صفحات من الاستعمار ------------متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         هل يمكن علاج الكبتاجون في المنزل وما هي معايير افضل الاماكن العلاجية (اخر مشاركة : NoorAhmed101 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          اعرف أسباب النعاس المستمر (اخر مشاركة : ريكارد9 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          تحذير خطير : اياكم وتمرينات الطاقة (الجزء السابع) (اخر مشاركة : abdelmalik - عددالردود : 750 - عددالزوار : 132555 )           »          مَن هو شيخك؟! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          ماهى اسباب تعاطى المخدرات؟ (اخر مشاركة : اسراءماجد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          اسباب ادمان المخدرات (اخر مشاركة : منة حسام - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          دورة تبني وتطبيق معايير المحاسبة الدولية في القطاع العام (اخر مشاركة : تميم على - عددالردود : 1 - عددالزوار : 84 )           »          حمد الصالحين لله في ضوء القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          فنونُ اعتياد القراءة...! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          خدمة تنظيف المنازل بالساعة (اخر مشاركة : زينب محمدي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-07-2020, 11:24 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,762
الدولة : Egypt
افتراضي صفحات من الاستعمار ------------متجدد

صفحات من الاستعمار (1)
الاحتلال الفرنسي للجزائر والاستقلال الضائع

. أحمد الظرافي



وأنت تقرأ هذه الحكاية ستعتريك مشاعر متناقضة متضاربة، ففيها يمتزج الشعور بالحزن والألم والرثاء، بالشعور بالفخر والإعجاب والثناء، بالشعور بالأسف والمرارة والعزاء.. إنها حكاية شعب الجزائر المسلم، محتلاً، ومقاوماً، ومغدوراً به، وذلك منذ بداية الاحتلال الفرنسي سنة 1830م، وحتى اليوم. وإليكم ملخص الحكاية:

أولاً: أسباب الغزو الفرنسي للجزائر:

إن الباحث عند دراسته للغزو الفرنسي للجزائر، سيجد أن وراءه مجموعة من الأسباب المتداخلة، أهمها:
الأسباب التاريخية والدينية: وهي تأتي في مقدمة كل الأسباب، بل إن ما عداها تبع لها، ففرنسا لم تنسَ عداوتها القديمة للإسلام، عندما غزاها المسلمون وقادوا الحملات العسكرية لفتحها في النصف الأول من القرن الثامن الميلادي، منطلقين من شمال إفريقيا والأندلس، وهي الفتوحات التي لا تزال حية في ذاكرة الفرنسيين بشكل خاص، والأوربيين بشكل عام، حتى يوم الناس هذا، وكل حوادث التاريخ القديم، التي كان فيها المسلمون فاعلاً، وهم مفعولاً به، لم ينسوها قط، فكيف بحوادث التاريخ الحديث والمعاصر؟ ففرنسا لم تغفر للجزائر تحالفها الوثيق، مع دولة الخلافة العثمانية، خلال القرون الثلاثة السابقة لغزوها، وما شكله ذلك التحالف من مصدر قوة للإسلام، مكن المسلمين من احتواء الخطر الأوربي الصليبي ضد الإسلام، والذي انبعث مجدداً وبكل قوة وشراسة وعنف مع عصر النهضة الأوربية وطرد المسلمين من الأندلس بعد سقوط غرناطة عام 1492م، فكان ذلك التحالف من أهم العوامل للتصدي لغارات الأساطيل الصليبية على سواحل شمال إفريقيا، وتلقينها الهزيمة تلو الهزيمة، ومن ضمن تلك الأساطيل، الأساطيل الفرنسية بطبيعة الحال. وفرنسا أيضاً لم تغفر للجزائر تلك الغارات المزلزلة التي قامت بها الأساطيل الإسلامية على الموانئ الفرنسية، انطلاقاً من موانئ الجزائر وتونس في تلك الفترة ذاتها، تحت قيادة القائدين البحريين الكبيرين، بربروسا وعروج باشا، واللذين كان اسمهما يبث الرعب في قلوب الأوربيين، وبخاصة الفرنسيين، وما كانت تمثله تلك الغارات البحرية من تهديد إستراتيجي على فرنسا، بل وعلى سائر أوربا. وفرنسا كذلك لم تنسَ للجزائر، حين كانت هذه الأخيرة إيالة عثمانية، بسط سيطرتها على البحر المتوسط، وكيف أن مرور الأساطيل التجارية الفرنسية في عرض هذا البحر لم يكن يحدث إلا بإذن من السلطات الجزائرية المسلمة، وبعد دفع الإتاوة المقررة.
الأسباب الاقتصادية والسياسية: الجزائر بلد زراعي من الدرجة الأولى، وبه أراض زراعية خصبة، كان يسيل عليها لعاب السلطات الفرنسية، لاسيما وأن الفرنسيين كانوا أساساً عالة على إنتاجها من الحبوب، فقد كانت فرنسا تستورد حاجتها من الحبوب من فائض إنتاج الجزائر من تلك الحبوب، ولهذا السبب فكرت في غزوها عسكرياً واحتلالها، للسيطرة على تلك الموارد الزراعية، ولكي تكون أيضاً سوقاً لتصريف منتجاتها الصناعية، وفي نفس الوقت مركزاً للحصول على المواد الخام، لاسيما بعد انكشاف السواحل الجزائرية نتيجة لتدمير أسطولها في معركة «نافارين» إلى جانب الأسطول العثماني ضد أساطيل بريطانيا وفرنسا وروسيا. هذا فضلاً عما سيترتب على ذلك الاحتلال من إشباع روح الغزو لدى الجيش الفرنسي الذي غرسه فيه الطاغية نابليون بونابرت (1767-1821م)، وتوسيع رقعة الإمبراطورية الفرنسية، وذلك بعد الاستحواذ على هذا البلد البكر (القارة).
الأسباب العنصرية والقومية: كان الفرنسيون الذين يزايدون بكونهم ورثة حضارة الإمبراطورية الرومانية، سيدة العالم في العصور القديمة كما يزعمون، والمعروفون أيضاً بغرورهم واستعلائهم، كانوا يشعرون بالعار، كون الحاجة اضطرتهم للاستدانة من الجزائر في عهد الباي، من النقد الذهبي، ومن الحبوب أيضاً، وبصفة خاصة خلال المجاعة التي اجتاحت فرنسا بعد ثورة 1789م، فالجزائر بلد إسلامي عربي، وكانوا يرونه أقل رقياً وحضارة منهم، ومن ثم كانوا يأنفون من كونهم يمدون أيديهم إليه، وكانوا يشعرون لفرط استعلائهم ولنزعتي الأنانية والجشع في نفوسهم أنهم أولى من الباي ومن الجزائريين المسلمين بالموارد الاقتصادية التي تزخر بها الجزائر، لاسيما بعد تفجر الخلافات حول ديون فرنسا للجزائر بين السلطتين الجزائرية والفرنسية، هذه الأخيرة التي لم يكن لدى السلطات الفرنسية رغبة في سدادها، وذلك برغم اعترافها بتلك الديون وفقاً لاتفاقيات 1796م، 1801م، 1820م.
ثانياً: الغزو الفرنسي للجزائر وصراع الإرادات:

كانت تلك هي الأسباب الأساسية لطرح فرنسا موضوع الجزائر في مؤتمر فيينا (1814/1815م)، قبل أن يتفق المؤتمرون الأوربيون، على تحطيم هذه الدولة في مؤتمر «إكس لا شابيل» عام 1819م، وتخويل فرنسا باحتلال البلد، وقد استغلت فرنسا حادثة شروع الباي في ضرب القنصل الفرنسي بالمروحة، في أبريل 1827م، أثناء مناقشة مديونية فرنسا للجزائر، كذريعة للغزو، فحركت أساطيلها نحوها سنة 1828م، فنجحت في احتلال الجزائر العاصمة، في 5 يوليو 1830م، بعد مقاومة شرسة، ولكن مع ذلك، وحتى بعد استسلام الباي للفرنسسين عام 1832م، فإن الشعب الجزائري لم يضع السلاح، ولذلك فقد استغرق الفرنسيون الغزاة حوالي سبعين عاماً لبسط السيطرة الكاملة على البلاد، نظراً لاتساع مساحتها، ولشراسة المقاومة في الداخل، بما عرف به الجزائريون من بسالة وحمية وإصرار، فقد كان هناك رفض شامل للاستعمار، وعزيمة صادقة في إخراجه بالقوة مثلما دخل بالقوة، واعتبار مهادنته خيانة عظمى. وبين عامي 1930 و1900م، تمكن المجاهدون الجزائريون من تطهير كل أنحاء الجزائر من الفرنسيين تطهيراً كاملاً، باستثناء الجزائر العاصمة. ولكن بالمقابل، فإن فرنسا كانت تبدي في كل مرة إصراراً منقطع النظير على وجودها في الجزائر، وكانت تتشبث بكل ما يمكنها من البقاء فيها بأظافرها وتعض عليه بنواجذها، ورفضت التخلي عنها، برغم كثرة هزائمها وخسائرها الفادحة، وكان ترسيخ وجودها في الجزائر العاصمة، والتي تقع على ساحل البحر المتوسط، في مواجهة السواحل الفرنسية، ما سهل للبحرية الفرنسية التدخل مباشرة لنجدة حاميتهم هناك، وتزويدها بالجنود والسلاح والمؤن في الوقت المناسب، كما أن ذلك الموقع قد ساعد أساطيلها على الإغارة على موانئ الجزائر الأخرى، عند اللزوم، ومن ثم إنزال جنودها وعتادها على سواحلها، وبصورة تسمح لها باستئناف جولات القتال في الداخل، وفرض سيطرتها مجدداً على الأقاليم نظراً لافتقاد البلاد السلطة المركزية. وكانت العوامل المذكورة آنفاً هي التي وقفت وراء إصرار فرنسا المستميت على البقاء في الجزائر، وعدم الاعتراف بالفشل في السيطرة عليها، وعلى تكرار غزوها مرة بعد مرة، وعدم اليأس من إمكانية سحق مقاومة شعبها وكسر إرادته مهما كان الثمن، وبالتالي عدم اليأس من اقتطاعها من جسد الإسلام، وفرض الاحتلال العسكري المباشر عليها وبصورة نهائية، وبما يسمح بإدخالها في حظيرة ممتلكاتها وتحويلها إلى مزرعة فرنسية، وإلى بقرة حلوب تدر اللبن لأفواه الفرنسيين. وهكذا، ونتيجة لذلك الإصرار المستميت من قبل الطرفين، الفرنسيون لبسط سيطرتهم العسكرية والسياسية على الجزائر، والجزائريون لرفضهم لهذه السيطرة ومقاومتهم الباسلة لها، فقد استمرت عمليات الكر والفر على مدى حوالي سبعين عاماً، وتبادل فيها الطرفان النكسات والهزائم. إلا أن الشعب الجزائري كان الأكثر غرماً، والأكثر تضرراً، كونه كان يجابه الجيش النظامي الفرنسي الحديث والمنظم، بآلته العسكرية المتطورة وجحافله الجرارة، كجماعات متفرقة، وغير موحدة، وبأسلحة قديمة وبدائية، وكون رحى المعارك كانت تدور في دياره، وما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، ولذلك فقد انتهى صراع الإرادات ذلك لصاح فرنسا في نهاية المطاف، بعدما ارتكب جيشها ما ارتكب من مذابح بشعة، أباد فيها قبائل كاملة، ومسح مدناً وقرى من على وجه الأرض، وفتك بالجزائريين العزل فتك الوحوش شيوخاً ونساء وأطفالاً، واستباح الأعراض والمقدسات، وهي السياسة التي دشنها الجنرال بيجو (1784-1849م) السفاح الدموي الصليبي، الذي حل بالجزائر سنة 1841م، ففي نظره إن حرب الإبادة وحدها هي الكفيلة بالقضاء على مقاومة الشعب الجزائري، ونتيجة لذلك فقد تقلص عدد سكان الجزائر البالغ عددهم يومئذ ثلاثة ملايين نسمة إلى مليونين خلال 15 سنة فقط. ومع ذلك فإن جهاد شعب الجزائر المسلم لم ينته، ولم يكن ما حدث سوى جولة من الصراع كسبتها فرنسا.

