لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص) - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين إضغط هنا / وبإمكانكم التواصل معنا مباشرة عبر خدمة واتس اب - Whats App / 009613654576

 
اخر عشرة مواضيع :         اللغة العربية أصل اللغات كلها (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          المؤمن عمله كله عبادة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          ظاهرة التدخين في مدارسنا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          أعاني من التأتأة والتلعثم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          تعليمات غذائية بعد اجراء عملية الساسى (اخر مشاركة : Elsobky - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          تعرفي على سبعة أشياء تفيد جسمك (اخر مشاركة : Elsobky - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          تعرف على تقنيات حديثة للتخلص من الدهون (اخر مشاركة : Elsobky - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          ارقام صيانه كاريير تكييفات * 01225025360 (اخر مشاركة : sangam - عددالردود : 9 - عددالزوار : 101 )           »          افضل انواع مراتب النوم (اخر مشاركة : Mai Mohamed - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          صفات برج الجدي (اخر مشاركة : هالة صبحي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى النقد اللغوي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-04-2019, 11:01 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)



الدكتور


محمد سيد علي عبد العال





مقدمة:


من المعلوم أنه لا توجد كلمة على حالتها الطبيعية ما دامت قد وجدت في سياق يوفر لها حواراً داخلياً (Monolog) مع قريناتها داخله، وحواراً آخر خارجياً (Dialog) توفره لها ظلالها المستمدة من سياقات أخرى، بعضها مشع بطاقات إيحائية، ونسقية تضمن لها سرعة الحوار، والتواصل مع المتلقي، وبعضها مضمر تتفاوت الحوارات معه تفاوتاً بيناً بقدر ثقافة المتلقي، وقدرته على قراءة شفرة النص، وظلال الكلمة.
هذا الحوار الخارجي (الديالوج) يأتي من كون الكلمة؛ كما يرى ميخائيل بأختين (MikhilBakhtin)، تشق طريقها عبر تناغمها مع كلمات الآخرين التي تستدعي معها سياقاتهم ولحظاتهم ليصير موضوع الكلمة متجاوزاً الزمن الحاضر إلى الماضي المتحاور معه، والمستقبل الذي سيستمر مع قدرات المتلقي على غزل السياقات، وربطها، وإيجاد علاقات متخيلة، أو ممكنة لها؛ مما يجعل للنص مستقبلاً بما يحمله في أعماقه، وحواره مع نصوص أخرى لاحقة، فما من كلمة يمكنها أن تطرق موضوعاً إلا بعد أن تلتقي بكلمات الآخرين، وتدخل في حوار حي، ومتوتر، وتفاعل متبادل بينها(1).
ولعل هذه الفكرة –التي عرفت بحوارية باختين- هي التي ولدت فيما بعد ما صكته الناقدة البلغارية جوليا كريستيفا (Julia Kristive) بالتناص (Inter Textuality)؛ فعولج من أطراف عدة، ولكن ظلت فكرة التركيز على المبدع المتأثر هي المسيطرة غالباً على الدرس الأدبي والنقدي، اللهم إلا بعض الدراسات التي اهتمت باستدعاء الشخصية في الشعر، وركزت على استدعاء شخصية شاعر معين في الشعر العربي الحديث؛ كتلك التي درست أثر عنترة وامرئ القيس، والمتنبي، والمعري خاصة على شعراء العصر الحديث بالتحديد(2).
وربما كان السبب في ذلك إشارة المرحوم علي عشري زايد في دراسته الرائدة عن استدعاء الشخصية التراثية، وتأكيده فيها أنها ظاهرة خاصة بالعصر الحديث "على نحو لم يعرفه شعرنا من قبل في أي عصر من عصوره حتى أصبحت سمة من أبرز سمات هذا العصر"(3).
ومع مكانة لبيد وعناية القدماء بشعره ومنزلته(4)، وهو من جلة الصحابة في الإسلام؛ فإن دراساتنا الحديثة أهملت لبيداً أو كادت(5).
ومع الكثرة النسبية للدراسات التي درست أثر شعراء الجاهلية في الشعر الحديث، لم تتوقف دراسة عند أثر لبيد بن ربعية خاصة، وظل أثر لبيد وشعره في المدونة الشعرية مغبوناً في الدرس النقدي، اللهم إلا ما جاء في إشارات سريعة عابرة بوصفه أحد الشعراء المخضرمين.
سؤال البحث:


ما مدى انعكاس سيرة لبيد وشعره في مرايا المدونة الشعرية العربية؟ وكيف ترددت أصداء نصوصه الشعرية في شعر الشعراء اللاحقين به؟ وليس مرادي، هنا، التأثير على مستوى تلقي السياقات الشعرية فحسب، بل على مستوى السياقات الثقافية والحضارية المحيطة بالنصوص؛ لمعرفة أطوار الشعرية العربية تلقيا وإبداعاً من خلال حوارات معاني الشعراء، وصورهم مع الشاعر بوصفه حكاية من ناحية، وكيفية اشتغالات معانيهم، وأخيلتهم مع شعره بوصفه شاعراً من ناحية أخرى، وأصداء ذلك على بنية نصوصهم الشعرية المتواشجة مع سيرة لبيد وشعره لغوياً وبلاغياً وإيقاعياً وفنياً، ومدى توفيقهم في ذلك.
تمهيد:


1. ومضة لسيرة طويلة:
يمكن تلخيص سيرة لبيد بن ربيعة باختصار اضطراري في أنه أحد شعراء المعلقات السبع، وأحد الخمسة الكبار المتفق عليهم بين حماد الراوية والقرشي، والشاعر الوحيد منهم الذي أسلم حقيقة، وحس إسلامه، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم(6)، واقترن اسمه؛ شأن الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، بالدعاء له برضا الله عز وجل في كتب التراجم والأدب والتاريخ بوصفه صحابياً جليلاً رضي الله عنه(7)، وامتد هذا التقدير والإجلال إلى ابنتيه من بعده. وثبت في الصحيح أنه، وعدي بن حاتم، أول من وصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأمير المؤمنين(8). وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب: "أصدق كلمة قالتها العرب"؛ وهي قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل(9)، الذي استحسنه، وأثنى عليه، واتخذ منه النقاد القدماء شاهداً على فضل الشعر(10).
طال عمره في حسن سيرة، ومات في إمرة عثمان رضي الله عنه بالكوفة، وهو ابن مائة وخمسين سنة، سنة اثنتين وأربعين، وعرف بالتقوى والورع؛ مما حدا بكثير من الرواة أن يذكروا أنه لم يقل في الإسلام سوى بيت واحد، اختلفوا عليه، والصواب أنه قال في الإسلام كثيراً من شعره ومراثيه في أربد أخيه خاصة بلا شك. ومهما اختلف الرواة حول نسبة بعض القصائد؛ فإن ثمة إجماعاً على إسلامية أكثرها، ويؤكد ذلك أثر القرآن الكريم والحديث الشريف في نسيجها، وروحها الإسلامية الخالصة(11).
كل ذلك كاف لأن يتأثر به بعض الشعراء، ولكن سيرة لبيد الثرية ذات التجارب الكبرى الأصيلة، وشاعريته الفريدة، وسمات شخصيته القادرة على التراسل مع موضوعات إنسانية لا تنفد، جعلت تأثيره قوياً في الشعرية العربية بشكل لافت لم تفرد له، فيما أعلم، دراسة من قبل.
2. لبيد وذكرى بروست:

