تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - الصفحة 20 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين / بإمكانكم التواصل معنا عبر خدمة واتس اب - 009613654576

اخر عشرة مواضيع :         فوائد دبس التمر مع الحليب (اخر مشاركة : هناه خالد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أقسام الاجتهاد من حيث المجتهد ومن يقوم به (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          انقضاء العدة قبل قول المعتدة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          بواعث الصحابة على خدمة السنة (1) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          حديث: أحصوا لي كم يلفظ الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          حديث: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          حديث دعاء السفر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          شرح حديث: نحن أحق بالشك من إبراهيم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          قليل من العفوية! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #191  
قديم يوم أمس, 06:22 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,822
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

دولة عبد العزيز أنموذج لأثر إقامة الصلاة

وأقرب مثال إليكم ما سأقول، ومن وسوس له الشيطان وقال: هذا الشيخ عميل، هذا شيخ الفلوس؛ فليعلم أن أبا مرة عليه لعائن الله يكرهنا كراهية كاملة، فلكي يحرم السامع يلقيها إليه فيقول: هذا عميل! فهذا يلقى لنا ونعلمه من أخلاق أبنائنا وإخواننا؛ لأنهم ما ربوا في حجر الصالحين، فكيف يكملون ويسعدون؟ يعيشون على الجرائد وأقوال الصحف.فنقول: لما أنشأ الله هذه الدولة على يد عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود -تغمده الله برحمته- في أيام ليس فيها تلفون ولا هيلوكبتر أبداً، والله! ما إن أقام الصلاة حتى ساد هذه الديار أمن ما عرفته الدنيا في مكان إلا على عهد الراشدين، والله! إن الساكنين يبيتون وأبوابهم مفتوحة، وبعض الديار لا أبواب لها، وإن بائع الذهب ما يضع إلا خرقة على دكانه ويذهب إلى بيته ليقيل! وتحقق طهر، فما بقي من يجاهر بكلمة الشرك والباطل ولا من ينطق فيسب الله والرسول في الوقت الذي يفيض فيه العالم الإسلامي بسب الله ورسوله، تسمع هذا السب في كل مكان، وخاصة في الأسواق والأعمال. فساد أمن وطهر وصفاء، بأي واسطة؟ هل بالبوليس؟ والله ما هو إلا إقام الصلاة، أهل القرى والأرياف كان إمامهم يقرأ بعد صلاة الصبح قائمة أهل القرية؛ لأن في صلاة الصبح قد ينام المرء وقد يعجز أو يتكاسل، فيقرأ قائمة بأهل القرية ليعلم من غاب، فإن قالوا: مسافر، قال: رده الله بخير، وإن قالوا: مريض قال: زوروه، وإن تكاسل وأبى جروه وأدبوه، برهنة واضحة كالشمس: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وشاهد العالم هذا، وكان الحجاج يأتون فيعودون إلى ديارهم معجبين، لا سرقة لا نهب، وإنما لما استقلت بلاد العرب والمسلمين وأصبح الحجاج يتوافدون كان يأتي معهم لصوص من الرجال ومن النساء، فيسلبون الحجاج وهم قائمون على حجرة الرسول يسلمون عليه، يسلبونهم -والله- وهم يطوفون بالبيت العتيق، وعرف هذا أعداء الإسلام معرفة يقينية؛ لأنهم يدرسون ويراقبون المسلمين، يتربصون بهم، فمن هنا استقل لنا نيف وأربعون دولة، ما استطاعت دولة خرج منها الكافر الذي كان يحكمها أن تأمر بإقامة الصلاة، دلوني إذا سمعتم من إندونيسيا إلى موريتانيا، كل هذه الدول استقلت ونحن نكبر ونهلل، ما إن يعلن عن استقلال القطر الفلاني حتى نهلل ونكبر، وبعض الإخوان يمشون يصلون في كوبا شكراً لله، هل استطاعت دولة أن تجبر رعاياها من رجال ونساء من عسكريين ومدنيين على إقام الصلاة؟ لم؟ عرف العدو أن إقام الصلاة معناه: إنارة القلوب والبصائر، عودة إلى الطهر والصفاء، عودة إلى المحبة والولاء، إلى الأخوة الصادقة والولاء، فقالوا: اتركوهم يعش بينهم الباطل وينتشر الشر.هذا الكلام كررناه منذ أربعين سنة، كل مرة نقول: آهٍ لو يبلغنا أن النظام الفلاني أمر بإقام الصلاة! والمسلمون هابطون إلى أين؟ لا ندري.فلو أقيمت الصلاة في بيت إقامة حقيقية فوالله ما سمعت عاهرة تغني ولا كافراً يتبجح ويتكلم في بيت المؤمن، لكني أرد هذا إلى أننا ما علمنا، ما عُرِّفنا بربنا؛ لأننا ما نقبل أن نجلس أبداً بين يدي المربي، ولا نطلب العلم ولا نرحل من أجله، وإن طلبناه طلبناه للوظيفة، يأخذ الرجل طفله ويقول: تعلم لتحفظ مستقبلك، تعلمي لتكوني كذا، كأننا لا نؤمن بالله، ولا نعرف لله سبيلاً، مع أن الوقفية تمت: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، أنت وقف على الله، فكيف تنفق طاقتك لغير الواقف؟ هيا نقبل على الله من جديد ونقيم الصلاة، الرجل يوقظ بناته ونساءه وأطفاله ويراقبهم، لم ما صليتم المغرب معنا؟ لم ما حضرتم يا أولادي صلاة العشاء؟ لم يا أم فلان ما صليت ببناتك؟ وفي الصبح ما إن يؤذن المؤذن إلا وهو يقرع عليهم الأبواب أن: قوموا، فتقام الصلاة في البيت، والله! لا تبقى الشياطين.فهل أهل هذه الصلاة سيجلسون على الصحن الهوائي يشاهدون العاهرة تغني والمجرم يضحك ويتكلم وهم هكذا؟ لن يكون، فماذا نصنع؟ أما آن لنا أن نتوب؟أنا أقول على علم: إياكم أن تفهموا أن الشيخ يتكلم بالخيالات والجهالات، هذه وساوس يلقيها العدو كما قدمنا لكم، قالوا: لم يقول: الدولة السعودية تقيم الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ نحن نقول: عسى أن يقتدى بها، ويقوم مسئولون فيقولون: لم لا نكون هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ لم يظهر الباطل في أسواقنا ودورنا وبين أبنائنا؟ ومنظمة من رجال العلم يجوبون الشوارع ويدخلون الأسواق ويراقبون سلوك المواطنين، من شاهدوا سلوكه فيه انحراف أخذوه وعلموه وأدبوه.ولكن تقوم الدولة على مبادئ حرمها الله، فماذا يرجو المؤمنون؟ ونحن نتلو هذه الآية من سورة الحج: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41].عبد العزيز رحمة الله عليه أين درس؟ تخرج من بريطانيا؟ من استانبول؟ في فرنسا؟ من الأزهر؟ لقد تعلم في حجر أبيه وأمه، لكن أراد أن يؤسس الدولة في صحراء والكفر يحوط به من كل جانب، كل العالم الإسلامي تحت نعال الاستعمار البريطاني وغيره، وأقام دولته هذه التي بقيت فيها هذه البركة ونحن كل يوم نمزق في أوصالها، العالم بأسره إلا من رحم الله يمزق حتى تنتهي، والله أسأل ألا تنتهي، أما الواقع فوالله! إن الإنس والجن ما يريدون أن تبقى راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.إذاً: قرأ هذه الآية مع مجموعة من أهل البادية فأقام الدولة على هذه الآية، آية واحدة: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ [الحج:41] أي: حكموا واستولوا وسادوا عليها، أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ [الحج:41]، وعندنا كبار السن، فماذا كان عندهم؟ والله! ما هو إلا صاع الشعير أو البر، والتيس من الماعز، فأية أموال؟ لكن فرض الله الزكاة فنؤديها ونجبيها إيماناً بالله وطاعة له فيبارك ويزيد.وغيره ما إن يحكم ويتمكن حتى يترك أمور الدين، لا صلاة، لا زكاة، وما يعبرون عنها بالزكاة، بل الضريبة، ويضربون ضرائب فادحة، والحجاج يشكون، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالبوليس يصفر في الشارع فقط، أما أن تصلي أو لا تصلي، فما هو شأنه! هذه أربع دعائم، فكيف ترجو من دولة تقوم على غير هذه الأربع أن تكون دولة نورانية يسودها الطهر والصفاء والأمن والرخاء؟ هذه مناقضة لسنن الله، وإن شاء الله فسيتوب الحكام المسلمون، فالليلة بلغوهم، فما الذي يكلفنا؟ نقول: يصدر مرسوم: لا بد من إقام الصلاة، إذا نادى المنادي أن: حي على الصلاة فعلى المسلمين أن يقبلوا على بيوت الله، يغلقوا دكاكينهم، امش إلى بيت الرب، ما الذي يكلفنا؟ هل الميزانية تنقص إذا صلينا في بيت الرب ربع ساعة؟ ثم الزكاة بدل الضرائب، جباية الزكاة، وذكروا الناس بالإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا بالإقليم تتلألأ فيه أنوار وتعود إليه حياة الطهر والصفاء، ولا كلفة ولا ميزانية ولا شيء، ومع هذا أيضاً لا ننسى أن إجبار الناس على الصلاة وهم جهلة ما عرفوا الله ولا آمنوا بلقائه إيماناً حقاً فيساقون فقط؛ أنه لا يجديهم ذلك، لا بد من تعليمهم، لا بد من تعريفهم بالله معرفة يقينية تنتج لهم الخوف منه تعالى وحبه وحب ما يحبه.

