تجرع الغضب وكظم الغيظ - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين / بإمكانكم التواصل معنا عبر خدمة واتس اب - 009613654576

اخر عشرة مواضيع :         فوائد دبس التمر مع الحليب (اخر مشاركة : هناه خالد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أقسام الاجتهاد من حيث المجتهد ومن يقوم به (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          انقضاء العدة قبل قول المعتدة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          بواعث الصحابة على خدمة السنة (1) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حديث: أحصوا لي كم يلفظ الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حديث: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حديث دعاء السفر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          شرح حديث: نحن أحق بالشك من إبراهيم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          قليل من العفوية! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-08-2020, 03:52 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,822
الدولة : Egypt
افتراضي تجرع الغضب وكظم الغيظ

تجرع الغضب وكظم الغيظ (1)


د. محمد ويلالي





الخطبة الأولى
إن المتأمل في واقع الناس -اليوم -، يسترعي انتباهه مدى درجة العنف التي تتولد عن فعل الغضب، وشدة التوتر، والعجز عن كظم الغيظ. حروبٌ طاحنة على مستوى الدول والأمم، تزيد عن سبع وأربعين حربا، أودت إلى الآن بحياة أكثر من مليونين ونصف من البشر، وجرائمُ اعتداء مستفحلة، زادت عن 400 ألف جريمة ترتكب في العالم يوميا، وتوتراتٌ مؤسفة بين الإخوان والجيران، وتصدعاتٌ بين المتبايعِين، والأجراء والمستأجرين، واختلافاتٌ داخل المدارس والجامعات بين المتعلمين والمدرسين، هذا يلكُم هذا، وهذا يحمل السيف في وجه هذا.. كسورٌ، ورضوض، وجراح، ومستعجلات، حتى اقترح أحدهم وضع بدلة واقية خاصة للمدرسين لحمايتهم من غضب بعض المتعلمين، وسمى الآخر هذه الأيام التي نعيشها بموسم التنكيل بالأساتذة.. فلماذا كل هذا الغضب، الذي لم تعد تضبطه نوازع من حسن الأخلاق، أو تتحكم فيه مكابح من جميل الآداب؟.


الغضب: كما عرفه الجرجاني: "تغير يحصل عند غليان دم القلب، ليحصل عنه التشفي للصدر". والغضوب: الحية الخبيثة، لشدتها.


أما الغيظ فهو أشد من الغضب وأصعب، فهو غضب شديد باعث على الانتقام والإيقاع بالخصم. قال المناوي في التعاريف: "الغيظ أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه".


ولذلك حظي الكُظَّم للغيط بتنويه خاص في كتاب الله تعالى. قال تعالى: "سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين". قال ابن كثير -رحمه الله-: ["والكاظمين الغيظ": أي" لا يُعمِلون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرَّهم، ويحتسبون ذلك عند الله عز وجل]. وقال البغوي: ["والكاظمين الغيظ": أي: الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه".


فحقيقة كظم الغيظ، هي حبسه ورده في الجوف، مع القدرة على الإيقاع بالمعتدي. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"ومن كظم غيظا، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة" صحيح الجامع.


وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما يباعدني من غضب الله -عز وجل-؟" قال: "لا تغضب" رواه أحمد، وهو صحيح الترغيب.


ولقد جاء رجل يستنصح النبي -صلى الله عليه وسلم - قائلا: "أوصني". فقال له -صلى الله عليه وسلم-:"لا تغضب"، فردد مرارا قال: "لا تغضب" رواه البخاري، وبوب عليه: "باب الحذر من الغضب".


قال ابن التين: "جمع -صلى الله عليه وسلم - في قوله: "لا تغضب" خير الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الغَضَب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه، فينتقص ذلك من الدين".


وقال الباجي: "معنى ذلك -والله أعلم -أنَّ الغَضَب يفسد كثيرًا من الدين، لأنَّه يؤدي إلى أن يُؤذِي ويُؤذَى، وأن يأتي في وقت غضبه من القول والفعل ما يأثم به، ويُؤثِم غيرَه.. والغَضَب -أيضًا -يمنعه كثيرًا من منافع دنياه".


وقال ابن رجب:"فهذا يدلُّ على أنَّ الغَضَب جِماعُ الشرِّ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير".


