تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         لم أعد أستطيع الدراسة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          كيف أكون شخصيتي ورأيي؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          كيف يعيش المعاق؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 4 )           »          الهمة والعزيمة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          تتطلَّع الناس إلى نظراتي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          الدورة الشهرية وتدريب الفتيات الصغيرات على الصلاة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          زوجي يضربني بسبب أمه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          طليقتي تريد الرجوع إلي فهل أعيدها؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          ضعف الشخصية مع الأهل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          زوجي شكاك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 23-06-2019, 05:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (7)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 38 إلى الاية
48
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي


قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

وقوله تعالى: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ) يعني هؤلاء الأربعة. وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا والهبوط ( الآخر ) من السماء الدنيا إلى الأرض ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ) أي فإن يأتكم يا ذرية آدم ( مِنِّي هُدًى ) أي رشد وبيان شريعة، وقيل كتاب ورسول ( فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) قرأ يعقوب: فلا خوف بالفتح في كل القرآن والآخرون بالضم والتنوين فلا خوف عليهم فيما [يستقبلون هم] ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) على ما خلفوا. وقيل: لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا )( يعني جحدوا ) ( وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ) بالقرآن ( أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ) يوم القيامة ( هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) لا يخرجون منها ولا يموتون فيها.
قوله تعالى: ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) يا أولاد يعقوب. ومعنى إسرائيل: عبد الله، "وإيل" هو الله تعالى، وقيل صفوة الله، وقرأ أبو جعفر: إسرائيل بغير همز ( اذْكُرُوا ) احفظوا، والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: ذكر النعمة شكرها ( نِعْمَتِيَ ) أي: نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع كقوله تعالى ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) ( 34-إبراهيم ) ( الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) أي على أجدادكم وأسلافكم. قال قتادة: هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل: من فلق البحر وإنجائهم من فرعون بإغراقه وتظليل الغمام عليهم في التيه، وإنـزال المن والسلوى وإنـزال التوراة، في نعم كثيرة لا تحصى، وقال غيره: هي جميع النعم التي لله عز وجل < 1-87 > على عباده ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ) أي بامتثال أمري ( أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) بالقبول والثواب.
قال قتادة ومجاهد: أراد بهذا العهد ما ذكر في سورة المائدة ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ) إلى أن قال - ( لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) ( 12-المائدة ) فهذا قوله: "أوف بعهدكم". وقال الحسن هو قوله ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) ( 63-البقرة ) فهو شريعة التوراة، وقال مقاتل هو قوله ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ) ( 83-البقرة ) وقال الكلبي: عهد الله إلى بني إسرائيل على لسان موسى: إني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن اتبعه وصدق بالنور الذي يأتي به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين: وهو قوله: ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ ) ( 187-آل عمران ) يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم.
( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) فخافوني في نقض العهد. وأثبت يعقوب الياءات المحذوفة في الخط مثل فارهبوني، فاتقوني، واخشوني، والآخرون يحذفونها على الخط
( وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ ) يعني القرآن ( مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ) أي موافقا لما معكم يعني: التوراة، في التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صلى الله عليه وسلم، نـزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم ( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ) أي بالقرآن يريد من أهل الكتاب، لأن قريشا كفرت قبل اليهود بمكة، معناه: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامكم وآثامهم ( وَلا تَشْتَرُوا ) أي: ولا تستبدلوا ( بِآيَاتِي ) ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم ( ثَمَنًا قَلِيلا ) أي عرضا يسيرا من الدنيا وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل عام شيئا معلوما من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن هم بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة ( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) فاخشوني
( وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ) أي لا تخلطوا، يقال: لبس الثوب يلبس لبسا، ولبس عليه الأمر يلبس لبسا أي خلط. يقول: لا تخلطوا الحق الذي، أنـزلت عليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم.
والأكثرون على أنه أراد: لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية .
وقال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا ليصدقوا في ذلك فقال: ولا تلبسوا الحق الذي تقرون به بالباطل يعني بما تكتمونه، فالحق: بيانهم، والباطل: كتمانهم وتكتموا الحق أي لا تكتموه، يعني: نعت محمد صلى الله عليه وسلم. < 1-88 > ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنه نبي مرسل
( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها ( وَآتُوا الزَّكَاةَ ) أدوا زكاة أموالكم المفروضة. والزكاة مأخوذة من زكا الزرع إذا نما وكثر. وقيل: من تزكى أي تطهر، وكلا المعنيين موجود في الزكاة، لأن فيها تطهيرا وتنمية للمال ( وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ) أي صلوا مع المصلين: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع لأنه ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع، قيل: إعادته بعد قوله ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) لهذا، أي صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، فالأول مطلق في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصين. وقيل: هذا حث على إقامة الصلاة جماعة كأنه قال لهم: صلوا مع المصلين الذين سبقوكم بالإيمان.

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ) أي بالطاعة، نـزلت في علماء اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم: اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق. وقيل: هو خطاب لأحبارهم حيث أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة، ثم خالفوا وغيروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم ( وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) أي تتركون أنفسكم فلا تتبعونه ( وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ) تقرءون التوراة فيها نعته وصفته ( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) أنه حق فتتبعونه؟.
والعقل مأخوذ من عقال الدابة، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه من الشرود، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود.
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني أنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة أنا الحسين بن الفضل البجلي أنا عفان أنا حماد بن سلمة أنا علي بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون < 1-89 > الكتاب"
أخبرنا عبد الواحد الميلحي أنا أحمد عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال أسامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه( أي تنقطع أمعاؤه ) في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه" وقال شعبة عن الأعمش "فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه" .
( وَاسْتَعِينُوا ) على ما يستقبلكم من أنواع البلاء وقيل: على طلب الآخرة ( بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) أراد حبس النفس عن المعاصي. وقيل: أراد: الصبر على أداء الفرائض، وقال مجاهد: الصبر الصوم، ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر، وذلك لأن الصوم يزهده في الدنيا، والصلاة ترغبه في الآخرة، وقيل: الواو بمعنى على، أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة، كما قال الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ( 132-طه ) ( وَإِنَّهَا ) ولم يقل وإنهما ردا للكناية إلى كل واحد منهما أي وإن كل خصلة منهما. كما قال: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا ( 33-الكهف ) أي كل واحدة منهما. وقيل: معناه ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ) وإنه لكبير وبالصلاة وإنها لكبيرة، فحذف أحدهما اختصارا، وقال المؤرج رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا ( 34-التوبة ) رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم. وقيل: رد الكناية إلى الصلاة لأن الصبر داخل فيها. كما قال الله تعالى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ( 62-التوبة ) ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله تعالى.
وقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة ( لَكَبِيرَةٌ ) أي: لثقيلة ( إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) < 1-90 > يعني: المؤمنين، وقال الحسن: الخائفين وقيل: المطيعين وقال مقاتل بن حيان: المتواضعين، وأصل الخشوع السكون قال الله تعالى: وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ( 108-طه ) فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى.
( الَّذِينَ يَظُنُّونَ ) يستيقنون [أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون وأنهم راجعون إلى الله تعالى، أي: يصدقون بالبعث، وجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه] .
والظن من الأضداد يكون شكا ويقينا وأملا كالرجاء يكون خوفا وأملا وأمنا ( أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ ) معاينو ( رَبِّهِم ) في الآخرة وهو رؤية الله تعالى وقيل: المراد من اللقاء الصيرورة إليه ( وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) فيجزيهم بأعمالهم.
( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) أي عالمي زمانكم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء، لكن يحصل به الشرف للأبناء
( وَاتَّقُوا يَوْمًا ) واخشوا عقاب يوم ( لا تَجْزِي نَفْسٌ ) لا تقضي نفس ( عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ) أي حقا لزمها وقيل: لا تغني، وقيل: لا تكفي شيئا من الشدائد ( وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) قرأ ابن كثير ويعقوب بالتاء لتأنيث الشفاعة، وقرأ الباقون بالياء لأن الشفع والشفاعة بمعنى واحد كالوعظ والموعظة، فالتذكير على المعنى، والتأنيث على اللفظ، كقوله تعالى: قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ( 57-يونس ) وقال في موضع آخر فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ( 275-البقرة ) أي لا تقبل منها شفاعة إذا كانت كافرة ( وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) أي فداء وسمي به لأنه مثل المفدي. والعدل: المثل ( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) يمنعون من عذاب الله.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 23-06-2019, 05:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (8)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 49 إلى الاية
57
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُ مْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)

( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ ) يعني: أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم لأنهم نجوا بنجاتهم ( مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) أتباعه وأهل دينه، وفرعون هو الوليد بن مصعب بن الريان وكان من القبط العماليق وعمر أكثر من أربعمائة سنة ( يَسُومُونَكُم ) يكلفونكم ويذيقونكم، ( سُوءَ الْعَذَابِ ) أشد العذاب وأسوأه وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة هكذا ومرة هكذا كالإبل السائمة في البرية، وذلك أن فرعون جعل بني < 1-91 > إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية.
وقال وهب: كانوا أصنافا في أعمال فرعون، فذوو القوة ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها، وطائفة ينقلون الحجارة، وطائفة يبنون له القصور، وطائفة منهم يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته غلت يمينه إلى عنقه شهرا، والنساء يغزلن الكتان وينسجن، وقيل: تفسيره ذكرما بعده: ( يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ) مذكور على وجه البدل من قوله -يسومونكم سوء العذاب ( وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) يتركونهن أحياء، وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي فيها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه؟ فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت، ووكل بالقوابل، فكن يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في بني إسرائيل اثنى عشر ألف صبي في طلب موسى. وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى عليه السلام تسعين ألف وليد. قالوا: وأسرع الموت في =مشيخة بني إسرائيل فدخل رءوس القبط على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل أفتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا؟ فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها، وموسى في السنة التي يذبحون فيها.
( وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) قيل: البلاء المحنة، أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة، وقيل: البلاء النعمة أي في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر وقال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ( 35-الأنبياء ).
( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ) قيل: معناه فرقنا لكم وقيل: فرقنا البحر بدخولكم إياه وسمي البحر بحرا لاتساعه، ومنه قيل للفرس: بحر إذا اتسع في جريه، وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، < 1-92 > وأخرج الله تعالى كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم، وكل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى رجع كل إلى أبيه، وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم واشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا وطلعت الشمس، وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان أصحاب موسى ستمائة ألف وسبعين ألفا .
وعن عمرو بن ميمون قال: كانوا ستمائة ألف فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى =مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف عليه السلام إلا أخبرني به ومن لم يعلم به فصمت أذناه عن قولي! وكان يمر بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربي( فأمره ) الله تعالى بإيتائها سؤلها فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنـزل غرفة من الجنة إلا نـزلتها معك قال: نعم قالت: إنه في جوف الماء في النيل فادع الله حتى يحسر عنه الماء، فدعا الله تعالى فحسر عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف عليه السلام، فحفر موسى عليه السلام ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق فساروا وموسى عليه السلام على ساقتهم وهارون على مقدمتهم، ونذر بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم < 1-93 > أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك، فوالله ما صاح ديك تلك الليلة، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشيات [وقال محمد بن كعب رضي الله عنه: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات ] وكان فرعون يكون في الدهم وقيل: كان فرعون في سبعة آلاف ألف، وكان بين يديه مائة ألف ناشب، ومائة ألف أصحاب حراب، ومائة ألف أصحاب الأعمدة، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر والماء في غاية الزيادة فنظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين فقالوا: يا موسى كيف نصنع؟ وأين ما وعدتنا؟ هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا! والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا؟ قال الله تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قال موسى كلا إن معي ربي سيهدين"( 61-62 الشعراء ).
فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله إليه أنْ كَنِّه فضربه وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله تعالى، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت بنو إسرائيل البحر، كل سبط في طريق، وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا، فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء: أن تشبكي، فصار الماء شبكات كالطبقات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى "وإذ فرقنا بكم البحر" .
( فَأَنْجَيْنَاكُ م ) من آل فرعون والغرق ( وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ) وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منغلقا قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عَبِيدِي الذين أَبَقُوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه وقيل: قالوا له إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى وديق فتقدمهم وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من أمره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول جملة خلفه في البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر، وخرج جبريل من < 1-94 > البحر، وهم أولهم بالخروج فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وغرقهم أجمعين، وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم، طرف من بحر فارس، قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له إساف، وذلك بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى: ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) إلى مصارعهم وقيل: إلى إهلاكهم.
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

( وَإِذْ وَاعَدْنَا ) من المفاعلة التي تكون من الواحد كقولهم: عافاك الله، وعاقبت اللص، وطارقت النعل. وقال الزجاج: كان من الله الأمر ومن موسى القبول. فلذلك ذكر بلفظ المواعدة، وقرأ أهل البصرة( وإذ وعدنا ) من الوعد ( مُوسَى ) اسم عبري عرب "ومو" بالعبرانية الماء "وشى" الشجرة، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر، ثم قلبت الشين المعجمة سينا في العربية ( أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) أي انقضاؤها: ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وقرن التاريخ بالليل دون النهار لأن شهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل وقيل: لأن الظلمة أقدم من الضوء، وخلق الليل قبل النهار، قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ( 37-يس ) وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، فوعد الله موسى أن ينـزل عليه التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون، وواعدهم أربعين ليلة، ثلاثين من ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة، واستخلف عليهم أخاه هارون فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ربه، فلما رآه السامري وكان رجلا صائغا من أهل باجرمى واسمه ميخا -وقال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان، وقال ابن عباس: اسمه موسى بن مظفر وقال قتادة: كان من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة -وكان منافقا أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فلما رأى جبرائيل على ذلك الفرس ورأى < 1-95 > مواضع قدم الفرس تخضر في الحال قال: إن لهذا شأنا فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرائيل عليه السلام. قال عكرمة: ألقي في روعه أنه إذا ألقي في شيء غيره، وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم، فأهلك الله فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل: إن الحلي التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم، فاحفروا حفرة وادفنوها فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه.
وقال السدي: إن هارون عليه السلام أمرهم أن يلقوها في حفيرة، حتى يرجع موسى ففعلوا، فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلا في ثلاثة أيام ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرائيل عليه السلام، فخرج عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون، وخار خورة، وقال السدي: كان يخور ويمشي فقال السامري هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ( 88-طه ) أي فتركه هاهنا وخرج يطلبه.
وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم من الليلة يومين فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة.
وقيل: كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامري عكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثنى عشر ألف رجل، وهذا أصح، وقال الحسن: كلهم عبدوه إلا هارون وحده فذلك قوله تعالى ( ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ ) أي إلها ( مِنْ بَعْدِهِ ) أظهر ابن كثير وحفص الذال من أخذت واتخذت والآخرون يدغمونها ( وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ) ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها
( ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ ) محونا ذنوبكم ( مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) بعد عبادتكم العجل ( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم، قيل: الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح في السر والعلانية قال الحسن: شكر النعمة ذكرها قال الله تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11-الضحى ) قال الفضيل: شكر كل نعمة أن لا يعصي الله بعد تلك النعمة. وقيل: حقيقة الشكر العجز عن الشكر.
حكي أن موسى عليه السلام قال: إلهي أنعمت علي النعم السوابغ، وأمرتني بالشكر وإنما شكري إياك نعمة منك، قال الله تعالى: يا موسى تعلمت العلم الذي لا يفوقه شيء من علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو مني، وقال داود عليه السلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة.
قوله تعالى: ( وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) يعني التوراة ( وَالْفُرْقَان ) قال مجاهد: هو التوراة أيضا < 1-96 > ذكرها باسمين، وقال الكسائي: الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة، يعني: الكتاب المفرق بين الحلال والحرام، وقال يمان بن ربان: أراد بالفرقان انفراق البحر كما قال وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُ مْ ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) بالتوراة.
( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه ) الذين عبدوا العجل ( يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ ) ضررتم بأنفسكم ( بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ) إلها قالوا: فأي شيء نصنع؟ قال: ( فَتُوبُوا ) فارجعوا ( إِلَى بَارِئِكُمْ ) خالقكم قالوا: كيف نتوب؟ قال ( فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) يعني ليقتل البريء منكم المجرم ( ذَلِكُم ) أي القتل ( خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ ) فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم: من مد حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، وأصلت القوم عليهم الخناجر، فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى، قالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم إلى المساء، فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما السلام وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشف الله تعالى السحابة وأمرهم أن يكفوا عن القتل فتكشفت عن ألوف من القتلى.
يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: كان عدد القتلى سبعين ألفا فاشتد ذلك على موسى فأوحى الله تعالى إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة، فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه، فذلك قوله تعالى ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) أي ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز عنكم ( إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ ) القابل التوبة ( الرَّحِيم ) بخلقه.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) وذلك أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلا < 1-97 > من قومه من خيارهم، فقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى إلى طور سيناء من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشى الجبل كله، فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام وخروا سجدا، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله: أني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري، فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: له "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" معاينة وذلك أن العرب تجعل العلم بالقلب رؤية، فقال جهرة ليعلم أن المراد منه العيان ( فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) أي الموت، وقيل: نار جاءت من السماء فأحرقتهم ( وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت. وقيل: تعلمون، والنظر يكون بمعنى العلم، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ( 155-الأعراف ) فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا بعد رجل بعد ما ماتوا يوما وليلة، ينظر بعضهم إلى بعض، كيف يحيون فذلك قوله تعالى
( ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ ) أحييناكم، والبعث: إثارة الشيء عن محله يقال: بعثت البعير وبعثت النائم فانبعث ( مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) قال قتادة: أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة.
( لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ) في التيه يقيكم حر الشمس، والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماما لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى فأرسل الله تعالى غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم الليل إذ لم يكن لهم قمر ( وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ) أي في التيه، والأكثرون على أن المن هو الترنجبين، وقال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد، وقال وهب: هو الخبز الرقاق، قال الزجاج: جملة المن ما يمن الله به من غير تعب.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا سفيان عن عبد الملك هو ابن عمير عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" . < 1-98 >
قالوا فكان هذا المن كل ليلة يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم صاع، فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم فأنـزل الله تعالى عليهم السلوى وهو طائر يشبه السماني، وقيل هو السماني بعينه، بعث الله سحابة فمطرت السماني في عرض ميل وطول رمح في السماء، بعضه على بعض والسلوى: العسل، فكان الله ينـزل عليهم المن والسلوى كل صباح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينـزل يوم السبت.

