دروس وعبر من سير الصحابة الكرام - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2719 - عددالزوار : 286219 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2097 - عددالزوار : 107287 )           »          عبارات من اللهجات العربية والردود عليها (اخر مشاركة : مشعل خالد سعد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          لغتنا الجميلة··· أين هي من الإعلام؟! (اخر مشاركة : مشعل خالد سعد - عددالردود : 1 - عددالزوار : 88 )           »          شركة القوة للتنظيف 0532478842 (اخر مشاركة : marwaalkoya - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          مع الفاروق عمر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          مكانة العلماء ومكر السفهاء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          الغربة والغرباء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          تصنيف الناس وآثاره السيئة على الأمة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          أسباب انشراح الصدر وذهاب الهم والغنم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 23-02-2020, 11:26 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (1)











د. محمد بن لطفي الصباغ









إنَّ صَحابة رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جيلٌ مِثاليٌّ، أكرَمَ الله به هذه الأمَّة، وهذا الجيل هو الذي بلَّغ الدُّنيا المعمورةَ دينَ الله، وهو الذي ثبَّت دَعائِمَه في دُنيا الواقع بعد وَفاةِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يومَ أنِ ارتدَّ كثيرٌ من العرب، فكان أفراده أبطال حُروب الرِّدَّة وأبطال الفتوح.





إنَّه جيلٌ يصعُب تكراره، جيلٌ ربَّاه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فكانوا خيرَ الناس في عصرهم، وبقيَتْ آثارهم الطيِّبة بعد وَفاتهم، جيلٌ أثنَى عليهم ربهم في الكتاب الكريم، وأثنَى عليهم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما صَحَّ من الحديث، فكان قرنهم خيرَ القرون.





عن عبدالله بن مسعود - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((خيرُ الناس قرني، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم))؛ رواه البخاري برقم 2652، ومسلم برقم 2533، والترمذي برقم 3859، وابن ماجه برقم 2362.





لقد كانوا مُلهَمين مُسدَّدين، وكانوا مجاهدين صادِقين، وكانوا عُلَماء مُصطفين، وكانوا دُعاةً مُوفَّقين.





أين نجدُ في تاريخنا وتاريخ أُمَمِ الدنيا أمثالَ أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد والزبير وأبي عبيدة وعبدالرحمن بن عوف وطلحة وغيرهم؟


أين نجدُ أمثالَهم في التاريخ القديم وفي التاريخ الحديث؟






ألا يحقُّ لنا - نحن المسلمين - أنْ نفتَخِر بهؤلاء الأبطال العظماء - رضي الله عنهم أجمعين - وإنِّي أرى أنَّ من الواجب على الدعاة إلى الله أنْ يعرضوا سير هؤلاء الرجال الأفذاذ بطريقةٍ جذَّابة، وبأسلوبٍ مُؤثِّر، وأنْ يعرضوها على الأجيال الناشئة من المسلمين؛ ليكونوا لهم قدوةً وأسوةً حسنة.





بل أنْ يعرضوها على الأمم بلغاتها المختلفة، وهذا من أيسر حُقوقهم علينا - رضي الله عنهم وأرضاهم - وهناك جهودٌ مشكورة في هذا المجال قام بها بعضُ أهل العلم في القديم والحديث، ولكنَّنا نريدُ منها المزيدَ بأساليب جديدة نثرًا وشعرًا وقصَّة.





ويُؤسِفني أنْ أُقرِّر أنَّ هناك ناسًا مجرمين خُبَثاء يدَّعون أنهم مسلمون محبُّون لآل البيت، وهم أبعَدُ ما يكونون عن الإسلام والأمانة التي دعا المسلمين إلى الاتِّصاف بها، وأبعد ما يكونون عن أخْلاق الإسلام، لقد جعَلُوا همَّهم الهجوم الظالم بالأكاذيب والافتراءات الباطلة على أولئك الصَّحْبِ الكرام البرَرَة، الطائفة المباركة الميمونة التي كانت زاخرةً بالأئمَّة الهداة والفرسان والعبَّاد وبالآمِرين بالمعروف الناهين عن المنكر، على هؤلاء المعتدين من الله ما يستحقُّون!





والحق أنَّ هؤلاء المجرمين لا يريدون النَّيْلَ من ذاك الجيل العظيم فقط، بل يريدون من وَراء ذلك هدمَ الدِّين الإسلامي العظيم.





ولكنَّهم لن يصلوا إلى مُرادهم؛ فإنَّ الله - تعالى - تولَّى حِفظ هذا الدِّين؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون ﴾ [الحجر: 9].





وقال - سبحانه -: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30].





لقد اتَّهم هؤلاء المجرمون الصَّحابة - رضوان الله عليهم - بالكُفر بعد وَفاة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16]، ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾ [الكهف: 5].





إنَّ هذا الاتِّهام جريمةٌ كبرى؛ إذ فيه اتِّهامٌ للنبي المربِّي الأعظم يتَّهِمونه بأنَّه لم يُحسِن التربية، كيف يربِّي قومًا زمنًا طويلاً ثم عندما سمعوا بوَفاته ارتدُّوا على أعقابهم كفارًا، كفروا عن بَكْرةِ أبيهم إلا نفرًا قليلاً؟!





كيف يَرضَى مسلم أنْ يُسِيء إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بهذه القولة الظالمة الفاجرة الكاذبة؟!





كيف يرضى مسلم أنْ يُسِيء إلى زوجاته - صلَّى الله عليه وسلَّم - الطاهرات أمَّهات المؤمنين؟ رضِي الله عنهنَّ وأرضاهنَّ.





إنَّ هؤلاء الذين يقفون هذا الموقف الخسيس من الصحابة ومن أمَّهات المؤمنين قومٌ هدَّامون، يجبُ أنْ تعرف الأمَّة حقيقتهم ومَقاصدهم، وأنْ تحذَرَ كيدهم ومَكرَهم.





إنَّهم يلعَنُون الصحابة، قاتَلهُم الله أنَّى يُؤفَكون، ولا سيَّما الشيخان - رضي الله عنهما - بل إنهم يُمجِّدون المجوسي قاتِل سيدنا عمر أمير المؤمنين، وبلغَنِي أنهم أقاموا له مَقامًا في إيران تعظيمًا له.





وقد تفاقَمَ خطَرُهم الآن في بلاد أهل السُّنَّة في العراق والشام ولبنان.


نسأل الله أنْ يدفَع شرَّهم عن المسلمين.


وللحديث صلةٌ، والحمدُ لله ربِّ العالمين.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23-02-2020, 11:27 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (2)
د. محمد بن لطفي الصباغ




هذه الحلقةُ الثانية من الدُّروس والعِبَرِ التي نَقِفُ عليها من سِيَرِ الصحابة - رضوانُ الله عليهم - وسأُورِدُ في هذه الحلقات أخبارَ بعضِ الصحابة العَطِرَة التي نَلمَس فيها الإيمانَ العميق الراسِخ، وحُبَّ الله - سبحانه - وحبَّ رسوله - صلى الله عليه وسلم - والتي يظهَرُ فيها ثَباتهم على الحقِّ في مختلف الظُّروف، وقِيامهم بالعمل الصالح، وإيثار ما عندَ الله على مَتاع الحياة الدُّنيا وعلى الأهل والمال والوطَن ونحو ذلك.

سأُورِدُ بعضَ هذه الأخبار - وما أكثَرَها! - ليَأخُذ مَن يَطَّلعُ عليها من جِيلنا الدُّروسَ والعِبَر، وليَعرِف مَن يطَّلع عليها فضلَهم العظيم، وليسيرَ على طريقهم الذي هو طريق الإسلام.

وقبلَ ذلك أُورِد تعريفَ (الصحابي) عند أهل السُّنَّة والجماعة، وأُبيِّن أنَّ الصحابة درجاتٌ؛ فهم - رضِي الله عنهم وأرضاهم - ليسوا سواءً.