ثالثاً: السياسة الفرنسية في الجزائر:

ارتكزت هذه السياسة على أربعة محاور أساسية، هي:
محور الفرنسة: من مظاهره محاربة اللغة العربية، وإجبار الأهالي على استعمال الفرنسية، والتي جعلوها هي اللغة الرسمية وحدها، في الروضة والمدرسة والجامعة، وقامت فرنسا بإنشاء إدارة جديدة مفرنسة بنسبة 100%، وعملت على شطب الأسماء العربية للمدن والشوارع والمعالم، واستبدلتها بأسماء فرنسية، كما عملت على إصدار عدة مراسيم لفرنسة التعليم، ومنها مرسوم 24 ديسمبر 1904م، والذي يقضي بمنع أي معلم من فتح مدرسة قرآنية إلا بترخيص، بعد التزامه بجملة من الشروط التعجيزية، ثم أصدرت قانون 8 مارس 1938م، الذي قضى بحظر استعمال اللغة العربية، بل واعتبارها لغة أجنبية. والعمل على تدريس جغرافيا وتاريخ فرنسا على أنهما جغرافيا وتاريخ الجزائر، وتشويه التاريخ الإسلامي، كما شمل ذلك تشكيك الجزائريين في عروبتهم، فزعموا أنهم من أعقاب الرومان والبربر، وذلك كي يبقى البلد تابعاً وجزءاً من الثقافة الفرنسية، وقد نجحت في ذلك في منطقة القبائل البربرية.
محور التنصير: تم تحويل 80% من المساجد إلى كنائس وثكنات وإسطبلات، وتشجيع البعثات التبشيرية للانتشار في البلاد لتنصير الشعب، وسحق الإسلام، وتمت مصادرة الأوقاف الإسلامية، وجعلها تحت تصرف المبشرين، وكان الكاردينال لافجري (1825-1892م) من أشد المتحمسين للتنصير، وهو القائل: «علينا أن نجعل من أرض الجزائريين مهداً لدولة مسيحية... تلك هي رسالتنا». وعمل هؤلاء المبشرون وقادة الجيش الفرنسي على إحياء كنيسة إفريقيا الرومانية، تطبيقاً لمقولة: «إن العرب لا يطيعون فرنسا إلا إذا أصبحوا فرنسيين، ولن يصبحوا فرنسيين إلا إذا أصبحوا مسيحيين»، وكان الجنرال بيجو يأتي بالأطفال الجزائريين اليتامى إلى القسيس ويسلمه لهم قائلاً: «حاول يا أبتي أن تجعلهم مسيحيين، وإذا فعلت ذلك فلن يعودوا إلى دينهم ليطلقوا علينا النار». وشمل ذلك أيضاً تشجيع الطرق الصوفية على نشر الخرافات والشعوذة، فأصبحت هذه الطرق معولاً في يد المستعمر لهدم الإسلام.
محور التفقير: قام الفرنسيون باغتصاب وسلب الأراضي الزراعية الخصبة، وإعطائها للمعمرين من فرنسيين ومتفرنسين من شذاذ الآفاق، والذين تم جلبهم من دول أوربية عدة، والذين بلغ عددهم عند الاستقلال أكثر من مليون مستوطن، وقد انتهجت فرنسا أساليب متعددة للاستيلاء على الأراضي الزراعية، منها تأسيس شركات زراعية، وإنشاء سكك حديد تربط بين سهول الجزائر الخصبة وميناء الجزائر، وفي مقدمتها سهل متيجة عام 1857م، وكانت فرنسا تعاقب الثوار الجزائريين بالقتل والحبس والنفي ومصادرة الأملاك. وبعد تجريد الشعب الجزائري من ممتلكاته، أخضعته لقوانين قاسية، ومنها قانون الأهالي عام 1871م، والذي فرض عليه حمل رخصة تجيز له التنقل من مكان لآخر داخل وطنه، فإذا لم تكن بحوزته يعاقب، وقد أصاب الجزائريين نتيجة هذه السياسة فقر مدقع.
محور الإدماج: عملت فرنسا على اقتلاع الجزائر من محيطها العربي الإسلامي، وبالتالي إذابتها في الكيان الفرنسي، فألحقتها بفرنسا قانونياً، بموجب مرسوم 22 يوليو 1834م، واعتبرتها أرضاً فرنسية، ومنحت الجنسية الفرنسية للجزائريين، وفي 2 فبراير 1912م أصدرت قانون التجنيد الإجباري، الذي تضمن تجنيد الجزائريين في الجيش الفرنسي باعتبارهم رعايا فرنسيين، وبلغ عدد هؤلاء المجندين في الجيش الفرنسي أكثر من 250 ألفاً قبيل الحرب الأولى، وبلغ عدد الجزائريين الذين شاركوا في الحرب الثانية زهاء مليون، ما بين جنود مقاتلين وعاملين لتأمين الجنود، وقد ذهب مئات الآلاف منهم وقوداً لحروب فرنسا في تلك الحربين، وفي حروبها الاستعمارية في الهند الصينية. علماً بأن الإدماج كان أكذوبة، فقد ظلت الجالية الفرنسية والمتفرنسة الطارئة على البلاد هي المتحكمة في الجزائريين، وظل الفرنسي يعتبر نفسه سيداً، ويعامل الجزائري كعبد، هو وما ملك لسيده.
رابعاً: جمعية العلماء وحرب التحرير:
برغم كل الإجراءات التي وضعها لتثبيت وجوده، والقرارات والمراسيم الكثيرة التي اتخذها لفرنسة الجزائر، وبرغم سياسات القمع، والبطش، والتنكيل، والقهر، والتجهيل، والتفقير، التي اتبعها، فقد تواصلت مقاومة الشعب الجزائري في القرن العشرين، برغم الجراح، والنزيف، والمصاعب، والآلام، ففي العقد الثاني من هذا القرن ظهر العالم الإصلاحي الجليل عبد الحميد بن باديس (1889-1940م)، والذي رفع لواء الدفاع عن الإسلام والعروبة في الجزائر، متوجاً جهوده في هذا المجال بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1931م، بالتعاون مع نخبة من علماء الجزائر المخلصين، وقد أعلن بن باديس بكل جرأة ووضوح أن: «الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت». وكان له ولجمعية العلماء الفضل الكبير في إصلاح العملية التعليمية، وإعادة الناس إلى الكتاب والسنة وعقيدة السلف، ومحاربة البدع والضلالات التي كان ينشرها الصوفية القبوريون بدعم وتشجيع الاستعمار الفرنسي، الذي اعتمد على الطرق الصوفية كإحدى الركائز لوجوده في البلاد. ومع أن القانون الأساسي للجمعية كان ينص على عدم الخوض في السياسة، إلا إن أعضاءها لم يلتزموا بذلك عملياً، فقد كان لا بد من الجمع بين السياسة والعلم، لتحقيق الثمار المرجوة، وهذا ما كان يعتقده ابن باديس، وكان يؤمن أن ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة، وأن الجزائر لن تتحرر إلا بالجهاد. وذلك قد كان. فقد استطاعت هذه الجمعية أن تغير مجرى التاريخ، وأن تحفر قبر الاحتلال الفرنسي للجزائر، وقد توفي ابن باديس سنة 1940م، وهو ابن 51 عاماً، لكن جمعية العلماء استمرت في تأدية نشاطها التعليمي، برغم القيود الصارمة التي فرضها عليها الاحتلال الفرنسي، وصار لها فروع ومدارس في مختلف أنحاء الجزائر، وكان لها دور في تهيئة الأجواء لثورة التحرير الجزائرية، التي اندلعت ليلة أول نوفمبر 1954م، وكان لأبنائها دور في الكفاح المسلح خلال فترة هذه الثورة، فقد كان أغلب المجاهدين في جيش التحرير من خريجي ومنتسبي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان «الكثير ممن قدموا حياتهم من أجل استقلال الجزائر هم من طلبة عبد الحميد بن باديس (الأب الروحي للجمعية)»، وفقاً لشهادة محمد ياحي، أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر، وبعض هؤلاء صاروا قادة في جيش التحرير، من أمثال العقيد محمد شعباني (1934-1964م)، قائد الناحية الثالثة (الصحراء)، كما كان لعلمائها دور في التحريض على الجهاد ضد المستعمر، من أمثال الشيخ الشهيد العربي التبسي (1895-1957م)، والشيخ محمد السعيد الزموشي (1904-1960م)، والشيخ أحمد حماني (1915-1998)، والشيخ عمار مطاطلة (1915-2015م)، داخل الجزائر، وفي مصر كان هناك الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (1889-1966م)، رئيس الجمعية خلفاً لابن باديس، والذي أعلن تأييده للثورة منذ انطلاقتها واعتبر التراجع عنها هو «الفناء الأبدي والذل السرمدي»، وكان بجانبه الفضيل الورتلاني (1900-1959م)، بل ومنهم من قاتل بالسلاح من أمثال الشيخ أحمد سحنون (1907-2003م)، وهو الكفاح الذي توج بنيل الاستقلال سنة 1962م، بعد تضحيات وجهود جبارة أدهشت العالم، وأجبرت السلطات الفرنسية المحتلة، التي كانت تعتبر الجزائر قطعة من فرنسا، أن تستيقظ من أحلام يقظتها، وأن تسلم بالأمر الواقع، وتقر صاغرة ذليلة بأن الجزائر ليست فرنسية، وذلك برغم المجازر الفظيعة التي ارتكبتها، والممارسات الوحشية التي قامت بها لوأد الثورة، إلا أن جمعية العلماء ظلت بعيدة عن القيادة السياسية للثورة، فهذه القيادة تولاها اليساريون والفرانكفونيون، للأسف، حيث أجبرت كل الأحزاب والمنظمات ومنها جمعية علماء المسلمين الجزائريين أن تحل نفسها، وأن ينضوي المنتسبون إليها إذا أرادوا المشاركة في الجهاد في جبهة التحرير الوطني العلمانية، ذات التوجه الماركسي، والثقافة الفرانكفونية، كأفراد حتى يسهل تذويبهم في هذا التنظيم الجديد.

خامساً: الاستقلال الضائع:

هكذا خرجت فرنسا من الجزائر بعد 132 عاماً من الاحتلال، بفضل تضحيات الشعب الجزائري المسلم، التي لم يعرف التاريخ لها مثيلاً. ولكن الفرحة لم تكتمل، فقد ظهر منذ الأيام الأولى للاستقلال أن الذي خرج من البلاد، هو الاستعمار العسكري فقط، أما الاستعمار بأشكاله الثقافية والسياسية والاقتصادية فظل قائماً، وكان يتوجب مواصلة الجهاد حتى يتم تطهير البلاد تماماً من مخلفات الاستعمار، ولكن فرنسا لم تعط الفرصة للشعب الجزائري لكي يلتقط أنفاسه، وبعد أن سكتت أصوات طائراتها ومدافعها لجأت إلى الحرب الناعمة، بل إنها كثفت من هذه الحرب التي كانت قد بدأتها منذ انطلاقة الثورة فقد عملت فرنسا بكل خبث ودهاء على اختراق جبهة التحرير، الواجهة السياسية لجيش التحرير الوطني، فزجت فيها بالعديد من الجزائريين الفرانكفونيين الموالين لها، فنجحت في إبعاد الإسلام، من منهج الجبهة، وبعد خروجها العسكري عام 1962م عملت على تسليم السلطة لمجموعة وجدة بقيادة هواري بومدين (1932-1978م)، رئيس أركان جيش الحدود، هذا الأخير الذي كانت قد دست فيه العديد من الضباط الجزائريين المتفرنسين[1]، وليس لجيش التحرير، الذي فجر الثورة، وعُرف بضرباته الصاعقة والموجعة للجيش الفرنسي، والذي كان أيضاً معظم المنتسبين إليه من أصحاب التوجه الإسلامي، وكان بومدين الذي صار وزيراً للدفاع في حكومة الاستقلال هو الماسك بزمام الأمور، في حين لم يكن بن بلا (1916-2012م) رئيس الجمهورية سوى واجهة، وبرغم ما كان بينهما من خلافات، فقد كانا متفقين على تبني النظام الاشتراكي للدولة الجديدة، مع تنحية الإسلام تماماً عن الشأن العام، ولذلك فقد تم منع جمعية العلماء من العودة لممارسة نشاطها، وفرضت الإقامة الجبرية على رئيسها الشيخ البشير الإبراهيمي، ثم لم يلبث الأول أن أطاح بالثاني سنة 1965م وحل محله، فدشن عهداً جديداً من الكبت والظلم والمطاردة ومصادرة الحريات، وأولها حرية الدعوة إلى الله، وعمل على تهميش من تبقى من ضباط جيش التحرير أو إبعادهم، وفضل عليهم الضباط الجزائريين المتفرنسين، ووكل هؤلاء بمهمة تدريب الجيش الجديد، كما عين بعضهم في مناصب حساسة بوزارة الدفاع. وامتازت فترة حكم بومدين بكثرة الشعارات التي تدغدغ عواطف الشعب، كالتعريب، والثورة الزراعية، والثورة الصناعية، ومكافحة الاستعمار، وقضية فلسطين، وعدم الانحياز، وغيرها، لكن النتائج على أرض الواقع كانت دائماً دون المستوى، إن لم تكن عكسية. فالنتائج التي ترتبت على جهوده في التعريب كانت محدودة، كما أن الكادر الإداري الذي كان جله من الإدارة الفرنسية السابقة، ظل هو المسيطر على الإدارة والتعليم والإعلام، بل إن التبعية الثقافية ترسخت أكثر، وهذا طبيعي، طالما الإسلام قد استبعد من مشروع بومدين، وطالما قد زج بالعلماء في السجون. والأخطر من ذلك هو اختراق ضباط فرنسا للجيش، وعند وفاة بومدين مسموماً في نهاية عام 1978م، كانوا قد صاروا رقماً صعباً في الجيش، ولذلك كان لهم بجانب قاصدي مرباح رئيس المخابرات، دور في تنصيب الشاذلي بن جديد (1929-2012م) رئيساً للبلاد خلفاً لبومدين، وفي عهد الشاذلي حصلوا على العديد من الترقيات، فسيطروا على الجيش سيطرة تامة، وصارت لهم الكلمة العليا في البلاد، وقد تجلى ذلك من خلال إيقاف سير الانتخابات التي فازت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية، وإجبار بن جديد على الاستقالة عام 1992م، وهو الانقلاب الذي لقي التأييد من قبل السياسيين والمثقفين الفرانكفونيين المتغلغلين في المرافق الحيوية للدولة، والذين وقفوا يصفقون لجنرالات فرنسا وهم يغرقون الشعب في حمام دم، ويدافعون عنهم في كل محفل، وهكذا ضاع الاستقلال، وعادت الجزائر إلى الحظيرة[2]، وبالمقابل فإن كفاح الشعب الجزائري المسلم مستمر، ولم يتوقف، ولن يتوقف، إلا بالتخلص من حزب فرنسا، واستعادة الهوية الإسلامية لجزائر الإسلام والعروبة.
[1] انظر مقالنا: بومدين وحلم ديجول في جزائر ما بعد الاستقلال، موقع مجلة البيان الإلكتروني، 4/3/2019م، رابط: (http://cutt.us/ykWpd ).
[2] تناولنا ذلك بتفصيل أوسع في مقال: ضباط فرنسا ومفارقات ثورة المليون شهيد، موقع مجلة البيان الإلكتروني، 12/3/2019م، رابط: (http://cutt.us/mEKtM ).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19-07-2020, 02:52 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,762
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات من الاستعمار ------------متجدد