( كُلُوا ) أي: وقلنا لهم: كلوا ( مِنْ طَيِّبَاتِ ) حلالات ( مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ولا تدخروا لغد، ففعلوا، فقطع الله ذلك عنهم، ودود وفسد ما ادخروا، فقال الله تعالى: ( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) أي وما بخسوا بحقنا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون باستيجابهم عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينـزل عليهم بلا مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى.
أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنـز اللحم ، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر"


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 23-06-2019, 05:27 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (9)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 58 إلى الاية
61
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي


وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ) سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها، ومنه المقراة: للحوض، لأنها تجمع الماء، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي أريحاء وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عنق، وقيل: بلقاء، وقال مجاهد: بيت المقدس، وقال الضحاك: هي الرملة < 1-99 > والأردن وفلسطين وتدمر، وقال مقاتل: إيليا، وقال ابن كيسان: الشام ( فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا ) موسعا عليكم ( وَادْخُلُوا الْبَابَ ) يعني بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب ( سُجَّدًا ) أي ركعا خضعا منحنين، وقال وهب: فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله تعالى ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) قال قتادة: حط عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار، قال ابن عباس: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب، ورفعها على تقدير: قولوا مسألتنا حطة ( نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) الغفر وهو الستر، فالمغفرة تستر الذنوب، وقرأ أهل المدينة و( نافع ) بالياء وضمها وفتح الفاء، وقرأها ابن عامر بالتاء وضمها وفتح الفاء، وفي الأعراف قرأ جميعا ويعقوب بالتاء وضمها، وقرأ الآخرون فيهما بنصب النون وكسر الفاء ( وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ) ثوابا من فضلنا
( فَبَدَّل ) فغير ( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أنفسهم وقالوا ( قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ) وذلك أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة، فقالوا بلسانهم: حطانا سمقاثا أي حنطة حمراء، استخفافا بأمر الله تعالى، وقال مجاهد: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم فأبوا أن يدخلوها سجدا فدخلوا على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول وقالوا قولا غير الذي قيل لهم.
أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسحاق بن نصر أنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعرة"
( فَأَنْـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ ) قيل: أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا ( بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى.
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)
( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى ) طلب السقيا ( لِقَوْمِه ) وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى إليه كما قال: ( فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ ) وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، واسمها عليق ، حملها آدم عليه < 1-100 > السلام من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام فأعطاها موسى عليه السلام.
قال مقاتل: اسم العصا بنعته قوله تعالى ( الْحَجَر ) اختلفوا فيه قال وهب: لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونا لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، وقال الآخرون: كان حجرا معينا بدليل أنه عرف بالألف واللام، وقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا على قدر رأس الرجل كان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه، وقال عطاء: كان للحجر أربعة وجوه لكل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين وقيل: كان الحجر رخاما، وقيل: كان من الكذان فيه اثنتا عشرة حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل يوم ستمائة ألف، وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل ففر بثوبه ومر به على ملأ من بني إسرائيل حين رموه بالأدرة فلما وقف أتاه جبرائيل فقال: إن الله تعالى يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فرفعه ووضعه في مخلاته، قال عطاء: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة فيعرق ثم يتفجر الأنهار، ثم تسيل. وأكثر أهل التفسير يقولون: انبجست وانفجرت واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: انبجست عرقت وانفجرت، أي: سالت، فذلك قوله تعالى:
( فَانْفَجَرَتْ ) أي فضرب فانفجرت أي سالت منه ( اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ) على عدد الأسباط ( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ) موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه ( كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ) أي وقلنا لهم كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الماء فهذا كله من رزق الله يأتيكم بلا مشقة ( وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ ) والعيث: أشد الفساد يقال عثى يعثي عيثا، وعثا يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُو نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

قوله تعالى ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ) وذلك أنهم أجمعوا وسئموا من أكل المن والسلوى، وإنما قال ( عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ) وهما اثنان لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين، كقوله تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ( 22-الرحمن ) وإنما يخرج من < 1-101 > المالح دون العذب وقيل: كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المن بالسلوى فيصيران واحدا ( فَادْعُ لَنَا ) فاسأل لأجلنا ( رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا ) قال ابن عباس: والفوم الخبز: وقال عطاء، الحنطة وقال القتيـبي رحمه الله تعالى: الحبوب التي تؤكل كلها وقال الكلبي: ( وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ ) لهم موسى عليه السلام ( أَتَسْتَبْدِلُو نَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى ) أخس وأردى ( بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ) أشرف وأفضل وجعل الحنطة أدنى في القيمة وإن كان هي خيرا من المن والسلوى، أو أراد أنها أسهل وجودا على العادة، ويجوز أن يكون الخير راجعا إلى اختيار الله لهم واختيارهم لأنفسهم ( اهْبِطُوا مِصْرًا ) يعني: فإن أبيتم إلا ذلك فانـزلوا مصرا من الأمصار، وقال الضحاك: هو مصر موسى وفرعون، والأول أصح، لأنه لو أراده لم يصرفه ( فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ) نبات الأرض ( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ) جعلت عليهم وألزموا ( الذِّلَّة ) الذل والهوان قيل: بالجزية، وقال عطاء بن السائب: هو الكستيج والزنار وزي اليهودية ( وَالْمَسْكَنَةُ ) الفقر، سمي الفقير مسكينا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء، وقيل: الذلة هي فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود.
( وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ) رجعوا ولا يقال: "باءوا إلا بشر" وقال أبو عبيدة: احتملوا وأقروا به، ومنه الدعاء: أبوء ( لك ) بنعمتك علي وأبوء بذنبي، أي: أقر ( ذَلِكَ ) أي الغضب ( بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ) بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن ( وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ) تفرد نافع بهمز النبي وبابه، فيكون معناه المخبر من أنبأ ينبئ، والقراءة المعروفة ترك الهمزة، وله وجهان: أحدهما هو أيضا من الإنباء، تركت الهمزة فيه تخفيفا لكثرة الاستعمال، والثاني هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون النبيين على الأصل ( بِغَيْرِ الْحَقِّ ) أي بلا جرم فإن قيل: فلم قال: بغير الحق وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ قيل ذكره وصفا للقتل، والقتل تارة يوصف بغير الحق وهو مثل قوله تعالى: "قَالَ رَبِّ احْكُمْ بالحق" 112-الأنبياء ) ذكر الحق وصفا للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق، ويروى أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار وقامت سوق بقتلهم في آخر النهار ( ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ) يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 01-09-2020, 05:01 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (10)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 62 إلى الاية
69
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي


إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64)

( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ) يعني اليهود سموا به لقولهم: إنا هدنا إليك أي ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا أي تابوا عن عبادة العجل، وقيل: لأنهم مالوا عن دين الإسلام، وعن دين موسى عليه السلام، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ويقولون: إن السماوات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة ( وَالنَّصَارَى ) سموا به لقول الحواريين: نحن أنصار الله، وقال مقاتل: لأنهم نـزلوا قرية يقال لها ناصرة، وقيل: لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينـزلها عيسى عليه السلام.
( وَالصَّابِئِينَ ) قرأ أهل المدينة: والصابين والصابون بترك الهمزة والباقون بالهمزة، وأصله: الخروج، يقال: صبأ فلان أي خرج من دين إلى دين آخر، وصبأت النجوم إذا خرجت من مطالعها، وصبأ ناب البعير إذا خرج، فهؤلاء سموا به لخروجهم من دين إلى دين، قال عمر وابن عباس: هم قوم من أهل الكتاب، قال عمر رضي الله عنه: ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب، وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم، وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشام بين اليهود والمجوس، وقال الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم ويجبون مذاكيرهم، وقال قتادة: قوم يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة ويقرون بالله تعالى، أخذوا من كل دين شيئا، قال عبد العزيز بن يحيى: انقرضوا .
( مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) فإن قيل: كيف يستقيم قوله ( من آمن بالله ) وقد ذكر في ابتداء الآية ( إن الذين آمنوا ) ؟ قيل: اختلفوا في حكم الآية فقال بعضهم: أراد بقوله ( إن الذين آمنوا ) على التحقيق ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين فقال قوم: هم الذين آمنوا قبل المبعث وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء السني، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبحيرا الراهب، ووفد النجاشي، فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم( وبايعه ) ، ومنهم من لم يدركه. وقيل: هم المؤمنون من الأمم الماضية، وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمة ( والذين هادوا ) الذين كانوا على دين موسى عليه السلام، ولم يبدلوا، والنصارى، الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم يغيروا وماتوا على ذلك، قالوا: وهذان الاسمان لزماهم زمن موسى وعيسى عليهما السلام حيث كانوا على الحق، كالإسلام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والصابئون زمن استقامة أمرهم ( مَنْ آمَنَ ) أي من مات منهم وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان بالموافاة، ويجوز أن يكون الواو مضمرا أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة، وقال بعضهم: إن المذكورين بالإيمان في أول الآية على طريق المجاز دون الحقيقة، ثم اختلفوا فيهم فقال بعضهم: الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك وقيل: أراد بهم المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، واليهود والنصارى الذين اعتقدوا اليهودية والنصرانية بعد التبديل والصابئون بعض أصناف الكفار ( مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) من هذه الأصناف بالقلب واللسان ( وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن ( من ) يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ( وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) في الدنيا ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) في الآخرة.
قوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ) عهدكم يا معشر اليهود ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) الجبل بالسريانية في قول بعضهم، وهو قول مجاهد، وقيل: ما من لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن، وقال الأكثرون: ليس في القرآن لغة غير لغة العرب لقوله تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا وإنما هذا وأشباهه وقع وفاقا بين اللغتين ، وقال ابن عباس: أمر الله تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رءوسهم، وذلك لأن الله تعالى أنـزل التوراة على موسى عليه السلام فأمر موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها فأبوا أن يقبلوها للآصار والأثقال التي هي فيها، وكانت شريعة ثقيلة فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلا على قدر عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ، فرفعه فوق رءوسهم مقدار قامة الرجل كالظلة، وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رفع الله فوق رءوسهم الطور، وبعث نارا من قبل وجوههم، وأتاهم البحر المالح من خلفهم ( خُذُوا ) أي قلنا لهم خذوا ( مَا آتَيْنَاكُمْ ) أعطيناكم ( بِقُوَّة ) بجد واجتهاد ومواظبة ( وَاذْكُرُوا ) وادرسوا ( مَا فِيهِ ) وقيل: احفظوه واعملوا به ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى، فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل وأغرقتكم في هذا البحر وأحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب لهم عنها قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصار سنة لليهود، ولا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب عنا.
( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ) أعرضتم ( مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) من بعد ما قبلتم التوراة ( فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) يعني بالإمهال والإدراج وتأخير العذاب عنكم ( لَكُنْتُم ) لصرتم ( مِنَ الْخَاسِرِينَ ) من المغبونين بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة وقيل: من المعذبين في الحال لأنه رحمهم بالإمهال.