معية الله تعالى للصابرين

إذاً: يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا [البقرة:153] بم؟ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153].الصابر على نسج ثوبه يكمله، الصابر على خياطة ثوبه يكمله، فإن لم يصبر فلن يكمل، وعلى هذا فقس، والصابر على طلب العلم سوف يتعلم، وإن فشل فلن يتعلم، ومن صبر في ميادين المعركة والجهاد فوالله لينهزمن عدوه أمامه، ومن صبر على ضبط لسانه لا يتكلم بسوء ولا ينطق بغير المعروف فإنه يصبح ينطق بالهدى والحكمة تجري على لسانه، ما من ميدان من ميادين الحياة يصبر فيه سالكه إلا ظفر وفاز؛ لأن الله معه ينصره ويؤيده، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153].

تفسير قوله تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون)

ثم يقول تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ [البقرة:154].حرام على المؤمن أن يقول لمن يكون في المعركة ويسقط شهيداً: مات فلان، لا تقل: مات، ولكن قل: استشهد؛ لأن كلمة البشري بفطرته يخاف من الموت، إذا قالوا: مات فلان ينهزم، فلا تقولوا: مات، قولوا: استشهد، وهو الواقع؛ لأن الشهيد عندما تقبض روحه يرفعه إلى الملكوت الأعلى إلى دار السلام، وتدخل روحه في حوصلة طير وترعى في الجنة وتأوي إلى قناديل تحت العرش، وتستمر ترزق وتطعم وتعيش في طهر وكمال إلى أن تنتهي الدورة هذه ويبعث الله الأجسام وترسل الأرواح إلى أجسامها، فما هناك موت أبداً، انتقال فقط، كانت تسكن هنا فتعود تسكن في مكان آخر، كما أنك تركب هذه السيارة وتخرج منها فتركب سيارة ثانية، أو نازل في هذا البيت فتخرج منه وتنزل في بيت ثان أفضل وأكرم، فهذا هو الواقع، ما هناك موت، بل استشهاد، استشهد فلان، واقرءوا لذلك قول الله تعالى من سورة آل عمران: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، والله! ليأكلون ويشربون في حواصل طير خضر، لو تشاهد هذا الطير لخرج قلبك شوقاً إليه، وهم كذلك إلى يوم القيامة، فما ماتوا، فلهذا كان أحدهم يرقص فرحاً وهو داخل المعركة، صاحب التميرات في كفه في بدر قال: إن أنا صبرت حتى أكمل هذه التمرات ثم أدخل المعركة إنها لحياة طويلة، فرمى التمرات ودخل في المعركة.وأزيدكم: يخبر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: أن الشهيد بعدما يستشهد يتمنى على الله أن يرده إلى الدنيا ليستشهد مرة أخرى، فيود أنه يموت ويحيا ويموت ويحيا مرات، لما شاهد من نعيم الشهداء وآثار الشهادة في سبيل الله. إذاً: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ [البقرة:154] ما هم بأموات، بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ [البقرة:154] بحياتهم، وإن كان يشاهدون الابتسامة والأنوار تتلألأ، ولكن هذا الشعور الحقيقي لا يشاهد.

حقيقة الشهيد وشروط استحقاق وصف الشهادة

ومن هم الشهداء؟سألوا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! الرجل يقاتل حمية، تدفعه الحمية ليدفع عن بلاده.. عن إخوانه.. عن امرأته ونسائه فيقاتل، فهل هو في سبيل الله؟ قال: لا، قيل: الرجل يقاتل ليرى مكانه بين الناس، ليقال: بطل، دحضوا بريطانيا ومزقوا فرنسا وانتصروا، لهذه السمعة، فهل هذا في سبيل الله؟ قال: لا، قيل: الرجل يقاتل للمغنم والحصول على المنصب والوظيفة والمال، فهل هو في سبيل الله؟ قال: لا، إذاً: من هو الذي يقاتل في سبيل الله؟ قال: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) أي: من أجل ألا يعبد في الأرض إلا الله، من أجل أن ينصر دين الله وأولياء الله.وقد جاهد المؤمنون بريطانيا وإيطاليا وفرنسا ولن تجد في الألف شهيداً بمعنى الكلمة؛ لأنهم جهال، ما يعرفون لم يجاهدون، وأعظم من هذا الآن أنهم يثورون في بلادهم على بعضهم، يقتل أخاه المسلم! فكيف هذا الإسلام؟فمتى تكون الشهادة؟أولاً: أن يكون لكم إمام رباني يحكم بكتاب الله وسنة رسوله.ثانياً: أن يغزو بكم ويقودكم من أجل إنقاذ البشرية من الشرك والكفر والضلال وما يترتب على ذلك من خبث وشر وفساد، أي: من أجل أن تتحرر البشرية من عبادة الشيطان وتعبد الرحمن لتكمل وتسعد، لا من أجل الاستيلاء على التراب والطين والبلاد، أو من أجل الغلال والأموال، ذاك ليس في سبيل الله، بل من أجل أن يعبد الله عز وجل، هذا هو الجهاد والاستشهاد.ومن قاتل تحت راية عمياء لا بيعة ولا إمام فقتاله باطل، لو يمزق سبعين مرة في اليوم فلا حسنة، وكذلك قتال تحت إمام وحاكم وليس المراد أن يعبد الله وتقام شرائعه وحدوده وتنقذ البشرية من الشرك والكفر ما هو بجهاد ولا استشهاد أبداً. فشأن الشهداء عظيم: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-171]، اللهم اجعلنا منهم. وهناك أمانة إذا حافظت عليها كنت منهم، ما هي؟ يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه )، وهذا نعلمه ولكن من يعمل، وخاصة الجيوش الإسلامية المرابطة نقول لهم: انووا الرباط في سبيل الله، تحمون بلاد المسلمين، صححوا نيتكم، لكن لا تصحح النية بأنك مرابط في سبيل الله لتحمي ديار الإيمان وأنت تشرب الحشيش والخمر وتارك للصلاة وتسب الله والرسول عندما تغضب! فهذا لا ينفع، المرابطون يبيتون ركعاً وسجداً، يلازمون ذكر الله والمدافع في أيديهم، يتمرنون ويركضون رياضة وهم يقولون: الله أكبر .. الله أكبر، مربوطون برب الأرض والسماء، والجهل هو الذي ربطهم هكذا وحبسهم، لأننا ما علمناهم.هل عرفتم الشهداء من هم؟ هم الذين يقاتلون تحت راية صادقة يحملها إمام صالح لإنقاذ البشرية من الكفر والشرك والضلال والفساد والشر، لإدخال البشرية في الإسلام، أو يحملها أيضاً لدفع العدو الكافر الذي يريد إطفاء نور الله أو تمزيق راية لا إله إلا الله، لا بد من إمام، أما جماعة تتحزب هنا وهناك ويعلنون الجهاد ضد حكومة كافرة فسيتورطون ويتمزقون ويهلكون ويجرون البلاء على المسلمين، والنتيجة أصفار على الشمال، فهل عرفتم؟وعندنا مثل حي ناطق: جاهدنا في الديار الأفغانية عشر سنوات بدون إمام شرعي، أحزاب وجماعات، ذهبنا إليهم ونصحناهم، انتدبنا شيخنا العلامة علامة الدنيا وصالحها اليوم، ونزلنا على جمعياتهم وقلنا: التئموا اتحدوا بايعوا إماماً واحداً، هذا القتال باطل، فرفضوا، ولم يرفضون؟ ما هم بمؤهلين، ما تربوا في حجور الصالحين، من أين لهم الآداب والأخلاق والكمالات؟ وقد شاهدنا أنهم انتصروا على العدو الكافر، فلا دولة إسلامية ولا إسلام، وهذا في كل بلد لا يقاتل تحت راية لا إله إلا الله ببيعة لإمام يختار وتبايعه الأمة، فبلغوا، والسلام عليكم ورحمة الله.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #192  
قديم يوم أمس, 06:23 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,822
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )




تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (102)
الحلقة (109)




تفسير سورة البقرة (69)