صفحات من الاستعمار (2)
مؤتمر برلين الثاني.. الاستعمار الأوربي لإفريقيا

. أحمد الظرافي

بدأ الاستخراب[1] الأوروبي لإفريقيا، مع الاحتلال البرتغالي لمدينة سبتة عام 1415م، ثم اشتد مع وصولهم إلى سواحل غرب القارة في العقد الرابع من القرن الخامس عشر، وتدشينهم لأحقر تجارة عرفها التاريخ؛ ألا وهي تجارة العبيد، التي استمرت بكل ما فيها من عنصرية وبشاعة وقسوة واستهانة بالبشرية والآدمية، أكثر من أربعة قرون (من عام 1445 حتى عام 1870م)، وأدت إلى إخلاء مناطق واسعة في غرب القارة ووسطها من سكانها، وبخاصة المسلمين، الذين كان يتم خطفهم ثم شحنهم في ظروف بالغة القسوة، إلى المستعمرات الأوروبية، في الأمريكيتين، تعويضاً عن الهنود الحمر، الذين راحوا ضحية الإبادة الجماعية التي ارتكبها الرجل الأبيض هناك. وقد ظل الغزو الأوروبي الصليبي لإفريقيا متصلاً، ولم ينقطع طوال تلك المدة؛ إلا أنه حتى مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لم يكن يشمل سوى المناطق الشمالية، وبعض المناطق الغربية من القارة، وبخاصة السواحل.

أولاً: مرحلة التكالب الأوروبي على إفريقيا:

ويعتبر الربع الأخير من القرن التاسع عشر، هو فترة التكالب الأوروبي على إفريقيا؛ أي فترة السعي لاستباحة المناطق الداخلية من القارة الإفريقية، بالقوة العسكرية، والهيمنة عليها في كل المجالات: اقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً، وفكرياً، وثفافياً، وعلمياً، من قِبَل إمبراطوريات استخرابية أوروبية مختلفة، وذلك بعد أن كانوا قد سبروا أغوارها من خلال المستكشفين المغامرين والجواسيس، والبعثات التبشيرية، وبعثات الجمعيات الجغرافية، التي تم تأسيسها لهذا الغرض، وكانت تقارير أولئك المكتشفين والجواسيس وتلك البعثات والجمعيات، المرفوعة لدوائر صنع القرار الأوروبي، أو المنشورة في الصحافة الغربية، تؤكد على الثروات الهائلة التي تتمتع بها القارة، وما فيها من كنوز، وعلى الفرص المتاحة لاستغلالها، وتنصير أهلها، وكانت تلك التقارير والمقالات تحذر أيضاً من المد الإسلامي واسع النطاق في إفريقيا، وخطورة ترك الإسلام ينتشر في ربوعها بين الجماعات الوثنية في الغابات الاستوائية، وغيرها. وقد بدأ ذلك التكالب، مع انتهاء تجارة الرقيق، في منتصف القرن التاسع عشر، بعد أن كانت هذه التجارة الحقيرة، على مدى أكثر من أربعة قرون، قد أدت الغرض منها بالنسبة لمعظم الدول الرأسمالية الأوروبية، وصارت قيداً على زيادة التطور الرأسمالي، ومن ثَمَّ ظهور الحاجة إلى تنظيم الاستغلال المحلي للأراضي والعمل، وَفْقاً للاحتياجات الأوروبية الجديدة في العصر الإمبريالي، بعد الثورة الصناعية التي كانت تتطلب الحصول على المواد الخام، وعمالة رخيصة، وسوق لتصريف المنتجات الصناعية. ويلاحظ أن هذه الموجة الصليبية الاستخرابية الجديدة، قد ركزت في البداية على احتلال الأقاليم العربية الإسلامية من القارة؛ سواء في الشمال، أو الغرب، أو الشرق، لأن هذه الأقاليم كانت هي مركز الثقل، وقطب الرحى، ومنبع المقاومة، ومن ثَمَّ كانت هي القلعة الحصينة التي تحمي الأقاليم الداخلية من القارة، وبسقوطها ستسقط تلك الأقاليم، ولذلك فقد دشنت فرنسا هذه الموجة الصليبية الاستخرابية الجديدة، باحتلالها لتونس عام 1881م بعد أن كانت قد احتلت الجزائر عام 1830م، وتوغلت في غرب إفريقيا، ذات الأغلبية المسلمة عام 1870م، ثم باحتلال بريطانيا لمصر عام 1882م، وهو الاحتلال الذي أدى إلى إنهاء الوجود المصري في شرق إفريقيا، والسودان، وحلول الوجود البريطاني محله، وتحرك فرنسا من مستعمراتها في السنغال، جنوباً نحو أعالي النيجر في غرب إفريقيا، ردّاً على ذلك. وكان إنشاء (ليوبولد الثاني) ملك بلجيكا (1865 - 1909م) للمنظمة الإفريقية العالمية، ذات الأهداف الإنسانية المعلنة عام 1877م، وتطلعه لاستباحة الكونغو، ذات الموارد الهائلة في قلب القارة، كان ذلك قد أدى إلى إثارة غيرة وحسد كلٍّ من فرنسا وبريطانيا، أكبر إمبراطوريتين استخرابيتين صليبيتين آنذاك، الأمر الذي أدى إلى تحرك فرنسا للدخول في سباق مع بلجيكا، لاستباحة الكونغو... كما وقفت بريطانيا والبرتغال في وجه مشاريع بلجيكا في الكونغو، وهنا رأت الإمبراطورية الألمانية الصاعدة، أن لها الحق في نصيب من الغنيمة، فأسرعت باحتلال أجزاء واسعة من غرب إفريقية في أبريل 1884م، وإعلان حمايتها على أجزاء أخرى من القارة، وعلى رأسها الكاميرون، الأمر الذي أثار فزع ومخاوف إنجلترا، نتيجة لمزاحمة ألمانيا لها بعد فرنسا. وهكذا بدأت في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، موجة جديدة من الاستخراب الأوروبي تجتاح القارة الإفريقية التي صارت نهباً مستباحاً، والتي كان يُطلَق عليها، وقتذاك «أرض بلا صاحب» من قبل القوى الأوروبية.


ثانياً: انعقاد مؤتمر برلين الثاني وطبيعته:

وفي خضم ذلك التكالب الاستخرابي على إفريقيا، ولكي لا يتحول التنافس بين القوى الأوروبية عليها إلى حروب طاحنة تأكل الأخضر واليابس، كتلك التي صاحبت استخراب الأمريكيتين، دعا الزعيم الألماني بسمارك (1863 - 1890م) في حزيران عام 1884م لعقد مؤتمرٍ للدول الأوروبية، في برلين، لأجل وضع خريطة تقسيم القارة الإفريقية على الطاولة، وتقنين السباق الاستخرابي الأوروبي عليها، وتحديد لكل دولة من هذه الدول الاستخرابية حدود مستخرباتها الجديدة، أو بالأحرى، تحديد من الذي يستبيح هذا الجزء أو ذاك من قارة إفريقيا، وبحيث يكون للإمبراطورية الألمانية الصاعدة، نصيب من هذه الكعكة، ويكون لها وجود عسكري مباشر، تستطيع من خلاله حماية مصالح الرأسماليين الألمان، والبعثات التبشيرية الألمانية هناك، وقد بدأت بالظهـور في بعض مناطـق إفريقيا، كشـرق إفريقيا، وتوغو، والكاميرون قبل توحيد بسمارك لألمانيا عام 1870م، بجهود خاصة بذلتها الشركات التجارية الألمانية، والكنيسة البروتستانتية الألمانية. وقد انعقد المؤتمر[2] فعلاً في 15 تشرين الثاني 1884م، وشاركت فيه 13 دولة أوروبية هي: ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، والنمسا، والمجر، وبلجيكا، والدنمارك، والسويد، والنرويج، وإسبانيا، وهولندا، وإيطاليا، والبرتغال، كما حضرته الولايات المتحدة الأمريكية بصفة مراقب، وحضرته أيضاً الدولة العثمانية، كـ (ديكور) لإضفاء الطابع الدولي عليه، وقد اختارت كل دولة أوروبية، واحداً من الرأسماليين العتاة لديها، وأكثرهم دهاء، وجشعاً، وصفاقة، وتجرداً من المروءة والإنسانية، ليمثلها في هذا المؤتمر الغريب والفريد من نوعه؛ فقد كان أشبه باجتماع زعماء العصابات (المافيا)[3] لتوزيع الغنيمة من المواد المسروقة، التي اشتركوا في سرقتها معاً، وكل منهم يريد أن يكون نصيبه هو الأكبر من تلك الغنيمة، وأن لا تشمله القرعة، بل يترك له المجال، لكي يأخذ النوع الذي يشاء منها، مع الفارق الجوهري، وهو أن هؤلاء اللصوص (المتحضرين)، يتفاوضون علناً، وجهاراً نهاراً، حول استباحة قارة بأكملها، تزيد مساحتها عن مساحة قارة أوروبا كلِّها 10 مرات تقريباً، أنهارها وبحارها وجبالها وسماؤها وأرضها، وما في بطن هذه الأرض من موارد وثروات، مع تغييب كامل لمن عليها من بشر، وكأن هؤلاء البشر ليسوا موجودين على ظهرها، بل كأنهم ليسوا بشراً، إنما مجرد دواب تسير على الأرض، وليس لهم أحلام، ولا طموحات، ولا تاريخ، ولا ثقافات، ولا منظمات، ولا مؤسسات... والحقيقة أن هؤلاء البشر، كانوا جزءاً من الغنيمة، ولم تكتمل القسمة إلا بهم، لأنهم سيكونوا عمال سخرة، يستخدمهم الرجال البيض (سادتهم المتحضرون)، لاستنزاف موارد بلادهم، لزيادة أرباح حفنة من هؤلاء الرأسماليين البيض، ولكي يعملوا على رفاهيتهم، بطرق استغلالية بشعة بل متوحشة، كما سيكون لهم الحق في التصرف فيهم بيعاً، وقتلاً، واستعباداً، كما يشاؤون. ونتيجة لذلك، ونظراً لشراهة هؤلاء اللصوص (المتحضرين) وشهياتهم المفتوحة على الآخر للسلب والنهب، مع تعارض مصالح بلدانهم، فقد استمرت مداولات المؤتمر وقتاً طويلاً، وحدثت فيه حالات استقطاب، وتكتلات، ومفاوضات ثنائية وثلاثية ورباعية، حتى اختتم المؤتمر أعماله في 26 شباط 1885م، بعد حوالي 100 يوم، من بَدء انعقاده، وما كان المؤتمر ليستغرق هذه الفترة الطويلة، لو لم تكن الغنيمة ضخمة جداً. ولذا يعتبر هذا المؤتمر أطول وأغرب مؤتمر في التاريخ.

