تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 10 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2962 - عددالزوار : 358283 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2365 - عددالزوار : 150418 )           »          "فقه السنة" محقق للشيخ الألباني وغيره ....للقراءة ---------متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 99 - عددالزوار : 6571 )           »          تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 79 - عددالزوار : 1604 )           »          الوظيفة الاجتماعية لأدب الأطفال الحديث (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          العربية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          نصوص من الشعر الإسلامي .. حسان بن ثابت وخبيب بن عدي نموذجا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          وأدمنت الدعاء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 24 )           »          لستَ نحسًا (قصة قصيرة) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          ليلي المتناقض - قصة قصيرة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #91  
قديم 22-08-2020, 04:59 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (51)
الحلقة (58)




تفسير سورة البقرة (22)

عجب حال بني إسرائيل، يرون الآيات أمام أعينهم، ويرون فضل الله وإنعامه عليهم، ثم إذا نعق بهم ناعق أجابوا، يذهب موسى إلى لقاء ربه، ليتلقى الهدى والنور، فيعود مسرعاً إلى قومه ليتفاجأ بهم يعبدون عجلاً من ذهب! وكأنهم ما عرفوا الله يوماً، حينها نزل حكم الله بالعقوبة الأليمة: اقتلوا أنفسكم، فلم يكن لهم بدّ من ذلك، وسالت دماء التوبة! فتاب الله عليهم ورحمهم، إنه هو التواب الرحيم.

مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي ما زلنا نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها؛ سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:50-54].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!يا ليت هذه الآيات تقرأ اليوم على اليهود، ويدعون إلى سماعها، أو تقدم لهم بعناية خاصة.سبحان الله! مع هذه النداءات الإلهية .. مع هذه الألطاف والعناية الربانية، يصرون على الكفر بالله رباً وإلهاً .. يصرون على الكفر بخاتم الأنبياء وإمام المرسلين .. يصرون على الكفر بالإسلام الذي هو معراج الكمال والإسعاد البشري.والله الذي لا إله غيره، ما سعد إنسي ولا جني ولا كمل إلا على هذا المنهج الرباني.هذا ونحن أيضاً أحق بالاعتبار منهم، وأولى بالهداية منهم، وأولى بالكمال والإسعاد منهم، فلهذا يخلد هذا الكتاب مادام على الأرض بشرية.وها نحن مع تعداد النعم التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل؛ أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.منها قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:49]، فنجاهم من فرعون وسلطته الكافرة، وأنقذهم من تحت قبضته وسلطته، التي عاشوا تحتها زمناً، أذلهم .. أهانهم .. حطمهم .. ذبَّح أبناءهم.. وامتدت يد الرحمن إليهم، فإذا بهم في منجاة؛ بعيدين عن فرعون وآله، بل وزادهم إنعاماً أن أغرق ودمر تلك القوى الكافرة والباطلة وهم ينظرون، فأية نعمة أكبر من هذه! صاحب هذه النعمة يجب أن يشكر الليل والنهار، وأن يطاع في كل شيء، ولو طلب منك نفسك أعطها إياه.

تفسير قوله تعالى: (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون ...)

ثانياً: ذكرهم أيضاً بنعمة فرق البحر حتى أصبح اثنتي عشرة طريقاً؛ لتسلك كل قبيلة طريقها، فلا يقع التصادم بينهم في البحر.انفلاق البحر آية من آيات الله، كل فرق كالطود العظيم، والجبل العالي الأشم، ونجوتم وما إن دخل العدو يطاردكم ويلاحقكم بجيوشه الجرارة حتى أمسى في خبر (كان).ومن آياته، ومن ألطافه أنه لم تذهب ذات فرعون وجسده، بل رفعه الماء إلى ساحل البحر ليقفوا عليه: هذا هو الطاغية .. هذا هو الجبار .. هذا هو ذاك، فتطمئن قلوبهم، وتهدأ خواطرهم إلى أن الظلم انتهى بانتهاء صاحبه. وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:50]، ما بلغهم هذا؟ كالنبأ قد يقولون: ممكن ما وقع: وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ .

تفسير قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون)

قال تعالى: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:51]، وهذه عظيمة من عظائم الذنوب، وقد قلت: ما إن استقل موسى ببني إسرائيل، وخرجوا من الديار المصرية، ونزلوا في ساحل البحر الأحمر من جهة سيناء فما استطاع أن يسوسهم بدون حكم وقضاء وشرع، سبحان الله! قال: اجلسوا هنا، وأنا أذهب إلى ربي، وأنا على موعد معه لآتيكم بالكتاب.قلت -وهذا القول كررته بحمد لله مئات المرات-: ومن ذلك لتعرفوا أنني وضعت دستوراً إسلامياً، وكأنما وزعناه على القبور، فلا عالم تكلم، ولا طالب قال، ولا زعيم قال، أمة ميتة!دستور! إي والله، وإني لعلى علم يقيني أنه لو طبق في أي إقليم لأصبح ذلك الإقليم كالكوكب في السماء.أيام كانت البلاد الإسلامية تستقل، عام .. عامان استقل الإقليم الفلاني، عام .. عامان استقل القطر الفلاني، فقلنا: هذه يد نقدمها، فما استطاع مسئول ولا عالم ولا .. أن يقول: ننظر في هذا الدستور، وهو تشكيل حكومة ربانية إلى نهايتها، فما نفعت.كتبنا عن الدولة الإسلامية، وسحنا من المطار -وأنت تشاهد آثار الإسلام- إلى المقبرة، فما تركنا جانباً في الحياة بكاملها إلا وضعنا له صورته، من المطار -والله- إلى المقبرة، وفرقنا بين كيف يقبر اليهود والنصارى موتاهم، وكيف نقبر نحن موتانا، لا باقات الزهور، ولا خرافات القراءة على القبور.وكأنما وضع على القبور! أمة ميتة، فلا من يتكلم، ولا من يقول، ولا.. ولا.والآن جاءت المناسبة، انظر فقط: يستقل إقليم وما عنده دستور، ماذا يصنع؟ يعجز أن يبحث كيف يحكم هذه الجماعة بدين الله وهم مسلمون، ويبقى يطبق دستور الدولة الكافرة، هذا عجز كامل، أو كراهية وبغض للشريعة الإسلامية؛ لأنها تحق الحق وتبطل الباطل؛ ولأنها ترفع الهمم إلى السماء، وتبعد بها عن الأرض وأوساخها.ومن باب ما ذكرنا ويؤسف له، قلت لكم: إن الله عز وجل لتقوم الحجة له يوم القيامة سلّط علينا من يستعمرنا، ما ظلمنا الله، حاشا لله، سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد ما ظلمتنا! وإنما فسقنا عن أمره، وخرجنا عن طاعته، وتركناه وتركنا شرعه، وأقبلنا على الضلالات والخرافات، بل وهبطنا إلى الشركيات، فأصبحنا لا نذكر الله إلا قليلاً، فسلط علينا الكفار، ولسنا بأشرف من بني إسرائيل، وقد سلط عليهم البابليين، فحولوا بيت المقدس إلى مخرأة يخرأ فيها العسكري.وبنو إسرائيل في تلك العهود القريبة، من إسحاق ويعقوب وإبراهيم، ونحن مقسمون، ومشتتون، ومفرقون طرائق .. أحزاب .. جماعات، وزدنا أيضاً أقاليم ودويلات، فكيف نكمل أو نسعد! نعكس سنن الله من أجل ماذا؟!فقلت وقررت، وما زلت، وقد لا تسمعون هذا الكلام من أحد، وما سمعتموه؛ فقلت: لو كان الله قد أراد بنا خيراً، لو كنا أهلاً للخير، جاء الله بدولة عبد العزيز بن سعود هذه، يا شيخ! أنت تمدحها؟ إنهم يكفرونها، يقولون: خوامس .. وهابية .. كفار، يكرهون الرسول، ويكرهون المؤمنين وأنت تريدهم أن يطالبوا بقانونها ليحكمهم في بلادهم، فهمتم هذا الكلام أو لا؟! هذا لسان الحال.وإلا المطلوب: استقل الإقليم، فيبحث أي إقليم فيه حاكم مسلم يطبق الشريعة الإسلامية، إذا كان في الهند ذهب إليه، في الصين .. في الشرق .. في الغرب، وكان فقط في وسط الأرض .. في هذه الديار، في الحرمين.كان يأتي المسئولون من رؤساء الحزب، الذين جاهدوا وأخرجوا بريطانيا أو فرنسا ويقولون: إي عبد العزيز ! استقل هذا الإقليم من الدولة الإسلامية فابعث القضاة، وابعث والياً عاماً كما كانت فرنسا تبعث واليها في المستعمرة، وطبق شرع الله، فلهذا خلقنا، ومن أجله جاهدنا وحاربنا الاستعمار، واستقللنا.والله ما فعل هذا أهل إقليم، ذكروني إن نسيت، أصبحت أنسى. هل جاء وفد من بلد إسلامي استقل في العرب أو العجم وقال: يا عبد العزيز ! ابعث لنا قضاة شرعيين يطبقون شرع الله بيننا؟ والله ما كان.ومن ثمَّ تمت الفرقة والتمزيق والتقطيع، وأصبحنا نيفاً وأربعين دولة، يسوسها الظلم، ويسودها الشر والفساد، فلا نور، ولا هداية ربانية، ولا رحمة إلهية.لعلي واهم! حاجوني، جادلوني. ما المانع؟ الجواب: لأننا جهلة، فما عرفنا الله ولا أحببناه، ولا خشيناه، ولا جلسنا بين يديه، ولا بكينا وتضرعنا ساجدين خاشعين، وما عرفنا إلا الباطل والدنيا والهوى، وأنت تريد أن تحولنا ربانيين، يأتون ويقولون: أي السلطان عبد العزيز ! أنت تحكم الأمة في قلب بلادها بالإسلام، ابعث لنا قضاة وهداة، كيف نفعل هذا؟!

ضرورة العودة إلى الكتاب والسنة

وعدنا من حيث بدأنا، والعلة هي الجهل، وما زال العالم نائماً إلى الآن ما استيقظ، ونكرر ونقول: والله لن تسود أمة الإسلام ولن ترجع ولن ولن.. إلا إذا عادت إلى علم الكتاب والسنة، فأصبح النساء والرجال والقاضي والحاكم والكل عارفاً بربه، فيخافه ويرهبه .. يخشاه .. يحبه، ولا هم له إلا رضاه، ومن ثَمَّ نعود إلى سبيل النجاة والكمال.ومن باب التيسير الآن سنة وربع السنة ونحن نصرخ بهذه الدعوة، وملَّها المستمعون؛ لأنهم غافلون، ما كل مستمع يبكي معنا، وقلنا حيلة من ألطف الحيل، هذه اليهودية والماسونية وجمعيات التنصير لو يعثر عليها واحد منهم ماذا يفعلون به؟ يجعلونه بولس العاشر، حيلة كيف ننهي الخلافات والصراعات والتحزبات والتكتلات والعنتريات و.. كيف نذهب الحسد والبغض من بعضنا بعض؟ كيف نبعد الفقر المدقع؟ كيف كيف؟ باسم الله، هذا كتاب (المسجد وبيت المسلم)، يحوي ثلاثمائة وستين آية وحديثاً، بمعدل آية وحديث طول العام حتى يختم الكتاب، سميناه: كتاب المسجد رجاء أن أهل كل حي -وهو منطقة في المدن، وبعض المدن فيها عشرات الأحياء- يوسعون مسجدهم الجامع حتى يتسع لأفراد الحي سواء كانوا عشرة آلاف أو خمسة، وأهل القرية يوسعون مسجدهم ليتسع لأفرادهم ذكوراً وإناثاً، كباراً وصغاراً، ويبحثون عن عالم رباني، ويوجدون والحمد لله.والكتاب سهل ميسر، لا يحتاج إلى فلسفة، ولا منطق، ولا ولا، على الفطرة الإسلامية. ويجتمعون في بيت ربهم كل ليلة، فإذا مالت الشمس للغروب أخذوا يتوضئون ويتركون أعمالهم الدنيوية: أغلق الدكان .. أغلق المصنع .. قف يا فلاح في المزرعة واخرج، ويأتون إلى المسجد بنسائهم وأطفالهم، إلى أين؟ إلى ربنا، إي والله! إلى بيته لنجلس بين يديه، لنتعلم هداه، نطلب رضاه، فيجتمعون اجتماعنا هذا، النساء وراء الستار، والبنون؛ الأطفال أمامهن، والرجال هكذا، ليلة آية يقرءونها .. يتغنون بها .. يعيدونها، وفي ربع ساعة لا يبقى رجل ولا امرأة إلا حفظها، وحفظ آية -والله- خير من ألف ريال في تلك الليلة، آية من كتاب الله حفظتها المرأة .. حفظها الرجل، وتشرح لهم، ويبين مراد الله منها، ويقول لهم: إن ربنا يطلب منا في هذه الآية أن نعتقد كذا فهيا نعتقد، ويطلب منا أن نتأدب بكذا فهيا نتأدب، ويطلب منا أن نتخلق بكذا باسم الله، يطلب منا أن نقول أو نفعل، فيعودون شباعاً، يملأ النور قلوبهم، فقد حفظوا آية من كلام ربهم، وفهموا معناها، وعزموا على أن يفعلوا بما فيها.وفي الليلة الثانية حديث نبوي شريف صحيح، يحمل معنى الآية، ويزيد في بيانها ومعرفتها، وتأكيد ما فهمناه منها، ربع ساعة يتغنون به فيحفظ، حفظوا حديث النبي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفهموا معناه والمراد منه والمطلوب منهم، وهم عزم كامل على العمل والتطبيق، ويوماً بعد يوم .. أربعين يوماً .. شهراً، تبدأ البلاد تتغير، والله العظيم، وأكثر السامعين يكرهون اليمين وينتقدونني، لم تنتقدونني؟ أنا أحلف بالباطل؟ !أما سمعنا الله يحلف؟! لم يحلف؟! هل هناك حاجة إلى أن يحلف من أجلنا؟! أما سمعنا الرسول يحلف: والذي نفس محمد بيده؟! أيمان .. لم يحلف من أجله هو؟ من أجل أن يستقر المعنى في نفوس السامعين؛ ليتهيئوا للعمل.إذاً: أربعين يوماً .. شهرين .. ثلاثة أشهر، تبدأ مظاهر الباطل ترحل، فيقل الكذب .. يقل الحسد .. يقل البغض والعداء، تسخوا النفوس، ويكثر العطاء والبذل، فما يبقى فقير بيننا جائع، ويقل الإسراف والشهوة العارمة ويتوفر بعض المال. سنة وإذا بأهل القرية كأنهم أسرة واحدة.يا شيخ! هذا صعب، لا، المفروض أن الألف مليون كلهم أسرة واحدة، ليس أهل القرية أو الحي.لعلي واهم؟ بيننا رجال -والله- ما يكرهون مؤمناً، ولا يبغضون مؤمناً، ولا يقولون كلمة سوء، ولا ولا، عرفوا.فإذا عرف أهل القرية أو أهل الحي كيف لا يكونون كذلك؟!إذاً: وإذا بنا أنوار تتلألأ. هذه في المسجد.وفي البيت، رأينا البيوت خمت .. تعفنت.يا شيخ! لم خمت وتعفنت؟ بيّن لنا.اسمعني وانظر! الرجل جالس في البيت، وامرأته وأمه -إن كانت له أم- وفتيانه من بنين وبنات جالسون منصتون يسمعون عاهرة ترقص أمامهم، وكافر يتكلم ويتبجح في بيت مسلم، أيطاق هذا؟!يا عقلاء! يا أتباع النبي محمد! أسألكم بالله! لو يدخل عليكم رسول الله وأنتم في بيتكم بهذه الصورة ماذا يقول؟ يقول: ماذا هناك؟ دعهم يروحون على أنفسهم، يقول هذا الكلام؟! وهو القائل: ( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ) صورة بالنسيج أو بالقلم، ليست شخصية كاملة تعرض محاسنها وجمالها ومنطقها وهم ينصتون ويسمعون.خمت البلاد والديار، فرحلت الملائكة -عليهم ألف سلام- وحلت الشياطين، فكثر الزنا، والعهر، والخيانة والأمراض العجيبة، وما زلنا ما عرفنا بعد.أروني مؤمناً يطرد الملائكة من بيته، يقول: امشوا، خلوني أفرفش، ويستدعي الجن والشياطين يجلسون في بيته.قد تقول: لا يمكن هذا؟ قد أمكن وهو الواقع.وتربت الفتيات والفتيان على حب الزنا، والعهر، والباطل، والشر، والفساد، وما صحونا بعد.هذا الكتاب يقضي على هذه بحيلة، صاحب البيت جاء الكتاب أخذه قال: اجلسوا، يجلس أمامهم، أبعد هذه الشاشة، غطها، واقرأ معهم آية، وتغنوا بها جميعاً، اقرأ الآية .. الحديث من الغد وتغنى، ووصهم بالمطلوب، وافعلوا يا أبنائي! يا أم فلان! يا كذا! هذا هو ديننا، نحن مقبلون على الله، طريقنا إلى السماء، لسنا من أهل الأرض ولا الهابطين، يوماً بعد يوم بعد يوم كيف يصبح ذلك البيت؟ لا تسمع كلمة سوء، ولا تشاهد منكراً ولا باطلاً، ولا ترى إلا وجوهاً باسمة مشرقة، والكلم الطيب، والصوت الخافض المخفوض، اللين الهش، فقد تغير البيت.هذا كتاب المسجد وبيت المسلم، سنة وزيادة ونحن هكذا.كأننا بين موتى! إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل:80].عرفتم زادكم الله معرفة، ذكرناكم اذكروا. لم أذكركم؟ هذا الله يذكر اليهود وهم أسوأ منا، وأقبح منا، وأشر منا، فقد كفروا بالله ورسوله ولقائه، ومع هذا ماذا يقول لهم؟ يقول لهم: اذكروا إذا واعدنا موسى أربعين ليلة ليقضيها معنا، ولنوحي إليه بالقانون والدستور الذي يحكمكم به.



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #92  
قديم 22-08-2020, 04:59 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

حيلة السامري

إذاً: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ [البقرة:51] ما إن ذهب موسى حتى ابتدع اللعين السامري بدعة، حيث جمع الحلي بحجة أن هذا الحلي مسروق ومغصوب أو عارية يجب أن ترد، والآن انتهى الأقباط فهاتوا هذا الحلي أنا أحرقه لتطهر بيوتكم منه، حيلة. فأحرقه وصنع منه عجلاً له خوار وصوت، فعبدوه وقال لهم: هذا هو إلهكم وإله موسى، لكن موسى أضاعه، وهذا هو. وللجهل المتأصل في الأبناء والآباء منذ قرون عبدوه.والآن في أي بلد لو يأتي صاحب بدعة منظمة -والله- لوقع الناس فيها، وقد وقع؛ لأنهم جهال؛ لا بصيرة لهم، فاستطاع السامري أن يحملهم على عبادة غير الله: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ ... [طه:83-86].فانظر كيف يذكرهم بأفعال أجدادهم الذين ينتمون إليهم. وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ [البقرة:51] والحال؟ أنكم ظالمون، والشرك أعظم ظلم على وجه الأرض، لا ظلم أعظم من الشرك، وبيان ذلك: أن العبادة استحقها الخالق، الرازق، المدبر للكون والحياة، والذي إليه المصير، والذي يحيي ويميت، فلا يعبد غيره بحال من الأحوال، فمن عبد غير الله ظلم الله .. أخذ حق الله .. أخذ ما وجب لله، وأعطاه لمن لا يستحقه شيئاً.وأي ظلم أعظم من هذا؟ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:51].

تفسير قوله تعالى: (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون)

ذكر الله تعالى بعد ذلك بني إسرائيل بقوله: ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:52] بعد هذه الجريمة الفضيحة عفونا عنكم، فما آخذناكم المؤاخذة الكبيرة بالفناء، والاستئصال، والإبادة كما فعلنا مع عاد وثمود. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:52] أي: لكي تشكروا، لكنهم ما شكروا، قالوا: ما نشكر.يا أيها المسلمون من عرب وعجم! اذكروا أيام الاستعمار، من نجاكم؟ من حرركم؟ من عتقكم؟ لا يقولون الله، هل قالوا: الله اشكروه، اشكروه، أقيموا الصلاة بنسائكم، وأطفالكم، ورجالكم؟ إنهم ما يصلون.فعل هذا الله بهم ليشكروا أو لا؟ قالوا: لا نشكر.ونحن؟ قلنا: لا نشكر.يستقل الإقليم ومن الغد الواجب أن يعلن الحاكم ورجاله: لا يتخلفن عن الصلاة عسكري ولا مدني، إذ لأجلها خلقنا، فهي ذكر الله وشكره.أربع وعشرون ساعة ونحن نتنقل في بيت الله خمس مرات، هذا هو الإيمان والإسلام، والله ما أمر واحد منهم بالصلاة، من شاء أن يصلي ومن شاء لا يصلي، فلا يوجد جيش في العالم الإسلامي يؤمر العسكريون فيه بالصلاة إلا هنا تحت راية لا إله إلا الله. لعلي واهم؟ دخلنا الجيوش وعرفنا.أشيروا، لم؟ ألسنا مؤمنين؟ ألسنا مسلمين؟!يا شيخ! نعم، ولكن ما عرفنا الإسلام ولا الإيمان، إي والله! هل جلسوا في حجور الصالحين فتربوا وعرفوا؟ هل جلسوا هذا المجلس؟ والله ما جلسوه ولا عرفوه، كيف -إذاً- تريد منهم أن يقيموا الصلاة؟!عدنا من حيث بدأنا، إنه الجهل بالله، فمن لم يعرف الله لا يخافه ولا يحبه من باب أولى.لعلكم تشكرون، لا؟ أعددناكم بذلك لتشكروا، فما شكروا.

