تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 34 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3147 - عددالزوار : 425278 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2573 - عددالزوار : 188310 )           »          أخطاء يقع فيها بعض الصائمين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          فرصة لا تعوض (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          ثلاثون درسا للإسرة المسلمة خلال شهر رمضان المبارك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 106 )           »          إرشادات طبية للمحافظة على صحتك فى رمضان __ معكم يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 74 )           »          هو وهي.. من ملفات الواتس أب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          القيم الإنسانية والقيم الشخصية في أناشيد الأطفال (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          حداء النواعير في مسامع الشعراء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          مثل النبات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #331  
قديم 27-11-2020, 05:45 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

هلاك الصالح والطالح إذا كثر الخبث
صاح أبو القاسم صلى الله عليه وسلم في عشية من العشايا لغبار وغيم وسحاب وعواصف ويقول: ( ويل للعرب من شر قد اقترب، فتقول أم المؤمنين: أنهلك وفينا الصالحون يا رسول الله؟! فيقول صلى الله عليه وسلم: نعم، إذا كثر الخبث )، نعم نهلك وبيننا الصالحون إذا كثر الخبث، وهذا حديث صحيح، وقد وضع القواعد التي لا تنخرم على مدى الحياة، والخبث هو الغش، الخداع، الكذب، النفاق، الزنا، اللواط.. ماذا أقول؟ أي شيء هو خبث. ومع الأسف عرف هذا خصومنا، عرف هذا أعداؤنا، عرف هذا اليهود والنصارى، فعملوا على نشر الخبث في العالم الإسلامي، فخمَّت ديار العالم الإسلامي بالخبث، وندر الطهر فيها والصفاء، وهي تتأهل للفتنة العامة، والضربة الربانية، وهذا البلد الأمين، وهذه البقعة الطاهرة، تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يحكمون شرع الله، فتضايق الأعداء، وتململوا، وتحرجوا، كيف يصنعون؟ كيف يعملون؟ فعرفوا، ومددنا أعناقنا فهبطنا! من يوم ما أصبحت العاهرات تغني في بيوتنا عرفنا الطريق إلى الهاوية! هذا بيت مسلم تدخله فتجد رجلاً وامرأة ومعهم البنون والبنات وعاهرة تغني على شاشة الفيديو والتلفاز! أهذا البيت يُحتضن بالطهر؟! والله ما احتضنه الطهر.والعجيب-كما ذكرنا-أنك تجد هذا في مدينة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقد قلنا هذا وبكينا، فتمر بأسواق المدينة فتجد دكاناً من أعلاه إلى أسفله يحتوي على أشرطة أغاني، بل حول مسجد رسول الله قبل أن تهدم هذه المباني، كان هناك دكان يسمى بالديكور أو بالبلكور، من أعلاه إلى أسفله يحتوي على أشرطة أغاني، من يشتريها؟! من يغني في بيته؟ آلله أمر بهذا؟! لا والله، وهل الرسول سمح بهذا وهو الذي يقول: ( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ) ويغضب ويتجلى الغضب في وجه الطاهر، فتعرف ذلك أم المؤمنين وتقول: أتوب إلى الله ورسوله، ويقول: ( أزيلي عني قرامَك يا عائشة )، وهي خرقة من الصوف فيها صورة منسوجة بالصوف على نافذة تُسْتُر بها بعض حاجتها. والآن خمَّت البلاد من الزنا والعهر والجرائم، ولولا هذه الدويلة-التي نسأل الله أن نموت ولا تموت-وهذا الظل والله لرأيتم -إن عشتم- العجب العجاب، مُسخت القلوب، انطفأ نور الإيمان، ونحن تائهون في متاهات لا ندري ما مصيرنا؟! فهيا نتب. كيف يتصور هذا في مدينة الرسول؟! في بلد الإسلام وشرعه ينتشر هذا الخبث بين الناس؟! جاءني إلى البيت مؤمن يبكي ويقول: أشاهد الرجال يدخلون على بيت جاري! ماذا أصنع؟ قلت له: علِّمه، انصحه، ابعث زوجتك لتنصح زوجته. وآخر يقول: كذا وكذا. وواحدة تقول: زوجي يعرف إحدى عشرة امرأة! ما هذا الخبث؟! كيف انتشر؟! بالسحر؟! والله ما له من أسباب سوى أننا فتحنا أبوابنا وقلوبنا للشياطين، والأغاني والمزامير والطبول، وما إلى ذلك وشيئاً فشيئاً حتى قست القلوب وماتت لدى أكثرنا، وسوف نذوق الألم والمرارة إن طالت الحياة بنا.

العلم النافع طريق إلى معرفة الله تعالى
هذا الله عز وجل يأمرنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] فهيا بنا نعمل على أن نتقي الله، قولوا للناس: اتقوا الله، وأولاً: عرفوهم بالله حتى يعرفوا عظمته، سلطانه، قدرته، وجوده، رحمته، ملكوته، ثم عرفوهم بمحابه، علموهم ما يحب ربهم وما يكره، وعلموهم كيف يفعلون المحبوب، وكيف يقدمونه له تملقاً وتزلفاً ليرضى ويحب، ولا يعذب ولا يشقي.عدنا من حيث بدأنا، ووالله ما هناك حيلة، لو يخرج عمر ما استطاع إلا من طريق: هيا يجب أن نتعلم.كيف نتعلم؟ المدارس والجامعات والكليات موجودة، فماذا تريد من هذا العلم؟ أين يُذهب بعقلك؟! قلنا: أين آثار تلك المدارس والجامعات والكليات؟! أين آثارها في مظاهر الحياة.. في العز والكرامة.. في الصدق والوفاء.. في الطهر والصفاء.. في المودة والرحمة والإخاء.. في الرغبة في الملكوت الأعلى؟! أين آثار ذلك؟! إن وجودها أصبح كعدمها؛ لأن العدو الذي رسم ووضع الخطط، وضع طلب العلم للوظيفة فقط، وأتحداكم أن تأتوا لي برجل -واسمحوا لي إن شئتم أو ادعوا علي- يقول لولده: يا ولدي! تعلم كيف تعرف ربك، تعلم كيف تعبد مولاك، تعلم كيف تحصل على رضاه، بل لا نجد إلا: تعلم لتكون كذا وكذا.. تعلم لتصبح كذا وكذا.. وهذا كان مع الذكور، والآن والله مع الإناث أيضاً، تعلمي لتكوني كذا وكذا.. فكيف نرتفع وقد لصقنا لصوقاً كاملاً بالأرض؟!

الطريق إلى رفعة هذه الأمة
بحت حلوقنا ونحن نردد هذه الكلمة، وملها الغافلون أيضاً، فأصبحوا لا يريدون سماعها: الطريق -إن أردنا أن نتعلم العلم الذي يرفعنا إلى الملكوت الأعلى، هو: أن يجتمع نساؤنا ورجالنا في بيوت ربنا، هذا الاجتماع على هذه الصورة في بيوت ربنا المتواجدة في كل حي وفي كل مكان من مدننا، نساؤنا وراء الستار، وأبناؤنا دونهن، وفحولنا -كأنتم- في الأمام، والمربين بين أيديهم، وفي ليلة يحفظون آية من كتاب الله، وليلة أخرى يحفظون حديثاً من أحاديث رسول الله، فيحفظون ويفهمون، وكلهم عزم وصدق في أن يعملوا بما علموا، فيعودون والأنوار تغمر قلوبهم وجوارحهم، وذلك كل ليلة وطول العام وعلى مدى حياتنا، ووالله الذي لا إله إلا الله غيره -ولا تقولوا: لمَ يحلف الشيخ كثيراً؟ أما ينتقد الناس الحلف؟ والجواب: الله يحلف، ورسول الله يحلف، إذ إن الحلف حتى يُقبل الخبر ويصدق، وهذا شأن الإنسان، إذا لم تحلف له لا تطمئن نفسه- لا يمكن لأهل بلد في العالم الإسلامي أن يعودوا إلى الطهر والصفاء، والولاء والمودة ولإخاء، إلا إذا سلكوا هذا المسلك الذي سلكه رسول الله والمؤمنون، فإذا دقت الساعة السادسة مساءً وقف العمل، ولم يبق مقهى ولا مطعماً ولا دكاناً ولا متجراً ولا.. ولا..إلا أُغلق؛ لأن كل أهل المدينة أو القرية قد تطهروا، وحملوا نساءهم وأطفالهم إلى بيت ربهم، يستمطرون رحماته، ويطلبون آلاءه وإنعامه وإحسانه إليهم، ويتعلمون الهدى، وعند ذلك والله ما تمضي سنة وما في القرية جاهل وجاهلة بربها، وإذا زال الجهل وحل محله العلم فلا تسأل عن الطهر كيف ينشر؟! وعن الولاء والمودة ولإخاء كيف يتم؟! فكل مظهر من مظاهر الباطل والسوء اختبأ، وإن شذ شاذ فالشاذ لا حكم له.وإن قالوا: نحن لا نستطيع على ذلك! قلنا لهم: كيف لا تستطيعون وأنتم تقتدون بالنصارى، وتعتزون بسلوكهم وبنظامهم وبديمقراطيتهم وبحضارتهم، وهم إذا دقت الساعة السادسة أوقفوا العمل، ولبسوا أحسن ثيابهم، وأخذوا نساءهم وأطفالهم إلى دور السينما، إلى المراقص، إلى المقاصف، إلى الملاهي، إلى الملاعب، حتى نصف الليل أو ثلث الليل؟! استطاعوا هذا ونحن الذين نريد أن نسود الدنيا، ونقود البشرية لا نضحي بساعة ونصف! ونحن الذين نريد أن نخترق السبع الطباق، وأن ننزل بالملكوت الأعلى في الفراديس العلى؟! هذه المسافة كيف نجتازها؟ كيف نصل إليها؟ نشح بساعة ونصف نتعلم فيها هدى الله؟ أين يُذهب بعقولنا لو كنا عاقلين؟ لمَ العلماء لا يرددون هذا الكلام؟ هل أنهم لم يفهموه؟ لا، بل هو مكتوب علينا. جاء في سورة الأعراف قول الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ [الأعراف:175]، من يأمر؟ الله، ومن المأمور؟ رسول الله، ومن المقروء والمتلو عليهم؟ نحن. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ [الأعراف:175]، كيف ينسلخ منها؟ هل كان يلبسها كالثوب؟! تعرفون الثعبان يا أهل الصحراء ينسلخ من ثوبه ويترك الأبيض نظيفاً، ويذهب هو أسوداً، فالآيات هي كتاب الله وسنة رسوله، والانسلاخ منها: وضعها على الرفوف، وعدم قراءتها ودراستها والعمل بها والتفقه بما فيها. فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [الأعراف:175] أي: أدركه، كان الشيطان خائفاً يوسوس من بعيد، ما يقوى على أن يصل إلى هذا القلب المعمور بالنور، فلما زالت الحصانة وانتهت المناعة -إذ كانت في كتاب الله وهدي رسوله-أصبح ذاك الإنسان أهْلاً لأن يركبه الشيطان، فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [الأعراف:175] والغاوي من الغي، أي: الوساخة، الكذب، الزنا، الربا، اللواط، الغش، الخداع، خلف الوعد، الكره، البغض، فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [الأعراف:175]؛ لأن الشيطان هو الذي يغمسه في هذه الأغياء، فيعلمه الخيانة والكذب والفجور والباطل والشرك وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:176] لمَ هذه الآية ما يقرؤها العرب والمسلمون؟! هل لأنها لا تُقرأ إلا على الموتى أم أنها طويلة؟! وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ [الأعراف:176] بماذا؟ بِهَا [الأعراف:176]، أي: بالآيات، فهل هناك رافعة لأمة العرب من هبوطها وسقوطها غير آيات الله؟ والله لا رافعة لهم، فقد جربوا الاشتراكية وقالوا: اشتراكيتنا نوالي من يواليها، ونعادي من يعاديها، فتمزقوا وتمنطقوا أكثر من أربعين سنة، وبعد أين وصلوا؟! كذلك الجمهورية، أين آثار الجمهوريات؟ أصبحت نيراناً أحرقت من فيها، والآن يطالبون بالديمقراطية والعدالة! وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:176] ما هي الرافعة؟ آيات الله، هل سبق أن رفعت أو لا؟ نعم، سبق أن رفعت أمة العرب حتى أصبحت مضرب المثل في كمال البشرية، فقد كانت أمة جاهلة لاصقة بالأرض وثنية تعبد الأوثان، فرفعتها خلال خمسة وعشرين سنة فقط. وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ [الأعراف:176]، هذا هو الواقع، فأبناؤنا وبناتنا تعلموا لأجل الوظيفة والخبز، كل شيء للخبز. وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف:176] لا عقله ولا هدى الله له.إذاً: ماذا حصل؟ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف:176]، لو كنا لا نحفظ القرآن لقلنا: كيف أن القرآن فيه هذه الكلمة؟! فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف:176] من هذا؟ الذي انسلخ من آيات الله ومشى في ظلمة الحياة، فاستولت عليه الشياطين فأغوته وحطمت كرامته، وأصبح في هذه الوضعية كالكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176] بالتجربة، إن جريت وراء الكلب والعصا بيدك لهث وأخرج لسانه، وإن تركته تحت الشجرة والظل والماء بين يديه والله يلهث -شاهدناهم- فوالله لن ينتهي لهث العرب والمسلمين إلا إذا عادوا إلى الرافعة، لا فلسفة ولا باطل ولا.. ولا.. وإنما قال الله وقال رسوله، إيمان صادق، وقلب متفتح يريد الملكوت الأعلى.قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [آل عمران:102] لو كنا صادقين لقلنا: يا رب! كيف نتقيك؟ علمنا، دلنا. يقول: عليكم بعلمائكم يعلمونكم كيف تتقون الله، وإن شاء الله غداً نتعلم كيف نتقي الله تعالى.والله أسأل أن يتوفنا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #332  
قديم 27-11-2020, 05:45 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (38)
الحلقة (179)

تفسير سورة آل عمران (43)


ولاية الله عز وجل هي أمل كل عبد من عباده، ومنتهى مطلب كل من على ظهر هذه البسيطة، وهذه الولاية لا تتحقق لكل أحد، ولا يدركها كل من تمناها، فقد اشترط الله على من أراد نيل ولايته أن يتقيد بعدة صفات، ويحقق عدداً من الخصال؛ ومن هذه الخصال أن يلتزم العبد تقوى الله عز وجل، وأن يلتزم جماعة المسلمين القائمين بأمر الله، وغير ذلك من الصفات.

تابع تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذالكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) اللهم حقق لنا طلبنا، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وها نحن مع سورة آل عمران عليهم السلام، ومع هذا النداء الإلهي الكريم، وتلاوته بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:102-103]. ‏

سر مناداة الله تعالى لعباده بوصف الإيمان
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! عرفنا فيما مضى أن هذا النداء يحمل ما يلي:أولاً: الأمر بتقوى الله عز وجل، فهيا نطع ربنا، أما نادانا بعنوان الإيمان لأننا مؤمنون فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران:102]؟ فقلنا: لبيك اللهم لبيك، مر نفعل، انه نجتنب، بشر نفرح، أنذر نخاف ونحذر، علم نتعلم، كلنا استعداد، وذلك لأننا أحياء، ولأن الإيمان روح وصاحبه حي، والحي يسمع ويأمر وينهى، ويمتثل ويترك لكامل حياته.