ثالثاً: قرارات مؤتمر برلين الثاني ونتائجه:

وقد جاء البيان الختامي لمؤتمر برلين الثاني في 38 مادة، تضمنت إقرار كل دولة أوروبية على ما تحت يدها من مستخربات في إفريقية، كانت قد استباحتها قبل انعقاد المؤتمر، كما أقر المؤتمر أن أي دولة أوروبية لها الأولوية في استباحة أي منطقة إفريقية كان لها أو لشركاتها التجارية أو لبعثات كنائسها التبشيرية، نفوذ عليها من قبل، واعترف المؤتمر بحق الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، في استباحة الكونغو التي أطلق عليها اسماً فضفاضاً، وهو «دولة الكونغو الحرة». وكانت الكونغو هذه وجبة دسمة حصل عليها هذا الملك الجشع، ومتحجر القلب، نظراً للثروات الهائلة التي تتمتع بها الكونغو، والتي تعادل مساحتُها مساحة غرب أوروبا كله، وتزيد عن مساحة بلجيكا البالغة 11878ميلاً مربعاً عشرات المرات. وقد حدث ذلك بعد أن حصل الملك ليوبولد على دعم أمريكا مقابل أن يترك باب الكونغو مفتوحاً أمام التجارة الأمريكية، ومنذ ذلك التاريخ بدأت المصالح الأمريكية في إفريقيا. وأعطى المؤتمر الدول الأوروبية الحق في استباحة أي جزء من القارة، لم يكن قد استبيح من قَبْل، من قِبَل أي دولة أوروبية أخرى، شريطة إعلام بقية الدول الأوروبية الموقِّعة على ميثاق المؤتمر بذلك، وهو ما هيَّأ الفرصة أمام ألمانيا لانتزاع المزيد من الأراضي الإفريقية. كما نص البيان الختامي للمؤتمر على حرية التجارة والملاحة في حوضَي نهري الكونغو والنيجر، مع التأكيد على الاستمرار في مكافحة تجارة الرقيق، إلى جانب العديد من المواد الأخرى، التي قصد منها إضفاء الطابع الإنساني المتحضر على الاحتلال.

وأخيراً وليس آخراً، اعترف المؤتمر لأول مرة بقوة محلية إفريقية هي الحبشة، لكونها مملكة نصرانية، وأعطاها الحق في استباحة أراضي الإمارات الإسلامية التي كانت تتركز على الساحل الإفريقي وقتذاك، والتي كانت تعرف بإمارات الطراز الإسلامي، وقد كان. وعلى إثر ذلك، ظهرت الحبشة قوةً إقليمية كبرى في المنطقة، وتم تحويل اسمها إلى (إثيوبيا)، وبخاصة على يد الإمبراطور منليك (1889 - 1913م) الذي بزغ نجمه بمساعدة الإمبراطوريات الأوروبية.

وبناء على ذلك، فقد سارعت الإمبراطوريات الأوروبية باستباحة باقي مناطق القارة الإفريقية، وبخاصة الإمبراطوريات الأربع العظمى، وقتذاك، وهي بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وانتهت هذه المرحلة باحتلال إيطاليا لليبيا عام 1911م، واحتلال فرنسا للمغرب عام 1912م. وهكذا صارت سبع دول أوروبية استخرابية، وهي: بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، والبرتغال، وإسبانيا، وبلجيكا (مساحتها مجتمعة 734000 ميل مربع)، تستبيح أكثر من 93% من الأراضي الإفريقية (مساحتها 11300000 ميل مربع )، أي ما يعادل 15 ضعفاً لمساحة تلك الدول مجتمعة، ولم يتبقَ بكل إفريقيا دول مستقلة، سوى الحبشة وليبيريا، وحتى هذه الأخيرة، كانت تحت الحماية الأمريكية غير المباشرة. وكان الجزء الأكبر، من القارة تحت سيطرة بريطانيا وفرنسا (حوالي 67%). وقد تمت عملية التقاسم هذه، طبقاً لمصالح القوى الاستخرابية الأوروبية، ودون أي اعتبار لمصالح، وأديان، وثقافات، ووحدة الشعوب والقبائل الإفريقية، هذه الشعوب والقبائل، التي دفعت ثمناً باهظاً لذلك الاحتلال، ثم أصبحت بعد الاستقلال المزعوم، تعاني من التمزق والتجزئة والصراعات الداخلية، وسوء التغذية، وضياع الهوية، وأعمال الإبادة الجماعية، التي ترتكب في كثير من أنحائها، وبخاصة ضد المسلمين، لتفريغ القارة منهم، وتلك الحدود المصطنعة، التي قسمت أبناء القبيلة الواحدة بين أكثر من وحدة سياسية.

رابعاً: مبررات الأوروبيين لاستخراب إفريقيا:

وقد استخدمت القوى الأوروبية الاستخرابية، العديد من الذرائع لتسويغ استباحتها للأقاليم الإفريقية، ونهب ثرواتها، وقهر واستعباد وإبادة الكثير من شعوبها. وعلى هذا الأساس انعقد مؤتمر برلين الثاني، فكل الدول الأوروبية الاستخرَابية، التي شاركت فيه، روجت حينذاك إلى أن الهدف من هذا الاجتماع إنساني، يتعلق بمكافحة تجارة الرقيق، وتعمير القارة الإفريقية، ونشر الحضارة فيها، وحفظ الأجناس البدائية في أنحائها، ورعاية مصالحهم، والعمل على ترقيتهم مادياً ومعنوياً، وكلها مسوغات زائفة؛ فلم يعرف الناس لهذا الاحتلال سوى الخراب والدمار. فقد زعمت بريطانيا العظمى التي كانت قد حظرت تجارة العبيد عام 1807م، أن إنهاء (تجارة الرقيق العربية)، هو سبب استباحتها لمناطق شرق إفريقيا المسلمة، مثل زنجبار وشمال الصومال وكينيا، كما أنها خصصت لمكافحة الرق أسطولاً حربياً ظل مرابطاً أمام سواحل غرب إفريقيا لمطاردة السفن التي تحمل العبيد، وبهذه الذريعة تمكنت بريطانيا من توطيد نفوذها في مناطق غرب إفريقيا أيضاً، وبخاصة في منطقة ساحل الذهب (غانا حالياً). وهذه الذريعة السخيفة نفسها (أي مكافحة الرق)، هي التي استخدمها ليوبولد الثاني ملك بلجيكا لاستباحة الكونغو، ولكي يفرض على شعبها (عملاً إجبارياً وعبودية حديثة)، إلى جانب رفعه لشعارات تثقيف الأفارقة المساكين، وتدريبهم على إدارة بلادهم، وإدخالهم في النصرانية، لدرجة أنه استضاف مؤتمراً دولياً لمناهضة العبودية، في بروكسل في تموز 1890م، وذكر التقرير الصادر عن هذا المؤتمر أن ثمة رغبة مؤكدة للقوى التي حضرت المؤتمر في أن تحمي الأجناس المحلية في إفريقيا من العبودية والاضطهاد. وقد رفعت ألمانيا صوتها عالياً في هذا المؤتمر: أن لا لتجارة العبيد، الأمر الذي جعل البريطانيين يثنون عليها، ويباركون دخولها في مجال الاستخراب العالمي، باعتبارها، كما جاء في التقرير، «شريكاً في العمل العظيم الخاص بتمدين الأجناس المتخلفة والوثنية، في الأرض الإفريقية». وقد زعم بعض الكتاب الفرنسيين، أن فرنسا لها رسالة إنسانية حضارية، وهي نشر المدنية والتحديث في الجهات غير المتحضرة، وإنقاذ إفريقيا التي يشتغل أبناؤها بتجارة العبيد، ويأكلون بعضهم بعضاً، ويقدمون الروح الإنسانية قرباناً لآلهتهم، ووصلت سخرية فرنسا بالشعوب التي استخربتها مع صدور قانون 23 شباط 2005م، الذي يمجد الاستعمار بوصفه (عملاً إيجابياً)! بل إن البرتغال - وهي بلد أوروبي فقير، ومتخلف، في العصر الإمبريالي، ولا تملك الإمكانيات الفنية لتطوير الصناعة والزراعة في مستخرَباتها - كانت تزعم، بكل وقاحة، أنها قادرة على تمدين الشعوب الإفريقية. وبلغت المغالطة بالأوروبيين المستخرِبين، الذين حققوا رفاهيتهم ورخاءهم على حساب مأساة الأفارقة، وتعاستهم، وشقائهم، وقامت حضارتهم المعاصرة على عظامهم وجماجمهم إلى حد القول: «إن (الاستعمار) جاء إلى إفريقيا بسبب احتياجات إفريقيا، أكثر مما هو بسبب احتياجات أوروبا». وقد ادعت بعض الدول الأوروبية كفرنسا وألمانيا أن (الاستعمار)، ضروري لها لإعادة توطين الفائض من سكانها، لكن ثبت زيف هذا الادعاء أيضاً؛ فعندما لم تجد هذه الدول من أبنائها من يرغب في أن يهاجر بمحض إرادته إلى تلك (المستعمرات)، عمدت إلى إرسال المجرمين المحكوم عليهم في قضايا جنائية إليها بدلاً منهم، ولم تكتف بإرسال المجرمين من رعاياها إلى تلك (المستعمرات)، وإنما أرسلت أيضاً المجرمين من رعايا دول أوروبية أخرى، وقامت باغتصاب الأراضي الزراعية الخصبة والثروة الحيوانية، التي يمتلكها السكان المحليون، وأعطتها لهم.

خامساً: الإسلام والاستخراب الأوروبي لإفريقيا:

لـم تتـم عمليـة اسـتباحة قـارة إفريقيـا بمعـزل عـن صراع الأوروبيين مع الإسلام، فغداة احتلال فرنسا للجزائر عام 1830م، خاطب شارل العاشر (1757 - 1836م) ملك فرنسا ملوك أوروبا في رسالة وجهها لهم قائلاً: «إن احتلال الجزائر هو لصالح النصرانية كلها». بل كان هذا السبب يأتي في مقدمة الأسباب بالنسبة لدول صليبية مثل البرتغال وإسبانيا، اللتين خاضتا حروباً دينية طويلة ضد المسلمين، في الأندلس، انتهت بسقوط الحكم الإسلامي، واقتلاع شجرة الإسلام من جذورها، من هناك، وبعد ذلك صار المسلمون هدفاً للمطاردة في كل مكان من قِبَلهما، وبخاصة في إفريقيا، وذلك أن الملكة الكاثوليكية المتعصبة إيزابيلا (1451 - 1504م)، حثت في وصيتها الكاثوليك على ضرورة غزو المغرب وتحويل أهله إلى الدين النصراني. وهذا هو السبب في احتلال مدينتي سبتة ومليلة في شمال المغرب، من قِبَل البرتغال وإسبانيا، وبقائهما تحت سيطرة الاستخراب الإسباني حتى اليوم.

وبعد مؤتمر برلين الثاني، وفي إطار حربهم الشرسة على الإسلام واللغة العربية قام المستخربون الأوروبيون، بفصل شرقي إفريقيا عن الجزيرة العربية، وفصل غرب إفريقيا عن المغرب العربي، وفصل جنوب السودان عن شماله، وتكاملت سياستهم في هذا المجال، وكل ذلك حتى يحدُّوا من نفوذ اللغة العربية في هذه البلدان، وحتى ينزعوا الإسلام عن الهوية الإفريقية.

وتظهر هذه القضية عندما نعلم أن معظم القادة العسكريين الذين قادوا الجيوش الأوروبية لاستباحة إفريقيا، كانوا من النصارى المتطرفين، من أمثال الجنرال (غوردون باشا) الذي لعب دوراً هاماً في تصفية الوجود العربي الإسلامي في جنوب السودان، والنقيب (ليوقارد) الذي قام بدور هام في تصفية الوجود العربي في نيجيريا، والرائد (مكدونالد) الذي لعب دوراً هاماً في تصفية الوجود العربي الإسلامي في أوغندا، وقد افتخر هذا الأخير، في كتابه (عشر سنوات في شرق إفريقيا) بأنه قدم للنصرانية أكبر عمل تبشيري، ألا وهو (اجتثاث) ما أسماه (الجرثومة العربية) أي الإسلام والمسلمين في أوغندا. وقد أزالت الدول الاستخرابية الأوروبية لإفريقيا دولاً وإمارات إسلامية بأسرها من غرب القارة، وشرقها، أبرزها دولة الخلافة الإسلامية في سكوتو في المنطقة المعروفة حالياً بـ (شمال نيجيريا)، التي كانت ثمرة للحركة الإصلاحية السلفية، التي قادها الشيخ عثمان بن فودي (1754 - 1817م)، والتي قضى عليها البريطانيون عام 1903م، بمعاونة فرنسا وألمانيا. وكان ذلك بعد معارك عنيفة، استمرت فترة طويلة؛ فقد كان المسلمون الأفارقة، هم من رفع راية المقاومة للتصدي للاستخراب الأوروبي لإفريقيا، ولكن المسلمين - سواء كانوا دولاً أو جماعات - هزموا في النهاية، نظراً للأسلحة الفتاكة التي كان يملكها المستخرِب الصليبي، مقابل الأسلحة البدائية التي واجهوه بها، وأيضاً نظراً لعدم قدرة الحكام المسلمين الأفارقة، على التوحد لمواجهة هذا التحدي المصيري؛ خاصة مع تطبيق المستخربين لسياسة فرق تسد، وضرب الشعوب الإفريقية بعضها ببعض، فأقامت الدول الأوروبية مستخرباتها في إفريقيا على أنقاض تلك الدول والإمارات الإسلامية، وغيرها. وبعد إزالة نفوذ المسلمين السياسي، شرعت تلك القوى الاستخرابية في الحرب المنظمة على اللغة العربية، لأنها لغة القرآن الكريم، ولغة الدعوة الإسلامية، واللغة التي يتحدث بها المسلمون الأفارقة، والتي أيضاً بحروفها تُكتَب أشهر اللغات الإفريقية، وهي اللغة السواحلية، ولغة الهوسا، ولا يمكن القضاء على الإسلام، إلا إذا تم القضاء عليها[4].