وإذا كان لكل شخصية وهج في سيرتها يمكن أن يكون مفتاحها أو سر عبقريتها، فإن شخصية لبيد اتسمت ببعض التيمات المتوهجة والمغرية بالتأثر، حتى صارت ذكرى لبيد، في سياقات بعينها، كأنها الذكرى المستديرة التي يتحدث عنها الناقد الفرنسي رولان بارت (Roland Barthes 1915- 1980م) عن أثر قراءة الروائي الفرنسي مارسيل بروست (Marcel Broust 1871- 1922م) الطاغي في فلوبير (Gustvel Flaubert 1821- 1880م) وغيره من الأدباء بما يمكن أن نسميه الشخصية الأيقونية التي تعد دستوراً في الكتابة بما تمثله من مرجعية مشحونة بطاقات إيحائية؛ إذ تبث اللغة من روحها بما لا يمكن الفرار منه عند الكتابة الملتبسة بها، والمتقاطعة معها في الإبداع وصفاً، وإنشاءٍ. "ولقد قرأت في مكان آخر، ولكن بالطريقة نفسها: أشجار التفاح النورماندية المزهرة عند فلوبير، وذلك انطلاقاً من قراءتي لبروست، وإني لأتذوق سلطان الصياغات، وانقلاب الأصول، والمرح الذي يأتي بنص سابق من نص لاحق. وأني لأفهم أن مؤلفات بروست الأدبية، إنما هي مؤلفات مرجعية، هذا على الأقل بالنسبة إلي.
كما أفهم أيضاً، أنها نسق إنتاجي عام، ورسم تأملي لنشأة الكون الأدبي كله. وهكذا كانت رسائل مدام دي سي فينيه بالنسبة إلى جدة الراوي، وهكذا، أيضاً، كانت روايات الفروسية بالنسبة إلى دون كيشوت، الخ. وإن هذا الأمر لا يعني بتاتاً أني مختص ببروست: فبروست هو من يأتيني، وليس هو من أناديه. إنه ليس سلطة، ولكن مجرد ذكرى مستديرة. وهذه هي خاصية النص المتداخل: إنها استحالة العيش خارج النص اللامتناهي، ولا فرق في ذلك: أن يكون هذا النص هو بروست، أو الجريدة اليومية، أو شاشة الرائي: فالكتاب يبدع المعنى، والمعنى يبدع الحياة"(12).
وأستطيع بعد ذلك أن أقول: إن المناطق المتوهجة في سيرة الشاعر كلما كانت حادة، ومثيرة، ومتباينة إلى حد المفارقات، كانت أقوى تأثيراً، وأكثر إغراء بالتأثر، والاستلهام، والاستدعاء والحوار، وما يماثل هذه المصطلحات من أشكال التناص مع الشخصية الشعرية.
3. تيمات السيرة المتوهجة:


لست في حاجة إلى الإفاضة في ترجمة لبيد المتوافرة، والمتواترة في كتب الأدب والتراجم، يمكنني فقط أن أتوقف أمام بعض التيمات المثيرة والجذابة المغرية بالاستلهام في الشعرية العربية عبر نماذج دالة.
تتسم سيرته بسمتين في غاية الإغراء بالتأثر؛ هما الحدة في صفاء الصفة، وتمكنها من صاحبها؛ كالكرم الفياض، والإخلاص النادر لأخيه رغم جرمه، الثانية: وجودها قوية مع وجود غيرها؛ بما يوحي بالتناقض وثراء الشخصية، واختلاف وجهات النظر حولها؛ كالحكمة والجهل، أو الإسلام القوي والارتباط بأهل الشرك والوثنية؛ كعمه ملاعب الأسنة، وأهله الجاهليين، أو طول العمر مع الإشعار بالزهد في الحياة والحرص على مغادرتها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يرصد البحث تجاوز الشعراء سيرته إلى شعره، وكيف حاورت أشعارهم سيرته وشعره؛ فجاءت متواشجة معهما بكل صور التواشج عبر آليات مختلفة ومتنوعة؛ بالنقض، والتحوير، والتحويل، وقلبها للضد، ونقلها من معنى إلى آخر، ومن غرض إلى غرض مخالف، ومن عاطفة إلى أخرى، ومن سياق إلى آخر.
وقد تشغل شخصيته بعض الشعراء أكثر من نصه أو العكس، وقد يفلحون في الحوار مع النص الكلي الذي يصير لبيد نفسه جزءاً منه. وربما يخفقون في ذلك، وهو ما سوف يكشفه البحث عبر مراحله.

أولاً: مرايا السيرة:

1- الفحل الحزين:
أ- فحولة غامضة: لبيد أحد الأربعة الذين اقتسموا ناقة الشعر حسب شهادة الفرزدق (همام بن غالب ت110هـ) الذي دعته شاعرية لبيد إلى أن يسن سنة لم تسن لغير لبيد من شعراء الدنيا، وهي أن يسجد لشاعريته سجدة يسميها الفرزدق سجدة الشعر(13). ومع ذلك تناقضت الروايات حول شاعريته بشكل حاد؛ فالأصمعي (عبد الملك بن قريب ت216هـ) يصف شعره بالطيلسان الطبراني المحكم الصنعة، ولكن بلا رونق، ويصفه أبو عمرو بن العلاء (ت154هـ) برحى البزر لخشونته، وعدم حسنه في السماع، في الوقت الذي يراه ابن سلام الجمحي (ت231هـ) عذب المنطق، رقيق حواشي الكلام، ويقرن ذلك بصدقه وإسلامه(14).

وهناك روايات كثيرة تروى عن شاعرية لبيد، وأن العرب لم تكن تعدل به أحداً؛ وما زالت أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، تبدي إعجابها البالغ بشعره، وتدعو الله له حتى روت من شعره ألف بيت(15). ورأى طه حسين معلقته أنموذجاً للتماسك النصي، أو لما أسماة بالوحدة المعنوية والنظام الشعري المتسق البديع(16)، أن ما يحددها به محمد زكي العشماوي بوحدة الموقف الإنساني(17). ويرى كمال أبو ديب أن رؤياه للوجود تعد ركيزة أساسية في الشعرية العربية،(18) ورآه ذو الرمة (ت117ه) أشعر الناس(19). وهو عند النابغة الذبياني وبشار بن برد (ت168هـ) أشعر العرب، وعني اللغويون والرواة بشعره أيما عناية، حتى اندهش بعض الباحثين من هذا الإعجاب منقطع النظير لشعر لبيد لدرجة ترتفع به إلى منزلة التالية والربوبية(20)، ولكنهم لم يتوقفوا عند صدى سيرته وشاعريته عند الشعراء العرب قدامى ومحدثين.
وفي العصر الحديث ترجم (وليم ربولك) معلقته في مائة وسبع وسبعين صفحة عام 1974م، وأبى ألا تترجم إلا فوق حروف ذهبية منقوشة فوق النص العربي الذي رسم حروفه خطاط مصري موهوب. ويفسر سهيل بن سالم ذلك بأنه أبدع نصوصاً خالدة في أوضاع الإنسان ومأساته في الحياة، كانت في لمعان البرق الذي يخترق كبد السماء، ويمزق أوصال الظلمة، نصوصاً تترقب الحياة وهي تنفلت من بين أيدي الإنسان، والموت يختبئ خلف المجهول؛ فلبيد، كما يرى، في مقدمة شعراء الجاهلية الذين وضعوا نصوصاً إنسانية خالدة لها طابع العالمية(21).
من هنا كان يجب على هذه الدراسة أن تكشف أصداء هذا الفحل الحزين سيرة ونصاً.
ب- الشاعر المثال: أعجب الشعراء بشعر لبيد حتى جعلوه مضرب المثل في الشاعرية؛ فهو عند ابن الرومي (علي بن العباس بن جريج ت283هـ) مثال لأئمة الشعر(22):