تفسير قوله تعالى: (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون)

قال تعالى لبني إسرائيل في نعمة أخرى: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [البقرة:53] اذكروا آلاءنا ونعمنا عليكم، اذكروا إذ آتينا موسى الكتاب والفرقان أيضاً، ذي نعم الله أو لا؟ المراد من الكتاب هنا التوراة التي بها ألف سورة، أي: أكثر من القرآن تسع مرات أو ثمانية ونصف.وسميت التوراة من التورية أو من الاتقاد والإنارة، كما تواري خلف شيء حتى تشعل النار، فمعنى التوراة: النور، أي: نور الله لهداية الخلق. وَالْفُرْقَانَ الذي يفرق بين الحق والباطل، أي: الآيات التسع التي أعطاها الله موسى، وكل آية تفرق بين الحق والباطل وتشهد أن لا إله إلا الله وأن موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم تشاهدون تلك الآيات التسع.لم قال؟ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:53] الله أكبر! كل أفعاله تعالى بهم من أجل خيرهم وإسعادهم وإكمالهم، لعلكم تشكرون .. لعلكم تهتدون إلى الطريق السوي .. إلى منهج الكمال .. إلى سلم الرقي والوصول.. إلى الملكوت الأعلى بعد النجاة من الخزي، والذل، والضعف، والعار.

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل)

قال تعالى بعد ذلك مذكراً: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بماذا؟ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54]، اتخذوه ماذا؟ إلهاً ورباً.ما قال تعالى: باتخاذكم العجل إلهاً، هل يصلح أن يكون العجل إلهاً؟ فلهذا سكت عن هذه الكلمة. بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54] هل السامعون والسامعات عرفوا أن بني إسرائيل صنع لهم السامري عجلاً من الحلي: الذهب والفضة، وقال: هذا إلهكم وموسى غائب عنكم، ذاهب إلى إله ما عرفه وهو هنا؟عبدوه أو لا؟ عبدوه.أعيد القول: إلى الآن حتى في ديار التوحيد هذه كم من إنسان يأتي بباطل .. بكذبة، وتجدون الناس معه، وينسون التوحيد ولا إله إلا الله، نعم. ضعف البشر، العلة ما هي؟ الجهل.فانظر، موسى معهم، وهارون نبي الله ورسوله بينهم، وهارون ماذا يصنع؟ صاح وبكى: يا قوم، قالوا: اسكت حتى يجيء موسى وتشاهد، هذا هو إلهنا وإله موسى.فعبدوا غير الله، فاستوجبوا العذاب لا محالة، ونحن عندنا إذا ارتد المؤمن عن الإسلام يستتاب ثلاثة أيام أو يقطع رأسه كائناً من كان، فيدعى إلى المحكمة، ثلاثة أيام وهو يراود: تعود إلى الحق، ترجع إلى الصواب، فإن أصر يعدم، هذا قانون الله جل جلاله وعظم سلطانه.القوم كفروا بالله، وجعلوا العجل بدله، فلا بد من نقمة إلهية تأديباً لهم.قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ [البقرة:54] بأي شيء؟ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54] أي: إلهاً. فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة:54] فتوبوا، ما قال: إلى إلهكم؛ لأنهم قالوا: هو العجل إلهنا. فتوبوا إلى خالقكم .. إلى من برأ نسمكم .. إلى من صوركم أجساماً ذات أرواح، فهو الذي يستحق العبادة، اعبد خالقك لا تعبد مخلوقاً مثلك. فَتُوبُوا [البقرة:54] ارجعوا إلى عبادة ربكم بارئكم.والعقوبة: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [البقرة:54] جائز أن يقول قائل: انتحروا، كل من عبد العجل لا يخلص من ذنبه إلا بقتل، فلينتحر كل واحد منكم على جهة في بيته، في كذا، هذه هي الكفارة، والله لا كفارة إلا هذه. من؟ الله ربهم الذي يزكي النفوس ويطهرها بما شاء من الشرائع والأحكام، فلا طهارة لأنفسكم، تلك النفوس التي خبثت وتعفنت بعبادة غير الله إلا بإزهاق الروح.ولا تقل: هذا عجيب، لا أبداً، هم تألموا، هم مرضوا، حزنوا، كربوا، يودون أن ينتحروا.الآن عندنا في العالم الكافر يخطب فتاة ما تتزوجه ينتحر، تسمعون بهذا أو لا؟يطرد من الوظيفة ينتحر، لا يطيق الألم النفسي، وهم أصابهم ألم، وجدوا أنفسهم في هاوية، في أقل من شهر ارتدوا، بعد عشر آيات شاهدوها أربعين سنة ينتكسون هذا الانتكاس؟ فلا عجب أبداً أن يؤمروا بالانتحار فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ .لكن الأخبار الواردة وحتى عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ليس انتحاراً، بل أمرهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فتدرعوا، ولبسوا لباس الحرب، وتلاقوا في ميدان يقتل أحدهم الآخر، الأب ابنه، الابن أباه، ولكن أيقتل الأب ابنه والابن أباه؟! إي نعم، عندنا في بدر، أما قتل المؤمنون آباءهم؟ أما قتل الآباء أبناءهم؟ نعم. الكفر حد فاصل، ولا قيمة للكافر على وجه الأرض؛ لأنه كفر خالقه، فكيف يحترم؟!فاقتتلوا، تقول الروايات: حتى مات منهم سبعون ألفاً في تلك المعارك الدائرة بينهم، ثم نزل العفو: كفوا، يكفي. فتابوا إلى الله عز وجل وتضرعوا، وبكوا بين يديه، فتاب عليهم، إنه هو التواب الرحيم، وهكذا يقول تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [البقرة:54] أي: خالقكم. فالكلام فيه حذف: فتبتم فتاب عليكم، لم؟ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54] هو لا غيره، التواب كثير التوبة، فلو يتوب مليون في الساعة يتوب الله عليهم. وهو الرحيم الذي يرحم أشر الخلق، لو يفزع إليه ويطرح بين يديه لرحمه، فهو التواب الرحيم.والذين ما عبدوا العجل هؤلاء لا يقتل بعضهم بعضاً، فهل هارون كان يقاتل معهم ويقتل؟! هذا القتل لمن عبدوا العجل، فهو خاص بهم، فهم الذين سقطوا في هذه المحنة، أما الذين انحازوا وانتظروا رجوع موسى فما كان بينهم قتل، هذا القتل لمن أشركوا.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

شرح الكلمات

قال المؤلف في قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ [البقرة:49]: [ شرح الكلمات: النجاة: الخلاص من الهلكة كالخلاص من الغرق، والخلاص من العذاب ] هذه هي النجاة؛ أن يرتفع إلى منجى من الأرض، فيخلص من الفتنة أو العذاب.قال: [ آل فرعون: ] من هم؟ [ أتباع فرعون، وفرعون ملك مصر على عهد موسى عليه السلام. يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ : يبغونكم سوء العذاب وهو أشده وأفظعه، ويذيقونكم إياه ] بأنواع التعذيب.قال: [ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [البقرة:49] ] كيف؟ قال: [ يتركون ذبح البنات ليكبرن للخدمة، ويذبحون الأولاد خوفاً منهم إذا كبروا ] وأصبحوا رجالاً أن يقلبوا النظام، كما تقدم.قال: [ بلاء عظيم: ابتلاء وامتحان شديد لا يطاق ] وهو كذلك.قال: [ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة:50]: صيرناه فرقتين، وما بينهما يبس]، أي: ما بين الفرقتين يابس، [ لا ماء فيه لتسلكوه فتنجوا، والبحر: هو بحر القلزم (الأحمر) ].قال: [ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ [البقرة:51]: عجل من ذهب صاغه لهم السامري ودعاهم إلى عبادته فعبدهم أكثرهم، وذلك في غيبة موسى عليه السلام عنهم.الشكر ] ما الشكر؟ لتشكروا كيف؟ قال: [ الشكر: إظهار النعمة بالاعتراف بها ] أولاً [ وحمد الله تعالى عليها وصرفها في مرضاة الله وما يحب ].هذا الكلام تقرر عندنا فهل عرفنا الشكر ما هو؟ لما تأخذ كأس اللبن أو الماء اعترف بأن هذا من الله وأنك لن تستطيع أن توجد قطرة منه، ثم إذا شربت تقول: الحمد لله، ثم هذا الماء إذا فضل منه فلا ترمه في المزبلة، وحافظ عليه؛ لأنه نعمة الله، لا تبددها وتفسدها، هذا مثال.قال: [ الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ [البقرة:53] ] ما المراد من الكتاب والفرقان؟ قال: [ الكتاب: التوراة، والفرقان: المعجزات التي فرَّق الله تعالى بها بين الحق والباطل ] حق موسى وباطل فرعون.قال: [ تَهْتَدُونَ [البقرة:53]: إلى معرفة الحق في كل شئونكم من أمور الدين والدنيا ] هذه هي الهداية.

معنى الآيات

قال الشيخ غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم: [ معنى الآيات: تضمنت هذه الآيات الخمس أربع نعم عظمى أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل، وهي التي أمرهم بذكرها ليشكروه عليها ] وقد تقدم لنا أن الأمر بالذكر ليس مقصوداً لذاته، إنما من أجل الشكر، ومن لم يذكر النعمة لا يشكرها، وبالتجربة إذا ذكرها شكرها.قال: [ التي أمرهم بذكرها ليشكروه عليها بالإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الإسلام ] لأن اليهود ما كفروا بوجود الله كالملاحدة، ولا كفروا بالبعث الآخر، ولكن كفروا بالرسول والإسلام.قال: [ فالنعمة الأولى: انجاؤهم من فرعون وآله بتخليصهم من حكمهم الظالم، وما كانوا يصبونه عليهم من ألوان العذاب، من ذلك: ذبح الذكور من أولادهم، وترك البنات لاستخدامهن في المنازل كرقيقات.والثانية: فلق البحر لهم وإغراق عدوهم بعد نجاتهم وهم ينظرون.والثالثة: عفوه تعالى عن أكبر زلة زلوها وأكبر جريمة اقترفوها، وهي اتخاذهم عجلاً صناعياً إلهاً وعبادتهم له. فعفا تعالى عنهم ولم يؤاخذهم بالعذاب لعلة أن يشكروه ] فما أبادهم وما استأصلهم من أجل أن يشكروه [تعالى بعبادته وحده دون سواه.الرابعة: ما أكرم به نبيهم موسى عليه السلام من التوراة التي فيها الهدى والنور والمعجزات التي أبطلت باطل فرعون، وأحقت دعوة الحق التي جاء بها موسى عليه السلام.هذه النعم هي محتوى الآيات الخمس، ومعرفتها معرفة لمعاني الآيات في الجملة اللهم إلا جملة وهي: وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:49] في الآية الأولى؛ فإنها إخبار بأن الذي حصل لبني إسرائيل من عذاب على أيدي فرعون وملئه إنما كان امتحاناً من الله واختباراً عظيماً لهم ]. تعرفون النكتة أو لا؟ لما حكم يوسف الديار المصرية وأصبح ملكاً، أليس كذلك؟ ورثة هذا العرش من بني إسرائيل كيف انتقل الحكم من أيديهم إلى أيدي الأقباط؟ الجواب: فسقوا، وخرجوا عن الطاعة، وهبطوا إلى الباطل، فسلط الله عليهم غيرهم، كما فعل بنا أيها المسلمون. فعل بنا الله هذا أو لا؟ بلاء عظيم أو لا؟ يسلط على المسلمين البريطانيين والفرنسيين والإيطاليين، كيف هذا؟ نعم، هذه حكمته، وهذا هو تأديبه لعباده.أعيد فأقول: [ هذه النعم هي محتوى الآيات الخمس، ومعرفتها معرفة لمعاني الآيات في الجملة، اللهم إلا جملة: وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:49] في الآية الأولى، فإنها إخبار بأن الذي حصل لبني إسرائيل من عذاب على أيدي فرعون وملئه إنما كان امتحاناً من الله، واختباراً عظيماً لهم.كما أن الآية الثالثة فيها ذكر مواعدة الله تعالى لموسى بعد نجاة بني إسرائيل أربعين ليلة، وهي: القعدة وعشرة أيام من الحجة ليعطيه التوراة يحكم بها بني إسرائيل، فحدث في غيابه أن جمع السامري حُلي نساء بني إسرائيل وصنع منه عجلاً، ودعاهم إلى عبادته، فعبدوه، فاستوجبوا العذاب، إلا أن الله منّ عليهم بالعفو ليشكروه].

هداية الآيات

قال: [من هداية هذه الآيات:أولاً: ذكر النعم يحمل على شكرها، والشكر هو الغاية من ذكر النعمة.ثانياً: أن الله تعالى يبتلي عباده لحكم عالية، فلا يجوز الاعتراض على الله تعالى فيما يبتلي به عباده.ثالثاً: الشرك ظلم، لأنه وضع العبادة في غير موضعها.رابعاً: إرسال الرسل وإنزال الكتب الحكمة فيهما هداية الناس إلى معرفة ربهم وطريقة التقرب إليه ليعبدوه فيكملوا ويسعدوا في الحياتين ].اللهم كملنا وأسعدنا وسائر المؤمنين والمؤمنات. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #93  
قديم 22-08-2020, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (52)
الحلقة (59)




تفسير سورة البقرة (23)


حاول موسى أشد المحاولة مع فرعون من أجل الخروج ببني إسرائيل إلى أرض الميعاد، ولكن دون جدوى، فأمر الله موسى أن ينحاز مع قومه في جهة معينة استعداداً للخروج، فلما جاء أمر الله خرجوا جميعاً، فلما بلغ فرعون الخبر لحقهم بجنوده الجرارة، عند البحر وقف جمع موسى، وكادوا يفتنون، ولكن تداركتهم رحمة الله وحدثت المعجزة؛ ضرب موسى بعصاه البحر فانفلق ونجّا الله موسى وقومه، فكانت هذه نعمة عظيمة، ومعجزة ظاهرة.

سبب نزوح اليهود إلى المدينة في جزيرة العرب

الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [البقرة:50-53].معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!ما زال السياق الكريم مع بني إسرائيل، وقد كانوا يسكنون هذه المدينة، وهم ثلاث فرق أو طوائف أو قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، ونزحوا إلى هذه البلاد وسكنوها لعلتين:الأولى: اضطهاد النصارى لهم، وبغض النصارى لهم، ومضايقتهم، ولِم؟ لأن اليهود في اعتقادهم قتلوا إلههم وصلبوه، فالمسيحي الصليبي ينظر إلى اليهودي نظرة لو يمكن أن يميته بها لأماته؛ لاعتقاده أن اليهود قتلوا الإله عيسى، وما زال النصارى إلى اليوم يعتقدون هذه الكذبة، والقرآن الكريم قد صرح ببطلانها، إذ قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157].ومن الغريب والعجيب -والدنيا لا تخلو من غرائب وعجائب- أن بولس الثامن منذ حوالي عشر سنين أو خمس عشرة سنة أصدر بياناً وتصريحاً بأن اليهود برآء من دم السيد المسيح، ويومها كنا في باب المجيدي فهللنا وكبرنا، وقلنا: الحمد لله. ألف وأربعمائة سنة والقرآن يصرح بأن اليهود ما قتلوا عيسى ولا صلبوه، وعيسى رفعه الله إليه، وهم مصرون على الحنث العظيم والكذب الباطل، ثم يأتي رجل الدين والكنيسة وينقض ما كان عليه النصارى من أكثر من ألفي سنة، وقلنا: الحمد لله.نزح اليهود لمضايقة الروم لهم والرومان.ونزحوا أيضاً إلى هذه البلاد لما عندهم في التوراة من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته، وأنه يخرج من جبال فاران؛ جبال مكة، وأن دار هجرته أو مهاجره يثرب ذات السبخة والنخيل، فقالوا: هذا المنقذ الذي إذا جاء نلتف حوله، ونؤمن به، ونسترد أمجادنا، ودولتنا، ومملكتنا.ومما يشهد لهذه القضية أو النظرية التي سمعتم أنهم كانوا أحياناً يقولون للعرب لما ينازعوهم، أو يختصمون معهم، يقولون لهم: إن نبياً قد أظل زمانه، وسوف نؤمن به، ونقتلكم قتال عاد وإرم، واذكروا لهذا قول الله عز وجل من هذه السورة المباركة سورة البقرة، إذا جاء فيها قول الله تعالى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89]، سبحان الله! المفروض أن يقول: فلعنة الله عليهم، لِم عدل؟ لا إله إلا الله، لو كنت أنا لقلت: فلعنة الله عليهم، اسمع .. اسمع الآية: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، لِم لعن الكافرين ولم يلعنهم؟ لأن اللعنة هذه وهي الطرد من ساحة الخير وأفناء الرحمة والسلام سببها الكفر، لتبقى هذه خالدة: لعنة الله على الكافرين، سواء كانوا يهوداً أو نصارى، عرباً أو عجماً، هذا البعد من الرحمة سببه الكفر، ما قال: فلعنة الله عليهم، قد يسلمون أو يسلم من يسلم، لكن لعنة الله على الكافرين دائماً وأبداً.

إجلاء اليهود إلى خارج المدينة لغدرهم وخيانتهم

معاشر المستمعين والمستمعات! كان اليهود ينتظرون بفارغ الصبر النبوة الأخيرة الخاتمة للنبوات، ولما بعث صلى الله عليه وسلم ما زالوا يراقبون الحال، ويتطلعون إلى ما يحدث، وكلهم أمل، حتى نزل المدينة سنة ثلاث وخمسين من مولده، وشاهدوا التيار ليس ملائماً لهم، وكان بداية ذلك يوم انتصاره صلى الله عليه وسلم على قريش في بدر، من ثم عرفوا وبدءوا يكشفون عن نواياهم، وبدأت الفتنة مع بني قينقاع فحاصرهم صلى الله عليه وسلم برجاله، فاستسلموا له، ولم يقتلهم، ولم يسلب أموالهم، وطلب إليهم أن يخرجوا من المدينة وأن يلتحقوا بالشام، فالتحقوا بأذرعات من الشام، والقرآن ينزل.وتآمر بنو النضير أيضاً بعد كذا سنة على قتله صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل أنجاه، وأبطل كيدهم ومكرهم، ونجا من تلك المؤامرة الدنية، وأعلن صلى الله عليه وسلم الحرب عليهم؛ لأنهم نقضوا عهدهم، وحاصرهم برجاله، ونزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم، وما قتلهم ولا صلبهم، ولكن أمرهم أن يخرجوا فقط من المدينة، وأن يحملوا ما يستطيعون حمله من أموالهم وأمتعتهم، والله إنهم كانوا يحملون الأخشاب والأبواب من بيوتهم، وفي ذلك يقول تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ [الحشر:2]، تعجبه الخشبة أو العمود يحمله على البعير، كيف يتركه للمسلمين!ونزل بعضهم في خيبر، وبعضهم في تيم، وبعضهم التحق بالشام، وبقي بنو قريظة، بنو قريظة على عهدهم، حتى جاء يوم الأحزاب، تعرفون يوم الأحزاب، حيث كان مؤامرة عظيمة لإنهاء الإسلام، كمؤامرة حرب الخليج من سنتين أو ثلاث بالضبط، من قام بهذه المكيدة، من هو؟ لا بأس من باب المداعبة، صهر النبي صلى الله عليه وسلم، هذا اليهودي، لما أجلاهم الله من المدينة أخذ يطوف بقبائل العرب، من منطقة إلى منطقة، ويؤلبهم على الرسول صلى الله عليه وسلم، ما اسمه؟ حيي بن أخطب النضري وكان زعيماً، وابنته: من هي؟ هي صفية تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أعتقها وكانت أم المؤمنين، فرضي الله عنها وأرضاها.فألب العرب من الشمال إلى الجنوب، من الشرق إلى الغرب، وزحفت خيل الشيطان، وطوقوا المدينة بطوق عجب، واذكروا: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ [الأحزاب:10]، يا لها من ليالٍ! خمس وعشرين ليلة، والرسول ورجاله محاصرون في سلع، فالجبل وراءهم والخندق أمامهم، وكان هناك جوع، وكان هناك ظمأ، وكان هناك خوف.فهذا حيي -لا أحياه الله- ذهب إلى بني قريظة، وأخذ يعرفهم ويفتلهم، حتى نقضوا عهدهم، ليتألبوا مع المتألبين، فدفع الله الشر، وأبعد الخطر بآية من آياته، أرسل الله تعالى عليهم ريحاً وهي الصبا، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور )، والدبور: ريح تأتي من المغرب، وهو الدبر، والمشرق هو القبل، وأما الصبا فريح تأتي من المشرق، وهذه الريح ماذا فعلت بهم؟ اقتلعت الخيام، معسكر أبي سفيان -رضي الله عنه؛ إذ أسلم بعد ذلك- ورجاله، القدور المنصوبة فيها اللحم والأكل قلبتها الريح، إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:9-11]، يا لها من أيام! وأعقبها الفرج، لما رحلوا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الآن نغزوهم )، لما غزونا وفشلوا الآن نغزوهم، وكان ذلك سنة ست من الهجرة، السابعة: خرج برجاله للعمرة وحصل ما حصل في الحديبية.والشاهد عندنا في هذه الجماعات اليهودية: كان المفروض أنهم أول من يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كانوا يتطلعون له، ويخبرون العرب به ويهددونهم، فلما ظهر أنه على منهج غير منهجهم وطريق على غير طريقهم تنكروا له.
تابع تفسير قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ...)
ها نحن الآن والقرآن ينزل قبل أن يخرجوا من المدينة والله يذكرهم بنعمه عليهم، علهم يقولون: الحمد لله، آمنا بالله، هات يدك يا رسول الله نبايعها ونصافحها على الإسلام فأبوا، واسمعوا هذه الخمس أو الست النعم التي بين أيدينا في هذه الآيات الخمس. ‏