إن الصفا والمروة من شعائر الله تعالى، وقد فرض الله عز وجل على عباده فريضة السعي بينهما لمن أتى بحج أو عمرة، وفي ذلك إحياء للمشاهد التي مرت في حياة إبراهيم عليه السلام وأسرته حين تركهم في وادي مكة بأمر الله، وانصرف عنهم عائداً إلى فلسطين، وكان ما كان من نفاد الماء عن هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام، واضطرارها إلى السعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط بحثاً عن الماء، حتى أخرجه الله لهما من بئر زمزم الذي جعله الله آية إلى يومنا هذا.
تفسير قوله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.أما بعد:معاشر الأبناء والإخوان! هذه ليلة تفسير كتاب الله عز وجل، ومثلها الليلة التي تأتي بعدها، ثم نواصل التدريس بإذن الله حسب ما سبق أن درسنا، فيوم الإثنين يوم العقيدة، ويوم الثلاثاء يوم كتاب المسجد وبيت المسلم، ويوم الأربعاء -إن شاء الله- نداءات الرحمن، ويوم الخميس صحيح الإمام البخاري رحمه الله، وقد عرفتم أننا اخترنا هذه الليلة -ليلة الخميس- لصحيح البخاري لنكثر فيها من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يوم الجمعة ليلة السبت السيرة النبوية العطرة من كتاب: هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا محب، وفي هذا العلم الغزير والخير الكثير، فلا تتململوا ولا تتضجروا.والدراسة كلها -والله- لا تخرج عن الكتاب والحكمة، والعبرة بالفقه والعمل، كوننا نفقه ما يريد الله عز وجل منا في كلامه وما يريد منا رسوله صلى الله عليه وسلم، ونعمل ذلك ونطبقه ونبلغه أيضاً غيرنا؛ لما علمتم -زادكم الله علماً- أن من علم وعمل بما علم وعلمه غيره دعي في السماء عظيماً، وأن جهاد النفس هو أن تحملها وهي كارهة على أن تتعلم، ثم تحملها على أن تعمل بما تعلمت، ثم تحملها على أن تعلم ما علمته، وبذلك تكون في عداد المجاهدين.وقد انتهى بنا الدرس في التفسير عند آية: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، فباسم الله تعالى ندرس تفسير الآية الكريمة من سورة البقرة.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].هذا خبر إلهي عظيم، إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، أليس هذا خبراً مؤكداً بأداة التوكيد وهي: (إن)؟
المراد بالصفا والمروة
فما هي الصفا وما هي المروة؟الصفا: جبل يقع شرق وجنوب الكعبة المقدسة بيت الله الحرام، هذا جبل يقع هكذا في شرق وجنوب بيت الله الحرام.وأما المروة فهو جبل ثان، وهو يقع شمال البيت، ويقابل الصفا، والمسافة بينهما قرابة سبعمائة وستين خطوة تقريباً، ثلاثمائة متر وزيادة.فلم سمي الجبل الأول بالصفا والثاني بالمروة؟لأن الصفا جمع صفاة، صخرة نظيفة براقة بيضاء يقال فيها: الصفا، والمروة كذلك حجارة رقيقة بيضاء، فسمي الجبلان بحسب ذاتهما.
الصفا والمروة من شعائر الله
وكونهما من شعائر الله، ما هي الشعائر؟الشعائر: جمع شعيرة، والشعيرة: العلامة على وجود عبادة، فالساعي بين الصفا والمروة هو يعبد الله عز وجل، بأية عبادة؟ بسعيه بين الصفا والمروة، إذاً: هذا السعي شعيرة من شعائر الدين، علامة على طاعة الله عز وجل بما شرع، وهي أيضاً نسك؛ إذ العبادة نسك، فلان ناسك: متعبد، وتنسك: تعبَّد.
وقفات مع قصة هاجر عليها السلام في حادثة زمزم
وأما السعي بينهما فمتى شرع؟ ولم شرع؟أعيد إلى أذهانكم أن هاجر أم إسماعيل عليهما السلام تركها إبراهيم الخليل في مكان قريب من بيت الله، ويومها لا بيت، وإنما مكان مرتفع من التراب، والسيول تأتي من هنا وهنا تحيط به، إذ كان قبل هدمه بيتاً، وبمرور الأزمنة والقرون جرفته السيول وسقط وبقي عبارة عن كوم من التراب، وقريب منه شجرة ذات ظل، فإبراهيم عليه السلام ترك هاجر وطفلها إسماعيل تحت تلك الشجرة، ولماذا فعل هذا؟علمتم مما سبق أن سارة أم إسحاق عليها السلام كانت لا تلد، ولما ولدت هاجر وهي أمة مملوكة، إذ وهبها ملك مصر لسارة ، فوهبتها سارة لإبراهيم فتسراها ووطئها بوصفها مملوكة له، فأنجبت إسماعيل، والغيرة المعروفة في النساء غريزة طبيعية، فحملت تلك الغيرة سارة على أن تتململ وتتألم: كيف تلد هذه الجارية وأنا ما ألد؟ وتضايقت وضاقت بها الحياة، فأمر الله تعالى إبراهيم أن يبعد هاجر وطفلها عنها طلباً لراحتها وطمأنينتها؛ لأنها سيدة من سيدات نساء العالم، إنها المهاجرة التي هجرت ديارها وأهلها وخرجت مع إبراهيم من أرض بابل بالعراق إلى الديار المصرية وإلى فلسطين.إذاً: فما كان من إبراهيم إلا أن أخذ الجارية هاجر وطفلها وسافر بهما إلى جبال فاران، إلى واد أمين، وماذا ركب إبراهيم؟ من الجائز أن يكون أركبه الله البراق الذي أركبه محمداً صلى الله عليه وسلم، وتركها إبراهيم هناك.
صدق هاجر عليها السلام في التوكل على الله تعالى
وهناك لطيفة ما تنسى: لما تركها مع طفلها إسماعيل وترك لهما قليلاً من الطعام والشراب وأدبر راجعاً إلى أرض القدس نادته: آلله أمرك بهذا يا إبراهيم أن تتركني وطفلي في هذا المكان الذي ما به إنسان ولا حيوان؟ فالتفت إليها وقال: أي نعم يا هاجر . قالت: إذاً فاذهب فإنه لا يضيعنا. هذه الكلمة صحت ورددها أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، هذه هو عنصر التوكل على الله، من لم يرزق مثل هذه الكلمة فما هو بشيء وإن ادعينا الإيمان والإسلام والتوكل، ما إن علمت أن الله أمره أن يتركها وطفلها هناك في ذلك الوادي تحت تلك الشجرة حتى قالت: إذاً فاذهب فإنه لا يضيعنا! فهل عرفتم معنى التوكل؟ الاعتماد على الله وتفويض الأمر إليه، أمرك فاقبل الأمر وسلم إليه وارض بما رضي لك فإنه لن يضيعك.ونحن نقول لبعضنا: إذا حرم الله بيع أو شراء مادة من المواد فاتركها، وأطع ربك واستجب لأمر مولاك، واعلم أنه لن يضيعك، لا تبع هذا الحرام، لا تستورده، لا تؤذ به المؤمنين والمؤمنات، لا تحتج بأن بضاعتك لا تنفق، وأن الزبناء يتركونك ويذهبون إلى غيرك، هذه كلها وساوس الشيطان، أنت مع الرحمن، حرم عليك أن تبيع هذا النوع من البضاعة فلا تبعه، واصبر وإن تركك الزبناء وأهملوك ولم يعودوا إليك فإن الله لن يضيعك، وهكذا كل من يعيش على حرام، سواء كان معلوماً للناس أو مجهولاً، ينبغي أن يتوكل على الله ويترك ما حرم الله، ووالله! لن يضيعه الله.قديماً يوم بدأت البنوك الربوية عندنا وفتح بنك الأهلي وفجأة فوجئنا بأنهم يتعاملون بالربا، في بداية الأمر لا ربا أبداً، لكن الشيطان يزين لهم، فكتبنا لهم رسالة تحت عنوان: إلى اللاعبين بالنار، من هم الذين يلعبون بالنار؟ الذين يتعاطون الأموال الحرام، يلعبون بالنار وسيحترقون إلا أن يتوب الله عز وجل على من تاب. وكان هناك شاب توظف عندهم، فلما سمع ترك الوظيفة، وأخبرني بعد ذلك أنه فاز بعمل بأربعمائة ريال للشهر، عوضه الله ضعف ما كانوا يعطونه، وهذا مثال فقط، وإن شئتم حلفت لكم بالله، ما من مؤمن يترك ما حرم الله لوجه الله خوفاً من الله ورغبة فيما عند الله لا رياء ولا سمعة إلا عوضه الله، ولن يضيعه الله.
سعي هاجر عليها السلام لطلب الماء بعد نفاده منها
إذاً: ونفد ماء هاجر وعطش إسماعيل، وكأنكم تشاهدونه على التراب يتلوى من شدة العطش، ونظرت يميناً وشمالاً فلم تر أحداً، ولا طائر يطير يدل على وجود ماء، ولا إنسان يمر بها، واشتد كربها وعظم ألمها، ونظرت إلى جبل الصفا وهو أقرب الجبلين منها، فذهبت إليه فارتقت عليه واعتلت فوقه ونظرت لعلها تشاهد مسافراً، تشاهد طائراً يحوم حول ماء، ما رأت شيئاً، وهبطت تجري في واد بين الصفا والمروة كان يوجد في ذلك الزمان، وعلامته اليوم العلامة الخضراء في أول عمود وفي آخر عمود، كانوا قبل الكهرباء يصبغونهما بالأخضر، ويقال فيهما: الميلان الأخضران، والآن الكهرباء الخضراء، تلك المسافة كانت وادياً منخفضاً، فإذا وصلت إليها تسرع وتجري حتى ترتفع لأنها تطلب الماء، وهكذا حتى تصل إلى جبل المروة فتعلوه وتصعد فوقه وتنظر يميناً وشمالاً فلا ترى شيئاً فتعود، حتى اكتمل لها سبعة أشواط.وأخيراً: سمعت نداء فقالت: أسمعت أسمعت، هل من غياث؟ وإذا بجبريل عليه السلام في صورة رجل نظيف الثياب حسن المنظر واقف على رأس إسماعيل تحت تلك الشجرة، فدنت فلما قربت منه قال جبريل بقدمه هكذا فضرب بها الأرض ففار الماء، فلهذا كان ماء زمزم أفضل ماء على الإطلاق؛ لأنه كان بضربة جبريل، فلما فار فرحت هاجر وأخذت تزم الماء بالتراب حتى لا يسيح هنا وهناك، خافت أن ينفد، فضمته وزمته حشرته بما تضع من التراب ليكون في مكان واحد، وكأنكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( رحم الله أم إسماعيل؛ لو تركته لكان عيناً معيناً )، يسيل الدهر كله، لكن هي حصرته وزمته فلهذا سمي زمزم.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #193  
قديم يوم أمس, 06:24 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,822
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