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)

قوله تعالى ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ) أي جاوزوا الحد، وأصل السبت: القطع، قيل: سمي يوم السبت بذلك لأن الله تعالى قطع فيه الخلق، وقيل: لأن اليهود أمروا فيه بقطع الأعمال، والقصة فيه: أنهم كانوا زمن داود عليه السلام بأرض يقال لها أيلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى يخرجن خراطيمهن من الماء لأمنها، حتى لا يرى الماء من كثرتها، فإذا مضى السبت تغرقن ولزمن مقل البحر، فلا يرى شيء منها فذلك قوله تعالى إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ( 163-الأعراف ).
ثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منه إليها الأنهار، فإذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، وقيل: كانوا يسوقون الحيتان إلى( الحياض ) يوم السبت ولا يأخذونها ثم يأخذونها يوم الأحد، وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشخوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ذلك زمانا ولم تنـزل عليهم عقوبة فتجرءوا على الذنب وقالوا: ما نرى السبت إلا وقد أحل لنا فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا واشتروا وكثر مالهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية، وكانوا نحوا من سبعين ألفا، ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفا، فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وعبروا بذلك سنتين، فلعنهم داود عليه السلام، وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم، فلما أبطئوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة لها أذناب يتعاوون، قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام ولم يتوالدوا.

قال الله تعالى: ( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً ) أمر تحويل وتكوين ( خَاسِئِينَ ) مبعدين مطرودين، وقيل: فيه تقديم وتأخير أي كونوا خاسئين قردة ولذلك لم يقل خاسئات، والخسأ الطرد والإبعاد، وهو لازم ومتعد يقال: خسأته خسا فخسأ خسوءا مثل: رجعته رجعا فرجع رجوعا
( فَجَعَلْنَاهَا ) أي جعلنا عقوبتهم بالمسخ ( نَكَالا ) أي عقوبة وعبرة، والنكال اسم لكل عقوبة ينكل الناظر من فعل ما جعلت العقوبة جزاء عليه، ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع، وأصله من النكل وهو القيد ويكون جمعه: أنكالا ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ) قال قتادة: أراد بما بين يديها يعني ما سبقت من الذنوب، أي جعلنا تلك العقوبة جزاء لما تقدم من ذنوبهم قبل نهيهم عن أخذ الصيد ( وَمَا خَلْفَهَا ) ما حضر من الذنوب التي أخذوا بها، وهي العصيان بأخذ الحيتان، وقال أبو العالية والربيع: عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم أن يستنوا بسنتهم، و( ما ) الثانية بمعنى من، وقيل: ( جعلناها ) أي جعلنا قرية أصحاب السبت عبرة لما بين يديها أي القرى التي كانت مبنية في الحال ( وَمَا خَلْفَهَا ) وما يحدث من القرى من بعد ليتعظوا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فجعلناها وما خلفها، أي ما أعد لهم من العذاب في الآخرة، وجزاء لما بين يديها أي لما تقدم من ذنوبهم باعتدائهم في السبت ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يفعلون مثل فعلهم.
قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) البقرة هي الأنثى من البقر يقال: هي مأخوذة من البقر وهو الشق، سميت به لأنها تشق الأرض للحراثة.
والقصة فيه أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى وألقاه بفنائهم، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل، فسألهم موسى فجحدوا، واشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نـزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه، فأمرهم الله بذبح بقرة فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ( قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ) أي: تستهزئ بنا، نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة !! وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه، قرأ حمزة هزوا وكفوا بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتثقيل، وبترك الهمزة حفص ( قَالَ ) موسى ( أَعُوذُ بِاللَّهِ ) أمتنع بالله ( أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) أي من المستهزئين بالمؤمنين وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل، فلما علم( القوم ) أن ذبح البقرة عزم من الله عز وجل استوصفوها، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة، وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له( ابن ) طفل وله عجلة أتى بها إلى غيضة وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لابني حتى تكبر، ومات الرجل فصارت العجلة في الغيضة عوانا ، وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن وكان بارا بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث يصلي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطي والدته ثلثه، فقالت له أمه يوما: إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن تأتي إلي فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها، فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى فقالت: أيها الفتى البار بوالدتك اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك، فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك فيشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة يومئذ ثلاثة دنانير، فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله ملكا ليري خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بر بوالدته، وكان الله به خبيرا فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضى والدتي فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضى أمي فردها إلى أمه فأخبرها بالثمن فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال: استأمرت أمك فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على أن أستأمرها فقال الملك: فإني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى، فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟( ففعل ) فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران عليه السلام يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء مسكها دنانير، فأمسكوها، وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفون موسى حتى وصف لهم تلك البقرة، مكافأة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة( فذلك )
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

قوله تعالى ( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ) أي( ما صفتها ) ( قَالَ ) موسى ( إِنَّهُ يَقُولُ ) يعني فسأل الله تعالى فقال: إنه، يعني أن الله تعالى يقول ( إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ ) أي لا كبيرة ولا صغيرة، والفارض المسنة التي لا تلد، يقال منه: فرضت تفرض فروضا، والبكر الفتاة الصغيرة التي لم تلد قط، وحذفت( الهاء ) منهما للاختصاص بالإناث كالحائض( عَوَان ) وسط نصف ( بَيْنَ ذَلِكَ ) أي بين السنين يقال عونت المرأة تعوينا: إذا زادت على الثلاثين، قال الأخفش( العوان: التي لم تلد قط، وقيل: ) العوان التي نتجت مرارا وجمعها عون ( فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ) ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال

( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا ) قال ابن عباس: شديدة الصفرة، وقال قتادة: صاف، وقال الحسن: الصفراء السوداء، والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع إنما يقال: أصفر فاقع، وأسود( حالك ) وأحمر قانئ، وأخضر ناضر، وأبيض بقق للمبالغة، ( تَسُر الناظرين ) إليها يعجبهم حسنها وصفاء لونها.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 01-09-2020, 05:02 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (11)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 70 إلى الاية
76
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي


قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ) أسائمة أم عاملة ( إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ) ولم يقل تشابهت لتذكير لفظ البقر كقوله تعالى ( أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ) ( 20-القمر ) وقال الزجاج: أي جنس البقر تشابه، أي التبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه ( وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ) إلى وصفها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ) لو لم يستثنوا لما بينت لهم إلى آخر الأبد"
( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ) مذللة بالعمل يقال: رجل ذلول بين الذل، ودابة ذلول بينة الذل ( تُثِيرُ الأرْضَ ) تقلبها للزراعة ( وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ ) أي ليست بساقية ( مُسَلَّمَة ) بريئة من العيوب ( لا شِيَةَ فِيهَا ) لا لون لها سوى لون جميع جلدها قال عطاء: لا عيب فيها، وقال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد ( قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ) أي بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه، وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى فاشتروها بملء مسكها ذهبا، ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) من غلاء ثمنها وقال محمد بن كعب: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها، وقيل ( وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها.
قوله عز وجل: ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ) هذا أول القصة وإن كانت مؤخرة في التلاوة، واسم القتيل( عاميل ) ( فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) أصله تدارأتم فأدغمت التاء في الدال وأدخلت الألف، مثل قوله: "اثاقلتم" قال ابن عباس ومجاهد: معناه فاختلفتم، وقال الربيع بن أنس: تدافعتم، أي يحيل بعضكم على بعض من الدرء وهو الدفع، فكان كل واحد يدفع عن نفسه ( وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ) أي مظهر ( مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) فإن القاتل كان يكتم القتل
( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ ) يعني القتيل( ببعضها ) أي ببعض البقرة، واختلفوا في ذلك البعض، قال ابن عباس رضي الله عنه وأكثر المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، ويركب عليه الخلق، وقال الضحاك: بلسانها، وقال الحسين بن الفضل: هذا أدل بها لأنه آلة الكلام، وقال الكلبي وعكرمة: بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه، ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه، أي عروق العنق، تشخب دما وقال قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانه فحرم قاتله الميراث، وفي الخبر: "ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة" وفيه إضمار تقديره: فضرب فحيي ( كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ) كما أحيا عاميل، ( وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) قيل تمنعون أنفسكم من المعاصي.
أما حكم هذه المسألة في الإسلام: إذا وجد قتيل في موضع ولا يعرف قاتله فإن كان ثم( لوث ) على إنسان -واللوث: أن يغلب على القلب صدق المدعي، بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء فتفرقوا عن قتيل يغلب على القلب أن القاتل فيهم، أو وجد قتيل في محلة أو قرية كلهم أعداء للقتيل لا يخالطهم غيرهم، فيغلب على القلب أنهم قتلوه -فادعى الولي على بعضهم، يحلف المدعي خمسين يمينا على من يدعي عليه، وإن كان الأولياء جماعة توزع الأيمان عليهم، ثم بعدما حلفوا أخذوا الدية من عاقلة المدعى عليه إن ادعوا قتل خطأ، وإن ادعوا قتل عمد فمن ماله، ولا قود على قول الأكثرين وذهب بعضهم إلى وجوب القود، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأحمد، وإن لم يكن على المدعى عليه لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ثم هل يحلف يمينا واحدة أم خمسين يمينا؟ فيه قولان أحدهما ) يمينا واحدة كما في سائر الدعاوي( والثاني ) يحلف خمسين يمينا تغليظا لأمر الدم، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: لا حكم للوث [ولا يزيد بيمين المدعي] وقال: إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا ثم يأخذ الدية من سكانها، والدليل على أن البداية بيمين المدعي عند وجود اللوث:
[ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار] عن سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما فقتل عبد الله بن سهل فانطلق هو وعبد الرحمن أخو المقتول وحويصة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له قتل عبد الله بن سهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم" فقالوا يا رسول الله: لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فتبرئكم يهود بخمسين يمينا" فقالوا يا رسول الله :كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فعزم النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده [وفي لفظ آخر فزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده] قال بشير بن يسار: قال سهل لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربد لنا، وفي رواية: لقد ركضتني ناقة حمراء من تلك الفرائض في مربد لنا" أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب. .
وجه الدليل من الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمان المدعين لتقوي جانبهم باللوث، وهو أن عبد الله بن سهل وجد قتيلا في خيبر، وكانت العداوة ظاهرة بين الأنصار وأهل خيبر، وكان يغلب على القلب أنهم قتلوه، واليمين أبدًا تكون حجة لمن يقوى جانبه وعند عدم اللوث يقوى جانب المدعى عليه من حيث إن الأصل براءة ذمته وكان القول قوله مع يمينه.