ولذلك كان الغضب والغيظ وسيلتين مهمتين لاختبار صبر الإنسان وحِلمه، وهل هو على شيء، أم صيحة في فراغ، ونفخة في رماد؟
فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:" لَيْسَ الشَّدِيدُ (أي: الحقيقي) بِالصُّرَعَةِ (أي: الذي يغلب الرجال ويصرعهم)، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ" متفق عليه.


وعن المغيرة بن عبدالله الجعفي قال: جلسنا إلى رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم -يقال له: خصفة بن خصفة، فجعل ينظر إلى رجل سمين، فقلت له: ما تنظر إليه؟ فقال: ذكرت حديثا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، سمعته يقول: هل تدرون ما الشديد؟ قلنا: الرجل يصرع الرجل. قال: "إن الشديد كل الشديد، الذي يملك نفسه عند الغضب. تدرون ما الرقوب؟" قلنا: الرجل الذي لا يولد له. قال: "إن الرقوب الرجل الذي له الولد، لم يقدم منهم شيئا". ثم قال: "تدرون ما الصعلوك؟" قلنا: الرجل الذي لا مال له. قال: "إن الصعلوك كل الصعلوك، الذي له المال لم يقدم منه شيئا" صحيح الترغيب، وبعضه في صحيح مسلم.


وهذا معناه أن القوي على وجه الحقيقة هو من يستطيع مغالبة نفسه، ومقارعة هواه، فلا يضعف أمامهما، ولا يستسلم لنزغاتهما. قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:"ولهذا كان القوي الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب، حتى يفعل ما يصلح دون ما لا يصلح، فأما المغلوب حين غضبه فليس هو بشجاع ولا شديد".


عن عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ (حبل مضفور من جلد)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:"أَقَتَلْتَهُ؟". قَالَ: نَعَمْ، قَتَلْتُهُ. قَالَ: "كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟". قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَحْتَطبُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغْضَبَنِي، فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ، فَقَتَلْتُهُ" مسلم.
ولم أرَ في الأعداءِ حين اختبرتهم
عدوًّا لعقلِ المرءِ أعدَى مِن الغَضَبْ


ولقد استُفز رسول الله -صلى الله عليه وسلم -مرات عديدة، اختبارا لحلمه، وتثبتا من نبوته، فكان الأسوة الحسنة، والقدوة الرسالية.


فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- قَسْما (غنائم حنين) فقال رجل: "إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله". قال: فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال: "يرحمِِ الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" متفق عليه.


وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه -أيضا- قال: "كأني أنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يحكي نبياً من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- ضربه قومه، فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" متفق عليه.


وقد يقع في بيته -صلى الله عليه وسلم -ما هو مظنة الغضب، ولكن يغلِب حلمُه غضبه، ووقارُه غيظه، فيعفو ويصفح، منبسط الوجه، منشرح المحيَّا.


فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي الله عنها -أَنَّهَا أَتَتْ بِطَعَامٍ فِي صَحْفَةٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -وَأَصْحَابِهِ (وهو في بيت عائشة)، فَجَاءَتْ عَائِشَةُ مُتَّزِرَةً بِكِسَاءٍ وَمَعَهَا فِهْرٌ (حجر ملء الكف)، فَفَلَقَتْ بِهِ الصَّحْفَةَ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم -بَيْنَ فِلْقَتَيِ الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: "كُلُوا، غَارَتْ أُمُّكُمْ" مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -صَحْفَةَ عَائِشَةَ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَأَعْطَى صَحْفَةَ أُمِّ سَلَمَةَ عَائِشَةَ" رواه البخاري واللفظ للنسائي.
وإذا غضبتَ فكن وقورا كاظما
للغيظ تبصر ما تقول وتسمع

فكفى به شرفا تصبر ساعة
يرضى بها عنك الإله وترفع



الخطبة الثانية
ولقد ائتسى الصحابة الكرام ومن بعدهم برسول الله -صلى الله عليه وسلم -في كظم الغيظ، وعدم إسلاس القياد للنفس والشيطان.


فهذا أبو مسعود البدري -رضي الله عنه -قال: كنت أضرب غلاما لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي: "اعلم أبا مسعود"، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني، إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو يقول: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود". قال: فألقيتُ السوط من يدي. فقال: "اعلم أبا مسعود أن الله أقدرُ عليك منكَ على هذا الغلام". قال: فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا" رواه مسلم.


