة"[21].

"وقد اتَّفق العلماءُ على أنَّ اسم المسلِمين في الظاهر يَجري على المنافقين؛ لأنَّهم استسلموا ظاهرًا، وأَتَوا بما أتَوا به من الأعمال الظاهرة؛ بالصلاة الظاهرة، والزكاة الظاهرة، والحج الظاهر، والجهاد الظاهر، كما كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُجري عليهم أحكامَ الإسلام الظاهر، واتَّفقوا على أنَّه مَن لم يكن معه شيءٌ من الإيمان، فهو كما قال - تعالى -: ï´؟إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِï´¾ [النساء: 145]"[22].

وقال وكيع: "المرجئة الذين يقولون: الإقرار يجزئ عن العمل، ومَن قال هذا فقد هلَك"[23].

واحتجَّ صاحِبُ الشُّبهة بحديثِ الجارية، وفيه قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أعتِقْها، فإنها مؤمنة)).

والجواب:
أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنما أخبر عن تِلْك الأَمَة بالإيمان الظاهِر، الذي علِّقتْ به الأحكام الظاهرة، ويجب التفريقُ بيْن أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناسُ في الدنيا، وبين حُكْمهم في الآخرة بالثواب والعِقاب، فالمؤمِن المستحق للجنة لا بدَّ أن يكون مؤمنًا في الباطن باتِّفاق جميعِ أهل القِبلة.

"وأما احتجاجُهم بقوله للأمَة: ((أعتِقْها فإنَّها مؤمنة))، فهو مِن حُجَجهم المشهورة، وبه احتجَّ ابن كُلاَّب، وكان يقول: الإيمان هو التصديق والقول جميعًا، فكان قوله أقربَ من قول جهْم وأتباعه، وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأنَّ الإيمانَ الظاهر الذي تَجري عليه الأحكامُ في الدنيا، لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبُه مِن أهل السَّعَادة في الآخرة"[24].

"فإنَّ الإيمان الذي عُلِّقتْ به أحكامُ الدنيا هو الإيمانُ الظاهر، وهو الإسلام، فالمسمَّى واحد في الأحْكام الظاهرة؛ ولهذا لما ذَكَر الأثرم لأحمدَ احتجاجَ المرجئة بقول النبي: ((أعتِقها فإنَّها مؤمنة))، أجابه بأنَّ المراد حُكمها في الدنيا حُكْم المؤمنة، لم يُرِد أنها مؤمِنةٌ عندَ الله تستحقُّ دخولَ الجنة بلا نار، إذا لقيتْه بمجرَّد هذا الإقرار"[25].

فللَّه تعالى حُكمان:
حُكمٌ في الدنيا على الشرائع الظاهِرة، وأعمال الجوارح.
وحُكمٌ في الآخِرة على الظواهر والبواطن.
ولهذا كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَقبل علانيةَ المنافقين، ويَكِل أسرارَهم إلى الله تعالى، فيُناكحون، ويَرِثون ويُورثون ويُعتدُّ بصلاتهم في أحكام الدنيا، فلا يكون حُكمهم حُكمَ تارك الصلاة؛ إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة، وأحكام الثواب والعِقاب ليستْ إلى البَشَر؛ بل إلى الله، والله يتولاَّه في الدار الآخرة"[26].

"فالخِطاب بالإيمان يدخل فيه ثلاثُ طوائف:
يدخل فيه المؤمِنُ حقًّا.
ويدخُل فيه المنافِق في أحكامه الظاهرة، وإنْ كانوا في الآخرة في الدَّرْكِ الأسفل من النار، وهو في الباطن يُنفَى عنه الإسلام والإيمان، وفي الظاهر يُثبَت له الإسلام والإيمان الظاهر.
ويدخل فيه الذين أسْلموا، وإنْ لم تدخلْ حقيقة الإيمان في قلوبهم، لكنْ معهم جزءٌ من الإيمان والإسلام يُثابون عليه"[27].

الشبهة السابعة
أنَّ الله - سبحانه - قد خاطَب الإنسانَ بالإيمان قبلَ وجود الأعمال:
ومراد صاحِب هذه الشُّبهة أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - أمَر نبيَّه أن يدْعوَ الناس للإيمان، وكان ذلك قبلَ نزول الشرائع؛ بل إنَّ أعظم الشرائع، وهي الصلاة، قد فُرِضت في ليلةِ الإسراء والمعراج؛ أي: في نهاية المرحلة المكيَّة، وكان الناس مخاطَبون قبْل ذلك بالإيمان.

والجواب:
"نقول: إنْ قلتُم: إنهم خُوطبوا به قبلَ أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجِب عليهم قبلَ أن يُفرَض عليهم ما خُوطِبوا بفرْضه، فلمَّا نزل إن لم يقرُّوا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين"[28].

فالإيمان الواجب قبل نزول جميع القرآن ليس مثْل الذي وجَبَ بعد نزول القرآن، كما قال - تعالى -: ï´؟الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًاï´¾ [المائدة: 3].

"فإنَّ الله لما بعث محمدًا رسولاً إلى الخَلْق كان الواجب على الخَلْقِ تصديقُه فيما أخبر، وطاعتُه فيما أمَر، ولم يأمرْهم حينئذٍ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيْت، ولا حرَّم عليهم الخمر والرِّبا، ونحو ذلك، ولا كان أكثرُ القرآن قد نزل، فمَن صدَّقه حينئذٍ فيما نزَل من القرآن، وأقرَّ بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخصُ حينئذٍ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجَب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتَى به بعدَ الهجرة لم يُقبلْ منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا"[29].

"ولو آمَن الرجل بالله وبالرسول باطنًا وظاهرًا، ثم مات قبل أن يعرف شرائعَ الدِّين، مات مؤمنًا بما وجَبَ عليه من الإيمان، وليس ما وجب عليه ولا ما وقَع منه مثل إيمان مَن عرَف الشرائع، فآمن بها وعمل بها؛ بل إيمان هذا أكمل وجوبًا ووقوعًا"[30].

"ودِين الإسلام الذي ارْتضاه الله وبعَث به رسلَه، هو الاستسلامُ لله وحْدَه، فأصله في القلْب هو الخضوع لله وحْده، بعبادته وحْدَه دون ما سواه، فمَن عبَدَه وعبدَ معه إلهًا آخَرَ، لم يكن مسلمًا، ومن لم يعبدْه؛ بل استكبر عن عبادته، لم يكن مسلمًا، والإسلام هو الاستسلامُ لله، وهو الخضوع له، والعبودية له، هكذا قال أهلُ اللغة: أسلم الرجلُ إذا استسلم، فالإسلامُ في الأصْل من باب العمل؛ عمل القلْب والجوارح"[31].

الشبهة الثامنة
أنَّ الرجل لو آمَن ومات قبل أن يعمل شيئًا من الأعمال لمات مؤمنًا:
واحتجُّوا بقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعمِّه أبي طالب: ((يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشفَع لك بها عندَ الله)).
والجواب: أنَّ مِن المقرَّر شرعًا أنه لا تكليفَ إلا بمقدور، ومَن كان حاله هكذا، فإنه عاجزٌ عن العمل، فهو غير مكلَّف به، فمَن قال: لا إله إلا الله، وعاجلتْه المنية، دخَل الجنة؛ لأنَّه لم يتمكَّنْ من العمل، ولم يكنِ العملُ في حقِّه تكليفًا؛ لأنه عاجز عنه، وكذلك المكْرَه.