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

قوله تعالى ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ) يبست وجفت، جفاف القلب: خروج الرحمة واللين عنه، وقيل: غلظت، وقيل: اسودت، ( مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ) بعد ظهور الدلالات. قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: نحن لم نقتله، فلم يكونوا قط أعمى قلبا ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك ( فهي ) أي في الغلظة والشدة ( كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) قيل: أو بمعنى بل وقيل: بمعنى الواو كقوله تعالى: ( مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ) ( 147-الصافات ) أي: بل يزيدون أو ويزيدون، وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط، ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال: ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ ) قيل: أراد به( جميع ) الحجارة، وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء ) أراد به عيونا دون الأنهار ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ ) ينـزل من أعلى الجبل إلى أسفله ( مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) وقلوبكم لا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم، فكيف( يخشى ) ؟ قيل: الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خلق علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ( 44-الإسراء ) وقال وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ( 41-النور ) وقال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( 18-الحج ) الآية، فيجب على( المؤمن ) الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل: انـزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء: إلي يا رسول الله".
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري أنا محمد بن إسماعيل الصائغ أنا يحيى بن أبي بكر أنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن" [هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكر. وصح عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع على أحد فقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه" وروي عن أبي هريرة يقول، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم أقبل على الناس بوجهه وقال: "بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا لحراثة الأرض" فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم!؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم" وقال: "بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها فأدركها صاحبها فاستنقذها، فقال الذئب: فمن لها يوم السبع؟ أي يوم القيامة، يوم لا راعي لها غيري" فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟ فقال "أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم" ، وصح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اهدأ أي: اسكن. فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" صحيح أخرجه مسلم.
أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصانع أنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن هشام الرازي أنا محمد بن أيوب بن ضريس البجلي الرازي أنا محمد بن الصباح عن الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عبادة بن أبي يزيد] عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر، فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله" .
أنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت" .
قال مجاهد: لا ينـزل حجر من أعلى إلى الأسفل إلا من خشية الله، ويشهد لما قلنا قوله تعالى لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21-الحشر ). قوله عز وجل ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ )( بساه ) ( عَمَّا تَعْمَلُونَ ) وعيد وتهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به، قرأ ابن كثير يعملون بالياء والآخرون بالتاء.

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَه ُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76)

قوله تعالى ( أَفَتَطْمَعُونَ ) أفترجون؟ يريد: محمدا وأصحابه ( أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) تصدقكم اليهود بما تخبرونهم به ( وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ) يعني التوراة ( ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ) يغيرون ما فيها من الأحكام ( مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ) علموه كما غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أنهم كاذبون، هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وجماعة وقال ابن عباس ومقاتل: نـزلت في السبعين الذين اختارهم موسى لميقات ربه، وذلك أنهم لما رجعوا -بعدما سمعوا كلام الله -إلى قومهم رجع الناس إلى قولهم، وأما الصادقون منهم فأدوا كما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا الله يقول في آخر كلامه إن استطعتم أن تفعلوا فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا، فهذا تحريفهم وهم يعلمون أنه الحق .
( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم إذا لقوا المؤمنين المخلصين ( قَالُوا آمَنَّا ) كإيمانكم ( وَإِذَا خَلا ) رجع ( بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) -كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود -لأمرهم على ذلك ( قَالُوا أَتُحَدِّثُونَه ُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) بما قص الله عليكم في كتابكم: أن محمدا حق وقوله صدق. والفتاح القاضي.
وقال الكسائي: بما بينه الله لكم [من العلم بصفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، وقال:] الواقدي: بما أنـزل الله عليكم، ونظيره: لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ ( 96 - الأعراف ) أي أنـزلنا، وقال أبو عبيدة: بما من الله عليكم وأعطاكم ( لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ ) ليخاصموكم، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحتجوا بقولكم ( عليكم ) فيقولوا: قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ثم لا تتبعونه!! وذلك أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: آمنوا به فإنه حق ثم قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما أنـزل الله عليكم لتكون لهم الحجة عليكم ( عِنْدَ رَبِّكُمْ ) في الدنيا والآخرة وقيل: إنهم أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله به، على الجنايات فقال بعضهم لبعض: [أتحدثونهم بما أنـزل الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به عند ربكم، ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله وقال مجاهد: هو قول يهود قريظة قال بعضهم لبعض] حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "يا إخوان القردة والخنازير" فقالوا: من أخبر محمدا بهذا؟ ما خرج هذا إلا منكم ، ( أَفَلا تَعْقِلُونَ )
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 01-09-2020, 05:02 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (12)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 77 إلى الاية
83
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي


أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)

قال الله تعالى: ( أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ ) يخفون ( وَمَا يُعْلِنُونَ ) يبدون يعني اليهود.
وقوله تعالى: ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ) أي من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة، جمع أمي منسوب إلى الأم كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يتعلم كتابة ولا قراءة.
[وروي عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال "إنا أمة أمية" أي لا نكتب ولا نحسب وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة ( لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ ) قرأ أبو جعفر: أماني بتخفيف الياء كل القرآن حذف إحدى الياءين( تخفيفا ) وقراءة العامة بالتشديد، وهي جمع الأمنية وهي التلاوة، قال الله تعالى: إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ( 52-الحج ) أي في قراءته، قال أبو عبيدة: [إلا تلاوته < 1-115 > وقراءته] عن ظهر القلب لا يقرءونه من كتاب، وقيل: يعلمونه حفظا وقراءة لا يعرفون معناه. وقال ابن عباس: يعني غير عارفين بمعاني الكتاب، وقال مجاهد وقتادة: إلا كذبا وباطلا قال الفراء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، قال عثمان رضي الله عنه: ما تمنيت منذ أسلمت( أي ما كذبت ) ، وأراد بها الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ثم أضافوها إلى الله عز وجل من تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وقال الحسن وأبو العالية: هي من التمني، وهي أمانيهم الباطلة التي تمنوها على الله عز وجل مثل قولهم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ( 111-البقرة ) وقولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ( 80-البقرة ) وقولهم نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ( 18-المائدة ) فعلى هذا تكون( إلا ) بمعنى( لكن ) أي لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم ( وَإِنْ هُمْ ) وما هم ( إِلا يَظُنُّونَ ) وما هم إلا يظنون ظنا وتوهما لا يقينا، قاله قتادة والربيع، قال مجاهد: يكذبون.
قوله تعالى: ( فَوَيْل ) قال الزجاج: ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة، وقيل: هو دعاء الكفار على أنفسهم بالويل والثبور، وقال ابن عباس: شدة العذاب، وقال سعيد بن المسيب: ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت من شدة حره.
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد [عن عمرو بن الحارث أنه حدث عن أبي السمح عن أبي الهيثم] عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصعود جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فهو كذلك" .
( لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ) وذلك أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم وسلم المدينة، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة، وكانت صفته فيها: حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، ربعة، فغيروها وكتبوا مكانها طوال أزرق سبط الشعر فإذا سألهم سفلتهم عن صفته قرءوا ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته فيكذبونه وينكرونه، قال الله تعالى: ( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ) يعني ما كتبوا < 1-116 > بأنفسهم اختراعا من تغيير نعت محمد صلى الله عليه وسلم ( وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) المآكل ويقال: من المعاصي.
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

( وَقَالُوا ) يعني اليهود ( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ) [لن تصيبنا النار] ( إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ) قدرا مقدرا ثم يزول عنا العذاب ويعقبه النعيم واختلفوا في هذه الآية، قال ابن عباس ومجاهد: كانت اليهود يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام. وقال قتادة وعطاء: يعنون أربعين يوما التي عبد فيها آباؤهم العجل، وقال الحسن وأبو العالية: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ليعذبنا أربعين يوما فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم، فقال الله عز وجل تكذيبا لهم: ( قُلْ ) يا محمد ( أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ ) ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، عند الله ( عَهْدًا ) موثقا أن لا يعذبكم إلا هذه المدة ( فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ) ووعده قال ابن مسعود: عهدا بالتوحيد، يدل عليه قوله تعالى: إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ( 87-مريم ) يعني: قوله لا إله إلا الله ( أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ )
ثم قال ( بَلَى ) وبل وبلى: حرفا استدراك ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل ( مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ) يعني الشرك ( وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) قرأ أهل المدينة خطيئاته بالجمع، والإحاطة الإحداق بالشيء من جميع نواحيه، قال ابن عباس وعطاء والضحاك وأبو العالية والربيع وجماعة: هي الشرك يموت عليه، وقيل: السيئة الكبيرة. والإحاطة به أن يصر عليها فيموت غير تائب، قاله عكرمة والربيع بن خيثم وقال مجاهد: هي الذنوب تحيط بالقلب، كلما أذنب ذنبا ارتفعت < 1-117 > ( حتى تغشى ) القلب وهي الرين. قال الكلبي: أوبقته ذنوبه، دليله قوله تعالى إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ( 66-يوسف ) أي تهلكوا ( فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) في التوراة، والميثاق العهد الشديد ( لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ ) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ( لا يعبدون ) بالياء وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى "وقولوا للناس حسنا" معناه ألا تعبدوا فلما حذف أن صار الفعل مرفوعا، وقرأ أبي بن كعب: لا تعبدوا إلا الله على النهي ( وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا ) أي ووصيناهم بالوالدين إحسانا، برا بهما وعطفا عليهما ونـزولا عند أمرهما، فيما لا يخالف أمر الله تعالى ( وَذِي الْقُرْبَى ) أي وبذي القرابة والقربى مصدر كالحسنى ( وَالْيَتَامَى ) جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له ( وَالْمَسَاكِينِ ) يعني الفقراء ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) صدقا وحقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموا أمره، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وابن جريج ومقاتل، وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقيل: هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: حسنا بفتح الحاء والسين أي قولا حسنا ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ) أعرضتم عن العهد والميثاق ( إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ ) وذلك أن قوما منهم آمنوا ( وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) كإعراض آبائكم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 01-09-2020, 05:03 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (13)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 84 إلى الاية
88
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي


وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

قوله عز وجل ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ) أي لا تريقون دماءكم أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، وقيل: لا تسفكوا دماء غيركم فتسفك دماؤكم ، فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم، ( وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ) أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره، وقيل: لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم ( ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ) بهذا العهد أنه حق وقبلتم ( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) اليوم على ذلك يا معشر اليهود وتقرون بالقبول.
قوله عز وجل ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ ) يعني: يا هؤلاء، وهؤلاء للتنبيه ( تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ) أي( يقتل ) بعضكم بعضا ( وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ ) بتشديد الظاء أي تتظاهرون < 1-118 > أدغمت التاء في الظاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء فحذفوا تاء التفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله تعالى: وَلا تَعَاوَنُوا معناهما جميعا: تتعاونون، والظهير: العون ( بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المعصية والظلم ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى ) وقرأ حمزة: أسرى ، وهما جمع أسير، ومعناهما واحد ( تُفَادُوهُم ) بالمال وتنقذوهم وقرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي ويعقوب( تفادوهم ) أي تبادلوهم، أراد: مفاداة الأسير بالأسير، وقيل: معنى القراءتين واحد.
ومعنى الآية قال السدي: إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في حرب سمير؟ فيقاتل بنو قريظة وحلفاؤهم وبنو النضير وحلفاؤهم وإذا غلبوا أخربوا ديارهم وأخرجوهم منها، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن كان الأسير من عدوهم، فتعيرهم العرب وتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم فيقولون: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن يستذل حلفاؤنا، فعيرهم الله تعالى بذلك فقال: ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ) وفي الآية تقديم وتأخير ونظمها ( وتخرجون فريقا منكم من 15/أ ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ) ( وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ) وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء.
قال الله تعالى ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) قال مجاهد: يقول إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك ( فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ ) يا معشر اليهود ( إِلا خِزْيٌ ) عذاب وهوان ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فكان خزي قريظة القتل والسبي وخزي النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ) عذاب النار ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ < 1-119 > عما تعملون ) قرأ ابن كثير ونافع( وأبو بكر ) بالياء والباقون بالتاء
قوله عز وجل: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ) استبدلوا ( الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ ) يهون ( عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) يمنعون من عذاب الله عز وجل.

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (88)


( وَلَقَدْ آتَيْنَا ) أعطينا ( مُوسَى الْكِتَابَ ) التوراة، جملة واحدة ( وقفينا ) وأتبعنا ( مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) رسولا بعد رسول ( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ) الدلالات الواضحات وهي ما ذكر الله في سورة آل عمران والمائدة وقيل: أراد الإنجيل ( وَأَيَّدْنَاه ) قويناه ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) قرأ ابن كثير القدس بسكون الدال والآخرون بضمها وهما لغتان مثل الرعب والرعب، واختلفوا في روح القدس، قال الربيع وغيره: أراد بالروح الذي نفخ فيه، والقدس هو الله أضافه إلى نفسه تكريما وتخصيصا نحو بيت الله، وناقة الله، كما قال: فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ( 12-التحريم ) وَرُوحٌ مِنْهُ ( 171-النساء ) وقيل: أراد بالقدس الطهارة، يعني الروح الطاهرة سمى روحه قدسا، لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث، إنما كان أمرا من أمر الله تعالى، قال قتادة والسدي والضحاك: روح القدس جبريل عليه السلام قيل: وصف جبريل بالقدس أي بالطهارة لأنه لم يقترف ذنبا، وقال الحسن: القدس هو الله وروحه جبريل قال الله تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ( 102-النحل ) < 1-120 > وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام أنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى صعد به الله ( إلى السماء ) وقيل: سمي جبريل عليه السلام روحا للطافته ولمكانته من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: روح القدس هو اسم الله تعالى الأعظم به كان يحيي الموتى ويري الناس به العجائب، وقيل: هو الإنجيل جعل له روحا كما ( جعل القرآن روحا لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه سبب لحياة القلوب ) قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ( 52-الشورى ) فلما سمع اليهود ذكر عيسى عليه السلام فقالوا: يا محمد لا مثل عيسى -كما تزعم-عملت، ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا.
قال الله تعالى: ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ ) يا معشر اليهود ( رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ) تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان ( فَفَرِيقًا ) طائفة ( كَذَّبْتُم ) مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ( وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) أي قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيبا وسائر من قتلوه من الأنبياء عليهم السلام
( وَقَالُوا ) يعني اليهود ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) جمع الأغلف وهو الذي عليه غشاء، معناه عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول، قاله مجاهد وقتادة، نظيره قوله تعالى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ( 5-فصلت ) وقرأ ابن عباس غلف بضم اللام وهي قراءة الأعرج وهو جمع غلاف أي قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاء وقال الكلبي: معناه أوعية لكل علم فلا تسمع حديثا إلا تعيه إلا حديثك لا تعقله ولا تعيه ولو كان فيه ( خير ) لوعته وفهمته.
قال الله عز وجل ( بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ) طردهم الله وأبعدهم عن كل خير ( بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ) قال قتادة: معناه لن يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود، أي فقليلا يؤمنون، ونصب قليلا [على الحال وقال معمر: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، أي فقليل يؤمنون ونصب قليلا] بنـزع الخافض، و( ما ) صلة على قولهما، وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا كقول الرجل للآخر: ما أقل ما تفعل كذا أي لا تفعله أصلا .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 01-09-2020, 05:04 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (14)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 89 إلى الاية
93
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي


وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)

( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) يعني القرآن ( مُصَدِّق ) موافق ( لِمَا مَعَهُمْ ) يعني التوراة ( وَكَانُوا ) يعني اليهود ( مِنْ قَبْلُ ) قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ( يَسْتَفْتِحُون ) يستنصرون ( عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) على مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل وعرفوا نعته وصفته ( كَفَرُوا بِهِ ) بغيا وحسدا. ( فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ )
( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) بئس ونعم: فعلان ماضيان وضعا للمدح والذم، لا يتصرفان تصرف الأفعال، معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق. وقيل: الاشتراء هاهنا بمعنى البيع والمعنى بئس ما باعوا به حظ أنفسهم أي حين اختاروا الكفر ( وبذلوا أنفسهم للنار ) ( أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ) يعني القرآن ( بَغْيًا ) أي حسدا وأصل البغي: الفساد ويقال بغى الجرح إذا فسد والبغي: الظلم، وأصله الطلب، والباغي طالب الظلم، والحاسد يظلم المحسود جهده، طلبا لإزالة نعمة الله تعالى عنه ( أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) أي النبوة والكتاب ( عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ أهل مكة والبصرة ينـزل بالتخفيف إلا ( في سبحان الذي ) في موضعين ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ) ( 82-الإسراء ) و حَتَّى تُنَزِّلَ ( 93-الإسراء ) فإن ابن كثير يشددهما، وشدد البصريون في الأنعام عَلَى أَنْ يُنَـزِّلَ آيَةً ( 37-الأنعام ) زاد يعقوب تشديد ( بما ينـزل ) في النحل ووافق حمزة والكسائي في تخفيف ( وينـزل الغيث ) في سورة لقمان وحم عسق، والآخرون يشددون الكل، ولم يختلفوا في تشديد وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ في الحجر( 21 ) ( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ ) أي رجعوا بغضب ( عَلَى غَضَبٍ ) قال ابن عباس ومجاهد: الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال السدي: الأول بعبادة العجل والثاني بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ( وَلِلْكَافِرِين َ ) الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم ( عَذَابٌ مُهِينٌ ) مخز يهانون فيه.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

قوله تعالى ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ) يعني القرآن ( قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا ) يعني التوراة، يكفينا ذلك ( وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ) أي بما سواه من الكتب كقوله عز وجل فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ( 7-المؤمنون ) أي سواه، وقال أبو عبيدة: [بما وراءه] أي: بما سواه من الكتب ( وَهُوَ الْحَقُّ ) يعني القرآن ( مُصَدِّقًا ) نصب على الحال ( لِمَا مَعَهُمْ ) من التوراة ( قُلْ ) يا محمد ( فَلِمَ تَقْتُلُونَ ) أي قتلتم ( أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ) ولم أصله لما فحذفت الألف فرقا بين الجر والاستفهام كقولهم فيم وبم؟ ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بالتوراة، وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء عليهم السلام.