وفي ذلك كلِّه بيانٌ لفضلهم وتقريرٌ لمكانتهم.

إنهم - جميعًا - عدولٌ بتزكية الله - تبارك وتعالى - لهم؛ كما جاء في كتاب الله - تعالى.

وصُحبة هذا النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شرفٌ عظيم، ومَنقَبةٌ عُظمَى، أكرم الله بها هذا النَّفَرَ الكريم المحظوظ، على نحوٍ لم يحظَ بها آخَرون.

كما يودُّ المسلم الصادق الذي لم يلقَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو أنَّه أدرَك ذاك العَصر؛ فكان خادِمًا لهذا النبيِّ الكريم، يعيشُ معه - صلى الله عليه وسلم - ويَشهَدُ تنزُّل الوحي عليه، ويشهَد هذا المستوى الرفيع من الأخلاق والمعاملة التي كان عليها رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

هنيئًا للصحابة الكرام ذلك الشَّرَف العظيم الذي حازوه، وكانوا له أهلاً.

فقد قاموا بأداء الأمانة، وكانوا مُسارِعين إلى طاعة الله ورسوله، مُمتَثِلين قولَ الله - تبارك وتعالى -: ï´؟ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ï´¾ [آل عمران: 133].

وكانوا مُسابِقين إلى طلَب المغفرة من الله والجنَّة، ممتثِلين أمرَ الله: ï´؟ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ï´¾ [الحديد: 21].

يَدُلُّ على ذلك طاعتُهم أمرَ الله في اجتناب الخمر لَمَّا نزَل قوله - تعالى -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون ï´¾} [المائدة: 90- 91]، فقالوا: انتهينا يا رب، انتهينا يا رب؛ [انظر: "مسند أحمد" 1/53 و2/351، و"سنن أبي داود" برقم 3670، و"سنن النسائي" 8/286-287 و"جامع الترمذي" برقم 3050].

وتذكُر كتب السنَّة أنهم سارَعوا إلى إهراق ما في بُيوتهم من دِنان الخمر حتى جرتْ بها سِكَكُ المدينة؛ [انظر: "صحيح البخاري" برقم 4611، 4620].

وقد أراد رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُدخِل السُّرور على أمثالنا ممَّن لم يُتَحْ لهم شرفُ الصُّحبة بسبب مُرور الزمان، فجعَل المسلمين كلَّهم إخوانه؛ كما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرَجَه مسلمٌ برقم 249، وابن ماجه برقم 4306، وهو حديثٌ جميلٌ قائمٌ على الحوار؛ عن أبي هُرَيرة - رضِي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخَل المقبرة فقال: ((السلامُ عليكُم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا - إنْ شاء الله - بكم لاحِقون، وَدِدت أنَّا رأينا إخواننا))، قالوا: أوَلَسْنا إخوانَك؟! قال: ((أنتم أصْحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ)).

قالوا: كيف تعرفُ مَن لم يأتِ بعدُ من أمَّتك يا رسول الله؟
فقال: ((أرأيت لو أنَّ رجلاً له خيلٌ غرٌّ محجَّلة بين ظَهراني خيلٍ دُهمٍ بُهمٍ، ألا يعرف خيلَه؟)).
قالوا: بلى يا رسولَ الله.
قال: ((فإنهم يَأتُون غُرًّا محجَّلين من الوضُوءِ...)) الحديث.

وهذا شرفٌ لِمَن رُزِقَ ذلك، جعَلَنا الله منهم.

للكلام صلةٌ

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23-02-2020, 11:27 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (3)
د. محمد بن لطفي الصباغ



تعريف الصحابي: هو مَن لَقِيَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على الإسلام.

فيدخُل في هذا التعريفِ مَن لقيه وطالتْ مجالستُه له، ومَن قصُرت مجالستُه له، ومَن روى عنه ومَن لم يروِ عنه، ومَن غَزا معه ومَن لم يغزُ معه، ومَن رآه رؤيةً ولو لم يجالسْه، وكذلك مَن لم يرَهُ لعارضٍ كالعمى.

الصحابة درجات:
أفضَلُهم العشرة المبشَّرون بالجنَّة، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكرٍ وعمر وعثمان وعلي، وهم في الفضل بهذا الترتيب.

وبقيَّة العشرة معروفون، وهم: أبو عبيدة، وعبدالرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وطلحة، والزبير - رضي الله عنهم أجمعين.

مكانة الصحابة:
إنَّ مكانتهم - رضي الله عنهم - مكانةٌ كبيرة جدًّا عندنا نحن المسلمين، لقد كُنَّا نعيشُ قبلَ الإسلام على هامش التاريخ، لا يدري بنا العالم، نعيشُ هُمومنا وحُروبنا ومَآسينا التي تحدَّثنا عنها آنفًا، فلمَّا جاء الإسلام وأسلَمْنا دخَلْنا التاريخ من أوسع أبوابه بهؤلاء القوم الكرام بقِيادة سيِّدنا محمد بن عبدالله - صلواتُ الله وسلامُه عليه - فحرَّرْنا الشُّعوب، ونشَرْنا التوحيد، وحقَّقنا العَدالة، وقضَيْنا على الشِّرك والوثنيَّة والخُرافة، وأنصَفْنا المظلوم.

إنهم أبطالنا ومُعلِّمونا وهُداتنا - رضي الله عنهم وأرضاهم.

إنَّ مكانتهم عاليةٌ، يدلُّ على ذلك أمران؛ هما: نصوص دينيَّة، ووقائع التاريخ التي تذكُر جِهادهم وسُلوكهم.
1- فالنُّصوص الدِّينيَّة التي تُثنِي عليهم وتَذكُر فضلَهم في الكتاب والسُّنَّة - كثيرة، فمن ذلك ما أثنى الله - تبارك وتعالى - عليهم في مواضعَ من كتابه الكريم؛ لقد ذكر الله - تبارك وتعالى - أنَّه رضي عنهم، وأنزَل السكينة عليهم؛ قال -تعالى-: ï´؟ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ï´¾ [الفتح: 18].

وأثنى عليهم مَرَّةً أخرى فذكَر - سبحانه - أنَّه رضي عنهم وأنهم رَضُوا عنه؛ فقال -تعالى-: ï´؟ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ï´¾ [التوبة: 100].

ووصفَهُم - تبارك وتعالى - بأنهم يَنصُرون الله ورسوله، وأنهم هم الصادقون؛ فقال - جلَّ جلاله -: ï´؟ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ï´¾ [الحشر: 8].

ومن ذلك ما جاء في السُّنَّة المطهَّرة في ذِكر فَضلِهم وعلوِّ منزلتهم - رضي الله عنهم - فقد ذكَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم في منزلةٍ عالية لا يستطيع أنْ يَبلُغَها أحدٌ من غيرهم، ونهى عن سبِّهم، فقال: ((لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنفَقَ أحدُكم مِثْلَ أُحدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه))؛ رواه البخاري برقم 3673، ومسلم برقم 2540، وأبو داود برقم 4658، والترمذي 3861، وابن ماجه برقم 161.

2- والأمر الثاني هو جهادهم في سبيل الله باللسان والبيان، وبالسيف والسِّنان، وبذْلهم أموالَهم وأرواحَهم في سبيل الله، وقيامهم بنُصرة دِين الله ونشْره في رُبوع الدُّنيا، وأخلاقهم الكريمة من الصِّدق والإخلاص، والجُرأة والإقدام، والصَّدع بالحق لا يخافون في الله لومةَ لائم، والأمانة والحكمة، والصبر والرحمة، والبر والتعاون، والنصح لإخوانهم، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.