يقول ابن القيم: "ولا يجزئ باطنٌ لا ظاهرَ له، إلا إذا تعذَّر بعجز، أو إكراه وخوف هلاك"[32].

والخلاف في تخلُّفِ العمل الظاهر مع القُدرة التامة وعدم المانع، فأهل السنَّة يقولون: إذا تخلَّف العملُ الظاهر بالكلية، دلَّ على فساد الباطن، وخلوِّه مِن الإيمان، وأهل الإرْجاء يقولون: ليس بدليل؛ بل قد يكون الإيمان في القلْب، ولا يظهر على الجوارح أيُّ عملٍ من الأعمال الواجبة.

وانظر كلام ابن القيِّم: "فتخلُّفِ العملِ ظاهرًا مع عدم المانع، دليلٌ على فساد الباطن وخلوِّه من الإيمان، ونَقْصُه دليلُ نقصه، وقوتُه دليلُ قوته"[33].
"والمرجئة أخرجوا العملَ الظاهر عن الإيمان، فمَن قصد منهم إخراجَ أعمال القلوب أيضًا، وجعلها هي التصديق، فهذا ضلالٌ بيِّن، ومن قصَد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العملُ الظاهر لازمٌ للعمل الباطن لا ينفكُّ عنه، وانتفاءُ الظاهر دليلُ انتفاء الباطن"[34].

الشبهة التاسعة
أنَّ مَن لم تبلغْه التكاليف يكفيه قولُ لا إله إلا الله في دخول الجنة:
واحتجُّوا بحديث حُذيفةَ المرفوع: ((يدرس الإسلامُ كما يدرس وشْيُ الثوب، حتى لا يُدرَى ما صيام ولا صدَقة ولا نُسك، ويُسرَى على كتاب الله في ليلة فلا يَبْقى في الأرْض منه آيةٌ، ويبقى طوائفُ من الناس؛ الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركْنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها))، قال صِلةُ بن زفر لحذيفة - رضي الله عنه -: فما تُغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يَدرُون ما صيامٌ ولا صدقة ولا نُسك؟! فأعرض عنه حذيفة، فردَّدها عليه ثلاثًا، كل ذلك يُعرِض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صِلةُ، تُنجِيهم من النار"[35].

والجواب: أنَّ الرد على هذه الشبهة من جِنس الردِّ على الشبهة السابقة، والتي قبلها، فإنَّ ركن العمل يسقط بعدم التمكُّن (العجز)، وذلك في ثلاثة أحوال:
1- من مات بعدَ قوله لا إله إلا الله، ولم يُمهلْ ليعمل.
2- من مات قبلَ نزول الشرائع.
3- من لم يبلغْه من الشرائع شيء.

فالحالة الأولى: عاجلتْه المنية، وفي الثانية لم يكن مطالبًا بعمل، والثالثة: لم يبلغْه من العلم ما يترتَّب على ترْك العمل به مِن عقوبة.

"فكثيرٌ مِن الناس مَن ينشأ في الأمكنة والأزمنة التي يندرِس فيها الكثيرُ من علوم النبوات، حتى لا يبقى مَن يُبلِّغ ما بَعَث الله به رسولَه، ولا يكون هناك مَن يبلِّغه ذلك".

فالحديث ليس فيه أدْنى حُجَّة لمن زعم أنَّ ترك العمل بالكلية مع القُدرة لا يقدح في الإيمان، فإنَّ الشيخ الكبير، والمرأة العجوز لم يبلغْهما من الدين إلا لا إله إلا الله، وقد أتيا بما بلَغَهما، ولكن الخلاف مع المرجئة فيمَن بلَغه الدِّينُ كاملاً، وتمكَّن من أدائه، ثم عاش دهرَه كله "لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدِّي لله زكاةً، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نِفاق في القلْب وزَنْدقة، لا مع إيمان صحيح"[36].

الشبهة العاشرة
أنَّ مِن السلف من لم يكفرْ تارك الصلاة، فما دونها أولى:
والجواب: أنَّ اختلاف أهل السُّنة في آحاد الأعمال خلافٌ مشهور، ومقبول، ولكنَّهم لم يختلفوا في أنَّ العمل جزءٌ من الإيمان.

فمن زعم أنَّ الخلاف في العمل منحصِرٌ عند أهل السنة في المباني الأربعة، فقد اختلطتْ عليه المسائل، فساوَى بين قول أهل السنَّة وبيْن قول المرجئة.

فأهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل ونيَّة وسُنَّة؛ لأن الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل، فهو كُفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نيَّة، فهو نِفاق، وإذا كان قولا ًوعملاً ونية بلا سُنَّة، فهو بدعة.

"والمرجِئة لا تُنازِع في أنَّ الإيمان الذي في القلْب يدْعو إلى فعْل الطاعة، ويقتضي ذلك، والطاعة مِن ثمراته ونتائجه، ولكنها تنازع هليستلزم الطاعة؟"[37].
"والذين لا يُكفِّرون من ترَك هذه المباني، يجعلونها من الإسلام، كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وغيرهم"[38].

فانتبهْ - رحمك الله - في اختلافِهم في تكفير مَن ترَك المباني الأربعة مع جَعْلها من الإسلام، ولا ينفع إيمانٌ لمن لا إسلامَ له، ولا إسلامٌ لمن لا إيمانَ له؛ إذ لا يخلو المسلِم من إيمان يصحُّ به إسلامه، ولا يخلو المؤمِن من إسلامٍ به يحقق إيمانه.

"وكل حقيقة باطِنة لا يقوم صاحبُها بشرائع الإسلام الظاهرة، لا تنفع ولو كانتْ ما كانت، فلو تمزَّقَ القلْب بالمحبَّة والخوف، ولم يتعبَّدْ بالأمر وظاهر الشَّرْع، لم ينجِه ذلك من النار، كما أنه لو قام بظواهر الإسلام وليس في باطنه حقيقةُ الإيمان، لم يُنجِه من النار"[39].

والخلاف مع المرجِئة ليس في ترْك الصلاة أو الصيام، أو الزكاة أو الحج؛ وإنما الخلاف في ترْك جميع الواجبات؛ أي: ترْك العمل بالكلية.

فقد "غلت المرجئةُ حتى صار من قولِهم: إنَّ قومًا يقولون: مَن ترك الصلوات المكتوباتِوصومَ رمضان، والزكاة والحج، وعامةالفرائض منغير جُحُود لها، لا نكفِّره،يُرْجأ أمرُه إلى الله بعدَ إذ هو مقرٌّ، فهؤلاء الذين لا شكَّ فيهم - يعني في أنهم مرجئة"[40].
"فترْك العبادات المفروضات زَنْدقةٌ، وارْتكابُ المحظورات معصية"[41].
"فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسولِه مع عدم شيءٍ من الواجبات التي يختصُّ بإيجابها محمَّد- صلَّى الله عليه وسلَّم"[42].