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

قوله عز وجل ( وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ) بالدلالات الواضحة والمعجزات الباهرة ( ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ )
( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ) أي استجيبوا وأطيعوا سميت الطاعة والإجابة سمعا على المجاورة لأنه سبب للطاعة والإجابة ( قَالُوا سَمِعْنَا ) قولك ( وَعَصَيْنَا ) أمرك، وقيل: سمعنا بالأذن وعصينا بالقلوب، قال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوه وتلقوه بالعصيان فنسب ذلك إلى القول اتساعا ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ) أي حب العجل، أي معناه: أدخل في قلوبهم حب العجل وخالطها، كإشراب اللون لشدة الملازمة يقال: فلان مشرب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة، وفي القصص: أن موسى أمر أن يبرد العجل بالمبرد ثم يذره في النهر وأمرهم( بالشرب ) منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه.
قوله عز وجل ( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ ) أن تعبدوا العجل من دون الله أي بئس إيمان يأمركم بعبادة العجل ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بزعمكم، وذلك أنهم قالوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا فكذبهم الله عز


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 01-09-2020, 05:04 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (15)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 94 إلى الاية 101
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94)

قوله تعالى ( قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ ) وذلك أن اليهود ادعوا دعاوى باطلة مثل قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ( 80-البقرة ) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ < 1-123 > نَصَارَى ( 111-البقرة ) وقولهم: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ( 18-المائدة ) فكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمد ( إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ) يعني الجنة عند الله ( خَالِصَة ) أي خاصة ( مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) أي فأريدوه واسألوه لأن من علم أن الجنة مأواه حن إليها ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) في قولكم، وقيل: فتمنوا الموت أي ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة. وروي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات" .
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُ مْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

قال الله تعالى: ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) لعلمهم أنهم في دعواهم كاذبون وأراد ( بما قدمت أيديهم ) أي ما قدموه من الأعمال وأضافها إلى اليد [دون سائر الأعضاء] لأن أكثر جنايات الإنسان تكون باليد فأضيف إلى اليد أعماله وإن لم يكن لليد فيها عمل ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ )
( وَلَتَجِدَنَّهُ مْ ) اللام لام القسم والنون تأكيد للقسم، تقديره: والله لتجدنهم يا محمد يعني اليهود ( أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) قيل: هو متصل بالأول، وأحرص من الذين أشركوا، وقيل: تم الكلام بقوله ( على حياة ) ثم ابتدأ ( من الذين أشركوا ) وأراد بالذين أشركوا المجوس قاله أبو العالية والربيع سموا مشركين لأنهم يقولون بالنور والظلمة.
( يَوَد ) يريد ويتمنى ( أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) يعني تعمير ألف سنة وهي تحية المجوس فيما بينهم يقولون عش ألف سنة وكل ألف نيروز ومهرجان، يقول الله تعالى: اليهود أحرص على الحياة من المجوس الذين يقولون ذلك ( وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ ) مباعده ( مِنَ الْعَذَابِ ) النار ( أَنْ يُعَمَّرَ ) أي طول عمره لا ينقذه. [زحزحه وتزحزح] من العذاب أو وزحزح: لازم ومتعد، ويقال زحزحته فتزحزح ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) < 1-124 >
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ (99)

قوله عز وجل: ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن حبرا من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أي ملك ( نـزل ) من السماء؟ قال ( جبريل ) قال: ذلك عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لآمنا بك، إن جبريل ينـزل العذاب والقتال والشدة وإنه عادانا مرارا وكان من أشد ذلك علينا، [ أن الله تعالى أنـزل على نبينا] أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له بختنصر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل في طلبه لقتله فانطلق حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وكبر بختنصر وقوي وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدوا فأنـزل الله تعالى هذه الآية .
وقال مقاتل: قالت اليهود: إن جبريل عدونا لأنه أمر بجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، وقال قتادة وعكرمة والسدي: كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة وممرها على مدارس اليهود فكان إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم( كلاما ) فقالوا له: ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، إنهم يمرون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا وإنا لنطمع فيك فقال عمر: والله ما آتيكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم [وأنتم تكتمونها] فقالوا: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ قال: جبريل فقالوا: ذلك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل عذاب وخسف وسنة وشدة، وإن ميكائيل إذا جاء جاء بالخصب والمغنم فقال لهم عمر: تعرفون جبريل وتنكرون محمدا؟ قالوا: نعم قال: فأخبروني عن منـزلة جبريل وميكائيل من < 1-125 > الله عز وجل؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره قال عمر: فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدوا لميكائيل فإنه عدو لجبريل، ومن كان عدوا لهما كان الله عدوا له، ثم رجع عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال "لقد وافقك ربك يا عمر" فقال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك، في دين الله أصلب من الحجر .
قال الله تعالى ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ ) يعني: جبريل ( نـزلَه ) يعني: القرآن، كناية عن غير مذكور ( عَلَى قَلْبِكَ ) يا محمد ( بِإِذْنِ اللَّهِ ) بأمر الله ( مُصَدِّقًا ) موافقا ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) لما قبله من الكتب ( وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ )
قوله عز وجل: ( مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ) خصهما بالذكر من جملة الملائكة مع دخولهما في قوله ( وَمَلائِكَتِه ) تفضيلا وتخصيصا، كقوله تعالى فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( 68-الرحمن ) خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في ذكر الفاكهة، والواو فيهما بمعنى: أو، يعني من كان عدوا لأحد هؤلاء فإنه عدو للكل، لأن الكافر بالواحد كافر بالكل ( فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ) قال عكرمة: جبر وميك وإسراف هي العبد بالسريانية، وايل هو الله تعالى ومعناهما عبد الله وعبد الرحمن. وقرأ ابن كثير جبريل بفتح الجيم غير مهموز بوزن فعليل قال حسان:
وجـبـريل رسـول اللــه فينــا

وروح القـدس ليس لــه كفــاء

وقرأ حمزة والكسائي بالهمز والإشباع بوزن سلسبيل، وقرأ أبو بكر بالاختلاس، وقرأ الآخرون بكسر الجيم غير مهموز، وميكائيل قرأ أبو عمرو ويعقوب وحفص ميكال بغير همز قال جرير:
عبـدوا الصليـب وكـذبـوا بمحـمد

وبجـبرائيـل وكــذبــوا ميكالا

وقال آخر:
ويــوم بــدر لقينــاكم لنـا مـدد

فيـه مع النصر جبريل وميكال

وقرأ نافع: بالهمزة والاختلاس، بوزن ميفاعل، وقرأ الآخرون: بالهمز والإشباع بوزن ميكائيل، وقال ابن صوريا: ما جئتنا بشيء نعرفه، فأنـزل الله تعالى
( وَلَقَدْ أَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) واضحات < 1-126 > مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام ( وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ ) الخارجون عن أمر الله عز وجل.

أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101)

قوله تعالى ( أَوَكُلَّمَا ) واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام ( عَاهَدُوا عَهْدًا ) يعني اليهود عاهدوا لئن خرج محمد ليؤمنن به، فلما خرج كفروا به.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ الله عليهم( من الميثاق ) وعهد إليهم في محمد أن يؤمنوا، به قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد، فأنـزل الله تعالى هذه الآية يدل عليه قراءة أبي رجاء العطاردي "أو كلما عاهدوا" فجعلهم مفعولين، وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود أن لا يعاونوا المشركين على قتاله فنقضوها كفعل بني قريظة والنضير دليله قوله تعالى الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ ( 56-الأنفال )، ( نَبَذَه ) طرحه ونقضه ( فَرِيقٌ ) طوائف ( مِنْهُم ) اليهود ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )

( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) يعني محمدا ( مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ) يعني التوراة وقيل: القرآن ( كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) قال الشعبي: كانوا يقرءون التوراة ولا يعملون بها، وقال سفيان بن عيينة: أدرجوها في الحرير والديباج وحلوها بالذهب والفضة ولم يعملوا بها فذلك نبذهم لها .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 01-09-2020, 05:05 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (16)
- تفسير البغوى
سورة البقرة
الاية 102 إلى الاية 103
أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي


( واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ( 102 ) ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ( 103 ) )

( ولما جاءهم رسول من عند الله ) يعني
محمدا ( مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم ) يعني التوراة وقيل : القرآن ( كأنهم لا يعلمون ) قال الشعبي : كانوا يقرءون التوراة ولا يعملون بها ، وقال سفيان بن عيينة : أدرجوها في الحرير والديباج وحلوها بالذهب والفضة ولم يعملوا بها فذلك نبذهم لها

قوله تعالى : ( واتبعوا ) يعني
اليهود ( ما تتلو الشياطين ) أي : ما تلت ، والعرب تضع المستقبل موضع الماضي ، والماضي موضع المستقبل ، وقيل : ما كنت تتلو أي تقرأ ، قال ابن عباس رضي الله عنه : تتبع وتعمل به ، وقال عطاء تحدث وتكلم به ( على ملك سليمان ) أي : في ملكه وعهده .

وقصة الآية أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات على لسان
آصف بن برخيا هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك ، ثم دفنوها تحت مصلاه حتى نزع الله الملك عنه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوها وقالوا للناس : إنما ملكهم سليمان بها فتعلموه فأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا : معاذ الله أن يكون هذا من علم الله وأما السفلة ، فقالوا : هذا علم سليمان ، وأقبلوا على تعلمه ، ورفضوا كتب أنبيائهم ، وفشت الملامة على سليمان فلم يزل هذا حالهم وفعلهم حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه براءة سليمان ، هذا قول الكلبي .