وسبَّ رجل ابن عباس -رضي الله عنه-، فلمَّا فرغ قال: "يا عكرمة، هل للرجل حاجة فنقضيها؟" فنكس الرجل رأسه واستحيى.


وقال أبو ذر -رضي الله عنه -لغلامه: "لِمَ أرسلت الشاة على علف الفرس؟" قال: "أردت أن أغيظك". قال: "لأجمعنَّ مع الغيظ أجرًا، أنت حرٌّ لوجه الله تعالى".



وأسمع عمرَ بنَ عبد العزيز رجلٌ كلامًا، فقال له عمر: "أردتَ أن يستفزني الشيطان بعزِّ السلطان، فأنالَ منك اليوم ما تناله مني غدًا؟ انصرف رحمك الله".


ومن عجب أن ابن عون كان لا يغضب، فإذا أغضبه رجل قال له: "بارك الله فيك".


لما عفوتُ ولم أحقد على أحد = أرحت نفسي من همّ العداوات


فهلا اجتهدنا في الاقتداء بهؤلاء، وصرنا على طريقتهم في حفظ أنفسنا، وحفظ ألسنتنا، وحفظ أعصابنا من التلف والأمراض، فتحمل بعضنا بعضا، ولان بعضنا لبعض، حتى إذا أغضبنا أحد قلنا له: بارك الله فيك؟.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-08-2020, 03:53 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,822
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تجرع الغضب وكظم الغيظ

تجرع الغضب وكظم الغيظ (2)


د. محمد ويلالي





الخطبة الأولى



تناولنا - في الجمعة الماضية - الحديث عن معضلة الغضب المذموم، الذي استفحل أمره هذه الأيام، وعظم خطره وتأثيره، حتى كثرت المخاصمات، واشتدت المنازعات، وتفاقمت المشاجرات، بين الدول والأمم، وبين الأسر والأقرباء، وبين الإخوان والجيران. وبينا كيف حث شرعنا على تجنب الغضب، ومَدحَ كظمَ الغيظ، ومغالبة النفس.







فإن آنست من نفسك القوة على كظم الغيظ، وتجرع الغضب، فأنت على طريق الظفر بحسنات تنفعك في الآخرة، وتقيك أهوال الآزفة، وعلى نهج يحفظ بدنك، ويقيك جملة من الأمراض المستعصية. وإن كنت ممن تغلبهم النفس، ولا يقوون على ردعها، ومغالبة سلطانها، فتعرف أسباب الغضب لتتجنبها، وأمسك بخيوط العلاج ليصلح حالك، وتسعد نفسك.







أما أسباب الغضب فكثيرة من أهمها:



1- الإكثار من المزاح والاسترسال في الضحك من الآخر، والمناوشات اللفظية، وذكر المعايب، والإيماءات المؤذية، مما يفضي إلى تغير القلوب، وإثارة الخصومات والأحقاد.







قال أبو البركات الغزي في المزاح المذموم: هو "إزاحة عن الحقوق، ومخرج إلى القطيعة والعقوق.. وربما كان للعداوة والتباغض سببا.. وقد يُعرِِّض العِرضَ للهتك، والدماء للسفك. فحق العاقل يتقِيه، وينزه نفسه عن وصمة مساويه". ولذلك أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتفادي المزاح وإن كان جادا مخافة الوقوع في الخصام فقال: "لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا وَلاَ جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا" صحيح سنن أبي داود.







وقال بعض الحكماء: "المزاح يذهب المهابة، ويورث الضغينة والمهانة".







وقال آخر: "المزاح يجلب الشرَّ صغيرُه، والحربَ كبيرُهُ".







2- ومما يورث الغضب: عُجبُ المرء بنفسه، والإحساس بالأفضلية على الآخرين، سواء كان عُجبا بالرأي، فيتصور أن لا أحد أعلم منه، أم بالنسب، فيرى أن لا أحد أشرف منه، أم بالمال والممتلكات، فيتوهم أن كل الناس أفقر منه، أم بالبدن والجمال وكمال الجسم، فيعتقد أن كل الناس أقل جمالا وقوة منه، أم بالذكاء، والفطنة، والكياسة، فيزعم أن لا أحد أذكى منه.. فإذا استحكم العجبُ، أُزرِي بصاحبه، فرُد عليه كلامُه، وانتُقد عليه رأيُه، وسُفهت أحلامُه، فحصل الجدال والخصام. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ثلاث مهلكات: هوى متبع، و شح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه" صحيح الجامع.