وهذا الذي يَحكِيه تاريخُهم الأغرُّ - رضي الله عنهم وأرضاهم.
إنهم جيلٌ فريدٌ لم يظهر بعدَه جيلٌ مثلُه، وهو جيلٌ مميَّز في تاريخ الإسلام كله؛ وذلك - والله أعلم - أنَّ رسالة الإسلام الخاتمة لا بُدَّ لها من رجالٍ يحملونها، فقضتْ حكمةُ الله - تبارك وتعالى - أنْ يكون هذا الجيل على المستوى العالي الذي صاغَه الله - تبارك وتعالى - وهيَّأ الأسباب لتكوينه؛ كان ذلك ليَنشُروا دِينَ الله، وليكونوا لمن بعدهم أسوةً، ويكونوا قُدوةً لمن يدعونهم.

لقد أُتِيحَتْ لهم مُصاحَبة النبيِّ العظيم -صلى الله عليه وسلم- وتلقِّي وحي الله منه -صلى الله عليه وسلم- مباشرةً بلا واسطة، وهذا شرفٌ عظيم، وأُتِيح لهم تعليمُه -صلى الله عليه وسلم- إيَّاهم أركانَ دِينهم وأحكامه قولاً وعملاً، وأُتِيحت لهم مشاركتُهم رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في غَزواته ونشْر الإسلام - رضي الله عنهم وأرضاهم.

والله وليُّ التوفيق.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-02-2020, 11:27 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (4)
د. محمد بن لطفي الصباغ


لقد كانت عنايةُ هذا الجيل بالقُرآن الكريم[1] وتدبُّره والعمل به وتعليمه - عِنايةً عُظمَى؛ فقد كانوا يتلقَّون القُرآن فيَعُونه، ومُعظَمهم عرب أَبْيِناء، ويعمَلُون به فَوْرَ سَماعه، ويعمَلُون به كما يعمَلُ الجندي عندما يتلقَّى الأمرَ اليومي في الميدان فينفذه فور تلقِّيه.عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - أنَّه قال: كان الرجل منَّا إذا تعلَّم عشْر آيات لم يُجاوِزْهن حتى يعرف مَعانيَهنَّ والعمل بهنَّ[2].ونُقِلَ عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أنَّه حَفِظَ سورة البقرة في ثماني سنوات[3].لقد كان اعتِزازُ هذا الجيل بالقُرآن اعتزازًا كبيرًا؛ عرَفُوا قدرَه، وظهَر أثرُه في حياتهم؛ فاستغنوا به عمَّا سِواه.يُمثِّل هذا المعنى الكلمةُ الرائعةُ التي قالها ابنُ عباسٍ - رضي الله عنهما - عندما رأى بعضَ المسلمين يسألون أهلَ الكتاب عمَّا ورَد في كتبهم بشأن بعضِ الأمور، فبيَّن لهؤلاء المسلمين أنَّ كتابهم القُرآن الكريم الذي أكرمَهُم الله به فيه كلُّ شيء ممَّا يتَّصل بدُنياهم وأُخراهم، فقال:"يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهلَ الكتاب عن شيءٍ، وكتابُكم الذي أنزل الله على نبيِّه أحدثُ أخبار الله تقرَؤُونه محضًا لم يُشَبْ؟ وقد حدَّثَكُم الله أنَّ أهل الكتاب قد بدَّلُوا كتابَ الله وغيَّرُوه، وكتبوا بأيديهم الكتابَ وقالوا: هذا من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلاً، أفلا يَنهاكم ما جاءكم من العِلم عن مَسألتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قطُّ سألَكُم عن الذي أُنزِلَ إليكم"؛ رواه البخاري برقم 2685 و7523.وكانت وصيَّة رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه أنْ يلتزموا هذا الكتابَ الكريم، وألاَّ يلتَفِتوا إلى غيرِه من الكتب ممَّا بُدِّلَ وغُيِّرَ.أخرج أحمد في "مسنده" أنَّ عُمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بكتابٍ أصابَه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي -صلى الله عليه وسلم- فغَضِبَ وقال: ((أمُتهوِّكون فيها يا بن الخطَّاب؟ والذي نفسي بيده، لو أنَّ موسى - عليه السلام - كان حَيًّا، ما وَسِعَه إلا أنْ يتبعني))[4].الصحابة بشرٌ غير معصومين:ونقول: إنَّ الصحابة - رضوان الله عليهم - مع فضلهم العظيم هم بَشَرٌ من البَشَرِ، قد يُخطِئون ويُصِيبون، ولا نثبت لهم العصمةَ، فالعصمةُ عندنا - نحن أهلَ السُّنَّة والجماعة - للرَّسول -صلى الله عليه وسلم- وحدَه.ويبقى جيلُ الصحابة الجيلَ المثالي، والأساس الصلب الذي قامَ عليه دِينُ الإسلام العظيم.ويحسُن أنْ نذكُر ما قالَه الأستاذ العلاَّمة الذَّوَّاقة سيد قطب، فقد قال:"كثيرًا ما نُخطِئ نحن حين نتصوَّر لصَحابته - رضوان الله عليهم - صورةً غير حقيقيَّة، أو غير كاملة، نُجرِّدهم فيها من كلِّ المشاعر والعواطف البشريَّة، حاسِبين أنَّنا نرفعهم بهذا ونُنزِّههم عمَّا نعدُّه نحنُ نقصًا وضعفًا.وهذا الخطأ يرسم لهم صورةً غير واقعيَّة، صورة مُلفعة بهالات غامضة لا نتبيَّن من خِلالها ملامِحَهُم الأصيلة؛ ومن ثَمَّ تنقطعُ الصلة البشريَّة بيننا وبينهم، وتبقى شُخوصهم في حِسِّنا بين تلك الهالات أقرب إلى الأطياف التي لا تُلمَس ولا تتماسَكُ في الأيدي! ونشعُر بهم كما لو كانوا خلقًا آخَر غيرنا، ملائكة أو خلقًا مثلهم مجرَّدًا من مشاعر البشر وعَواطفهم على كلِّ حال!ومع شفافية هذه الصورة الخياليَّة، فإنها تُبعِدهم عن محيطنا، فلا نعودُ نتأسَّى بهم أو نتأثَّر؛ يأسًا من إمكانيَّة التشبُّه بهم أو الاقتداء العملي في الحياة الواقعيَّة.وتفقد السيرة بذلك أهمَّ عُنصر محرِّك، وهو استِجاشة مشاعرنا للأسوة والتقليد، وتحلُّ محلها الروعة والانبِهار، اللذان لا يُنتِجان إلا شُعورًا مبهمًا غامضًا سِحريًّا ليس له أثرٌ عمليٌّ في حَياتنا الواقعيَّة، ثم نفقد كذلك التجاوب الحيّ بيننا وبين هذه الشخصيَّات العظيمة؛ لأنَّ التجاوب إنما يقع نتيجةً لشعورنا بأنهم بشرٌ حقيقيُّون، عاشوا بعواطفَ ومشاعرَ وانفِعالاتٍ حقيقيَّة من نوع المشاعر والعواطف والانفِعالات التي نُعانِيها نحن، ولكنَّهم هم ارتقوا بها وصفَّوْها من الشَّوائب التي تُخالِج مشاعرنا.وحكمةُ الله واضحةٌ في أنْ يختارَ الله رسلَه من البشر، لا من الملائكة ولا من أيِّ خلقٍ آخَر غير البشر؛ كي تبقى الصلة الحقيقيَّة بين حياة الرسل وحياة أتْباعهم قائمة؛ وكي يحسَّ أتباعهم أنَّ قلوبهم كانت تعمُرها عواطفُ ومشاعر من جنس مشاعرِ البشَر وعَواطفهم، وإنْ صفتْ ورقَّتْ وارتقتْ، فيحبُّوهم حبَّ الإنسان للإنسان؛ ويطمَعُوا في تقليدهم تقليدَ الإنسان الصغير للإنسان الكبير"[5].
[1] انظر: مقالة "جيل قرآني فريد" في "معالم في الطريق"؛ لسيد قطب.
[2] "تفسير الطبري" 1/80، ط الأستاذ شاكر، وانظر: كتابنا "بحوث في أصول التفسير" صـ9.
[3] "الموطأ"؛ لمالك 1/205، وانظر: "بحوث في أصول التفسير" صـ9.
[4] رواه أحمد في "المسند" 3/387، وانظر: "فتح الباري" 13/525، وانظر: تعليقنا في صـ16 من "كتاب القصاص والمذكرين"؛ لابن الجوزي بتحقيقنا، وجاء في "القاموس": التهوُّك: التهوُّر والوقوع في الشيء بغير مُبالاة، والمتهوِّك: المتحيِّر والساقط في هوَّة الرَّدى.
[5] "الظلال" 5/2855.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 23-02-2020, 11:28 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (5)
د. محمد بن لطفي الصباغ