وقال السدي : كانت الشياطين تصعد إلى السماء ، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره ، فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها [ فكتب ذلك ] وفشا في
بني إسرائيل أن الجن يعلمون الغيب ، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنه تحت كرسيه وقال : لا أسمع أحدا يقول إن الشيطان يعلم الغيب إلا ضربت عنقه ، فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنة الكتب ، وخلف من بعدهم خلف ، تمثل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفرا من بني إسرائيل فقال : هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا قالوا : نعم فذهب معهم فأراهم المكان الذي تحت كرسيه ، فحفروا فأقام ناحية فقالوا له : ادن وقال : لا أحضر ، فإن لم تجدوه فاقتلوني ، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق ، فحفروا وأخرجوا تلك الكتب ، فقال الشيطان لعنه الله : إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا ، ثم طار الشيطان عنهم ، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا ، وأخذوا تلك الكتب ( واستعملوها ) فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برأ الله تعالى سليمان من ذلك ، وأنزل في عذر سليمان : ( وما كفر سليمان ) بالسحر ، وقيل : لم يكن سليمان كافرا بالسحر ويعمل به ( ولكن الشياطين كفروا ) قرأ ابن عباس رضي الله عنه والكسائي وحمزة ، " لكن " خفيفة النون " والشياطين " رفع ، وقرأ الآخرون ولكن مشددة النون " والشياطين " نصب وكذلك " ولكن الله قتلهم " ( 17 - الأنفال ) ومعنى لكن : نفي الخبر الماضي وإثبات المستقبل .

( يعلمون الناس ) قيل : معنى السحر العلم والحذق بالشيء قال الله تعالى " وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك ( 49 - الزخرف ) أي العالم ، والصحيح : أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل ، والسحر وجوده حقيقة عند
أهل السنة ، وعليه أكثر الأمم ، ولكن العمل به كفر ، حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال : السحر يخيل ويمرض وقد يقتل ، حتى أوجب القصاص على من قتل به فهو من عمل الشيطان ، يتلقاه الساحر منه بتعليمه إياه ، فإذا تلقاه منه استعمله في غيره ، وقيل : إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار ويجعل الحمار على صورة الكلب ، والأصح أن ذلك تخييل قال الله تعالى : " يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ( 66 - طه ) لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون ، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يحم منه ، وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في الأبدان .

قوله عز وجل ( وما أنزل على الملكين ببابل ) أي ويعلمون الذي أنزل على الملكين [ أي إلهاما وعلما ، فالإنزال بمعنى الإلهام والتعليم ، وقيل : واتبعوا ما أنزل على الملكين ] وقرأ
ابن عباس والحسن الملكين بكسر اللام ، وقال ابن عباس : هما رجلان ساحران كانا ببابل ، وقال الحسن : علجان ؛ لأن الملائكة لا يعلمون السحر .

وبابل هي بابل العراق سميت بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها ، قال ابن مسعود : بابل أرض الكوفة ، وقيل جبل دماوند ، والقراءة المعروفة على الملكين بالفتح . فإن قيل كيف يجوز تعليم السحر من الملائكة ؟ قيل : له تأويلان : أحدهما ، أنهما لا يتعمدان التعليم لكن يصفان السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه ، والتعليم بمعنى الإعلام ، فالشقي يترك نصيحتهما ويتعلم السحر من صنعتهما .

والتأويل الثاني : وهو الأصح : أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقي يتعلم السحر منهما ويأخذه عنهما ويعمل به فيكفر به ، ومن سعد يتركه فيبقى على الإيمان ، ويزداد المعلمان بالتعليم عذابا ، ففيه ابتلاء للمعلم [ والمتعلم ] ولله أن يمتحن عباده بما شاء ، فله الأمر والحكم .

قوله عز وجل ( هاروت وماروت ) اسمان سريانيان وهما في محل الخفض على تفسير الملكين إلا أنهما نصبا لعجمتهما ومعرفتهما ، وكانت قصتهما على ما ذكر
ابن عباس والمفسرون أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام فعيروهم وقالوا : هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض خليفة واخترتهم فهم يعصونك فقال الله تعالى : لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا فقالوا : سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك قال لهم الله تعالى : فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض ، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم ، وقال الكلبي : قال الله تعالى لهم : اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت - غير اسمهما لما قارفا الذنب - وعزائيل ، فركب الله فيهم الشهوة وأهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر ، فأما عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقبل ربه وسأله أن يرفعه إلى السماء ، فأقاله فسجد أربعين سنة لم يرفع رأسه ، ولم يزل بعد مطأطئا رأسه حياء من الله تعالى .

وأما الآخران : فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يقضيان بين الناس يومهما ، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء ، قال
قتادة : فما مر عليهما شهر حتى افتتنا . قالوا جميعا إنه اختصمت إليهما ذات يوم الزهرة وكانت من أجمل النساء ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : وكانت من أهل فارس وكانت ملكة في بلدها فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت : لا إلا أن تعبدا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر فقالا لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها ، فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر ، وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا : الصلاة لغير الله عظيم ، وقتل النفس عظيم ، وأهون الثلاثة شرب الخمر ، فشربا الخمر فانتشيا ووقعا بالمرأة ، فزنيا فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه ، قال الربيع بن أنس وسجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكبا - وقال بعضهم : جاءتهما امرأة من أحسن الناس تخاصم زوجها فقال أحدهما للآخر : هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي ( من حب هذه ) ؟ قال : نعم فقال : وهل لك أن تقضي لها على زوجها بما تقول ؟ فقال له صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب ؟ فقال له صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فسألاها نفسها ، فقالت : لا إلا أن تقتلاه فقال أحدهما : أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب ؟ فقال صاحبه : أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فقتلاه ثم سألاها نفسها ، فقالت : لا إن لي صنما أعبده ، إن أنتما صليتما معي له : فعلت ، فقال : أحدهما لصاحبه مثل القول الأول فقال صاحبه مثله ، فصليا معها له فمسخت شهابا .

قال
ابن أبي طالب رضي الله عنه والكلبي والسدي : إنها قالت لهما حين سألاها نفسها : لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء فقالا باسم الله الأكبر ، قالت : فما أنتم تدركاني حتى تعلمانيه ، فقال أحدهما لصاحبه : علمها فقال : إني أخاف الله رب العالمين ، قال الآخر : فأين رحمة الله تعالى ؟ فعلماها ذلك فتكلمت ، فصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا ، فذهب بعضهم إلى أنها الزهرة بعينها وأنكر الآخرون هذا وقالوا : إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي أقسم الله بها فقال " فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس " ( 15 - التكوير ) والتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى الزهرة لجمالها فلما بغت مسخها الله تعالى شهابا ، قالوا : فلما أمسى هاروت وماروت بعدما قارفا الذنب هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما ، فعلما ما حل بهما ( من الغضب ) فقصدا إدريس النبي عليه السلام ، فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عز وجل وقالا له : إنا رأيناك يصعد لك من العبادات مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاستشفع لنا إلى ربك ففعل ذلك إدريس عليه السلام فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع فهما ببابل يعذبان .

واختلفوا في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن مسعود : هما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة ، وقال
عطاء بن أبي رباح : رءوسهما مصوبة تحت أجنحتهما ، وقال قتادة ( كبلا ) من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما ، وقال مجاهد : جعلا في جب ملئت نارا ، وقال عمر بن سعد : منكوسان يضربان بسياط من الحديد .

وروي أن رجلا قصد
هاروت وماروت لتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما ، مزرقة أعينهما ، مسودة جلودهما ، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا أربع أصابع وهما يعذبان بالعطش ، فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال : لا إله إلا الله ، فلما سمعا كلامه قالا له : من أنت ؟ قال : رجل من الناس ، قالا من أي أمة أنت ؟ قال : من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قالا أوقد بعث محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، قالا : الحمد لله ، وأظهر الاستبشار فقال الرجل : ومم استبشاركما ؟ قالا إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا .

قوله تعالى : ( وما يعلمان من أحد ) أي أحدا ، و " من " صلة ( حتى ) ينصحاه أولا و ( يقولا إنما نحن فتنة ) ابتلاء ومحنة ( فلا تكفر ) أي لا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر ، وأصل الفتنة : الاختبار والامتحان ، من قولهم : فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار ، ليتميز الجيد من الرديء وإنما وحد الفتنة وهما اثنان ؛ لأن الفتنة مصدر ، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ، وقيل : إنهما يقولان " إنما نحن فتنة فلا تكفر " سبع مرات .

قال
عطاء والسدي : فإن أبى إلا التعلم قالا له : ائت هذا الرماد ( وأقبل عليه ) فيخرج منه نور ساطع في السماء فذلك نور المعرفة ، وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى ، قال مجاهد : إن هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة اختلافة واحدة ، ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) أن ( يؤخذ ) كل واحد عن صاحبه ، ويبغض كل واحد إلى صاحبه قال الله تعالى : ( وما هم ) قيل أي السحرة وقيل : الشياطين ( بضارين به ) أي بالسحر ( من أحد ) أي أحدا ، ( إلا بإذن الله ) أي : بعلمه وتكوينه ، فالساحر يسحر والله يكون .

قال سفيان الثوري : معناه إلا بقضائه وقدرته ومشيئته ، ( ويتعلمون ما يضرهم ) يعني : أن السحر يضرهم ( ولا ينفعهم ولقد علموا ) يعني اليهود ( لمن اشتراه ) أي اختار السحر ( ما له في الآخرة من خلاق ) أي في الجنة من نصيب ( ولبئس ما شروا به ) باعوا به ( أنفسهم ) حظ أنفسهم ، حيث اختارواالسحر والكفر على الدين والحق ( لو كانوا يعلمون ) فإن قيل : أليس قد قال ولقد علموا لمن اشتراه فما معنى قوله تعالى " لو كانوا يعلمون " بعدما أخبر أنهم علموا قيل : أراد بقوله " ولقد علموا " يعني الشياطين . وقوله " لو كانوا يعلمون " يعني
اليهود وقيل : كلاهما في اليهود يعني : لكنهم لما لم يعلموا بما علموا فكأنهم لم يعلموا

( ولو أنهم آمنوا )
بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ( واتقوا ) اليهودية والسحر ( لمثوبة من عند الله خير ) لكان ثواب الله إياهم خيرا لهم ( لو كانوا يعلمون ) .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 269.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 263.49 كيلو بايت... تم توفير 6.02 كيلو بايت...بمعدل (2.23%)]