معنى قوله تعالى: (اتقوا الله)
قوله: اتَّقُوا اللَّهَ [آل عمران:102] ما معنى: أمره لنا بتقواه؟ أي: أن نتقي غضبه وسخطه وعذابه، وقل: اتقوا الله: خافوه، ارهبوه، اخشوه، ولازم ذلك أن تطيعوه.إذاً مرة أخرى: نتقي الله بطاعته فيما أمر، وفيما نهى عنه وزجر، إذ لا يمكن لآدمي أو جني أن يتقي عذاب الله وسخطه بدون طاعته عز وجل، فأطيعوه بفعل ما أمركم بفعله، وترك ما نهاكم عن تركه، والمأمور والمنهي يدور على أعمال القلوب والألسن والجوارح.إذا أمر الله بمعتقد -سواء استطعنا إدراكه وفهمه أو عجزنا لضعفنا- أمرنا أن نؤمن به، كأن يُخبرنا بأنه تعالى فوق عرشه، بائن من خلقه، وكأن يُخبرنا رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة وينادي: ( هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فأغفر له، هل من سائل فأعطيه )، فنقول: آمنا بالله، ولا نقول:كيف ينزل؟! بل آمنا فقط، وذلك لعجزك يا ابن آدم، ولضعفك، ولعدم قدرتك على ذلك، إذ إننا قد عرفنا أن طاقاتنا محدودة، فالطاقة البدنية صاحبها يستطيع أن يحمل كيساً من الدقيق، وقد يعجز عنه آخر، كذلك الطاقة البصرية قد تبصر إلى مدى ستة أميال عشرة أميال، ثم يعجز بصرك فلا تستطيع أن ترى، أيضاً طاقة سمعك، فقد تسمع صوتاً ينادي من ثلاثة أميال من عشرين ميلاً، ثم تعجز فلا تستطيع أن تسمع، فكذلك عقلك يدرك في حدود محدودة، ولا يستطيع أن يدرك كل شيء، فإذا أمرنا الله تعالى بعقيدة فيجب أن نعتقدها ونعقدها في قلوبنا، سواء قدرنا على فهمها أو عجزنا، والمثال الذي ذكرته لكم واضح، فإذا كان الله ينزل إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر وينادي، فلا نقول: كيف؟! فالله أخبرنا، ورسوله يقول: ( إن الله ينصب وجهه لعبده في صلاته ) فإذا قلت: الله أكبر ودخلت في الصلاة، فالرحمن جل جلاله ينصب وجهه لك، وهو معك، فلا تقل: كيف؟! فهو يعلم السر وأخفى، يعلم نبضات العروق وتدفق الدم فيها، لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [آل عمران:5]، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:137]، أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: ( كان الله ولم يكن شيء قبله ) آمنا بالله.كذلك إذا أمرنا أن نقول قولاً فيجب أن نطيعه ونقول، ولو كان ذلك القول يتنافى مع أغراضنا، مع شهواتنا، مع أطماعنا، مع متطلبات حياتنا، قد أمر الله فأطعه، واتق عذابه بطاعته، فإذا نهانا عن قول أو عمل ينبغي أن ننتهي، إذ تقوى الله عز وجل تكون بالخوف والرهبة منه، والخوف والرهبة يحملان العبد على الطاعة، فالخائف يطيع، والذي لا يخاف ما يطيع.

الإيمان والتقوى طريق تحقيق الولاية لله
وأذكركم بشأن التقوى، فهي الخطوة الثانية في تحقيق ولاية الله عز وجل، فمن أراد أن يصبح ولياً لله، أو يمسي من أولياء الله، فعليه بالإيمان والتقوى، فالذين لا يتقون الله لا يصبحون أولياء الله أبداً، وهذا أمر مفروغٍ منه، وذلكم لما حفظتم وعلمتم من قول الله عز وجل: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، فإذا رأيت العبد لا يخاف من غير الله، ولا يحزن لموت امرأة ولا ولد، ولا لفوات مال، فاعلم أنه ولي الله، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] لا في الدنيا، ولا في البرزخ -أي: في الحياة بين الحياتين- ولا يوم القيامة، منفي عنهم الخوف والحزن، لكن أعداء الله هم محط الخوف والحزن في الدنيا والبرزخ ويوم القيامة أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. كأن سائلاً يقول: من هم أولياؤك يا رب الذين قلت فيهم: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]؟ قد يقول لك العوام: سيدي عبد القادر، مولاي إدريس ، سيدي العيدروس! فهم لا يعرفون أولياء لله بين الناس أبداً، وإنما يعرفون أولياء الله الذين ماتوا وبنيت على قبورهم القباب، ووضعت عليها الستائر الحرير، وأنيرت قبورهم بالمصابيح، أولئك أولياء الله عندهم! أما أولياء الله الأحياء في الأسواق والمتاجر والمزارع فلا يعرفونهم أبداً.وقد تكرر هذا القول فبلغوه؛ لأنه لا يزال (95%) منا معاشر المسلمين! لا يعرفون أننا أولياء الله، وإنما أولياء الله -في نظرهم- الذين ماتوا وعُبِدوا من دون الله بالذبح والنذر لهم، والحلف بهم، والخوف منهم عند وجودنا أمام قبورهم، أولئك الأولياء حسب اعتقاد العوام، أما الموجودون على سطح الأرض، يبيعون ويشترون، ويحرثون ويحصدون، ما هم بأولياء! فهل هناك من يرد علي لعليَ واهم؟الجواب لا، لا يوجد، وقد عرفنا سر ذلك معرفة علمية يقينية، فقد أراد الثالوث الأسود، وأراد العدو أن يهبط بنا لنصبح دونه، فقنن هذه القوانين، وحصر ولاية الله في الموتى فقط من أجل أن يستبيح الأحياء دماء بعضهم بعضاً، وأعراض بعضهم بعضاً، وأموال بعضهم بعضاً، فترى المسلمين في القرية هذا يزني بامرأة أخيه، وهذا يسرق ماله، وهذا يسبه ويشتمه، وهذا يتكبر عليه ويترفع فوقه، وهذا يزدريه ويحتقره، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، من هذا مع ولي من أولياء الله ما يقدر على أن يقول في ولي: يا كذا.. ممن ماتوا وبنيت عليهم القباب، فهل فهمتم هذه وبلغتموها أو ما زلنا نبكي فقط؟هيا نسافر إلى دمشق، أو بغداد، أو القاهرة المعزية، أو كراتشي الباكستانية، أو اسطنبول، وبمجرد ما ننزل من الطائرة وندخل المدينة، أول من يقابلنا من أهل البلاد نقول له: يا سيد! جئنا لنزور أحد أولياء الله في هذه المدينة، فمن فضلك دلنا على ولي، والله -إن لم يكن حضر في هذه الحلقة وعرف- لا يقودونا إلا إلى قبر، ولا يفهم أن في كراتشي ولياً بين الناس، ولا في اسطنبول ولا في بغداد ولا في دمشق ولا في مراكش، اللهم إلا الذين بلغتهم هذه الدعوة، وقد انتشرت ففهموا، أما أولئك فلا يفهمون وجود ولياً بين الناس، ولهذا وجد الشتم، والتعيير، والتلصص، والسرقة، والخيانة، والزنا، والفجور، فلا إله إلا الله! لو كانوا مع أولياء الله يفعلون هذا؟! أحدهم ما يستطيع أن يحلف بالكذب بولي من أولياء الله.فهل عرفتم من هم أولياء الله؟ الجواب من رب الأرباب، إذ قال في بيان ذلك: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #333  
قديم 27-11-2020, 05:46 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

التحذير من إيذاء أولياء الله تعالى
احذر يا عبد الله! احذري يا أمة الله! أن تؤذي ولياً من أولياء الله ولو بكلمة شر، أو نظرة شر، أو كلمة قاسية، وما أجمل أن تدخل سوق المؤمنين وتخرج، وتدخل مساجدهم وتخرج، فلا تجد من يسب أخاً له، أو يشتمه، أو يعيره، أو يحاول أن ينال منه شيئاً من ماله أو جسمه أو عرضه؛ لأنهم أولياء الله، فمن يؤذي ولي الله والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الأسد الحرِب )؟! فهل الذي يعرف هذا يعتدي على ولي الله؟! يسخر منه؟! يستهزئ به؟! يمكر به؟! يفجر بامرأته؟! والله ما كان.إذاً: تنال ولاية الله بأمرين اثنين: الإيمان، والتقوى الدائمة المتجددة المتكررة، إذ قال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] يتقون من؟ الله؛ حتى لا يغضب ويسخط عليهم، أو يمحو اسمهم من ديوان أوليائه.كيف نتقي الله يا أبناء الإسلام؟ نتقيه بطاعته، بالإذعان له، بالتسليم له، إن قال: آمِن، قلت: آمنت، قال: قل، قلت، قال: قف، وقفت، قال: سر، سرت، فهذا هو الإيمان، وهذه هي التقوى.

سؤال أهل العلم لمعرفة ما يحب الله وما يكره
بالأمس نبهت وعلَّمت وقلت: الذي لا يعرف أوامر الله ولا نواهيه، أسألكم بالله هل يتقي الله؟ لا، كيف يتقيه؟! فلابد من معرفة كل ما يحب الله، وكل ما يكره الله، من الاعتقادات والأقوال والأفعال، بل والصفات والذوات أيضاً؛ لأن هناك صفات يكرهها الله، لا يحب لعبده أن يتصف بها، كالخيلاء ومشية التكبر.وبالتالي فكيف نستطيع أن نعرف محاب الله ونستوفيها، ونعرف مساخط الله ونجمعها، فنصبح عالمين بما يحب ربنا وبما يكره؟ هل يحصل هذا بالمنام؟ بالتمني؟ أسألكم بالله بم يحصل؟يحصل بالطلب، فاطلب تجد، وحسبك أن تسمع قول الله في كتابه: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] (فَاسْأَلُوا): فعل أمر، أيأمرنا ولا نلتفت إلى أمره؟! كفرنا به، أم تكبرنا عليه، أم ماذا أصابنا؟! أليس هذا أمره؟ يا من لا يعرف محاب الله، يجب أن تسأل أهل العلم عنها حتى تعرفها، يا من لا يعرف مساخط الله، اسأل أهل العلم حتى تعرفها فتتركها حتى لا تُغضب الرب عليك.هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون رسول الله؟ ، نعم، فهذا ابن مسعود وقف في الصف وقال: ( يا رسول الله، أي شيء أحب إلى الله؟ قال -جواب العالم-: الصلاة على وقتها -أحب شيء: الصلاة على أول وقتها- قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين )، فأصبح ابن مسعود يبر بأبويه، يؤثرهما على نفسه، يجوع ولا تجوع أمه، يعرى ولا يعرى أباه، ( قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله )، فما نودي إلى الجهاد إلا كان في وسط الصف، يسأل أو لا؟ والرسول نفسه يعلمهم بالسؤال فيقول: ( ألا ) تعرفون: (ألا)؟ ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله ) أي: نبئنا، أخبرنا، لمَ ينبئهم بأكبر الكبائر؟ ليجتنبوها، وحتى يحققوا تقوى الله لهم، ( بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله ) فلم يبق أبداً ممن سمعوا من المؤمنين والمؤمنات من يرضى بأن يشرك بالله ولو في كلمة، والشرك بالله يكون باعتقاد وجود من يخلق أو يرزق أو يدبر أو يحيي أو يميت أو يعطي أو يمنع أو يضر أو ينفع في هذه الأكوان، فلا يصرف عبد الله ولا أمته عبادة الله لغير الله ولو بانحناء.كثير من شبيبتكم أيها المؤمنون! ومن أحفادكم وأولادكم يقبل يد أبيه أو الشيخ، هكذا، ويسجد، يُقبَّل وهو فحل أطول منك! فهل يجوز هذا؟ هل هناك من يستحق أن يُسجد له على الجبهة والأنف سوى الله؟ والله لا أحد، فالركوع لا يكون إلا لله.ومن المؤسف: أن أبطال الكرة -والعياذ بالله- لما ينتهي اللعب ويريدون أن يتفرقوا يركعون للشيطان! ومع الأسف فيهم من يزعم أنه مؤمن. أرأيتم كيف يركعون للشيطان؟!آه! لا يحل لمؤمن يؤمن بالله ولقائه أن يصرف عبادة من العبادات لمخلوق من مخلوقات الله يحمل العذرة والبول العفن في بطنه، فكيف يركع له ويسجد؟! كيف ينحني له؟!وهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سيد البشر، والله ما رضي أن يُسجد له، جاء أحدهم من أهل الشام، وأراد أن يفعل كما يفعل مع حكامه ومسئوليه، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها )؛ لما له عليها من حقوق، ولكن لا سجود إلا لله.

حكم الحلف بغير الله
الحلف بغير الله، هذا الشرك الواضح بيننا وضوح الشمس والقمر، ثلاثة أرباع المسلمين يحلفون بحق فلان وسيدي فلان، وكأن هذا ليس من الشرك أبداً، بل يحلف بالله سبعين مرة ولا يبالي، ولا يستطيع أن يحلف بولي من أولياء الله الموتى، وقد كررت هذا القول على علم لتنقلوه، فقد حدث أيام الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا، أنه أخذ بعض القضاة يحلَّفون الخصوم بالأولياء ولا يخلفونهم بالله! وسألناهم فقالوا: إذا قلنا له: احلف بالله، فإنه سيحلف سبعين مرة ولا يبالي، وإذا قلنا له: خذه إلى سيدي فلان وليحلف عنده يرتعد ويخاف! مع أن الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول في جامع الترمذي: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، ( من حلف بغير الله فقد كفر ). وبينا لكم كيف الشرك؟ وفيم أشرك؟ في عظمة الله، تلك العظمة مخلوق من مخلوقات الله؛ لأن أصل الحلف هو تعظيم المحلوف به وإجلاله وإكباره؛ لما له من سلطة وقوة وقدرة وجناب عظيم، فإذا حلفت بمخلوق فقد أعطيت مما هو لله لهذا المخلوق، وأشركته في العظمة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) أشرك هذا المخلوق في حق الله، في عظمة الله، ولعلكم لا تعلمون أن الفطرة البشرية في الجاهلية أنه لا يحلف إلا بشيء عظيم، فلا يحلف بالشيء المهان كالقط والكلب وما إلى ذلك، وإنما يحلف بما هو عزيز وعظيم، ومن هنا من حلف بغير الله فقد أشرك في عظمة الله وجلاله وكبريائه.وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ( فقد كفر )، فقد قلت لكم وعلمتم أن الكفر معناه: الجحود، التغطية، الستر، فمن حلف بغير الله فقد غطَّى الله وستره وجحده، حتى حلف بغيره، لو تجلى له الله عز وجل ما يستطيع، كيف يحلف بغيره؟ فمن حلف بغير الله فقد كفر الله، وجحده، ولو ما جحده لمَ لا يحلف به؟! وكيف يحلف بغيره وهو يؤمن به؟! وماذا نصنع مع هؤلاء؟ نقول لهم: توبوا، قولوا: لا إله إلا الله.إذاً: لابد من معرفة ما نتقي الله تعالى فيه، وهو أوامر ونواهي جاءت في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن لم يعرف تلك الأوامر ولا تلك النواهي -والله- لن يكون ولياً لله، ولو طار في السماء ونحن نشاهد، أو غاص في الماء ونحن نبصر، والله ما هو بولي لله أبداً، تذكرون هذه أو نسيتموها؟ قالت الحكماء: ما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علَّمه. أي: إذا أرادك الله ولياً له وأنت جاهل علمك، كيف يعلمك؟ يعطيك ذكاء فارطاً، فلا تسمع كلمة إلا تحفظها، يبعثك إلى حِلق الذِكر ويدفعك دفعاً، يبعث بك إلى أبواب العلماء فتقرع الباب وتسأل حتى تتعلم، فهو يعلمك بالإيحاء الخاص، لا أنك بنبي.

طريق تعليم المؤمنين محاب الله ومكارهه
ما هو الطريق لتعليم المؤمنين والمؤمنات محاب الله ومكارهه؟ هل هي المدارس والمعاهد والكليات والجامعات؟! حقاً هي وضعت للتعليم، ولكن صرفناها لغير الله، وقد قلنا لهم: اتركوها لدنياكم، اتركوها لتعليم الصناعات ومهن الحياة، وأما تعليم محاب الله ومكارهه فإنه لا يتم في غير بيوت الله عز وجل، إذ الآتي إلى المسجد لا يرجو شهادة يظفر بوظيفة بها، ولا سمعة ولا شهرة يرتفع بها، وإنما يجيء فيتململ ويطِّرح بين يدي الله في بيته يتعلم محابه ومساخطه، ليحب ما يحب ربه، ويكره ما يكره ربه، وليعمل المحبوب ويقدمه لمولاه، ويبتعد عنه المكروه والمبغوض له. يا علماء الإسلام! أين أنتم؟ ماتوا.. سبحان الله! أين علماء الإسلام؟ كأنني قاربت الموت، فلهذا ما أصبحت أخاف، أين العلماء؟ لا وجود لهم أو غطيتموهم؟ كذا شهراً بل سنة ونحن نقرر هذه الحقيقة، لن نعود إلى الصراط السوي والطريق المستقيم لنكمل ونسعد إلا إذا عدنا إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أن يجتمع نساء ورجال القرية وأولادهم في جامعهم الذي بنوه باللبن والطوب، بالخشب والشجر أو بالحديد والاسمنت، يصلون المغرب ويجلسون جلوسنا هذا، النساء وراء، والأطفال دونهن، والفحول أمامهم، ويجلس لهم عالم رباني، يعلمهم ليلة آية من كتاب الله، وأخرى حديثاً من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند ذلك لن يبقى مذهب ولا فرقة ولا طائفة ولا جماعة؛ لأن أهل القرية أصبحوا كنفس واحدة، فقد أخذوا يتعلمون: قال الله، قال رسوله صلى الله عليه وسلم، في العقيدة، في العبادة، في الآداب، في الأخلاق، في المعاملات، فلا تمض سنة إلا وهم أولياء الله، لو رفعوا أيديهم إلى الله على أن يزيل جبلاً لأزاله، فيصبحون في حماية الله، من عاداهم أعلن الله الحرب عليه، فمزقه وشتت شمله وأهلكه، ولا يكلف هذا المؤمنين شيئاً، فلا يوقِف مزارعهم ولا متاجرهم، ولا يوقِف أعمالهم أبداً، فكل البشر إذا دقت الساعة السادسة مساءً وقف العمل وأقبلوا على اللهو والباطل والأكل والشرب، والمؤمنون عرب وعجم في قراهم ومدنهم أولى بهذا أو لا؟ ولا سبيل إلى توحيد أمة الإسلام، وجمع كلمتها وقلوبها، وإطفاء نار التحزب والخلاف والفتنة بينها إلا هذا الطريق، أحببنا أم كرهنا.ووالله لن يسعد حكامهم، ولن تطيب حياتهم، ولن يشعروا بطمأنينة ولا سلام ولا سعادة إلا على هذا المنهج، من يرد عليّ؟ يا أهل البصائر قولوا، عندنا مثل: يا أهل القرية الفلانية! نسألكم بالله من هو أتقاكم لله، فلا يسرق ولا يزني ولا يكذب ولا يخون؟ الجواب: أعلمنا، أو في هذا وهم؟! في أي مكان أعلم أهله أتقاهم لربه؟ لمَ؟ لأنه عرف الله وعرف ما يحب وما يكره، وعرف ما لديه لأعدائه ولأوليائه فاتقى الله، أما أن تأمر جاهلاً بتقوى الله فلن يتقي الله؛ لأنه ليس أهلاً لتقوى الله.