[1] استخدمت كلمة «الاستخراب»، بدلاً من كلمة «الاستعمار»، لأن الأولى تعبِّر عن المدلول الصحيح للاحتلال الأوروبي؛ فحيثما وجد هذا الاحتلال حل الخراب، فهو استخراب، وليس استعماراً، وصاحبه مستخرِب وليس مستعمِراً، والأرض التي يحتلها مستخرَبة وليست مستعمرَة، وأهلها مستخرَبين وليسوا مستعمرَين، لأنه يخرب بلدانهم ويخرب ثقافاتهم وأفكارهم وعقائدهم وحياتهم.

[2] أطلق على هذا المؤتمر اسم (مؤتمر برلين الثاني)، تمييزاً له عن مؤتمر برلين الأول، الذي عقد عام 1878م، لتقرير مصير دول البلقان، بعد هزيمة الدولة العثمانية، في الحرب ضد روسيا القيصرية، وهبوب رياح الانبعاث القومي في هذه البلدان.

[3] وبعد ذلك بحوالي 13 سنة، وتحديداً في عام 1897م، انعقد المؤتمر الصهيوني الأول، في سويسرا ، وقرر استباحة فلسطين بالطريقة نفسها، ولكن اليهود كانوا أذلَّ وأحقر وأجبن من أن يغزوا فلسطين بأنفسهم، ولذلك فقد استباحوها بعد أن امتطوا ظهور عبَّاد الصليب من الجنود البريطانيين وغيرهم.

[4] تناولت هذا الموضوع في مقال مستقل تحت عنوان (الاستعمار الأوروبي وسياسة اقتلاع العربية من إفريقيا السمراء)، منشور بموقع مجلة البيان في 7

- 4 - 2019م، رابطhttp://www.albayan.co.uk/Article2.aspx?id=6627 .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-07-2020, 03:33 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,762
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات من الاستعمار ------------متجدد


صفحات من الاستعمار (3)



غول فوق رأسه تاج: ملك بلجيكا واحتلال الكونغو

. أحمد الظرافي

بلجيكا دولة في غرب أوروبا، يحدها من الشمال والشمال الغربي هولندا وبحر الشمال، ومن الجنوب والجنوب الغربي فرنسا، ومن الشرق ألمانيا ولوكسمبورغ. ومساحتها لا تتعدى 11781 ميلاً مربعاً، وهي تاريخياً جزء من بلاد الغال التي سيطر عليها الفرنجة وأقاموا فيها دولتهم في أواخر القرن الخامس الميلادي. وبسبب موقعها بين عدد من الإمبراطوريات الأوروبية، كانت بلجيكا ساحة صراع بين تلك الإمبراطوريات في العصر الحديث، وخضعت للإمبراطوريات النمساوية، والإسبانية، والفرنسية، والهولندية. وأخيراً نالت استقلالها عن هولندا، واعترفت بها القوى الأوروبية مملكة دستورية عام 1830م.