نجاة بني إسرائيل من عذاب آل فرعون

النعمة الأولى: في قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:49]، آل فرعون -كما علمتم- رجاله من جيوشه ووزرائه وأقاربه، فالكل آل؛ لأن الأمر يئول إليهم، وستمائة ألف هم بنو إسرائيل، نجاهم الله وأنقذهم واستخرجهم من ملايين، وأبعدهم من ساحتهم، وما قتلوهم ولا صلبوهم. نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:49]، وكيف؟إن آل فرعون كانوا يسومونهم الخسف ويعذبونهم، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وقد علمتم أن كاهناً من الكهنة قال لفرعون: إن سقوط عرشك وهبوط دولتك على يد هؤلاء الأجانب، وقد رُدَّ هذا، ولا حاجة إلى الكهنة، وقلنا: إنهم الساسة، ساسة الحكومة، قالوا: إن هذا الشعب له أصل، وله شرف ومجد وملك، فإذا تقووا هنا وكثروا قد يسقطون عرش فرعون ويحكمونه، لما لهم من شرف وأصاله في الملك والحكم، وهذا هو الصواب.فمن هنا: قالوا: الطريق أن نذلهم، فنحمل رجالهم تبعة العمل الشاق، فكانوا يصنعون الطوب، فهذه مهمتهم، وفي هذا إرهاق لأبدانهم، وضعف لقلوبهم ومعنوياتهم.ثانياً: حتى ما يكثر التناسل نذبح الأولاد الذين يولدون من الآن، وقد اتخذوا قراراً -كما علمتم- أن على شيخ القرية أو الحي أن يطلع على كل حبلى، وعلى الرجل أن يبلغ البلدية أن امرأته حبلى في الشهر الخامس أو السادس، وإذا آن أوان الولادة لابد من الاتصال بالمسئولين ليحضروا الولادة، فالقابلة بمجرد ما تتلقى الولد من فرج أمه تنظر إن كان ذكراً قالت: ذكراً وذبحوه، وإن كان أنثى تركوها.ومع هذا قال الساسة: إذا فعلنا هذا باستمرار قضينا على اليد العاملة، من يشتغل، فمن الخير أن نقتل الأولاد سنة بعد سنة، سنة نذبح الأطفال، وسنة نبقيهم، وفعلوا.وقد قلت لكم: من تدبير الله جل جلاله، أن السنة التي كان فيه العفو ولد هارون أخو موسى وشقيقه، والسنة التي فيها القتل والذبح ولد موسى، فمن يحفظ موسى غير الله.فأوحى الله تعالى إلى أم موسى: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ [طه:39] النيل: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ [طه:39]، وهل هي نبية؟ لا، ولكن أي مانع أن يهتف بها هاتف، أو ترى رؤيا صادقة.وبالفعل ما إن وضعته والشُّرط على الباب، وقد أعدت التابوت وهيأته، وضعته في الصندوق وأعطته لأختها: ارمه في النيل، ليس عندنا ولد، ويعبث به الماء حتى يصل به إلى حديقة الملك فرعون، وإذا بالجواري عند الماء يأخذن الصندوق بسرعة، ورفعنه إلى الملكة؛ امرأة فرعون عليها السلام آسية بنت مزاحم ، قال تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39]، فما إن يراه أحد يكاد يدخله في قلبه، ومن يفعل هذا؟! فما إن شقوا الصندوق، وأزالوا الغطاء، ورأته الجواري والمرأة وإذا بكل واحدة تصرخ، تريد أن تدخله في أحشائها: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، تحت نظري وبصري، أنا الحامي أنا الواقي، أنا الحافظ لك يا موسى، فسبحان الله! إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ [طه:40]، من تدبير الله أنه لما أخذ موسى إلى قصر فرعون، واحتضنته آسية ، كان الولد يصرخ، وأبى أن يرضع أبداً، العطش والجوع وهو في أسبوعه الأول، وكلما تأتي مرضعة أو ضئر تقدم ثديها يلفظه ويدفعه، تدبير من هذا؟! كلما تأتي امرأة وزير .. شريفة .. امرأة غني .. طيبة الرائحة .. جميلة كذا، ما إن تدنو منه يصرخ، وإذا بأخت موسى تقول لها أمها: إي فلانة! تجولي في المدينة وتحسسي، علَّك تسمعين عن أخيك ما فعل الله به: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه:40]، لما سمعت أن الولد في بيت فرعون وأنه لم يقبل الرضع، فقالت لهم: أنا أدلكم عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:12]، وهذه الكلمة تلقت صفعات من الجواسيس ورجال الحكومة. كيف يكونون ناصحين له؟ أنت تعرفين هذا من هو؟ قالت: أبداً. أنا أعرف أسرة فقيرة، فرجوت أن يرضع عندها، فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40]، ما إن رأى أمه حتى التقم ثديها في نهم، فأصبحت أمه رئيسة، لو تطلب مليون دينار لأعطيته. تدبير من هذا؟ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ [طه:40].وحدثت حادثة تذكر أيضاً للعبرة: لما كان موسى يحبو ويحاول أن يقوم ليمشي، وإذا بفرعون جالس أمامه، فيمد موسى يده ويمسك فرعون من لحيته، ويجذبها. قال أحدهم ممن سمعني ذات مرة: سبحان الله! فرعون بلحيته؟! قلت: إي نعم، ما كان الفحل أبداً يحول نفسه إلى أنثى فيحلق وجهه، لابد من هذا. قال: لم فحول اليوم يحلقون؟ قلنا: لأنهم قلدوا المائعين، وضربوا في طريق الجاهلين، وإلا جمالك يا ابن آدم في لحيتك، وكنا نضرب لذلك مثلاً، نقول: أخبروني أيها الفحول! لو أن امرأة تلصق بوجهها لحية فحل صناعية كالباروكة، أفيكم من يرضى بهذا؟ هناك فحل يقبل؟ كيف ينظر إليها؟ مسخت، هكذا.فالذين يحلقون وجوههم ما شعروا أنهم في هذه المحنة، فقد أزالوا منظر الجمال والقوة والذكورة والفحولة، وأصبحوا كالإناث، وهم لا يشعرون.وهذه الكلمة نفع الله بها، فقد مضت علينا فترة كان المجلس كهذا لا يوجد فيه عُشره ملتحون، والكل حالقون، الآن انتشر الحق والحمد لله؛ لأن العلة هي الجهل فقط، مؤمنون صالحون غرروا بهم وقالوا: علماء، وقالوا .. وقالوا، فضللوهم وإلا من يرضى من الفحول أن يساوى بالإناث، ويصبح من جماعتهن، والرسول يقول: ( من تشبه بقوم فهو منهم )، ويقول: ( لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال )، كذا قال؟ إي، والله العظيم.ومن يُلعن على لسان رسول الله كيف يسعد؟! كيف يرتاح وتطيب نفسه؟!كما قلت لكم: ملعون الرجل إذا تشبه بالمرأة، والمرأة ملعونة إذا تشبهت بالرجل، فلو تعمل عمامتها و.. و، وتلصق اللحية في وجهها وقالوا: هذا رجل، ملعونة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.ولا نطيل في هذه النعمة: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ [البقرة:49] وجهه وبيانه: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [البقرة:49] أي: للخدمة والشغل: وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة:49]، امتحان كبير، لِم ما تؤمنون بالله ورسوله، وتدخلون في رحمة الله، وتمشون وراء رسول الله خاتم الأنبياء وإمام المرسلين؟!ثم قال لهم النعمة الثانية: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة:50] اذكروا الوقت الذي تمت فيه ترتيبات عجيبة.



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #94  
قديم 22-08-2020, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تجمع بني إسرائيل استعداداً للرحيل

تعب موسى وهو يلح على فرعون، وقد قهره وغلبه بالآيات والمعجزات، فأبى فرعون أن يسلم بني إسرائيل لموسى، فلما حصلت انهزامات كبيرة، وأخذ بنو إسرائيل يسمون ويرتفعون صدر أمر الله إلى موسى وأخيه أن يتجمع بنو إسرائيل، فيخرجون من وسط الأحواش والأزقة والدور المشتركة مع الأقباط ويجتمعون في جهة؛ استعداداً للرحيل، وجاء هذا في سورة يونس: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:87]، ممن يتلقون هذه المعارف؟ من الله عز وجل.اسمع اسمع: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً لِم قبلة؟ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ، (قبلة) يحمل معنيين: اجعلوا أبوابها إلى القبلة، أو اجعلوها متجهة نحو القبلة بيت المقدس للصلاة، وقبلة أيضاً متقابلة، فالبيوت أبوابها متقابلة، خشية أن يتسرب إليهم الجواسيس أو الأعداء، فيعرف كل من يتحرك في المدينة، أو في هذه القرية الجديدة، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . فأخذوا يتجمعون ويبنون هذه القرية استعداداً للرحيل.

بنو إسرائيل يرحلون من مصر

لما اكتمل عددهم وتجمعوا أوحى الله إلى موسى أن اخرج ببني إسرائيل، فخرج موسى وأخوه هارون وبنو إسرائيل وراءهم، وكانوا ستمائة ألف؛ النساء والأطفال والرجال. إلى أين؟ جبريل يتقدمهم إلى بحر القلزم، البحر الأحمر، وما إن خرجوا وتركوا مصر وزحفوا نحو الشرق حتى أمر فرعون بالتعبئة العامة، فخرج بمائة ألف فارس؛ الذين يركبون الخيول فقط، أما المشاة فلا تسل، ومشوا وراء بني إسرائيل.ولما رأى بنو إسرائيل جيوش فرعون خافوا، وهم جبناء؛ لأنهم عاشوا عيشة المذلة والمهانة، وشكوا إلى موسى فقال: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، رد قولهم ومزاعمهم بقوله: (كلا) ليس الأمر كما تقولون: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، ومشى حتى وصل إلى حافة البحر الأحمر.

السامري وتربة فرس جبريل

وهنا حدثت حادثة: كان فرس جبريل عليه السلام، إذا وطئ الأرض ينبت العشب على الفور تحت قدم الفرس، فتفطن لهذه الحادثة العجيبة السامري ، فأخذ التربة التي تنبت العشب، وقال: هذه التربة فيها مادة الحياة، واحتفظ بكمية منه، فلما نجا بنو إسرائيل من البحر ونزلوا بالساحل المقابل، فكر هذا بوحي الشيطان وقال: يا معشر نساء بني إسرائيل! كل من كان عندها حلي للقبطيات تأتي به وتجمعه لنحرقه، إذ لا يحل لها أبداً أن تأخذ متاع غيرها. فجمع الحلي وصهره بالنار وأذابه وصنع منه عجلاً من الذهب، ووضع فيه ذلك التراب، فأصبح للعجل خوار وصوت كأنه حي، ودعاهم إلى عبادته كما سيأتي، فعبدوه في غيبة موسى.

فلق البحر وهلاك فرعون وجنوده

وأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فقال: بسم الله، وضرب البحر فانفلق فلقتين، في العلو كالجبل من هنا، وكالجبل من هنا، اثنا عشر زقاقاً وطريقاً، حتى أن قبائل بني إسرائيل وأسباطهم لا يزدحمون فكل سبط في شارع، اثنا عشر شارعاً أو زقاقاً في البحر، ومشوا حتى انتهى البحر، وخرجوا إلى ساحله.ووصل رجال فرعون، فأمرهم أن يرموا بخيولهم أيضاً في البحر، فلما توغلوا فيه وتوسطوا، ولم يبق وراءهم أحد، ولم يصلوا إلى ساحل النجاة، أطبق الله عليهم البحر فأغرقهم أجمعين اللهم إلا فرعون، نجاه الله ببدنه فقط، واقرءوا آيات سورة يونس: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]، هذه فيها فذلكة، حيث قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قال الله تعالى: آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:91-92] فقط. إذاً: فرعون دخل على فرس البحر، فمشى ومشى حتى وصل الماء إلى حلقه، وكاد يغرق، ثم أعلن عن إسلامه: حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا معبود لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ .هنا حكاية: لما كانت الحرب العالمية الأخيرة، وكانت ألمانيا محالفة للطليان واليابان، وكانت طائرات العدو تأتي إلى ديارنا بالمغرب بشمال أفريقيا؛ لأنها مستعمرات فرنسية، فحدث مرة أن جاءت الطائرة التي تقذف القنابل، وأخذ الناس يهربون فزعين، كأنهم مع قول الله تعالى: الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:1-4]، ناس يدخلون السراديب، وناس يخرجون، ما عرفوا، هذا طالع للعمارة، وهذا هابط منها، وكان يوجد بعض النصارى لا يحسنون اللغة العربية فيهربون معهم، يسمعون المسلمين يقولون: لا إله إلا الله .. لا إله إلا الله حتى يموتوا موحدين، والنصراني ماذا يقول: (أمواوسي) وأنا كذلك، أي: وأنا كما يقولون.كذلك فرعون قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قال تعالى: آلآنَ يوبخه آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:91-92] فقط، لا بروحك، لِم؟ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً .قالت العلماء: بنو إسرائيل عاشوا أذلة مهانين .. جهلة .. ضعفة، وواقعهم شاهد، ولولا أنهم رأوا فرعون ميتاً أمامهم على الساحل لقالوا: أبداً ما يموت فرعون، فمن رحمة الله وتدبيره بهم أنجاه ببدنه، يطلعون على رأسه وظهره، هذا هو فرعون ميت.وحدث مرة عندنا أيضاً أن شيخاً من مشايخ البلاد حكمنا وطالت مدة الحكم، وفعل العجب، والله لما مات ما صدق كثير من الناس، قالوا: لا يموت، كيف يموت؟!هذا الضعف البشري، قالوا: لا يموت، كيف فلان يموت، لِم؟ عاش ثمانين .. تسعين سنة ما مات، كيف الآن يموت؟!فبنو إسرائيل لولا أن الله عز وجل أنجى فرعون ببدنه، لكانوا يصابون بالهستيريا -كما يقولون- أو الجنون، يكون جالساً يقول: الآن جاء فرعون، فمن تدبير الله لأوليائه ورحمته بهم أن أغرق ذلك الجيش بمئات الآلاف، وأنجى واحداً، لحكمة أو لا؟ لأن أفعال الله تعالى لا تخلو من حكمة قط، ولا يوجد فعل لله بدون حكمة.يقول تعالى: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة:50]، ما هي حكاية ماضية (وأنتم تنظرون) وجيش فرعون يغرق شيئاً فشيئاً حتى غطاهم البحر.

زمن نجاة موسى وقومه

هذا اليوم الذي نجّى الله تعالى فيه موسى وبني إسرائيل كان يوم عشرة محرم، والدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان العام الذي هاجر فيه في ربيع الأول، فدارت السنة وجاء محرم، فصامه بنو إسرائيل: ( فسألهم: لم تصومون؟ قالوا: هذا يوم أنجى الله فيه موسى وبني إسرائيل نصومه شكراً لله. فقال: نحن أحق بموسى منكم )، فأمر أهل المدينة أن يصوموا فصاموا -والله- وصوموا صبيانهم، الأطفال الصغار.ثم بعد عام آخر لما نزل فرضية رمضان؛ أعلن أن من شاء أن يصوم، ومن شاء أن يفطر، فقد فرض الله علينا صيام رمضان، ولكي يخالف اليهود -عليهم لعائن الله- قال: ( إن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر )، فمن السنة معاشر المستمعين والمستمعات أن نصوم تاسوعاء وعاشوراء؛ شكراً لله عز وجل على آلائه وإنعامه.

مواعدة الله لموسى واتخاذ بني إسرائيل للعجل

النعمة الثالثة: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:51].متى واعد موسى أربعين ليلة؟ لما خرجوا من البحر ونزلوا بالساحل، فواعد الحق عز وجل موسى بأن يحضر عنده في جبل الطور؛ من أجل أن يعطيه الدستور الذي يحكم به بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا مستعمرة، وكان الحكم حكم فرعون ورجاله، فبم يحكمهم موسى؟ كما أن موسى عاش في مصر وتربى فيها، فقال له تعالى: تعال عندنا نعطك الدستور، لتحكم به بني إسرائيل.وهنا مسألة سياسية لو كان معنا سياسيون؛ سياسيونا ما يفهمون، يؤولون كلامي ولا يفهمونه، كنا مستعمرات أو لا؟ من إندونيسيا إلى موريتانيا حق أو لا؟ سوريا .. العراق .. اليمن .. مصر .. كذا.. كذا، كنا مستعمرات، فكان الواجب والمفروض أننا لما نستقل في إقليم من الأقاليم أن نأتي بالدستور الإسلامي ونطبقه، ولا نبقى نطبق دستور الدولة المستعمرة.ومن عجيب تدبير الله عز وجل - واسمعوا وعوا- أنه لما بدأت الاستقلالات كان الله عز وجل قد أقام هذه الدولة على يد عبد العزيز ، وذلك بعدما كانت هذه البلاد فوضى عارمة كغيرها من العالم الإسلامي؛ حيث الوثنيات، والجهل، والباطل والسحر، والتدجيل، والخرافات و.. و، لا تسأل عن حالنا، فأراد الله أن يقيم الحجة له على عباده، فأقام هذه الدويلة الصغيرة الفقيرة، لا تملك شيئاً، وتجلت فيها حقائق العلم الرباني، فسادها أمن ما كانت تحلم به هذه الديار.لعلي واهم! ما تعرفون، كان الحاج لخوفه على دنانيره يبتلعها حتى إذا خرأ يأخذها منه، وساد أمن لم تحلم به الدنيا، ولم تعرفه إلا في القرون الذهبية الثلاثة، وإن شئتم حلفت وأنتم لا تقبلون: والله العظيم ما رأت الدنيا أمناً كالذي حصل في هذه الديار على دولة القرآن إلا أيام الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في القرون الثلاثة.أما كان بائع الذهب إذا أذن المؤذن يضع خرقة قديمة بيضاء على باب ذهبه ويأتي يصلي؟!هل عرفت الدنيا هذا؟!يمشي رجل من أقصى شرق المملكة إلى غربها لا يخاف إلا الله.فتحقق أمن، وتحقق طهر، قلّما يسمع أن هناك جريمة واقعة كزنى رجم فاعله، أو أن هناك من لا يقيم صلاة، أو أن هناك من قتل ظلماً وعدواناً، أحداث نادرة.وتجلّت حقيقة القرآن الكريم وهي قول ربنا: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] أي: حكمناهم وأصبحوا حاكمين: أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]، لو ما جاء الله بهذه الدولة، وما شاهد المسلمون حجاجاً وزواراً ورأوا الكرامة كما هي أمن وطهر لكانوا يعتذرون، يقولون: ما عرفنا، ولكن حجوا واعتمروا وشاهدوا.ومع هذا يستقل الإقليم ولا يأتي إلى عبد العزيز؛ لأنه حاكم الحرمين وأرض القدس والطهر، ويقول: لقد استقل قطرنا فابعث إلينا بقضاة يطبقون شريعة الله عندنا، هل فعلوا؟!مما يضحك! أن السودان لما استقلت طالبوا بريطانيا بإرسال قضاة لهم يحكمون البلاد!! والله العظيم قرأنا هذا وسمعناه، هذا مثال.فانظر! لو عرفنا الطريق لكنا الآن أمة واحدة، فلا فرق بين أبيض وأسود، ولا عربي ولا عجمي، كيف؟ هذه الدولة أوجدها الله أولاً أو لا؟ والعالم الإسلامي مستعمرات هكذا؟ فالدولة التي تستقل من الاستعمار الغربي أو الشرقي تبعث رجالها: ابعثوا لنا بقضاة ووالي عام خليفة يخلفك في بلادنا، ما الذي يمنع من هذا؟ وتطبق شريعة الله.ولو فعلنا هذا لكنا خلافة قائمة، والعالم الإسلامي كله بلد واحد، عملة واحدة، جواز واحد، لغة واحدة، دستور وقانون واحد، لكن للجهل وعدم البصيرة، ولتسميم عقولنا وإفساد قلوبنا من طريق الغربيين صرفونا صرفة كاملة.والله ما بلغني حتى هذه الدويلات الصغيرة في الخزي أنهم جاءوا وقالوا: يا عبد العزيز ! لقد انتهينا من الاستعمار البريطاني، ابعث لنا رجالك يقيمون شرع الله بيننا؛ لأننا مسلمون.فعلنا أو لا؟ ما فعلنا.فلهذا لن تقوم دولة إسلامية تضم بأجنحتها العالم الإسلامي أبداً؛ لأننا نحن الذين ذبحناها، وما أردناها تكون.والدليل أن موسى لما استقل ببني إسرائيل ذهب يطلب من الله القانون الذي يسود به، ويحكم بني إسرائيل.ومن ثم ترك بني إسرائيل وذهب إلى جبل الطور وناجاه ربه وناداه، وأعطاه الدستور، وعندما رجع وإذا بـالسامري والعياذ بالله، أمة هابطة كما قدمنا، فقد غرر بهم، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، فذهب موسى يطلبه وهو غافل، هذا هو فاعبدوه. فعبدوا العجل، أما هارون عليه السلام خليفته فبكى، شكا، وما استطاع أن يفعل شيئاً، أمة هاوية!فهذه نعمة، فبدل أن يفعل الله بهم نقمته عفا عنهم، وموسى أحرق ذلك العجل ونسفه كالرماد في البحر وعادوا لعبادة الحق عز وجل.هذا وللحديث بقية مع الآيات، وصلى الله على نبينا محمد.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #95  
قديم 22-08-2020, 05:03 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (53)
الحلقة (60)




تفسير سورة البقرة (24)

بعد الفعلة الشنعاء التي جاء بها السامري وتابعه عليها بعض بني إسرائيل أمر الله بني إسرائيل بالتوبة، بأن يقتلوا أنفسهم، وبدلاً من المبادرة طلبوا رؤية الله جهرة، حتى يؤمنوا ويصدقوا موسى، فغضب الله عليهم وأنزل صاعقة أماتتهم، ثم بعثهم علّهم يتعظون ويشكرون، ومع هذه بقيت نفوسهم مريضة، إذ رفضوا جهاد أعدائهم فحكم الله عليهم بالتيه أربعين سنة، ومع هذا لم تنقطع نعم الله وأفضاله عليهم.