فَوَا أَسَفاً مَا يَفْعَلُ الدُودُ وَالثَرَى

بِوَجْهٍ جَمِيلٍ كَانَ للهِ يَخْجَلُ



وَمَا يَفْعَلُ الجِسْمُ الوَسِيمُ إِذَا ثَوَى

وَصَارَ ضَجِيعَ القَبْرِ يَعْلُوهُ جَنْدَلُ










3- ومن أسباب الغضب: المراء والجدل، المفضيان إلى التمسك بالرأي، وعدم الإذعان. وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الجدل سببا ليس فقط للغضب، وإنما للضلال والزيغ عن الهدى. قال - صلى الله عليه وسلم -:"مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾" صحيح سنن الترمذي.







قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في قوله تعالى: (وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) قال:"أن تماري صاحبك حتى تغضبه".







وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -:"الجدال: المراء، والسباب، والخصومات".







ولذلك كانت مكانةُ مَنْ آثر صفاء النفوس على إثارة الخصومات مكانة عظيمة. قال - صلى الله عليه وسلم -:"أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ (أطرافها) لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ" صحيح سنن أبي داود.







4- ومن الأسباب - أيضا - اعتقاد الغضب شجاعة وقوة، ودليلا على الرجولة وقوة الشكيمة، وما ذلك إلا مدخل من مداخل الشيطان، يزين بها الغضب حتى يستحيل مشاجرة ومعاركة. قال الغزالي - رحمه الله -:"ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال: تسميتهم الغضب شجاعة، ورجولة، وعزة نفس، وكِبَر همة".











مَنْ لِي بِإِنْسَانٍ إِذَا أَغَضَبْتُهُ

وَجَهِلْتُ كَانَ الحِلْمُ رَدَّ جَوَابِهِ










5- ومما يثير الغضب، أن يبتلى الإنسان باللسان البذيء، والقول الفاحش، فيعمل لسانه في السب، والشتم، والتعيير، والفحش، دون أن ينتبه إلى أن ذلك يوغر الصدور، ويؤجج الغضب، ويدعو إلى الاحتقان والعداوة. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من أُعطي حظه من الرفق فقد أُعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير. أثقل شيء في ميزان المؤمن يوم القيامة حسن الخلق، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء" صحيح الأدب المفرد.







وأما علاج آفة الغضب فيقتضي استحضار جملة أمور:



1- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم حين الغضب، لأن الشيطان أقرب ما يكون من الإنسان في حالة غضبه. قال تعالى: "وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ". وقال سليمان بن صُرَد - رضي الله عنه -: استب رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضَبا، قد احمر وجهه (وعند مسلم: فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" متفق عليه.







2- على الغاضب أن يستعين حال غضبه بالسكوت، وأن لا يرد على من استثاره واستفزه، فهو أدعى لسكون نفسه، وارْوِعاء مستفِزه. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"علموا ويسروا، علموا ويسروا، علموا ويسروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت، وإذا غضب أحدكم فليسكت" صحيح الأدب المفرد. قال ابن رجب - رحمه الله -:"وهذا دواء عظيم للغضب، لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه".







ومن جميل كلام مُوَرِّق العِجْلي - رحمه الله -:"ما امتلأتُ غيضاً قَطُّ، ولا تكلَّمتُ في غضبٍ قطُّ بما أندمُ عليهِ إذا رضيتُ".







الخطبة الثانية



3- ومن المعينات على تجاوز الغضب، تغيير الحال من القيام إلى القعود، ومن القعود إلى الاضطجاع. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ" صحيح سنن أبي داود.







قالت فاطمة - رضي الله عنها - عن زوجها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:"كان بيني وبينه شيء، فغاضبني، فخرج" البخاري.







قال ابن رجب:"وقد قيل: إنَّ المعنى في هذا أنَّ القائم متهيِّئ للانتقام، والجالس دونَه في ذلك، والمضطجع أبعدُ عنه، فأمره بالتباعد عن حالةِ الانتقام".