دور الصحابة في إيجاد المجتمع الإسلامي:
أقولُ: كيف كان هذا الصَّحب الكِرام؟ وكيف صاروا؟

هؤلاء الصحابة الكرام الذين أضحَوْا سادةَ العالم وأساتذته، نريدُ أن نلمَّ إلمامةً سريعةً كيف كانوا قبل الإسلام؟ وكيف صاروا؟

ولله درُّ القائل:
هَلْ تَطْلُبُونَ مِنَ المُخْتَارِ مُعْجِزَةً
يَكْفِيهِ شَعْبٌ مِنَ الأَجْدَاثِ أَحْيَاهُ

وَكَيْفَ سَاسَ رُعَاةَ الإِبْلِ ممْلَكَةً
مَا سَاسَهَا قَيْصَرٌ مِنْ قَبْلُ أَوْ شَاهُ


يدلُّ على هذا التطوُّرِ الضخمِ الكلمةُ التي ذكَرَها المغيرة بن شُعبة - رضي الله عنه - أمام رستم قائد الفرس، قال - رضي الله عنه -: "فأمَّا ما ذكرتَ من سُوء الحال، فما كان أسوأ حالاً منَّا، وأمَّا جوعُنا فلم يكن يُشبِه الجوع، كنَّا نأكُل الخنافس والجُعلان، والعَقارب والحيَّات، ونرى ذلك طَعامَنا، وأمَّا المنازل فإنما هي ظهْر الأرض، ولا نلبسُ إلا ما غزَلْنا من أوبار الإبل وأشعار الغنَم!

دينُنا أنْ يقتُل بعضُنا بعضًا، وأنْ يُغير بعضنا على بعض، وإنْ كان أحدنا لَيَدفِنُ بنتَه وهي حيَّة؛ كراهية أنْ تأكُل من طعامه! فكانت حالنا قبلَ اليومِ على ما ذكرتُ لك، فبعَث الله إلينا رجلاً معروفًا؛ نعرفُ نسبه، ونعرف وجهَه ومولده، فأرضُه خير أرضِنا، وحسبُه خيرُ أحسابنا، وبيته خيرُ بيوتنا، وقبيلتُه خيرُ قَبائلنا"[1].

ثم لَمَّا آمَنوا وعَمِلوا الصالحات تبدَّل حالهم، فأصبَحُوا خيرَ أمَّةٍ أُخرِجتْ للناس، وأصبحوا أعزَّةً في الدنيا بل سادة العالمين.

وأصبح مجتمعُهم مجتمعَ الأمن، لا خُصومة ولا حقدَ بين أفرادهم؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ï´¾ [آل عمران: 103].

لما ولي أبو بكر الخلافةَ عيَّن عمر قاضيًا؛ فلبث سنةً لا يختصمُ إليه اثنان؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأمَّة يعرفُ ما يحقُّ له فلا يطلب أكثر منه، ويعرفُ ما يجب عليه فلا يقصرُ في القيام به، ويحبُّ أحدهم لأخيه ما يحبُّ لنفسه، يتسابَقُون إلى عمل الخير؛ فقد ذكروا أنَّ عمر - رضي الله عنه - كان يتعاهَدُ عجوزًا عَمياء في بعض حَواشِي المدينة، فكان يجيئها سحرًا، فيجد امرأ قد سبقه إليها فبرَّها وأحسن إليها، واستسقى لها، وأصلح من أمرها، فيعجب منه ويزيد في البكور، فلا يسبقه، فرصَدَه من أوَّل الليل حتى جاء فإذا هو أبو بكرٍ الصدِّيق، وهو يومئذ خليفة[2]!

قال الشيخ علي الطنطاوي: "روى البلاذري في "فتوح البلدان" أنَّه لما جمع هرقل للمسلمين الجموعَ، وبلَغ المسلمين إقباله إليهم لوقعة اليرموك، ردُّوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: قد شُغِلنا عن نُصرتكم والدَّفع عنكم، فأنتم على أمركم.

فقال أهل حمص: لَوِلايتُكم وعدلُكم أحبُّ إلينا ممَّا كنَّا فيه من الظُّلم والغشم، ولَندفَعنَّ جُندَ هرقل عن المدينة مع عاملكم.

وقالوا: لا يدخُل عامل هرقل مدينةَ حمص إلا أنْ نُغلَب عليها ونجهدَ، فأغلَقُوا الأبوابَ وحرَسُوها"[3].


هكذا كانوا وهكذا صاروا.

تحقَّق في دُنيا الواقع هذا التحوُّل على أيدي الصحابة، عندما بدأ التحوُّل في داخلهم، لقد خلَعُوا كلَّ ما يتَّصل بالوثنيَّة والعادات الجاهليَّة، وتقرَّرت عقيدةُ التوحيد في قُلوبهم، عندما كان ذلك "تطهَّرت الأرض من (الرومان) و(الفرس)، لا ليتقرَّر فيها سُلطان (العرب)، ولكن ليتقرَّر فيها سلطان (الله)، لقد تطهَّرت من سُلطان الطاغوت كله؛ رومانيًّا، وفارسيًّا، وعربيًّا، على السواء.

وتطهَّر المجتمع من الظُّلم الاجتماعي بِجُملته، وقام النِّظام الإسلامي يَعدِلُ بعدْل الله، ويرفَعُ راية العدالة الاجتماعيَّة باسم الله وحده.

وتطهَّرت النُّفوس والأخلاق، وزكَتِ القُلوب والأرواح.

لقد تَمَّ هذا كلُّه لأنَّ الذين أقاموا هذا الدِّين في صورة دولة ونظام وشَرائع وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدِّين من قبلُ في ضَمائرهم وفي حَياتهم، في صُورة عَقيدة وخُلُق وعِبادة وسُلوك..."[4].

وقد صبَر هذا الجيل العظيم على ما أصابهم من البَلاء، فحقَّق الله لهم وعدَه بالنصر؛ ï´؟ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ï´¾ [غافر: 51].


[1] "البداية والنهاية" 7/42، وطبعة هجر 9/627، وانظر هناك تتمَّة كلام المغيرة بن شُعبة - رضي الله عنه.

[2] "أبو بكر"؛ لعلي الطنطاوي صـ11.

[3] "أبو بكر"؛ لعلي الطنطاوي صـ16.

[4] "معالم في الطريق" صـ30.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23-02-2020, 11:28 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (6)
د. محمد بن لطفي الصباغ



أبوبكر الصديق:
أحقُّ الصحابة أنْ نبدأ حديثَنا عنه هو سيِّدُنا أبو بكر العظيم، الذي ما عرَف المسلمون بعدَ الرسل إنسانًا أفضل منه، ولا أتقى، ولا أورع، ولا أرحم، ولا أسدَّ رأيًا منه، ولا أقوى، ولا أبقى أثرًا له بعدَ وَفاتِه منه.