تابع تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ...)

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:54-57] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

اتخاذ بني إسرائيل للعجل إلهاً ومعبوداً

معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!قول ربنا جل ذكره: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ [البقرة:54] اذكر يا رسولنا أيها المبلغ عنا! يا مصطفانا! اذكر قولة موسى لبني إسرائيل، (وإذ قال موسى لقومه) وهم قطعاً بنو إسرائيل، وماذا قال لهم موسى؟ قال: يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54].فصلنا الحادثة سابقاً، وعرفنا أن موسى عليه السلام بعدما نجاه الله مع بني إسرائيل وخرجوا من الديار المصرية ديار فرعون، وأغرق الله فرعون وجيشه، ونزلوا بالساحل ساحل البحر الأحمر.وذكرت لكم لطيفة لا تنسى: لما استقل بنو إسرائيل بم يحكمهم موسى؟ ما هو الدستور؟فقال: انتظروا، لي موعد مع ربي وآتيكم بما أحكمكم به.هنا قلت: استقل لنا كذا وأربعون إقليماً من الاستعمار البريطاني .. الفرنسي .. الإيطالي .. البلجيكي .. الهولندي، وما استطاع إقليم واحد يقول: الحكومة الكافرة خرجت ونحن بم نحكم، فيطلبون دستوراً إسلامياً؛ لأن الشعب مسلم، ولا يساس إلا بالإسلام، فما استطاعوا، ومن صرفهم؟!وقد قلت -وإني على علم-: كان المفروض -لأن الله أوجد هذه الدولة على يد عبد العزيز أيام الاستعمار- أن كل إقليم يستقل على الفور يبعث بوفد ويطالب بالقانون الذي تحكم به هذه البلاد؛ بلاد الحرمين، ولو فعلنا هذا لكنا الآن أمة واحدة، لكن حب الدنيا .. حب الرياسة، والمال، والجاه، والسلطان حجبنا، أما الله جل جلاله فقد أقام الحجة علينا.ولو ما كانت هذه الدولة موجودة، وما سادها أمن وطهر وصفاء، وأقيمت فيها حدود الله لعذرناهم؛ لانعدام من نفزع إليه، ومع هذا كان يجب أن يجتمع علماؤنا ويضعوا دستوراً وقانوناً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكتب الفقه على المذاهب السليمة الصحيحة الأربعة، لكن ما حصل، فلنذق البلاء والعذاب، وهو بما كسبت أيدينا: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118].ونعود إلى السياق الكريم: لما ذهب موسى إلى مناجاة ربه بجبل الطور من سيناء، هذا الشيطان الآدمي السامري - كما عرفتم- احتال على نساء بني إسرائيل وقال: إن هذا الحلي أكثره عارية من القبطيات، ولا يحل لكن الانتفاع به، فاجمعنه ونحرقه. فلما جمعن الحلي أحرقه وحوله إلى عجل، فصنع منه عجلاً -كما تعرفون الصور والتماثيل- وله خوار، هل الريح تدخل فيه وهو مجوف أو يصوت الشيطان على فمه للفتنة؟ ولا عجب، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى، وموسى الآن تائه ما عرفه.والعجيب أنهم قبلوا هذا، أكثرهم قبل واستجاب، لم؟ لأنهم أميون .. جهلة، ما عرفوا الطريق، أين تعلموا؟ فعلَّتهم هي الجهل بالله، وإلا كيف يتصورون أن يكون الله في صورة عجل وهم أبناء الأنبياء وأولاد المرسلين؟!إذاً: فعبدوه.أما هارون عليه السلام؛ أخو موسى -وقد نبأه الله وأرسله وهو في مصر- فقد انعزل مع بعض المؤمنين، وأبوا أن يعبدوا معهم العجل، بل هارون بذل ما يمكن أن يبذله في صرفهم عن هذا الباطل، ولكن غلبوه.أما موسى فما زال يناجي ربه حتى أخبره بأننا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا [طه:85-86]، وصاح وثار ثورة إيمانية حتى أخذ يلبب أخاه هارون بل أخذه من لحيته، قال هارون: يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94] فاعتذر هارون عليه السلام.

توبة بني إسرائيل

زلت أقدام بني إسرائيل وعبدوا غير الله فارتدوا عن الإسلام، وما حكم الردة في قضاء الله؟ القتل، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من بدل دينه فاقتلوه ) إلا أن رحمة الإسلام تستتيب المرتد ثلاثة أيام، يحبس مع المؤمنين، وتعرض عليه الصلاة .. تعرض عليه عبادة الله، علَّه يرجع، فإن أصر يعدم ويموت كافراً، بلا رحمة له، فإن تاب تقبل توبته.فما هي توبة بني إسرائيل؟أوحى الله إلى موسى أن يقتل من لم يعبد العجل من عبد العجل، واجتمعوا في ساحة عظيمة بالخناجر والسيوف، وأخذ بعضهم يقتل بعضاً. تقول بعض الروايات: حتى قتل منهم سبعون ألفاً.ثم أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى: أن قد تمت توبتهم، فلّوح بثوب من ثيابه؛ أعلمهم بانتهاء الحرب.هذه هي توبة الله على بني إسرائيل اللذين عبدوا العجل.واسمعوا قوله تعالى: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54] إلهاً تعبدونه فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة:54] أي: إلى خالقكم. كيف نتوب؟ قال: فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54]، وليس هذا من باب الانتحار بأن يقتل كل واحد نفسه، لا، الحقيقة أنهم غمهم سحاب مظلم، أي: الذين ارتكبوا هذه الجريمة، ودخلوا في المعركة، فما يتبين الرجل أخاه ولا أباه، كلهم في ظلام. فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:54] إي نعم، خير لكم عند ربكم. فلو تركهم على تلك الردة وما آخذهم وماتوا إلى عالم الشقاء والخلود فيه أبداً، ولكن من لطف الله وإحسانه ورحمته أن طهرهم بهذا القتل. فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [البقرة:54] وذكر البارئ بمعنى: الخالق المصور؛ لينبههم على أن العجل لا يخلق شيئاً، ولا ذبابة، فالذي يُعبد، ويُطرح العبد بين يديه باكياً، خاشعاً، خاضعاً من يحيي ويميت، من يعز ويذل، من يعطي ويمنع. أما صنم، وتمثال، وصورة، وشخص، وقبر كيف يعبده ذو العقل؟! إلا أن الجهل إذا عم عميت القلوب.قال: ففعلتم فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54] كثير التوبة، فما تاب إليه أحد ورده قط، رحيم: رحمته انتفع بها كل كائن، وقد جاء في الحديث الصحيح ما علمتم: ( أن الله تعالى قسم الرحمة مائة قسماً، جزأها مائة جزء، فادخر لأوليائه وصالح عباده تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة، وجزء واحد تتراحم به الخليقة كلها، حتى إن الفرس ترفع حافرها مخافة أن تطأ مهرها )، وأنتم تشاهدون.ومن شاهد الدجاجة كيف تعلم أولادها نقر الحب، ومن شاهد العنز كيف تميل بضرعها إلى جديها و.. و.. و.. يعرف هذه الحقيقة، هذه الرحمة تتراحم بها الخليقة كلها، فهذا الذي ينبغي أن يعبد ويشكر، يحمد ويثنى عليه، يطاع ويهاجر من أجله .. يذكر ولا ينسى، أما الأوهام، والضلالات، والخرافات، والريال، والدينار، والشهوات فهذه تعبد مع الله؟ كيف تستحق العبادة؟!

تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ...)

قال تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى [البقرة:55] اذكر لهؤلاء اليهود حولك يا رسولنا، هذه دعوة الله لهم علَّهم يهتدون .. علَّهم يدخلون في رحمة الله، لكن العناد، والمكابرة، وحب الدنيا، وطلب الرياسة منعهم، قالوا: لا ندخل في الإسلام فنذوب فيه، ولا يبقى لنا كيان ولا وجود، ندخل النار ولا نقبل هذا، ما هو عجب هذا؟!المسلمون ابتعدوا عن شرع الله عناداً، لا يريدون الإسلام يطبق عليهم، وهم أعلم من اليهود.قال: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] أي: ظهوراً بيناً.متى هذا؟لما حصلت الفتنة وانتهت أوحى الله تعالى إلى موسى أن يأتيه بسبعين من خيارهم يعتذرون إلى الله، ويعلنون عن توبتهم، ليتوب عليهم، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً من خيارهم، وذهب بهم إلى جبل الطور، فلما انتهوا إلى مكان المناجاة؛ مناجاة الله لموسى وسمعوه، وسمعوا موسى يناجي ربه قالوا: يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55] لما كانوا يسمعون كلام الله لموسى وسمعوا قالوا: نريد أن نراه بأعيننا، لا يكفي أن نسمع كلامه، أرنا الله عياناً، مجاهرة، مكاشفة بلا ستار، ظاهراً.إذاً: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [البقرة:55] الرسول كان يخاطب في يهود المدينة ولكن هم فئة واحدة، الفرع والأصل واحد، يهودي موجود الآن كالموجود على عهد موسى، أمة كاملة، لم يوجد في العالم أمة لا تخلخلت ولا تضعضعت إلا هم، فلهذا خطاب الآخرين كالأولين، لأنهم يتحملون .. الآخرون يتحملون ذنب الأولين، أصل واحد.فأخذتهم الصاعقة، هذه الصواعق التي تأتي في الأمطار صاعقة شديدة أماتتهم، فمن شدتها صعقوا فماتوا واحداً بعد واحد، وما ماتوا بصيحة واحدة، تمت الصاعقة حتى ماتوا بالتوالي، مات مات مات الكل، ثم بعد أربع وعشرين ساعة أحياهم الله عز وجل.ومع هذا يحتج هؤلاء اليهود بأجدادهم، ويلتزمون بمبادئهم، ويرتبطون بهم، مع هذا الفساد والشر والضعف لو كانوا عقلاء!

تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون)

قال تعالى: ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [البقرة:56] بعد نهاية الأربع والعشرين ساعة عادت أرواحهم لهم، وأبدانهم ما فسدت، ناموا، وفي أربع وعشرين ساعة لا يتغير شيء، فعادت الروح من جديد، أخذها ملك الموت وردها.وهذه هل يبقى معها كفر بالله؟ هل يبقى معها عناد ومحاربة لله ورسله؟! عجب بنو آدم! عجب! ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:56] فهل شكروا؟ أين الشكر؟ رفع الله عنكم البلاء لتشكروا لا لتزدادوا فسقاً وفجوراً.وهذه في الحقيقة لنا، وقلنا غير ما مرة: هذا الكتاب كتاب هداية بشرية لا تنتهي هدايته إلى يوم القيامة حتى يرفعه الله، فالمفروض أن نستفيد من هذه الأحداث إفادة حقيقية، فلا نقرأ فقط: اليهود كانوا كذا وكذا؛ ونحن.. هل نحن على منهج الله؟ مستقيمون على شرع الله؟ من يقول: نعم؟ ولا نسبة واحد في المائة، ولا في الألف في عالمنا الإسلامي، لأننا جهلة، لا أقل ولا أكثر، فالجهل الذي أهلك أولئك يهلك كل من عداهم، والذي يعيش في الظلمة كيف يعيش؟ يتخبط ويتخبط في كل مهاوي الحياة. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:56] أي: من أجل أن تشكروا الله عز وجل، أي: تعبدوه بما شرع، بذكره وطاعته، إذ هذا هو الشكر. فالذي لا يعبد الله ما شكر الله.وقد عرفنا والحمد لله أن الشكر هو أن النعمة التي أنعم الله بها عليك أحياك بعد موتك .. عافاك بعد سقمك .. أعطاك بعد منعك، أن تشكر الله: أولاً تعترف بقلبك بأن هذه نعمة الله، ثم تعرب عما في القلب وتترجمه بكلمة: الحمد لله، وتقول من كل أعماق نفسك: الحمد لله.ثالثاً: أن تصرف النعمة في ما من أجله وهبكها وأعطاك إياها.فهل نذكر هذا أو ننسى؟!فما من نعمة إلا ونحن مطالبون بشكرها، حتى نعمة البصر اشكر الله عليها؛ فلا تنظر إلى ما حرم الله عليك، وانظر فيما أحل لك، وأذن لك: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:56].



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #96  
قديم 22-08-2020, 05:03 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تفسير قوله تعالى: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى ...)

قال تعالى: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [البقرة:57] متى تم هذا؟تم هذا لما عاد موسى عليه السلام، وانتهت المحنة نهائياً، فقال لهم: باسم الله، نواصل المشي. قالوا: إلى أين؟ إلى بيت المقدس، وكان بها العمالق يحكمونها.إذاً: فباسم الله مشوا على البهائم، وليس هناك -يومئذ- سيارات ولا قطارات كما هي حال البشر اليوم.ثم لما قاربوا اختار موسى اثني عشر رجلاً: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا [المائدة:12] والنقيب عندنا رتبة عسكرية، والنقيب في الحقيقة مأخوذ من النقب .. من البحث، اثنا عشر نقيباً واذهبوا .. ادخلوا، وتحسسوا وارجعوا إلينا واعطونا واقع هذه الأمة أو هذه الدولة كيف نواجهها؟ كيف ندخل معها في حرب ونتخلص من حكمها الكافر الباطل، ويدخل الإسلام في ديار أرض القدس؟فمع الأسف الاثنا عشر عشرة منهم هبطوا، فجاءوا ترتعد فرائصهم، يصرخون: يا ويلكم، كيف تقاتلون هؤلاء؟ حتى قال أحدهم: أنا أخذني جبار من جبابرة العمالقة ووضعني في جيبه، ووضعني بين يدي أولاده قال: العبوا بهذا الطفل كالعصفور. كل واحد جاء بفرية عظيمة؛ لأنهم ما دخلوا، الجُبن .. الخور .. الضعف، ولا تلوموهم فقد عاشوا مستعمرين، مستغلين، جهلة.

حقيقة الرجولة

وصدق رجلان فقط، قال تعالى من سورة المائدة: قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]. والرجلان مذكوران، ولا فائدة في اسم الرجل. المهم: قَالَ رَجُلانِ [المائدة:23] تعرفون الرجل أو لا؟ له قيمة. وهو غير الذكر، الذكر كالحيوان. الرجل: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ [القصص:20].وهنا حكاية لتعرفوا أن الرجولة مفقودة: أحد الطلبة قال لشيخه: يا شيخ! التقيت برجل في مكان كذا، قال: اسكت، هل في بلادنا رجل؟ قل: لقيت ذكراً. أين الرجل؟!والشاهد: قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ [المائدة:23] من الذين يخافون ربهم من أهل الإيمان والمعرفة، لولا علمهم بالله ما خافوا.ماذا قال الرجلان؟ قالا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ [المائدة:23] باب المدينة فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23] ما هو جواب بني إسرائيل؟ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24] فبمن يقاتل موسى؟ يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا [المائدة:24] لو قالوا: يا رسول الله! يا كليم الله! لا، قالوا: يا موسى، عجائب! لا حول ولا قوة إلا بالله. أين الأدب؟! يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24] أي: فرّغها وأخرجهم ونحن بعد ذلك ندخل، هذا كلام؟! هذا هو الجُبن.

لن ندخل فلسطين حتى يخرج اليهود

يا شيخ! لقد وقع هذا لأمتك وإخوانك.كيف هذا؟ كم عاماً واليهود الآن في القدس، يحتلون بلاد القدس؟أين عشرة آلاف مليون؟ أين المسلمون؟ لا .. لا، حتى يخرجوا. يا أمريكا! أخرجيهم، يا أمم متحدة! أخرجوهم، والله لا فرق أبداً، أولئك كلهم خمسمائة ألف أو ستمائة ألف ونحن ألف مليون: الأمم المتحدة لم ما تخرجهم من لبنان؟ تخرجهم من كذا؟ أخرجوهم. الواقع واحد أو لا؟ هذا والله أمرّ.عرفتم البشر الآن، البشر هم البشر. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] روح أنت والله قاتلا، خلينا نحن جالسين، إذا فرغتم منهم ندخل نهلل ونكبر.ماذا يصنع موسى؟ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي [المائدة:25] هارون، فما عندنا أحد نثق به، أو يستجيب لأمرنا ويمشي وراءنا، فأنا وأخي لا نستطيع أن نخرج أمة عريقة في القوة من سنين أو قرون تملك هذه البلاد، كيف نفعل؟ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25] افصل بيننا وبين القوم الفاسقين. عرفتم الفاسقين؟ بيض أو سود؟! هم الذين يخرجون عن أمر الله ورسوله، فالفاسق من فسق إذا خرج، كما تفسق الفأرة، تخرج من جحرها، فهم فسقوا عن أمر الله عز وجل. إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي [المائدة:25] وتقول: أخي أيضاً لا يملك إلا نفسه، أو تقول: وأخي معول عليّ، ابن أمه، يستطيع أن يدفع به أو يتركه. فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:25].قال تعالى إجابة لدعوة موسى: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً [المائدة:26] بالعد، كم الآن بالنسبة للمسلمين تجاوزت أربعين أو لا؟ تجاوزت، الآن تجاوزت سبعاً وأربعين سنة أو أكثر، فقط محرمة عليهم أربعين سنة.لعل بعض الشباب يتحمسون ويتقززون، إي يا أبنائي! يا أبنائي! لما تُسْلم نساؤنا، ورجالنا، وبنونا، وبناتنا لله رب العالمين يومها تطلَّع، أما أمة هابطة تعيش على الربا، والفجور، والباطل، والخيانة، والكذب، والشر، والفساد، وترك الصلاة و.. و.. تريد أن تقاتل؟ تقاتل من؟ تقاتل مع الله أو ضد الله؟ تقاتل ضد الله وتنتصر؟ مستحيل.لو شاء الله أن ينزل باليهود وباء لفعل، ثلاثة أيام فلا يبقى واحد، لكنه ما يفعل؛ لأنه ابتلى المسلمين، امتحنهم. هل عرفوا الله وقرعوا بابه؟!وإن شككت هل يجوز للمسلمين أن يعيشوا دويلات يحارب بعضها بعضاً، ويحسد بعضها بعضاً؟ أيجوز هذا؟ والله لا يجوز. كيف إذاً ينصرنا الله باللهو والباطل؟!والله لو ملكنا الذرة والهيدروجين لا نستطيع أن نخرج اليهود حتى يأذن الله، لأن هذا تدبيره ليرينا آياته بنا، ما هي قضية قوة وسلاح.أما قال: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:52]؟ هل شكرنا؟ بل كفرنا -والعياذ بالله- بآلاء الله ونعمه.