4- ومن ذلك القيام للوضوء، وتبريد الجسم بالماء، وقد ورد فيه حديث ضعيف الإسناد.ومن الوصايا الطبية أن الغضب يتولد من الحرارة العامة، والتعرق، والإحساس بالضيق، ويأتي الماء البارد ليخفف من هذه الأعراض.







وقد كلم رجلٌ عُروةَ بنَ محمد السَّعدي فأغضبه، فقام فتوضأ. وقال ابن القيِّم - رحمه الله -:"ولمَّا كان الغَضَب والشهوة جمرتين من نار في قلب ابن آدم، أمر أن يطفئهما بالوضوء، والصلاة، والاستعاذة من الشيطان الرجيم".







5- ومن ذلك استحضار ذكر الله واستغفاره عند الغضب، مما يبعثه على الخوف منه، ويحمله على طاعته. قال تعالى: "وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ".قال عكرمة:"يعني: إذا غضبت".











وكِل المسيءَ إلى إساءته ولا

تتعقَّبِ الباغي ببغيٍ تُنصرِ



وادفعْ بكَظْم الغَيْظ آفةَ غَيِّه

فإنِ استخفَّك مرَّةً فاستغفرِ










6- وعلى الغاضب أن يتذكر قبح صورته، وتجهم وجهه، والخروج عن طبعه، مما لو رآه بعينه لما غضب. قال الصنعاني - رحمه الله -:"والغضب يترتب عليه تغير الباطن والظاهر، كتغير اللون، والرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال على غير ترتيب، واستحالة الخلقة، حتى لو رأى الغضبان نفسه في حالة غضبه لسكن غضبه حياء من قبح صورته، واستحالة خلقته".







7- أن يتذكر عظم الثواب المترتب على صبره، وقهر نفسه، وكبت غيظه. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾.











اتَّضعْ للنَّاسِ إن رُمت العُلا

واكْظِمِ الغَيْظ ولا تُبدِ الضَّجر




واجعلِ المعروفَ ذُخرًا إنَّه

للفتَى أفضل شيء يُدَّخر



احملِ النَّاس على أخلاقهم

فبه تملكُ أعناقَ البَشر




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-08-2020, 03:53 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,822
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تجرع الغضب وكظم الغيظ

تجرع الغضب وكظم الغيظ (3)


د. محمد ويلالي






الخطبة الأولى
تحدثنا - في الجمعة الماضية - عن ضرورة إلجام سورة النفس بتجرع الغضب وكظم الغيظ، وذكرنا أن السبيل إلى ذلك يكمن في معرفة أسباب الغضب التي أجملناها في: المزاح المذموم، والعجب، والمراء والجدال، واعتقاد الغضب شجاعة وقوة، والاتصاف باللسان البذيء، والقول الفاحش. وبينا - كذلك - أن علاج آفة الغضب تكمن في سلوك عدة طرق، منها: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم حين الغضب، والاستعانة السكوت، وتغيير الحال من القيام إلى القعود، ومن القعود إلى الاضطجاع، والقيام للوضوء وتبريد الجسم بالماء، واستحضار ذكر الله واستغفارِه عند الغضب، وتذكر عظم الثواب المترتب على الصبر على تجرع الغضب، ثم تذكر الغاضب قبح صورته، وتجهم وجهه، والخروج عن طبعه، مما لو رآه بعينه لما غضب.

وسننهي هذا الموضوع - إن شاء الله - بالحديث عن الآثار الصحية، والاجتماعية، والفقهية للغضب، مما لو عرفناه حق المعرفة، لألزمنا أنفسنا ترك الغضب، والتشنج، والتشاحن، ولأحللنا مكان ذلك التجاوز، والصفح، والتسامح، وغض الطرف، حتى يصير العفو سجية، والحلم طبعا، والإحسان خلقا. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى: 37]. قال السعدي - رحمه الله -:"قد تخلقوا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، فصار الحلمُ لهم سجية، وحسنُ الخلق لهم طبيعة، حتى إذا أغضبهم أحد بمقاله أو فِعاله، كظموا ذلك الغضب فلم ينفذوه، بل غفروه، ولم يقابلوا المسيء إلا بالإحسان والعفو والصفح، فترتب على هذا العفو والصفح، من المصالح ودفع المفاسد في أنفسهم وغيرهم شيء كثير، كما قال تعالى: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 34، 35]".