دور العلماء في تعليم الناس ما يحب ربهم ويكره
ما زلنا ننادي: يا علماء الإسلام هيا! والله لولا المسجد النبوي لرحلت إلى قرية أو حي من أحياء مدينتنا وناديت في أهل الحي: أن اجتمعوا، هاتوا نساءكم، هاتوا أبناءكم، نصلي المغرب ونجلس إلى صلاة العشاء فنبكي بين يدي الله ونتضرع له، نتعلم هداه، نتعرف إلى محابه كل ليلة، وانظر إلى ذلك الحي كيف يزدهر، كيف تطيب النفوس وتطهر القلوب، ويتم الإخاء والمودة والحب، اتركوا أبوابكم مفتوحة طول الليل، من يأتيها؟ ما هناك من يجيب! ماذا نصنع؟وشيء آخر قلته غير ما مرة: حتى في البلاد التي فيها الحكم العسكري والضغط و.. لما يشاهد المسئولون اجتماع القرية في مسجدهم على هذا النور، والله لأتوا وجلسوا معهم واطمأنوا، واستفادوا أموالاً كثيرة يصبحون في غنىً عنها؛ لأن هذا التجمع في الله ينتهي معه الفقر المدقع، إذ إن العامل ناشط مبارك العمل، فينتهي الإسراف والشهوات والبذخ، والخبز والزيت كافيان، فلا نريد البقلاوة والحلاوة، ويتوفر الثياب واللباس، وتستريح الدولة، فهل ما نستطيع أن نفعل ذلك؟ يا علماء! أين الكتاب المفتوح إلى علماء المسلمين وحكامهم، إلى مسئولي أمة الإسلام علماء وحكام؟ بمن البداية؟ بالعلماء أو بالحكام؟بالعلماء، والحكام يكفيهم مهمتهم، ولذا لابد أن العلماء هم الذين يقرعون أبوابهم، ويقدمون الهدى لهم، فهذا كتاب مفتوح كأنما وزعناه على القبور إلى الآن! سنة إلى الآن؟ هذا في فاتح المحرم، والله سنة، كأنما نشرناه على قبور الموتى، ما بلغنا أن عالماً حاول هذه الحركة بأدب واتصل بالمسئولين وقال: نجمع إخواني في هذا المسجد ولا.. ولا.. لا في الشرق ولا في الغرب، لا في العرب ولا في العجم، أبداً، كأن هذا الكلام باطل، أو خرافة، أو ضلالة، أو يجلب بلاء، أو يسوق إلى فتنة، والله لا ذاك ولا ذا، ما هو إلا أن نعود إلى الله؛ لنطهر ونصفوا ونكمل ونسعد، وينتهي الخبث من ديارنا، وينتهي الشر والفساد؛ ليظهر الحب والولاء، وينتهي كل مظهر من مظاهر الضعف والهبوط، إذا السُلَّم للرُقي هو ما قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].

معنى قوله تعالى: (حق تقاته)
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، قال العلماء: حق التقوى: أن يذكر الله فلا ينسى -وها نحن نذكره ولا ننساه- وأن يشكر فلا يكفر -له نعمة، ولو خيط في إبرة، ما من نعمة إلا والله مسديها والمتفضل بها، لما تفتح وتنظر تقول: الحمد لله، أنا نظرت بفضل الله- وأن يطاع فلا يعصى، لا في أمر أوجبه ولا في نهي حرمه.وهنا جاءت آية من سورة التغابن خففت عن نفوس المؤمنين، وهي قول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] اتقوا الله بالقدر الذي تقدرون وتستطيعون عليه، فمن أراد أن يحمل كيساً يحمل، فإن عجز تركه، ولا يقول: أنا ما أستطيع، لا، أولاً: قم طاعة لله واحمد، فإذا أراد أن يصوم ما يقول: ما أستطيع أن نصوم، وإذا أذن الظهر عجز أفطر، لما يعرف أنه اتقى الله في حدود طاقته، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] فهذه كالمخففة لعموم هذه الآية، وما قاله العلماء نعيش عليه، نذكر الله فلا ننساه، ونشكره فلا نكفره، ونطيعه فلا نعصيه. وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #334  
قديم 27-11-2020, 05:47 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (39)
الحلقة (180)

تفسير سورة آل عمران (44)


لا تزال أمة الإسلام بخير، ولا يزال الدين في منعة، ما اعتصم المسلمون بحبل الله المتين، وما كانت كلمتهم واحدة ورأيهم غير مختلف، وقد امتن الله على عباده من أمة الإسلام أن جمعهم على كلمة الحق، فكانوا بنعمته إخواناً، وأن أنقذهم من ظلمات الضلال والكفر وهيأ لهم الهداية والرشاد، وكل هذا من آيات الله التي يهتدى بها المهتدون.

تابع تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل -القرآن الكريم- رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال -فداه أبي وأمي والعالم أجمع- صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا هذا الرجاء، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وها نحن ما زلنا مع هذا النداء الإلهي من سورة آل عمران عليهم السلام، وتلاوة هذا النداء بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:102-103].

مناداة الله لعباده بأن يتقوه حق التقوى
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نادانا الرحمن جل جلاله وعظم سلطانه فكان هذا شرفاً لنا وإلا فمن نحن؟ وما نحن حتى ينادينا ملك الملوك، ذو الملك والجبروت، المحيي المميت، الذي يضع الأرض في كفه ويطوي السموات السبع في أخرى؟! لكنها منة الله علينا حيث رزقنا الإيمان به وبلقائه وبكتابه وبرسوله وبقضائه وبقدره فحيينا، أي: أصبحنا أحياء نسمع ونبصر وننطق ونأخذ ونعطي لكمال حياتنا، فلما أحيانا نادانا: يا أيها الذين آمنوا، فأجبناه: لبيك اللهم لبيك، مر نفعل، انه نترك، بشر نفرح، أنذر نحذر، علم نتعلم، هذا استعدادنا معشر الأحياء، أما الأموات فأنى لهم ذلك، وهذا النداء الكريم اشتمل على ما يلي: أولاً: على الأمر بتقواه عز وجل حق التقوى، وعرفنا -زادنا الله معرفة- أن الله يُتقى عذابه وسخطه وغضبه بطاعته وطاعة رسوله، فيا من يريد أن يتقي عذاب الله فلا ينزل عليه، وغضب الله وسخطه فلا يكون عليه، أطع الله ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم. كما عرفنا أن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله تكون بفعل الأوامر المستلزمة للوجوب، وبترك النواهي المستلزمة للتحريم، فبهذا يُطاع الله ورسوله، وبهذا يتقى الله جل جلاله وعظم سلطانه.

طريق معرفة أوامر الله ونواهيه
وهنا بكينا وقلنا: ما هي أوامر الله؟ وما هي نواهيه؟ ما عرفنا؟ ماذا نصنع؟ ما نستطيع أبداً أن نطيعه في شيء ما عرفناه، فتقرر عندنا أنه لابد من طلب العلم، ومن أعرض ولوى رأسه وأبى فمصيره معروف، من أعرض أعرض الله عنه، لابد من معرفة أوامر الله ونواهيه، والطريق إلى ذلك سؤال أهل العلم، إذ قال تعالى في آيتين من كتابه العزيز من سورة النحل والأنبياء: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] والمراد بالذكر: القرآن الكريم، فمن سأل وعلم عرف واتقى الله، ومن لم يسأل لم يعرف، وإذا لم يعرف كيف يتقي الله؟! مستحيل.

مصير المسلمين عند جهلهم بأوامر الله ونواهيه وإعراضهم عن شرعه
لو نظرنا إلى أمة الإسلام ذات الألف مليون -مضت عليها قرون- لوجدنا خمسة وتسعين في المائة لا يعرفون أوامر الله ولا نواهيه، إذاً كيف يتقون الله؟! كيف يتقون نقمه وعذابه وبأسه؟! ومن ثم سلط الله عليهم أعداءه وأعداءهم فسادوهم، وحكَموهم، وأذلوهم، وتحكموا فيهم، وأهانوهم، وأخرجوهم عن دائرة الكمال، وما زلت أقول: إن العالم الإسلامي لينتظر ساعة من أسوأ الساعات وأشدها؛ لأن الله تعالى مكَّن لهم في الأرض فأبوا أن يعبدوه، وأعرضوا عنه وعن كتابه وذكره، وغرتهم الحياة الدنيا بزخارفها، وقد كررنا القول: أين ربكم؟ بالمرصاد، إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14]. إذاً: فالعالم الإسلامي تحت النظارة، وفي إمكانهم أن يعلنوا عن وحدتهم في أربع وعشرين ساعة، والصوت يدوي فيدخل كل بيت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وهذا كان متعدياً ومستحيلاً فيما مضى، لكن الآن في إمكانهم أن يجتمعوا على كتاب واحد يدرسونه، كلهم رجالاً ونساءً في العالم الإسلام بأسره، ولا مشقة في ذلك، بل في الإمكان أن يبايعوا إماماً لهم -الله أكبر إمامنا فلان- وإذا بالأمة الإسلامية تحت راية لا إله إلا الله محمداً رسول الله، وأسهل من أكلها البقلاوة وشربها الشاي، فقط تسلم قلوبها ووجوهها لله، وتصبح بلاد المسلمين حقاً بلاد المسلمين، لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي، كما في إمكانهم أن يطبقوا شريعة الله -فيزول الجهل ويظهر العلم- فيجتمع علماء الفقه ليضعوا الدستور الإسلامي في أربعة أيام، وفي أربعين يوماً يُطبع منه مئات الآلاف، ويوضع في يد كل حاكم ويقول لمسئوله: طبقوا شرع الله، وهذا كان مستحيلاً في القرون الماضية، ولو فعلنا ذلك فإننا سنطير في السماء كالملائكة، فما المانع أن نسلم قلوبنا ووجوهنا لله تعالى حتى تنتهي الفوارق، فلا عنصريات ولا تحزبات ولا مذاهب ولا تجمعات، وإنما مسلم فقط؟إن هذا الخير متوفر والمسلمون معرضون، فماذا عسى أن يكون مستقبلهم؟ أهملهم الله، إن لله سنناً، صدقت يا أبا عبد الله، قال: أمهلهم، إي نعم، إن الله يمهل ولا يهمل، وكأننا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على منبره ذاك يخطب في المؤمنين، ثم قال لهم: ( إن الله ليملي للظالم ) يزيده ( حتى إذا أخذه لم يفلته )، وقرأ قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، ما المراد بالقرى؟ العواصم، الحواضر، ما يقول: البادية، إذ البلاء في المدن، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى [هود:102]، والحال أنها ظالمة، ظالمة لربها، ظالمة لنفسها، ظالمة لغيرها، أي: ما نهجت منهج الله المؤدي إلى سعادتها وكمالها، كالذي يحتسي السم ويشرب الخمر ويلاعب الأفاعي والحيات، فهل يسلم هذا؟! إذاً: فعلى المسلمين أن يتعلموا محاب الله ومكارهه، وكيف يؤدون تلك الفرائض على الوجه الذي من شأنه أن يولد لهم الطاقة النورانية في قلوبهم،وقد تكرر العلم عندنا أن هذه العبادات مولدة للنور، فأنت لا تدري إذا صمت ماذا حصل؟ وإذا صليت لم تدر ماذا حصل؟ إن هذه العبادة التي شرعها الله العليم الحكيم لعباده شرعها لهم من أجل تزكية نفوسهم وتطهير أرواحهم، فإذا كان الماء والصابون من شأنهما تطهير الأجسام أو الأبدان أو الثياب فكذلك العبادة إذا أداها عبد الله أو أمة الله بإخلاص لله -أداها وقلبه مع الله لا يتلفت إلى سواه، وأداها كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا زاد فيها ولا نقص منها، ولا قدم جزءاً ولا أخر آخر- فإنها تولد النور المسمى بالحسنات، فإذا زكت روح العبد أو الأمة رضيه الله وقبله ورفعه إليه.أما إذا كانت روحاً خبيثة عفنة من أوضار الذنوب والآثام، ولم تزك يوماً، ولم تطهر ساعة، فإن مصيرها سجين أسفل الكون، ولا ترتفع إلى الله، ولن تصل إلى الملكوت الأعلى، وهذا بنص كتاب الله تعالى، أما قرأنا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]؟ متى يدخل البعير في عين الإبرة؟! مستحيل، فكذلك صاحب الروح الخبيثة المنتنة بأوضار الشرك والمعاصي، مستحيل في حق روحه أن ترقى إلى الملكوت الأعلى. أيضاً: عرفنا حكم الله الصادر علينا إنساً وجناً، أولين وآخرين، حكم الله الذي لا يُوارِب، إذ قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، فهل في الإمكان أن يُنقض هذا الحكم؟ من يقوى على نقضه أو التعقيب عليه والله القائل: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ [الرعد:41]؟! وهنا تقرر مصيرك يا ابن آدم ويا ابن الجان، فإن أنت عملت على تزكية نفسك فزت وأفلحت ونجوت من عذاب النار، وسكنت الجنة دار الأبرار. وإن أنت لوثتها بأكل الربا وتعاطي الزنا وسب العلماء وسب المؤمنين و.. و.. و.. أصبحت عفنة كأرواح الشياطين، فهيهات هيهات أن تقبل هذه الروح في الملكوت الأعلى، فالذي خلق الماء العذب والصابون المطهر للأبدان هو الذي أوجد كلمة: لا إله إلا الله، أو سبحان الله، أو الله أكبر، أو الحمد لله، وما قالها مؤمن موقناً بها عالماً بمعناها إلا وعملت في نفسه الزكاة والطهر والصفاء، ولن تتخلف، ولا قال كلمة سوء أو نطق بكلمة باطل أو خبث إلا وانعكس أثره على نفسه ظلمة وعفناً ونتناً والعياذ بالله تعالى. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102]، وقد علمتم أننا نذكره ولا ننساه، ونشكره ولا نكفره، ونطيعه ولا نعصيه، وبذلك نكون قد اتقينا الله حق تقاته، وبهذا أمرنا.

معنى قوله تعالى: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
لننتقل إلى الأمر أو النهي الثاني، وذلك بعد أن نادنا وأمرنا بتقواه حق التقوى، نهانا أن نموت على غير الإسلام، فقال تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] و(اللام) هنا ناهية، فلا تمت يا عبد الله إلا وأنت مسلم، وقبل ذلك أمرنا بتقواه حق التقوى من أجل أن يرفعنا إليه بعد أن يطهرنا ويزكي نفوسنا، وهو ذا ينهانا عن الموت على غير الإسلام، لماذا؟ خشية أن ننقطع؛ لأنك قد تزكي نفسك أربعين سنة، بل سبعين سنة، ثم تقول كلمة الكفر فتتحول إلى عفن وإلى نتن والعياذ بالله، وعند ذلك يحال بينك وبين الملكوت الأعلى. وكلمة الكفر إن أردتم لها مثلاً فبحبة الهيدروجين أو الذرة، إذ إنها في وزن حمصة، لكنها تنسف مدينة بكاملها، فكذلك كلمة الكفر كلمة واحدة تبطل كل عمل صالح قد عملته، ولا عجب. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، فإن من مات غير مسلم حرم من لقاء الله، استحال أمره أن يرفع إلى الملكوت الأعلى.