فيك قالت أئمة الشعر ما قال لت بلا رؤية ولا لقيان

كامرئ القيس قرمهم وزهير وزياد أخي بني ذبيان
وكأوس فصيحهم ولبيد وعبيد أخي بني دودان
فلبيد، عنده، في ذرا الشعرية العربية، وصنو الفحول الكبار المشهورين(23)؛ ولذا فهو القمة التي يضرب بها المثل في صعوبة الوصول إليها. يقول ابن سناء الملك (550- 608هـ) مفتخراً بشاعريته، واضعاً لبيداً في القمة المستحيلة(24):
لو لم أكن أشعرها لم أطق نظماً لبيت ولو أني لبيد
وكان الإمام الشافعي (محمد بن إدريس ت204هـ) سباقاً إلى ضرب المثال في الشاعرية بلبيد حين علل ترفعه عن قول الشعر، مفتخراً بفصاحته أمام الذين أرادوا أن يتعالوا أمامه، رحمه الله، بفصاحة إمامهم أبي حنيفة (النعمان بن ثابت ت150هـ)(25):
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
ويستغل ابن قلاقس (ت567هـ) قصة الوليد بن عقبة، الذي حاول أن يساعد ابنتي لبيد على البر بقسم والديهما، والوفاء بنذره في الذبح وتوزيع اللحم كلما هبت الصبا؛ ويحاجج ممدوحه ياسر بن بلال بأنه إن لم يرق هو إلى قامة لبيد، فإن ممدوحه جدير بأن يرقى إلى منزلة الوليد بن عقبة(26):
وإن لم أغد فيك لبيد عصري فكن لي أنت وفقت الوليدا
فالوصول لقمة لبيد الشعرية مستحيل، أو في حكم المستحيل، في حين أن الوصول لقامة الوليد في كرمه وجوده ممكن ميسور. وبالرغم من قلة مدائح لبيد نسبياً، فإن الشاعر الأندلسي أبا عامر الأصيلي يرثي الوزير الفقيه أبا عبد الله محمد بن إبراهيم الفهري، مستبعداً أن يكون فيمن بقي بعده من يستحق مديح لبيد في قوة شاعريته وشاعرية المهلهل(27):
وفي من يحاك المدح جزلاً أنما أتى عن لبيد قوة مهلهل
ورأيي أنه لم يقصد بذلك المديح، بل الرثاء لما خلد به لبيد ذكر أخيه أزبد، والمهلهل ذكر أخيه كليب وائل، وهو ما نجد نظيره عند الشاعر الغزي (إبراهيم بن عثمان الأشهبي- ت523هـ) يمدح سديد الدولة ابن الأنباري الوزير الكاتب صاحب الحريري، وصاحب الرسائل المشهورة (ت558هـ)(28):
لملمومة لم يعيه صيد صيدها
مكارمه نقض لبيت لبيدها
إشارة وتلميحاً لبيت لبيد الذائع الذكر(29):
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وكان لبييت لبيد تأثير كبير في الشعرية العربية، كما سيأتي الحديث عنه في موضعه، ولكن السؤال هنا: هل نستطيع أن ننسى الأوائل جملة كما دعانا الغزي؟ وهل استطاع هو أن ينساهم؟
الإجابة بالنفي قطعاً؛ لأنه بنى معناه، هنا، على نقض بيت للببيد؛ مما أكسب معناه ارتكازاً على أساس مرجعي قوي مما تركه له الأوائل.
وأبو العلاء المعري (ت449هـ) شديد الولع بلبيد، كما سيأتي مفصلاً؛ فهو عنده المثل الأعلى في الإفحام والحجاج والقدرة على هزيمة الخصم ودحره، وإسكاته بشعره، وأنه في ذلك في مقام الحطيئة (جروب بن أوس ت45هـ)، شاعر الهجاء الأشهر في عصره(30):
قضاء الله يفحمني وشيكاً ولو كنت الحطيئة أو لبيداً
فلبيد عند كثير من الشعراء الكبار هو الشاعر المثال، والقمة المستحيلة؛ كما سيظهر ذلك بتفاصيله في مواضعه.

ت- التوبة المدعاة، وخبر وفاة الفحل:
شاع عن لبيد أنه لم يقل في الإسلام إلا بيتاً واحداً؛ وتداولت بعض المصادر القديمة قرار توبته عن قول الشعر بعد إسلامه(31). وذكر ابن قتيبة الدينوري (ت276هـ) رواية تفيد ذلك، ونقلها عنه غيره. وتداول النقاد العرب النص كدأبهم في تداول النصوص كما يتداول الشعراء المعاني والصور والتراكيب والقوالب الفنية المختلفة. و"اختلف في بيته الإسلامي الوحيد بزعمهم، قال أبو اليقظان: هو:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى كساني من الإسلام سربالاً
وقال غيره: بل هو قوله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح(32)
وقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنشدني من شعرك، فقرأ سورة البقرة، وقال: ما كنت لأقول شعراً بعد إذ علمني الله سورة البقرة وآل عمران، فزاده عمر في عطائه خمس مائة درهم، وكان ألفين، فلما كان في زمن معاوية قال له معاوية: هذان الفودان فما بال العلاوة؟ يعني بالفودين الألفين، وبالعلاوة الخمس مائة، وأراد أن يحطه إياها، فقال: أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفودان! فرق له معاوية، وترك عطاءه على حاله، فمات بعد ذلك بيسير.(33)"
وقد أثبتت الدراسات الحديثة خطأ هذه الرواية، وفند أكثر من باحث دعوى توبته عن الشعر في الإسلام، وفصلوا القول في الفروق الموضوعية والفنية بين شعره الجاهلي والإسلامي والمشكوك في نسبته إلى أي العصرين، ورأى أن الشعر الإسلامي أكثر من قسيميه الآخرين(34)، ومع ذلك فإن الشعراء تداولوا هذا المعنى كما تداوله النقاد. فأبو العلاء المعري يرى أنه إذا لم يوفق في قول ما يريده؛ فسيقع في الإثم الذي يضطره إلى اعتزال الشعر والتوبة عن قوله؛ توبة تشبه توبة لبيد عن قول الشعر بعد إسلامه(35):
إذا قلت شعراً لست فيه بحائب فما أنا إلا تائب كلبيد
ويؤكد أستاذنا حسين نصار في هوامش اللزوميات أن مرثية لبيد في أربد إسلامية(36) لا جاهلية، إنها توبة مدعاة.

ث- الهجاء العفيف:

لم يكن لبيد من الشعراء الهجائين، فلا يتفق ذلك وما عرف عن عفته، وخلقه الرفيع في جاهليته، وصدق صحبته في إسلامه. ولم يعرف عنه إلا هجاؤه اللاذع للربيع بن زياد خاصة، وإن أظهر فيه قدرته الفائقة على الحجاج والسخرية الكاريكاتورية، وانتصاره لقومه، واقتصاصه لهم من الربيع بعد أن فشلت كل أسلحتهم في النصر عليه، وانتزاع حقهم منه، وكما اتخذه الشعراء مثالاً على تسنم ذروة الشعرية في الحكمة والمديح والوصف والحجاج، والغوص وراء المعاني البعيدة المستحيلة، جعلوه أيضاً مثالاً للهجاء، مع أن هجاؤه قليل نادر؛ فطبيعة لبيد ذات عفاف، ووقار وتعقل وميل إلى المسالمة والموادعة، مما جعله بمنأى عن معترك الهجاء، ولاسيما بعد إسلامه وورعه، وما عرف عنه من تقوى وحسن صحبه(37). فإذا كان أبو العلاء قد قرن بينه وبين الخطيئة في قدرته على إفحام الخصم وإسكاته(38). فالفرزدق (همام بن غالب ت110هـ)، وهو من هو في هجائه وشاعريته المشهودة فيه، قد سبقه إلى ذلك حين قال(39):
ولم يستطع نسج امرئ القيس مثلها و أعيت مراقيها لبيداً وجرولاً
وهذا حكم له قيمته عندما يصدر من مثل الفرزدق؛ فإن مساواته بالحطيئة مساواة لها دلالة واضحة لما عرف عن الأخير من قدرات خاصة تميزه عن غيره في ذلك(40). على كل حال فقد كان الفرزدق شديد الولع بلبيد؛ وسيأتي بيانه في مواضعه، ولكنه أرسى الملازمة بين لبيد والحطيئة؛ مما وجدنا صداه بعد ذلك عند الشعراء؛ كما في قول البحتري (ت284هـ)(41):
ومعان لو فصلتها القوافي هجنت شعر جرول ولبيد
وأغرت هذه الملازمة العجيبة خيال الشعراء، حتى وجدنا صفي الدين الحلي (ت752هـ) يصر على ذلك، رغم اتساع البون بينهما(42):

هجنت شعر كل من عقد القاف جميعاً لا جرول ولبيد
والرأي عندي أن الجمع بين لبيد والحطيئة إنما جاء للمطابقة بين الهجاء العف الذي اتسم به لبيد في لجوئه النادر، أو القليل، إلى شيء منه، ولكنه هجاء المظلوم المضطر إلى الذب عن حياض أهله ضد الطغاة المستبدين الذين لا يرعوون، ولا يوفون بالعهود والمواثيق، ويستهينون بذوي الأخلاق؛ ويصيبهم صمت الآخرين ذوي المروءات بالغرور والكبر والعنجهية والبطر والغطرسة المستفزة(43)، على عكس الحطيئة الذي كان يبادر الآخرين بالهجاء الفاحش ظلماً وعدواناً، حتى تبارى وجهاء القوم وأشرافه في التلطف إليه بالهدايا والنعم خوفاً من أن يسبقهم لسانه(44).