ويمكن اختصار آثار الغضب على صحة الإنسان في كون الغاضب يخطو نحو الشيخوخة يوماً، مقابل كل دقيقة من الغضب، وهو ما عبرت عنه بعض الدراسات العلمية الحديثية، بكون الغضب وتكراره يقللان من عمر الإنسان.

والأطباء يقولون: إن تكرار حدوث الانفعالات النفسية غير السارّة، يؤدي إلى تعطيل وظائف جهاز الهضم، بما في ذلك التسبب في تلف أنسجة الجسم، وظهور القرحة الهضمية، وقرحة الأمعاء، والتهاب القولون.

وثبت أن هذه الانفعالات المتولدة عن كثرة الغضب، تزيد الضغط النفسي، الذي يتولد عنه التأثير على نفوذية الشعيرات الدموية في المخ، فينتج عنه عدة أمراض، كالصداع، والغثيان، والدوران (الدوخة).

كما أن توالي الغضب يؤدي إلى الإضرار بشرايين القلب، واحتمال الإصابة بأزمات قلبية قاتلة، وخلل في جهاز المناعة، ولذلك يوصي الأطباء من لديه اضطراب في نظم القلب أن لا يغضب، لأن هرمون "الأَدْرِينَالِين" يمارس تأثيره على القلب، فيسرع القلب في دقاته، وقد يضطرب نظمه، ويختل نظامه، وتحصل الأزمات والاضطرابات.

وينصحون من يشكو من ارتفاع في ضغط الدم أن يتجنب الانفعالات والغضب، لأن الغضب يرفع مستوى بعض الهرمونات في الدم، مما يزيد في ارتفاع ضغط الدم. والارتفاعُ المفاجئ للضغط قد يسبب لصاحبه نزفاً دماغياً صاعقاً، يؤدي إلى إصابة الغضبان بالفالَج، وقد يصاب بالجلطة القلبية أو الموت المفاجئ، وقد يؤثر على أوعية العين الدموية فيسبب العمى المفاجئ، وما الحوادث المؤلمة والأزمات المؤسفة، التي نسمع بها كل يوم إلا نتاج للحظات غضب الفتاكة.

وينصحون المصابين بمرض شرايين القلب أن يتجنبوا الغضب، لأنه يزيد من تقلُّص القلب وحركته، وقد يهيئ ذلك لحدوث أزمة قلبية.

وينصحون المصابين بالسكَّري أن لا يغضبوا، لأن "الأَدْرِينَالِين" يزيد من سُكّر الدم، فيزيد المرض، وتتضاعف المخاطر.

هذه المادة الناتجة بفعل توالي التوترات، تعمل على صرف كثير من الطاقة المدخرة، مما يؤدي إلى شعور المنفعل أو الغاضب بارتفاع حرارته وسخونة جلده، كما ترتفع شحوم الدم، مما يؤهب لحدوث التصلب الشرياني، ومن ثم إلى حدوث الجلطة القلبية أو الدماغية، كما يؤدي زيادة الهرمون إلى تثبيط حركة الأمعاء وفشلها، ومن ثم إلى حدوث الإمساك الشديد، وهذا سبب إصابة ذوي المزاج العصبي بالإمساك المزمن.

بل الأكثر من ذلك، أثبتت البحوث الطبية الحديثة وجود علاقة وثيقة بين الانفعالات النفسية ومنها الغضب، وبين الإصابة بالسرطان، وأكدت الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من انفعالات نفسية مريرة بصورة مستمرة، يموتون بالسرطان باحتمال نسبي أكبر.

كما أن نوبات الهيجان العصبية، تشجع على الإدمان، بسبب مسارعة المدخنين والمبتلين بالكحول إلى تجرع هذه السموم، اعتقادا منهم أنها تهدئ من روعهم، وتسكن من سورة غضبهم.