ذكر بعض ما ورد في ماء زمزم
ماذا تعرفون عن زمزم؟زمزم يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( زمزم طعام طعم وشفاء سقم )، وإليكم بيان الشفاء وبيان الغذاء، تذكرون أن أبا ذر الغفاري كان يرعى غنماً مع أخ له، فبلغه أن نبياً قد ظهر في مكة وأنه على كذا وكذا، فقال لأخيه: ارع غنمي حتى أدخل مكة وآتيك بالخبر وأعوج عليك بما تم في هذا الشأن، فدخل مكة، فمع من يتكلم؟ ممنوع الكلام، ومن يسأل؟ لا أحد، فتفرس في علي بن أبي طالب وخلا به وسأله فقال: امش ورائي وسأصل بك إن شاء الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال له: هناك عيون، فإذا رأيتني وقفت أو جلست فلا تقف، فمشى، ولما رأى علي أحد الطغاة يلاحظه وهذا البدوي وراءه جلس علي يصلح حذاءه، فمشى أبو ذر ومشى علي وراءه حتى وصلا إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم وكان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والجماعة المؤمنة ما بلغوا عشرة بعد، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقال: لأصدعن بها بين أظهرهم. وجاء وإذا برجالات قريش حول الكعبة في ظلها يضحكون، فوقف بينهم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وما إن قالها حتى هبوا إليه، فهذا يضرب، هذا يصفع، هذا يركل، هذا يسحب، وانتدب له أحدهم فقال: اتركوه لحاله، قال: فتركوني، فجعلت أزحف والدماء تسيل حتى وصلت إلى بئر زمزم، فغسلت نفسي ودمائي بزمزم وشربت فاسترحت، وبقيت حول زمزم، فكان يشرب من زمزم فقط ويغتسل، فتماثل للشفاء، وأراد أن يمشي، ثم قال: لا، لابد أن أصدع بها، فأتاهم ورفع صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فقاموا إليه ففعلوا ما فعلوا أمس، وبلغ ثلاثة أيام، ثم طابت نفسه ومشى، أما الحبيب صلى الله عليه وسلم فقال له: عد إلى غنمك واسكت، فإن بلغك أنني ظهرت فتعال، لكن ما أخذ بالنصيحة. فما هو المرهم الذي كان يعالج به جراحاته؟ ما هو الطعام الذي كان يأكله؟ هل هو بقلاوة أو أرز باللحم؟ كلا.إذاً: فقولوا: صلى الله وسلم على رسول الله القائل: ( ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم ) ، ولا تسأل، وقد شرع صلى الله عليه وسلم لمن شرب من زمزم أن يتضلع.ولقد رأيت رجلاً أيام الشبيبة يشرب الدلو والدلوين، ووالله! إنه ليوسع بطنه هكذا، ولو شرب من ماء النيل أو الفرات لدخل المستشفى على الفور، ولكن ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم، فهذه الآية باقية إلى اليوم ببقاء الإسلام.
استئذان قبيلة جرهم هاجر في مجاورتها
إذاً: وما الذي تم لـهاجر ، ما زالت هناك حتى جاءت قبيلة جرهم اليمانية فشاهدوا طائراً يحوم في المنطقة من بعيد، ولهم رائد يطلب الماء لهم، فلما رأى الطائر يحوم قال: لا بد أن يكون هناك ماء، فركب ناقته حتى انتهى ووجد هاجر وإسماعيل وبئر زمزم، فجاءت القبيلة، وهذه مسألة سياسية كررناها مئات المرات، حتى إن بعض المساكين يقول: ما هذا الدرس؟ هذا كلام منذ أربعين عاماً يعاد فيه! والله! لكذا بلغني اليوم من مرضى مساكين، وهم طلبة علم في الجامعة الإسلامية. فنحن نكرر الحق ونعيده ما عندنا إلا هو، فهذه القبيلة رجالها استشاروا هاجر: أتأذنين لنا أن ننزل بجوارك يا أمة؟ فقالت: نعم، على أن لا حق لكم في الماء. فقالوا: نعم، فماذا نقول؟ هل ممكن أن يتم هذا في هذه الحضارة والمدنية؟ والله! ليركلنها بأرجلهم، ولا يستأذنون منها، ويطردونها أيضاً لو تتكلم، فانظر كيف هبطت البشرية، هذه الحادثة لها ستة آلاف سنة أو أكثر، امرأة وحدها مع طفلها تملك ماء، وقبيلة كاملة برجالاتها يطلبون أن ينزلوا بجوارها، ثم يستأذنونها في الماء، فتقول: على شرط أن لا حق لكم في الماء، الماء مائي، فيقولون: لك ذلك، فلا تعطيهم الماء إلا برضاها وإذنها، فأين الحضارة وأين التمدن وأين الرقي؟ البشرية كانت أفضل مما عليه الآن بملايين المرات في العهود والمواثيق فقط، أين العهود والمواثيق الآن في العالم؟ يأكلونها أكلاً ويمزقونها، وكان الإنسان في أول الأمر إذا عاهدك لا يتراجع أبداً ولو مات.
ابتلاء إبراهيم بأمره بذبح إسماعيل عليهما السلام
والشاهد عندنا في هاجر عليها السلام، وكان إبراهيم يتردد عليها يأتي يزورها يتعهد تركته، ولنا أيضاً حكمتان ذهبيتان، والغافلون لا حق لهم فيها:جاء إبراهيم في مرة من المرات بعدما كبر إسماعيل وأصبح يقوى على أن يرعى الغنم، على أن يأتي بالحطب، فأخبر هاجر أمه أن الله أمره بذبح إسماعيل قرباناً لله تعالى، وآية ذبح إسماعيل في سورة الصافات، إذ قال لولده: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات:102]، الذي أمرك ربك افعله، هل يقولها الآن ابن لأبيه؟ ما أمرك الله به يا والدي فافعله: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات:102]، وطيبته هاجر وحسنت ثوبه، وأعدته، وأعطته لأبيه ليخرج به إلى منى، وأخذه إلى منى، فكيف حال هاجر مع هذا الطفل الذي خرج من بطنها عصارة لحمها ودمها، ولازم غربتها في دار الغربة؟ يأذن الله لأبيه أن يذبحه فترضى هذه المؤمنة، ولا تسخط ولا تبكي ولا تنتف شعرها ولا تندب حظها، أروني مؤمنة من هذا النوع، وانتهى به إلى منى، وعند الجمرة الأولى استقبله إبليس زعيم الشياطين وإمامهم: إلى أين يا إبراهيم؟ ما حاجة ربك في هذا الغلام تذبحه، اترك هذا الوسواس، فرماه بالحجارة عند الجمرة الأولى الآن، ومشى فاعترضه في الوسط عند الجمرة الوسطى: يا إبراهيم! أين تذهب بطفلك، ما هذا الذي تراه في منامك؟ حاشا لله أن يأمرك بذبح طفل كهذا، اترك الوساوس. ويمضي إبراهيم، فيلقاه في الجمرة الثالثة فيرميه بالحجارة ويطرده، وثم تله للجبين، ووضعه على الأرض والمدية في يده، وباسم الله، وإذا بجبريل بيده كبش أملح ويقول: اترك هذا وخذ هذا، أي ابتلاء أعظم من هذا الابتلاء؟ هل تردد إبراهيم، هل استطاع الشيطان أن يفتنه وأن يغرر به بأنها ما هي إلا رؤيا وإن كانت رؤيا الأنبياء وحياً؟ فنفذ أمر الله، قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا [الصافات:103] الولد والوالد قلبهما لله وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات:103-109].عرفتم هذا الابتلاء أم لا؟ من يستطيع أن يقدم طفله ضحية لله، يا شيخ! ما استطاعوا أن يصرفوهم عن اللهو والباطل، أطفالهم يبعثون أمامهم في بيوتهم وما يستطيعون أن يؤدبوهم ويعلموهم ويحذروهم من كلام السوء وحركة المنكر والباطل خوفاً عليهم، وحباً فيهم، ولو أحبوا الله لما دخل حب أولادهم مع حب الله، لكن ما عرفوا الله حتى يحبوه، من لم يعرف الله هل يحبه؟ والله ما يحبه، هذه واحدة.
هجرة إبراهيم عليه السلام بعد إلقائه في النار
والثانية: تلك الهجرة التي كانت بعد الحكم على إبراهيم بالإحراق بالنار، صدر أمر الحكومة بإعدام إبراهيم بصورة من أبشع الصور، وهي: أن يحتطب الحطب ويجمع وتوقد نار، وكان الطير ما يستطيع أن يمر فوقها، فأكثر من أربعين يوماً وهم يجمعون الحطب، ويرعبون من يريد أن يؤمن بما آمن به إبراهيم.وأخيراً ما استطاعوا أن يلقوا به في النار، فاتخذوا منجنيقاً، هذا المنجنيق عرف قديماً، وجعلوه فيه ورموا به في أتون ذاك الجحيم، وقبل أن يصل عرض له جبريل فقال: هل لك يا إبراهيم حاجة؟ قال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل.يقول: أما إليك فلا، لا حاجة لي عندك، يكفيني الله، ما إن قال هذه الكلمة الخالدة حتى صدر أمر الله إلى النار وهي مخلوقة الله: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]، فبردت، ولولا قوله تعالى لها: (وسلاماً) لكان إبراهيم يموت من شدة البرد ولتحولت إلى ثلج.فوالله! ما أتت النار إلا على كتافه في يديه ورجليه، احترق ذلك الحبل وخرج إبراهيم يمشي وجبينه يتفصد بالعرق، وودعهم وخرج مهاجراً مع سارة، وابن أخيه لوط عليه السلام، ابن هاران أخي إبراهيم، ولا ناقة ولا بغل، خرجوا على أرجلهم، حتى انتهوا إلى ما وراء سيناء إلى مصر. والشاهد عندنا في قول الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124]، اذكر يا رسولنا، واذكر يا مسلم معنا، اذكر إذ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، الكلمات محدودة أتمها إبراهيم طاعة لله، إذعاناً لأمر الله، انقياداً لربه، أتمها ففاز بأعظم جائزة عرفتها البشرية، ما هي؟ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، أنت إمام البشرية، من أجل ماذا؟ من أجل صبره ويقينه وتحمله.صرخ بكلمة التوحيد في تلك الديار ولم ينطق بها سواه، إلا ما كان من سارة وابن أخيه لوط، قال: لا إله إلا الله. وأخرى ما ننساها: أمره الله عز وجل أن ينقل هاجر وإسماعيل وأن يبني له بيتاً، يصدر أمر الملك لك أن تبني بيتاً في صحراء، فكيف يستطيع، من أين تأتي بالعمال والعمل، وبنى إبراهيم البيت، هذا البيت العتيق بناه إبراهيم، وهذا مقامه يشهد له، قدماه قد لصقتا في الصخرة في المقام.إذاً: بعد هذه الجولة نعود إلى الآية الكريمة: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، خلد الله ذكر هاجر بهذه العبادة، وفي هذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( إنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم )، طوفوا واسعوا وقفوا بعرفة وارموا الجمرات، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم.
ما تشرع البداءة به من الصفا والمروة في السعي
إذاً: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ [البقرة:158] قطعاً مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] إي والله، من شعائر الله، بهذا أخبر الله عز وجل، والرسول صلى الله عليه وسلم لما طاف في حجة الوداع استقبل الصفا وقصدها وهو يقول: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، ثم يقول: أبدأ بما بدأ الله به ) ، فبِم نبدأ في السعي؟ بالصفا، ولو عكسنا وقلنا: نبدأ بالمروة فهو أحسن، فهل يجوز؟ هل حججنا؟ والله يقول: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ [البقرة:158]، والرسول الكريم يقول: ( أبدأ بما بدأ الله به )، لو سولت نفس امرئ له أن يبدأ المروة ويقول: ماذا في ذلك؟ فسعيه باطل ويبطل حجه، إذاً: ما حكم السعي بين الصفا والمروة؟ ركن من أركان الحج والعمرة، كم أركان الحج؟ أربعة: الإحرام، الطواف، السعي، الوقوف بعرفة.على هذه الأركان الأربعة ينبني الحج، فإن سقط ركن سقط البناء، فأركان الحج حرام على مؤمن ألا يعرفها، وهي الإحرام، والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة من بعد الزوال إلى غروب الشمس، هذا هو الوقت، فإن لم يقف في هذا الوقت ما حج. وأركان العمرة ثلاثة: الإحرام، والطواف، والسعي، أما الوقوف بعرفة فلا، ذلك في الحج. إذاً: كيف يكون السعي ركناً ويأتي الخبر بمجرد أنه لا حرج ولا إثم: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] أي: لا إثم أن يطوف بهما، فهذا الخبر يترك الإنسان يفكر، فالسعي ركن في الحج والعمرة، فكيف يقول تعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ [البقرة:158]؟ أي: لا إثم ولا حرج أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158].
توجيه معنى قوله تعالى: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما)
نحن الآن علمنا أن السعي ركن في الحج والعمرة، فيأتي الخبر يقول: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] معناه: إذا لم يتطوف فلا شيء عليه فما هو المخرج من هذا السؤال؟ المخرج -يفتح الله علينا وعليكم- أنه تقول الرواية: إن رجلاً يقال له: إساف وامرأة يقال لها: نائلة ، تقول الأخبار -وقد تصح-: إنهما زنيا في الكعبة! وهذا أمر عظيم، ولا تعجب، لقد زنوا في الحرم وهم يدعون الإسلام، فمسخهما الله صنمين، فوجدوهما حجارة، تمثال لـإساف وآخر لـنائلة، فأخذوهما فوضعوا إسافاً على الصفا ونائلة على المروة، ثم صاروا يتبركون بهما ثم عبدوهما على مراحل.إذاً: وأصبحوا يسعون بينهما، فجاء الإسلام بأنواره، وشرع الله السعي فأحجم المؤمنون، قالوا: كيف نسعى وكنا في الجاهلية نسعى بين إساف ونائلة، فخافوا فأنزل الله هذا الخبر ليرفع عنهم ذلك الخوف وذلك اللبس: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] من دين الله وشعائره وعباداته، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158]، الآن زال الإشكال أم لا؟ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158].
الفرق بين الحج والعمرة
ولِم هناك حج وهناك عمرة، ما الفرق بينهما؟ الحج لغة: القصد، حج المكان: قصده، حجك فلان: قصدك. وشرعاً: هو قصد بيت الله الحرام لأداء مناسك معينة، وهو خاص بأشهره وبأيامه المعروفة: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197]، شوال، القعدة، عشرة أيام أو تسعة فقط من ذي الحجة.أما العمرة فهي الزيارة، يقال: عمر المكان يعمره: إذا وجد فيه، أيما مكان تزوره تعمره، فالعمرة اعتمار بيت الله وزيارة له، ولهذا فالحج له أشهر معلومة وله يوم معروف هو عاشر الحجة، والعمرة تصح في كل أيام السنة، إلا أنها في رمضان أفضل، إذ إن مؤمنة تخلفت عن الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحزنت لذلك وبكت، فمسح رسول الله دموعها وهو الرءوف الرحيم بالمؤمنين، فقال: يا فلانة! إذا جاء رمضان فاعتمري، فإن ( عمرة في رمضان تعدل حجة معي ).
معنى قوله تعالى: (ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم)
وقوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158]، ماذا نفهم من هذا الخبر العظيم؟ من تطوع: أي: فعل تطوعاً لا وجوباً وإلزاماً، يدخل في هذا نوافل الصدقات، نوافل الزكاة، نوافل الصيام، نوافل البر والإحسان، نوافل الحج والعمرة، التطوع غير ما هو واجب، وعدنا ربنا عز وجل أن من تطوع ففعل خيراً فإن الله عز وجل يجزيه بالخير الكثير، ما قال: فإني أجزيه، قال: فإني شاكر عليم، فإن الله شاكر للمعروف، للفضل، لن يضيع المعروف عند الله، فمن عمل خيراً لوجه الله فالله عز وجل سيثيبه، سيجزيه بأضعاف ما فعل، لِم؟ لأن من صفات الله اللازمة له: أنه شاكر وعليم، لا تفهم أنه قد لا يدري هل تصدقت أو لم تتصدق، أو لعل الله ما علم البارحة أنك ما قمت تتهجد، أو لعله ما يدري أنك فعلت كذا، انزع هذا من ذهنك، فإن الله عليم بكل شيء.فثق -إذاً- في الله واطمئن إلى أن ما تفعله من الخير والإحسان لن يضيع، تثاب عليه وتجزى به أحسن جزاء؛ لأن الذي يجزي ويثيب شاكر، وعليم كذلك.الآن نقرأ الآية قراءة أخرى، واسمعوها: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158].هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم دائماً بما ندرس وبما نسمع، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #194  
قديم يوم أمس, 06:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,822
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (103)
الحلقة (110)