ج- عبقرية لبيد وشعرية المفارقة:
المفارقة (Irnoy) في أوضح ما يمكن أن نميزها به هي تعبير يتطلب من المتلقي ازدواجية التلقي (Double Audience)؛ أي إن هناك اتفاقاً ضمنياً من أن هذا التعبير لا يصح أن نحمله على المعنى السطحي؛ لأنه مناقض تماماً للمعنى الذي يحدده السياق(45). وتتبدى المفارقة في التناقض والتعاكس بين طرفين؛ بين ما هو باطن، وما هو ظاهر، أو بين ما هو حق وما هو زائف، أو بين الجد والهزل، والمعقول واللامعقول، أو المنطق واللامنطق(46)؛ ولتوضيح ذلك أقول: لقد دأب الشعراء على المفارقة بين العبقرية والبلادة في أشعرهم؛ كما هو واضح في المدونة الشعرية العربية، ولكننا نجد أبا سعيد الرستمي (ت400هـ) ينعت لبيداً بالبلادة. ليس على معناها السطحي المستشعر من البنية السطحية، ولكن على وجه الادعاء الذي به يمكنه الفخر بنفسه وإثبات شاعريته قياساً إلى عبقرية لبيد الشعرية التي يستحيل بها أن يوصف بالبلادة، فالرستمي يفتخر بمعانيه الشعرية، ويرى أنها بلغت الغاية التي لا تبلغ، وآية ذلك أن لبيداً يقف أمامها بليداً(47):
قواف إذا ما رواها المشوق هزت لها الغانيات القدودا
كسون عبيداً ثياب العبيد وأضحى لبيد لديها بليداً
يحاول الرستمي أن يرفع مقامه في البلاغة، ليجبر أهل زمانه على الاعتراف بفضله، وجنيهم من ثمار بلاغته وشاعريته التي يدعى أنها فاقت شاعرية لبيد(48)، وقد جمع بين لبيد وعبيد مستغلاً الاتفاق الصرفي، مع القدرة على الاشتقاق من عبيد وقلب البنية في لبيد؛ ليحدث تناغماً دلالياً وإيقاعياً. ومن العجيب أن نجد العالم الدمشقي فتيان الشاغوري النحوي (ت615هـ) مفتوناً بهذه المفارقة لدرجة تجعله يكررها كثيراً(49):
خذ مدحة وافتك من مفوه بالأفوه الأودي جاءت تودي
ردت لبيداً كالبليد وانثنى عنها عبيد في ثياب عبد
ويضيف إلى لبيد وعبيد الأفوه الأودي ليشتق من اسمه مفوهاً ليزيد في البديع بالتجنيس.
ويفسر محقق ديوانه سبب هذا الانحطاط الشعري في عصره؛ هكذا" ولقد انحط الشعر في رأي الكثيرين من قرائه خلال هذه الفترة، وتحول عن غاياته الهامة التي كانت تنحصر في التعبير الصادق عن الهواجس والأحاسيس التي تتأثر بالطبيعة والحياة؛ فيصورها الشعر تصويراً صادقاً بعيداً عن التكلف والصنعة، إلى الصنعة التي تعين على تجويد الشعر وتقويمه وتهذيبه. والإجماع في رأي أصحاب الشعر على الانحطاط الشعري قد بدأ بعد أبي العلاء والشريف الرضي، ومن عاصرهما؛ أي منذ أوائل القرن الخامس للهجرة، وسبب هذا الانحطاط يرجع في الغالب إلى ولع الشعراء بالمحسنات اللفظية من جناس وطباق وتورية، واستعارة، وتشبيه (هكذا!!)، التي تحمل في طياتها المبالغة المستكرهة، والتكلف المستهجن، والصنعة الثقيلة التي تحول دون التعبير الشعري الصادق المحبب.
وعندي أن من أهم الأسباب التي دعت إلى هذا الانحراف الفني عند الشعراء في هذا العصر أن الملوك والممدوحين من الرؤساء والأمراء كان أكثرهم من أصل غير عربي، بل ربما كان الكثيرون منهم لا يجيدون فهم اللغة العربية فهماً فنياً صحيحاً بحيث كان الشعراء يضطرون إلى تبسيط أشعارهم، والتلاعب بألفاظهم لتعجب أولئك الممدوحين الذين أولعوا بالبساطة اللفظية، والمعاني السطحية التي قد تصل إلى حد التفاهة، وبالتلاعب بالمحسنات اللفظية التي كنا نعجب بها، ونصفق لها أول عهدنا بقراءة الشعر، وهو عهد البساطة والطفولة الفكرية(50)".
قق أحمد الجندي بعد كل ما ذكره من أسباب الضعف أن يستثني فتيوحاول المحان الشاغوري لأنه عالم بالنحو والأدب، وهذا تعصب ليس في موضعه؛ والدليل قائم على عكسه؛ فماذا يقول عن شاعره الذي حاول الإبداع فلم يجد إلا هذه المجانسات اللفظية؟، ومع قبولنا لها مرة فكيف نحتملها تارة، وتارة؟ حين يكرر(51):
إن لبيداً للبليد الذي شعرك لا يحسن إحساناً
كذا عبيد لك في شعره أضحى عبيداً حيثما كانا
فليست هناك إضافة تذكر؛ فلا حيلة نستشعرها، ولا لطف نمتدحه، ولكنه لا يفتأ يكرر(52):
اسمع قريضاً عند إنشادي له في الناس يجعل في العبيد عبيداً
جزل رقيق النسج راق فصاحة يثني لبيداً في القريض بليداً





ونلحظ أنه لا يحتاج من اسم عبيد بن الأبرص سوى الاشتقاق اللفظي الذي استبدل به كلمة (العبيد) للمجانسة الساذجة المكررة المملة، وادعى بعد ذلك لشعره رقة النسج والفصاحة التي ترد لبيداً بليداً، ومع ذلك لم يمل هو من تكرار هذه المفارقة المبتذلة(53):
لبيد بليد إن روى الشعر منشداً أجل وعبيد ثم أصغر من عبد
وكأنه شعر في النهاية أنه مل وأمل؛ فحاول أن يضيف إلى مبالغته اسم التفضيل (أصغر)، الذي لم يزد ابتذاله إلا فجاجة، ولا أرى أصغر من هذه الموهبة الشعرية التي لا تفتأ تكرر وتبتذل حتى الملل.
ويأخذ صفي الدين الحلي (ت752هـ) المفارقة ليصف عبقرية ممدوحه، وأنه بلغ المدى في الذائقة الشعرية، حتى لم يعد يطربه مديح إلى الدرجة التي يصير فيها لبيد بليداً لو مدحه(54):
يرنحه سمع المديح تكرما وإن لبيداً عنده لبليد
ومن المعلوم أن في تكرار المعاني دليلاً واضحاً على الضحالة الشعرية لهذا العالم النحوي، بل دليلاً أوضح على عجزه عن الابتكار، فضلاً على أن تكرار المعاني، أو الصور الشعرية للشاعر كسل فكري فاضح. فبدلاً من أن يحاول توليد معاني جديدة واختراع صور فنية، يعيش عالة على معاني غيره وابتكاراته؛ فيبتذلها(55)، ويسفهها. بل ربما ابتكر هو نفسه معنى ما أو صورة ما، ثم يعود فيجترها، ثم يزيد ويعيد من هذه الصور والمعاني المدخرة الجاهزة مرات ومرات، كما لاحظنا، متى دعته الضرورة أطل بخياله الكسول إلى تلك المعاني والصور الجاهزة؛ فيقتلها ويقضي على قدرتنا على الاستمتاع بشعره، أو إحساسنا بدهشة التلقي في القصيدة الجديدة. وقد يعمد إلى شيء يسير من التغيير الباهت مراعاة لوزن القصيدة الجديدة وقافيتها.