"فالسَّلَف يقولون: ترْك الواجبات الظاهرة دليلٌ على انتفاء الإيمان الواجب مِن القلب، لكن قد يكون ذلك بزوال عمَلِ القلْب، الذي هو حبُّ الله ورسوله، وخشية الله، ونحو ذلك، لا يستلزم ألا يكونَ في القلب مِن التصديق شيء، وعند هؤلاء كل مَن نفَى الشرع إيمانَه دلَّ على أنه ليس في قلْبِه شيء من التصديق أصلاً"[43].

قال سفيان الثوري: "رُكوبُ المحارم من غير استحلال معصيةٌ، وترْكُ الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عُذْر، كُفْر"[44].

فهل قال أحدٌ مِن السلف: إنَّ ترك العمل بالكلية، وهو ترْك الإسلام جملةً، وهجر الالْتزام بالأحكام الشرعية، نقصٌ في الإيمان ما دام صاحبُه مقرًّا بأنَّ هذا شرع الله؟! ما قال ذلك إلا المرجئة - كما ذكر سلفنا الصالح.

ولزيادة البيان أشرَحُ الفَرْق بيْن قول أهل السُّنَّة في المباني الأربعة، وقول أهل البدع.



[لم أنقُلْ كلام العلماء المتعلِّق بتكفير تارِك الصلاة، وهم جمهور أصحاب الحديث، علمًا بأنها أقوال كثيرة جدًّا مبثوثة في كتب السلف؛ وذلك لأنها مسألةٌ اختلف فيها أصحابُ الحديث، ولكن ها هنا مسألة مهمَّة، وهي أنَّ أصحاب الحديث الذين لم يُكفِّروا تاركَ الصلاة لا يعنون أنَّ الصلاة عمل، والعمل لا يَكفُر تاركُه، أو فاعله بغير اعتقاد أو استحلال أو تكذيب، فهذه لوثة إرجائية - حاشاهم منها - بل كما نقَل عنهم المروزي قالوا: "الأخبار التي جاءتْ في الإكفار بترْك الصلاة نظير الأخبار التي جاءتْ في الإكفار بسائرِ الذنوب"، فهُم نظروا إلى الأدلَّة التي ظاهرُها التعارض، فجمعوا بينها، ورجَّحوا عدمَ إكفار تارك الصلاة، كتارك الصَّوْم والزكاة، إلا إذا ترَكَها جحودًا أو إباءً أو استنكافًا، ولم يُنقَل عن أحدٍ منهم أنَّ الصلاة عمل، وليستِ اعتقادًا، ولا يكفر تاركُ العمل، كما أنَّهم لم يعدُّوا من يُكفِّر تاركها بمثابة الخوارج الذين يُكفِّرون بالذنوب، وهذا إقرارٌ منهم أنَّ تارك العمل قد يخرج من الملَّة، لكن لم يترجَّحْ عندهم ذلك في شأن تارِك الصلاة][45].







فانتبهْ - يرحمك الله - الخلاف في المباني الأربعة خلافٌ سائغ باعتبار، وغير سائغ باعتبار آخَر، فهو سائغٌ إذا كان الخلاف في الأدلَّة في ثبوت كُفْره أو عدمه، وغير سائغ إذا كان الخلافُ في اعتبار ترْك العمل، فمَن كفََّر بترْك آحاد الأعمال فهُم الخوارج، ولم ينظروا إلى أدلَّة تكفيرِ تارك الصلاة أو غيرها، والمرجِئة لم ينظروا إلى أدلَّة تكفير تارك الصلاة وغيرها، واكتفوا بدعْوَى أنَّ الأعمال من ثمرات الإيمان، فإذا وُجِدتْ دلَّت على الباطن، ولكن إذا عُدِمت لم يدلَّ عدمها على انتفاء الباطن، وهو خطأٌ عقلاً كما هو خطأ شرعًا.[46]








الشبهة الحادية عشرة





أنَّ الأحاديث أثبتتْ دخولَ الجنة بترْك الشِّرْك تارةً، وبقول لا إله إلا الله أخرى، ولم تذكر العمل:



ومِن حُجَج أصحاب هذه الشُّبْهة: حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - وفيه: ((وحقُّ العِباد على الله ألاَّ يُعذِّب مَن لا يشرك به شيئًا))[47]، فمَن ترك الشرك ولم يعملْ شيئًا فهو غير معذَّب.







والجواب: يقول ابن عثيمين معلِّقًا على الحديث: "ولا تظنّ أن قوله: ((مَن لا يشرك به شيئًا))، أنَّه مجرَّد عن العبادة؛ لأنَّ التقدير: مَن يعبده ولا يشرك به شيئًا، ولم يذكر قوله "من يعبده"؛ لأنَّه مفهوم مِن قوله: ((وحقُّ العباد))، ومَن كان وصفه العبودية فلا بدَّ أن يكون عابدًا، ومَن لم يعبد الله ولم يُشرِكْ به شيئًا: هل يعذب؟








الجواب: نعم يُعذَّب؛ لأنَّ الكلام فيه حذْف، وتقديره: مَن يعبده ولا يشرك به شيئًا"[48].




"فلا ينجو إلا بفِعْل المأمور، وهو التوحيد، فإنْ قيل: فهو إنَّما هلَك بارْتكاب المحظور، وهو الشِّرْك؟ قيل: يكفي في الهلاك ترْكُ نفس التوحيد المأمور به، وإنْ لم يأتِ بضدٍّ وجودي من الشِّرْك؛ بل متى خلا قلبُه منالتوحيد رأسًا، فلم يوحِّد الله، فهو هالك وإن لم يعبدْ معه غيرَه، فإذا انضاف إليه عبادةُ غيره عُذِّب على ترْك التوحيد المأمور به، وفعْلِ الشرْك المنهي عنه"[49].







واحتجُّوا بحديث: ((مَن مات لا يشرك بالله شيئًا، دخَل الجنة)).








قال ابن حجر: قال الطِّيبي: قال بعضُ المحقِّقين:




"وقد يتَّخذ أمثالَ هذه الأحاديث المبطِلةُ ذريعةً إلى طرْح التكاليف، وإبطال العمل؛ ظنًّا أن ترك الشرك كافٍ!



وهذا يستلزم طيَّ بساط الشريعة، وإبطال الحدود، وأنَّ الترغيب في الطاعة، والتحذير من المعصية لا تأثيرَ له؛ بل يقتضي الانخلاعَ عن الدِّين، والانحلال عن قيْد الشريعة، والخروج عن الضَّبْط، والدلوج في الخَبْط، وترْك الناس سدًى مهملين، وذلك يُفضِي إلى خراب الدنيا بعْدَ أن يُفضي إلى خراب الآخرة، مع أنَّ قوله في بعض طرق الحديث: ((أن يعبدوه))، يتضمن جميعَ أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: ((ولا يُشرِكوا به شيئًا)) يشمل من الشِّرْك الجلي والخفي، فلا راحةَ للتمسُّك به في ترْك العمل؛ لأنَّ الأحاديث إذا ثبتتْ، وجب ضمُّ بعضها إلى بعض، فإنها في حُكم الحديث الواحد، فيُحمل مُطلَقُها على مقيّدها؛ ليحصلَ العمل بجميع ما في مضمونها، وبالله التوفيق"[50].