قيادة يوشع لبني إسرائيل

قال: قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ [المائدة:26] يمشون، يمشون جاءت القيلولة نزلوا، استراحوا، حملوا أمتعتهم، مشوا، أربعين سنة هكذا في تلك الدائرة، ومات موسى عليه السلام خلالها، ومات هارون عليه السلام خلالها، ثم مات هذا الجيل الهابط الذي ألِف البقلاوة والحلاوة، ونشأت ناشئة في الصحراء وعرفت، فقادهم يوشع بن نون فتى موسى عليه السلام، وقد جاء ذلك مبيناً في سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم ودخل فيهم، فلما قاتلهم يوم الجمعة أوشك أن يصل إلى أبواب المدينة ويحتلها وكادت الشمس تغرب، فقال للشمس: ( يا شمس! أنت مأمورة وأنا مأمور قفي حتى ندخل )، والله وقفت الشمس، وواصل الزحف حتى دخل المدينة قبل غروب الشمس؛ لأنه لو غابت الشمس خارجها فالقتال ممنوع؛ لأنه يوم السبت وحرام القتال فيه، فلهذا وقفت.ولما وقفت ماذا حصل؟ ستسمعون: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [النساء:154] دخلوا يزحفون على أستاههم، قولوا: احطط عنا خطايانا؟ قالوا: حنطة في شعير. هؤلاء يحتاجون إلى الصفع، ما هذه العقول؟!ما سبب هذا الهوان والدون؟الجهل والعناد والمكابرة، فما أخلصوا قلوبهم لله، وما ذابوا في طاعة الله ورسوله.

نعم الله على بني إسرائيل في التيه

قال: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ [البقرة:57] لأنهم في صحراء سيناء أربعين سنة، تدبير الله .. آيات الله .. رحمة الله حيثما يكونون يكون الغمام على رءوسهم، فهو سحاب خفيف، لطيف، ظريف، يظللهم عن الشمس، وفي الليل والصبح يذهب الغمام، ولما ترتفع الشمس ويبدأ الحر يأتي الغمام. وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ [البقرة:57] الغمام: جمع غمامة وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى [البقرة:57] ما عندهم مزارع، ولا مطابخ، ولا.. كيف يأكلون وهم تائهون، وما استقروا في مكان، يومياً يحملون أمتعتهم ويمشون إلى بيت القدس، فإذا بهم في نفس المكان، وإنما لفوا فقط ورجعوا.فأنزل عليهم المنّ، والمن جاء به أحد الحجاج من العراق كالحلوى المعجونة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( الكمأة من المن، وماؤها شفاء العين ). وهي تنبت في الأرض أو يستخرجوها كالفقع، هذه مغذية ولذيذة إلى أبعد حد، هذه المن، أنزل المن بالمطر أو نبت بأمر الله عز وجل، فيعيشون عليه.والسلوى طائر يأتي من الجنوب بالآلاف ويقع بين أيديهم، فيجمعونه ويطبخونه ويأكلونه.أي: عاشوا على الحلوى والمشوي، من دبر هذا التدبير؟ الله. لم؟ لأنم أبناء الأنبياء .. أحفاد المرسلين .. أولاد أمة ما كان أفضل منها على الأرض، والآية صريحة: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16] فانظر تلك الألطاف الإلهية، والرحمة الربانية؛ الحلوى ولحم الطير. كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:57] باسم الله كلوا من طيبات ما رزقناكم.

سبب عقوبة التيه

قال تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا [البقرة:57] في قضية التيه حتى صاروا تائهين وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة:57] لو استجابوا لأمر موسى وقد ناداهم: يا بني إسرائيل! اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:20-21] وهذه الجملة يتمسك بها اليهود، قالوا: فلسطين لنا ما هي للمسلمين، والقرآن شاهد: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21] حق، لكن يدخلوها طاهرين مؤمنين، أو مشركين، أخباث، نجسين؟ هيا تفضلوا، لو يسلم اليهود في العالم بأسره، ويصبحوا كأصحاب رسول الله هل هناك من يقول: لا تدخلوا القدس؟ هم أحق بها منا، تفضلوا. لكن أنجاس، أرجاس، أوساخ، ماكرين، خادعين، مشركين، كفروا بالله ورسوله ولقائه يستحقون، تصبح لهم؟! هذه حجة واهية وباطلة، لا قيمة لها، كتبها لكم عندما تكونون مؤمنين مستقيمين على طريق الله والحق.ثم لماذا ما يذكرون الرومان لما أخرجوهم، والبابليين لما طردوهم؟ لأنهم فسقوا، فسلط الله عليهم أعداءهم.فلا حجة لهم أبداً في هذه الآية الكريمة.ونحن لما فسقنا عن أمر ربنا، وخرجنا استعمرنا الشرق والغرب أو لا؟ من سلطهم؟ الله، وما زال.وكل أمة ما تمشي على رضا الله لا بد وأن يمتحنها ويبتليها، قال: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:118].وأذكر أيضاً حادثة أخرى: اليهود يسمعون هذا الآن ولا يؤمنون، هل هذا الكلام يقوله محمد من عنده؟ وهم يجدونه بالحرف الواحد عندهم كيف ما يقولون رسول الله؟ قالوا: رسول الله ما هو لنا، هذا لأولاد إسماعيل، ونحن أولاد إسحاق، لا، ما هو لنا هذا الرسول، يضللون العوام بهذا ويخدعونهم: محمد رسول، ولكن للعرب وليس لنا.
قراءة في كتاب أيسر التفاسير

معنى الآيات

قال: [المناسبة ومعنى الآيات: لما ذكر الله تعالى اليهود بما أنعم على أسلافهم ] وأجدادهم [مطالباً إياهم بشكرها فيؤمنوا برسوله، ذكرهم هنا ببعض ذنوب أسلافهم ليتعظوا فيؤمنوا، فذكرهم بحادثة اتخاذهم العجل إلهاً وعبادتهم له، وذلك بعد نجاتهم من آل فرعون وذهاب موسى لمناجاة الله تعالى، وتركه هارون خليفة له فيهم، فصنع السامري لهم عجلاً من ذهب، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه، فأطاعه أكثرهم، وعبدوا العجل فكانوا مرتدين بذلك، فجعل الله توبتهم من ردتهم أن يقتل من لم يعبد العجل مَن عبده فقتلوا منهم سبعين ألفاً، فكان ذلك توبتهم، فتاب الله عليهم إنه هو التواب الرحيم.كما ذكرهم بحادثة أخرى: وهي أنه لما عبدوا العجل وكانت ردة اختار موسى بأمر الله تعالى منهم سبعين رجلاً من خيارهم ممن لم يتورطوا في جريمة عبادة العجل، وذهب بهم إلى جبل الطور ليعتذروا إلى ربهم سبحانه وتعالى من عبادة إخوانهم للعجل، فلما وصلوا قالوا لموسى: اطلب لنا ربك أن يسمعنا كلامه، فأسمعهم قوله ] ماذا قال لهم؟ قال لهم: [ إني أنا الله، لا إله إلا أنا، أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة؛ فاعبدوني ولا تعبدوا غيري. ولما أعلمهم موسى بأن الله تعالى جعل توبتهم بقتل أنفسهم، قالوا: لن نؤمن لك ] هو أخبرهم أن توبتهم من أمر الله، وليس موسى الذي أمرهم بقتل بعضهم بعضاً، قالوا: لن نؤمن حتى نرى الله، ونسمع منه، وإلا غضبوا عليه وقتلوه.[ قالوا: لن نؤمن لك، أي: لن نتبعك على قولك فيما ذكرت من توبتنا بقتل بعضنا بعضاً حتى نرى الله جهرة، وكان هذا منهم ذنباً عظيماً لتكذيبهم رسولهم فغضب الله عليهم، فأنزل عليهم صاعقة فأهلكتهم، فماتوا واحداً واحداً وهم ينظرون، ثم أحياهم تعالى بعد يوم وليلة، وذلك ليشكروه بعبادته وحده دون سواه. كما ذكرهم بنعمة أخرى وهي إكرامه لهم وإنعامه عليهم بتظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى أيام حادثة التيه في صحراء سيناء. وفي قوله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [النحل:118] إشارة إلى أن محنة التيه كانت عقوبة لهم على تركهم الجهاد وجرأتهم على نبيهم؛ إذ قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] وما ظلمهم في محنة التيه، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم]. وصلى الله على نبينا محمد.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #97  
قديم 25-08-2020, 04:40 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (54)
الحلقة (61)




تفسير سورة البقرة (25)


أمر الله بني إسرائيل بأن يدخلوا قرية ويدعوا الله بأن يحطّ عنهم خطاياهم، فبدّلوا كلام الله، فأنزل الله عليهم عذاباً من عنده، وأمر الله نبيه أن يذكّر اليهود بما أنعم عليهم من رزق وخير، لا تعب فيه ولا نصب، جاءهم بعد لأواء وشدة، ولجوء إلى موسى كي يدعو ربه، حينها أمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر، فانفجرت عيون الماء صافية نقية.

تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً ...)

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت سورة البقرة، وإن الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:58-60].

لمحة تاريخية عن اليهود الذين جاءوا إلى المدينة

ما زال السياق الكريم مع بني إسرائيل، أي: اليهود الذين عايشوا النبي صلى الله عليه وسلم بضع سنوات في هذه المدينة، وهم: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وهم يمثلون العالم اليهودي.ونزوحهم إلى هذه الديار -كما علمتم زادني الله وإياكم علماً- سببه اضطهاد الروم لهم؛ لأنهم في نظرهم قتلة إلههم، وثاني سبب: تباشير التوراة والإنجيل ببعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وأنه يخرج من جبال فاران، وهي جبال مكة، وأن مهاجره بلد ذات نخيل وسبخة، وهي يثرب، فجاءوا ينتظرون طلوع الشمس المحمدية ليدخلوا في الإسلام، ويستردوا مجدهم وقوتهم ومملكتهم، فلما رأوا أن الريح غير ملائمة، وأن الإسلام إذا دخلوا فيه أنساهم أجدادهم وآباءهم، من ثَمَّ تغيرت قلوبهم، وناصبوا العداء للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين.وتم الذي أراده الله، فبنو قينقاع فعلوا فعلة قبيحة فأجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم أول فئة منهم.وبنو النضير أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهم في حكم من قتل، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلا أن أجلوهم إلى الشام.وبنو قريظة لما انظموا إلى الأحزاب، الذين جاءوا لإبادة الإسلام وأهله، وانهزم الأحزاب بأمر الله، وعادوا إلى ديارهم خائبين، حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني قريظة، فاستسلموا وخضعوا، فقتل رجالهم، وكانوا نحواً من سبعين رجلاً، وسبى ذراريهم ونساءهم بحكم الله .. بقضاء الله من فوق سبع سماوات.

كتابة التيه على بني إسرائيل أربعين سنة لخذلانهم نبيهم موسى عليه السلام

هؤلاء اليهود المعبر عنهم في القرآن ببني إسرائيل، وقد طال الحديث عنهم، عندما تتأمل تعرف أن القلوب بيد الله، يهدي من يشاء، استعرض لهم حياتهم بكل ما فيها، جزئية جزئية، فلو كان الله أراد أن يسكنهم دار السلام لكانوا دخلوا في الإسلام أجمعين، ولكن قَلَّ من دخل منهم في الإسلام، أفراد قليلون، واسمع ما يقول لهم: واذكروا، أي: واذكر لهم يا رسولنا. وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة:58]، من القائل؟ القائل: الله عز وجل. من الواسطة الذي يبلغ؟ هو يوشع بن نون فتى موسى وتلميذه وصاحبه؛ لأن بني إسرائيل لما وقفوا ذلك الموقف؛ موقف الهزيمة المرة، كما وقف المسلمون الآن مع اليهود، وقالوا لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، ونحن نقول: الأمم المتحدة .. أمريكا لم ما تخرج اليهود؟ ونحن أسوأ حالاً من أولئك، نحن ألف مليون، وهم ستمائة ألف بنسائهم وأطفالهم، يقاتلون العمالقة، ويخرجونهم من أرض القدس، أمر صعب، إلا أنه لما كان الله معهم ينتصرون، فنحن لو كان الله معنا ولا ثلاثة أيام، والله لو يعرف اليهود أنا أقبلنا على الله، وواليناه ووالانا، لعزموا على الرحيل من تلقاء أنفسهم.فلما جبنوا وخاروا وتأخروا ضربهم الله أربعين سنة، وهم يتيهون في الأرض، في صحراء سيناء، فلما طلع النهار شدوا على الجمال والبغال والحمير يمشون يمشون، اشتد الحر نزلوا، باتوا، غداً يجدون أنفسهم في مكانهم، ولكن الله عز وجل أكرمهم؛ لأنهم أبناء وأحفاد أنبيائه ورسله، فهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.فأنزل عليهم المن والسلوى: الحلوى واللحم، والغمائم تظللهم من حر الشمس، ويروى أن ثيابهم ما بليت ولا تمزقت، وبقيت كذلك.إذاً: أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26]، هكذا: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [المائدة:26]، من هم الفاسقون اليوم؟ الذين خرجوا عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا تحزن عليهم.

حال بني إسرائيل في عهد يوشع بن نون

امتد الزمان وطالت الأيام فتوفي موسى عليه السلام، وقبله أخوه هارون، ومات جيل الهزيمة؛ فالذين كانت أعمارهم أربعين وخمسين انتهوا، ونشأت ناشئة جديدة صحراوية، لكنها ما نبتت في منابت الفسق والباطل، فقادهم يوشع بن نون ، الذي نبأه الله، وأرسله إليهم.وقد ذكرت لكم ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن يوشع لما غزا وكان يوم جمعة، وكاد يصل إلى الأسوار، والبناء للمدن كان على أسوار تعتمد عليه، فإذا الشمس تغرب، فخاف إذا غربت يقف القتال؛ لأنهم مأمورون بعدم القتال يوم السبت، فنظر إلى الشمس وقال: يا شمس! أنت مأمورة وأنا مأمور، قفِ مكانك. والله وقفت، وواصل الزحف حتى دخل البلاد.الآن وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ [البقرة:58]، على عهد يوشع أو لا؟ ادخلوا المدينة العاصمة، وهي القدس، فيها العسل، واللبن، والفواكه، والخضر، يكفي أربعين سنة وأنت مع الحلوى ولحم الطير.قد يقول القائل: ما هي الحلوى؟قلنا: هي الكمأة، لكن فيها عسل وحلوى، من الحلاوة. ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ [البقرة:58]، مما أحل الله لكم وأباح لكم. رَغَدًا [البقرة:58]، أي: عيشاً، واسعاً، طيباً، لا صعوبة فيه، ولا نكد. ورغد العيش: سعته وطيبوبته. وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58]، المراد بالباب المعروف الآن بباب حطة، هذا الباب أمرهم نبيهم يوشع وقائدهم عليه السلام بأن يدخلوا راكعين، ومن الجائز أن نقول: كان سقف الباب منخفضاً، فلابد وأن يطأطئ الرجل رأسه حتى يدخل، ولسنا في حاجة إلى هذا ما دام لم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد الله أن يمتحنهم: ادخلوا راكعين؛ لأن السجود وضع الجبهة والأنف على الأرض، كيف يمشي الساجد؟ لا يمكنه ذلك.فالمراد من السجود هنا: الخضوع، والذلة، والانكسار بين يدي الجبار؛ شكراً له على الإنعام، والتوبة إليه من التمرد والعصيان. ادخلوا راكعين، والركوع صاحبه يمشي، والصحابي مشى من صف إلى صف بعيد وهو راكع. وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58]، لم ما قال: ركعاً؟ لأن لفظ السجود هو الذي يدل على المطلوب وهو الخضوع، والذلة، والانكسار أمام الجبار حيث أنعم عليهم، وفتحوا البلاد.وإليكم ما يؤكد هذا: كيف دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح ودخلت خيله، ومعه اثنا عشر ألف بطل؟والله دخل ولحيته الشريفة هكذا على قربوس السرج كأنه كتلة، خاشعاً .. خاضعاً .. شاكراً لله نعمته عليه، قربوس لحيته تضرب في قربوس السرج، وما دخل متعنتراً.وهنا من سنين ونحن نذكر جهلنا وهبوطنا وضلالنا، عندما يستقل الإقليم من أقاليمنا المستعمرة، وكلها باستثناء هذا البلد، ما إن يستولوا على الحكم حتى يقيموا حفلات العهر والباطل والغناء، ويطلبوا إخوانهم الذين يسمونهم بالعملاء للاستعمار: اذبح، قتل، دمر، والأفراح إلى عنان السماء.فنقول: هل عرفتم كيف دخل نبيكم مكة وقد أخرج منها؟!ثم لما دخل ووجد إخوانه وقد طأطئوا رءوسهم، وانحنوا في ساحة المسجد الحرام، وهو مصلت السيف، ماذا قال؟ ( ما تظنون أني فاعل بكم يا رجال قريش؟ قالوا: أخ وابن أخ. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء )، فلم ينتقم من أحد.كيف ما نذكر هذه المواقف؟!والعلة أبنائي معروفة، جهلة ما عرفنا الله، ولا الطريق إليه، ماذا ترجو منا؟ تريد أن تختبرنا؟ عند الباب، آذِ واحداً فقط ولو بنعلك، وانظر ماذا تشاهد؟إذاً: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58]، أي: راكعين، شكراً لله رب العالمين، إظهاراً للإذلال والطاعة لله، المنعم المتفضل. وَقُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58]، ومعنى (حِطَّةٌ): احطط عنا خطايانا، وقد تكون هذه الكلمة بالعبرية، وجاءت في القرآن بحسب لغتهم، ولا بأس أن تكون (حِطَّةٌ) بمعنى: احطط عنا خطايانا، ولها نظير في اللغة على وزن خسة.إذاً: قولوا هذه الكلمة، تعلنون فيها عن ذنوبكم الماضية من الفسق، والضلال، والعصيان، واطلبوا من الله تعالى أن يحط عنكم خطاياكم؛ لتدخلوا طاهرين.والجزاء: قال تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [البقرة:58]، سبحان الله ما أكرم الله وما أشد حلمه! كأنهم أطفال صغار يربيهم، لا إله إلا الله، وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [البقرة:58]، خطيئاتكم، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58] أيضاً، فالذين عبدوا العجل يغفر لهم، والذين ما عبدوا العجل يزيدهم في إحسانهم .. الذين فسقوا وتمردوا يغفر لهم، والذين استقاموا وما عصوا يزيد في الإحسان إليهم، فالسعادة للجميع، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:58]، نزيدهم من إنعامنا، وإكرامنا، وإفضالنا.

تفسير قوله تعالى: (فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ...)

قال تعالى مخبراً عنهم: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة:59]، أرأيتم العلة ما هي؟ الظلم، فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:59]، ظلموا من؟الظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فالذين وضعوا الشيء في غير موضعه من بينهم الذين عبدوا غير الله، وضعوا العبادة لغير الله، وهكذا كل الذين قارفوا الذنوب فهم في ذلك ظالمون لأنفسهم، متهيئون للعصيان من جديد والتمرد؛ لأن نفوسهم خبثت، وما بقي فيها نور.

تبديل بني إسرائيل لكلام الله

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ [البقرة:59]، بدلوا، قالوا: حنطة، بدل حطة، بعضهم قال: حنطة، حبة في شعيرة، أعوذ بالله، هذا نوع من الاستهزاء أو لا؟ولا تنسوا الآن بين المسلمين من يستهزئ ويسخر من كلام الحق، إذا كان ما هو من حزبه أو من جماعته أو من كذا، ويقول كلمات أسوأ من هذا ويسخر، ولا عجب. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:59]، أنفسهم، فشوهوها، وقبحوها، وأصابوها بالظلمة، والنتن، والعفن من جراء الفسق، والفجور، وارتكاب كبائر الذنوب، هؤلاء بدلوا القول الذي قاله الله لهم على لسان يوشع ، ادخلوا راكعين وقولوا: احطط عنا خطايانا، قولوا: حطة، قالوا: حنطة، ودخلوا يزحفون على أستاههم وبلَّغ هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، فما دخلوا راكعين، بل دخلوا يزحفون على أستاههم وأدبارهم، ويقولون: حنطة، حبة في شعيرة.أرأيتم الجماعات التي تهبط كيف؟ لا إله إلا الله.

عاقبة تبديل كلام الله

قال: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا [البقرة:59]، نقمة الجبار، الله موجود أو لا؟ نعم. أين هو؟ فوق عرشه .. فوق ملكوته، يدير الملكوت كله.وهذه الفاءات لترتيب السببية على الفور: فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [البقرة:59]، أما الذين ما ظلموا لا حمى، لا نابض، ولا باردة، ولا صداع، الَّذِينَ ظَلَمُوا ، أنزلنا عليهم: رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ [البقرة:59]، (رِجْزًا): عذاب فيه وسخ، وأكثر الروايات أنه اجتاحهم وباء، وهو الطاعون، فما من واحد إلا وهو يخرأ -بلا شك- هذا رِجْز. فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة:59]، الباء سببية، ما قال: بسبب فسقهم، قال: بسبب ما كانوا يفسقون، أي: يتجدد فسقهم في كل أمر وكل نعيم، فسق متواصل؛ لا أنه فسق واحد وآخذهم به وانتهى، لا .. لا، بل بسبب ما كانوا دائمين مستمرين عليه من الفسق، كلما يؤمرون بأمر يسخرون منه ويتركونه.