معنى الإسلام المطلوب تحقيقه
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] قد سبق أن بينا للصالحين والصالحات معنى الإسلام، إذ إن الإسلام هو: أن تسلم قلبك ووجهك لله، فيا فلان هل أسلمت؟ نعم. هل أديت حق فلان؟ ما معنى: أسلم يا عبد الله؟ وأُسلم ماذا؟ أسلم قلبك ووجهك لله، فالمسلم الحق عبدٌ أسلم قلبه ووجهه لله تعالى، وفي القرآن: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [النساء:125]، كيف أعطي وجهي لربي؟ لا ننظر إلا إليه، لا نرى إلا هو، كيف أسلم قلبي لله؟ لا يتطلب أربع وعشرين ساعة إلا في طلب رضا الله. فهذا إسلام القلب والوجه لله، فما لنا إلا الله، نأكل ونشرب لله، نبني ونهدم لله، نبيع ونشتري لله، ننام ونستيقظ لله، نتزوج ونطلق لله، لا تخرج أعمالنا أبداً عن دائرة رضا الله عز وجل، فهل عرف المسلمون هذا؟ وهل في إمكانهم أن يفعلوه؟ ما يستطيعون، ما عرفوا. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، إذ كان صلى الله عليه وسلم يقول: ( إني أعلمكم بالله، وأشدكم له خشية )، فأعلمنا بالله أتقانا لله، وأجهلنا بالله أفجرنا عن طاعة الله. عرف هذا الثالوث المكون من المجوس واليهود والنصارى معرفة يقينية، فأبعدونا عن العلم ووضعونا في برك الجهل نشرب منها ونرتع، والقرآن يُقرأ على الموتى منذ قرابة ألف سنة ولا يُقرأ على الأحياء وإنما على الموتى فقط من إندونيسيا إلى الدار البيضاء. أي سخرية هذه؟ أي استهزاء هذا؟ أي أجنون هذا؟ أي أموت هذا؟ تضع بين يديك ميت وترغبه وتعظه وتخوفه وتهدده بعذاب الله في الآيات، هل يقوم يتوضأ ويصلي؟! هل يقوم يستسمح منك ويقول: سامحني؟! كيف هذا؟! أين عقولنا؟! لا إله إلا الله! القرآن يُقرأ على الموتى؟! من فعل هذا بنا؟! اليهود.وأيضاً بقيت الأنوار المحمدية -السنة النبوية- ماذا فعلوا بها؟ قالوا: السنة فيها الناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والصحيح والضعيف، اتركوها ويكفينا مصنفات الفقه التي صنفها علماؤنا! وما أصبح الرسول يُذكر بينهم، من يقول: قال رسول الله؟ أبعدهم العدو عن مصدر حياتهم كاملة، لا كتاب ولا سنة، فكيف نعرف الله والطريق إليه؟! معاشر المستمعين -وخاصة الغرباء والزوار- هل بلغكم هذا الكلام وسمعتموه؟ هل فهمتم ما سمعتم؟ دلوني على شخص يقول: تعال أسمعني شيئاً من القرآن، في قرية أو في حاضرة أو في أي مكان، هُجِر كتاب الله، والذين يقرءونه إنما يقرءونه على الموتى ليأكلوا الخبز والحليب، لا ليُعرف الله ومحابه ومكارهه.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #335  
قديم 27-11-2020, 05:47 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تعاليم ربانية لمن أراد أن يموت مسلماً
يا من صح عزمه على ألا يموت إلا مسلماً، أنصح لك بالتالي، إليك هذه التعاليم:

أولاً: أن لا ننسى الله أبداً
أولاً: أن لا تنسى الله أبداً، دائماً اذكره، فإذا أكلت: باسم الله، شربت: باسم الله، فرغت من الطعام: الحمد لله، نمت: باسم الله، استيقظت: باسم الله، أخذت المعول أو الفأس: باسم الله، ضربت: باسم الله، وعندها تصبح حياتك كلها مع الله، ومثلك لا يموت على غير الإسلام، وأما الذين يتعرضون للموت على غير الإسلام هم الذين يعرضون عن ذكر الله، هم الذين ينسون الله.إذاً: فأول ما ينبغي أن نعلم ونعمل ألا ننسى الله أبداً، نذكره طول النهار والليل، حتى عند الدخول إلى المرحاض تقول: باسم الله الذي لا إله إلا هو، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، الرجس النجس الشيطان الرجيم، وثم تسكت فلا تتكلم، فإذا خرجت ألقيت برجلك اليمنى خارج المرحاض وقلت: الحمد لله الذي رزقني لذته وأبقى في جسمي قوته.

ثانياً: أداء الواجبات باجتهاد وصدق
ثانياً: أداء الواجبات باجتهاد وصدق -ومن أعظمها: الصلوات الخمس- إذ إن أداء هذه الفرائض والمحافظة عليها فيه ضمان للموت على الإسلام، والذي يتلاعب أو يتهاون بها، يأتيها يوماً ويترك يوماً، والله إنه لعرضة لأن يموت على غير الإسلام.وبالتالي فالذي يسلك الطريق في صدق، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، يُرجى له أن يصل إلى غايته، والذي يتلاعب ويمشي خطوات ويرجع للوراء، أو يميل ذات اليمين وذات الشمال، قد لا يبلغ هدفه، ولا يصل إلى غايته.

ثالثاً: الابتعاد عن الكفر وأهله
ثالثاً: الابتعاد كل الابتعاد عن الكفر وأهله، فلا تقيمن بين كافرين، فإنك لا تأمن أن تنتكس وتنقلب على رأسك، فلهذا حذر أبو القاسم من ذلك وقال: ( لا تتراءى نارهما ) ، فالبعد كل البعد عن أهل الكفر.

رابعاً: البعد عن أهل الفسق والفجور
رابعاً: البعد عن أهل الفسق والفجور، فإنهم يعدونك بالعدوى، فلهذا قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الكهف:28] أي: احبس نفسك مع أهل لا إله إلا الله، ألزمها بالعيش معهم والبقاء بينهم، وتجنب مجالس الباطل والسوء.

خامساً: الحذر من كتب ومصنفات أهل الكتاب
خامساً: الحذر من كتب ومصنفات كتبها المجوس واليهود والنصارى، إذ إن هذه الكتب قراءتُها تفتح لك أبواب الردة وتصاب بها وأنت لا تشعر، فهذا عمر رضي الله عنه كان في يده ورقات من التوراة، فنظر إليه رسول الله وسأله ما هذا؟ فقال: ورقات من التوراة، فقال له صلى الله عليه وسلم: ( ألم ائتكم بها بيضاء نقية؟! كيف يهدونكم وقد ضلوا؟! ارمها يا عمر )، وقد عرفنا أن مئات الآلاف من المسلمين هلكوا بتتلمذهم لعلماء الإلحاد والشرك والكفر، والانقياد لهم والإذعان لتعاليمهم، فماتت قلوبهم وأصبحوا أجساماً بلا أرواح، وأكثرهم يموت على سوء الخاتمة.

سادساً: تطهير البيوت من المعاصي والآثام
سادساً: طهروا بيوتكم كما طهرتم مجالسكم، أنصح لكم فأقول: أخرجوا كل آلة تعرض صور الخلاعة والدعارة والنساء والرجال، وتسمعكم أصوات الكفر والكافرين، إذ إن هذه أخذ يظهر أثرها ويموت أهلها على سوء الخاتمة، فانتبهوا، وإذا أُلزمتم بالحديد والنار فهاجروا، اتركوا البلاد التي ألزموكم فيها بأن تعمروا بيوتكم بالشياطين وترحِّلوا منها الملائكة لتعيشوا مع الشياطين، كيف يرحمونكم؟! أسألكم بالله، الذي امتلأ بيته بالشياطين كيف يستطيع أن يموت على الإسلام؟! ومرة ثانية أقول: من أُجبر وأُلزم بأن يدخل الفيديو والتلفاز والسينما في بيته بالقوة فيجب عليه أن يهاجر، يلتحق بالجبال وبالسهول والأودية أو بمناطق أخرى، ولا يرضى أبداً أن يتهيأ لأن يموت على غير الإسلام، وقد سمعت اليوم خبراً عظيماً: جاءت امرأة تشكو زوجها فقالت: زوجي لا يصلي! كيف لا يصلي؟! شكته للمحكمة فصلى فترة ثم ترك الصلاة، فقلت لها: ماذا يصنع؟ قالت: لا يعمل شيئاً، فقط هو جالس في البيت عند التلفاز أمام الأغاني والمسلسلات، وعنده مال أودعه في بنك، وهو يعيش على فوائده! فلأول يوم سمعنا هذا! كم يعطونهم؟! خمسة في المائة؟ اجعلها سبعة، إذا كان عنده سبعمائة ألف؟ كم يعطونه؟ سبعين ألفاً، ومع ذلك لا يصلي ولا يعمل شيئاً، وإنما يفجر فقط ويغني. الآن تبين لنا آثار الربا أم لا؟ إن هذه البنوك من وضع الثالوث وتخطيطه، ومد المؤمنون أعناقهم واستسلموا للشيطان، والمؤمن بحق يرضى أن يموت جوعاً ولا أن يأكل لقمة حراماً، يرضى أن يعمل الليل والنهار من أجل الخبز والزيت -إن أمكن- ولا يرضى أن يجاهر ربه بالمعاصي، لكن الشياطين التي ملأت بيوت القوم وطردت الملائكة هي التي تزين لهم هذا وتحسنه. إذاً وهو أخيراً: طهروا بيوتكم من الشياطين، فإنها لا يخلو منها بيت، ترى فيه تلك الصور في فيديو أو تلفاز أو آلة سينما أو أي آلة، ومن كذب بهذا فقد كذب رسول الله وكفر، ( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ) والذي يعيش زمناً وهو مرتاح النفس، يضحك مع أهله، مع عاهرة تغني أو ترقص، والله ما نستطيع أن نجزم له بالموت على الإسلام، ولكن كيف ينجو ويموت وقلبه مع الله؟! فهل عرفتم نهي مولاكم: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]؟ فابعثوا، فاعملوا، فابعثوا على كل وسيلة من شأنها أن تحفظ لك إيمانك وطهرك وصفاءك في قلبك حتى تُسلَّم روحك لملك الموت وهي كأرواح الملائكة في الطهر والصفاء، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا [آل عمران:102] والحال أنكم مسلمون، قلوبكم ووجوهكم لله.

تفسير قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا...)
قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103]. ‏

معنى قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً)
جاء أمر آخر لنا نحن أولياء الله المؤمنين المتقين: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران:103] أغنياؤكم فقراؤكم أمراؤكم علماؤكم خدمكم نساؤكم أولادكم، كلكم، والمراد بحبل الله الممتد من السماء إلى الأرض: الإسلام بشرائعه، بأحكامه، بآدابه، بأخلاقه، والذي يمثله القرآن الكريم، فتمسكوا به، عضوا عليه بالنواجذ، وإياكم والفرقة، فلا تقل: أنا شافعي وتستبيح ما شئت، ولا يقول هذا: أنا حنفي ويفعل ما يشاء، ولا يقول هذا: أنا حنبلي، أنا مالكي، فلا فرقة، وإنما الجمع فقط، وقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل القرون الذهبية -خير القرون- وهم لا ينتمون إلا إلى الله ورسوله، مسلمٌ، قال الله قال رسوله.وهذا يتطلب منا أن ندرس كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عليهما نرد ومنهما نصدر، فهيا بنا نعد إلى دراسة كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيهما الغناء الكامل، لكن للأسف أصبحت السنة تُقرأ للبركة، فنقرأ كتاب البخاري إلى اليوم للبركة، مع أننا قد استيقظنا، وها نحن ندرس كتاب الله من أربعين سنة -الحمد لله- فهل ضللنا بقراءة كتاب الله ودراسته؟ والله ما ضللنا، وإنما اهتدينا، وهل دراستنا لأحاديث رسول الله تفرق شملنا وتشتت جماعتنا، وتجري العداوة والبغضاء بيننا؟! لا. أبداً.

الفرقة والاختلاف سبب في طمع الأعداء في الأمة الإسلامية
قوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران:103] أغنياؤكم فقراؤكم أمراؤكم علماؤكم خدمكم نساؤكم أولادكم. كلكم يا أهل الإسلام اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، فإن الفرقة هي الحالقة، ما إن تفرق المسلمون وأصبحوا مذاهب وطرقاً حتى تسلط عليهم عدوهم، فسادهم وحكمهم وأذلهم كما علمتم وكما تعلمون. الآن لنا أربعة وأربعون دولة، آلله أمر بهذا؟ هل الرسول أوصى بهذا؟ أسألكم بالله، هل هذه تفرقة أم جمع؟ لمَ لا نعلن عن الوحدة في أربع وعشرين ساعة؟ تعالوا إلى الحرم الشريف، إلى الروضة ونقول: بايعنا فلاناً، هاتوا كتاب الله واحكمونا به، وتصبح ديارنا واحدة، لا شامي ولا يمني، لا شرقي ولا غربي، لا عربي ولا أعجمي، وبذلك نأمن ونسود ونقود وننقذ البشرية من وهدة الضلال والفقر والعياذ بالله، ما المانع؟ قلوبنا مريضة، ما تربينا في حجور الصالحين، وعندنا براهين قاطعة، ونحن مع أبنائنا وإخواننا مللناهم من هذا الكلام . أبرهن لكم أم لا على أننا لسنا بأهل للكمال والإسعاد؟ دبر الله الأمر -ولا مدبر إلا هو- فوضع العالم الإسلامي تحت أقدام بريطانيا وبلجيكا وهولندا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال، إنها آية من آيات الله، سبحان الله! المسلمون أصبحوا مسودين محكومين تطبق فيهم شرائع الكفر؟! إنها أعظم آية من آيات الله، وفجأة وبعد سبعين مائة من السنين أزال الله سلطان الكفر وحرر المسلمين من اندونيسيا إلى بريطانيا، فاستقلوا وتحرروا، وهذه فتنة أخرى. وقد قلت والله يعلم: لو ربينا في حجور الصالحين، وكانت نفوس علمائنا ورجالنا ونسائنا ومشايخنا وأهل البصيرة فينا، لو كانت البصيرة حقة، والنفوس طاهرة، كان المفروض -واسمعوا- أيما إقليم يستقل عن فرنسا وإيطاليا وبريطانيا، أيما إقليم يأتي إلى الدولة القرآنية، لكن قد يقول قائل: يا شيخ أين هذه الدولة؟ إنها ليست بموجودة، لا، أوجدها الله جل جلاله وعظم سلطانه، وهي آية من آياته، ومعجزة من معجزات الأنبياء، وإلا فكيف والعالم الإسلامي تحت أقدام الكفار، ويأتي عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ويعلن عن دولة القرآن في الرياض! أين بريطانيا؟ أين فرنسا؟ أين أمريكا؟ كيف يتم هذا؟! والله ما تم إلا بالله، ومن شك فلينظر إلى إخوانه في كل ديارهم، هل لهم أن يطبقوا الشريعة؟ لا، إنهم يخافون من الكفار وهم مستقلون! يمالقون ويتملقون الكفار بإعراضهم عن الشريعة وعدم تطبيقها، ويأبى الله ويأتي بهذا الرجل فيعلن عن دولة القرآن، ويؤسسها على دعائم وضعها الله لا سقراط ولا نابليون ولا فيلسوف، أربع دعائم وضعها الله عز وجل، كم سنة ونحن نذكر هذا، والعالم الإسلامي يستقل من الوقت إلى الوقت، ولا استطاع إقليم عربي أو أعجمي أن يقيم دولته على قواعد وضعها الله بنفسه؟ ما هذه القواعد؟ اطلبوها في الدساتير البريطانية لا توجد، إنها لا توجد إلا في القرآن الذي حوَّلوه ليُقرأ على الموتى فقط. جاء في سورة الحج المدنية المكية قوله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]، كلام من هذا؟ هل يحتاج إلى تفسير؟ الذين إن مكناهم، أي: سوَّدناهم، حكَّمناهم، ملكوا، ماذا فعلوا؟ أقاموا الصلاة إجباراً، إذا قيل: حي على الفلاح وقف دولاب العمل، ووقفت الحياة كلها، وأقبل المؤمنون على بيوت ربهم، إذ لذلك خُلِقوا، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، على هذه الدعائم أقام عبد العزيز دولته هذه التي بقيت باقية، أقامها على هذه الدعائم فأقيمت الصلاة، وجبيت الزكاة، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، واستقل العالم الإسلامي قطراً بعد آخر، وهذا محل الشاهد. فلو كنا أهلاً للسيادة والعزة والطهر والكمال، فأيما إقليم يستقل يأتي وفد منه ويقول: يا عبد العزيز، استقل الإقليم الفلاني، جزء الدولة الإسلامية، ابعث لنا قضاة، وابعث والياً عاماً يدير هذا الإقليم، فهمتم هذه اللغة أو لا؟ ممكن ما تقبلونها، والله الذي لا إله غيره لو كنا أهلاً للكمال لكان كل إقليم يستقل ولو كان كالباكستان مائة مليون، يأتي رأساً إلى عبد العزيز ويقول: استقل القطر الفلاني، ابعث قضاة يطبقون شرع الله، ابعث والياً عاماً يطاع بطاعة الله ورسوله، وهكذا في ظرف سبعين سنة والعالم الإسلام كل عام عامين يستقل إقليم، وإذا بأمة الإسلام أمة واحدة، فلمَ لا نفعل هذا؟ أجيبوا؟ إنه الجهل المركب، وظلمة النفس، وحب الدنيا والشهوات والأهواء، والإعراض عن ذكر الله وشرعه ودينه، فهل هناك غير هذا؟ والله ما هو إلا هذا. من يرضى بهذه الدويلات والأقاليم؟ إن بلاد المسلمين بلد واحد، حكمهم واحد، شريعتهم واحدة، فلمَ تفرقوا؟ عصوا الله وفسقوا عن أمره، وخرجوا عن طاعته، ولم يعتصموا بحبله، وتفرقوا، فأذاقهم الله المرارة، في هذه الظروف التي أصبحنا كأننا نقرب من الجنة، فلو كان العالم الإسلامي أمة واحدة لكنت تشاهد ماذا؟ما تستطيع أن تدرك النعيم الذي يفيض على المسلمين. حب وولاء، طهر وصفاء، مودة وإخاء، ربانية لا تحلم بها، لكن استجابوا للعدو، وأعرضوا عن الله ورسوله وكتابه، فهم إذاً تحت النظارة، ولا تبكي وتقول: الخلافة والدولة؛ لأننا لو كنا رشداً فأيما إقليم يستقل يُقدِّم مفاتيحه، وحتى دول الجزيرة -البلد الواحد- جزيرة الإسلام، كل إقليم منطقة للاستقلال، ماذا ينتظرون؟ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر:14] فاتت الفرصة وضاع الأمل إلا أن يشاء الله يقلب تلك القلوب ويلويها. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:102-103] بهذا أمرنا، فنعيش -والحمد لله- لا على مذهبية ولا وطنية ولا إقليمية، وإنما مسلم أعيش لله.