واحتجُّوا بالأحاديث التي فيها: ((من قال لا إله إلا الله، دَخَل الجنة)).








قال صاحبُ "المعارج" - رحمه الله -: "وقالتْ طائفة من العلماء: المراد بهذه الأحاديث أنَّ (لا إله إلا الله) سببٌ لدخول الجنة، والنجاة من النار، لذلك ولكن المقتضى عمله لا يعمل إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلَّف عنه مقتضاه لفوات شرْطٍ من شروطه، أو لوجود مانع"[51].









وشروط لا إله إلا الله التي عَلَّق الشرع عليها الانتفاعَ هي:




1. العلم المنافي للجهل.



2. اليقين المنافي للشكّ.



3. القَبول المنافي للردّ.



4. الانقياد المنافي للتَّرْك.



5. الصِّدْق المنافي للكَذب.



6. الإخلاص المنافي للشرك.



7. المحبَّة المنافية لضدِّها من العداوة والبغضاء.



كما بيَّن الشيخ - رحمه الله.







فاعلم - رحمك الله - أنَّ تارك العمل بالكلية مع القُدرة، تاركٌ للانقياد، وهو شرْطٌ للانتفاع بـ(لا إله إلا الله) في الآخرة.








الشبهة الثانية عشرة




أنَّ الله أثبت النجاة لمن لم يعملْ خيرًا قطّ:



والمقصود حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: ((فيقول الله - عزَّ وجلَّ -: شَفعتِ الملائكةُ، وشفَع النبيُّون، وشفَع المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحمُ الراحمين، فيقبِضُ قبضةً من النار، فيُخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قطُّ، قد عادوا حُممًا، فيلقيهم في نهْر في أفواه الجَنَّة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كاللؤلؤ في رِقابهم الخواتم يَعرِفُهم أهل الجنة، هؤلاء عُتقاءُ الله الذين أدخلَهم الجنة بغيْر عملٍ عملوه، ولا خيرٍ قدَّموه))[52].




فعلَى هذا لا يُشترط العمل لصحَّة الإيمان.








والجواب على هذا - وبالله التوفيق - أقول:



لا بدَّ من الجمْع بين نصوص الكتاب والسنَّة، وعدم أخْذ بعضها، وترْك البعض الآخر، ولا شكَّ أنَّ بعضها يُفسِّر البعضَ الآخر.



والأدلَّة التي تدلُّ على أنَّ العمل لا بدَّ منه في الإيمان، وأنَّ مَن لم يأتِ به يكفر - كثيرةٌ متضافرة، وهي أدلَّة مُحكَمة؛ لأنَّها مفسرة، وليستْ مجملة، بينما هذا النصُّ يحتاج إلى بعضِ التفسير.








مما يُفسِّر هذا النصَ حديثُ أبي هريرة وحديث جابر - رضي الله عنهما -: فأمَّا حديث أبي هريرة، وقد جاء هو وحديث أبي سعيد بإسنادٍ واحد - الزهري عن عطاء بن يزيد عنهما - وهما حديث واحدٌ، ولكن في أحدهما ما ليس في الآخر، فقد جاء في حديث أبي هريرة: ((حتى إذا فرَغَ الله مِن القضاء بيْن العباد، وأراد أن يُخرجَ برحمته مَن أراد من أهل النار، أمَر الملائكة أن يُخرجوا من النار مَن كان لا يشرك بالله شيئًا ممَّن أراد الله أن يرحمَه ممَّن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأَثَر السجود، تأكل النارُ مِن ابن آدم إلا أثرَ السجود، حرَّم الله على النار أن تأكلَ أثرَ السجود...))[53].






يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-02-2020, 05:13 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المرجئة شبهات وردود





وأمَّا حديث جابر، فأخرجه مسلِمٌ من طريق قيْس بن سُليم العنبري، حدَّثني يزيد الفقير، ثنا جابر، قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ قومًا يَخرجون من النار يحترقون فيها إلا داراتِ الوجوه، حتى يدخلونَ الجنة))[54].








وقد أخرج مسلم قبْلَه من طريق أبي الزُّبَير عن جابر، ولفظه: ((ثم تحلُّ الشفاعة ويشفعون، حتى يخرج مِن النار مَن قال: لا إله إلا الله، وكان في قلْبِه مِن الخير ما يزن شعيرةً، فيُجعلون بفِناء الجنة، ويَجْعل أهلُ الجنة يرشُّون عليهم الماء، حتى ينبتوا نباتَ الشيء في السَّيْل...)).







فحديث أبي هريرة، وحديث جابر مما يُفسِّر حديثَ أبي سعيد، وأنَّ هؤلاء الذين يخرجون مِن النار ممن يُصلُّون؛ لأنهم يُعرَفون بآثار السجود، ودارات الوجوه، وهو موضعُ السجود؛ ولذلك قال ابن نصر المروزي في كتاب "الصلاة" (2/1009): "أفلا ترى أنَّ تارك الصلاة ليس مِن أهل مِلَّة الإسلام، الذين يُرجَى لهم الخروجُ من النار ودخول الجنة بشفاعة الشافعين؟".







وبهذا الحديث استدلَّ ابنُ أبي حمزة أيضًا على أنَّ تارك الصلاة لا يخرج من النار؛ إذ لا علامةَ له - كما في "الفتح" (11/457).








وقال أبو الفَرَج ابنُ رجب في "فتح الباري" (7/ 241): "واستدلَّ بذلك بعضُ من يقول: إنَّ تارك الصلاة كافِر تأكله النار كلَّه، فلا يبقى على حاله حال عُصاةِ الموحِّدين، وهذا فيمَن لم يصلِّ لله صلاة قطُّ ظاهرًا"؛ ا.هـ.




إذ هؤلاء معهم بعضُ العمل؛ لأنَّ الصلاة أعظمُ الأعمال بعد التوحيد.







ومما يفسِّر ما تقدَّم ما جاء في حديث أبي سعيد نفسِه في قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فيكشف عن ساقٍ، فلا يَبْقى مَن كان يسجد لله مِن تلقاء نفسه إلا أَذِن الله له بالسُّجود، ولا يَبْقى من كان يسجد اتقاءً ورِياءً إلا جَعَل الله ظهره طبقةً واحدة، كلَّما أراد أن يسجدَ خرَّ على قفاه)).








وهذا يدلُّ على أنَّ مَن كان لا يسجد لله في الدنيا، لا يستطيع السُّجودَ لله يوم القيامة.







قال العماد ابنُ كثير في تفسير ما سبَق (8/200)؛ أي: قوله - تعالى -: ï´؟يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَï´¾ [القلم: 42]: "أي: في الدار الآخرة بإجْرامهم وتكبُّرهم في الدنيا، فعُوقِبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دُعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه، مع صِحَّتهم وسلامتهم، كذلك عُوقِبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلَّى الربُّ - عزَّ وجلَّ - فسجد له المؤمنون، ولا يستطيع أحدٌ من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد؛ بل يعود ظهرُ أحدهم طبقًا واحدًا، كلَّما أراد أحدُهم أن يسجد خرَّ لقفاه، عكس السجود، كما كانوا في الدنيا بخِلاف ما عليه المؤمنون" ا.هـ.