إنَّه سيِّدُنا وحبيبُنا الخليفةُ الأوَّل أبو بكرٍ عبدالله بن عثمان التيمي القرشي، وُلِدَ بعدَ ولادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنتين، ونشَأ في رُبوع مكَّة، وكان في قومه قبلَ الإسلام ذا مكانة عالية؛ لما كان يتمتَّع به من الخلُق الزكي، والسُّلوك الرَّضِيِّ، والكرم السَّخيِّ، والرَّأي السَّديد، كان يعمَلُ في التجارة، وكان من ذوي اليَسار؛ يُطعِم الطعام، ويتفقَّد الأرامل والأيتام، ويَقرِي الضيف، ويُعِينُ الضعيف.

يدلُّ على ذلك ما رواه البخاري[1] في "صحيحه": عن عُروة بن الزبير - رضِي الله عنه - أنَّ عائشة - رضي الله عنها - زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالت: لم أعقلْ أبويَّ قطُّ إلا وهما يَدِينان الدِّين، ولم يمرَّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار بُكرةً وعشيَّة، فلمَّا ابتُلِي المسلمون خرَج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلَغ برك الغماد، فلقيه ابن الدغنة[2]، وهو سيد القارَّة فقال: أين تريدُ يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أنْ أسيحَ في الأرض وأعبُدَ ربي، قال ابن الدغنة: فإنَّ مِثلَك يا أبا بكر لا يَخرُج ولا يُخرَج؛ إنَّك تَكسِب المعدوم، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتحملُ الكلَّ، وتَقرِي الضيف، وتُعِين على نَوائب الحقِّ، فأنا لك جارٌ، ارجعْ واعبدْ ربَّك ببلدك.

فرجَع وارتحلَ معه ابن الدغنة فطافَ ابن الدغنة عشيَّة في أشراف قريش فقال لهم: إنَّ أبا بكرٍ لا يَخرُج مثله ولا يُخرَج، أتُخرِجُون رجلاً يَكسِب المعدوم، ويصلُ الرَّحِمَ، ويحمل الكلَّ، ويَقرِي الضيف، ويُعِين على نَوائِب الحقِّ، فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكرٍ فليعبُد ربَّه في داره فليُصَلِّ فيها ما شاء، وليَقرأ ما شاء ولا يُؤذِينا بذلك؛ فإنَّا نخشى أنْ يفتن نساءنا وأبناءنا.

فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكرٍ، فلبث أبو بكرٍ بذلك يعبُد ربَّه في داره ولا يستَعلِن بصَلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكرٍ فابتنى مسجدًا بفناء داره وكان يُصلِّي فيه ويقرأ القُرآن فينقذف عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظُرون إليه، وكان أبو بكرٍ رجلاً بكَّاء لا يملك عينَيْه إذا قرأ القُرآن، فأفزَعَ ذلك أشرافَ قريش من المشركين، فأرسَلُوا إلى ابن الدغنة فقدم فقالوا: إنَّا كُنَّا أجَرْنا أبا بكرٍ بجوارك على أنْ يَعبُد ربَّه في داره، فقد جاوَز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنَّا قد خشينا أنْ يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإنْ أحبَّ أنْ يقتصر على أنْ يعبُد ربَّه في داره فعل، وإنْ أبى إلا أنْ يُعلِنَ بذلك فاسأله أنْ يردَّ إليك ذمَّتك فإنَّا قد كرهنا أنْ نخفرك، ولسنا مُقرِّين لأبي بكرٍ الاستعلان.

قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكرٍ فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإمَّا أنْ تقتصر على ذلك وإمَّا أنْ ترجع إليَّ ذمَّتي؛ فإنِّي لا أحبُّ أنْ تسمع العرب أني أُخفِرتُ في رجلٍ عقدت له، فقال أبو بكر: فإنِّي أردُّ إليك جوارك وأرضى بجوار الله - عزَّ وجلَّ[3].

والحديث يدلُّ على أمورٍ عدَّة ربما نشيرُ إليها في مناسباتٍ أخرى، ولكنَّ الشاهد هنا إثبات مكانة أبي بكر في الجاهليَّة، وذكر صفات له كريمة يعترف بها رجال قريش.

كان أبو بكر - رضِي الله عنه - أوَّلَ القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدَّهم يقينًا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غَنَاء، وأحوطهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحدبهم على الإسلام، وأمَنَّهَم على أصحابه، وأحسنهم صُحبةً، وأفضلهم مناقب، وأكثرَهم سوابق، وأرفَعهم درجةً، وأقربهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأشبههم به هديًا وخُلُقًا وسمتًا، وأوثقهم عنده، وأشرفهم وأكرمهم عليه منزلةً.

صدَّق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما كذَّبه الناس، وآساه حين بخل الناس، وقام معه حين عنه قعَدُوا، وصَحِبَه في الشدَّة أكرَمَ صُحبة، وكان رفيقَه في الهجرة، ومواطن الكُربة، ففاز بالنُّصرة وبنزول السكينة؛ قال تعالى: ï´؟ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ï´¾ [التوبة: 40].

جمَع الله به أمَّةَ الإسلام، وكان موقفه عظيمًا يومَ وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ صعد المنبر وقال: أيها الناس، مَن كان يَعبُد محمدًا فإنَّ محمدًا قد مات، ومَن كان يعبُد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموتُ، ثم تلا قوله تعالى: ï´؟ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ï´¾ [آل عمران: 144].

وكان موقفه عظيمًا في سقيفة بني ساعدة، وكان موقفه عظيمًا عندما ارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب، لقد كان كالجبل لا تُحرِّكه العواصف ولا تزيلُه القَواصِف، أرسَل الجيوش لفتْح البُلدان ونشْر دِين الله، أثنى عليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((لو كنت متَّخذًا خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكن أخوَّة الإسلام أفضل))؛ رواه البخاري ومسلم[4].

وفي رواية مسلم للحديث: ((... ولكنَّه أخي وصاحبي، وقد اتَّخذ الله صاحبَكم خليلاً)).

وفي روايةٍ له: ((... ولكنَّ صاحبكم خليلُ الله)).

وممَّا يدلُّ على فضْله وثَناء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه أنَّه - صلوات الله عليه وسلامه - خرَج في مرض موته عاصبًا رأسه حتى صعد المنبر، فحَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: ((إنَّ عبدًا خيَّره الله بين أنْ يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده))، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له وقال الناس: انظُروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عبدٍ خيَّره الله بين أنْ يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا؛ فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ من أَمَنِّ الناس عليَّ في صُحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متَّخذًا خليلاً من أمَّتي لاتَّخذت أبا بكر خليلاً، إلا خلةَ الإسلام، لا يبقينَّ في المسجد خَوْخَةٌ إلا خَوْخة أبي بكر))[5].


[1] البخاري برقم 3905.

[2] ابن الدغنة اسمه مالك، وقد ضبطه القسطلاني بفتح الدال وكسر الغين وفتح النون مخففة، وبضم الدال والغين وفتح النون مشددة ("سيرة ابن هشام" 20/12).

[3] "صحيح البخاري" برقم 3905.

[4] البخاري 3656- 3657- 3658، مسلم 2383.

[5] البخاري 3904، ومسلم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23-02-2020, 11:29 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (7)
د. محمد بن لطفي الصباغ



أبو بكر الصديق:
لَمَّا بايَع الناسُ أبا بكرٍ - رضِي الله عنه - قام فألقى خِطابًا موجزًا بليغًا مُحكَمًا، فيه بيانٌ لما سيكون عليه أمرُ الدولة، قام فحَمِدَ الله وأثنى عليه بالذي هو أهلُه ثم قال:
"أمَّا بعدُ، أيها الناس، فإنِّي قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإنْ أسأتُ فقَوِّموني.

الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضَّعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أرجع عليه حقَّه - إن شاء الله - والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخُذ الحقَّ منه - إنْ شاء الله - لا يدع قومٌ الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذلِّ، ولا تشيعُ الفاحشة في قومٍ إلا عمَّهم بالبلاء، أطيعُوني ما أطعتُ الله ورسولَه فيكم، فإذا عصيتُ الله ورسولَه، فلا طاعةَ لي عليكم، قُوموا إلى صَلاتكم يرحَمْكم الله.

قال ابن كثير في "البداية والنهاية": وهذا إسنادٌ صحيح[1].

1- في هذا الخطاب الرائع تواضُعٌ سامٍ يُعلِن فيه الخليفةُ أبو بكر - رضِي الله عنه - أنَّه ليس خيرَ المسلمين، وهذا تواضعٌ سامٍ؛ حيث يعرف الجميع أنَّه كان أفضلَ المسلمين، وقد أمَر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنْ يؤمَّ المسلمين في الصلاة في مرض موته، وعندما اقتُرِح عليه اسمٌ آخَر أبى وقال: ((مُروا أبا بكر فليُصلِّ بالناس))، قال ذلك مرَّات، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنَّه خيرُ الناس وأجدرُهم بأنْ يَؤُمَّهم، وهذه شهادةٌ ثمينة.

وعن جُبَير بن مُطعِم قال: أتت امرأةٌ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأمَرَها أنْ تَرجِع إليه، قالت: أرأيتَ إنْ جئتُ ولم أجدْك - كأنها: تعني الموت - قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((إنْ لم تجديني فأتي أبا بكرٍ))؛ رواه البخاري برقم 3659، ومسلم برقم 2386.

2- وفي هذا الخِطابِ يَطلُب من المسلمين أنْ يُراقِبوه: فإنْ أحسَنَ فإنَّه يَطلُب منهم المعونة، وإنْ أساء - وحاشاه أنْ يُسِيء - فإنَّه يطلُب أنْ يُقوِّموه! الله أكبر! الخليفة يطلُب من الناس أنْ يُقوِّموه إنْ أساء، هذا مستوى رفيعٌ من الحكم لم يكن موجودًا في ذاك الزَّمان لا في بلاد العرب ولا في غيرها من البلدان، إنَّ لسان حال كثيرٍ من الحكَّام ما قاله الشاعر متهكمًا:
يَا قَوْمُ لا تَتَكَلَّمُوا
إِنَّ الكَلامَ مُحَرَّمُ

نَامُوا وَلا تَسْتَيْقِظُوا
مَا فَازَ إِلاَّ النُّوَّمُ

وَتَأَخَّرُوا عَنْ كُلِّ مَا
يَقْضِي بِأَنْ تَتَقَدَّمُوا

أَمَّا السِّيَاسَةَ فَاتْرُكُوا
أَبَدًا وَإِلاَّ تَنْدَمُوا

وَإِذَا أَفَضْتُمْ فِي المُبَا
حِ مِنَ الحَدِيثِ فَجَمْجِمُوا

وَالعَدْلَ لا تَتَوَسَّمُوا
وَالظُّلْمَ لا تَتَجَهَّمُوا

مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَعِي
شَ اليَوْمَ وَهْوَ مُكَرَّمُ

فَلْيُمْسِ لا سَمْعٌ وَلا
بَصَرٌ لَدَيْهِ وَلا فَمُ

لا يَسْتَحِقُّ كَرَامَةً
إِلاَّ الأَصَمُّ الأَبْكَمُ


وَإِذَا أُهِنْتُمْ فَاشْكُرُوا
وَإِذَا لُطِمْتُمْ فَابْسِمُوا[2]



3- وذكر الخليفة العظيم - رضي الله عنه - أنَّ سياسة الدولة قائمةٌ على الصدق؛ لأنَّ الصدق أمانةٌ، والكذب خيانة.

ونحن نرى اليوم في عددٍ من البلاد أنَّ إعلام الدولة قائمٌ على الكذب، إنهم يُسمُّون الهزيمة انتصارًا، والظُّلم عدلاً، والتأخُّر تقدمًا! ويذكر في قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالحديث الصحيح الذي يقول فيه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاثةٌ لا ينظُر الله إليهم ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ.. ومنهم: ملك كذَّاب)).

4- وذكر - رضي الله عنه - أنَّ مهمَّة الدولة إيصالُ الحقوق إلى أصحابها، فليس هناك أحدٌ فوقَ النظام، فالقويُّ ضعيفٌ عند الخليفة حتى يَأخُذ الحقَّ منه، والضعيف عنده قويٌّ حتى يأخُذ الحقَّ له.

إنَّ هذا البيان سبَقَ عصرَه بقُرون، إنَّ الناسَ اليوم لم يَصِلُوا إلى هذا المستوى.

5- ثم دعا الخليفةُ العظيم إلى الجهاد، وبيَّن للناس أنَّ عاقبةَ ترْك الجهاد هي الذلُّ والهوان.

6- وحذَّر من شُيوع الفاحشة، وبيَّن لهم أنَّ عاقبةَ ذلك عُموم البَلاء على الأمَّة.

7- وقرَّر للناس أنَّ طاعته مشروطةٌ بأنْ يكون هو مُطِيعًا لله ورسوله، فإنْ عصَى اللهَ ورسولَه فلا طاعةَ له عليهم.


[1] "البداية والنهاية" 6/301، وانظر: "طبقات ابن سعد" 3/182، و"المصنف" 10/336، و"تاريخ الخلفاء"؛ للسيوطي ص69.

[2] "أقوال مأثورة" 4/12 (المخطوط).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 23-02-2020, 11:29 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (8)
د. محمد بن لطفي الصباغ



جيش أسامة بن زيد:
كان موقفُ أبي بكرٍ من إنْفاذ هذا الجيش إلى بلاد الشام التي يُسَيطرُ عليها الرُّوم - موقفًا مُسدَّدًا ومُوفَّقًا وقويًّا وثابتًا.

كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جهَّز جيشًا بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة، وأمَرَه أنْ يذهَب إلى البلقاء وإلى غزَّة في فلسطين، وكان في عداد الجيش كبارُ الصحابة من المهاجرين الأوَّلين، ومنهم عمرُ بن الخطَّاب، وكان في الجيش الأنصارُ، وتُوفِّي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبلَ أنْ ينطلق الجيش، وبُويِعَ أبو بكر خليفةً على المسلمين، فجاء عمرُ بن الخطَّاب وقال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، إنَّ العرب قد ارتدَّت على أعقابها كفَّارًا، وأنت تريدُ أنْ تنفذ جيش أسامة، وفي جيش أسامةَ كبارُ القوم من ذوي الرأي، وفيه الأبطالُ الأشدَّاء، فلو حبست هؤلاء عندك تتقوَّى بهم على مَن ارتدَّ من العرَبِ!

فقال أبو بكر: ما أنا بفاعلٍ، والله لو علمتُ أنَّ السِّباع تجرُّ برجلي إنْ لم أردَّ الجيش ما ردَدتُه، ولا حَللتُ لواءً عقَدَه رسولُ الله.

فقال عمر: إنَّ الأنصار أمَرُوني أنْ أُبلِّغَك أنْ تُولِّي أمرَهم رجلاً أقدمَ سنًّا من أسامة، فوثَب أبو بكرٍ وكان جالسًا فأخَذ بلحية عُمَرَ، وقال: ثكلَتْك أمُّك يا ابن الخطَّاب، استعمَلَه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتأمُرُني أنْ أنزعَه!

ثم نادَى مُنادي أبي بكرٍ: ليتم بَعْثُ أسامة، ألا لا يبقينَّ بالمدينة أحدٌ من جُنْدِ أسامة إلا خرَج إلى عسكَرِه، ثم شيَّع الجيشَ وهو ماشٍ وأسامةُ راكبٌ، وعبدالرحمن يقودُ دابَّة أسامةَ.

فقال له أسامةُ: يا خليفة رسول الله، والله لتركبنَّ أو لأنزلنَّ.