معنى قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم)
وأخيراً يقول تعالى لنا: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [آل عمران:103]، هذه وإن نزلت في أصحاب رسول الله فهم آباؤنا وأجدادنا، لما اجتمعت كلمتهم بعد التفرق جاء النور والهداية، وجئنا للإسلام والمسلمين، فهي نعمة ما تنسى، نذكر الله تعالى ونشكره عليها. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #336  
قديم 02-12-2020, 12:05 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (40)
الحلقة (181)

تفسير سورة آل عمران (45)


يدعو الله عز وجل عباده المؤمنين إلى طاعته، ويحضهم سبحانه وتعالى على تقواه واتباع سبيله، وأن يكونوا عباده المسلمين، وحتى يكون العبد من المسلمين فعليه أن يلتزم الآداب الإسلامية، ومن هذه الآداب أن يبقى لسانه رطباً بذكر الله عز وجل، وأن يؤدي واجباته الشرعية باجتهاد وصدق، وأن يفارق أهل الكفر والعصيان والفجور، وأن يطهر نفسه وبيته من المعاصي والآثام، وغير ذلك من الآداب الإسلامية.

تابع تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقط رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! ما زلنا على عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل، وها نحن مع ذلكم النداء الإلهي العظيم من سورة آل عمران، وتلاوته بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:102-103].

التقوى طريق تحقيق ولاية الله تعالى
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! نادانا مولانا أولاً ليأمرنا بتقواه، إذ تقواه عز وجل -كما علمتم- هي الخطوة المؤكدة لولاية الله لعبده الله المؤمن وأمته المؤمنة، والأمر بتقوى الله عز وجل معناه تحقيق ولاية الله للعبد، إذ لا يكون العبد ولياً لله إلا إذا كان تقياً لله. واذكروا قول الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، فهذه التقوى عليها مدار تحقيق سعادة الدنيا والآخرة، إذ إن أهلها لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقد نبهنا إلى أنه لا يتأتى لعبد ولا لأمة من إماء الله وعبيده أن يتقي الله بدون ما لم يعلم ما يتقيه فيه، فثبت أن طلب العلم فريضة أكيدة، فالذي لا يعرف ما أوجب الله ولا ما حرم الله -أسألكم بالله- كيف يفعل واجباً ما عرفه؟! كيف يحذر ويتقي محرماً ما عرفه؟! غير ممكن أبداً. فوجب على كل من دخل في الإسلام أن يعرف ما أمر الله به وما نهى عنه بنية أن يفعل المأمور، وأن يجتنب المنهي.وكما قد علمتم أكثر من هذا، أن كل أوامر الله ونواهيه تدور على تزكية هذه النفس وتطهيرها، ففعل الأوامر أدوات تزكية، وترك المحرمات إبقاء على التزكية كما هي، فالذي يصلي ركعتين ويشتم مؤمناً كأنما غسل ثوبه ثم أفرغ عليه زنبيلاً من الوسخ، وهذا عابث ولاعب، والذي أدى الزكاة فزكت بها نفسه ثم انغمس في أكل الحرام من السرقة والربا، كان كمن اغتسل بالماء والصابون ثم أفرغ عليه زنبيلاً من القاذورات والأوساخ. ففعل الأوامر أدوات تزكية، واجتناب المنهيات إبقاء لتلك التزكية على ما هي، فإنه إذا ارتكب كبيرة معنى ذلك أنه عم ذلك الأثر وأفسده، ولهذا أرشدنا الرسول الكريم بقوله: ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها )، وقعت نجاسة في يدك أفرغ عليها الماء واغسلها، وقعت لطخة من دم في ثوبك أفرغ عليها الماء واغسلها، كذلك قلت كلمة سوء، نظرت نظرة محرمة، تناولت ما لا يحل لك، عجل بالتوبة، واعمل الصالحات، فإنها تحيلها إلى كتلة من النور، ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ). إذاً: هذه هي التقوى التي أمر بها المولى عز وجل لصالحنا قطعاً.

معنى قوله تعالى: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
ثانياً: نهانا الله فقال: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، فنهانا أن نموت على غير الإسلام فيفسد كل ذلك الذي بنيناه وينهدم كما علمنا، فلو أن عبداً عبد الله سبعين سنة ليلاً ونهاراً، ثم قال كلمة الكفر أو الشرك ومات عليها انمحى ذلك كله ولم يبق له أثر، ومن هنا أرشدنا ولينا -وله الحمد والمنة- على أن نحافظ على إسلامنا لله، أي: نسلم قلوبنا ووجوهنا لله حتى يتوفانا ونحن مسلمون، والإنسان لا يدري تقلبات الحياة، فقد يأتي يوم يكره فيه العبادة ويبغض فيه الصالحين.وهذا الصديق ابن الصديق ابن الصديق، يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول في ابتهاله بينه وبين ربه: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]، أتدرون متى قال هذه الكلمة؟ قال هذه الكلمة لما جلس على أريكة الملك، وحكم الديار المصرية، وأصبح مالكها، ودانت له بالطاعة، وجاء الله بأبويه وإخوته، وتم له كل مطلوب في هذه الحياة، فبدل أن يقبل على النساء وعلى اللهو والطعام والشراب، إذ إنه كان في نِعم متوالية، بدل أن يقبل على اللذات والشهوات، بعد أن حضرت بين يديه، وتم له السلطان عليها والقدرة، رغب عنها بالمرة، واتصل بذي العرش يقول له: يا رب، يا خالقي، ويا رازقي، يا إلهي الذي ليس لي إله سواه، قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:101]، وهي النبوة وتعبير الرؤى -ولا ننسى تعبيره لرؤيا الملك وهو في السجن- فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [يوسف:101]، يا خالق السموات والأرض، أنت لا غيرك، أنت وحدك، وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [يوسف:101] . إذاً: توسلتَ إليك رب بإنعامك عليّ، وها أنا أريد منك شيئاً واحداً وهو أن تتوفني مسلماً وتلحقني بالصالحين، فهل عرفتم هذا؟ إخواننا آباؤنا أبناؤنا من أهل الجهل والغفلة بمجرد ما يجلس على أريكة، سواء كانت وظيفة أو شركة، بدل أن يفزع إلى الله ويشكو ويبكي بين يديه يستفرغ ذلك كله في الشهوات، وكأنما أعطاه الله ما أعطاه ليعصيه به وحاشا لله. تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101]، هل تسألون ربكم هذا أو لستم في حاجة إليه؟! لم لا نسأل؟! يا فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي [يوسف:101] وليس لي ولي سواك في الدنيا والآخرة معاً، أطلب منك أن تتوفني مسلماً، أي: على الإسلام، إسلام قلبي ووجهي لك، وقد علمنا من قبل معنى إسلام القلب والوجه، فأسلم قلبك لله، فلا تفكر أبداً إلا في ما يرضي الله، لا تلتفت بقلبك إلى غير الله، لا مانع ولا معطي ولا ضار ولا نافع ولا رافع ولا واضع إلا هو، أعطه قلبك ووجهك، فلا تلتفت إلى أحد سواه، أنت وليي فليس لي ولي سواك.

بعض التعاليم لمن أراد أن يموت مسلماً
كما بينت لكم ما ينبغي أن نسلكه لنحصل على هذه الجائزة العظمى وهي أن نموت مسلمين، فمن ما بينت لكم: البعد عن مجالس السوء والباطل حتى لا تسري العدوى إلى قلبك من قلوبهم، فهذا الله جل جلاله يوصي رسوله ويقول له: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الكهف:28]، فاحذروا مجالس السوء -وأنتم تعرفونها- كمجالس الغيبة والنميمة والقمار والكذب والأغاني والمزمار والأباطيل والأضاحيك فأهلها قلوبهم ميتة. ثم طهروا بيوتكم ونقوها، اطردوا الشياطين منها -وقد أعطاكم الله قدرة على ذلك- واملئوها بالملائكة أهل النور، فلا يرى الله تعالى في بيتك في حجرتك في غرفتك شاشة للتلفاز أو الفيديو، كما لا يرى الله عاهرة من عاهرات الدنيا تغني أو تتبجح وتتكلم، أو يرى كافراً أو فاسقاً في بيتك يتكلم بالباطل وينطق بالسوء. وقد ظهرت آثار هذه الفتنة، وأصبح الناس يموتون على سوء الخاتمة، إذ إن لله سنناً لا تتبدل أبداً، فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، ومجالسة السوء والإقبال عليه وإعطاؤه القلب والنفس نهايته أن يموت العبد وهو لا يقول: لا إله إلا الله. واذكروا قول الله عز وجل: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وإرشاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن )، والله عز وجل يقول -وقوله الحق- في سورة النساء: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17]، حق أوجبه على نفسه تفضلاً منه وتكرماً على عبده، إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]، ما السوء؟ موسى؟ سكيناً؟ سماً؟ ما السوء؟ قيل: إن عالماً بالرياض يعرف السوء، فهل نبعث إليه واحداً يعلمنا السوء أو ليس هناك حاجة؟ وإن قالوا: إنه غير موجود في الرياض، فقد التحق بالهند، فهل نبحث من نبعث إليه أو ليس هناك حاجة؟ ما السوء؟ السوء: كل ما أساء إلى نفسك، فلوثها بالعفن والنتن والظلمة من سائر الذنوب والآثام، كل ما يسيء إلى تلك النفس الطاهرة فيخبثها أو يلوثها فذلكم هو السوء، وعليه فيدخل في السوء كل معصية صغرت أم كبرت، وإنما التوبة على الله حقاً وصدقاً منته تفضله إحسانه، وإلا فمن يوجب على الله شيئاً وهو قاهر الخلق وملك الكل؟! لكن من إحسانه يوجب على نفسه اطمئناناً لقلوبنا، إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17] أولاً، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17] ثانياً. ما معنى: يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ [النساء:17]؟ أنواع الجهالة كثيرة، منها: أن يقول: هذا العالم الفلاني يفعل في هذا، فلو كان حراماً ما فعله، فهذا نوع من الجهالة، ومنها: أن يقول: هذا أحسن من أن أقتل فلاناً أو أفعل كذا وكذا، يهون هذا الذنب ويخففه، كذلك من الجهالة أن يقول: سيتوب الله عليّ وأتوب، أو يقول: إذا فعلت كذا أتوب، فهذه أنواع الجهالة، ويخرج منها ذاك الذي يتعمد معصية الله والفسق عن أمره عناداً ومكابرة على علم، ومثل هذا لا يتوب الله عليه، إنما يتوب الله على من فعل المعصية بجهالة من الجهالات، ثم يتوب من قريب، لا يؤجلها العام والأعوام، أما الذي يعرف أن الله حرم هذا ويفعله ساخراً وضاحكاً، فمثل هذا لا يتوب أبداً، ولا تقبل له توبة، إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17] عليم وحكيم يضع كل شيء في موضعه. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ [النساء:18]، الباب أُغلق، ما تنفعه تلك التوبة، وقد بين الحبيب صلى الله عليه وسلم هذا الإجمال بقوله: ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) إن الله يقبل توبة العبد والأمة ما لم يغرغر، تعرفون الغرغرة؟ آه، ما يُفصح، عندنا لها مثل الحاضرون ما عرفوه، أيام كانت البطارية -الحجر- التي نُشغِّل بها الإذاعة -سبحان الله- الكهرباء كالروح لا محالة، وهي الطاقة، لما تفرغ تلك الطاقة تصبح تلك البطارية تغرغر، فتسمع لها خشخشة، وكأن الروح كادت أن تخرج، فسبحان الله! الكهرباء هذه سواء بسواء، فإذا غرغرت وحشرجت الروح في الصدر فلا تقبل توبة العبد، ونحن لا ندري متى نموت؟ أو فينا من يعلم ذلك؟ يكذبكم من يدعي أبيضاً كان أو أسوداً. إذاً: فمن هنا وجب علينا أن نأخذ بالإرشاد المحمدي: أتبع السيئة الحسنة، والتوبة بإجماع أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة على أنها تجب على الفور، فلا توجد توبة يقول لك: أخرها أسبوعاً، أو انتظر بها حتى يأتي فلان، أو انتظر حتى تتوظف، أو انتظر حتى تتزوج، فهذا كله باطل ولا وجود له، وكل هذا من أجل أن نحقق مطلوب الله منا، ألا وهو: أن نموت مسلمين، فقلوبنا لله لا للشيطان ووجوهنا لله لا للشياطين.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #337  
قديم 02-12-2020, 12:05 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