ومما يُفسِّر حديثَ أبي سعيد السابقَ ما رواه البخاري ومسلم مِن حديث نعيم بن عبدالله عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إنَّ أمَّتي يأتون يومَ القيامة غرًّا محجَّلين من أثَر الوضوء، فمَن استطاع منكم أن يُطيلَ غُرَّته فليفعل))[55].








وفي لفظٍ عند مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة: فقالوا: يا نبيَّ الله أتعرِفُنا؟ قال: ((نعم، لكم سِيما ليستْ لأحد غيركم؛ تَرِدُون عليَّ غرًّا محجَّلين مِن آثار الوضوء))[56].







وكل ما تقدَّم مما يُفسِّر حديثَ أبي سعيد ويُبيِّنه ويقيِّده، لكن قد يُقال: على ماذا يحمل حديث أبي سعيد الخدري؟








فأقول - وبالله التوفيق -:




قال أبو بكر بن خُزَيمة: "هذه اللفظة: ((لم يعملوا خيرًا قطُّ)) من الجِنس الذي يقول العرب يَنفي الاسمَ عن الشيء؛ لنقصه عن الكمال والتمام، فمَعْنى هذه اللفظة على هذا الأصْل: لم يعملوا خيرًا قطُّ على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به"[57] ا.هـ.







"وأنا أذهب إلى ما ذَهَب إليه أبو بكر بن خزيمة إذا كان يقصِد بالكمال هو الكمال الواجب الذي يُذمُّ تاركه، ويستحق العقوبة عليه.








ويشهد لِمَا تقدَّم "الرجل الذي كان في بني إسرائيل وقتَل تسعةً وتسعين نفسًا إلى أن كمَّل المائة، ثم تاب وهاجر إلى أرض فيها أناس يعبدون الله تعالى، فماتَ في الطريق، فاختصمتْ فيه ملائكةُ الرحمة وملائكةُ العذاب، فقالتْ ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مُقبِلاً بقلبه، وقالتْ ملائكة العذاب: إنَّه لم يعملْ خيرًا قطُّ"[58].







والشاهِد من هذا الحديث: أنَّ هذا الرجل لم يتمكَّنْ من عمل غير التوبة وهجرته، ولا شكَّ أنَّ هذه أعمال عظيمة، وهذا يشهد لكلامِ ابن خزيمة السابق أنَّ العرب تَنفي الاسمَ عن الشيء لنقصِه عن الكمال والتمام"[59].








ولقد سُئِل ابن عثيمين - رحمه الله -:




(س297) ما معنى قوله: ((لم يعملوا خيرًا قطُّ))؟



فأجاب - رحمه الله -: "معنى قوله: ((لم يعملوا خيرًا قط)): أنهم ما عمِلوا أعمالاً صالحة، لكن الإيمان قد وقَر في قلوبهم، فإمَّا أن يكون هؤلاء قد ماتوا قبلَ التمكُّنِ من العمل، وحينئذٍ يصدق عليهم أنَّهم لم يعملوا خيرًا قط.







وإما أن يكون هذا الحديث مقيدًا بمِثْل الأحاديث الدالَّة على أن بعض الأعمال الصالحة ترْكُها كفر كالصلاة مثلاً، فإنَّ من لا يصلِّي فهو كافر، ولو زعم أنه مؤمن بالله ورسوله، والكافِر لا تنفعه شفاعةُ الشافعين يومَ القيامة، وهو خالدٌ مخلَّد في النار أبدَ الآبدين - والعياذ بالله.







فالمهم: أنَّ هذا الحديث: إما أن يكون في قوم آمَنوا ولم يتمكَّنوا من العمل، فماتوا فورَ إيمانهم، فما عملوا خيرًا قط، وإما أن يكون هذا عامًّا، لكنَّه يُستثنى منه ما دلَّتِ النصوص الشرعية على أنه لا بدَّ أن يعملَ كالصلاة، فمن لم يصلِّ فهو كافر لا تنفعه الشفاعة، ولا يخرج من النار"[60] ا.هـ.








وباختصار فإنَّ أوجه حمل الحديث هي:




1- أنَّ الحديث مقيَّد برواية أبي هريرة - رضي الله عنه - ((إلا آثار السجود))، ورواية جابر - رضي الله عنه -: ((إلا داراتِ الوجوه))، ويكون لفظ ((لم يعملوا)) لنفي الكمال الواجب.



2- أن يُحمل الحديث على مَن لم يتمكَّنْ من العمل الصالح، لكنَّه قد عمل عملاً مفسِّقًا.







قال صاحب كتاب "توحيد الخلاق في جواب أهل العراق": "وأمَّا إخراج الله مِن النار من لم يعمل خيرًا قط، بل كفى عن العمل وجودُ أدْنى إيمان في قلْبه، وإقرار بالشهادتين في لسانه، فهو إما لعدم تمكُّنِه من أداء ما افترض عليه مِن أرْكان الإسلام؛ بل بمجرَّد أدْنَى إيمان في قلبه، وشهادة بلِسانه خرمتْه المنية، لكنَّه قد عمل عملاً مفسقًا به لوجود ما صدَر منه عالِمًا به، فاستحق دخولَ النار عليه"[61].اهـ.








وأصحُّ الأوجه هو الوجه الأول؛ لأنَّه به تتَّسق النصوص وتتعاضَد ولا تتعارض.








يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27-02-2020, 05:14 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المرجئة شبهات وردود

المرجئة شبهات وردود


أبو مريم محمد الجريتلي






الشبهة الثالثة عشر

تسمية الأعمال إيمانًا من باب المجاز، فهي ثمرات الإيمان:
وهذه الشُّبهة مبنيَّة على أمرين: الأول: إثبات المجاز، والثاني: أنَّ الأعمال من ثمرات الإيمان، وليستْ جزءًا أو ركنًا في الإيمان.


أما الأول: فقد ذَهَب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى نفْي المجاز، وكذلك من المعاصِرين: الشيخ الشنقيطي، والشيخ ابن عثيمين - رحمهم الله جميعًا - وقد فصَّل الردَّ الإمامُ ابن تيمية في كتابه القيم "كتاب الإيمان"[62]، ولكن لا يتَّسع المقام لتفصيل هذه القضية.

وأما الثاني: فمع التسليم بإثبات المجاز، فإنَّ علماء البلاغة جعلوا للمجازِ قاعدةً عامة، وهي: أنَّ الأصل حملُ اللفظ على حقيقته، إلاَّ إذا دلَّتْ قرينة لفظية أو عقلية على استحالة الحقيقة.

فإنْ لم يصحَّ التقسيم إلى حقيقة ومجاز، فلا حاجةَ إلى هذا، وإنْ صحَّ فهذا لا ينفعكم؛ بل هو عليكم لا لَكُم؛ لأنَّ الحقيقة هي اللفظ الذي يدلُّ بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنَّما يدل بقرينة، وقد تبيَّن أنَّ لفظ الإيمان حيث أُطلِق في الكتاب والسنَّة، دخلتْ فيه الأعمال، وإنما يُدَّعى خروجها منه عندَ التقييد، وهذا يدلُّ على أنَّ الحقيقة قوله: ((الإيمانُ بِضْع وسبعون شُعْبة)).