قال أبو بكر: والله لا تنزل ولا أركب، وما عليَّ أنْ أُغبِّر قدميَّ في سبيل الله ساعةً، ثم قال لأسامة: إنْ رأيتَ أنْ تُعِينني بعُمَرَ فافعلْ، فأذن له، ثم قال أبو بكر:
أيها الناس، قِفُوا أُوصِكُم، فاحفَظُوا عنِّي هذه الوصيَّة:
لا تخونوا، ولا تغلُّوا، ولا تغدروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتُلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأةً، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ، وسوف تمرُّون بأقوامٍ قد فرَّغوا أنفُسَهم في الصَّوامع، فدَعُوهم وما فرَّغوا أنفُسَهم له... إلى آخِر هذه الوصيَّة الرائعة.

فمضى أسامةُ، وانتهى إلى ما أمَرَه النبي -صلى الله عليه وسلم- فسَلِمَ وغَنِمَ، وجعَل لا يمرُّ بقبيلٍ يريدون الارتِدادَ إلا قالوا: لولا أنَّ لهؤلاء القوم قوَّةً ما خرج مثلُ هؤلاء من عندهم، فكان ذهابهم أربعين يومًا.

لقد كان خُروجُ هذا الجيش في ذلك الوقت من أكبر المصالح، ولَمَّا رجَعُوا جهَّزهم الصِّدِّيق لقتال المرتدَّة ومانِعِي الزكاة، فرَضِي الله عنه وأرضاه.

وقال الحافظ البيهقي بسنده إلى أبي هريرة - رضِي الله عنه - قال: والله الذي لا إله إلا هو، لولا أنَّ أبا بكرٍ استُخلِفَ ما عُبِدَ الله، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، فقيل له: مَهْ يا أبا هريرة، فقال: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجَّه أسامةَ بن زيدٍ في سبعمائةٍ إلى الشام، فلمَّا نزل الجيش بذي خَشَبٍ قُبِضَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وارتدَّت العرب حول المدينة، فاجتمع إليه أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: يا أبا بكر، رُدَّ هؤلاء، تُوجِّه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدَّت العرب من حول المدينة؟ فقال: والذي لا إلهَ غيره لو جرت الكلابُ بأرجل أزواج رسول الله ما ردَدتُ جيشًا وجَّهه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا حَللتُ لواءً عقَدَه رسولُ الله، فذهبوا فلقوا الروم فهزَمُوهم ورجَعُوا سالمين، فثبَتُوا على الإسلام؛ "البداية والنهاية" 6/ 305.


ثم وجَّه أبو بكرٍ - رضي الله عنه - أحدَ عشَرَ جيشًا إلى أهل الردَّة، وجعَل على كلِّ جيشٍ قائدًا من كبار القادة، وسأذكُر أسماءَ هؤلاء القادة، وهم:
1- خالد بن الوليد.
2- عكرمة بن أبي جهل.
3- شرحبيل بن حسنة.
4- المهاجر بن أبي أمية.
5- حذيفة بن محصن.
6- عَرفَجة بن هَرثَمة.
7- سُوَيْد بن مُقرِّن.
8- العلاء بن الحضرمي.
9- طَرِيفة بن حاجِز.
10- عمرو بن العاص.
11- خالد بن سعيد بن العاص.

وعادَتْ هذه الجيوش منتصرةً مظفَّرة، وعاد الناس إلى الإسلام، ثم انطلق المسلمون إلى الفتوح.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 23-02-2020, 11:30 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (9)
د. محمد بن لطفي الصباغ



كان أبو بكرٍ - رضي الله عنه - حريصًا على أسرار الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - فلم يَكُن ليُفْشِيَها لأحدٍ أبدًا، كما دلَّ على ذلك الحديثُ الصحيحُ الآتي:
عن عبداللهِ بن عمر - رضي الله عنهما - يُحَدِّثُ أن عمرَ بن الخطابِ، حين تَأَيَّمَتْ حفصةُ بنتُ عمرَ من خُنَيسِ بنِ حُذافةَ السَّهمِيِّ، وكان من أصحابِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قد شَهِد بدرًا، وتوفِّي بالمدينة، قال عمرُ: فلَقِيتُ عثمان بن عفَّان، فعَرَضتُ عليهِ حفصةَ، فقلتُ: إن شِئتَ أنكحتُك حفصةَ بنت عمرَ، قال: سأَنظُر فِي أَمرِي، فلبِثتُ ليالِي، فقال: قد بَدَا لِي أن لا أتزوجَ يومِي هذا، قال عمرُ: فلَقِيتُ أبا بكرٍ، فقلتُ: إِن شِئتَ أنكحتُك حفصةَ بنتَ عمرَ، فصَمَت أبو بكرٍ، فلم يَرجِع إِليَّ شيئًا، فكنتُ عليهِ أوجدَ مِنِّي على عثمانَ، فلَبِثتُ ليالِي، ثم خَطَبها رسول الله - صلى الله عليهِ وسلم - فأنكحتُها إيَّاه، فلَقِينِي أبو بكرٍ، فقال: لعلَّك وجدتَ عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصةَ فلم أَرجِع إِليك؟ قلتُ: نعم، قال: فإنه لم يَمنَعنِي أن أَرجِع إِليك فِيما عرضتَ، إِلا أنِّي قد عَلِمتُ أن رسول اللهِ - صلى الله عليهِ وسلم - قد ذَكَرها، ولم أَكُن لأُفشِيَ سرَّ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ولو تَرَكها لقَبِلتُها"[1].

أقولُ: ما أسعدَ هذا المجتمعَ الذي بناه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وسار على نهجِه الصحبُ الكرام!

مجتمعٌ يَحْرِص الأبُ فيه على سعادة أبنائه وبناته؛ فهو يَسعَى لبنتِه التي تَأيَّمتْ بزوجٍ ممتاز، كما فعل عمر - رضي الله عنه - ومَن مثلُ هؤلاءِ، الذين عَرَض عليهم عمرُ بنتَه حفصةَ - رضي الله عنهم جميعًا؟!

ولما عَرَضها على أبي بكرٍ لم يُجِبْه بشيءٍ، لا بالقبول ولا بالاعتذار؛ لأنه عَلِم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرها، فلم يَكُن ليُفشِيَ ذلك السرَّ.

قال الشيخ محمد الخضري - رحمه الله - بعد أن عرض أخبار الردة، والقضاء عليها[2]:
"وإلى هنا انتهتْ أخبارُ أهلِ الردَّة، ومنها يَفهَم المسلمون الذين يُرِيدون الاقتداءَ بسَلَفِهم الصالح: أن المؤمنَ لا يَنبغِي أن يَهِنَ مهما كَثُرَت أعداؤه؛ لأن المسلمين لا يُغْلَبون من قلَّة، ولا يُخْذَلون إلا من اتِّباع الهوى، وحيادِهم عن الصراط السَّوِي.

هذا أبو بكر - رضي الله عنه - أوَّلُ خليفة للمسلمين، كان العرب كلُّهم أعداءه، فصار هو ومَن معه كالشَّعرَة البيضاءِ في الثَّورِ الأَدْهم، فلم يَعُقْه ذلك عن إعزازِ دين الله، وقتال مَن كفر بالله بمن معه من المسلمين، بل وَثِق بوعدِ الله، حيث قال: ï´؟ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ï´¾ [محمد: 7].

فجازاه الله على ذلك: بالنصر العظيم، والفتحِ المبين، ودانتْ له قبائلُ العرب، فهكذا يكون الإسلام والإيمان".

أقولُ: هذا جانبٌ من جوانبِ عظمةِ هذا الرجلِ العظيم - رضي الله عنه وأرضاه - لولا أن الله أَكرَم هذه الأمةَ به، بل الإنسانية كلها، لاندَثَر الإسلامُ وقُضِي عليه.