أمر الله لعباده بأن يعتصموا بحبله ولا يتفرقوا
ثم جاء الأمر الثاني: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، كيف نعتذر اليوم إلى الله؟ واعتصموا، الاعتصام: الالتفاف حول الشريعة، وأخذها بعقائدها وعباداتها وآدابها وأخلاقها وأحكامها، اعتصامٌ كامل بذلك الحبل الممتد من العرش إلينا، ألا وهو الإسلام وكتابه وشرائعه. كيف حالكم معاشر المسلمين؟! كم مذهباً عندكم؟ سبعون، كم طائفة؟ كم حزباً؟ كم دولة؟ أين الاعتصام بحبل الله؟! أين عدم التفرق؟! وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، وقد خلعنا أيدينا من حبل الله وتركناه مدلى، وقلَّ من يُمسكه، فغضب فانتقم، لما تفرقنا وتمزقنا سلط الله علينا أوروبا التي كانت ترتعد فرائصها إذا قيل: عربي عند الباب. حدثنا الشيخ رشيد رضا في مناره عن شيخه محمد عبده رحمهما الله ورضي عنهما -وهناك فئة لا هم لها إلا النقد والطعن! وإنه لضلال في ضلال- قال: كنت في فندق في باريس -أستغفر الله- أو سويسرا فقلت لربة الفندق: أريد ماءً أتوضأ به، فجاءته بإناء فيه ماء -الشيخ محمد عبده يتوضأ ليصليَ المغرب أو الظهر- قال: فلما فرغت من الوضوء من ذلك الماء -ممكن في صحفة أو غيرها- جاءت طفلة جويرية صغيرة تحبو كعادة الأطفال الصغار، وأرادت أن تمس الماء، فقالت لها أمها: كخ كخ. فقالت البنت: ماما ماما ديدان ديدان. أي: العربي هذا سقطت منه هذه الديدان! فانظر كيف حذرت الأم الطفلة وقالت لها: كخ كخ، ابعدي، لمَ يا أماه؟ فيه وسخ هذا العربي، فالبنت انحسرت عنه فقالت: ماما ماما، ديدان، حشرات موجودة، جراثيم! فإذا أرادت هذه الأم أن تخوف ابنتها تقول: عربي عند الباب! فهل عرفتم أوروبا؟ واسألوهم، إذا أرادت الأم أو الأب أن يخوف ولده يقول له: عربي عند الباب! وكلمة: (عربي) عندهم يعني: مسلم، فكل مسلم عربي، صيني هندي بخاري، كل مسلم عربي، فكلمة: (عربي) هذه طغت؛ لأنهم هم الذين نشروا نور الله، وأخذوا الإسلام وبلغوه الشرق والغرب. فهؤلاء عرفوا كيف يعاملوننا، فمزقوا جمعنا وشتتوا شملنا، فقط الطرائق في قرية واحدة سبع طرائق: التجانية، القادرية، العيساوية، الرحمانية، الأحمدية، وكل طريقة يجتمع أهلها فيشربون الشاي ويأكلون، لا رابطة ولا جامعة، فهم على مذاهب شتى، فإذا قلت لأحدهم: هذا هو الحديث، يقول لك: لا، أنا مالكي! اسأل كذا، فيأتي للآخر فيقول لك: لا، أنا حنفي! آلله جاء بهذا؟! هذه مظاهر الخلاف والفرقة، كما جاءت مصيبة أكبر وهي الحزبية، فهذا حزب فلان، وهذا حزب فلان، وهكذا لما هبطنا سلط الله علينا أوروبا فساسونا وسادونا، من يقول: لا، والله إلا هذه البقعة فقط، كرامة الله لرسوله ولبيته، والعالم الإسلامي تحت أقدام الكفار، لمَ؟ لأنهم عصوا ربهم.قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، وهؤلاء نفضوا أيديهم من حبل الله وتركوه وتفرقوا، وبالتالي حقت عليهم كلمة العذاب. وإلى الآن ما زال المسلمون متفرقين جاهلين متخاصمين متباعدين، فلا إله إلا الله! وتأتينا مجلة كشمير اليوم إلى البيت فنشاهد الدماء مسفوكة والعظام مكسرة، فماذا نصنع؟ تأتي أنباء البوسنة والهرسك و.. و.. والشيشان فماذا نفعل؟ جاءتني اليوم ورقة منشورة عن أحد الإخوان قال: وصل إلى البوسنة والهرسك من المدينة ثلاثة آلاف مجاهد. كذب هذا! ثلاثة آلاف مجاهداً؟! أين تدربوا؟! أين تعلموا؟! كيف يجاهدون؟! يذهبون ليزاحموا أولئك المبتلين الممتحنين في قرص العيش؟! بماذا يجاهدون؟! أهكذا الجهاد؟! إن الجهاد في أمة لا إله إلا لله أن يقودها أمام واحد، هو الذي يبعث بالكتائب ويرسل بالفيالق التي تغزو وتفتح، أما أن ننتكس هذه الانتكاسة ونجاهد هذا الجهاد فلا عندما نكون أمة هابطة لا نستطيع أن نجاهد في أي بلد؛ لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، ولا تجمعنا جامعة ولا تربطنا رابطة، وليس لنا من الآداب والأخلاق ما يوحد كلمتنا أو يؤاخي بيننا، فنحتاج إلى تربية ربع قرن على الأقل، خمسة وعشرين سنة حتى نعرف قيمة الجهاد. إخوانكم في الجزائر أربع سنوات أو ثلاث إلى الآن يريقون دماء بعضهم بعضاً، ويمزقون لحوم بعضهم بعضاً من أجل الجهاد، وإقامة الدولة الإسلامية؟ هل ستقوم؟! أين الذين تقوم عليهم الدولة؟ أين أولئك الأبرار الصادقون الصالحون أولوا البصائر والنهى الذين يذوبون في ذات الله، الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ أمة هائجة تجري وراء الشهوات والأطماع هل يمكنها أن تتلاءم وتنحني بين يدي الله فتعطيه القلب والوجه حتى يسودها شرع الله؟ واحسرتاه! ولكن ماذا يجدي البكاء والتأوه، من الآمر بهذا الأمر: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] إنه الله.

معنى قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم)
وآخر أمر: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [آل عمران:103]، المسلمون في الهند قبل دخول الإسلام عليهم كانوا أعداء لبعضهم البعض، المسلمون في الشام، في إفريقيا، في أي مكان قبل وجود الإسلام ما كانوا على المودة والإخاء، بل كانوا على الفرقة والبلاء، وبخاصة أهل المدينة -الأوس والخزرج- فقد دارت رحى الحرب بينهم أربعين سنة، وذلك بين قبيلتين من أصل واحد أيضاً، ولكنه الجهل والكفر والعمى والضلال، فجمع الله بين قلوبهم بصورة عجيبة بالإسلام

امتنان الله على رسوله بأن ألف بين قلوب المؤمنين
واسمع قول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63]، فلو تأتي الآن دولة كبيرة كأمريكا، وتأتي بباخرة كلها دينار أمريكاني أو دولار وتقول للجزائريين: تحابوا، تعاونوا، تلاقوا، تعانقوا، خذ شيكاً بمليار، خذ شيكاً بكذا، فهل تزول الأحقاد والإحن والبغضاء والفتن؟ والله ما تزول، يأخذون المليارات، ويأخذون في الإسراف فيها والفساد والشر، فلا ننفع. لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63]، ما معنى: مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [الأنفال:63]؟ من الأموال؟ لا تفهم أن المال يوحد بين الناس، بل والله إنه يزيد الفتنة، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]، ألف الله بينهم بهذا النور القرآني، بمعرفة الله ومعرفة محابه ومساخطه، ومعرفة ما عنده لأوليائه وما لديه لأعدائه. هذه هي المعرفة التي ألفت القلوب ووحدت بينها، ألف الله بينهم أن هداهم للإيمان، وأن جمعهم حول رسوله الكريم، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وفترة من الزمن وإذا هم على قلب رجل واحد.وإن قلت: هذه القضية تتعلق بالأوس والخزرج أو بالأنصار والمهاجرين، ونحن بيننا وبينهم قرون، فكيف يذكرنا الله بها؟ فأقول لك: أما سمعت الله يقول: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [إبراهيم:6]؟ يذكرهم بأن أنجاهم من آل فرعون، فكم بينهم من الزمن؟ ثلاثة آلاف سنة. ويقول ليهود المدينة: اذكروا هذه النعمة، فلا يقولون: أوه هذه بعيدة؛ لأن تلك الوحدة وذلك التآلف والحب هو الذي نقل إلينا هذا النور والإسلام فعشنا عليه. وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103]، كانت القبائل العربية تتقاتل، والقبائل في كل بلاد العالم قبل الإسلام تتقاتل.

وجوب شكر نعم الله علينا
وهنا معاشر المؤمنين والمؤمنات! نذكر النعم فلا ننساها، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع بين يديه طعام، لا بقلاوة ولا رز بخاري ولا مصلي ولا.. ولا..، بل طعامه من تمر أو غيره لا يقول: ما هو؟ وما هذا؟ بل يأكل قرص عيش، أو كسرة خبز ثم يقول: ( الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة )، فالحمد لله رأس الشكر، فاحفظوا هذا يا عباد الله، فمن لم يحمد الله ما شكره. ثم تأتي السنة الأخرى وهي: ما رفع طعام الرسول أو مائدته أو صحفته من بين يديه إلا وقال: ( الحمد لله -لا تستعجلوا- حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنىً عنه ربنا ) فالصحابي يقول: ما رفع رسول الله صحفة أو مائدة إلا قال هذا اللفظ حتى مات، فكيف حالكم أنتم؟ هل تقولون هذا؟ إذا أردت أن تركب سيارتك والمفتاح بيدك ماذا تقول؟ هل تشكر الله؟ أليست هذه السيارة نعمة؟ والله لنعمة، إنها تسير بنا في الطرقات، وتقطع المسافات التي كنا نقطعها في الأيام في ساعات، والدابة التي تدب على الأرض، سواء كانت حماراً أو بغلة أو فرساً أو جملاً ماذا علَّمنا الله تعالى عند ركوبها؟ ماذا قال؟ قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:13-14]، فارفع رجلك يا عبد الله وضعها على جانب السيارة وقل: الحمد لله الذي سخر لي هذا وما كنت له مقرناً. والسفينة علمنا إذا ركبناها أن نقول: باسم الله مجراها ومرساها. أما الطائرة فلا تسأل، وطائراتكم أيها المسلمون -باستثناء هذه الأمة الطاهرة أو الحكومة الإسلامية- تباع فيها أنواع الخمور، تباع في السماء! ولا يذكر اسم الله، ولا يقال فيها: الله أكبر، فأين شكر الله على هذه النعم؟ إذاً: الشاهد عندنا: اذكر النعمة تشكرها، أما أن تنساها والله ما تشكر، فنحن مأمورون بذكر النعمة أو بشكرها؟ بذكرها؛ لأننا إذا ذكرناها شكرناها، لو قال: اشكروا، لا نستطيع ونحن لا نعرف النعمة ولا نذكرها، فأولاً: اذكروا النعمة؛ لأنك إذا ذكرتها شكرت الله، فإذا مشيت فاذكر قدميك وساقيك ورجليك، وأخوك يمشي على عصا، فهلا قلت: الحمد لله؟ وإذا مشيت وترى أخاً أعمى بين يديك أو ضعيف البصر وأنت تبصر، فهلا قلت: آه! هذه نعمة، أذكر الله وأشكره عليها. في جيبك ريال وعشرة وعشرون، وآخر ليس في جيبه ريال ولا قرش واحد، فهلا قلت: الحمد لله والشكر له. كذلك تجلس على مائدة فتأكل ما شاء الله من الأطعمة، فتذكر أن أناساً بجوارك وفي بلدك وغير بلدك ما وجدوا هذا الطعام، فهلا قلت: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. ولنذكر حادثة حتى نعمل بما نعلم والشكر لله، فإذا تعلمنا المسألة والله من جريدة وما هي من كتاب، ما نستطيع إلا أن نعمل بها!كنا بمدينة بريدة في رحلة للدعوة أو محاضرة، واستدعانا أستاذ من أساتذة البلاد للغداء، فوضع السفرة والغداء، وله شيخ أكبر مني، فلما وضعت السفرة وأقبلنا عليها نأكل وذاك الشيخ يقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، ينظر في تلك النعم من الرز واللحم ويقول: الحمد لله، والله حتى فرغنا وهو يقول: الحمد لله، الحمد لله، وإن شاء الله تنتقل إليكم. ومضت سنتان أو ثلاث وحدثت بها في هذا المسجد وانتشرت، وجمعني الله بآخر في الرياض، كذلك ما إن وضعت السفرة وأخذ الأكلة يأكلون إلا وهو يقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. إذاً: ذكر النعمة يا أبنائي يحملك على شكرها، وأما أن تتجاهل النعمة وتغمض عينيك عنها ولا تلتفت إليها، فلا يمكن أن تشكر الله عليها، بل اذكر تشكر. ولا تسألني عن نعمة الشكر، فالشكر قيد النعم، إذا النعمة حاصلة فقيدها الذي تقيدها به هو شكر الله، وهو أيضاً يجلب النعم ويأتي بها، فإن فقد عبد الله الشكر خرجت النعم من بين يديه، ولا يطمع في أن يحصل على مثلها، واقرءوا قول الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ [إبراهيم:7] هذه فيها معنى: وعزتي وجلالي لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ [إبراهيم:7] فماذا؟ إِنَّ عَذَابِي [إبراهيم:7] ما قال: ولئن كفرتم لأسلبنها أو لأحرمنكم منها، فهذه العبارة لا تؤدي الغرض، لكن التي تؤدي إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، ونعوذ بالله من السلب بعد العطاء، يمشي في صحة فيصبح مشلولاً، يمشي في رغد من العيش فيصبح فقيراً ، يصبح في أمن وإذا به في مخاوف، فهذا ألوان العذاب إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، فاذكروا معاشر الأبناء هذا، ولا تنسوا نعم الله، فإنها أداة الشكر، اللهم اجعلنا وإياكم من الشاكرين. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #338  
قديم 02-12-2020, 12:06 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (41)
الحلقة (182)

تفسير سورة آل عمران (46)


إن طاعة كثير من علماء اليهود والنصارى بالأخذ بنصائحهم وتوجيهاتهم وما يشيرون به على المسلم تودي به إلى الكفر، شعر بذلك أم لم يشعر، فلذا وجب الحذر كل الحذر منهم، وإنما يعصم المسلم من مثل ذلك التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن تمسك بهما لم يضل، وعن سبيل الهداية لم يزل.

قراءة في كتاب أيسر التفاسير
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده )، حقق اللهم لنا هذا الموعود، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وها نحن مع سورة آل عمران، وما زلنا مع النداءين الكريمين أتلوهما وتأملوا ما جاء فيهما، وقد عرفتم الكثير ولا ينقصكم إلا أن تتذكروا ما علمتم، ثم ندرس الآيات دراسة في الكتاب -أي: التفسير- إذ لو درسناها بدون قراءة لما جاء فيها في التفسير، وتلاوة الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:100-103].

معنى الآيات
هذه الآيات شرحها في هذا التفسير، فلنستمع ولنتأمل، قال الشارح غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ بعد أن وبخ الله تعالى اليهود على خداعهم ومكرهم وتضليلهم للمؤمنين، وتوعدهم على ذلك، نادى المؤمنين محذراً إياهم من الوقوع في شباك المضللين من اليهود، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]، وذلك أن نفراً من الأوس والخزرج ] والأوس والخزرج سكان هذه المدينة، وقد كان يقال لها: يثرب، وهم من قبائل اليمن، وذلك لما تحطم السد وشرد أهل البلاد نزح من نزح إلى الشام، ومن نزح نزح في طريقه، فبقي الأوس والخزرج هنا، وبعد أن طلعت الشمس المحمدية فيهم سماهم الله بالأنصار، إذ نصروا دين الله ورسوله والمؤمنين. قال: [ وذلك أن نفراً ] سبعة أنفار أو ثمانية [ من الأوس والخزرج كانوا جالسين في مجلس ] من مجالسهم في مدينتهم [ يسودهم الود والتصافي ] أي: جالسين يسودهم الود والتصافي والحب [ وذلك ببركة الإسلام الذي هداهم الله تعالى إليه، فمر بهم شاس بن قيس اليهودي ] عليه لعائن الله، فلما رآهم صامتين مبتسمين هادئين ساكنين مسرورين اغتاظ، وما طابت له الحياة [ فآلمه ذلك التصافي والتحابب، وأحزنه بعد أن كان اليهود يعيشون في منجاة -بعيدة - من الخوف من جيرانهم الأوس والخزرج؛ لما كان بينهم من الدمار والخراب ] أي: من الحروب، فقد دامت حرب أخيرة بينهم في الجاهلية أربعين سنة، واليهود ينعمون ويضحكون، أعداؤهم يتقاتلون وهم في راحة. قال: [ فأمر شاس شاباً ] من شبيبة المدينة [ أن يذكرهم بيوم بعاث ]. أرأيتم الإعلام اليهودي؟ إن اليهود اليوم أخبث من اليهود الذين مضوا لما علمتم أن الدنيا ما تنتهي حتى تشيخ البشرية فيزول ذلك الكمال البشري شيئاً فشيئاً، كنشأة الإنسان، ينشأ ذكياً طاهراً نقياً أربعة عشر سنة أو خمسة عشر ثم بعدها يشب، ويبدأ الطيش والمكر وكذا.. وإذا عرج على الستين أخذ يهبط حتى يخرف، فالدنيا هكذا، الكمال الذي كان في العرب لا يوجد الآن في خريجي كليات المشركين في أوروبا وغيرها.والشاهد عندنا -وهي لطيفة-: ما يمضي عام إلا والذي بعده شر منه، وعلة ذلك أن البشرية تكبر وتشيخ شيئاً فشيئاً، فتصبح تعبث بالحياة.قال: [ فأمر شاس شاباً أن يذكرهم بيوم بعاث، فذكروه وتناشدوا الشعر، فثارت الحمية القبلية بينهم، فتسابوا وتشاتموا حتى هموا بالقتال ] عرفتم ما فعل شاس؟ جاء بشاب مغرور لا يدري، فقال له: ذكرهم بأيام بعاث، فذكرهم فأخذوا يتناشدون الشعر كما كانوا، ويشتم بعضهم بعضاً حتى هموا بالقتال. قال: [ فأتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ] ذهب من ذهب إليه وقال: تعال، الأنصار كادوا يقتتلون [ فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم وذكرهم بالله تعالى وبمقامه بينهم ] أي: بمقام الرسول بينهم ووجوده فيهم [ فهدءوا، وذهب الشر ونزلت هذه الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]، فحذَّرهم من مكر أهل المكر من اليهود والنصارى، وأنكر عليهم ما حدث منهم، حاملاً لهم على التعجب من حالهم لو كفروا بعد إيمانهم؛ فقال عز وجل: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ [آل عمران:101] صباح مساء، في الصلوات وغيرها، وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] هادياً ومبشراً ونذيراً، وأرشدهم إلى الاعتصام بدين الله. وبشر المعتصمين بالهداية إلى طريق السعادة والكمال، فقال: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ [آل عمران:101] أي: بكتابه وسنة نبيه، فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101]، ثم كرر تعالى نداءه لهم بعنوان الإيمان تذكيراً لهم به، وأمرهم بأن يبذلوا وسعهم في تقوى الله عز وجل، وذلك بطاعته كامل الطاعة، بامتثال أمره واجتناب نهيه، حاضاً لهم على الثبات على دين الله حتى يموتوا عليه، فلا يبدلوا ولا يغيروا، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، وأمرهم بالتمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، ونهاهم عن التفرق والاختلاف، وأرشدهم إلى ذكر نعمته تعالى عليهم بالألفة والمحبة التي كانت ثمرة هدايتهم للإيمان والإسلام، بعد أن كانوا أعداء متناحرين مختلفين، فألف بين قلوبهم فأصبحوا بها إخواناً متحابين متعاونين، كما كانوا قبل نعمة الهداية إلى الإيمان على شفا جهنم، لو مات أحدهم يومئذ لوقع فيها خالداً أبداً، وكما أنعم عليهم وأنقذهم من النار، ما زال يبين لهم الآيات الدالة على طريق الهداية الداعية إليه؛ ليثبتهم على الهداية ويكملهم فيها، فقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103] ] هذا شرحٌ لتلك الآيات، فهيا نضع أيدينا على ثمارها، وعلى نتائجها وعبرها علَّنا ننتفع بذلك.
هداية الآيات
قال الشارح: [ هداية الآيات: ] ولكل آية هداية تهدي المؤمن إلى رضوان الله وجواره الكريم[من هداية الآيات: ]