يتبع
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-04-2019, 11:02 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)



الدكتور


محمد سيد علي عبد العال


ويحاول صلاح الدين الصفدي (696- 764هـ) تغيير المفارقة قليلاً، بلا طائل(56). وتظل المفارقة مبتذلة بينهم حتى كتب قاضي القضاة في عصره أحمد بن علي بن عبد الكافي (ت745هـ) إلى الصفدي نفسه قصيدة يثني فيها على علمه وشاعريته؛ فلم يجد صورة أبلغ منها في توضيح مراده(57) ويفخر ابن فركون الأندلسي (ت820هـ) بمدحته أمام ممدوحه ليعلي من خلالها شأنه(58) تسويقاً لنصه(59).
ويحاول الشاعر جمال الدين محمد بن عمر الشهير بتحرق (ت930هـ) تطوير المعنى مستغلاً المفارقة والمجانسة بين لبيد وبليد وما اكتنزه المعنى من مخزون دلالي"(60). والواضح أن المجانسة اللفظية بين لبيد وبليد من ناحية والمخزون الدلالي المتراكم من ناحية ثانية قد جراه إلى توليد مجموعة من المفارقات المتناسلة(61)؛ كما نجد عند ابن الخزار (محمد بن علي القاضي) الذي يضيف إليها بأنه إن كان سحبان مضرب المثل في الخطابة(62)، وابن مقلة في حسن الخط(63) فلبيد هو مضرب المثل في بلوغ الشاعرية(64).
وهو ما فعل مثاله مهذب الدين أبو نصر محمد بن محمد الخضر لحلبي، حين مدح الحكيم رشيد الدين بن الصوري (573- 639هـ)(65) وقد أخذوها من أبي سعيد الرستمي (ت400هـ)(66).
ويساوي ابن معتوق (شهاب الدين الموسوي ت1087هـ) بين لبيد في سموقه البشعري وسحبان في سموقه النثري، ثم يسحب البلادة المدعاة للمبالغة على سحبان هذه المرة، ليغير معنى الرستمي السابق، ويبني عليه؛ مما ينشئ حواراً تفاعلياً مع النصوص على اختلاف الأزمنة والأمكنة(67).
وانتقلت هذه المفارقة "لبيد بليد" من الشعر إلى النثر الفني(68)، وظلت جزءاً من الإطار الشعري في محاولات لاستثمارها تارة، ولتطويرها تارة أخرى. وتردد التجديد فيها بين نجاح وإخفاق؛ فنجد الشعراء يستخدمونها في مراسلاتهم الشعرية للإشادة بأشعارهم في مقابل شعر لبيد حتى تحكمت فيها الصنعة. ومن ذلك ما نجده عند ابن فضل الله العمري (ت749هـ)(69) واستدعت المفارقة على غرارها مفارقات أخرى(70)، كما نجد عند الشاعر عبد الرحمن العيدروس (1135- 1192هـ)(71) وهو ما نجد مثاله عند الشاعر الحويزي صالح حجي الكبير (ت1275هـ- 15م)(72).
ومما لا شك فيه أن التناص عملية إبداعية خلاقة لا تتوقف تحولاتها عند البنية الجمالية، بل تنعكس على كافة البنيات الثقافية والحضارية والمعرفية والسياسية التي تكشف عن نسقية العقل العربي(73) ومدى جموده أو تطوره. ولذا يمكننا فهم طبيعة هذا الجمود بالمقارنة بين شاعرين بينهما سبعة قرون تقريباً، لقباً بالساعاتي، الأول بهاء الدين أبو الحسن علي بن رستم (553- 402هـ)، والثاني محمود صفوت الملقب بالساعاتي (1221- 1298هـ).
وينتمي الأول إلى نهاية الدولة العباسية تاريخياً، ولكن: لم يتطور واقع التناص وحواريته مع أنموذج لبيد واتهامه بالبلادة المدعاة تجميلاً للذات الشاعرة وتصويراً لقوة الشاعرية والقدرة على البلاغة، ومع مرور أكثر من ثلاثة قرون على ابتداع الصورة، لا نجد تجديداً فنياً عنده في استخدام هذه المفارقة(74).
ويبدو أنهم كانوا يسيرون للوراء فعلاً في بداية انهيار الدولة والشخصية، ولم يعد هناك إلا الادعاءات الجوفاء المبتذلة، والصور النمطية التي سبق له أن قالها موظفاً هذه المفارقة المبتذلة(75) فالصنعة هي التي تقوده، فأخذ يكررها تكراراً مبتذلاً، لا روح فيه فضلاً عن الصنعة والتكلف(76)؛ نوعاً من تسويق النص زهيد المعنى بتلويناته البديعية المنمقة وزخرفته(77). وعلى كل حال؛ فالواضح وضوحاً لا مرية فيه هو استحواذ لبيد على خيال الشاعر، وعده مثالاً للتفوق الشعري، وقمة الشعرية التي ليس بعدها قمة إلا المدعاة مبالغة.
والشاعر الثاني هو محمود صفوت الساعاتي (1241- 1298هـ)(78) ولا يشي التناص عنده بعد سبعة قرون في أحسن الظنون إلا بالاستنساخ الثقافي والحضاري بما يعكس جمود الواقع، وأثر ذلك على الإبداع في بعض الأمصار الإسلامية.
يمتلك الشاعر الحقيقي حساسية حقيقية للتراث؛ فيعمد خياله النشط عبر موهبته الفردية إلى تحليل مخزونه الشعري، أو ذاكرته الشعرية، ويعيد تلقائياً هذا الموروث بحيث يحمل سمات جديدة، أو على الأقل ملامح كالجديدة(79). وقد حاول الشاعر جعفر الحلي (1277- 1315هـ) في ديوانه (سحر بابل وسجع البلابل) أن يكسو المعنى كساءً جديداً؛ فقال مهنئاً أحد الوجهاء ومادحاً لخصاله؛ كدأب قصيدة التهنئة(80):
لك هيبة في الصدر يابن محمد تكسو لبيد الشعر ثوب بليد
ولكن ظل المعنى بارداً، ولم يخرج عن المعنى المألوف "لبيد بليد"، الذي أخذه أيضاً الشاعر عبد الباقي العمري (1279هـ- 1862م) في ديوانه المسمى بالترياق، محاولاً أن يجاوزه(81):
لساني إلى الكوفي يعزي وإنه لبيد بليد عنده ومحير
فقد أضاف العمري إلى المفارقة المبتذلة وصفاً بالعطف المراعاة للقافية ومحير"، والبليد محير بطبيعته؛ فلم يضف شيئاً ذال بال. وإن كنا لا نجحد أن ذكر لبيد في مثل هذه التهاني يكسب القصيدة نوعاً من البهاء، لم نكن لنشعر به لولاه ذكره، كما يكسب الشاعر نفسه نوعاً من الصقل الفني بمعرفة الإطار الثقافي للشعرية العربية، ولكننا في آخر الأمر لا نجد تجديداً يمكن أن نتوقف عنده.
وقد لا نجد هذه البرودة فيما سلكه محمد بن حمير الهمداني (ت651هـ) يمدح الشيخ ناصح الدين الزني(82):
نقحته قريحة أنتجتها فكرة تستقل شعر لبيد
وقد مكنت ثقافة محمد بن حمير الواسعة من أن يستمد من شعر لبيد وغير لبيد ما يعينه على صوغ أفكاره المختلفة في شعره، ويستلهم من مواقفه ما يشحذ قريحته لصياغة المعاني وفق الموقف الشعري(83)، وإن كانت الصياغة مجددة فالمعنى قريب، ولكن فيه روح التوقير للشاعر المستدعي تحمل من روح صاحبها المشهور بأنه لا يجنح إلى المبالغة والغلو(84) حتى نصل إلى مفارقة هذه المفارقة والتشبه بلبيد بشكل مباشر في شاعريته وتوسطه الشعراء الفحول؛ كالنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى في قول ابن هتيمل الضمدي (ت695هـ)(85):
وعلوت حتى صرت أحسب أنني كزهير، أو كزياد، أو كلبيد
وهك ذا تتراوح المفارقة بين المباشرة ومحاولة الإثارة عن طريق الاستفهام الإنكاري تعظيماً لشاعرية الذات؛ كما نجد عند ابن أبي حجلة (ت776هـ)(86):
أيطمع في معارضتي لبيد له من شعره أبداً سعير
وظلت محاولات مفارقة هذه المفارقة المبتذلة حتى طورها علي الجارم (ت1949م) بشاعرية تنبئ عن تطور ملحوظ في التلقي الشعري والذائقة الشعرية العربية التي صارت انعكاساً لما لاحظناه من نهضة عربية كانت آخذة في الصعود إبان هذه الفترة. يقول الجارم في حفل زفاف الملك فاروق(87):
أجهد الشعر أن يرى عزمات يعجز الوصف دونها وجهوداً
ومعانيك لا تحد فماذا يعمل الشعر قاصراً محدوداً
وإذا ما البيان عق لبيداً في المقام المهيب فاعذر لبيدا
فلم يتهم لبيداً بالبلادة؛ كما عهد سلفه في مفارقاتهم التي ابتذلوها، بل توجه إليه معتذراً إذا ما عجز عن التعبير في هذا الموقف المهيب مع ما عرف عن بلاغته وشاعريته؛ فخالف أفق توقع القارئ بما يثير دهشته ويمتعه بالنص، رغم أنه من شعر المناسبات الذي لا يتأتى لذاتية الشاعر فيه الإفصاح والتعبير بعواطف صادقة في الغالب. ولكن التصرف في الإطار الثقافي كان انعكاساً للسباقات الثقافية والحضارية التي شهدتها تلك الفترة، وهو ما يسميه بعض الباحثين بالاستدعاء المرن للتراث، مع حرص الجارم على استدعاء النموذج العروبي في شعره، واعتزازه الدائم بذاته وأصالة شاعريته بحيث لا تذوب في شعرية الآخر المستدعي، مهما بلغت قوة تأثيره وسحر شاعريته(88). وهو ما يعبر عنه باحث آخر بأن هذا الاستلهام بالإضافة إلى كشفه عن جوانبه الخفية عن طريق الشخصية المستحضرة، فإنه يستنهض الهمم؛ إذ يجعل الواقع العربي قادراً على الإفصاح عن عجزه، مع أننا نملك ميراثاً مهيباً يمكن أن ننظر إليه بإجلال(89)، واتخذ الجارم من لبيد وسيلة للقدرة على الإفصاح من خلال الاستدعاء الفني، وترك مساحة للشخصية المستدعاة لكشف المسكوت عنه، وما لم يقله النص بشكل مباشر يمنح النص فرصة أكبر لتعبير والتأثير المتلقي.
ونصل إلى طريقة خاصة في استثمار الإطار الشعري عند أمير الشعراء أحمد شوقي (ت1932م)، حين يلمح إلى المعنى تلميحاً لطيفاً يسمو بتجربته حين يخاطب ذكاء المتلقي، ويختبر ذائقته، وذاكرته في رثائه محمد ثابت، واصفاً براعته في الفارسية والعربية(90):
آخذاً من لسان فارس قسطاً وافر القسم من لسان لبيد
يشير شوقي إلى بلاغة لبيد مكتفياً بالإشارة إلى لسانه آلة بلاغته ودليل شاعريته على سبيل المجاز المرسل الذي يفتح آفاقاً أمام المتلقي للحوار مع النص، وتصور حقيقة المجاز بنفسه، وخياله، وقدرته على التصور.
ومن اللافت أيضاً أن الشاعرات رأين لبيداً هو قمة الشاعرية التي يرجونها ويتمثلن بها، في العصر الحديث؛ فالشاعرة الأديبة وزدة اليازجي (ت1924هـ) بنت الشيخ ناصيف اليازجي، التي درست في الجامعة الأمريكية ببيروت(91)، ترسل رسالة شعرية ترد بها على مجاملة من الشاعرة عائشة التيمورية (1840- 1902م)، بعد أن أهدتها الأخيرة ديوانها حلية الطراز(92)، حين تقول من قصيدة لها في ديوانها (حديقة الورد)(93):
فغدوت أشعر من لبيد دون أن يزري بقدر من علاك جليل
وهي مجاملة فيها من الظرف واللياقة ما فيها، ويهمنا منها كيف وظفت أنموذج الشاعرية المتمثل في لبيد ببلاغة وبراعة؛ إذ تلمح بذكاء من طرف خفي إلى ما اكتنز البيت من خطابات شعرية عبر رحلته الطويلة في الشعرية العربية، منذ أن قال الشافعي بيته الشهير(94):
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
فتصل وردة اليازجية بعائشة إلى ذروة لبيد مع احتراز لطيف مما احترز منه الشافعي. وهكذا تراوحت المفارقة الدالة على عبقرية لبيد بين إدهاش قليل نادر، وإخفاق كثير في عصور الضعف والاضمحلال، وإن كانت في النهاية تؤكد أمراً واحداً توكيداً لا لبس فيه؛ هو أن عبقرية لبيد الشعرية شغلت خيال الشعراء عبر العصور والبيئات، فجعلوها القمة المستحيلة التي يضرب بها المثل في بلوغ قمة الشاعرية، وإن استخدموا المفارقة المبتذلة في سبيلهم إلى ذلك.