وهناك آثار نفسية - أيضا - تتحكم في الغاضب بسبب تكرر التوتر، منها انهيار بدنه، وضعف قوته ونشاطه، بسبب التعب والإرهاق المتولدين عن الغضب، الذي يتسبب في زيادة إفراز مادة أخرى تسمى "الكُورْتِيزُول" المسؤولة عن دفاع الإرهاق النفسي بأشكاله المختلفة، فحين تزيد كميتها، يختل هذا النظام، فيتعرض الجسم إلى ضعف المناعة، وظهور آلام العضلات على المدي البعيد.

ومنها الشعور بالانطوائية والانعزالية، فالغاضب يتقيه الناس، لما يترتب عن غضبه من صراخ، وعصبية، وربما كلام قبيح، من سب وتهديد، فيتفاداه الناس، ويدارونه خوفا من عصبيته، لا تقديرا واحتراما. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" متفق عليه.
إنِّي أُحَيِّي عَدُوِّي عنْدَ رُؤْيَتِهِ
لأدفعَ الشَّرَّ عني بالتحيات

وأُظْهِرُ الْبِشرَ لِلإِنْسَانِ أُبْغِضهُ
كأنما قَدْ حَشا قَلْبي مَحَبَّاتِ


الخطبة الثانية
ومن الآثار الاجتماعية للغضب، أنه سبب في تشنج العلاقات بين الناس، وبالأخص داخل الأسرة، حيث أثبتت الدراسات، أن أزيد من 80% من نسبة الطلاق في بلدنا - مثلا - هي بسبب الخلافات الزوجية، التي يذكيها - غالبا - الغضب، والتوتر، وارتفاع الأصوات، مما يعقبه الندم - في غالب الأحيان ـ. ولذلك كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -:"وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب" صحيح سنن النسائي.

ومن آثاره الشرعية، أن الغضبان قد يدعو على نفسه، أو أهله، أو أولاده، أو ماله، وربما وافق دعاؤه ساعة إجابة فيستجاب له، فيحصد الحسرة والندامة بعد ذلك. وقد يُقْسِم على شيء في حالة غضبه وهو لا يريده، فينعقد يمينه، مما يحتاج معه إلى الكفارة، وقد تكون يمينا غموسا، يخشى على صاحبها من عقاب الله تعالى. وقد روي عن بعض السلف أنه قال: "أقرب ما يكون العبد من غضب الله - عز وجل - إذا غضب".

ومن آثار الغضب في سياسة الناس والحكم بينهم، أنه ينافي العدل في القضاء، فقد كتب أبو بكرة إلى ابنه - وكان بسجستان - بأن لا تقضي بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يقضينَّ حَكَم بين اثنين وهو غضبان" متفق عليه.
لا تمش في الناس إلا رحمة لهم = ولا تعاملهم إلابإنصاف

فهل عرفنا لماذا نصح النبي - صلى الله عليه وسلم - من قال له أوصني بأن يترك الغضب، وأخذ يكرر لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب؟ وهل عرفنا لماذا قال لأبي الدرداء الذي سأله أن يدله على عمل يدخله الجنة، فقال له:"لا تَغْضَبْ ولكَ الجَنَّةُ"؟ صحيح الجامع.

وهل عرفنا لماذا قيل لابن المبارك: اجمع لنا حسن الخلق في كلمة، قال: "ترك الغضب".

قال عطاء بن أبي رباح: "ما أبكى العلماء بكاءَ آخرِ العمر، من غضبة يغضبها أحدهم فَتُهَدِّمُ عمر خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين سنة".

فلنُعوِّد أنفسنا رياضة الصبر، وتجرع الغيظ، وهزم الغضب بحضور العقل، وثبات القلب، واتزان النفس. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه" صحيح الجامع.

وها نحن في شهر شعبان، شهر الإكثار من الصيام، شهر قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -:"ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ" صحيح سنن النسائي. ليلةُ النصف فيه ليلة عظيمة، يطلع الله تعالى فيها ليغفر من طابت نفسه تجاه إخوانه، وهزم الشيطان بمصالحة خُصمائه. يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ" صحح سنن ابن ماجة.
وكنتُ إذا الصَّديقُ أراد غَيْظي
وشرَّقني على ظمأ بريقي

غفرتُ ذنوبَه وكَظَمت غَيْظي
مخافةَ أن أعيش بلا صديقِ






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 112.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 109.98 كيلو بايت... تم توفير 2.91 كيلو بايت...بمعدل (2.58%)]