أولاً: أن طاعة علماء اليهود والنصارى يؤدي بالمسلم إلى الكفر
[ أولاً: أن طاعة كثير من علماء اليهود والنصارى بالأخذ بنصائحهم وتوجيهاتهم وما يشيرون به على المسلم تؤدي بالمسلم إلى الكفر، شعر بذلك أم لم يشعر، فلذا وجب الحذر كل الحذر منهم ]، وبينا هذا بياناً شافياً، وسمعتموه في إذاعة القرآن، فانتبهوا، إذ إن طاعة كثير من اليهود -لا كل اليهود- والنصارى والأخذ بنصائحهم التي يقدمونها لنا وبتوجيهاتهم السياسية والمالية والعلمية والاجتماعية والديمقراطية وما يشيرون به على المسلم، افعل كذا، لا تفعل كذا، يؤدي بالمسلم إلى الكفر، شعر بذلك أم لم يشعر، فلذا وجب الحذر كل الحذر منهم.وقد بلغني اليوم من أحد الناس: أن امرأة مصرية زوجها ملحد علماني فرفعت أمرها إلى المحكمة وطالبت بالطلاق لأنه كافر، فطلقها القاضي، فأذاع اليهود من إذاعة لندن فقالوا: إن المصريين تأخروا بهذا الحكم خمسين سنة إلى الوراء! كيف تُطلِّق المرأة عن زوجها لأنه علماني، أو لا يؤمن بالله واليوم الآخر؟! تبجحت إذاعة لندن بهذا.والشاهد عندنا: قولوا: صدق الله العظيم، أقول على علم: إن الكثيرين ممن يسوسون العالم الإسلامي من وزراء وخبراء وفنيين ومسئولين، كثيرون منهم لما كانوا يدرسون هذه العلوم المادية في روسيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، تخرجوا وقد سمموهم وأفسدوا قلوبهم، ومن قال: لمَ؟ ما الدليل؟ أقول: الدليل: أنهم مصرون على الباطل، وتطبيق الهوى، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله، ولو كانوا أحياء بإيمانهم بصراء لا يثبتون على هذا، لا بد وأن يطالبوا بالإسلام وتطبيق شريعته، لكنهم كالمسحورين. أو ما فهمتم هذه اللغة؟ أنت تجلس بين يدي كافر يربيك عشرين سنة حتى تأخذ الدكتوراه، عشر سنوات وأنت تسمع منه وتتلقى منه وهو كافر، أما ينتقل كفره إليك؟ هل أنت معصوم؟ شاب يجلس في مجلس فاسد سبعة أيام أربعة أيام فيقلبوه إلى خبيث منتن، فكيف بالذي نضعه بين أيدي مربين علماء مسيح ويهود ونصارى يتعلم منهم؟! ما يسلم إلا أن يشاء الله، وهذا كلام الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:100-101]. من أين يأتي الكفر؟ يا للعجب وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]، وهذا قد بيناه مئات المرات، لكن صوتنا هذا لا يسمع. هل يمكن أن اليهود سحرونا؟! نقول: ينبغي إذا أردنا أن نبتعث بعثة من أبنائنا أن نبعث معهم عالَمين، وأن نسكنهم في منزل واحد، وأن يكون في المنزل مسجداً، فإذا خرجوا من المدرسة يأتون إلى تلك القاعة النورانية، فيتعلمون الكتاب والحكمة، ويعبدون الله عز وجل، فيعودون أطهر مما كانوا؛ لأنهم حبسوا كذا سنة في بيت الله يتلقون الكتاب والحكمة، أما أن نبعث بهم وهم شبان، حمقى، طائشين، هائجين، شهواتهم عارمة، نبعث بهم يدرسون، من يسلم منهم من الزنا والعهر؟ ومن يسلم منهم من الباطل؟ ومن ومن؟ إلا أن يشاء الله.في بلادنا هذه المكرمة السعيدة بدولة الإسلام، يأتون ولكن ما يُفصحون، لا بد وأن يصلي ويقول: لا إله إلا الله، لكن بلاد حرة أخرى يسب فيها الله والرسول ويسخر منك، فهل فهمتم هذه أم لا؟ لمَ لا تبلغونها؟ والمحنة أيضاً: أنهم يبعثون بناتهم وفتياتهم يتعلمن في سويسرا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا! كيف يعدن هؤلاء؟ عواهر مائة في المائة، ومن أجل ماذا؟ ومن شرع لنا تعليم بناتنا الكفر والباطل؟ إنهم اليهود والنصارى، الذين يقولون: حتى لا تبقى المرأة ميتة في البيت، ميتة في البيت! تعال نبين لك حياتها في البيت، فأنت الميت وأمك وامرأتك، المرأة في بيتها تعبد الله أربعاً وعشرين ساعة، فهي تذكره دائماً، فهل هذه ميتة؟! إنها تربي البنين والبنات وتخرجهم صالحات، وتقوم بشئون زوجها، وتسعده في فراشه وفي طعامها وشرابها، كل هذا العمل لا تأتي به فرنسا كلها، قولوا: مسجونة في البيت! ونحن نمد أعناقنا لأننا جهالاً لا نعرف شيئاً، ماذا أنتج لهم تعليم بناتهم في الضلال والزندقة والباطل؟ هل لهم أن يدلونا؟ والشاهد عندنا: قول الله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101]، والحال أنكم تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]؟ هذه هي المناعة، هذه هي الحصانة، أما أن نبعدهم عن الكتاب والسنة بالمرة ونطرحهم ونضعهم بين أيدي مربين كفرة، ونقول: يؤمنون، فهذا ليس بمعقول، بل إنهم يكفرون، فبلغوا هذا للمسلمين.

ثانياً: أن العصمة في التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
[ ثانياً: العصمة] كل العصمة [ في التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن تمسك بهما لم يضل ] ولن يضل، وأخذنا هذا المعنى من قول الله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]، فأيما أسرة أو قرية أو أمة أو جيل من الناس يعيشون على كتاب الله وسنة الرسول، فلا يضلون ولا يكفرون ولا يفسقون -ووالله ما كان- بل مستحيل، فإنها سنن الله التي لا تتبدل، فالطعام يشبع، والماء يروي، والحديد يقطع، والنار تحرق. فلماذا لم تتوقف هذه السنن؟ هل أصبحنا في وقت الماء لا يروي أبداً؟ هل تشرب برميل ماء فلا تروى؟! هل أصبحت النار لا تحرق؟ هل هذه السنة تبدلت؟! لا. إذاً: الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله من سنن الله أن صاحبهما لن يزيغ ولن يكفر ولن يهلك أبداً.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #339  
قديم 02-12-2020, 12:06 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

ثالثاً: الأخذ بالإسلام جملة والتمسك به عقيدة وشريعة أمان من الزيغ والضلال
[ ثالثاً: الأخذ بالإسلام جملة والتمسك به عقيدة وشريعة أمان من الزيغ والضلال، وأخيراً من الهلاك والخسران ] في الدنيا والآخرة، فلا زيغ في القلب ولا ضلال في الحياة، ولا هلاك في الدنيا والآخرة، ولا خسران للذين تمسكوا بالإسلام. والبرهان على هذا: ما زلنا نقول: أنت في بيتك تمسِّك بالكتاب والسنة، وانظر هل تزيغ أو تهلك؟ هل تخسر؟ والله ما كان، سواء أسرة أو قرية، وقد بينا غير ما مرة: القرون الثلاثة الذهبية، هل اكتحلت عين الوجود بمثلها؟ والله ما كان، وعرف هذا الأعداء، فهم يشوهون ويزيدون وينقصون كالكلاب يلهثون، ولكن مستحيل أن يوجد جيل أو أمة تبلغ ذلك المستوى الذي بلغته تلك القرون الذهبية من الصحابة وأولادهم وأحفادهم، إنه الكمال المطلق في عقولهم، في آدابهم، في سلوكهم، في حياتهم كلها. سبب ذلك ماذا؟ تعاليم سقراط؟ الفلسفة الكاذبة؟ التاريخ الهائج؟ إذاً ماذا؟ ما هو إلا قال الله وقال رسوله، التمسك بالكتاب والسنة عقيدة وخلقاً وآداباً وشرائع وأحكاماً وقوانين. وقلنا لهم: تعالوا نريكم بأعينكم يا حسدة، لما هبط العالم الإسلامي إلى الأرض أين كان؟ كان في السماء، هبط فوضع الغرب قدميه أو أقدامه على العالم الإسلامي، ممالك الهند حكمتها شركة تجارية بريطانية، أُسود المغرب وأبطاله شمال إفريقيا كان يضرب بهم المثل، وضعت فرنسا أقدامها على رقابهم وبالت عليهم. الشرق الأنور الأوسط كله يرزح تحت وطأة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. فكيف هذا؟ ما السبب يا فلاسفة، يا علماء الاجتماع، يا علماء النفس؟ دلونا؟ والله ما يعرفون، هبطوا لأنهم احتالوا عليهم منذ قرون، أبعدوهم عن القرآن إي والله، حوَّلوا القرآن ليُقرأ في المقابر والمآتم، ليُقرأ على الموتى فقط، ويحك! أن تقول: قال الله، اسكت، كيف تقول بدون علم: قال الله؟! والسنة تُقرأ للبركة، ففقدوا مصدر الحياة فماتوا، انتشر الشرك، وعمَّ علماء أزهريين بعمائمهم وهم يركعون ويسجدون على القبور! لا إله إلا الله! قرون فقدوا العقيدة، فقدوا النور، فقدوا الهداية، وأصبح في القرية خمس طرق، الآن مصر المعزية بها سبعون طريقة، وإن كان خفت صوتها لكن ما زالت أصولها سبعين طريقة، من التجانية إلى القادرية إلى.. إلى..، لا إله إلا الله! المذاهب مفرقة، الطرق.. و.. وبالتالي سلط الله علينا الغرب فحكمونا، وشاء الله عز وجل أن يريهم آية من آياته، ومع هذا عموا وصموا، لا إله إلا الله! ففجأة طلعت شمس الإسلام من جديد، قالوا: عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود احتل الرياض وأعلن عن دولة القرآن! كيف هذا؟! قالوا: نعم، زحف من بلد إلى بلد، ووصل إلى المدينة فحاربوه وقتلوا رجاله، ثم انتقل إلى مكة وجلس عبد العزيز على كرسي الملك.لطيفة ذكرها الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار فقال: زرت الملك عبد العزيز وهو في قصر المعابدة، وقصر المعابدة كان لدولة الأشراف، قال: فلما دنوت تلوت آية من سورة يونس، وهي قوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا [يونس:13] الله أكبر! لما ظلموا أو لا؟ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:13-14] قال: وإذا عبد العزيز يغلبه البكاء والنشيج، فأين أنت نازل يا عبد العزيز ؟ في قصر المعابدة تبع الأشراف، من أجلسك هناك؟ من ملَّكك؟ أليس الله؟ لمَ؟ ليبتليك، لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس:14]. ونحن صبية في الكُتّاب نتعلم القرآن لنقرأه على الموتى فقط، حتى أمي رحمة الله عليها -وهي من الصالحات إن شاء الله- قالت: يا رب! أسألك أن تجعل ولدي إما طالب قرآن وإما جزار. لماذا؟ لأن اللحم عندنا من العام إلى العام، أو كل ستة أشهر مرة، وسلوا أجدادكم، الجزار لا بد أن يأتي باللحم وبالكرشة وبكذا، أو طالب قرآن يقرأ على الموتى ويأتيها بقطعة اللحم يلفها في منديله ويأتي بها، رحمة الله عليها. إذاً: هذا الشيخ يعلمنا القرآن ونحن صبية، فقال: الآن السلطان عبد العزيز في مكة ومر رجل معه كيس في الشارع فيه دقيق، ومسه آخر بأصبعه -هذا الرجل- فبلغ السلطان أن هذا الرجل أراد أن يسرق أو كذا، فقام فقطع له أصبعه -وهذه مبالغة- قطع أصبعه لأنه مسَّ كيساً ليس له، وليس له ذلك، وبالتالي ساد الأمن في هذه الديار، وما عرفته والله إلا أيام الخلفاء الراشدين والقرون المفضلة. أمن حارت به الدنيا، لا يوجد في أوروبا ولا في أي مكان، ما عنده تلفوناً ولا رشاشاً ولا طيارة ولا..، يخرج المؤمن من المدينة إلى حائل، إلى الأحساء، إلى أبها، إلى الرياض لا يخاف إلا الله، فلا إله إلا الله! أمن وطهر، فقد انتهت الجريمة، فلا خلاعة ولا زنا ولا فجور ولا.. ولا..، وما شذ فلا قيمة له، إذ قد شُذَّ حتى على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن منذ ثلاث وأربعين سنة قلت لكم: كنا ننزل في بيت بلا أبواب أبداً، ودكاكين الذهب والله ما هي إلا خرق تلقى عليها، ويذهب صاحب الذهب إلى بيته يقيل ويتغدى وينام ثم يأتي! سحر هذا أم ماذا؟ كيف تحقق هذا؟ إذاً: أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. هذه هي النعمة. والشاهد عندنا: العرب والمسلمون يقولون: هؤلاء وهابيون، خوامس! وقد جاءني - وأنا طفل- أحد الصالحين من تلامذة العقبي في العاصمة بالأصول الثلاثة، وقد طبعت في الجزائر لأن دعوة الإصلاح منتشرة على عهد العقبي ، فأعطيت الكتاب لشيخي الذي يعلمنا القرآن، وكان ذكياً وفطناً، فتصفح الكتاب وهو على المنصة أو الدكة، ثم قال لي: يا أبا بكر ! هذا الكتاب طيب، ولكن قالوا: مؤلفه خامسي، مذهب خامسي! وأخذ العالم الإسلامي ينهش ويعض ويكسر ويحطم، لا يريد هذا النور أن يبقى أبداً، لكن الله قهرهم.وجاء دور الاستقلال، وهنا قلت: إن القوم عموا وصموا - فجاء دور الاستقلال- فأول قطر استقل -اسمعوا يا أحداث- هو انسحاب فرنسا من سوريا ولبنان، فكان المفروض والواجب القرآني الإسلامي الإيماني بمجرد ما خرجت فرنسا أن يبعثوا وفداً إلى السلطان عبد العزيز، وكان يومها هو هو، ويقولون: استقل هذا الإقليم عن دولة الكفر فلينضم إلى دولة القرآن. افهموا أن الشيخ يتكلم معكم ولا يعتبر ساسة الدنيا ساسة، بل هم جهلة يعيشون في الظلام، وأعود فأقول: كان المفروض أن يأتوا إلى عبد العزيز ويقولون له:يا سلطان عبد العزيز! استقل هذا الإقليم، ابعث لنا قضاة يطبقون شريعة الله، يحكموننا بالإسلام، وابعث خليفة لك يضيء هذا القطر وينضم إلى المملكة، وتطبق شريعة الله في دمشق وفي بيروت وفي تلك البلاد كما هي في المدينة والرياض والأحساء وحائل وتبوك. يسعدون أو لا؟ أو ما تعرفون؟ والله لو فعلوا لسعدوا في الدنيا والآخرة. ثم فجأة استقل العراق عن بريطانيا، فلو قالوا: يا سلطان عبد العزيز! ابعث قضاة، كنا نُحْكَم بالهوى، وابعث والياً عاماً يخلفك في تلك الديار، وهكذا استقل الأردن، استقلت مصر، استقلت كذا.. خمسة وثلاثون سنة والخلافة قائمة، أمة الإسلام أمة واحدة. لمَ ما فعلوا هذا؟ كل إقليم يستقل ماذا يصنع؟ الجمهورية، الديمقراطية، الوطنية، كذا.. مضى هذا من أجل أن يذوق المسلمون الذل والهون والدون والشقاء والخسران في الدنيا قبل الآخرة. أليس هو هذا أيها المسلمون؟ أين ثمار الاستقلال ونتائجه؟! فهل عرفنا الآن أو لا؟ قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران:103]، فما حبل الله سوى دينه وكتابه وهدي رسوله وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101] لن يضل ولن يشقى أبداً. إذاً الهداية الثالثة: [ الأخذ بالإسلام جملة والتمسك به عقيدة وشريعة أمان من الزيغ والضلال، وأخيراً من الهلاك والخسران ] والله الذي لا إله غيره! لو أن دولة في أوروبا تسلم غداً بلجيكا أو بريطانيا أو هولندا أو أي دولة، وتقيم الدولة كما أقامها عبد العزيز، للاحت في آفاق أوروبا أنوار لا حد لها، ولدخل الناس في دين الله أفواجاً، آيات الله، لكن اليهود والنصارى لا يريدون هذا، فهاهم الآن في البوسنة والهرسك فقط ما هم بالمسلمين، فقط قالوا: مسلمون، وإلا لا شريعة ولا ولا ولا، وأوروبا في كرب وهمّ وحيرة، يعقدون مؤتمرات في الداخل والخارج من جهة أن هؤلاء مظلومين، ومن جهة أنهم يريدون الإسلام، وهم في فتنة، فكيف لو أسلمنا قلوبنا ووجوهنا لله؟! أربعة وعشرون ساعة فقط ويهتز العالم بأسره.وكيف نسلم يا شيخ؟ بينا الطريق، فليس فيه كلفة، فقط معاشر المسلمين! من الليلة يجب أن نجتمع في بيوت ربنا بنسائنا وأطفالنا ورجالنا، نتلقى الكتاب والحكمة، ونبكي بين أيدي ربنا؛ فإنه سوف يعزنا ويرفعنا. فهل هذا يكلف شيئاً؟ ما إن تقبل الأمة على ربها، وتجتمع في بيوته يقودها نور الله -الكتاب والسنة- حتى تنتهي الخلافات، وينتهى الباطل والشر والخداع والتكالب على الدنيا والعبث والسخرية والفجور، كل هذا يمحى، سنة الله لا تتبدل، وتعود أمة الإسلام من جديد، بالحجارة تهدم كل سور من أسوار الكفر، بل ما يتركها الله للحجارة، وإنما يفتح عليها أنواعاً من السلاح ما عرفته أوروبا؛ لأن الله معها.معاشر المستمعين! هذا كلام اليهود والنصارى على علم به وعلى يقين، والمسلمون ولا واحد في المائة يعرف هذا ويسمع به، أما هم فيعرفونه يقيناً على علم.