2- الحزن الأبدي/ تيمة لبيد وأزبد:

تمثلت علاقة الأخوة الصادقة في تراثنا الشعري في ثلاث علاقات مشهورة طغت على ما عداها؛ هي: علاقة الخنساء بأخويها معاوية وصخر، ولاسيما الأخير، ومتمم ومالك ابنى نويرة، ولبيد وأربد أخيه الأكبر لأمه الذي عشق فروسيته، وجعل منه مثالاً للبطولة والشجاعة بمراثيه التي أبدع جلها في الإسلام بلا شك، مع أن هذا الأخ مات كافراً بصاعقة من السماء أحرقته استجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالهلاك بعدما تآمر مع عامر بن الطفيل لقتله(95).
ويرى بعض الباحثين أن عرب الجزيرة العربية خاصة، ولبيد ابن وسط الجزيرة، تميزوا بدرجة عالية من العلاقات الحميمة بين الإخوة لم تصل إليها المجتمعات البدائية التي حولهم، ووصل بهم الارتقاء بالعلاقة الأخوية إلى أن يرى الأخ متعة الحياة في جوار أخيه فحسب، فإذا ما أسر أحدهما، أو قتل، تحولت حياة الآخر إلى جحيم لا يطاق، وتبدلت له الدنيا بوجه كالح كئيب؛ فلم يزل يبكيه حتى يلحق به. وعرفت عندهم علاقات حميمة مشهورة؛ كعلاقة المهلهل بكليب، وكعب بأبي المغوار، وقيس بمالك والحارس، وقس بن ساعدة بأخويه، وصخر بمعاوية(96)، ولبيد بأربد، والخنساء بصخر، ومتمم بمالك، ولكن الشعر هو الذي خلد بعضها، وأعرض الزمن عن كثير منها.