"فقول القائل: "الطاعات ثمراتُ التصديق الباطن" يُراد به شيئان:
يراد به أنها لوازمُ له، فمتى وُجِد الإيمان الباطن وُجِدتْ، وهذا مذهب السلف وأهل السنَّة.
ويُراد به أنَّ الإيمان الباطن قد يكون سببًا، وقد يكون الإيمان الباطن تامًّا كاملاً، وهي لم توجدْ، وهذا قول المرجئة مِن الجهمية وغيرهم.

وقد ذَكَرْنا فيما تقدَّم أنهم غلِطوا في ثلاثة أوجه:
أحدها: ظنُّهم أنَّ الإيمان الذي في القلْب يكون تامًّا بدون العمل الذي في القلْب، تصديق بلا عمل للقلب؛ كمحبَّة الله وخشيته، وخوفه والتوكل عليه، والشوق إلى لقائه.
الثـاني: ظنُّهم أنَّ الإيمان الذي في القلْب يكون تامًّا بدون العمل الظاهر، وهذا يقول به جميعُ المرجئة.
الثالث: قولهم: كلُّ مَن كفَّره الشارع فإنما كُفْره لانتفاء تصديق القلب بالربِّ تبارك وتعالى، وكثيرٌ من المتأخرين لا يُميِّزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلامٍ كثيرٍ منهم ممَّن هو في باطنه يرى رأيَ الجهمية والمرجئة في الإيمان، وهو معظِّم للسلف وأهل الحديث، فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بيْن كلام أمثاله وكلام السلف"[63].

الشبهة الرابعة عشر
أنَّ الرجل لا يخرُج من الإيمان إلا بجُحود ما أدْخَلَه فيه:
وهذه العبارة: "لا يخرج العبدُ من الإيمان إلا بجُحود ما أدخله فيه" مِن كلام الإمام الطحاوي الحنفي - رحمه الله - وقد عدَّه أهلُ العلم من فقهاء المرجِئة، ويظهر أثرُ تلبُّسِه بشبهة الإرْجاء في قوله: "وأهله في أصله سواء"، فهذا قولُ المرجئة، لا ينازع في ذلك أحَد؛ وإنما قاله تبعًا لمذهب مرجئة الفقهاء، والذين يزعمون أنَّ الإيمان هو التصديق والإقرار، والكُفْر هو التكذيب والجحود.


وقد تعقَّبه الشارحُ ابن أبي العز صاحب شرح الطحاوية في مواضعَ، وبيَّن فيها منهجَ أهل السنة، غيرَ أنه حمَل الخلاف في مسائلَ على أنه خلاف لفظي، وليس الأمر كما قال؛ بل هو لفظيٌّ ومعنوي، ويترتَّب عليه أحكام.


يقول الشيخ ابن باز معلِّقًا على الطحاوية في قوله: "والإيمان واحد، وأهله في أصلِه سواء":

"هذا فيه نظرٌ؛ بل هو باطل، فليس أهلُ الإيمان فيه سواءً؛ بل هم متفاوتون تفاوتًا عظيمًا، فليس إيمانُ الرسل كإيمان غيرِهم، كما أنه ليس إيمانُ الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة - رضي الله عنهم - مثلَ إيمان غيرِهم، وهكذا ليس إيمانُ المؤمنين كإيمان الفاسقين، وهذا التفاوتُ بحسب ما في القلْبِ مِن العلم بالله وأسمائه وصفاته، ومما شرَعه لعباده، وهو قولُ أهل السنة والجماعة، خلافًا للمرجئة ومَن قال بقولهم، والله المستعان"[64].

ويُعلِّق - رحمه الله على قوله: "والإيمان هو الإقرار باللِّسان والتصديق بالجَنان":

"هذا التعريف فيه نظٌر وقصور، والصواب الذي عليه أهلُ السُّنَّة والجماعة: أنَّ الإيمان قول وعمل واعتقاد، يَزيد بالطاعات، وينقص بالمعصية، والأدلَّة على ذلك من الكتاب والسنَّة أكثرُ من أن تحصر، وقد ذَكَر الشارح ابن أبي العز جملةً منها، فراجعْها إن شئت، وإخراجُ العمل من الإيمان هو قولُ المرجئة، وليس الخلاف بيْنهم وبيْن أهل السُّنَّة لفظيًّا؛ بل هو لفظي ومعنوي، ويترتَّب عليه أحكامٌ كثيرة يَعْلَمها مَن تدبَّر كلام أهل السنَّة وكلام المرجئة، والله المستعان"[65].

ويعلق - رحمه الله - على قول صاحب الطحاوية: "لا يَخرُج العبد من الإيمان إلا بجُحودِ ما أدْخله فيه":
"هذا الحصرُ فيه نظر؛ فإنَّ الكافر يدخل في الإسلام بالشهادتين إذا كان لا يَنطِق بهما، فإن كان ينطق بهما دخَلَ في الإسلام بالتوبة ممَّا أوجب كُفرَه، وقد يخرج مِن الإسلام بغير الجحود، ولأسبابٍ كثيرة بيَّنها أهلُ العلم في باب حُكْم المرتد، ومِن ذلك: طعنُه في الإسلام أو النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو استهزاؤه بالله ورسوله أو بكتابه، أو شيء مِن شَرْعه؛ لقوله - سبحانه: ï´؟وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَï´¾ [التوبة: 65 - 66]

ومِن ذلك: عبادتُه للأصنام أو الأوثان، أو دعوته الأموات والاستغاثة بهم، وطلبه منهم المددَ والعونَ، ونحو ذلك؛ لأنَّ هذا يُناقضُ قول: (لا إله إلا الله)؛ لأنَّها تدلُّ على أنَّ العبادة حقٌّ لله وحدَه، ومنها: الدعاء والاستغاثة، والركوع والسجود، والذبح والنذر، ونحو ذلك، فمَن صرَف منها شيئًا لغير الله مِن الأصنام والأوثان، والملائكة والجن، وأصحاب القبور، وغيرهم مِن المخلوقين، فقد أشرَكَ بالله، ولم يحقِّق قول (لا إله إلا الله)، وهذه المسائل كلُّها تُخرِج من دين الإسلام بإجماع أهْل العلم، وهي ليستْ من مسائل الجحود، وأدلَّتها من الكتاب والسنَّة، وهناك مسائلُ أخرى كثيرةٌ يَكفُر بها المسلم، وهي لا تُسمَّى جحودًا، وقدْ ذكرَها العلماء في باب حُكْم المرتد، فراجعها إن شئت"[66].


قال الحميديُّ: "وأُخبرتُ أنَّ أقوامًا يقولون: إنَّ مَن أقر بالصلاة والزكاة، والصوم والحج، ولم يفعلْ مِن ذلك شيئًا حتى يموتَ، ويظلَّ مُسنِدًا ظهرَه، مستدبرَ القبلة حتى يموت، فهو مؤمِن ما لم يكن جاحدًا، إذا عَلِم أنَّ ترك ذلك فيه إيمانُه، إذا كان مقرًّا بالفرائض واستقبال القِبلة، فقلت: هذا الكُفْر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسُنَّة رسول الله- صلَّى الله عليه وسلَّم - وفعْل المسلمين، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ï´؟وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِï´¾ [البينة: 5]


قال حنبل: قال أبو عبدالله: مَن قال هذا، فقدْ كفَر بالله، وردَّ على الله أمرَه، وعلى الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما جاء به"[67].