أولاً: الملك ليوبولد الثاني وشهوة الاستعمار:
وقد ظلت بلجيكا قانعة بحدودها، ومعترفة بقدراتها وحجمها الصغير، ولم يكن لها أي طموحات توسعية أو استعمارية وراء البحار حتى تولى عرشها ثاني ملوكها، وهو ليوبولد الثاني (1835 - 1909م). فقد كان هذا الملك، على عكس والده، عظيمَ الطموح، واسعَ الأطماع، قوي الشخصية، حريصاً على إقحام بلجيكا في نادي الاستعمار الدولي على غرار إنجلترا وفرنسا، وقد عُرف عنه هذا الميول منذ أن كان أميراً وعضواً في مجلس الشيوخ، وبعد جولاته في العديد من بلدان العالم آنذاك، فقد كان ينعى على أعضاء مجلس الشيوخ البلجيكي نظرتهم الضيقة، ومحدودية طموحهم، ويدعوهم إلى (توسيع أفقهم إلى ما وراء البحار)، ويوضح لهم بحماس أن المسألة ليست مسألة قدرات أو إمكانيات، ولكنها مسألة جرأة وقوة قلب قبل كل شيء. ولكن آراءه لم تجد آذاناً صاغية لديهم، ولا حتى لدى رجال الأعمال البلجيكيين، وذلك لأسباب واقعية، وعملية؛ حيث إن بلجيكا كانت بلداً محايداً، ولم تكن تملك جيشاً مجهزاً، ولا أسطولاً بحرياً قوياً. ولذلك فإنه عندما جلس ليوبولد الثاني على العرش في عام 1865م وهو في سن الثلاثين من عمره، كان أول شيء فكر فيه هو انتزاع مستعمرة لبلاده خارج أوروبا، لدرجة أنه فكر في الصين في بداية الأمر، ثم عاد فرغب بفرموزا، ثم الفلبين. ولكن لم يتم له شيء من هذا، فصرف النظر عن آسيا وغيَّر وجهته إلى أمريكا اللاتينية، قبل أن يستقر تفكيره على إفريقيا، فهي (أرض بلا صاحب) طِبقاً لمزاعم الأوروبيين وقتذاك، وبخاصة بعد أن راحت قوافل البعثات التبشيرية، وفِرَق المستكشفين المغامرين تجوب أنحاء القارة، وتتحدث للصحافة الغربية ولدوائر صنع القرار في بلدانها عما تحتويه من موارد هائلة. ولعل هذه الفكرة قد تبلورت في دماغه بعد زيارته لمصر، ومشاركته في افتتاح قناة السويس عام 1869م بدعوة من الخديوي إسماعيل، ومن ثَمَّ اطلاعه عن كثب على شؤون القارة وعوامل ضعفها، وكيف أنها صارت نهباً مستباحاً للقوى الاستعمارية الأوروبية. ونظراً لضعف قوته العسكرية وعدم تأييد البرلمان البلجيكي لمشاريعه ومغامراته، فلم يجد الملك ليوبولد الثاني باباً ينفذ من خلاله إلى نادي الاستعمار الدولي ومن ثَمَّ تحقيق طموحاته وأطماعه التوسعية، أفضلَ من باب العمل الإنساني والخيري والعلمي. فقام في سنة 1876م بعقد المؤتمر الجغرافي العالمي الذي دعا إليه جغرافيي أوروبا وعلماءها، وانتهى هذا المؤتمر بإنشاء (الجمعية الدولية لكشف إفريقيا وإدخال الحضارة إليها)، وأعلنت الجمعية أن هدفها هو: إدخال الحضارة إلى إفريقيا من خلال إنهاء تجارة الرقيق غير المشروعة، واستبدالها بالتجارة المشروعة بالمواد الأولية الإفريقية، والبضائع الأوروبية المصنعة، ونشر النصرانية للأخذ بيد الإنسان الإفريقي (البدائي). أما الأهداف الحقيقية؛ فقد كانت انتزاع بقعة غنية يسيطر الملك ليوبولد الثاني على مقدراتها، وتضخ إيراداتها إلى خزينته الشخصية. وباشرت الجمعية العمل من فورها، فأرسلت بعثتين إلى إفريقيا: أولاهما إلى شرق القارة في عام 1877م، وثانيتهما إلى أواسط القارة بعد عامين. وفي غضون ذلك عاد الصحفي والمستكشف والمبشر الإنجليزي الأمريكي الأصل هنري مورتون ستانلي (1841 - 1904م) بعد رحلة قام بها إلى أواسط إفريقيا، معلناً خبر اكتشافه لحوض نهر الكونغو، الذي لم يكن الأوروبيون قد اكتشفوه حتى ذلك الوقت، وانتشر الخبر في العواصم الأوروبية وفي أمريكا، بعد أن نشرت صحيفة الديلي تلغراف عام 1877م تقريره المشهور عن الإمكانات والثروات الطبيعية الهائلة في المنطقة: كالمطاط، والعاج، وزيت النخيل، والفول السوداني، وهو التقرير الذي اختتمه بقوله: «إن الدولة التي ستسيطر على مجرى النهر، ستسيطر تلقائياً على تجارة أغنى المناطق في إفريقيا».
ثانياً: خطة الملك ليوبولد للسيطرة على الكونغو:
ولكن رغم ذلك، فقد رفضت الدولة الاستعمارية التي ينتمي إليها المستكشف والمبشر ستانلي (إنجلترا) أن تعلن الحماية على حوض نهر الكونغو كما كان يريد؛ وذلك لعدم ثقتها به، كما لم تقم أي دولة استعمارية أخرى بالتجاوب مع اكتشافات ستانلي في الكونغو، ولذلك فقد بادر بعرض خدماته على ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، الذي لم تفته تلك الإشارة التي وردت في تقرير ستانلي، ولذلك لم يتردد لحظة واحدة في قبول العرض. وقيل إن الملك ليوبولد الثاني هو الذي استدعى ستانلي إلى بروكسل، واجتمع به في قصره سنة 1878م، وأفصح له عن مشروعاته التي ينوي القيام بها في الكونغو، فأبدى ستانلي حماسه واستعداده، لدعم تلك المشروعات. وأيّاً كان الأمر، فإنه علـى إثر ذلك تعاقـد الملك ليوبولد الثاني مع ستانلي باسم الجمعية، بعد أن غيَّر اسمها إلى (جمعية الكونغو الدولية)، بأجرٍ قدره ثلاثمئة ألف دولار في العام، ثم لم يلبث أن بعث به إلى الكونغو لاكتشافها بصفته وكيلاً للجمعية. وبعد رحلتين استكشافيتين قام بهما ستانلي في أدغال الكونغو، استغرقتا خمس سنوات (1879 - 1884م) تمكن من إنشاء 22 محطة تجارية على نهر الكونغو وفروعه، كما نجح في عقد450 اتفاقية مع السلاطين المحليين في الكونغو، وافقوا فيها على وضع مناطق نفوذهم تحت حماية الجمعية، مقابل بعض الإغراءات التافهة، التي لم تكن تتعدى قطعة من الثياب شهرياً، وقطعة أخرى هدية عند توقيع العقد، دون أن يدرك أولئك السلاطين الأميون أن تلك الاتفاقية تعني استعبادهم في القانون القائم على قيم ومفاهيم الحضارة الغربية المادية. حدث كل ذلك والملك ليوبولد الثاني ما يزال يردد بأن أهدافه في إفريقيا إنسانية ونبيلة، وهي محاربة العبودية، وتثقيف الأفارقة، وتنصيرهم، وترقيتهم مادياً ومعنوياً، وتدريبهم على إدارة بلادهم، باعتبار ذلك واجباً نصرانياً، ومن دون أي مقابل مادي، ولم يسوِّق ذلك في الصحف المحلية البلجيكية فقط؛ وإنما فعل ذلك أيضاً في كبريات الصحف العالمية المشهورة آنذاك في أمريكا وإنجلترا، حتى وصفه أحد الصحفيين الأمريكيين بـ (الملك الحكيم) بناء على المعطيات التي سمعها منه أثناء مقابلته معه. بَيْد أن ذلك لم يكن لينطلي على الدول الأوروبية الاستعمارية الأخرى، الخبيرة بأساليب وألاعيب الاستعمار الشيطانية، ولذلك فقد فطنت إلى مرامي الملك ليوبولد الثاني ونواياه في الحصول على هذه الكعكة الشهية، وهي الكونغو، واستئثاره بها دونها، ولذلك فقد سارعت كلٌّ من البرتغال وإنجلترا إلى تعزيز وجودهما في الكونغو، والوقوف في وجه مخططات ملك بلجيكا، مدعيتين أنهما الأحق بهذه الغنيمة من بلجيكا الدخيلة على القارة، والطارئة على الاستعمار، في حين سارعت فرنسا بإرسال ممثليها إلى الكونغو لتوقيع اتفاقيات حماية مع سلاطينها المحليين، على غرار ما فعله ستانلي مندوب الملك ليوبولد الثاني، كما سارعت تلك الدول للسيطرة على أجزاء أخرى من القارة، فسيطرت فرنسا على تونس عام 1881م، وسيطرت بريطانيا على مصر في عام 1882م، وأعلنت حمايتها على الصومال عام 1884م، ولم تلبث ألمانيا أن حذت حذو تلك الدول وأعلنت أجزاءً من الكونغو محمية ألمانية، إلى جانب إقامتها لعدد من المستعمرات في شرق القارة وجنوبي غربها. وبدا أن القارة الإفريقية مقبلة على حرب مدمرة تأكل الأخضر واليابس بين تلك القوى الأوروبية الاستعمارية، نظراً للموارد الهائلة التي كانت تتمتع بها الكونغو بشكل خاص وإفريقيا بشكل عام، والتي يسيل لها لعاب كل دولة استعمارية، في وقت دخلت فيه تلك القوى الاستعمارية الأوروبية عصر التصنيع، أو الثورة الصناعية، بعد أن كانت وقفاً على إنجلترا فقط.
ثالثاً: مؤتمر برلين وإقرار الاستخراب البلجيكي للكونغو:
ولنزع فتيل تلك الحرب التي قد تَحدُث نتيجة لذلك المد الاستعماري السريع والكاسح من قبل القوى الأوروبية الاستعمارية على إفريقيا، في وقت وصلت فيه تلك الدول إلى ذروة قوتها العسكرية، فقد بادر الزعيم الألماني بسمارك في يونيو عام 1884م بالدعوة إلى مؤتمر في برلين، لوضع مسألة اقتسام قارة إفريقيا على الطاولة، وللاتفاق على قواعد جديدة للعبة، تلتزم بها كل الدول الاستعمارية، وتضمن تحقيق مصالحها جميعاً. وهكذا عقد مؤتمر برلين الثاني في (1884 - 1885م) بحضور ممثلين مفوضين بمطلق الصلاحيات من جميع الدول الأوروبية، عدا سويسرا ودول البلقان، كما حضرته أمريكا، بصفة مراقب، وفي هذا المؤتمر أجاد الملك ليوبولد الثاني العزف على وتر التناقضات الموجودة بين القوى الاستعمارية الكبرى، وبخاصة إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وأمريكا، كما كان قبل انعقاد المؤتمر قد أمَّن ما يحتاجه من دعم دبلوماسي لمشروعه لدى حكومات تلك الدول عن طريق خبراء العلاقات العامة الذين جندهم للعمل لصالحه، ولذلك فقد ظفر الملك ليوبولد ببغيته، وخرج من المؤتمر بما كان يريد من الغنيمة، وهي الكونغو. واعترفت له بذلك كلٌّ من أمريكا، وفرنسا، وألمانيا، نكاية بإنجلترا التي لم يكن يحد مطامعها حدود. واشترط المؤتمر أن تصبح التجارة في المستعمرة حرة ومفتوحة أمام استثمارات الرأسماليين من جميع القوميات، وأن تتولى بلجيكا حماية البعثات التبشيرية من مختلف الكنائس النصرانية، كما اتفقت على حرية الملاحة في حوضَي نهر الكونغو ونهر الزمبيزي. ولذلك فقد أطلق الملك ليوبولد الثاني على هذه المستعمرة أثناء المؤتمر اسم (دولة الكونغو الحرة). وكلمة (حرة) هنا إنما تعني حرية الشركات الأوروبية في نهب موارد هذه المنطقة. واتفق الحاضرون أنه في حالة نشوب حرب بين الدول الأوروبية، فيصبح حوض نهر الكونغو محايداً. ونظراً لكون قضية الكونغو كانت قضية أساسية في هذا المؤتمر، فقد عُرف باسم (مؤتمر الكونغو)، كما عرف أيضاً باسم (مؤتمر برلين غرب إفريقيا)، لأن هذا القسم من القارة كان أكثر أجزاء القارة تقسيماً وتفتيتاً. وهكذا أُعلنت دولة الكونغو الحرة دولةً إفريقية مستقلة ذات سيادة، تقوم على إدارتها جمعية الكونغو الدولية التي يرأسها الملك ليوبولد الثاني (ملك بلجيكا) ولها علم خاص، كان عبارة عن قطعة من القماش الأزرق في وسطها نجمة ذهبية. وقد لعب التاجر والرحالة العربي العماني حميد المرجبي (1840 - 1905م) الشهير باسم (تيبوتيب) دوراً مهمّاً في مساعدة ستانلي في إرساء أسس وقواعد دولة الكنغو الحرة، وخاصة بعد أن تم اختياره (أي المرجبي) حاكماً عاماً على الكنغو من قبل البلجيكيين سنة 1877م، بعد أن فقد سنده الأكبر المتمثل في سلطنة زنجبار، التي وقعت تحت الحماية البريطانية بعد مؤتمر برلين، وبشرط أن يكون إلى جانبه موظف بلجيكي للقيام بالاتصالات الخارجية. ويعترف المرجبي بذلك الدور دون خجل؛ إذ يذكر في مذكراته (أن البلجيكيين انتدبوه لبسط نفوذهم على الكونجو، فزرع راياتهم في كل شبر من تلك الأرض). ومع ذلك فإن البلجيكيين لم يلبثوا أن عزلوه من وظيفته، واستولوا على تجارته ومراكزه، وقضوا على حركة أنصاره، بعد أن ترك الكنغو وعاد إلى جزيرة زنجبار التي مات فيها عام 1905م، وخلصت الكنغو للملك ليوبولد الثاني، وللشركات الأوربية الاستغلالية، والبعثات التبشيرية، فباشرت هذه الأطراف بتصفية الوجود العربي الإسلامي في المنطقة، وهكذا تلاشت اللغة العربية من الكونغو، لأن وجودها - أساساً - كان مرتبطاً بتجارة أولئك التجار العرب العمانيين، ولم تكن مرتبطة بالدين كما في المناطق الأخرى من القارة. هكذا صارت الكونغو - وهي أكبر وأغنى مناطق إفريقيا - تحت الهيمنة الشخصية للملك ليوبولـــد الثاني، ملك بلجيكا.
رابعاً: بشاعة الاستخراب البلجيكي للكونغو:
ولما كان تحقيق الربح، هو هدفه الوحيد، فقد أصدر الملك ليبولد الثاني عدداً من القوانين جعلت الكونغو بمثابة ضيعة تُستثمر مواردها لحسابه الخاص، وعزلتها عما يجاورها من البلدان الإفريقية، وصار يتصرف في سكانها كما يشاء: قتلاً، واستعباداً، وتعذيباً، وتشغيلاً، دون رقيب، وضرب عرض الحائط بتلك المبادئ السامية التي كان يرددها من قبل، وبدأت في عهده السخرة على نطاق واسع ووحشي في الكونغو، حيث استخدم هذا الملك الجشع، متحجر القلب لإدارة هذه الشركة الخاصة قوةً خاصة من الوكلاء المنحطين اجتماعياً وأخلاقياً، لجمع العاج والمطاط من أدغال المنطقة، وكان هؤلاء الوكلاء أشبه بزعماء عصابات؛ فلم يكونوا يحتكمون إلى أي نظام أو قانون، وكانت تتبعهم جحافل جرارة من الكونغوليين، تحت قيادة ضباط بلجيكيين، ولذلك فقد ارتكبوا أبشع الفظائع التي شهدها تاريخ الاستعمار، ومارسوا أسوأ أنواع الاستخرب والاستغلال، وأكثرها وحشية ودموية، وأشدها إمعاناً في القهر والإذلال، والتي تتضمن إدخال السكان في العبودية، لأجل توفير الأيدي العاملة التي تجمع المطاط والعاج، حيث كان المطاط سلعة نادرة ومطلوبة جداً كالذهب، لأنه كان يصدَّر نحو مصانع السيارات في أوروبا لاستخدامه في صناعة العجلات، وكانت دولة الكونغو الحرة التي تشكل الغابات 80% من أراضيها هي مصدره الوحيد آنذاك. وقد حدد أولئك الوكـلاء كميـة معينـة من المطـاط لكل فرد من الكونغوليين لا بد أن يأتي بها يومياً، ومن لم يكن يستوفي حصته، يتم قطع إحدى يديه، وإذا أخفق مرة أخرى، فتقطع يده الثانية، وليس وراء ذلك سوى القتل، كما كانوا يخطفون أبناء العمال لضمان تفانيهم في العمل، وقطع أيدي أولئك الأبناء عند تقاعس أهاليهم عن العمل أو استخدام أولئك الأطفال طعماً للتماسيح أو الأسود أحياناً، حتى صارت الكونغو تسمى (أرض الأيادي المقطوعة)، لكثرة من قطِّعت أيديهم من الرجال والأطفال، وكان كل من توجد عنده كمية من المطاط أو العاج، يعد سارقاً، وتوقع عليه أقصى العقوبات، لأن كل شيء في المنطقة كان مملوكاً لملك بلجيكا، حتى الهواء الذي يتنفسه الكونغوليون. وكانت تلك العصابات الإجرامية، تقوم بمهاجمة قرى القبائل الكونغولية وحرقها، لإجبار زعماء القبائل على توفير الأيادي العاملة، كما كان يتم أخذ نسائهم رهائن، لنفس الغرض، وكان الجنود البلجيكيون يمتطون ظهور أولئك العمال المستعبدين أثناء تنقلاتهم كالحمير، وكانوا يتعرضون من قِبَلهم للضرب المبرح بالسياط حتى الموت أحياناً، ومن ينجو من الموت فقد يصاب بالعجز من شدة الضرب، مع ما كان يصاحب ذلك من اغتصاب للنساء من قبل الجنود البلجيكيين. وتم إعدام عدد هائل من الكونغوليين غير القادرين على العمل، خاصة الشيوخ والأطفال، ناهيك عمَّن هلكوا نتيجة المجاعات وانتشار الأوبئة الفتاكة، نتيجة لانتشار الزنا في المستعمرة على أيدي الجنـود البلجيكيين والأوروبيين. أما رئيـس القبيلـة المرضي عنه فكان يمنح ميدالية عليها صورة الملك ليوبولد الثاني، وخلف الصورة كلمتا (ولاء، وإخلاص). ومن دماء وعرق الكونغوليين الأبرياء وعلى حساب آلامهم وأنَّاتهم ومأساتهم الإنسانية المروعة، حصد الملك ليوبولد ثروة طائلة قدرت بأكثر من مليار دولار (بقيمة دولار اليوم) بين عامَي (1885 - 1908)، وهو العام الذي صدر فيه قرار البرلمان البلجيكي بإلغاء دولة الكونغو الحرة، واعتبارها مستعمرة بلجيكية تديرها الحكومة[1]، على أن الملك ليوبولد أنفق أغلب تلك الثروة الطائلة على عشيقته الفرنسية المدللة كارولين، وبنى منها قصراً في بروكسل لعرض جماجم الأفارقة التي كان يتلذذ بمشاهدتها، لكنه بالمقابل باء باللعنات الأبدية، والسمعة بالغة الشناعة، وصار اسمه مرتبطاً بأكابر الطغاة السفاحين الدمويين، في التاريخ المعاصر، مثل ستالين، وهتلر، وموسوليني، وتشرشل، وروزفلت، وماو، وديغول.
خامساً: ما وراء نشر فظائع الملك ليوبولد:
على أن هناك نقطة مهمة ينبغي عدم إغفالها، ونحن بصدد الحديث عن فظائع وفضائح الملك ليوبولد الثاني (ملك بلجيكا) في الكونغو، وهي أن الصحافة الأمريكية والبريطانية، هي التي أماطت اللثام عن تلك الفظائع والفضائح، ونشرت غسيله القذر في الكونغو في مطلع القرن العشرين، وصورته على شكل غول فوق رأسه تاج، ونسبت إليه قوله: «نيرون قديس بالمقارنة معي، إنني غول لا يتلذذ إلا بتعذيب الأفارقة الزنوج». ولم يكن ذلك لأجل أولئك الكونغوليين المطحونين، أو من باب نشر الحقيقة للرأي العام، ولكن لأجل ابتزاز الملك ليوبولد الثاني، ولإجباره على إفساح المجال للشركات الأمريكية والبريطانية، لكي تشارك في نهب موارد الكونغو، وليكون لها نصيب من تلك الكعكة الشهية، التي استأثر بها هذا الملك كلها وحده، وهو ما يتعارض مع قرارات مؤتمر برلين. ومن المواضيع التي أثارتها تلك الصحافة، هي أن الملك ليوبولد الثاني لا يحارب تجارة الرقيق في الكونغو كما يدعي، ولكنه يمارسها، ومن هنا فقد انتشرت أخبار جرائمه وفضائحه في الكونغو في أنحاء أمريكا وأوروبا، حتى صار اسمه مقترناً بالوجه البشع والكالح للاستعمار الأوروبي لإفريقيا، وحتى صار هذا الاسم يحمل الجزء الأكبر من أوزار وتبعات ذلك الاستعمار. وقد راق ذلك لحكومات الدول الأوروبية الاستعمارية، وعلى رأسها حكومة بريطانيا، التي أثارت تلك الأخبار في مجلس العموم عام 1903م، للغرض الرخيص نفسه، وهو الابتزاز، ولأن تلطيخ وجه ليوبولد الثاني ملك بلجيكا بالوحل على ذلك النحو البشع والمقزز، يخفف من وطأة الجرائم والفظائع التي ارتكبتها في مستعمراتها في إفريقية، وأيضاً يحد من الاسترسال في الحديث عن تلك الجرائم والفظائع، وربما أيضاُ يُحسِّن من صورتها - على الأقل - أمام شعوبها المغيبة أساساً عن عالم الواقع، وأيضاً أمام الحكومات البلهاء للدول الإفريقية المنكوبة والمنهوبة. ولهذا السبب ربما صار هناك طوفان من الأخبار حول جرائم الملك ليوبولد الثاني في إفريقيا، وصار ذكر الاستعمار الأوروبي لإفريقيا يستدعي إلى الذاكرة مباشرة اسم هذا الملك واستعماره للكونغو، ومن جهة أخرى صار هذا الملك شماعة لجرائم المستعمرين الأوروبيين لإفريقيا، في حين لا نعرف إلا القليل عن جرائم وفظائع الاستعمار البرتغالي، والهولندي، والفرنسي، والبريطاني، والإيطالي، والإسباني، والألماني، وخاصة بحق المسلمين. ونحن إذا ما غضضنا الطرف عن عقوبة قطع الأيدي والأرجل التي كان يطبقها زبانية الملك ليوبولد بحق الكونغوليين، وما فيها من بشاعة وشناعة؛ فسنجد أن الملك ليوبولد الثاني، يعدُّ تلميذاً للسفاحين الفرنسيين في الجزائر، والسفاحين الإنجليز في الهند، والسفاحين الإيطاليين في ليبيا، والسفاحين البرتغاليين في موزمبيق، والسفاحين الإسبان في أمريكا اللاتينية والفلبين، والسفاحين الألمان في الكاميرون وتوغو، والسفاحين الهولنديين في جنوب إفريقيا والملايو. والسفاحون الفرنسيون بالذات، فهم أكبر السفاحين الاستعماريين على الإطلاق، وجرائمهم وفظائعهم وممارساتهم القذرة في الجزائر تشمئز منها الوحوش، وأسماك القرش، والتماسيح المفترسة، ولم يتم كشفها كلها بعد. وهذا ليس دفاعاً عن ملك بلجيكا، ولكن حتى لا يخدعنا إعلام عتاة المستعمرين، وعلى رأسهم الإنجليز، والفرنسيون، والأمريكان، الذين فعلوا الأفاعيل بهذه الأمة، وحتى لا يوجه أنظارنا إلى اتجاه آخر غير اتجاههم، فنكون كما قال المثل: «ترك الحمار وأمسك بالبردعة». وهؤلاء - بالمناسبة - شركاء في جرائم الملك ليوبولد في الكونغو، كونهم هم الذين منحوه هذا البلد إقطاعية بدعوى أنها «أرض بلا صاحب»، كما منحوا الكيان الصهيوني فلسطين في ما بعد بدعوى أنها «أرض بلا شعب»، دون أن يكون لهما حبة رمل واحدة فيهما، فهم من ثَمَّ شركاء أيضاً في الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وفي جرائم هذا الكيان اللقيط، ضد الفلسطينيين.