ضرورة العودة إلى القرآن والسنة

هل في هذه الآيات عبرة للمؤمنين؟ هل تنقضي عبر هذه الآيات؟ والله ما تنقضي ما بقي إنسان يعبد الله.هل المسلمون ينتفعون بهذا؟هل يجتمعون عليه ويدرسونه في المدن والقرى بالنساء والرجال، لا والله، كيف ينتفعون إذاً؟ قولوا لي: كيف؟إذا لم يجتمع المؤمنون والمؤمنات في بيوت ربهم كل ليلة وطول العام من المغرب إلى العشاء يدرسون كتاب الله، ويعملون بهداه أنى لهم أن يعرفوا أو يهتدوا!الآن الأمم المتحضرة التي نتعشق حياتها، ونجري وراءها، إذا دقت الساعة السادسة وقف دولاب العمل، فأغلقت المصانع والمتاجر، ووقف دولاب المزارع وغيرها، وذهبوا إلى اللهو والباطل: دور السينما .. المقاصف .. الملاعب .. المسابح، ونحن أيضاً لا .. لا. نحن نحب الدنيا أكثر، لا نستطيع، إذا غابت الشمس صل ثلاث ركعات المغرب وافتح الدكان وأدر الشغل والمصنع حتى نصبح أقوياء قادرين على أن نضرب أوروبا!ماذا عسانا أن نقول؟ هبطنا إلى الحضيض.كيف نعود؟نعود إذا رجعنا إلى القرآن والنبي، لا أقل ولا أكثر، فالقرآن روح، فلا حياة بدونه، والنبي سراج منير، فلا هداية بدونه.أين نجد الله والرسول والله يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]؟الله: كتابه، والرسول: هديه وسنته.ما عندنا استعداد يا شيخ نطلب هذا، مشغولون نحن! بم؟ بما نهيئه من طعام، وشراب، ولباس، ونكاح، و.. و.. هذا هو شغلنا الشاغل، فليس عندنا وقت.إذاً: هذا شغل الهابطين، أنتم لا تريدون السماء؟ أوه! أين السماء هذه؟ لا تريدون أن تسكنوا في الملكوت الأعلى؟ لا ندري. كيف لا تدرون؟ أما سمعتم الله تعالى يقول: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].كيف تطلع إلى السماء -يا عبد الله- إذا لم تلبس ثياباً خاصة بالطلوع، وإذا لم تستعمل آلات خاصة بالطلوع؟! هل رأيتم طياراً أو من يعرجون إلى الأفق؟ هل يبقون كعادتهم أو يبدلون كل شيء؟ حتى لباسهم يغيروه، ونحن نريد الملكوت الأعلى؟ لا يا شيخ، لا تقل هكذا. لو أردنا صادقين لأقبلنا على الله وأطعناه، لكنها كلمات باللسان فقط.أعيد الآية من جديد وتأملوا: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة:58-59].إذاً: احذروا الفسق والظلم يا أيها المسلمون! فلستم بأشرف من بني إسرائيل.احذروا الفسق والظلم، وقد فعل الله ما علمتم بالظالمين وبالفاسقين من بني إسرائيل، فلا يبقى بعد اليوم ظلم ولا فسق في ديار المسلمين!

تفسير قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر ...)

قال تعالى: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:60].اذكر يا رسولنا لهم، قل لهم: اذكروا يا معشر يهود! القرآن يفضح سرائركم، ويظهر خفاياكم، وأنتم لا تنكرون هذا، وهل يستطيعون إنكاره؟ لا يستطيعون.اذكروا إذ استسقى موسى لقومه، أين استسقى لهم؟ في مصر؟ لا .. لا.. النيل كاف، هذا في التيه، لما اجتازوا الديار المصرية بانفلاق البحر وخروجهم إلى أرض سيناء، عطشوا في يوم من الأيام، وكادوا يموتون من العطش. فأوحى الله تعالى إلى موسى أن: اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ [البقرة:60]، لعل هذا حجر خاص، أو هو حجر لكن بعد فترة أصبح الحجر معهوداً لهم، يحملونه معهم على البهائم إذا رحلوا، فإذا انقطع الماء وعطشوا يضربه موسى فيتفجر الماء. هذا سحر؟ السحر لا يظهر بهذا المظهر، يظهر بالعين فقط، هؤلاء يشربون، ويغتسلون، ويتوضئون الأيام والليالي. فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ [البقرة:60]، فضرب: بسم الله، فَانفَجَرَتْ مِنْهُ [البقرة:60]، والله اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة:60]، من هنا عين .. من هنا كالبزبوز كما تسمونه أو الكباس، اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة:60]، لم هذا العدد؟ لأن قبائلهم اثنتا عشرة قبيلة، وهؤلاء هم الأسباط، أولاد يعقوب عليه السلام، وإخوة يوسف كم كانوا؟ اثنا عشر رجلاً: بنيامين، ويوسف، وعشرة: يهودا ومن معه، كل ولد منهم أصبح شيخ قبيلة، وقبيلة حرب عندنا في الحجاز تفرعت إلى أفخاذ وبطون.إذاً: كل واحد أصبح أبا لقبائل متعددة.فكانوا اثنتي عشرة قبيلة، أي: سبطاً، كل عين يشرب منها سبط حتى لا يتزاحموا؛ لأنهم ما زالوا لم يتربوا في حجور الصالحين، والله ممكن يتضاربون.رأينا الحجاج قبل أن يفتح الله بهذه المياه يتقاتلون في منى، رأينا بعضهم بالسكين في يده على الكباس.إذاً: من رباهم؟ما جلسوا في حجور الصالحين، فالله عز وجل من رحمته وإحسانه بهم جعل لكل قبيلة عيناً خاصة بها، كباس مستقل، وفعل هذا بهم في البحر، فانفلق اثنتا عشرة فرقة، كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63]، لأنهم لو مشوا في فرقة واحدة يتزاحمون ويتضاربون، ويقولون الباطل.إذاً: اثنتي عشرة قنطرة أو جسراً يمشون عليه، وكذلك الماء لو كان عيناً واحدة، ولا تنس.كيف حال المسلمين اليوم، إذا تزاحموا على دكان فقط ترى العجب.ولكن ما كل المسلمين هكذا يا شيخ؟إي والله، الذين تربوا في حجور الصالحين، وأصبحوا من ذوي الأحلام والنهى، والعقول، والبصائر، حاشاهم، إنهم كالملائكة في السماء لا يظلمون، ولا يؤذون، ولا يتعرضون لأحد.والذين ما عرفوا يزني بعضهم بنساء بعض.يا شيخ! لا تقل هذا الكلام!والله العظيم، مسلم يزني بامرأة مسلم أو بنته كيف يتم هذا؟ أين قلبه؟ أين عقله؟ أين دينه؟ أين إيمانه؟يا شيخ! يدخلون أيديهم في جيوب إخوانهم وهم يطوفون بالكعبة، ويسلمون على رسول الله، ويسلبون أموالهم من الحرم، صح أو لا؟كيف يتم هذا؟ لأنهم ما ربوا في حجور الصالحين .. ما جلسوا مجالس الهدى .. ما عرفوا الله، ولا بكوا بين يديه، ولا ولا.. ماذا تريد منهم؟ النساء كالرجال على حد سواء، لا يعذر إلا من لم يبلغ الحلم، فما زال لم يبلغ نعفو عنه.

طريق العودة إلى الله

يا شيخ! ما الطريق إلى أن نعود؟ما دام أننا نشعر بهذا الشعور، الجواب: كتاب (المسجد وبيت المسلم).سكت العلماء .. سكت الطلبة، لا أدري ماذا أصابنا؟أسألكم بالله: كم شهراً ونحن في الكتاب؟سنة وأربعة أشهر، ما بلغنا أن طالب علم جمع أهل القرية -بوسائل الحب، والعطف، والرحمة- بنسائهم وأطفالهم، وأخذ يعلمهم الكتاب والحكمة، منذ شهر أو شهرين أو كذا، ما وقع.إذاً: كيف نعود؟ عائدون .. عائدون.جماعة إخواننا الفلسطينيين، أنشودة: عائدون، أين تعودون؟ ومتى نعود؟!إذا عجزنا عن أن نلتقي بربنا في بيته، نبكي بين يديه بنسائنا وأطفالنا، ونتمرغ في التربة بين يديه رجاء أن يرحمنا، ما استطعنا هذا فقط، ونستطيع أن نسود ونقود، وآه! خرافة هذا، ما هو معقول أبداً.لا عودة إلا من طريق: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، يعلمهم ماذا؟ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، يهذب أرواحهم، وأخلاقهم، ونفوسهم.

تذكير بني إسرائيل برزق الله لهم

قال: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ [البقرة:60]، كم؟ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [البقرة:60]، العين مؤنثة: اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا . قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60]، لا إله إلا الله، كل قبيلة عرفت المشرب من أين تشرب؟ لا زحام ولا ولا.. آمنت بالله.وقلنا لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ [البقرة:60]، (كُلُوا وَاشْرَبُوا) كلوا ماذا؟ الكمأة، وكلوا لحم الطير: السلوى.إذاً: وَاشْرَبُوا [البقرة:60]، هذا الماء العذب، هذا ما هو ماء الدنيا، ما هو من تحت الأرض ولا من السماء، هذا بكلمة: كن، فكان، والحجر يحمل أطنان الماء، ويحملونه معهم؛ لأنهم ما هم مقيمين في مكان واحد، كل يوم يرحلون.إذاً: الحجر يحملونه معهم.هل استطاع اليهود أن ينكروا هذا؟ لا ينكرونه، لم -إذاً- تعرضون عن الإسلام؟ بهاليل.والله بودي أن نجلس مع يهود ونتحدث معهم، وهو فيهم نوع من البهللة.أنتم تريدون السعادة أو الشقاء؟ تريدون العز والكمال، أو الهون والدون؟تريدون هذه السعادة؟ والله لا سبيل إلا أن تدخلوا في رحمة الله، كما دخل موسى وهارون من قبل.تريدون العزة والسيادة؟ ما هو بالسحر والمكر والخديعة، والله لن يتم ذلك إلا بالإسلام، احملوا راية الإسلام وقودوا البشرية.يا شيخ! لا تلم اليهود، لُم المسلمين الضائعين التائهين، ألف مليون ما عرفوا الطريق إلى الله إلا من رحم الله.قال: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ [البقرة:60]، هذا رزق الله أو لا؟ ما هو بأيديهم، فالطير ينزل عليهم يمسكونه، يذبحون ويأكلون، والكمأة تخرج من الأرض، مِنْ رِزْقِ اللَّهِ [البقرة:60]، والماء من الحجر.

النهي عن الفساد في الأرض

وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:60]، والعِثي: هو شر الفساد، أقبح فساد هو العثي. وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:60]، كيف يفسد في الأرض؟ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]، كل من يعمل بمعصية الله ورسوله في قرية .. في شارع .. في جبل .. في البحر .. في السماء، فهو يفسد في الأرض.من المفسدون في الأرض؟الذين يستحلون ما حرم الله .. الذين يرفضون فرائض الله .. الذين يتكبرون عن عبادة الله، هم المفسدون في الأرض.بين لنا وجه ذلك يا شيخ؟اسمعوا! القمار .. الزنا .. اللواط .. شرب الخمر .. عقوق الوالدين .. ترك الصلاة .. منع الزكاة، هذه والله كالقنابل المدمرة، تفسد الأرض إفساداً كاملاً.إذاً: كل من يعمل بغير طاعة الله والرسول، قل: إنه يفسد في الأرض، يفسدها لينتهي منها الخير والبركة والرحمة، والطهر، والصفاء، والعدل، والإخاء، وتصبح البشرية كالحيوانات يأكل بعضها بعضاً.الإفساد ضد الإصلاح.فالإصلاح: هو أن يعمل البشر بتوجيهات ربهم، وشرائعه، وكمالاته.الإفساد أن يعرضوا عن ذلك، ويتركوه، ويعيشوا على أهوائهم، وما تمليه عليهم شياطينهم، وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة:60].الله تعالى أسأل: ألا يجعلنا من المفسدين في الأرض ولو بكلمة نقولها باطلة، وأن يجمع كلمة المؤمنين على الكتاب والسنة، وأن يلهم علماءهم أن يعودوا إلى كتاب (المسجد وبيت المسلم) عما قريب إن شاء الله.وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #98  
قديم 25-08-2020, 04:42 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (55)
الحلقة (62)




تفسير سورة البقرة (26)


"أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" كانت هذه إجابة موسى لقومه حين رأى جهلهم بما هو خير لهم وأفضل، لم لا؟ أليس العسل خيراً من البصل، واللحم خيراً من الفوم والقثاء؟ ومع هذا قيل لهم: أردتم الهبوط مما أنتم فيه من نعيم فافتحوا مصراً من الأمصار، وستجدون فيه مرادكم، فأعرضوا، ومنعهم جبنهم وخورهم، وزادوا الطين بلة بأن كفروا بآيات الله وقتلوا الأنبياء وعصوا، واعتدوا، فضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وحلّ عليهم غضبه، فبعداً لهم، ولمن سلك مسلكهم.

تفسير قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ...)

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات في أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها؛ سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61].ما زال السياق الكريم في موعظة وتذكير بني إسرائيل، والنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم أرسل لهداية الخلق، وإنجاء البشرية عامة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، والقرآن الكريم نزل أيضاً لهداية الخلق، فلا تنقطع هدايته، ولا تنطفئ أنواره إلى أن يرفعه الله تعالى إليه.

جهالة بني إسرائيل بالخير

وها نحن منذ ليالٍ مع بني إسرائيل، ولنستمع إلى ما قال تعالى لهم: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى [البقرة:61]، اذكر لهم يا رسولنا، واذكروا أنتم يا معشر اليهود، إذ قلتم وأنتم في صحراء التيه مع نبي الله ورسوله موسى وأخيه هارون لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]، وقد عرفنا ما هذا الطعام، إنه المن والسلوى، الحلوى ولحم الطير المشوي، فهل هناك غذاء أتم من هذا؟!هكذا واجهوا نبي الله ورسوله موسى بهذا الكلام الهابط السافل.ويبدو كما أشار بعض أهل العلم إلى أن بني إسرائيل مع موسى ما كانوا يعتقدون رسالته ونبوته، وكأنهم ظنوا أنه خدعهم ومكر بهم، فأخرجهم من الديار المصرية، ولهذا دلائل أيضاً، وظواهر تظهر فيها هذه الحقيقة، أما قالوا له: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] في بداية دخول سيناء؟ أما عبدوا العجل؟ صنعوه وعبدوه. إذاً: قلوبهم مريضة، فما هم بواثقين في موسى.أما قالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:153]؟!أما قالوا: فليسمعنا كلامه؟ هذا يقوله مؤمن موقن؟ والله لا يقوله إلا شاك، وما هو بموقن أبداً.فالآن بعد هذه الآيات العظيمة يقولون لنبي الله موسى: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]، ما هذا الأسلوب؟! لَنْ نَصْبِرَ أبداً عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ، هذا موقف محرج لموسى، ثم لو كان الطعام الواحد غير كافٍ .. غير مغذٍ .. غير نافع، هذا في ربوة الطعام وقمته، لحم الطير والحلويات، المن والسلوى. فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ [البقرة:61]، وأنتم لم لا تدعونه؟ ما هو ربكم؟! تلاحظ الأسلوب الهابط أو لا؟ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ كأنهم يقولون: نحن ما هو بربنا، أنت الذي تدعي أنه ربك ادعوه، هو الذي أمرك بإخراجنا من ديارنا، والإتيان بنا في هذه المتاهات والصحارى، ادعوه.هل يليق بنا أن نقول مثل هذا الكلام؟ لا. فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا [البقرة:61]، الباقلاء معروفة. المراد البقول مطلقاً من البصل إلى الخردل إلى كذا .. وَقِثَّائِهَا [البقرة:61]، والقثاء معروفة عندنا. وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61]، هذه هي المغذيات، الفوم: قد يكون المراد به البر، يريدون خبزاً، وقد يكون المراد به الثوم نفسه، فالفوم يطلق عليه الثوم، لكن بما أنهم يريدون أكلة غير الحلوى واللحم، ممكن يريدون الخبز .. الحنطة، وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61].فبم أجابهم موسى عليه السلام؟ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى [البقرة:61]، أي: أخس وأحط وأرخص، ولا قيمة له، ما قيمة البصل والثوم مع العسل ولحم الطير؟! أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61]، أين يذهب بعقولكم؟!ثم قال لهم: بسم الله، والله هو الذي ينزل أمره ونهيه على لسان رسوله موسى، فقال لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [البقرة:61]، وبخهم بالجبن والخور والضعف والهزيمة بمثل هذا الكلام. اهْبِطُوا مِصْرًا من الأمصار، شمال، شرق، غرب، وادخلوا منتصرين فاتحين وكلوا مما طلبتم، أما وأنتم جبناء تعيشون على الضعف والهزيمة الروحية والذاتية، وتترفعون عن أكل ما هو أجود وخير وأحسن، وتطالبون بما هو أخس وأهبط.صلى الله عليك يا موسى، كيف يعاني هذا المعاناة؟! من يقوى على هذه المواقف لولا أن الله عز وجل يعضده ويقويه. اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [البقرة:61]، ما دمتم لا تريدون هذا الأكل، وتطلبون غيره، بل وتطلبون ما هو أخس من الثوم والبصل والقثاء، ادخلوا مصراً من الأمصار، اهْبِطُوا ، لم قال: اهْبِطُوا مِصْرًا ؟ لأنهم في مكان عالٍ .. في مكان مرتفع بالنسبة إلى تلك الأمصار التي فيها الشرك، والكفر، والدناءة، والخسة، والهبوط، وانقطاع الوحي والرسالات، وأنتم الآن مع رسولين كريمين، والوحي ينزل .. مع صفوة الخلق، في أعلى مكان وأقدسه، إذ العبرة بما فيه من أنوار، اهبطوا وكلوا مع البهائم كما تأكل، ولكن في نفس الوقت فيه توبيخه لهم بالجبن والضعف والهزيمة، إذ لو ما جبنوا لكان مشى بهم إلى بيت المقدس وفتحها -والله- معهم، لكن انهزموا قبل الوصول إلى الحدود، وما استطاعوا، قالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].

ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل

وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [البقرة:61]، متى ضربت؟ في أي وقت؟ من ثم بدأتهم؛ لأنهم تمردوا .. كفروا .. فسقوا .. جبنوا، قل ما شئت، فكانت ضربة الله تعالى لهم أن أنزل عليهم الذل والمسكنة، وضربها عليهم فلا يخرجون منها، كالقبة التي تضرب على أهلها، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فهم دائماً ضعفة .. محتاجون .. فقراء .. لاصقين بالأرض، والذل لا يفارقهم، فلا يستطيعون أن يرفعوا رءوسهم بين سكان العالم، وضربت عليهم كالقبة التي تحوط بأصحابها.ومن ضرب هذا عليهم؟ الله عز وجل. وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61]، رجعوا في نهاية المطاف يحملون غضب الله وسخطه عليهم.أليسوا أبناء الأنبياء وأولاد المرسلين؟ بلى، ولكن فسقوا عن أمر الله، وخرجوا عن طاعة الله، وتمردوا، ووقفوا مواقف مع رسول الله موسى وأخيه هارون لا يقفها ذو عقل من البشر، فلما واصلوا الفسق والخروج عن الطاعة والتمرد والعصيان؛ فقد استوجبوا نقمة الله، فضرب عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61].