أ- ائتلاف الدم واختلاف العقيدة:
كثيراً ما تقابلنا النصوص التي تنتصر لرابطة الدين على رابطة الأخوة إلا فيما ندر، والندرة هي مناط الشاعرية ومثيرتها، وإن اختلفنا معها اعتقاداً. ولعل علاقة لبيد بأربد من أبرز ما يمثل هذه الندرة التي جعلت بعض الصحابة يرى أحقية النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المعاني النبيلة التي يضعها لبيد بعاطفته المفرطة في أخيه الذي حاول قتل النبي صلى الله عليه وسلم(97).
وواضح سيطرة هذه التيمة قد سيطرت على خيال الشعراء الكبار أصحاب التجارب الكبرى؛ وإلحاحها عليهم في تجاربهم، واستثمارهم لها في شعرهم بداية من معاصريه؛ كتميم بن مقبل (ت37هـ)، الذي يصور لوعته على أحبته بلوعة لبيد عند مفارقة أربد(98):
وإنا وإياكم وموعد بيننا كمثل لبيد يوم زايل أربدا
وكما اتخذ هذا البيت شاهداً على إسلامية قصيدة تميم، اتخذ دليلاً على براعته في الإشارة والتلميح(99) إلى شعر لبيد في أربد، وذلك أنه كان يتمثل برؤى لبيد في شعره(100).
ويصور ابن زيدون(ت 463هـ) إسحاق أمير قرمونة، عدو ممدوحة المعتضد بن عباد، وهو يندب ابنه العز ويبكيه، كما بكى لبيد على أربد(101)
فأصبح يبكيه المصاب بثكله بكاء لبيد حين فارق أربدا
والتشابه هنا في البكاء للرحيل من ناحية الأب وتشبيه حزنه ودموعه بدموع لبيد على أخيه. وقد أصاب ابن زيدون في تشبيهه من ناحية وأخفق من ناحية أخرى؛ فإن كان قد شبه العز بن إسحاق بأربد الكافر الذي أراد أن يقتل نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فقد شبه أباه إسحاق بلبيد بن ربيعة رضي الله عنه الصحابي الجليل، مع ما عرف من وفائه ودينه وورعه من ناحية، وما عرف من خيانة إسحاق لممدوحه، وربما أراد ابن زيدون صدق البكاء نفسه، وهو وجه الشبه المنتزع. ونجد مثاله عند ابن نباتة المصري (ت768هـ)، حين يصف إجهاز ممدوحه على أعدائه؛ وبكاء حيهم على فقيدهم بكاء لبيد على فراق أربد(102):
وخلفهم تبكي على الجسد الطلا بكاء لبيد يوم فرقه أربد
ويبدو إعجاب ابن نباتة بشعر لبيد، وأن صورته أعجبته، وشغلته حتى نقلها من الرثاء إلى الغزل(103):
وفارقته أبكي عليه حقيقة بكاء لبيد يوم فرقة أربد
وهو ما نجد مثاله أيضاً، عند الشاعر أبي علي الأنصاري الكاتب (حسن بن زيد بن إسماعيل) الذي يصفه الصفدي بأنه كان من المقدمين في ديوان المكاتبات بمصر في أيام العبيديين، وأثنى عليه القاضي الفاضل، وهو أحد شعراء الخريدة(104) في قوله(105):
أعاذل أنحيت لوماً على تروح بعذلك أو تغتدي
ففضلي يبكي على نفسه بكاء لبيد على أربد
ولم يسمح لهم انبهارهم بهذه التيمة أن يفصلوا بين عناصر التشبيه؛ فكان تركيزهم على الإخلاص في البكاء الذي أكسبه لبيد سحراً خاصاً وصدقاً لا يزول مع الزمن؛ فيستخدمها البحتري أكثر من مرة؛ في مديحه أبا أيوب بن شجاع الذي ينتهي في وصف حاله أمامه بحال لبيد في حزنه على أخيه أربد(106). وواضح أن لبيداً حاضر في الوعي الشعري للبحتري منذ لحظته الأولى في مطلع قصيدته، رغم أننا لا نجد قصيدة للبيد في هذا الروي. يقول البحتري في البيت الثالث من مطلع هذه القصيدة(107):
في كل يوم دمنة من حيهم تقوى وربع منهم يتأبد
وهو ما يذكرنا تلقائياً ببيت لبيد الشهير في معلقته(108):
عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها
ويخاطب البحتري رجلاً من أهل نصيبين؛ يقال له: سعيد بن معاوية يشكو إليه أهل زمانه، وأخلاقهم التي تشبه أخلاق البغال في افتقاد الأصل الطيب النقي، كما يشكو خلفهم الوعد إلى أن ينتهي إلى قوله(109):
أناس لو تأملهم لبيد بكى الخلف الذي يشكو لبيد
يلمح إلى بيت لبيد الشهير في أخيه أربد، ويتحاور مع قوله(110):
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وتكرار اسم لبيد في العروض والضرب من قبيل التلذذ؛ وتكثيف الإيقاع الموسيقي، والحضور لشاعر استولى على إعجابه، كما استولى على كثير من خيال الشعراء، ويومئ البحتري هنا إلى موروث طويل مختزلاً روايات كثيرة قيلت في حضور أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، منها ما رواه الطبري (ت310هـ) في تهذيب الآثار "عن عائشة، أنها قالت: يا ويح لبيد حيث يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
قالت عائشة: فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال عروة: رحم الله عائشة، فكيف لو أدركت زماننا هذا؟ ثم قال الزهري: رحم الله عروة، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ ثم قال الزبيدي: رحم الله الزهري، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال محمد: وأنا أقول: رحم الله الزبيدي، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو حميد: قال عثمان: ونحن نقول: رحم الله محمداً، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو جعفر: قال لنا أبو حميد: رحم الله عثمان، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال أبو جعفر: رحم الله أحمد بن المغيرة، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ قال الشيخ رحم الله أبا جعفر، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟"(111).
والبيت متداول مع سرديات كثيرة في أبواب تبدل الأحوال في كتب التراث(112). وأوشك بيت البحتري أن يختزل كل هذه الأحاديث والمرويات من ناحية، وينميها، ويحدث لها نوعاً من التواصل والاطراد من ناحية أخرى.
ومما لا شك فيه أن شاعرية البحتري استوعبت أن تيمة لبيد وأربد مشابهة لتيمة متمم بن نويرة وأخيه مالك الذي قتله ضرار بن الأزور الأسدي بأمر من خالد بن الوليد. ولمتمم مراث مشهورة في مالك أخيه؛ ولذا يجمع البحتري بينهما(113):
ألوى بأربد عن لبيد واهتدى لابني نويرة مالك ومتمم
وهو تشابه لاحظه أبو العلاء المعري، وقرنهما بالمشابهة الثالثة التي أشرت إليها آنفاً؛ أعني تيمة الخنساء وأخيها صخر، ورأى في رسالة الغفران أنهم سيلتقون في الآخرة بعدما خمدت جمار الإحن التي كانت في الدنيا، وستباركهم الملائكة(114)، وكأن أبا العلاء الذي يتناص مع أرسطو كثيراً، يشاركه في مفهوم التطهير (Catharsis)، ويراه غاية الفن(115)؛ ولذا يجري حواراً حميماً مع لبيد(116) في جنة الخلد(117) في مشاهد مختلفة تنم عن توقيره إياه وتقديره لعبقريته الشعرية(118).
ويبلغ تعلق البحتري الشديد بشعر لبيد درجة الذوبان والتقمص؛ فيشبه دموع أحزانه بدموع لبيد على أربد(119):
وأنا لبيد عند آخر دمعة يصف الصبابة والمكارم أربد
وحاول الشاعر الطبيب ابن شبل البغدادي (ت474هـ) أن يكون واقعياً في رثاء أخيه، ويضرب المثل على أن الحزن لا يميت أحداً(120):
غاية الحزن والسرور انقضاء ما لحي من بعد ميت بقاء
لا لبيد بأربد مات حزناً وسلت صخراً الفتى الخنساء
مثل ما في التراب يبلى الفتى فالـ حزن يبلى من بعده والبكاء
غير أن الأموات زالوا وأبقوا غصصاً لا يسيغها الأحياء
يتسلح الشاعر الطبيب بحكمة الحياة في انقضاء الحزن؛ كما ينقضي السرور، فلا يجد مثالاً أصدق من حزن لبيد العميق والطويل على أربد، ومع ذلك فلم يمت لبيد حزناً. بل على العكس امتد به العمر، رغم حزنه حتى مل الحياة. وتستدعي تيمة لبيد وأربد تيمة الخنساء وصخر لتوكيد فكرته؛ فالحزن يبلى لا محالة كما يبلى المرء، ولكنه يعود عن حكمه في اضطراب واضح بأن غصة موت الأحباء لا تنقضي، ولا تستساغ، وكأنه رجع إلى الحال التي كان عليها لبيد والخنساء.
ب- فلسفة الموت سر البقاء: ربما صارت تيمة لبيد أشيع، وأكثر تأثيراً عند الشعراء لأنه الأرحب شاعرية، والأكثر عمقاً، واتصالاً بالحقائق الوجودية الكامنة والمستترة خلف الأحداث من خلال تجربته الطويلة وشخصيته الرصينة، وطبيعته التأملية، والأهم أنه استطاع أن ينفذ إلينا معاناته الصماء القاتمة عبر لغة شعرية شفيفة وصادقة، وتحمل بصماته الأسلوبية، وسماته الفنية الخاصة. فنجح في رسم صور الألم الإنساني العام، ومظاهر العبث في الإحياء، ورمز إلى المضمرات الوجودية من خلال ظواهر الكون والأحياء؛ بما لم يتيسر لشاعرية الخنساء، ولا خطابية المهلهل الشعرية؛ فعبارة لبيد وليدة تثقيف طويل، وتنخل واع، وقدرة مميزة على النحت الذي يصفه إيليا حاوي بأنه ينحت لغته على غرار البرناسيين في القرن التاسع عشر نحتاً ضنيناً على قدر المعاني، ولا يتركها تتهلهل؛ فتتخلف عن مضامينه وتجاربه. وتنداح تجربة الرثاء خاصة في نفسه حتى تشمل العالم كله؛ ولذا لم يلحق به المهلهل ولا الخنساء(121).
خلف موت أربد في نفسه حزناً نادراً؛ إذ لم يقتل في معركة، أو تحتشد عليه قبيلة ككليب وائل أو صخر، إنه القدر الذي انقض عليه من السماء عقاباً لجريرة ارتكبها؛ فصار كأن لم يكن. ومع أن لبيداً من السادة المنعمين المتمرسين بالفروسية؛ فإنه انكفأ على ذاته، إثر مقتل أخيه؛ فتكشف وجه آخر حزين. ولكنه تسلح بالإيمان والشعر، والبحث عن فلسفة مجهولة مستترة خلف الأشياء؛ فبدا في حزنه المبهم المركب فيلسوفاً يحس ببواطن الوجود الإنساني، ويقرنها بما يحس من الموجودات حوله. فالنجوم السائرة في الليل، والجبال المسيطرة على أفق الرؤية في النهار تقيم وتبقى، ويرحل الإنسان، ويموت، ويأتي المساء ولا تشعر النجوم بفقده(122)، ويسطع النهار، فلا تفتقده الجبال الشامخة ولا البحار الواسعة، كأن شيئاً لم يحدث. والذي مات لا شأن له، ولن تحفل برحيله، أو تتعطف لمصيره. فالحياة إذاً هي أفجع من حياة كثير من الموجودات التي يرقبها ليل نهار؛ أو كما يقولون: الطبيعة لا تعني بمصير أبنائها. إنه عمق لبيد في تأمل الوجود، والتمرس بآفاته؛ ولذا رأى أن كل شيء باطل وزائل، لا يستحق أن نجزع لأمر، أو أن نغتر بخدع الحياة الفانية؛ فامتاز شعره الرثائي بالترفع عن الصورة الحسية الزائلة نحو صور ذات دلالات نفسية ورمزية تستمد مما وراء الواقع، مبطنة بمعاناته الخاصة، ومشحونة برؤيته الإنسانية العامة.