تفسير سورة البقرة (7)

نادى الله سبحانه الجميع بعنوان: (الناس) ليشمل البشرية جمعاء، وأمرهم بعبادته وحده، لأنه من خلقهم وخلق أسلافهم، ولعلهم بعبادته وحده يرجون النجاة من عذابه يوم القيامة، ونبههم سبحانه بأنه هو الذي أعد وهيأ الكون كله لهم، وأن ما يدعون من دونه لا يملكون شيئاً، ورغم أنهم يعلمون ذلك إلا أنهم جعلوا لله أنداداً يحبونهم كحب الله.

مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة البقرة

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت -كعهدنا بها- سورة البقرة، ومع آياتها المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.وتلاوة تلك الآيات هي قول الله عز وجل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم. ‏

صنف المؤمنين

معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! تقدم في السياق الكريم أن البشرية ثلاث فرق: فرقة هداها الله فاهتدت، وزكاها الله فزكت، وأنعم عليها فهي في نعمه، وهي فرقة آمنت بالله ولقائه.. آمنت بالله ورسوله .. آمنت بالله وكتابه. وجاء هذا القرآن يحمل لها الهدى، فهي تعيش على هدى القرآن الكريم، وهي المعنية بقول الله تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة:1-4]، ودخل في هذا: المؤمنون من العرب، والمؤمنون من أهل الكتاب اليهود والنصارى، الجميع يبشرهم ربهم فيقول: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5].اللهم اجعلنا منهم، هذا فريق السعداء الأطهار الأتقياء، أهل الإيمان واليقين، أهل إقام الصلاة والإنفاق مما رزق الله.

صنف الكفار

الفريق الثاني: الذين قال فيهم الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6] لم؟ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:7] هؤلاء توغلوا في الشر والفساد، وضربوا في طرق الضلال حتى ختم على قلوبهم، فلم يجد الإيمان منفذاً ليدخل إليها، فكان جزاؤهم: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .

صنف المنافقين

الفريق الثالث: فريق المنافقين، هم مؤمنون في الظاهر وكافرون في الباطن، وهم شر الخليقة.. مؤمنون في الظاهر: يصلون ويؤتون الزكاة، وإن دعوا إلى الجهاد خرجوا مع المؤمنين في سبيل الله، وقلوبهم لا تؤمن بالله ولا بلقائه، ولا بالرسول ولا برسالته، ولا بالكتاب ولا بأنواره، وهم أيضاً نوعان: نوع كالذين عرفناهم من الكافرين لا يموتون إلا على النفاق، ونوع مذبذبون متهيئون لأن يدخلوا في رحمة الله، واسمعوا لقول الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة:8-16]. وهؤلاء المنافقون ضرب الله لهم مثلين: مثلاً نارياً ومثلاً مائياً؛ لأنهم نوعان: نوع انتهى أمرهم، ونوع متهيئون لقبول الحق والهداية إن شاء الله، فقال تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:17-18] هؤلاء انتهى أمرهم كتلك الفرقة الكافرة، وحكم الله بأنهم لا يرجعون إلى الحق وطريقه؛ لما أصابهم من عمى القلوب، ونتيجة التوغل في الشر والظلم والكيد للإسلام والمسلمين.والمثل الثاني للنوع الثاني: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:19-20]. وهذا قرأناه ودرسناه واكتسبنا أجره وعلمه، والمنة لله رب العالمين.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ... )

نداء الله تبارك وتعالى للناس أن يعبدوه وحده

قال الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ نداء عام؛ لأن هذا الكتاب كتاب هداية وإصلاح، فبعدما ذكر الله تعالى تلك الأصناف وما عليه الناس ناداهم بنداء الرحمة، بنداء عام، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أبيضكم وأسودكم، عربيكم وعجميكم، مؤمنكم وكافركم، منافقكم ومستقيمكم؛ إذ هذا اللفظ يشمل كل إنسان. يَا أَيُّهَا النَّاسُ يا ذرية آدم! يا بني آدم.و(الناس) اسم مشتق من ناس ينوس إذا تحرك، وفيه معنى الأنس، وفيه معنى النسيان، والقرآن حمال وجوه، وكل ما يجب علينا في هذا: أن نفهم أن نداء الله هذا لكل إنسان.ويناديهم لم؟ ليأمرهم، أو لينهاهم، أو ليوجههم، أو ليحذرهم، أو ليخوفهم؛ لأنه سبحانه تعالى عن اللهو والباطل والعبث. قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] خيراً لكم اعبدوا ربكم، ما قال: (اعبدوا الله) حتى يقولوا: من هو؟ بل قال: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ . أي: خالقكم ورازقكم .. مدبر حياتكم .. الخالق لكل شيء، ترونه، وتعلمونه، وتسمعونه. هل عبادة خالقي ومولاي وسيدي والمنعم علي فيها غضاضة أو فيها عيب وانتقاص؟ لا أبداً. اعْبُدُوا رَبَّكُمُ عرفتم أن الرب هو الخالق، الرازق، المدبر، الحكيم العليم؟ وهذا يجب أن يُعبد، وكيف يُعبد؟ يطاع فيما يأمر به وفيما ينهى عنه، هو ورسوله المبلغ عنه صلى الله عليه وسلم.

مفهوم العبادة الحقيقية لله

ما هي العبادة؟ تعرفون الطريق المعبد المذلل الذي تمشي عليه السيارات، فالعبد اسمه عبد، نحن عبيد أو لا؟ خدم لسيدنا، مطيعون لمولانا.إذاً: ذلوا له واخضعوا واخنعوا، فلا تترفع يا عبد الله ولا تلوِ رأسك متبرماً لا تريد أن تطيعه! أطع؛ إذ أنت مخلوق لهذه الحكمة.ولو سئلت من قبل الفلاسفة والعلماء: لم خلق هذا الإنسان؟! هم يجهلون، يقولون: ليعيش في الحياة الدنيا فيأكل ويشرب ويلهو ويلعب، هذه علة الخلق؟! ما هي بعلة هذه! هو يأكل ويشرب من أجل أن تبقى حياته للعلة التي من أجلها خلق ألا وإنها عبادة الله عز وجل.أراد الله عز وجل أن يُعبد في هذه الأرض فخلقها، وخلق أرزاقها، وفجر مياهها، وأصلح أجواءها وهواءها، وأصبحت كالفندق صالحة للنزول، ثم أهبط آدم وزوجه حواء، وزوجهما وبارك في نسلهما، فأخذا يلدان البنين والبنات، وأصبح أولادهم يعبدون الله، فهذه هي العلة.أما الأكل والشرب فمن أجل البقاء على الحياة، أما الحراثة والصناعة فمن أجل البقاء على الحياة، والحياة لم؟ لأن يُعبد الله.فلهذا كثيراً ما تسمعون أن الذي يموت تاركاً لعبادة الله كافراً بها يعبد غيره أو لا يعبد سواه، هذا جزاؤه أن يخلد في عالم الشقاء، ويعيش بليارات السنين بلا نهاية.فإن قلت: لم؟ أجرم، فسق، كفر مائة سنة .. مائتين .. طال عمرة ألف سنة، كيف يعذب مليارات السنين؟ أين العدل؟! والجواب: جريمته أنه نسف الكون كله، السماوات السبع، والأراضين السبع وما فيهما، والجنة، والنار.. الكل نسفه ودمره، كيف؟! كل ما خلق الله في السماوات والأرض من أجله هو، وهو من أجل أن يعبد الله، فلما أبى أن يعبد كان كمن نسف الكون كله، كم تعذبون هذا؟ بلا حساب، لو أن شخصاً أحرق قرية أو أغرق إقليماً فهل جزاؤه عشرين سنة سجن، أو يموت؟ هذا ما يكفي، فكيف بالذي يدمر العالم كله، هل فهمتم عني هذه؟هو في الظاهر عصى الله، وفسق عن أمره، وكفر به مائة سنة .. ألف سنة، هذا يعذب أبداً عذاباً فوق ما نتصور أو ندرك، وإن وصفه الله بكتابه وبينه، فما جريمة هذا؟ جريمته في الحقيقة أنه دمر الكون كله؛ إذ الكون كله خلق من أجل أن يُعبد الله فيه، فهمتم هذه الحقيقة؟ حتى لا يقول قائل: أين العدل في شخص يكفر مائة سنة، ويعذب مليارات السنين؟ هذا جريمته أنه نسف الأكوان كلها.والدليل على أنه خلق لعبادة الله قول الله تبارك وتعالى من سورة (والذاريات): وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] لا لغرض آخر، لا لعلة ولا لحكمة تريدون، أبداً، إلا أن يعبدني.فإذا قال العبد: لا أعبدك وأعبد عدوك، كيف تجازون هذا المخلوق؟!يقول: لا أعبدك وهو يأكل طعامه، ويشرب شرابه، ويتنفس هواءه، ويعيش في كنفه وفي رحمته! يقول: لا أعبدك، ويعبد شجرة أو فرجاً من فروج النساء! كيف هذا؟!ويوضح هذا المعنى حديث قدسي شريف يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إن صح الخبر، يقول: ( يقول الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك، وخلقتك من أجلي ) هذا واضح الدلالة. ماذا يبغي الله مني؟ أن أذكره وأن أشكره، فمن عطل ذكر الله وشكره، والعبادات كلها لا تخرج عن الذكر والشكر مطلقاً، وفي القرآن الكريم: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، ومن سورة أخرى وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13].إذاً: ( يا ابن آدم! لقد خلقت كل شيء من أجلك ) وهذا الخبر صحيح، والقرآن يشهد له.

التوحيد رأس العبادة

قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] أي: وحدوه، لا تعبدوا معه غيره، كيف تقول هذا يا شيخ؟ الجواب: لما نزلت هذه الآية لا يوجد على الأرض من لا يؤمن بالله ويعبده، فكل البشرية تؤمن بوجود خالقها ورازقها وربها، ولكنها تعبد معه غيره، أو تركت عبادته وعبدت سواه.أما قانون البلاشفة: لا إله، هذه صناعة خبيثة يهودية وتبخرت، وما عاشت أكثر من سبعين سنة.والبشرية في كل عصورها بالفطرة .. بالغريزة تؤمن بأن الله موجود، ولكن ما تعرف أسماءه، وما تعرف كيف تعبده، فطلبت اللياذ بجانبه، والحماية به فما عرفت، وزين لها الشيطان أصناماً، تماثيل، الشمس، القمر..، وقال لهم: هذه تشفع لكم عند الله. فعبدوا غيره، ولهذا إذا قال المفسر: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] أي: ليوحدوني؛ لأن العبادة موجودة، ولكن يعبدون معه غيره، فالمطلوب هو أن يعبد وحده.ومن القرآن الكريم قول الله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ما هذه الرسالة؟ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36] ما الطاغوت؟ ما عبد من غير الله سواء كان الشيطان أو كان صنماً، فزين الشيطان عبادته وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36] من القائل يرحمكم الله؟ الله. هل يتطرق إلى هذا الكلام النقص أو الخطأ؟ والله كما أخبر، فما كانت أمة على سطح هذه الأرض من ذرية آدم إلا بعث الله فيها رسولاً يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً.

كيفية عبادة الله

قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] كيف نعبده؟ نطيعه في الأمر والنهي ونحن أذلاء، خانعين، خاضعين، لا كبرياء ولا ترفع ولا.. ولا.. تسليم لله وطاعة، نطيعه في الأمر، قال: صلوا صلينا. قال: صوموا صمنا. قال: اتركوا الزنا والربا تركنا.ومع هذا لاحظوا مجرد طاعة في ذل لا يكفي، وقد يوجد العبيد يطيعون أسيادهم هذه الطاعة، ولكن يجب أن يكون المطيع معظماً لربه محباً له، فتطيعه وأنت تكرهه ليست عبادة، وتطيعه وأنت تستهين به كما تطيع المرأة زوجها أو الزوج زوجته هذه ما هي بعبادة، فلا بد مع غاية الذل والتعظيم والحب. أطعه؛ افعل ما يأمرك، واجتنب ما ينهاك وأنت تحبه أعظم حب، وتعظمه أعظم تعظيم، ومنكسر ذليل بين يديه. هذه هي العبادة.لو قال قائل: أريد أن أعبد ربي فكيف أصنع؟نقول له: اسأل أهل العلم عما يأمر الله به فافعله، وعما ينهى عنه فاجتنبه.الباب مفتوح، وأهل العلم موجودون، واقرع الباب واسأل: ما الذي يحب ربي أن أفعله؟ يقول لك: صل. بعد فترة: ما الذي يكره مولاي؟ يكره الكذب. لا تكذب، ولا تزال تسأل وتعلم وتعمل، حتى تصبح ولي الله.

يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #195  
قديم يوم أمس, 06:25 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,822
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

الخالق هو الله

قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:21] هل عيسى خلق شيئاً أو والدته؟ هل عزير خلق شيئاً؟ هذا عند اليهود والنصارى.وعند ضلال المسلمين: هل سيدي عبد القادر خلق شيئاً؟ هل فاطمة أو الحسين خلقا شيئاً؟ هل البدوي ..؟ من الذي خلق؟ الله خلقنا، هذه منة عظيمة علينا، كنا غير موجودين منذ مائة سنة، ولا يوجد منكم واحد وأوجدنا، هذا ما يحمد! هذا ما يشكر! ما يتملق إليه! ما يتزلف! ما يحب ولا يعظم؟!لو أن شخصاً وهبك أصبعاً فقط لحمدته طول دهرك، فكيف لو أصلح عينك وأصبحت تبصر؟ ومع هذا الشياطين لا تسمح لبني آدم أن يعرفوا ربهم؛ حتى لا يعبدوه من أجل أن يساكنوهم ويعاشروهم في دار البوار في جهنم: لم ندخل النار ويدخلون الجنة؟ هذه قولة إبليس. إذاً فهو الذي يضرب على القلوب حتى لا تتحرك.

المغزى من عبادة الله

قال تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:21] لم هذه العبادة يا رب؟ ما العلة؟ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21] من أجل أن تتقوا العذاب والسخط والغضب من سيدكم ومولاكم الله جل جلاله. هذا تعليل واضح: اعبدوه وأطيعوه حتى تنجوا من عذابه، فإن الذين لا يعبدونه سيعذبهم. حكم بهذا؛ فهم عبيده وخليقته. وقضى بهذا فمن أين لك أن تتكلم أنت أو ترد؟(لعلكم) لعل للترجي بالنسبة إلينا، ونحن نقول: هذه الإعدادية من أجل أن تعدوا أنفسكم للنجاة من النار ومن غضب الجبار.
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء ...)

نعمة خلق الأرض

من أجل أن ينير الله قلوب العباد، ويضيء نفوسهم ويطهرها قال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا [البقرة:22]، إذا غفلت أو أغمضت عينيك، وقلت: من هو الذي خلقني؟ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا [البقرة:22]، هل علمتم أن البشرية في يوم من الأيام جاءت بفئوسها ومعاولها وفرشت الأرض وبسطتها، ممكن؟ ومن بسطها ومدها وجعلها كالفراش: نم هنا، وامش هنا، واجلس، واقعد، وقم، من فعل هذا؟ الله، وليس عندك إلا أن تقول: الله. يا ابن آدم! تقول: جدي؟ أبي؟ سيدي فلان؟ مولاي فلان؟! هذا كلام باطل، يسخر منك إذا قلت: فلان. من بسط هذا البسط كالفراش: نم واجلس واقعد، بل واحرث وازرع وابن وأنشئ. جَعَلَ لَكُمُ [البقرة:22] أو له هو؟ أو لغيركم؟ (لَكُمُ).إذاً: هذه وحدها تجعلنا نستحي من الله عز وجل جَعَلَ لَكُمُ [البقرة:22] لا لغيركم فِرَاشًا .

نعمة خلق السماء

قال تعالى: وَالسَّمَاءَ بِنَاءً [البقرة:22] أنت تنظر هذه القبة أو لا؟ هذه قبة ممسوكة بالعيدان أو الأخشاب؟ السماء مبنية، والكواكب معلقة فيها بالملايين، ولو يشاء الله عز وجل أن تنحل تلك العقود والأنظمة لحظة واحدة ولا حياة في الأرض. وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [الحجر:16]، من رفع السماء؟ بنو فلان؟! البشرية في يوم من الأيام تعاونت وهي التي رفعت السماء؟!ومن سورة الحج: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحج:65]، لو أن كوكباً واحداً ينزل احترق الكون كله. قال: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ [الحج:65] مخافة أو كراهة أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ [الحج:65]، لو وقعت السماء انتهت الحياة، وكل هذا ما يذكره ابن آدم؛ لأن الشياطين صارفة لقلبه عن مثل هذا الذكر، فلهذا أبعدوهم عن القرآن، والذي يسمع القرآن يذوب.قال: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحج:65]، وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الحج:66]، والآيات في هذا ما أكثرها.قال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:21] من الأمم والأجيال إلى آدم، كم عددهم؟ والله لا يعرفه إلا الله، من خلقهم؟ الكل يقول: الخالق هو الله جل جلاله. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، أي: من أجل أن تتقوا سخط الله وعذابه؛ لأنكم ضعفة فمن يقوى على الاحتراق بالنار، ومن يقوى على الغربة والبعد في ذلك العالم.إن أحداً بلغنا يوضع في تابوت من حديد، فلا يسمع، ولا يبصر، ولا يأكل، ولا يشرب، ويلقى في ذلك العالم ملايين السنين وهو في عذاب، كيف؟ والله لو يتفكر المؤمن ويتصور الحقيقة قد يصعق، وقد يترك الطعام والشراب، ويموت قائماً يصلي، هل مات أحد وهو قائم يصلي؟ ما بلغكم؟ نعم، مات سليمان عليه السلام وهو قائم يصلي.

نعمة نزول المطر

قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة:22]، من ينزل ماء المطر؟ الله.قالوا: الآن الصناعة الحديثة .. المطر الصناعي، فاندهشنا، قلنا: هؤلاء ممكن يسوقون السحاب إما بالصواريخ أو غيرها، قالوا: المطر الصناعي .. المطر الصناعي، أشادوا بهذا، ورأيناه فقط أنابيب مخروقة وترش الماء، هذا المطر الصناعي! والله يقول: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ [البقرة:22]، فلا تسأل كيف تكون الماء، مكونه ومكون الكون هو الله جل جلاله، لا تذهب بعيداً تفكر، فقط انظر إلى هذا الماء العذب الفرات الحلو الذي يتغربل، ويتصفى ويطهر، وينزل من السماء إلى الأرض، أيدينا هي التي فعلت؟ سحرتنا هم الذين فعلوا؟ من يفعل هذا؟ الله وحده.

تفضل الله تعالى على العباد بإخراج الثمرات رزقاً لهم

قال تعالى: وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة:22]، قولوا: ما نحن في حاجة، ما نأكل، ما نريد تفاحاً، ولا برتقالاً، ولا بطيخاً، ولا لا.. ولا نعبدك، يقول هذا عاقل؟! وأنزل لكم من السماء ماءً لكم لا لغيركم، وإن قلت: هذا والبهائم أيضاً، والبهائم لم خلقها؟ أليس لنا؟ لنشرب اللبن، ونأكل اللحم، ونكتسي بالصوف والوبر، ونستعمل الشعر، لمَ خلق الله هذه البهائم؟ هو خلقها لنا: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النحل:5-7]. فكيف يكفر بالله؟! ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، (وَيَخْلُقُ): بصيغة المضارع المقتضية للحدوث والتجدد، وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ [النحل:8]، أيام نزلت هذه الآية لا أمريكا موجودة، ولا الصين تفقه، ولا اليابان تعرف، ولا أوروبا ولا ولا.. حيوانات، والله يخبر أنه سيخلق من المراكب ما لا يعلمون، والآن حسبنا الطائرات، أما القطارات فكنا نصنع من الإبل قطاراً، جمل وراء جمل؛ سلسلة، والطائرات، الآن يطيرون في السماء كالجن أو الملائكة، ومع هذا يعصون الله في السماء، ويطيرون ويهبطون ولا يعرفون الحمد لله، أما هذه الديار ففيها ذكر الله، على الأقل دعاء السفر.أما طائرات العرب فيبيعون الخمر فيها، لا إله إلا الله، لولا حلم الله عز وجل ورحمته، ولكنه حكيم عليم، ( يملي للظالم ولا يهمله، وإذا أخذه لم يفلته )، وهذه الكلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يخطب الناس قال: ( إن الله ليملي للظالم )، وما معنى يملي؟ يزيد له في أيامه، وفي سلاحه وقوته، ( فإذا أخذه لم يفلته )، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى من سورة هود: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، والمراد من القرى: العواصم والحواضر، لا الاصطلاح الجغرافي الهابط، فالقرآن يريد بالقرية المدينة التي تجمع فيها الناس بكثرة.إذاً: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة:22]، فالبر، الشعير، الذرة، التفاح، العنب، التمر .. بسبب الماء أو لا؟ والماء من خلقه وأوجده؟ من أنزله؟ من فتح له قلوب الأرض حتى تداخلت معه وخرجت هذه الزروع، وهذه الأشجار والنخيل؟ هل هناك من يقول: غير الله؟! الملاحدة العور قالوا: الطبيعة. وعرفنا كيف أنها انمسخت، فلا طبيعة، ولا ضرورة، ولا صدفة، هذه كلها تفاعلات شيطانية ممسوخة فكفروا بها، وما بقي إلا الله.أضرب لكم مثلاً، رجلان جميلان طويلان وقفا أمام عمارة من ناطحات السحاب، أحدهما قال: هذه بناها فلان بن فلان. والآخر قال: أنت مجنون، هذه موجودة هكذا، كيف تقول: مبنية؟ هذه ما بناها أحد، أنت تكذب، أنت شاهدت من بناها؟ حضرت معه؟سمعتم المثالين؟ ما تقولون في هذا الرجل؟ يستحق الحياة هذا؟! عمارة؛ ناطحة.. يقول: لا لا لا.. هذه موجودة من نفسها، لما أقول أنا: يا هذا! هذه مبنية، يقول: أنت حاضر؟ أقول: لا ما أنا حاضر. يقول: أنت شاهدت؟ أقول: لا. إذاً: كيف تقول؟ هذا مثال المؤمن والملحد، فالإلحاد هابط وانتهى.إذاً: بناءً على ما سمعتم أيها الناس! فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22] هذا هو المقصود.أعيد البيان: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، لصالحكم هذه العبادة، لصالحنا أو لا؟والله العظيم ما شرع الله عبادة لعباده إلا من أجل إكمالهم وإسعادهم، ومن أجل غناهم وإعزازهم، ومن أجل صحتهم، ومن أجل رفاهيتهم، ومن أجل طهارتهم وصفائهم، ولا تفهم أن الله يأمر بأمر أو ينهى بدون ما يحقق ذلك الأمر للعبد مصلحة وفائدة، أو ينهى عن شيء بدون ما يدفع عنه ضرراً ولا مرضاً، والله ما كان.ولهذا لو تفطنت البشرية ولو عرف هذا المسلمون لطبقوا شريعة الله في أربع وعشرين ساعة؛ ليسودهم الطهر والأمن، والرخاء، والصفاء، والحب، والولاء، ولم يبق ما ينغص الحياة، ولا يكدر صفوها بحال من الأحوال.المسلمون كجسم واحد: حب وولاء، طهر وصفاء، لا أذى، ولا اعتداء، ولا ولا.. كالملائكة في السماء، نتيجة عبادة الله وتطبيق هذا الدين القيم، لكن الشياطين صرفتهم فذاقوا البلاء، والهول، والنزاع، والصراع، والشقاء، وفي الآخرة مثل ذلك إلا من شاء الله، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21].ثم زاد في البيان: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة:22] أو للجن؟ ( لَكُمْ).