الشبهة الخامسة عشر
أنَّ المرجئة تقول: إنَّ الإيمان هو التصديق، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل، لكن العمل شرْط كمال، وكذلك هم يقولون: إنَّ الإيمان لا يَزيد ولا ينقص، ونحن نقول: الإيمان يزيد وينقص، فكيف تُلحِقون مَن يقول ذلك بالمرجئة؟

وإن كنتُ أظنُّ أن ما سبق كافٍ في الجواب عن هذه الشُّبهة، غير أني أذْكُر الجواب باختصار:
وأصْلُ هذه الشُّبهة: أنَّ صاحبها ظنَّ أنَّ المرجئة فِرْقة واحدة؛ وهي التي تزعم أنَّ الإيمان هو التصديق، أو التصديق والإقرار، سواء كان الإقرارُ شرْطًا لأحكام الدنيا - كما تقول الماتريديَّة - أو أنَّ الإقرار رُكنٌ مثل التصديق - كما تقول الأشاعرة.


وقد ذكر الإمام ابنُ تيمية - رحمه الله - أنَّ المرجئة اثنتَا عشرة فِرْقة، وبعْدَ أن يذكر ذلك يقول:

"والمقصود هنا: أنَّ عامة فرِق الأمَّة تُدخل ما هو مِن أعمال القلوب، حتى عامَّة فِرَق المرجئة تقول بذلك"[68].

"والمرجئة أخْرجوا العملَ الظاهر عن الإيمان، فمَن قصَد منهم إخراجَ أعمال القلوب أيضًا، وجعلها هي التصديق، فهذا ضلال بيِّن، ومن قصَد إخراجَ العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازمٌ للعمل الباطن، لا ينفكُّ عنه، وانتفاءُ الظاهر دليلُ انتفاء الباطن"[69].


"وأيضًا فإخراجُهم العملَ يُشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإنَّ مَن صدَّق الرسول، وأبغَضه وعاداه بقلْبه وبدنه، فهو كافرٌ قطعًا بالضرورة، وإن أدْخلوا أعمالَ القلوب في الإيمان أخطؤوا أيضًا؛ لامتناع قيامِ الإيمان بالقلْب من غير حَرَكة بدن، وليس المقصودُ هنا ذِكرَ عمل معيَّن؛ بل مَن كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلْبه، هل يُتصوَّر إذا رأى الرسول وأعداءَه يقاتلونه وهو قادرٌ على أن ينظرَ إليهم، ويحضَّ على نصْر الرسول بما لا يضرُّه، هل يمكن مثل هذا في العادة ألاَّ يكون منه حركةٌ ما إلى نصْر الرسول؟! فمِن المعلوم أنَّ هذا ممتنع.

لكنَّهم إذا لم يُدخلوا أعمالَ القلوب في الإيمان، لَزِمهم قولُ جهم، وإن أدخلوها في الإيمان، لزِمَهم دخولُ أعمال الجوارح أيضًا، فإنَّها لازمة لها"[70].

والقول بأنَّ الأعمال شرْط كمال هو قولُ المرجئة، وليس مِن قول أهل السُّنَّة - كما ذكرْنا.


قال ابن باز: "ما هو بشَرْط كمال، هو جزءٌ من الإيمان، هذا قول المرجئة".


أمَّا الزيادة والنقصان في الإيمان، فالمرجئة ترَى تفاضلَ الناس في الأعمال الظاهرة، ولا يَرَوْن التفاضلَ في التصديق.

يقول ابن تيمية: "والتفاضل في الإيمان بدُخول الزِّيادة والنَّقْص فيه يكون مِن وجوه متعدِّدة: أحدها: الأعمال الظاهرة، فإنَّ الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتَّفَق الناس على دخولِ الزيادة فيه والنُّقْصان، لكن نِزاعهم في دخول ذلك في مسمَّى الإيمان، فالنُّفاة يقولون هو مِن ثمرات الإيمان ومقتضاه، فأدخل فيه مجازًا بهذا الاعتبار، وهذا معنى زيادة الإيمان عندَهم ونقصه؛ أي: زيادة ثمراته ونقصانها، فيقال: قد تقدَّم أنَّ هذا من لوازم الإيمان ومُوجِباته، فإنه يمتنع أن يكون إيمانٌ تامٌّ في القلْب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأمَّا كونه لازمًا، أو جزءًا منه، فهذا يختلف بحسبِ حال استعمال لفْظ الإيمان، مفردًا أو مقرونًا بلفظ الإسلام والعمل - كما تقدَّم"[71].


فانظر - رحمك الله -: أهلُ السُّنَّة يرَوْن أنَّ الأعمال تزيد وتنقص، ويرى أهلُ الإرجاء ذلك، ولكن أهل السنَّة يروْن الأعمال مِن لوازم الإيمان تَزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإذا انتفتِ الأعمال انتفى الإيمان.

أمَّا المرجئة فلا يجعلون ذلك لازمًا؛ بل سببًا يوجد بوجوده، ولا ينتفي الإيمان لانتفائه.

"فإنَّك إذا سلمتَ أنَّ هذه لوازمُ الإيمان الواجب الذي في القَلْب وموجباته، كان عدمُ اللازم موجبًا لعدم الملزوم، فيلزم مِن عدم هذا الظاهر عدمُ الباطن، فإذا اعترفتَ بهذا كان النِّزاع لفظيًّا، وإن قلتَ: ما هو حقيقة قول جَهْم وأتباعه مِن أنه يستقرُّ الإيمان التام الواجب في القلْب مع إظْهار ما هو كُفْر، وترْك جميع الواجبات الظاهرة، قيل لك: فهذا يُناقض قولَك: إنَّ الظاهر لازمٌ له، وموجب له؛ بل قيل: حقيقة قولك أنَّ الظاهر يقارن الباطنَ تارةً، ويفارقه أخرى، فليس بلازمٍ له، ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليلٌ، إذا وُجِد دلَّ على وجود الباطن، وإذا عُدِم لم يدلَّ عدمُه على العدم، وهذا حقيقة قولك، وهو أيضًا خطأ عقلاً، كما هو خطأ شرعًا"[72].


"فتبيَّن أنَّ الأعمال الظاهرة الصالِحة لا تكون ثمرةً للإيمان الباطن ومعلولة له، إلا إذا كان موجبًا لها، ومقتضيًا لها، وحينئذٍ فالموجِب لازمٌ لموجبه، والمعلول لازمٌ لعِلَّته، وإذا نقصتِ الأعمال الظاهرة الواجبة، كان ذلك لنقْص ما في القَلْب من الإيمان، فلا يتصوَّر مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلْب أن تُعدَم الأعمال الظاهرة الواجبة؛ بل يلزم من وجود هذا كاملاً وجودُ هذا كاملاً، كما يلزم مِن نقْص هذا نقصُ هذا؛ إذ تقدير إيمان تامٍّ في القلْب بلا ظاهر مِن قول وعمل، كتقدير موجب تامٍّ بلا موجبه، وعِلَّة تامة بلا معلولها، وهذا ممتنع"[73].