علة ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل

يقول تعالى مبيناً العلة: ذَلِكَ الذي تم وحصل، واستقر فيهم، وهو ملازمهم من الذل والمسكنة، ذلك بسبب ماذا؟ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [البقرة:61]، ما معنى: يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ؟ جحدوها، ولم يعترفوا بها، ولم يعملوا بمقتضاها.آيات الله ليست أغاني وقصائد شعرية، آيات الله تحمل الأحكام والشرائع والسنن والقوانين، فالذي بيننا يمنع الزكاة، أو يترك الصلاة، أو يستبيح ما حرم الله، ما آمن بآيات الله، فلا يكفي المرء أن يقول: آمنت بكتاب الله. والله لا يكفيه، ليست قضية لسان: آمنت بكتاب الله، وهو لم يحل ما أحل، ولم يحرم ما حرم، ولم يعترف بواجب ولا بمحرم، يفعل الواجب أو يترك المكروه، فالإيمان ما هو صوري: آمنت. وأنت تضحك وتسخر.فذلك الذي حل بهم، وكان ما أصابهم من الذل والمسكنة هو بسبب كفرهم بآيات الله.وسواء كانت المعجزات التي شاهدوها بأعينهم وهم يعيشون فيها أو كانت آيات الله في التوراة وما تحمل من شرائع وقوانين وبيان الحلال والحرام، ذلك بسبب أنهم كفروا بآيات الله أولاً. وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61]، هل بعد قتل الأنبياء من ذنب؟!وكلمة: (بِغَيْرِ الْحَقِّ) هل هناك ما يستوجب قتل نبي؟ والله لا يوجد، ولكنها من باب التوعية والتفقيه والتعريف والتعليم، لو كان نبياً أو عالماً استوجب ما يقتل به لهان الأمر، لكن بغير الحق .. بغير ما يقتضي قتل النبي والعالم؛ لأنهم كانوا يقتلون الأنبياء ويقتلون العلماء، إذ قال تعالى: وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:21]، فإذا قام العالم يعظ، أو يذكّر: يأمر أو ينهى يغتالونه ويقتلونه؛ لأنه شوش عليهم، أو أفسد عليهم طيب حياتهم، وهذا ليس في التيه، هذا عام إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا استعدادهم إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم؛ أما سقوه السم في خيبر ليقتلوه؟ أما تآمروا عليه هنا في بني النضير ليقتلوه؟ أما دخلوا الحرب ضده مع الأحزاب ليقتلوه؟! ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ [البقرة:61]، وكلمة (يَكْفُرُونَ) ليست كفروا، فما زالوا إلى الآن يكفرون، والمضارع يقتضي الحدوث والتجدد، فما قال: بأنهم كفروا، بل يكفرون إلى الآن، وادعهم إلى الإسلام، واعرض عليهم آيات الله يكفرون بها. وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61]، وإلى الآن لو يجدون نبياً يقتلونه، وكل من يعارضهم في ما هم عليه من الفسق، والباطل، والشر، والفساد يقتلونه حتى ولو كان من بني إسرائيل.لكن ما سبب هذا البلاء؟ ذَلِكَ تم لهم، بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61].هل تريدون أن تعرفوا؟الذي يعتاد منا ذنباً من الذنوب على سبيل المثال: شرب الكوكايين أو الأفيون أو الحشيش، ثبت بما لا مجال للشك فيه أنه يتعذر عليه تركه .. يعجز عن تركه.والذي اعتاد الأضاحيك والسخرية والباطل في مجالس خاصة تضيق نفسه، ويمل الحياة ويسأمها إذا انقطع عن ذلك المجلس، فما يستطيب الحياة.والذي ألف مجلس قمار، ولهو، وباطل إذا استمر يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام يصبح طبعاً له.والذي يعتاد الكذب ويستمرؤه ويستحليه يوماً بعد يوم، عاماً بعد عام، يصبح لا يستطيع ألا يكذب.فالذي اعتاد عادة من العادات الباطلة والسيئة هذا شأنه، والآية تعلل لعلماء النفس بما هو فوق مستواهم، كيف يجرءون على الكفر بآيات الله؟ وما بعد الكفر ذنب، كيف يجرءون على قتل الأنبياء والعلماء من إخوانهم .. من أنبيائهم .. من علمائهم، ليسوا مستعمرين لهم دخلوا عليهم بل هم من جلدتهم فكيف يجرءون على هذا؟!يقول الحكيم جل جلاله، وعظم سلطانه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61]، وكيف تمكنت هذه الحالة السوء من نفوسهم؟ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61]، العصيان، والاعتداء، ومجاوزة الحد والشرع والقانون، ذلك بسبب عصيناهم.فمن هنا حرم الله عز وجل الكلمة الباطلة، كلمة فقط لا تسقط السماء، ولا تتناثر الكواكب، ولا يغور الماء، ولا يموت الخلق، ومع هذا حرم الله كلمة فقط يقولها العبد .. حرم نظرة فقط يتعمدها العبد .. حرم أكل حبة عنب .. حرم كل ذنب لما يترتب على ذلك الذنب من أن فاعله يصبح بعد ذلك غير قادر على تركه، ولا يستطيع التخلي عنه.فالعصيان ما هو؟العصيان: أن يأمر الأمير فلا يطاع .. أن يأمر الأب لا يطاع .. أن يأمر الوالد لا يطاع.العصيان عدم الطاعة، عصى يعصي عصياناً إذا لم يستجب للأمر ولا للنهي.والمراد من العصيان وعدم الطاعة: أولاً: عصيان أمر الله ونهيه .. عصيان أمر موسى وأخيه الرسولين ونهيهما .. عصيان العلماء الرشداء كـكالب ويوشع بن نون وغيرهم من العلماء الذين كانوا بينهم صالحين، وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61]، الاعتداء: مجاوزة الحد، لا يقفون عند ما أحل الله وحرم الله، بل يتجاوزون ذلك، ولا يقفون عندما قنن لهم وشرع، يعتدون اعتداء الحيوانات على ما حرم الله ونهى الله عنه من المأكولات والمشروبات والمناكح وما إلى ذلك.



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #99  
قديم 25-08-2020, 04:42 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

خطاب الله لبني إسرائيل خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم

معاشر المستمعين! نرجع لهذه الآيات، ولا نشغل أنفسنا ببني إسرائيل، فإننا نحن المأمورون بهذا والمخاطبون.بسم الله الرحمن الرحيم: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]، فالذين لا يصبرون على الخبز الحلال، واللحم الحلال، والشراب الحلال، ويريدون ما حرم الله من المطاعم والمشارب والملابس، هل صبروا؟ ما صبروا. ويطلبون هذه المحرمات ويسعون للحصول عليها باختراق أسوار الكتاب والسنة، وما الفرق بينهم وبين أولئك التائهين الذين قالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]؟ فالذي عنده قرص العيش ولا يرضى به ويحاول أن يكذب أو أن يخدع أو يغش أو يسلب ويغصب حتى يأكل اللحم أو البقلاوة، ما بينه وبين أولئك من فرق أبداً، فهو ما صبر، وطالب بغير ما أعطاه الله.والذي يسكن في خيمة .. في عش كما يقولون .. في كوخ .. يسكن في منزل ويقول: إلى متى وأنا هكذا؟ فيقدم على بنوك الربا ويستقرض الآلاف ليبني، ويعتذر يقول: أين أسكن أنا وأولادي؟! وهذه حال عامة في العالم الإسلامي، وهذا أُسأل عنه طول العام: ماذا أصنع؟ ما عندي مسكن أسكنه؟ إذاً: آخذ من البنك بالقرض، وأبني لنفسي وأولادي، هل يجوز هذا؟ هذا هو مسلك بني إسرائيل: لا أصبر على ما أعطاني ربي؛ خيمة من شعر .. كوخ من خشب وقصب، وأسكن كما يسكن الفقراء والمساكين، ولا أتعدى حدود الله وأخرج عن طاعة الله وأبني لي عمارة أو بيتاً بالمال الحرام، فقد ذبحت نفسي وأنا لا أشعر، والذي يجرؤ على مثل ذلك سوف لا يستطيع أبداً أن يقف عند حد من حدود الله، متى طالبته نفسه، وصاحت به شهوته وهواه، ويسترسل وراء هذا.يتجر بتجارة بسيطة على قدر حاله، لا يصبر، لا يحمد الله على أنه وفر قوتاً حلالاً، وهو الخبز والماء، وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شبع من خبز شعير مرة في يوم واحد حتى لقي الله، ولا يرضى بهذا، ويطلب الربا من البنوك ليوسع التجارة، توسع التجارة لماذا؟ ماذا تريد؟ أتقتل نفسك وأنت لا تشعر، ويأتي بالمال الحرام؟!وآخر يريد أن يتزوج فلا يجد ماذا يفعل؟ يدفع مائة ألف مهراً، ويعد حفلاً لكذا، ويطلب المال من المال الحرام من البنك.لعلي واهم! أنا أعجب منا نحن في ديار القدس كم مصرفاً في المدينة؟ خمسة .. ستة .. عشرة.هل بيننا يهود أو نصارى أو مشركون؟ والله لا يوجد.من هم الذين يأتون البنك ويعمرونه حتى ينمو ويزداد ويفتح آخر .. بعد آخر، كيف يتم هذا؟يتم لأننا ما شكرنا نعمة الله علينا، كاليهود لما قالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ [البقرة:61]. أو كفرنا وظلمنا وفسقنا يختلف عنهم؟ لا يختلف أبداً.الله يقول: ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61]، وعصياننا واعتداؤنا لا بأس به، لأننا ماذا؟ أبناء الأنبياء نحن؟ لا أبداً، هم أبناء الأنبياء، ليس نحن.إذاً: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61]، هذا ينطبق علينا أيضاً أننا نطلب ألواناً من الطعام والشراب والملابس من الخارج؛ من ديار الكفر لنكون مثلهم، وهل يليق بنا هذا؟ لو كنا صالحين نطلب أطعمة ليست من حظنا، ولا من نصيبنا.وأشربة نستوردها، لم ما نشرب الماء الذي عندنا؟ أليس هذا عدم رضا بالنعمة التي بيننا ونطلب غيرها؟ وكيف يصل هذا الطعام والشراب؟ لا تسأل عن حمله وكيف وصل.قال لهم: بسم الله، اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [البقرة:61]، أيها الشجعان! أيها الأبطال! يا من آلمكم هذا الغذاء الطيب الطاهر، وتريدون البصل والثوم، وتريدون المعازف، والمقاصف والملاهي، والأباطيل، اهْبِطُوا مِصْرًا [البقرة:61]، اغزوا وافتحوا، فإذا ما استطاعوا، أسكتهم.

عاقبة الاسترسال في المعاصي

قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة:61] يا معاشر المؤمنين والمؤمنات! كل من يسترسل وراء المعصية، ويمشي وراءها فيحاد الله ورسوله، ويخرج عن طاعتهما فليعلم أنه سيصاب بما أصيب به مَن قبلنا.والعالم الإسلامي مصاب الآن بالذلة والمسكنة، واليهود أصبحوا أرفع منا .. أصبحوا أعز منا، وأكرم منا في العالم، أليس كذلك؟ ألف مليون مسلم أذلهم اليهود، وهذا من عجائب تدبير الله، وهنا لا تنظر إلا إلى الله، هذا الذي يرفع قوماً أذلهم، بل كتب عليهم الذلة والمسكنة، فيرفعهم ويزيل الذل والمسكنة عنهم؛ لنشاهد آيات الله في الكون.والله ما فعل الله هذا إلا من أجل تأديبنا .. من أجل تبصيرنا وفتح أعيننا، علَّنا نعود إليه، ونمد أيدينا إليه بطاعته والإيمان به.ومع هذا ما استفاق النائمون أبداً، وإنها والله لأعظم آية .. أعظم من آيات موسى، ألف مليون مسلم يذلهم الأذلاء .. يمسكنهم الممسكنون، المضروب عليهم الذلة والمسكنة، أليس هذا عجباً؟ إي والله عجب! لم يفعل الله هذا؟ لأنه ليس له من أولياء إلا نحن، فقط نحن المسلمين أولياء الله، فلما تمردنا عليه وخرجنا عن طاعته يبيدنا؟ يصيبنا بوباء ينهي وجودنا؟ ليس إلا نحن مؤمنون. فلابد وأن يؤدبنا، وهو مظهر من مظاهر التأديب الإلهي، وإلا كيف تتصور أن خمسة ملايين يهودي يذلون العالم الإسلامي ويهينونهم؟! من فعل هذا؟ الله الذي لا إله إلا هو ولا رب سواه، هل أفاق النائمون؟ هل صحا الغافلون؟ ما زلنا كما نحن، ما عرفنا الطريق.وقوله عز وجل: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [البقرة:61]، هذا تعليم لنا أو لا؟ الذين يكفرون بشرائع الله يعطلونها، وأحكام الله يدوسونها ويتعدونها، ينزل الله بهم نقمه، فليس العالم الإسلامي بأشرف أبداً من أبناء الأنبياء وأولاد المرسلين، والله يقول: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16]، لكن لما فسقوا، وعصوا، وخرجوا عن الطاعة، وحاربوا أولياء الله من الأنبياء والعالمين بالله. انظر ماذا أنزل عليهم؟ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [البقرة:61].الطابع الأخير: ذَلِكَ [البقرة:61] الذي سمعتم سببه: عصيانهم واعتداؤهم. مجرد عصيان؟ إي نعم، ما أطاعوا الله ولا أطاعوا رسوله، وكانوا يعتدون على حدود الله فيتجاوزونها، وهذا أبو القاسم العليم الحكيم صلى الله عليه وسلم يقول لنا: ( اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )، هل عاشرهم؟ هل عاش معهم؟ كيف عرف هذا؟ إنه الوحي الإلهي.

اتقاء الدنيا بالآخرة

( اتقوا الدنيا )، كيف نتقي الدنيا؟ لا نعطيها قلوبنا ووجوهنا، ونجري وراءها للإكثار منها، للتفوق فيها .. للزائد عن الطعام والشراب واللباس والسكن، فالدنيا إذا أقبلت على العبد وأقبل عليها سلبته مخه وعقله، وأصبح مادياً بحتاً، لا يتحرك إلا في مجال الدنيا.كيف نتقي الدنيا يا رسول الله؟ بماذا نتقيها؟ نتقيها بضرتها الآخرة؛ فنقبل على الآخرة، ونحول همومنا كلها إلى الدار الآخرة، فيخف ما نحن مقبلون عليه من الشهوات، والأهواء، والأطماع في الدنيا.نعم! من أقبل على الآخرة أدبر عن الدنيا وأعرض عنها، ومن أدبر عن الآخرة وأقبل على الدنيا أكلته وأخذته، فأصبح أسيراً لها وعبداً.( اتقوا الدنيا )، بم نتقيها يا رسول الله؟ نتقيها بالآخرة، فبدل أن يكون همنا منصب على الدنيا: الأكل، والشرب، والنكاح، واللذة، واللباس، والمركوب، ولا نعطي للآخرة إلا جزءاً لا قيمة له. اليوم أربعاً وعشرين ساعة لا نعطي للآخرة ولا ساعة، الذين يصلون خمس صلوات عبارة عن ساعة إلا ربعاً، أين الأربع والعشرين ساعة؟! ماذا أعطينا للآخرة؟ مع أن الآخرة خير وأبقى، وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:17].

واتقوا النساء

ونتقي النساء، كيف نتقي النساء؟ بم نتقي النساء؟نتقي النساء بتعليمهن بما يحب الله ويكره الله، ليلزمن البيوت، يذكرن الله ويعبدنه.نتقي النساء بعدم فتح باب الخلاعة والدعارة لهن.نتقي النساء بألا نجري وراء النساء، فيسلبن قلوبنا وعقولنا، ويصبح لا هم لنا إلا النساء.وقد أصيب من قبلنا بهذه المحنة، فاليهود أهل كتاب كان سبب هلاكهم ودمارهم النساء، وها نحن نركض في نفس الطريق من إندونيسيا إلى المغرب، في نفس المسلك: الدنيا والنساء ( فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ).وقد ذكر لنا الكعب العالي، فإذا به يباع في المدينة، كانت اليهودية إذا كانت قصيرة الجسم لا تظهر طويلة في الشارع تلبس حذاء كعبه عالي، الآن نساؤنا وبناتنا يلبسن هذا، كيف تم هذا؟

طريق النجاة

المهم يا معاشر المستمعين والمستمعات! أن نعلم أننا غارقون، ولا منقذ لنا إلا الله، وطريق الإنقاذ الصدق في الإيمان، ثم الإقبال على الله، فنطلب رضاه بسلوك المسالك التي أمرنا أن نسلكها في كلامنا .. في نومنا .. في يقظتنا .. في لباسنا .. في طعامنا .. في شرابنا .. في تجارتنا .. في فلاحتنا، في كل مظاهر حياتنا، وما عندنا شيء تركه رسول الله ولم يبينه، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ( ما مات رسول صلى الله عليه وسلم وترك شيئاً ينفع هذا الأمة وما دلهم عليه، ولا يضرها وما بينه لهم، حتى قال: علمنا كل شيء حتى الخراءة )، كيف نجلس في المرحاض؟ نجلس جلسة خاصة علمنا ذلك، وإذا بنا نعرض إعراضاً كاملاً، ولم يبق بيننا إلا القليل الذين يحاولون أن يسلكوا مسالك الهدى وأن يسلكوا سبل الخير.وكيف الطريق؟الطريق فقط أن نعود إلى المسجد، فالمسجد ملتقى أرواح المؤمنين من الملائكة، ومن الإنس والجن، بيت الله.كيف يا شيخ؟كهذا الجلوس. اسمع يا بني! واسمعي يا أمة الله! لو كان أهل كل قرية هم الآن جالسون هذا المجلس، فلا دكان مفتوحاً، ولا عمل ولا ولا.. غابت الشمس فهم في بيت الرب، يتلقون الكتاب والحكمة، فكل مسجد في أي حي من أحياء المدن غابت الشمس وهم في بيت الله، أسألكم بالله: هل يضيعهم الله؟هل يسلط عليهم وباء أو أعداء؟هل يبقى بينهم من تسول له نفسه أن يسرق أو يفجر أو يزني أو يعهر؟هل يبقى بينهم من يكيد ويمكر، أو يحسد ويغش إخوانه المؤمنين؟والله لا يبقى؛ لأنه العلم، والعلم معرفة الله، إذ كل ما نشكوه وتشكوه البشرية -كما قدمنا وقررنا- هو الجهل بالله وبمحابه ومساخطه وبما عنده وما لديه، فمن لم يعرف الله لا يطيعه، ومن لم يعرف الله لا يحبه، ومن لم يعرف الله لا يستجيب لندائه.أولاً: معرفة الله، كيف يمكننا أن نعرف الله يا معاشر المستمعين والمستمعات؟ ما الطريق؟الطريق أن نجتمع في بيته ويتلى علينا كتابه، وتبين لنا سنة نبيه، ونطالب بفعل الأمر وترك النهي، وبالتأدب والتخلق لما يحب الله ورسوله، ولنصبر على ذلك، والعام بعد العام وإذا بنا أمة ربانية، فيصبح حكامنا ربانيين، وعلماؤنا ربانيين، ونصبح في وضعية قد نسود فيها العالم، ولا نريد السيادة، وإنما نريد أن نقود البشرية لننقذها من جهنم والخلود في عالم الشقاء.البشرية الآن في أوروبا، وأمريكا، واليابان، والصين تستغيث وتستصرخ، قد أكلها الباطل والشر والدمار، فمن ينقذها؟ ومن يمد يده إليها؟ المؤمنون، الربانيون، العالمون؛ أولياء الله.والذي يعزيني أنا بالذات أن نقول: هذا جزاؤهم، فقد مكروا بالإسلام، وغشوا الناس وخدعوهم، وورطوا العالم الإسلامي في هذا الذل والعار، وهذا الجهل، وهذه الذنوب؛ فليبقوا على كفرهم، وفسقهم، وفجورهم، وضلالهم حتى يخلدوا في عذاب النار، وإن كان هذا لا يكون لكل واحد، فالطغمة التي تحاول ضرب الإسلام مجموعة خاصة، كجمعيات التنصير، وأغلب الشعوب هابطة لا تعرف إسلاماً ولا مسلمين.
قراءة في تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً...)

من كتاب أيسر التفاسير

قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا [البقرة:58-59]، يصلُّون؟ يجاهدون؟ يتواصلون؟ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة:59]، احذر يا عبد الله الفسق، احذرِ يا أمة الله الفسق! ما الفسق يا شيخ؟! الخروج عن طاعة الله؛ أن يأمرك الله بكذا فتخرج عن الأمر، أن ينهاك الله عن كذا فتتحداه وتفعله، والله لهذا هو الفسق.

شرح الكلمات

قال المؤلف: [ شرح الكلماتالْقَرْيَةَ): مدينة القدس.(رَغَدًا): عيشاً واسعاً هنيئاً.(سُجَّدًا): ركعاً متطامنين لله، خاضعين شكراً لله على نجاتهم من التيه.(حِطَّةٌ): فِعلة مثل ردة وحدة من ردت وحددت، أمرهم أن يقولوا حطة بمعنى: احطط عنا خطايانا، ورفع (حِطَّةٌ) على أنه خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ادخلوا الباب سجداً حطة لذنوبنا.(نَغْفِرْ) بمعنى: نمحو ونستر.(خَطَايَاكُمْ): الخطايا جمع خطيئة، الذنب يقترفه العبد.(فَبَدَّلَ): غيروا القول الذي قيل لهم، قولوه وهو حطة فقالوا: حبة في شعيرة.(رِجْزًا): وباء وطاعون.(يَفْسُقُونَ): يخرجون عن طاعة الله ورسوله إليهم، وهو موسى ومن بعده].

معنى الآيات

قال المؤلف: [ معنى الآيتين: تضمنت الآية الأولى (58) تذكير اليهود بحادثة عظيمة حدثت لأسلافهم تجلت فيها نعمة الله على بني إسرائيل وهي حال تستوجب الشكر، وذلك أنهم لما انتهت مدة التيه وكان قد مات كل من موسى وهارون، وخلفهما في بني إسرائيل فتى موسى يوشع بن نون ، وغزا بهم العمالقة وفتح الله تعالى عليهم بلاد القدس أمرهم الله تعالى أمر إكرام وإنعام فقال: ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا [البقرة:58]، واشكروا لي هذا الإنعام بأن تدخلوا باب المدينة راكعين متطامنين قائلين: دخولنا الباب سجداً حطة لذنوبنا التي اقترفناها بنكولنا عن الجهاد على عهد موسى وهارون، نثبكم بمغفرة ذنوبكم ونزيد المحسنين منكم ثواباً.كما تضمنت الآية الثانية حادثة أخرى تجلت فيها حقيقة سوء طباع اليهود وكثرة رعوناتهم وذلك بتغييرهم الفعل الذي أمروا به والقول الذي قيل لهم، فدخلوا الباب زاحفين على أستاههم قائلين: حبة في شعيرة! ومن ثم انتقم الله منهم فانزل على الظالمين منهم طاعوناً أفنى منهم خلقاً كثيراً جزاء فسقهم عن أمر الله عز وجل، وكان فيما ذكر عظة لليهود لو كانوا يتعظون ].