ربوبية الله تبارك وتعالى لعباده تستلزم عدم جعلهم الأنداد له

قال تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، أي: لا تجعلوا لله شركاء تحبونهم كحب الله، وترغبون فيما عندهم كما تصورتم، وكما يرغب فيما عند الله، وتبجلونهم وتجلونهم وتعظمونهم كما ينبغي أن يبجل وأن يوجل ويعظم الله، تدعونه وترفعون أكفكم إليه كما ينبغي أن تفعلوا ذلك لله. فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا [البقرة:22] أضداداً تضادونه بها. هذا موقف عظيم، هذه الفاء ما أجملها، أي: فبناءً على الذي عرفتم لا تجعلوا لله أنداداً، والحال أنكم تعلمون أن الأصنام، والقبور، والأشجار، والأحجار، والملائكة، والرسل، وكل هذه مخلوقات لا تستحق العبادة.قال تعالى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، يدلك على هذا قول الله عز وجل: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ [يونس:31] سيدي عبد القادر ؟ لا والله؟ ماذا يقولون؟ اللَّهُ [يونس:31].وقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ [العنكبوت:61] اليهود يقولون: عزير؟ والله ما يقولون. اليهود يقولون: عيسى؟ والله ما يقولون. من؟ اللَّهُ [العنكبوت:61]، يعلمون أو لا؟ يعلمون.العرب جهال، ضلال، مشركون، يطلقون على هبل إله، وعلى العزى إله، وأما أهل الكتاب فعندهم علم، يستحي أن يقول: هذا إله، أبداً، يقول: هذا ولي، نبي، نتقرب به إلى الله عز وجل، وورث المسلمون هذا عنهم، فالمسلمون يؤمنون بأن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، المحيي، المميت، لا عيسى، ولا أم محمد، ولا فاطمة، ولا الحسين ، لا يستطيع أحد أن يخلق ذبابة أبداً، هذا إيمان كامل، الله يحيي ويميت، ولكن كيف عبدوهم؟ من طريق قالوا: نتوسل بهم إلى الله ونستشفع. فأعطوهم ما هو لله، وتركوا الله بلا شيء، وقالوا: نحن متوسلون فقط.

حرمة التوسل بالأشخاص

وإليكم مظاهر ذلك التوسل والاستشفاع؛ الذي يقف أمام ولي من الأولياء في قبر أو ضريح أو تابوت ويقول: يا سيدي فلان! أنا كذا، أنا كذا، أنا جئت كذا. هكذا بهذه الألفاظ، وهذا الكلام ما قاله لله لا في ليل ولا في نهار، وماذا بعد هذه العبادة من عبادة؟! الذي يأخذ العجل أو الكبش أو البقرة إلى الضريح ويذبحها: هذا لسيدي فلان، واسأله: كم ذبحت لله؟ ولا مرة.مما هو مضحك ومبكي لتعلموا علماً يقينياً، كان عندنا أحد المؤمنين توفاه الله، وقد جالسنا وجلس في الدرس أكثر من عشرين سنة، قال: أنا أكنت أذبح للسيد حمزة ، وكانوا يذبحون لـحمزة بن عبد المطلب شهيد أحد رضي الله عنه وعليه السلام، وهذا من أهل المدينة، وهذا قبل دخول دولة التوحيد، ثبتها الله وأطال أيامها، وقبلها لا تسأل، أيام كان الشرك عاماً في العالم الإسلامي، لا توحيد، لكن لما جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة الشرك قال لنا: نذهب في الليل ونذبح، فهذا استشفاع أو توسل بسيدي حمزة ليقضي الله حاجاتنا. قلنا له: يا حاج مسعود ! أنت الآن بطلت ما تذبح لسيدي حمزة اذبح لنا طلبة العلم كبشاً. قال: ما أستطيع. أنت كنت كل عام تذبح كبشاً في الخفاء بالليل للشيطان، وحاشا حمزة ، حمزة قال: اذبح لي! أوصاه؟! ينتفع بهذه الذبيحة؟ حمزة سيد الشهداء، لكن أنت تذبح للشيطان والآن عرفت، قال: والله عرفت، لا إله إلا الله، الآن لن أذبح عصفوراً لمخلوق. قلنا له: إذاً هيا اذبح لنا أيضاً نحن. قال: ما أقدر، وما عندي نفس.إذاً: ماذا فعلنا؟ جعلنا لله أنداداً، ومن أراد أن يفهم النِّد لا النَّد، النَّد هذا عود هندي، النِّد لا النَّد، فهذا عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في حلقة كهذه -وتلك أطهر فيها رسول الله وأصحابه- وقف هناك في طرف الحلقة أراد أن يعلم، من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، فوقف: ( أي الذنب أعظم عند الله يا رسول الله؟! فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أن تجعل لله نداً وهو خلقك )، أن تجعل لله ماذا؟ نداً، ليس معناه تجعل رباً كالله عز وجل، من أنت؟ ذبابة ما تصنعها.المقصود: لا تجعل لله شريكاً تناد به الله، بدلاً أن ترفع كفيك إلى الله ترفعهما إليه، بدلاً ما تحلف بالله وتعظمه باليمين تحلف بهذا وتعظمه، بدل أن تذبح لله تتقرب إليه بقربان وتذبح لهذا القبر، بدل أن تنذر لله: لك يا رب علي أن أفعل كذا إن فعلت لي كذا، تقول: يا سيدي فلان! إذا حصل لي كذا وكذا أعمل لك كذا وكذا. والمرأة تقول: يا سيدي عبد القادر ! يا سيد مبروك ! يا فلان! إذا تزوجت بنتي ورزقها الله بزوج صالح أشتري لك كذا. كانوا يشترون الشموع، فيجعلونها على الضريح طول الليل تشتعل، تقرباً إلى السيد، واستشفاعاً به إلى الله؛ ليقضي الحاجات، لا إله إلا الله.إذاً: عرفتم يا بني آدم أو لا؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، البلاء والشقاء والعذاب الأبدي في الآخرة وعذاب الدنيا. اعْبُدُوا [البقرة:21] من؟ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة:22]، إذاً: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22]، لو قلت لمن يعبد البدوي: البدوي خلق .. رزق .. يحيي؟ يقول: لا لا لا.. هذا مخلوق، إذاً لم تعبده؟ قال: أستشفع به وأتوسل. فأصبحوا يعلمون أو لا؟ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنهم لا يخلقون، ولا يرزقون، ولا يحيون، ولا يموتون، ولا يعزون، ولا يذلون، ولا يعطون، ولا يمنعون، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ [النحل:21].وما الذي جعل هذه الأمة تقع في هذا الضلال؟ لأنهم خدعوهم، وقالوا لهم: القرآن لا يفسر، الذي يفسر القرآن إذا أصاب أخطأ، وإذا أخطأ كفر. صوابه خطأ، وخطأه كفر.إذاً: ماذا نصنع بالقرآن؟ نقرؤه على الموتى فقط، ومن إندونيسيا إلى موريتانيا إذا مات الميت يأتون بالطلبة يقرءون عليه، فإذا كان غنياً طول الليل، ثم لكلٍ ألف ألف ريال، حتى في سوريا هناك مكتب يسمى نقابة، إذا توفي لك أبوك .. أخوك .. زوجتك دق التلفون: نريد قارئاً؛ هذه الليلة عندنا وفاة، فيقول: من أصحاب مائة ليرة أو خمسين؟ يعني: هذا الميت غني أو فقير؟ إذا كان فقيراً خمسين ليرة، وهذا مثال! أما الواقع فهو كما تعرفون، فالقرآن لا يقرأ إلا على الموتى، ولا يجتمع اثنان قط يقول له: أسمعني كلام ربي ماذا فيه. وصلى الله على نبينا محمد.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 167.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 164.01 كيلو بايت... تم توفير 3.87 كيلو بايت...بمعدل (2.30%)]