نصيحة في الخاتمة
وهي نصيحةٌ غالية من الشيخ العلاَّمة "بكر بن عبدالله أبو زيد" - رحمه الله - يقول فيها:

"وإيَّاك ثم إياك - أيُّها المسلم - أن تغترَّ بما فاه به بعضُ الناس من التهوين بواحدةٍ من هذه الأُسس الخمسة لحقيقة الإيمان[74]، لا سيَّما ما تلقَّفوه عن الجهمية وغُلاة المرجئة مِن أنَّ العمل كماليٌّ في حقيقة الإيمان، ليس رُكنًا فيه، وهذا إعراضٌ عن المحكَم من كتاب الله - تعالى - في نحوِ ستِّين موضعًا، مثل قوله - تعالى -: ï´؟وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَï´¾ [الأعراف: 43]، ونحوها في السُّنَّة كثير، وخرْق لإجماع الصحابة ومَن تبعهم بإحسان.

وإيَّاك يا عبدَ الله، من الجنوح إلى الغلو، فتهبِط وأنت لا تشعُر في مزالق الخوارج، الذين تبنَّى في المقابل مذهبَهم بعضُ نابتة عصرنا.

بل وإيَّاك ثم إيَّاك أن تجعلَ أيًّا من مسائل العقيدة الإسلامية - عقيدة أهل السنَّة والجماعة - مجالاً للقَبول والردّ، والحذف والتصحيح، بما يُشغب به ذو هوًى، أو ينتحله ذو غرَض، فهي بحمْد الله حقٌّ مجمَع عليه، فاحذرهم أن يفتنوك، ثبَّتَنا الله جميعًا على الإسلام والسنَّة، آمين"[75].
ـــــــــــــــــــــــــــ
[1] "رفع اللائمة": 5.

[2] "تمهيد الأوائل"، ص: 388.

[3] "معارج القبول"، حافظ الحكمي (2/19).

[4] "كتاب الإيمان"، ص: 161.

[5] "عمدة القاري" (1/ 103).

[6] كتاب "السنة"، ص: 571.

[7] "أصول اعتقاد أهل السنة"، للالكائي، ص: 1586.

[8] ابن تيمية، "شرح العمدة" - كتاب الصلاة - ص: 86.

[9] تعليق ابن باز على الطحاوية، ص: 22.

[10] "الاعتصام"، ص: 49.

[11] "شرح حديث جبريل"، ص: 495، 496.

[12] "اقتضاء الصراط المستقيم"، ص: 254.

[13] "الفوائد"، ص: 155.

[14] "تأنيب الخطيب"، ص: 76.

[15] "رفْع اللائمة" ص: 52 عن مجلة المشكاة - العدد الثاني، ص: 297.

[16] "التوسط والاقتصاد"، ص: 140، 141.

[17] "التوسط والاقتصاد"، علوي السقَّاف، ص: 71 هامش.

[18] "السنة"، لعبدالله بن أحمد، ص: 745.

[19] "الفيض الربَّاني"، ص: 54.

[20] "رفع اللائمة"، ص: 19.

[21] "الفوائد"، لابن القيم، ص: 94.

[22] "كتاب الإيمان"، ص: 209.

[23] "كتاب الإيمان"، ص: 183.

[24] "كتاب الإيمان"، لابن تيمية، ص: 128.

[25] "كتاب الإيمان"، ص: 246.

[26] "مدارج السالكين"، لابن القيم 1/567.

[27] "كتاب الإيمان" لابن تيمية، ص: 145.

[28] "الإيمان"، لابن تيمية، ص: 121.

[29] "الإيمان الأوسط"، ص: 52.

[30] "الإيمان"، ص: 239.

[31] "كتاب الإيمان"، ص: 157.

[32] "الفوائد"، ص: 94.

[33] "الفوائد"، ص: 94، طبعة دار التقوى.

[34] "الفتاوى" لابن تيمية ( 7/ 554) .

[35] راجع، ص: 25.

[36] "الفتاوى" 7/611.

[37] "الإيمان"، لابن تيمية، ص: 36.

[38] "الفتاوى" 7/ 371.

[39] "الفوائد"، ص: 155.

[40] قاله إسحاق بن راهويه، "فتح الباري"، لابن رجب: 1/23.

[41] "الفيض الرباني"، ص: 54.

[42] "الإيمان الأوسط"، لابن تيميَّة، ص: 136 ( دار ابن حزم).

[43] "الإيمان"، لابن تيمية، ص: 93.

[44] "السنة"، لعبدالله بن أحمد، ص: 745.

[45] "التوسط والاقتصاد"، ص: 19، 20.

[46] انظر كلام ابن تيمية: "الإيمان الأوسط"، ص: 101.

[47] متفق عليه.

[48] "القول المفيد"، ص: 25.

[49] "الفوائد"، ص: 130.

[50] "درء الفتنة عن أهل السنة"، ص: 20.

[51] "المعارج" 1/ 336.

[52] رواه مسلم: ( 269/ كتاب الإيمان/ باب معرفة طريق الرؤية).

[53] رواه البخاري (6885/ التوحيد/ باب: قول الله - تعالى -: وجوه يومئذ ناضرة "، (764/ الآذان/ باب: فضل السجود)، (6088/ الرقاق/ باب:الصراط وجسر جهنم)، رواه مسلم (182/ الإيمان/ باب: معرفة طريق الرؤية ".

[54] رواه مسلم (186/ الإيمان/ باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها).

[55] البخاري ( 136/ الوضوء/ باب: فضل الوضوء والغر المحجَّلون من آثار الوضوء)، ومسلم ( 246/الطهارة/ باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء)، واللفظ لمسلم.

[56] مسلم ( 247/الطهارة/ باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء).

[57] "التوحيد" ( 2/732).

[58] رواه البخاري (347)، ورواه مسلم: (2766/ التوبة/ باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله).

[59] "رفْع اللائمة عن فتوى اللجنة الدائمة"، تأليف محمد بن سالم الدوسري، من ص: 30 - 38 باختصار.

[60] "فتاوى العقيدة"، لابن عثيمين، ص: 321.

[61] ص: 105.

[62] "كتاب الإيمان"، ص: 58 - 77.

[63] "الفتاوى"، لابن تيمية (7/ 364،363).

[64] "التعليق على الطحاوية"، ص: 23.

[65] "التعليق على الطحاوية"، ص: 22.

[66] "التعليق على الطحاوية"، ص: 22.

[67] رواه الخلاَّل عن عبدالله بن حنبل، عن ابن إسحاق بن حنبل، قال: قال الحميدي، وساقه.

[68] "شرح حديث جبريل"، ص: 440، "الإيمان الأوسط"، ص: 77.


[69] "الإيمان الأوسط"، ص: 81.

[70] "الإيمان الأوسط"، ص: 82، "شرْح حديث جبريل"، ص: 143.

[71] "الإيمان الأوسط"، ص: 87.

[72] "الإيمان الأوسط"، ص: 101.

[73] "الإيمان الأوسط"، ص: 103.

[74] أي: (اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية).

[75] كتاب "درء الفتنة عن أهل السنة"، العلامة بكر أبو زيد (ص: 34، 35).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 177.75 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 174.54 كيلو بايت... تم توفير 3.21 كيلو بايت...بمعدل (1.81%)]