هداية الآيات

قال المؤلف: [من هداية الآيتين: أولاً: تذكير الأبناء بأيام الآباء للعظة والاعتبار.ثانياً: ترك الجهاد إذا وجب يسبب للأمة الذل والخسران]، كما حصل لنا مع اليهود.[ثالثاً: التحذير من عاقبة الظلم والفسق والتمرد على أوامر الشرع]. كما تعرفون.[رابعاً: حرمة تأويل النصوص الشرعية للخروج بها عن مراد الشرع منها]. كما يفعل جماعتنا.[خامساً: فضيلة الإحسان في القول والعمل].

قراءة في تفسير قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر ...)
من كتاب أيسر التفاسير

شرح الكلمات

قال المؤلف: [شرح الكلماتاسْتَسْقَى): طلب لهم من الله تعالى السقيا، أي: الماء للشرب وغيره.( بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ): عصا موسى التي كانت معه منذ خرج من بلاد مدين]، فقد كان يرعى الغنم لشعيب عليه السلام، وتلك هي العصا التي امتحنه الله فيها قبل دخول مصر، وأصبحت ثعباناً يهتز كأنها جان.قال: [ وهل هي من شجر الجنة هبط بها آدم؟ كذا قيل، والله أعلم]، ما عندنا ما ننفي ولا نثبت.قال: [ والحجر هو حجر مربع الشكل من نوع الكذّان رخو كالمدر ] كالطين [ وهل هو الذي فر بثوب موسى في حادثة معروفة كذا قيل، أو هو حجر من سائر الأحجار؟ الله أعلم ] تعرفون الحجر الذي هرب بثوب موسى؟ بنو إسرائيل قالوا: موسى آدر، به أدرة. أي: خصيته منتفخة، فلهذا لا يغتسل معنا في ساحل البحر. فأراد الله أن يكذبهم، فدخل موسى وحده يغتسل ووضع ثوبه على حجر -صخرة- ولما خرج وإذا بالحجر يهرب .. يزحف بالثوب، ناداه موسى: ثوبي حجر .. ثوبي حجر، لا يسمع له، حتى دخل في بني إسرائيل، وشاهدوا موسى عرياناً وما به أدرة. وهذا جاء من سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69]. هل هو هذا الحجر؟ جائز، والله أعلم. لما يذكر أهل التفسير القول ما فيه كتاب ولا سنة، ما ننفي، لكن نقول: الله أعلم.قال: [ ( فَانفَجَرَتْ ): الانفجار الانفلاق. ( فَانفَجَرَتْ ) انفلقت من العصا العيون ] الاثنتا عشرة عيناً.[( مَشْرَبَهُمْ ): موضع شربهم.( رِزْقِ اللَّهِ): ما رزق الله به العباد من سائر الأغذية.(وَلا تَعْثَوْا): العَثي والعِثي: أكبر الفساد. وفعله عثي كرضي، عثي يعثى كرضي يرضى، وعثا يعثو، كعدا يعدو]. أقبح الفساد، أو هو نشر الفساد. كيف ينشر الفساد الناس؟ يفتح. تعرفون ما يفتح؟ يفتح فمه؟ يفتح الفيديو، يفتح سينما.قال: [ ( مُفْسِدِينَ ): الإفساد العمل بغير طاعة الله ورسوله في كل مجالات الحياة ]. والله العظيم لكل من عمل بغير ما شرع الله ورسوله لهو مفسد في الأرض، ولن يفسد شخص ولا أقليم ولا أمة إلا بمعصية الله والرسول.قال: [( البقل ): وجمعه البقول سائر أنواع الخضر كالجزر والخردل والبطاطس ونحوها.( القثاء ): الخيار والقثه ونحوهما.( الفوم ): الحنطة، وقيل: الثوم لذكر البصل بعده ] والله أعلم. لكن الراجح أنه الحنطة لأجل الخبز، فهم يطلبونه.قال: [ ( أَتَسْتَبْدِلُونَ ): الاستبدال ترك شيء وأخذ آخر بدلاً منه.( أدنى ): أقل صلاحاً وخيرية ومنافع كاستبدال المن والسلوى بالثوم والبقل.( مصراً ): مدينة من المدن، قيل لهم هذا وهم في التيه، كالتعجيز لهم والتحدي؛ لأنهم نكلوا عن قتال الجبارين، فأصيبوا بالتيه وحرموا خيرات مدينة القدس وفلسطين.( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ): أحاطت بهم ولازمتهم الذلة وهي الصغار والاحتقار.( والمسكنة ): هي الفقر والمهانة.( باءوا بغضب ): رجعوا من طول عملهم وكثرة كسبهم بغضب الله وسخطه عليهم -والعياذ بالله- وبئس ما رجعوا به.( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ): ذلك إشارة إلى ما أصابهم من الذلة والمسكنة والغضب، وبأنهم أي بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء وعصيانهم، فالباء سببية ].وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #100  
قديم 25-08-2020, 04:43 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 45,074
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (56)
الحلقة (63)




تفسير سورة البقرة (27)

ركنان أصيلان من أركان الإيمان ينبثق عنهما بقية الأركان هما: الإيمان بالله واليوم الآخر، فمن آمن بهما حق الإيمان وأتبعهما العمل الصالح استحق الأمن والفرح، هذه قاعدة عامة من لدن آدم إلى قيام الساعة، بما في ذلك اليهود، الذين كثيراً ما يراوغون، ويردّون أوامر الله، وينقضون مواثيقه، بل من عجيب أمرهم أن الله رفع فوقهم جبل الطور ليعملو بما في التوراة فخروا خاضعين، ثم ما لبثوا أن ارتدوا على أدبارهم.

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ...)

الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطعِ الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها، والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.قراءة تلك الآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [البقرة:62-64] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات!اذكروا أن هذه الآيات تنزل واليهود من سكان المدينة، واليهود -كما عرفتم- شعب يقال لهم: بنو إسرائيل، ثم عرفوا باليهود، وهؤلاء بينهم علماء من ذوي العلم والمعرفة؛ لأنهم أهل كتاب، ولكن حبهم العاجلة، ورغبتهم في الدنيا، وتطلعهم إلى الحكم والسيطرة والسيادة صرفهم صرفاً كاملاً عن الإسلام، ورضوا بالنار من أجل أن يصلوا إلى هدفهم الذي لن يصلوا إليه بإذن الله.وهذه السورة مدنية من أوائل ما نزل بالمدينة، فبدأت تذكرهم: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [البقرة:40]، اذكروا عهودكم لله ومواثيقه، ويستعرض عليهم ما كان عليه أسلافهم قروناً متعددة؛ من أجل هدايتهم .. من أجل رحمتهم والإحسان إليهم.وقد تقدم لنا الكثير وهو يقول لهم: اذكروا كذا .. اذكر يا رسولنا لهم كذا.وآخر ما ذكرهم به هو قوله تعالى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [البقرة:61] فهذا الموقف في الحقيقة يجعلهم ييأسون من رحمة الله بما سجل الله تعالى عليهم: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ فلا تفارقهم وَالْمَسْكَنَةُ كالقبة عليهم لا يخرجون منها؛ بسبب كفرهم بآيات الله .. قتلهم للأنبياء .. عصيان، وتمرد، وخروج عن طاعة الله بلا حد.ومعنى هذا -كما قدمت لكم- أنه أيأسهم من الخير بالكلية حسب الخطاب الإلهي، لكن رحمة الله واسعة، والله غفور رحيم، والله تواب رحيم، فاسمعوا ماذا قال، وهو فتح لباب الرجاء لهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62]. فلا تقنطوا ولا تيأسوا، آمنوا واعملوا الصالحات فينتفي عنكم الخوف، ويحق لكم الأمن، ويذهب الحزن، ويحل محله السرور والفرح، نِعمَ الباب فتحه الرحمن.

المسلمون هم أهل الإيمان الحق

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:62]، وهم نحن إن شاء الله، فالذين آمنوا إيمان حق وصدق، لا إيمان نفاق وكذب .. آمنوا الإيمان المطلوب، الذي هو تصديق الله تعالى، وتصديق رسوله في كل ما أخبرا به، سواء كان مما تدركه العقول أو تعجز دونه العقول، وسواء أخبر الرحمن بخبر في الملكوت الأعلى أو الأسفل، في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، أو أخبر رسولُه صلى الله عليه وسلم وصح الخبر؛ لأن أخبار الله في القرآن لا يعتريها النقص ولا الزيادة، إلا أن أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ما هي إلا روايات تروى وأحاديث تؤثر، فلابد وأن يصح الخبر.فإذا صح الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه قال كذا، فمن كذبه كفر.لكن إذا كان الحديث ضعيفاً أو له احتمالات أخرى فلا يكفر، وإن كنا لا نرضى له هذا الموقف، ما دام قد بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لا يحمل على محمل الكفر؛ لأن الروايات فيها ما يقبل وفيها ما يرد كما تعلمون. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:62]، وهم المسلمون بحق وصدق.

سبب تسمية اليهود بهذا الاسم

(( وَالَّذِينَ هَادُوا ))[البقرة:62]، وهم اليهود.لِم قيل فيهم: (هادوا) وقيل فيهم: اليهود؟إما أن يكون الاسم مشتقاً من يهوذا بن يعقوب عليه السلام، يهوذا أخو يوسف وابن يامين، فأسقطوا النقطة عن الذال فأصبح دالاً: يهود، لكن الأصح أنه مأخوذ من قولهم: (هدنا إليك) من هاد يهود إذا عاد ورجع وتاب، وهم بالفعل في حادثة العجل في سورة الأعراف، جاء قول الله تعالى عنهم: (( إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا .. ))[الأعراف:156] الآيات، (هُدْنَا) أي: رجعنا، فهذا الأصل في كلمة (يهود).(( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا )) أي: رجعوا إلى الله وتابوا، وهو يعني اليهود.

سبب تسمية النصارى بهذا الاسم

(( وَالنَّصَارَى )) والنصارى هم المسيحيون إن صح التعبير؛ لأنهم ينتسبون إليه، أو الصليبيون كما هو حالهم، والصلبان في أعناقهم.هؤلاء هم النصارى. لكن من أين اشتق هذا اللفظ؟أقرب ما نقول: إنها من قرية الناصرة التي ولد فيها عيسى عليه السلام، إذ كانت بها والدته مريم عليها السلام، أو من النصر، أو المناصرة، فالكل جائز، والعبرة ليست بالاشتقاق، العبرة أن نعرف من هم النصارى، ألا هم الصليبيون؛ المسيحيون؛ الذين عبدوا عيسى عليه السلام وألّهوه، وجعلوه ثالث ثلاثة، سواء كانوا عرباً أو عجماً، بيضاً أو سوداً.

التعريف بالصابئين

(والصابين) هكذا قراءة ورش عن نافع، بإسقاط الهمزة: (والصابين)، ومن همز قال: (وَالصَّابِئِينَ)، والعرب تقول: صبأ فلان إذ مال عن دينه ودين آبائه وأجداده إلى دين محمد .. إلى لا إله إلا الله، يقولون فيهم: صابئة.والصابئة: فرقة من الناس كانت ديارهم بأرض الموصل، وهم ليسوا بيهود ولا بنصارى، يقولون: لا إله إلا الله، ولم يتابعوا المسلمين، ولا اليهود، ولا النصارى. هؤلاء هم الصابئة، وهم الصابئون والصابون.

عظم منزلة الإيمان بالله واليوم الآخر

وهؤلاء الفرق أهل الأديان: المسلمون واليهود والنصارى والصابئون، يقول تعالى -واسمع الخبر-: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:62]، كيف يؤمن بالله واليوم الآخر؟ يؤمن بوجود الله رباً وإلهاً، فلا رب غيره، ولا معبود سواه، بيده ملكوت كل شيء، وإليه المصير، المعبود بحق، الذي هو رب السماوات والأرض وما بينهما، رب العالمين، رب موسى وهارون، ورب عيسى ومحمد وعامة المرسلين، من آمن منهم بالله رباً وإلهاً لا رب غيره ولا إله سواه. ولازم هذا أنهم انقادوا ومشوا في سبيل مرضات الله عز وجل. وهذه القضية أصبحت عندنا من الضروريات أن الإيمان بمثابة الروح، فإذا حل الإيمان في القلب اندفع العبد، فيمكن أن يغض بصره .. أن يسد سمعه .. أن يكف لسانه .. أن يمنع يده .. أن يوقف رجله لوجود طاقة عنده، فإن لم يكن مؤمناً أو إيمانه ضئيل وضعيف لا قيمة له، فلا يستطيع حتى كلمة الحق أن يقولها. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:62] وهل هناك يوم أول ثم يوم آخر؟ نعم، الحياة الدنيا هي الأولى، والآخرة هي القيامة، اليوم الآخر الذي تنتهي فيه هذه الحياة، وتبتدئ حياة جديدة حياة الخلد والبقاء الأبدي، وهذه كالدورة فقط يقضيها الناس، وينتهون إلى دارهم الخالدة الباقية، إذ شاء الخلاق العليم هذا، فأوجدنا على سطح هذه الأرض مؤقتاً، ولما تنقضي الساعة والأجل يتحلل الكون، ويتبخر كل ما فيه، ويعود سديماً وبخاراً، وإذا بنا في العالم الثاني؛ اليوم الآخر، تمر السنة والشهر والأسبوع، ويوم بعد يوم، ويأتي يوم آخر، يوم ليس بعده يوم.والذين يؤمنون باليوم الآخر، هذا الجزء هو داخل في الإيمان، وأركان الإيمان ستة، هي: الإيمان بالله، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ولكن الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر هما الطاقة القوية القادرة على أن تدفع بالإنسان حيث يموت في سبيل الله.فالذي يضعف إيمانه بالله يضعف عمله، والذي يضعف إيمانه باليوم الآخر يضعف عمله أكثر، ولا يقوى على أن يصلي ركعة لله؛ لأنه آيس من جزاء يتلقاه ويعطاه بعد نهاية الحياة، فهو لا يؤمن بنهايتها؛ ولهذا عندما تتتبّع القرآن تجد: ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:232]، إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:59]، في النساء .. في الحيض: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:228].يا معشر المستمعين والمستمعات! قووا إيمانكم بالله وبلقائه، أي: باليوم الآخر، فإذا حصل ضعف أو فتور في الركنين حبست يا ولدي، ولم تستطع أن تتحرك، فقوِ إيمانك بالله واليوم الآخر.وحسبنا أن الله اشترط للأمن والسرور والفرح هذا الشرط: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ .

حقيقة العمل الصالح وشروطه

وَعَمِلَ صَالِحًا [البقرة:62] وعمل عملاً صالحاً.وقد عرف أهل الدرس -زادهم الله معرفة- أن العمل الصالح هو الذي أمر الله بفعله، أو أمر رسوله بفعله، وأن يفعله عبد الله ولا يريد به إلا وجه الله، وهو ما يعرف بالإخلاص، أي: أن لا يلتفت إلى شيء وهو يؤدي ذلك العمل لله.ثانياً: أن يفعله حسب التعليم الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وإلا لن يكون صالحاً.أعيد ما قد ينساه الناسون وهو أن العمل الصالح المزكي للنفس .. المطهر للروح .. المنتج للخيرات والبركات، هذا العمل أولاً: أن يكون قد شرعه الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والدليل: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، هذا الحديث ربع الشريعة أو ثلثها ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، أي: مردود على صاحبه، فلو قام الليل كله في عبادة لم يشرعها الله لن يُجزَ بها أبداً خيراً، ولو أنفق كل ماله في غير ما أذن الله واستحب وشرع -والله- لن يستفيد شيئاً، ولهذا نجانا الله من البدع، فأهل البدع ينفقون الأموال، ويقضون الساعات بله الأيام والليالي ويخرجون بلا شيء، ولا حسنة، لِم؟ لأن ما عملوه ليس عملاً صالحاً، فما شرعه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا ) ما شرعناه، فهو رد على فاعله، سواء كان من أعمال القلوب أو الألسن أو الجوارح، كالجماعة الذين يجلسون في مجلس طيب مبارك! ويذكرون الله: (هو .. هو .. هو .. هو .. هو .. هو) ساعات.وقد حدث مرة في فرنسا أن الجيران الفرنسيين استدعوا الشرطة قالوا: ما الذي أصاب هذا الجار؛ لأنهم جالسين على سقف خشب ويضربون (هو.. هو.. هو) تهولت الدنيا، كالذين يذكرون: (الله .. الله .. الله .. الله .. الله .. الله) ساعتين أو ثلاثاً أو أربعاً.هل الله عز وجل شرع هذا الذكر؟!هل الرسول صلى الله عليه وسلم علمه أمته؟ بينه لزوجاته وبناته؟ علمه أصحابه؟ من أين لكم أنتم؟ فقط لأن فيه روحانية ولذة: (الله .. الله .. الله .. الله) فلا يعطون ولا حسنة.أصحاب الموالد .. الذبائح .. الأموال .. قناطير السكر، وأكياس الشاي، يظنون أنهم يثابون، ولا حسنة واحدة أبداً، سواء كان مولد سيد الخلق أو مولد سيد البدوي لا فرق بينها، كلها واحدة؛ لأن الله ما شرع الموالد.نعم. من ولد له ولد ذكر أو أنثى وفي اليوم السابع يذبح لله عز وجل؛ شكراً له على نعمة الولد، نعم، يثاب. على البنت شاة، وعلى الذكر شاتان، هناك من يقول: لا ينفع؟ ممكن يقولها عاقل؟ هذا تشريع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا المولد مشروع، أما بعد أن تمضي أربعون سنة ويقال: ذكرى مولد والدتي؛ لأنهم بيت غنى، فلا.الشاهد عندنا: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ).اسمعوا أغلظ لكم: لا يجوز لمسلم جالس الآن أو مسلمة يقوم من هذا المكان ولا يحفظ هذا الحديث، فقد تساهلنا كثيراً وضاع العلم، وكيف لا تحفظ هذه الكلمة، قلها بالبربرية .. بالإنجليزية، علمها أهلك: الرسول الكريم نبينا صلى الله عليه وسلم يقول لنا: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) تعجز عن هذه الكلمة، إذاً: كيف تعيش؟ لِم تعرف اللحم؟ والخبز كم يساوي؟!( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) إن قلت: ما فهمت معنى (ليس عليه أمرنا)؟ أي: ما أمرنا به، ولا دعونا إليه، ولا رغبنا فيه، ولا بيناه للناس، فهو بدعة، يعني: ابتدعت واخترعت.ما فهمت معنى ردّ! ما تفهم معنى ردّ! أي: مردود على وجهك، لا يقبل. أغلظت لكم أو لا؟والله إنها لخير لك من خمسين ألف ريال، يا من كنت لا تحفظ وقد حفظته، والله إنه أفضل من خمسين ألف ريال. هذا نور، ومن يوم أن عرفنا هذا الحديث لا يستطيع أحد يروج علينا بدعة أبداً، كيفما كانت ننفر منها ونهرب: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )، اضرب به وجهه، لا تدعُني إلى باطل.نريد عملاً يزكي نفوسنا .. يطهر أرواحنا .. يوجد مادة النور في قلوبنا.ثانياً: أن تفعله كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تزد ولا تنقص، فإن زدت أو نقصت فيه بطل مفعوله وفسد، ولا تقدم ولا تؤخر، فإن قدمت أو أخرت أجزاءه بطل مفعوله ولا ينتج.وعندنا مثالان مركبات الكيمياويات: حبة الآسبرين كم جراماً فيها؟ خمسة جرامات، يقول الطيب: هذه اشربها بعد الأكل، فأنت قمت تقسمها على خمسة أقسام أو ستة وتأخذ جزءاً منها فقط، ينفع؟ لا ينفع. تقول: ماذا حبة، تأخذ عشر حبات مع بعضها البعض، ينفع أو يقتل؟ هذا مثال.أما المثال العملي: صلاة المغرب كم ركعة؟ ثلاث ركعات، فلو قمنا ونحن مسلمون، مؤمنون، وصالحون، هيا نصلي المغرب خمساً الليلة لله، وصلينا خمس ركعات، هل يوجد تحت السماء من يقول: صلاتكم صحيحة؟! لماذا نحن كفرنا .. أشركنا .. كذبنا رسول الله، ما هو ذنبنا؟ الفقيه يقول: لا، صلاتكم باطلة، بمعنى: لا تنتج لكم الحسنات، وما ولدت شيئاً؛ لأن مفعولها بطل لفسادها، ومن أين أتاها الفساد؟ من الزيادة، زدنا ركعتين.



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 313.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 307.23 كيلو بايت... تم توفير 6.17 كيلو بايت...بمعدل (1.97%)]