فرَضِي الله عن أبي بكرٍ، ما أعظمَه من خليفة! وما أَنْجَحه من قائد! وما أَصدَقه من مؤمن!

أقولُ: ما أشبهَ الليلةَ بالبارِحة! إننا نحن اليوم في القرن الخامسَ عشرَ الهجري لَنَرى أن الإسلام والمسلمين مستهدفانِ من قُوَى الأرض: من أمريكا، وأوربا، ومن المجوس في الهند، ومن الشُّيُوعيين في الصين، ومن الصَّفَوِيين الفرسِ الذين ينكِّلون بالناس قتلاً وإقصاءً وعدوانًا على دينِهم وقِيَمهم، ومن الطواغيت الذين يَحكُمون بلادَ المسلمين بالحديد والنار، ومن اليهود الذين يَعتَمِدون على النصارى، قال الله تعالى يُخَاطِب المؤمنين - وقوله الصدق -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ï´¾ [المائدة: 51، 52]، وليس للمسلمينَ إلا أن يَرجِعوا إلى الله، ويَعمَلوا بدينِه، ويتَعَاوَنوا على البِرِّ والتقوى.

إنهم إن فَعَلوا ذلك، انتَصَروا كما انتَصَر المسلمون أيامَ سيِّدنا أبي بكرٍ - رضي الله عنه وأرضاه.

قال الله تعالى: ï´؟ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ï´¾ [غافر: 51]، وقال سبحانه: ï´؟ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ï´¾ [الروم: 47].


[1] رواه البخاري 4005، وأحمد 74 ، للَّهِوالنسائي 6/77، وابن ماجه 4039، وأبو يعلى، والطبراني، وغيرهم.

[2] إتمام الوفاء، ص 43.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 23-02-2020, 11:30 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,275
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس وعبر من سير الصحابة الكرام

دروس وعبر من سير الصحابة الكرام (10)
د. محمد بن لطفي الصباغ





ما زلتُ أتحدَّث عن سيدنا وحبيبنا خليفةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأوَّل، سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه وأرضاه - كان سيِّدَ علماء الصحابة - رضي الله عنهم - ذلك لأنه - رضي الله عنه - كان أقدمَهم إسلامًا، وأكثرهم صُحبةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدناهم إلى قلبه ومحبَّته، فعرَف ما لَم يَعرفه كثيرٌ عنهم، فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد في المسند - أوَّل المسند - عن قيس قال: "أيُّها الناس، إنَّكم تقرؤون هذه الآية: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ï´¾ [المائدة: 105]، وإنَّا سَمِعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر، فلم يُغيِّروه، أوشَك أن يعمَّهم الله بعقابه))[1].

يُريد - رضي الله عنه - أن يُصحِّح فَهْمَ بعض المسلمين للآية، وأن يُذكِّرهم بأهميَّة إنكار المنكر.

إنَّ على المسلم إذا رأى منكرًا أن يُنكره، وإنكاره على حالات:
فإن كان المنكر في بيته، فليُنكره بيده، وإن كان المنكر في بيت جاره - ولا سُلطةَ له عليه - فليُنكره بلسانه بالحِكمة والموعظة الحسنة، وإن كان يخشى على نفسه، فليُنكره بقلبه، وإن لَم يفعل، فليَحذر عقوبة الله؛ قال تعالى: ï´؟ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ï´¾ [الأنفال: 25].

وحديث السفينة مشهور: عن النعمان بن بَشير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مثلُ القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ اسْتَهموا على سفينةٍ، فأصابَ بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استَقوا من الماء، مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرَقنا في نصيبنا خرقًا ولَم نُؤذِ مَن فوقنا، فإن ترَكوهم وما أرادوا، هلَكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم، نَجَوْا، ونجوا جميعًا))[2].

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((القائم على حدود الله))؛ أي: المُنكر للمعاصي التي هي حدود الله، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الواقع فيها))؛ أي: المُرتكب للمعاصي.

ومن ذلك ما ذكَرت عائشة عن بُعده من الحرام وبُعده عن السُّحت، وخوفه من العذاب؛ قالت - رضي الله عنها -: "كان لأبي بكر - رضي الله عنه - غلامٌ يَأتيه بالطعام، وكان أبو بكر لا يأكل حتى يسألَ عنه، فجاء يومًا بشيءٍ فأكَل منه أبو بكر دون أن يسألَه، فقال الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تَكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليَّة وأنا لا أُحسِن الكهانة، إلاَّ أني خدَعته، فلَقِيَني فأعطاني هذا الذي أكلتَ منه، قال أبو بكر: إن كِدتَ أن تُهلكني، فأدخَل أبو بكر يده في حلْقه، فقاءَ كلَّ شيءٍ في بطنه، وبالَغ في ذلك؛ حتى بلَغ منه الجَهد، فقيل له في ذلك، فقال: والله لو لَم يخرج هذا الطعام إلاَّ برُوحي، لأخْرَجته؛ إني سَمِعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((كلُّ جسدٍ نبَت من سُحْتٍ، فالنار أَوْلَى به))[3].

فخشيت أن يَنبت من جسدي شيءٌ من هذه اللقمة[4].

لقد كان - رضوان الله عليه - يُعلِّم المسلمين بلسان الحال وبالسلوك المُلتزم بالكتاب والسُّنة، ويُعلِّم بلسانه وأقواله، ويُحذِّرهم من عذاب الله، ولا سيَّما من أكْل الحرام.

وكان - رضي الله عنه - عظيم التواضُع، فهو أفضل الخلْق بعد الأنبياء، يرى أنه ليس أفضل المسلمين كما مرَّ بنا في خطبته الرائعة يوم وَلِي الخلافة، وكان إذا مُدِح، قال:
اللهمَّ إني أعلمُ بنفسي منهم، وأنت أعلمُ مني بنفسي، فاغفِر لي ما لا يعلمون، ولا تُؤاخذني بما يقولون، واجعَلني خيرًا مما يظنون[5].

وكان يوصي وُلاته بتقوى الله، وبأن يكونوا قدوةً للناس في الصلاة والخشوع فيها، والصدق ومكارم الأخلاق، فقد كتَب - رضي الله عنه - إلى أحد وُلاته الرسالة الموجزة القيِّمة الآتية، قال:
"أمَّا بعدُ، فعليك بتقوى الله؛ فإنه - سبحانه - يرى من باطنك مثلَ الذي يرى من ظاهرك، وإن أَوْلَى الناس بالله أشدُّهم تَولِّيًا له، وأقربَ الناس من الله أشدُّهم تقرُّبًا إليه بعمله، وإذا وعَظتَ فأوْجِز، فإن كثرة الكلام يُنسي بعضه بعضًا، وأصْلِح نفسك، يُصْلحِ الله لك الناس، وصلِّ الصلاة لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها، والتخشُّع فيها، وإذا استشرتَ، فاصْدُق الحديث، تَصدُق المشورة، وجالِس أهل الصدق والوفاء، واصْدُق اللقاء، ولا تَجبُن، فيَجبُن الناس"[6].


[1] رواه أحمد أوَّل المسند، وأبو داود (4338)، والترمذي (2168)، وابن ماجه (4005)، وغيرهم، وهو حديث صحيح.

[2] رواه البخاري برقْم (2493)، والترمذي (2173)، وانظر: "قبسات من الرسول"؛ لمحمد قطب، ص (167- 183).

[3] وهو حديث صحيح، انظره في صحيح الجامع الصغير؛ للألباني.

[4] حِلية الأولياء (1/ 31)، وتاريخ الخلفاء، ص (100)، وأبو بكر؛ للطنطاوي، ص (223)، وانظر: وقفات مع الأبرار، ط (1)، ص (299).

[5] وقفات مع الأبرار، ص (28).

[6] وقفات مع الأبرار، ص (188).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 166.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 160.37 كيلو بايت... تم توفير 5.98 كيلو بايت...بمعدل (3.60%)]