[1] ومع ذلك، فلم تختف الفظائع وأساليب النهب الوحشية، وكل ما هنالك، هو تغير أسلوب الاستعمار، من استعمار تديره عصابات منحطة باسم الملك إلى استعمار منظم تديره وزارة المستعمرات. وكانت بلجيكا عالة على الكونغو، فكانت تمول كل نفقاتها من امتصاص دماء وعرق الكونغوليين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم يوم أمس, 04:20 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,762
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات من الاستعمار ------------متجدد

صفحات من الاستعمار (4)

مواجهة عسكرية بين المسلمين والفرنجة

. أحمد الظرافي

هذه قصة وقعة حربية بين المسلمين والفرنجة، وقعت في سهول جنوب غرب فرنسا، في مطلع عهد الخليفة يزيد بن عبد الملك (101-105هـ)، قبل معركة بلاط الشهداء الشهيرة باثني عشر عاماً، ولم تأخذ حظها من التأريخ. ويأتي هذا المقال لتسليط الضوء على هذه المعركة، وملابساتها، وأحداثها، ونتائجها، وفيما يلي نبدأ القصة من أولها:

أولاً: الجهاد وراء جبال البرت بعد فتح الأندلس:

بعد استكمال فتح الأندلس سنة 95هـ/ 714م، تطلع القائد الكبير موسى بن نصير لعبور جبال البيرينية، التي تفصل بين إسبانيا وفرنسا، والتي تتخللها ممرات تصل بين البلدين، تسمى البُرتَات أو الأبواب، بتعريب التسمية، وذلك لفتح ما وراءها من بلاد، وهي البلاد التي كان المسلمون يطلقون أعليها آنذاك اسم «الأرض الكبيرة»، والتي تشمل بلاد الغال، أو الغول، أو غالة، والواقعة في الشمال الشرقي من الأندلس، خلف جبال البيرينية مباشرة، والتي عرفت أيضاً باسم «بلاد الفرنجة» آنذاك، قبل أن يتحول اسمها إلى فرنسا بعد ذلك بنحو ثلاثة قرون. وكان هذا القائد يطمح إلى افتتاح روما عاصمة العالم الكاثوليكي ومقر البابوية، وغير ذلك من بلدان غرب أوربا، ثم الانطلاق منها شرقاً لفتح القسطنطينية، بعد أن استعصت على جيوش الإسلام التي غزتها من ناحية الشرق، والعبور منها إلى دمشق عاصمة الخلافة الأموية. بيد أن استدعاء الخليفة الوليد بن عبد الملك (86-96هـ)، له للعودة إلى دمشق ومسارعته لتنفيذ هذه الدعوة في آخر عام 95هـ حال دون تنفيذ هذا المشروع الضخم، كما أنه على إثر ذلك، توقفت الفتوحات فيما وراء جبال البرت حتى حين. فقد انشغل ابنه والوالي من بعده، عبد العزيز، بتوطيد الفتح في شبه الجزيرة الأيبيرية، قبل أن يقتل من خلال مؤامرة دبرها له كبار الجند، ولم يكن قد أكمل السنتين من ولايته، فخلفه ابن عمته أيوب بن حبيب اللخمي (رجب 97 - ذو الحجة 97هـ)، والذي انطفأ نجمه بعد خمسة أشهر فقط من ولايته، فحل محله الحر بن عبد الرحمن الثقفي (ذو الحجة 97 - رمضان 100هـ)، واقتصرت أعمال هذا الوالي على نقل مقر ولاية الأندلس من أشبيلية إلى قرطبة، واختطاط قصر قرطبة الكبير مقاماً للعمال من ذلك الحين، ثم لم يلبث أن عزله الخليفة عمر بن عبد العزيز (صفر 99 - 101هـ) في منتصف سنة 100هـ، لقسوته وصرامته واضطراب النظام في عهده، وعين محله السمح بن مالك الخولاني لما خبره منه من أمانة وديانة، وفصل الأندلس عن ولاية إفريقية، وجعلها ولاية مستقلة تتبع الخلافة مباشرة، وذلك اعتناء بها واهتماماً بشأنها، وأمر السمح أن يستكمل تخميس أرض الأندلس، وأن يكتب له بصفة الأندلس، وبحرها، وأنهارها، وهيئة مجازها، فدخل السمح الأندلس في رمضان سنة 100هـ، وفعل ما أمره به الخليفة عمر بن عبد العزيز، وقام بترميم الأجزاء المتخربة من سور قرطبة، كما أنه بنى القنطرة على نهر الوادي الكبير. وكان السمح بن مالك من أفضل الولاة الذين تولوا أمر الأندلس، وكان رجلاً عظيم الإيمان والحماس، كما كان من خيار أهل زمانه ثقة وعدالة، وفي عهده تجددت حركة الفتوح فيما وراء جبال البرت، بصورة جدية ومنظمة، وهي الفتوحات التي استمرت لأكثر من عشرين عاماً بعد ذلك.

ثانيا: حملة السمح بن مالك على غالة:

في رمضان سنة 102هـ خرج السمح بن مالك أمير الأندلس على رأس حملة عسكرية، واخترق جبال البيرينية من جهة الشرق، أي من الممر الساحلي التقليدي، أو ممر قطالونيا، في ناحية برشلونة على البحر المتوسط، وأفضى إلى أراضي مقاطعة سبتمانيا، الواقعة فيما وراء السفوح الشمالية الشرقية لجبال البرت في جنوب شرقي فرنسا، وتمكن من فتح المدينة المهمة نربونة عاصمة المقاطعة، ومعظم مدن هذه المقاطعة، وكانت سبتمانيا حينذاك تابعة للقوط الغربيين في إسبانيا، برغم الحاجز الجبلي بينهما، ولم تكن تابعة للدولة الفرنجية (فرنسا)، برغم أنها جغرافياً وطبيعياً جزء منها، وهي شريط من الأرض يمتد بمحاذاة ساحل البحر المتوسط جنوبي فرنسا، من جبال البرتات حتى مصب نهر الرون. وقد أقام السمح بن مالك حكومة إسلامية في هذه المقاطعة واتخذ نربونة عاصمة لها، بعد أن قام بتحصينها وشحنها بالمؤن والمقاتلين، حتى تصد غارات من يهاجمها. وكانت غالة آنذاك مقسمة إلى عدد من المقاطعات أهمها: دوقية أكيتانية، التي يسميها المؤرخون العرب «أقطانية»، أو «أكيطانية، الواقعة في جنوب غرب فرنسا، بين نهر اللوار شمالاً، ونهر الجارون جنوباً، ونهر الرون شرقاً وخليج بسكاي غرباً، ثم مقاطعة بروفانس في شمال سبتمانيا الشرقي، وعاصمتها أبنيون، على نهر الرون، وإلى الغرب من هذا النهر تقع مقاطعة برغندية، وعاصمتها ليون، وكانت المنطقة الواقعة في شمال أقطانية بعد نهر اللوار خاضعة للدولة الميروفنجية، وعاصمتها باريس. أما فرنسا كاصطلاح جغرافي لم تكن قد وجدت بعد ككتلة واحدة أو كوحدة سياسية، وكذلك لم تكن قد تكونت بعد اللغة الفرنسية آنذاك، ولكن جذور فرنسا المستقلة كانت قد وضعت وهيئت الأسباب والعوامل لنشوء الأمة الفرنسية. واختار السمح بن مالك بعد أن استكمل فتح سبتمانيا التوجه إلى فتح دوقية أقطانية، وكانت تمثل مركز الثقل لدى الفرنجة، بعد المملكة الفرنجية الواقعة في شمالها، وكانت أقطانية من أغنى الدوقيات وأوسعها في حوض نهر الجارون في جنوبي غالة، واشتهرت بخصوبة أرضها، وبوفرة إنتاجها من القمح والفاكهة، كما اشتهرت بكثرة مياهها وأنهارها، التي تتغذى من ذوبان الثلوج، ومن ذلك اشتق اسمها «أكيتانية»، والذي يعني باللاتينية «بلاد المياه»، وفيها المدن الشهيرة، تولوز، وبواتييه، وبوردو (أكبر مدن الإقليم حينذاك)، وكان أدواق هذه المقاطعة يطمحون دائماً إلى الاستقلال عن المملكة الفرنجية، ربما منذ الربع الأخير من القرن السابع، وكان سيدها حينذاك هو الدوق أودو أو أوديس، وكانت قاعد حكمه هي بوردو، على مصب نهر الجارون، في جنوب غربي فرنسا، على بعد 96كم من المحيط الأطلسي.

والمهم أن السمح بن مالك زحف على رأس جيشه، شمالاً بغرب، لغزو دوقية أقطانية، فعبر نهر الجارون لفتح مدينة طولوشة (تولوز)، بوابة الدخول إلى هذه المقاطعة، ولكن أهلها أغلقوا أبوابها دونه، ففرض الحصار عليها، وبدأت محاولات المسلمين لاقتحامها. وعند ذلك تحرك الدوق أودو لإنقاذ هذه المدينة المحاصرة قبل أن تسقط في أيدي المسلمين، وبدأ بذلك النضال بين العرب والفرنج في بسائط غاليس قوياً.

ثالثاً: الدوق أودو واستعداده لرد المسلمين:

كان الدوق أودو ينتمي إلى الأسرة الميروفنجية، زعيمة قبائل الفرنج في غالة، وكان من ذرية الملك كلوفيس، مؤسس الدولة الفرنجية، فكان يكره، بطبيعة الحال، حجّاب القصر، الذين استبدو بالأمور من دون الملوك، ولم يبق لهم هم إلا توطيد سلطتهم وسلطة جنس الفرنج في تلك المملكة، مما ثنى أعنتهم عن صد العرب عن جنوبي فرنسا. وكان أودو أقوى أمراء الفرنج في جنوبي غالة، وكان عظيم الطموح واسع الأطماع متصل النشاط، وكان أثناء الاضطراب الذي ساد مملكة الفرنجة قد استقل بهذه المقاطعة الغنية والواسعة، وبسط حكمه على القسم الأكبر من جنوبي فرنسا، من اللوار إلى جبال البرينيه، والتف حوله القوط، والبشكنس (النفاريون) سكان تلك الأنحاء. بل كان الدوق أودو يطمح إلى انتزاع ملك الفرنج برُمَّته من رئيس البلاط، وهو شارل، زعيم الفرنج المتغلِّب، ومن ثم إعادة ملك أسرته الميروفنجية في غالة. وعشية عبور السمح بن مالك إلى غالة كان كل منهما يعد العدة لمجابهة الآخر، فكانت الحرب على وشك الوقوع بينهما. بيد أن الدوق أودو عندما رأى المسلمين يزحفون نحو بلاده أرتأى أن خلافه مع شارل يمكن تأجيله أمام التحدي الأكبر والخطر الوشيك القادم من الجنوب، ولذلك فقد صالح شارل وقرر أن يشتغل ولو إلى حين برد المسلمين. وهذا الصلح قد ضمن لأودو دعماً مادياً ومعنوياً يساعده على حشد كل قوته، واستنفار الأقاليم المجاورة للوقوف إلى جانبه وهو آمن من أن توجه له طعنة في الظهر من قبل خصمه القوي شارل رئيس البلاط، وما كان لشارل أن يطعن أودو في ظهره وهو منصرف لقتال المسلمين، لأنه لو فعلها فسيجد نفسه في مواجهة مباشرة مع المسلمين، مواجهة ربما أنه لم يكن مستعداً لها بعد، لأن مركزه لم يكن قد استقر على رأس مملكة الفرنجة على النحو الذي يريده. فكان الحل الأمثل بالنسبة لشارل إفساح المجال أمام أودو ليخوض معركته مع المسلمين في ظروف مناسبة. والمهم أن أودو، دوق أكيتانيا، استطاع أن يجمع جيشاً ضخماً من الفرنجة وبقايا الرومان من أهل دوقية أكيتانيا، ومن حلفائه من الدوقيات المجاورة. وقد وصف مؤرخو العرب، كما قال المسشرق الفرنسي رينو، كثرة جيش الفرنج، بقولهم: «إن العثُير (الغبار) المتطاير من زحف أقدامهم كان يغطي قرص الشمس من كثرتهم». ثم لم يلبث أودو أن سار على رأس هذا الجيش نحو طولوشة (تولوز)، التي كان يحاصرها المسلمون آنذاك. ولما علم السمح بذلك ارتدّ عن مهاجمة تولوز، وأقبل يتأهب للقاء جيش الدوق أودو، برغم تفوقه على جيشه في العدد، فالتقى الجمعان في ضواحي تولوز يوم عرفة سنة 102هـ/ 10 يونيو 721م.