رابعاً: وجوب التمسك بالدين الإسلامي وحرمة الفرقة والاختلاف فيه
قال: [ رابعاً: وجوب التمسك بشدة بالدين الإسلامي، وحرمة الفرقة والاختلاف فيه ] فلا مذهبية ولا طرقية ولا وطنية ولا.. ولا..، وإنما مسلم، وهذا شأن المسلم، لكن ما يريد الأعداء ذلك، فقد قسمونا مذاهب وطرقاً، قسمونا دياراً ووطنيات، فهل في الإسلام وطنية؟ وطن الإسلام الأرض كلها، ليس فلسطين فقط، أوروبا كاملة يجب أن تكون للمسلمين، أمريكا وكل ما فيها، ما هي قضية طين وتراب، وإنما يجب أن يُعبد الله في الأرض ولا يعبد غيره، لكن الوطنية درسناها في كتب السياسة.

خامساً: وجوب ذكر النعم لأجل شكرها
قال: [ خامساً: وجوب ذكر النعم لأجل شكر الله تعالى عليها ] بمَ يشكر الله؟ بطاعته وطاعة رسوله، بعد الحمد لله الطاعة لله ورسوله، وهي شكر النعمة. هل أمر تعالى بهذا؟ أما قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [آل عمران:103]؟ لمَ نذكرها يا رب؟ من أجل أن تشكروها، فمن ذكر شكر، ومن جحد وأنكر كيف له أن يشكر؟! الذي لا يعترف أنك أعطيته سيارتك كيف يقول: جزاك الله خيراً؟ فإذا اعترف أنك أعطيته سيقول لك: جزاك الله خيراً، فاذكروا تشكروا، ومن لم يذكر والله ما يشكر.

سادساً: أن القيام على الشرك والمعاصي وقوف على شفير جهنم
قال: [ سادساً: القيام] أي: البقاء [ على الشرك والمعاصي وقوف على شفير جهنم ] القائم الواقف على الشرك في عقيدته، في عبادته، في أحكامه، القائم على المعاصي، ارتكاب المحرمات، غشيان الذنوب، ترك الواجبات؛ هذا معناه أنه واقف على شفير جهنم. أتعرفون الشفير؟ إنه حافة البئر، والواقف على حافة البئر يكاد أن يسقط. ثم قال: [فمن مات على ذلك وقع في جهنم حتماً بقضاء الله وحكمه ] وقد قال الله: وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ [آل عمران:103]. أسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #340  
قديم 02-12-2020, 12:07 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 59,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة آل عمران - (42)
الحلقة (183)

تفسير سورة آل عمران (47)


أمة الإسلام هي خير الأمم، لأنها حملت مهمة تبليغ الدين بعد انتقال نبيها صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقد حث الله أفراد هذه الأمة أن تحمل لواء الدعوة إلى التوحيد، والأمر بالمعروف في أوساطها، والنهي عن المنكر؛ لأن ذلك هو طريق الفلاح والفوز برضا الله عز وجل ودخول جنته.

تفسير قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي تليها ندرس كتاب الله عز وجل -القرآن العظيم- رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال -فداه أبي وأمي- صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده )، حقق اللهم لنا هذا الموعود، إنك ولينا ولا ولي لنا سواك.وها نحن مع سورة آل عمران، ومع قول ربنا جل ذكره بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [آل عمران:104-109].

معنى قوله تعالى: (ولتكن منكم)
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! من القائل: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] وصفها كذا وكذا؟ والله لهو الله، إذ هذا كلامه في كتابه أوحاه وأنزله على المصطفى الذي اصطفاه من كافة الخليقة، واجتباه لهذه الرسالة، محمد صلى الله عليه وسلم. إذاً: هذا أمر، والأمر مثل: قم، صلِ، انطق، افهم، والآمر إذا كان الله فهل يُعصى؟! لا يصح العصيان أبداً، لا يصح عصيانه وإلا العصا، إذاً: ولتكن منكم يا معشر المسلمين، و(اللام) هنا لام الأمر يجب أن تكون منا. أُمَّةٌ [آل عمران:104]، والأمة: العدد الكبير من الرجال الذين أمرهم واحد، معتقدهم واحد، منهجهم واحد، أملهم واحد، تجمعهم جامعة، فلا يكونون أفراداً متفرقين.

صفة ومهمة: (الأمة) في قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة)
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ [آل عمران:104] ما مهمتها؟ ما الذي وصفت به؟ قال تعالى: يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران:104]، والخير ضد الشر، الخير ما يحصل به كمال الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، وما يحصل به شقاؤه وخسرانه ونقصانه في الدنيا والآخرة فهو شر وليس بخير.

تفسير معنى: (الخير) في قوله تعالى: (يدعون إلى الخير)
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران:104] الخير ما يحصل به الكمال والسعادة للإنسان، وينجو به من الشقاء والنقصان والخسران، وبالتالي فما هو هذا الخير؟ ألا إنه الإسلام بعقائده وآدابه وأخلاقه وعباداته وشرائعه وأحكامه، هذا هو الخير الذي يجب أن يكون من المسلمين من يدعون إليه، يدعون الأبيض والأصفر، الأحمر والأسود، العربي والعجمي من بني آدم أجمعين. وَلْتَكُنْ [آل عمران:104]، يجب أن تكن؛ لأن الله أهلَكم لذلك، وهيأكم له وأعدكم، فبعث فيكم رسوله، وأنزل عليكم كتابه، ورزقكم الإيمان الصادق به وبما جاء به رسوله، فأنتم متأهلون لهذه المهمة. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ [آل عمران:104] أيها المسلمون، أُمَّةٌ [آل عمران:104]، كم عددها؟ لا يقال: لها عدد، إنما المهم أن يوجد بين المسلمين من يغزو ويفتح ويعلن كلمة التوحيد ويدعو البشرية إليها، هل امتثل المسلمون هذا؟ إي والله، لو ما امتثلوا هذا ما اجتمعنا هذه الليلة، ولا كان فينا إسلام ولا مسلمون، ولكن الذين امتثلوا هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأولادهم وأحفادهم وأحفاد أحفادهم، فهم طيلة ثلاثمائة سنة وهم ينشرون راية العدل والحق في العالمين، حتى انتهى الإسلام إلى المحيط الأطلنطي، فقال أحدهم وقد رمى بفرسه في البحر: لو أعلم أن وراء هذا البحر أمة لمشيت إليها. وشرقوا وانتهوا إلى ما وراء نهر السند أداءً لهذا الواجب، ويعلم الله لقد قاموا به، فلقد كانت منهم أمة الجهاد والغزو والفتح، لا للدنيا ولا للمال، ولكن لامتثال أمر الله. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران:104]، ألا وهو الإسلام، فهل وراء الإسلام من خير؟ قولوا! لا، فهيا بنا نتجول في ربوع العالم، نبدأ بالبرازيل وننتقل إلى كندا، ونترك أمريكا في الوسط، ونشرق ونغرب إلى اليابان، إلى الصين، أي خير هم فيه وعليه؟! الفجور، الخداع، الكفر، الباطل، المقاطعة، بلاء عظيم! أين الخير؟ الخير هو الإسلام، فهو نعمة الله، إذ قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3].

واجب العلماء الربانيين في السعي لتوحيد الأمة
الآن هل أمة المسلمين وِجدت من هذه الأمة؟ من هم؟ يجب أن يكون للمسلمين إمام يؤمهم، قائد يقودهم، هادي يهديهم، مرشد يرشدهم، مصلح يصلحهم، هذا الإمام يجب أن يعد العدة، وأن يجيش الجيش ويهيئوه ويغزو به بلاد العالم، هل لاستعمار الأمم واستغلال أموالهم وثرواتهم واستذلالهم وإهانتهم؟! لا والله، وإنما لإدخالهم في رحمة الله، لتطهيرهم وتصفيتهم وتزكيتهم، وإعدادهم لسعادة الدنيا والآخرة.بعبارة أقرب: من أجل أن يعرفوا ربهم وخالقهم، رازقهم ومدبر أمرهم، ثم يعبدوه بما شرع، فتلك العبادة هي التي تكملهم في آدابهم وأخلاقهم ومعارفهم، وتسعدهم في دنياهم وأخراهم، إذ ليس للبشرية سوى هذه الأمة، فمن يقوم بهذه الرسالة؟ الكاثوليك عبدة الأهواء والشهوات، أم الملاحدة، أم المجوس؟ من يحمل هذه الرسالة؟ هل يوجد غير المسلمين؟! فهيا نطيع ربنا، دلونا على الطريق، جماعات تقول: الحاكمية، الجهاد، الحكام كفار، الأمة كافرة، وصاحوا وذُبِحوا، وصاحوا وخُنِقوا، وصاحوا وماتوا ولا شيء، لعلي واهم؟ قم وقل لي: أما رأيت كذا؟ حينئذ نقول: نستغفر الله ونتوب إليه.هل أقمتم حكماً إسلامياً؟ أطلعت شمس تلك البلاد وأصبحت تضيء الحياة للناس، وأصبحت مضرب المثل؟ تعالوا وزوروا هذا البلد وشاهدوا الأنوار، الصفاء والطهر، والأخوة والولاء، العزة والكرامة، انظروا إلى تحكيم شرع الله! ماذا نصنع؟ هيا دلونا، لو تقوم جماعة من الربانيين الصادقين أولياء الله الذين إذا رفعوا أكفهم إليه ما ردها خائبة أبداً ولا صفراً، لو سألوه أن يزيل الجبل لأزاله، لو أقسموا على الله لأبرهم وما حنثهم، هذه الجماعة الربانية تزور العالم الإسلامي إقليماً بعد آخر، وتقرع باب كل حكم وحكومة، وتقول: هيا بنا نتعانق، نحيي هذه الأمة بعد موتها، ويبتدئون من بلد إلى بلد وهم يعركون ويُلَيِّنون و.. و.. وفجأة وإذا بحكام العالم الإسلامي وعلمائه قد اجتمعوا في هذه الروضة، إذ ما هو صعب الآن، بالطيارة خلال أربع وعشرين ساعة وهم فيها، ما هو كالزمان الأول مستحيل. فيقولون: بايعناك يا إمام المسلمين، ثم يا علماء! لا تخرجوا من هذه الروضة حتى تضعوا دستور أمة الإسلام، القرآن والسنة وما عليه فقهاء وعلماء الأمة، في خلال أربعين يوماً والدستور يطبق من إندونيسيا إلى موريتانيا بأيدي القضاة والحكام -الكتاب موجود- أربعون يوماً فقط وأمة الإسلام أمة واحدة، فإذا قلت لها: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ [آل عمران:104] وجدتها قائمة، الجيوش العربية الإسلامية أصبحت تقام فيها الصلاة ويعبد فيها الله، وانتهت الضلالة والخرافة، وانتهى هذا الفسق والمجون والباطل، ولاحت أنوار الصدق والوفاء، وأصبحت كلمتهم كلمة أولياء الله، فيغزون ما شاء الله، بل إذا اتجهوا صوب إقليم دخل في رحمة الله، فماذا ترون؟ أو ما هناك حاجة إلى هذا الدرس يا شيخ! اترك هذا؟! أيجوز هذا؟ نقرأ ونمشي، ألسنا مأمورين؟ وَلْتَكُنْ [آل عمران:104] من؟ مِنْكُمْ [آل عمران:104] نقول: لا، نحن غير مؤمنين، تكون من غيرنا، نرضى بهذا؟ نقول: ما نحن بمؤمنين، اتركنا! لا أبداً، نرضى أن نُحرَّق، نصلب، نقتل وما نرضى أن نكفر ونتخلى عن إيماننا. وَلْتَكُنْ [آل عمران:104] هل الأمر صعب؟ لا، بل سَهُل الآن، وكما قلت لكم وأعيد القول من فتوحات الرحمن: لو بيننا ربانيون سالمون، صالحون، صادقون، خمس عشرة عالماً، عشرون، مائة من العالم الإسلامي، وتتكون لجنة من خيارهم وتقوم بزيارة مسئولي أمة الإسلام وحكامهم، وتعرض عليهم منهجاً ربانياً لجمع كلمة هذه الأمة، وتوحيد صفها؛ لتنهض بواجباتها، وتقوم بأداء رسالتها، فلا أظن أنهم يخيبون أبداً؛ لأنهم يعرفون كيف يعرضون، وأنوار الله تلوح من أفواههم ومن أبصارهم، وفجأة وإذا موعدنا شهر كذا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يخرجون من هذه الروضة إلا وقد بايعوا إمامهم: أنت إمام المسلمين، ويعودون يطبقون شرع الله، وفجأة وإذا بالبلاد كلها أنوار؛ لأن الوقت مناسب، والزمان مواتي، لكن قبل وجود هذه المواصلات كان هذا من أبعد البعيد، كيف تزور هذه البلاد وأنت تحتاج إلى أربع سنوات وأنت تمشي حتى تصل، بينما الآن يطوفون بالعالم الإسلامي في ثلاثين يوماً، بل أقل، فأين هؤلاء الأولياء الصالحون؟ ما وِجِدوا بيننا؟! لمَ؟ لأن آباءهم وأمهاتهم ما رُبُوا في حجور الصالحين، فما تربوا هم في حجور الصالحين، فكيف يوجدون بهذا الصلاح؟! كيف يحصل هذا؟! ونقول: كيف؟ نقول: ما وجدوا، فأين هؤلاء؟ لو وجِدوا لجمعوا كلمة المسلمين، لوحدوا صفوفهم، لطهروا قلوب المؤمنين من الشرك والضلالات والخرافات والأوهام والأطماع والشهوات، لكن إن وجد هذا فقد قلت لكم: قطعاً هذا أمر سهل ويسير في هذه الظروف.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 241.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 235.85 كيلو بايت... تم توفير 6.01 كيلو بايت...بمعدل (2.49%)]