رابعاً" أهمية معركة تولوز:

هذه المعركة يطلق عليها في المصادر الحديثة الأوربية والعربية اسم «معركة طولوشة أو تولوز»، بينما سكتت مصادر التاريخ العربية القديمة عن تسميتها بأي اسم، اللهم إلا ابن حيان الذي سماها «وقعة البلاط»، ووصفها بـ«الوقعة المشهورة عند أهل الأندلس»، وربما أن هذا قد كان سهواً أو إشارة لغيرها، الأمر الذي أثار خلطاً والتباساً، بينها وبين معركة بلاط الشهداء، بقيادة عبد الرحمن الغافقي (رمضان 114هـ). وتكتسب هذه المعركة أهميتها في التاريخ، من كونها أول صدام عسكري حقيقي بين المسلمين والفرنج، في بسائط غاليس، بل في الأرض الكبيرة كلها! وكانت هذه المعركة ممهدةً لما سيأتي بعدها من معارك في سياق الحرب الطويلة التي دارت بين المسلمين والفرنجة في هذه البلاد، والتي امتدت لحوالي أربعة عقود. ومما لا شك فيه أن حملة السمح هذه كانت ستحدد في جميع الأحوال مصير غاليسيا الجنوبية لو لم يتصدّ لزحفه دوق «أكيتانيا» الأمير «يودو» أو «أوديس»، الذي خف لفك الحصار المضروب حول طولوشة، وألحق بالمسلمين الهزيمة، وهي الهزيمة التي تعتبر أول نكسة للمسلمين في أرض غاليا (فرنسا)، بل أول نكسة في تاريخ المسلمين العسكري منذ أن وطأت أقدامهم البر الأوربي. وكانت هذه الهزيمة، كما دلت على ذلك الوقائع التالية، هي الدلالة الأكيدة على اكتمال الفتوحات في هذه الناحية، وعلى أنها قد بلغت مداها. وهناك مؤرخون غربيون، وعلى رأسهم المؤرخ التولوزي سيدني فواردو، يعتبرون هذه المعركة، أهم من معركة «تور - بواتية»، وهي تسميتهم لمعركة «بلاط الشهداء»، سنة 114هـ/ 732م - في التصدي لما أسماه «الزحف الإسلامي»، إذ يرى هؤلاء المؤرخون أنه لو كان المسلمون انتصروا على الدوق أودو في هذه المعركة، لتيسر عليهم اجتياح فرنسا كلها، لأن شارل مارتل، رئيس البلاط، الذي كانت بيده مقاليد أمور المملكة الفرنجية آنذاك، لم يكن قد تخلص بعد من متاعبه الداخلية، وبالتالي فهو لم يكن مستعداً بعد لمواجهة المسلمين على الصورة التي صار عليها بعد ذلك باثني عشر عاماً، أي قبيل مواجهته الحاسمة للمسلمين في معركة «تور - بواتيه». في حين هناك مؤرخون غربيون آخرون، مثل بول ك. دافيس، يشيرون إلى أن انتصار ما سماها «المسيحية» في تولوز كان هاماً في المنظور التاريخي على المدى البعيد، كونه أعطى شارل مارتل الوقت الذي يحتاجه لتعزيز قبضته على السلطة، وتوطيد سلطانه، وبناء الجيش الخبير، الذي وقف به في مكان جيد في تور، بعد ذلك بإحدى عشرة سنة. ومهما كان من أمر، فإن هذه المعركة كانت بين جيشين فتيين، كل منهما تعمر نفوس أصحابه الآمال، ولم يألف أحدهما أساليب الآخر في القتال، وكل منهما تدفعه رؤية عقيدية قدماً للقتال بضراوةٍ واستماتة.

خامساً: أحداث معركة تولوز:

تذكر بعض المصادر أن أودو انقض على مؤخرة جيش المسلمين، وشنّ هجمة سريعة حاصرت هذا الجيش، هذا الأخير الذي وقع بين جيش الدوق أودو والحامية المدافعة عن تولوز. وفي أعقاب ذلك نشبت بين الطرفين معركة هائلة تلاحمت فيها الرماح والسيوف وحمي الوطيس، واتسم القتال فيها بالشدة والعنف، وسالت فيها الدماء غزيرة، وكثر القتل في الجيشين، وتكدست الجثث في أرجاء ميدان المعركة. ولكن برغم ثقل هجمة الجيش الفرنجي وتفوقه العددي، وكون أفراده كانوا يقاتلون على أرضهم، وفي مناخات اعتادوا عليها، ومناطق كانوا على دراية بجغرافيتها وطرقها ومسالكها، فقد أبدى المسلمون برغم قلتهم شجاعة خارقة، وكسر قوادهم أغماد سيوفهم، وهم مصممون على إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وصبروا صبراً فريداً، وكان السمح بن مالك الخولاني على رأس أولئك الجنود المستبسلين الصامدين، وكان يقاتل قتال الأبطال، وينتقل بين جنوده من مكان إلى مكان لحثهم على الثبات، ولاستنهاض هممهم واستثارة جذوة حماسهم لأقصى درجةٍ، وكان سيفه في أثناء ذلك يقطر من دم الأعداء، وكان يواجه الأخطار ملتحماً، ويسير نحوها متقدماً، ويقتحم الأهوال كالفحل الهائج لا يرد رأسه شيء، أو كالأسد الزائر يحمل على العدو فلا يقف أحد في وجهه، ولم يفقد اتزانه، أو يخور عزمه، أو يطيش صوابه. واستمر القتال، وتراوح النصر حيناً بين الفريقين. وفي عضون ذلك شاء قدر الله أن يُصاب القائد البطل المغوار إصابة بالغة، ويسقط من فوق جواده مضرجاً بدمائه، «وكانت جنود الإفرنجة قد تكاثرت عليه فأحاطت بالمسلمين»، وأسرع الأقربون منه من أصحابه بالتوجه نحوه، مقتحمين الصفوف والغبار والأشلاء، فوجدوه يتشحط في دمه، ويعالج سكرات الموت، ثم ما لبث حتى أسلم الروح راضياً مرضياً بعد وقتٍ قصير، فخسر روحه وربح الشهادة، وأصبح في عداد القادة الشهداء. وهذه هي الصفقة الرابحة، قال تعالى: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ} [التوبة: ١١١]، فإن الذي بايعه بهذا البيع وفي العهد. وفي أعقاب هذا الحادث المفاجئ والأليم شاع الاضطراب في صفوف المسلمين، أولئك الذين أرهقهم طول القتال، مع كثرة جيش عدوهم وحسن استعداده، واشتدّ الأمر وعظم الخطب، وكانت الهزيمة قدراً مقدوراً للمسلمين، بعد استشهاد أميرهم وقائدهم. ولأن حادث مقتل السمح أثناء المعركة قضى على معنويات المسلمين، ولما لم يكن من السهل تفادي الهزيمة، وذلك لاختلال التوازن العسكري بين القوتين في الميدان، وإزاء الحالة السيئة التي بات فيها الجيش الإسلامي، وتكاثر جموع الفرنجة عليه، واليقين بأن هذا الجيش أصبحت تواجهه الهزيمة النكراء، إن لم تكن المذبحة الشاملة، فكّر القائد الجديد، وهو عبد الرحمن الغافقي، في طريقة تنقذ ما تبقى من الجيش، من مصير أسود ينتظره، فبذل الهمة في جمع شتاته، وقاد عملية انسحابه إلى الجنوب ببراعةٍ، ومنه إلى الأندلس.

سادساً: نتائج الحملة:

مع أن هذه الحملة العسكرية قد انتهت بتلك الهزيمة الأليمة تحت أسوار تولوز، وباستشهاد السمح بن مالك الخولاني، وعدد ممن كان معه، إلا أن ذلك لا يقلل من أهميتها، وأهمية النتائج التي ترتبت عليها، وفي مقدمتها بسط السيادة الإسلامية على مقاطعة سبتمانية (لا نجدوك)، بمدنها السبع الكبيرة، ومساحتها الشاسعة الممتدة على طول ساحل فرنسا الجنوبي على البحر المتوسط، من جبال البرت حتى مقاطعة البروفانس، ومن ثم تأسيس ثغر غالة فيما وراء جبال البرتات. كما أن هذه الحملة كانت بالغة الأهمية، بالنسبة للمسلمين من الناحية الاستطلاعية، فقد أطلعتهم على أحوال بلاد غالة، وبالتالي مهدت لما بعدها من حملات عسكرية على هذه البلاد، كحملة عنبسة بن سحيم الكلبي (103-107هـ)، الذي خلف السمح على ولاية الأندلس، والذي اجتاح حوض الرون كله، وتغلغل حتى سانس، على بعد 70كم جنوب شرقي باريس، وهي أبعد مسافة، وصل إليها قائد مسلم في قلب أوربا، وكحملة عبد الرحمن الغافقي ( 112-114هـ)، الذي اكتسح خلالها النصف الجنوبي من فرنسا كله. ففضل الخولاني كبير، وحملته العسكرية في جنوب فرنسا رائدة الحملات في غالة بلا شك، وكان عهد السمح ذا أهمية كبرى في الجهاد في سبيل الله في أرض فرنسا، إذ إنه في عهده بدأت حركة الفتوح تأخذ وضع الاستقرار للجنود المقاتلة والحاميات في أرض غالة، وأصبحت نربونة قاعدة أمامية لإتمام الغزو الإسلامي، في تلك البلاد واتخاذها مركزاً لتجمع القوى الإسلامية للانطلاق منها لفتح فرنسا، وبذلك ضمت مقاطعة سبتمانيا جنوب شرق فرنسا خلف جبال البرت إلى الولاية الإسلامية في الأندلس. وتذكر الحوليات اللاتينية الكنسية أن شيوع انتصار الدوق أودو في معركة طولوشة أشعل الحماسة في قلوب أهالي سبتمانيا والبيرانة والروسيون، ورفع معنوياتهم، فتشجعوا لخلع طاعة المسلمين، فوثب أهالي قرقشونة على الحامية المسلمة التي كان السمح قد جعلها في الحصن، فأسروها واتخذوا أفرادها رهائن لديهم لمساومة المسلمين عليهم فيما بعد. ولم تلبث مدينة نيمة حتى حذت حذو مدينة قرقشونة، وخرجت هي الأخرى عن طاعة المسلمين، كما بدرت بوادر أخرى للتمرد هنا وهناك، في مقاطعات البرتات وما وراءها، والتي كانت قد خضعت للسيادة الإسلامية. ولكن الأمير عبد الرحمن الغافقي، الذي خلف السمح على قيادة الجيش، استطاع أن يخمد بوادر الخروج تلك، وأن يستبقي الجزية المفروضة على أهالي مقاطعات سبتمانيا، باستثناء مدينتي قرقشونة ونيمة، ولكن هاتين المدينتين سيكون للأمير الجديد عنبسة بن سحيم شأن يذكر معهما في حملته على غالة. وبناء على ذلك، وبرغم هزيمتهم في طولوشة فقد ظل المسلمون أقوياء متمكنين في سبتمانيا، وخاصة في نربونة الحصينة، التي احتفظت بمكانتها لديهم، كقاعدة لعملياتهم العسكرية، لفتح البلدان المجاورة، التي سرعان ما استأنفوها بعد أن جاءتهم النجدات من الأندلس.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 142.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 139.10 كيلو بايت... تم توفير 3.22 كيلو بايت...بمعدل (2.26%)]