3- شخصية البطل، وأخلاق الفرسان:

أ- الحاكم الحزين وقانون البكاء:
الحكم كلمة شديدة الوطء على النفس البشرية لما فيها من الشعور بالإجبار أو الغرم إذا كان موجهاً إليها، ولكنه يصير عزاء إذا وجه إلى الآخر الجاني، وربما جاء تخفيفاً ونجاة للنفس من الشعور بالذنب، ونجاة لها من جلد الذات، وعقاب الضمير. وشاع بين الشعراء التمثل بحكم لبيد(123) الذي صار يضرب مثلاً في الميت يبكى عليه، والغائب يخترم له سنة واحدة(124). وقد استنبطوه من وصيته الأخيرة لابنتيه حين حضرته الوفاة، وكذا من وصيته لابن أخيه؛ إذ لم يعقب ذكراً(125)، وهو ما عرف عند الشعراء بحكم لبيد(126):
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
ونائحتان تندبان بعاقل أخا ثقة لا عين منه ولا أثر
وفي ابني نزار أسوة إن جزعتما وإن تسألاهم تخبرا فيهم الخبر
وفيمن سواهم من ملوك وسوقة دعائم عرش خانة الدهر فانقعر
فقوما فقولا بالذي قد علمتما ولا تخمشا وجهاً ول تحلقا شعر
وقولا هو المرء الذي لا خليله أضاع ولا خان الصديق ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملاً فقد اعتذر
يمثل المقطع على صغره نصاً درامياً فيه الصراع مع الموت، والحوار والشخصيات، في كثافة سردية تغري الشعراء بالتناص معه، وبث تجاربهم من خلال استلهامه تلخيصاً لتجاربهم المريرة، أو للمناطق الأكثر حساسية وتأثيراً فيها، متجاوزين المبني الشعري إلى المتن أو المرجع الذي انبثق منه؛ وهذا الحكم المنصوص عليه في عجز بيته الأخير يضع فيه حكماً للبكاء الذي يعذر به صاحبه، وهو الحكم الذي تمسك به أبو تمام (حبيب بن أوس ت231هـ) في مقدمته الغزالية التي يوطئ بها لاعتذاره لأحمد بن أبي دؤاد(127):
ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهم ثم ارعويت وذاك حكم لبيد
يشير الطائي إلى حكم لبيد المشار إليه آنفاً(128). كما نجد عند أبي العلاء في لزومياته(129):
أوصى ابنتيه لبيد الــ ماضي ولا أوصي ابنتيا
فحال لبيد الذي لم يخلف ذكراً، أحسن حالاً من المعري الذي لم يجد ابنتين يوصيهما، وينعى شبابه، وأيام فتؤته وأحلامه التي طالت الفرقدين، ثم لم يجد في نهاية الحياة من يندبه وينوح عليه، ويحزن لفراقه.
ويبدو أن لبيداً قد قر في وعي المعري حتى جمع هاتين الابنتين وعمهما أربد وأعمامه العامريين الذين ظل يرثيهم لبيد بعد الإسلام لينعي المعري نفسه، ويودع الحياة مستريحاً أن لا بقاء لأحد ولا رثاء يخلف بقاء؛ فالعدم هو الفكرة المسيطرة على فكره. ولذا يتساءل نافياً ومؤكداً أن لا بقاء لأحد، الكل هباء، ولا يجد ما يضرب به المثال، ويلخص القضية إلا في هذا البيت الدال الذي لا يلخص حياة المعري وفلسفته فحسب، بل حياة لبيد، أيضاً(130):
أين لبيد وأين أسرته تزخر عند الضحى مسابلها
ويتوقف المعري أمام ما عرف باعتذار لبيد في نصيحته لابنتيه في رسالة الغفران بوصفه مثالاً للفقد الذي ليس له نظير، والنواح الصادق الذي يجرع صاحبه كؤوس الأسى والحزن بلا انقطاع(131). وهو ما نجد نظيره عند ابن زيدون شعراً وسرداً(132)؛ فقد تجاوز تأثير بيت لبيد الشعر إلى السرد؛ كما في سرديات أبي حيان التوحيدي (ت414هـ)(133).
واستمر هذا الحكم مقياس الاعتذار، متى وفاه المحب على أعز أحبابه فقد بلغ الغاية حتى صار حداً، وسنة للبكاء؛ كما يقول ابن الشجري (ت542هـ)(134):
هل الوجد خاف والدموع شهود وهل مكذب قول الوشاة جحود
وحتى متى تقني شئونك بالبكا وقد حد حداً للبكاء لبيد
وإني وإن لانت قناتي لضعفها لذو مرة في النائبات شديد
فالبكاء الزائد لا قيمة له، ولن يغير واقعاً؛ ولذا يجب على الإنسان أن يتماسك أمام محن الدهر حتى لا يترك للوشاة فرصة، وأن يقوى أمام النائبات مهما دعته إلى الضعف والانكسار، وربما لهذا السبب استجاده الأدفوي (ت685هـ)(135)، ولم يظل هذا الحكم معياراً للحزن الوافي؛ إذ استطاع المحبي (ت1111هـ) أن يبني حكماً على حكم، ومعنى على معنى؛ ليزداد المعنى حيوية بالتقادم والتواشج؛ فيصير مقسوماً بين ثلاثة شعراء لا شاعرين. فقد أخذ ابن هانئ الأندلسي (ت363هـ) حكم لبيد، وحاول تطويره بأن جعله مقصراً في بكائه على أحبابه؛ إذ اكتفى بعام واحد، مع أن بكاء الدهر لا يكفيهم(136):
سأبكي عليه مدة العمر إنني رأيت لبيداً في الوفاء مقصراً
وبالغ ابن هانئ في حكمه كما يصنع في شعره؛ إذ يرى أن بكاء العمر على الأحباب لا يكفي، متهماً لبيداً بالتقصير في حكمه، ولكن المحبي (ت1111هـ) يزيد عليه:
يا صديقي تركتني لهمومي نقضي قبلها زمان الزمان
لست أرضى عليك حكم لبيد مذهبي في الوفاء حكم ابن هاني
عيل صبري وإنما أتاسى بعموم المصاب في الأعيان
أسعد الصاحبين من مات من قبــ ل وأبقى الصديق للأحزان
إنما هذه مراحل تطوى والبرايا تساق كالركبان
ويعلق المحبي نفسه على قصيدته موضحاً مراده؛ قائلاً: "ومرادي بحكم لبيد قوله: ويذكر البيت"(137).
ولم تأت محاولات المحبي من فراغ؛ فقد سبقه ابن الزقاق البلنسي (491- 530هـ) حين رأى أن بكاءهم على أحبابهم ألف عام قليل، وإن كان لبيد قد وضع حداً لذلك بعام واحد(138):
قليل بكانا ألف حول وإن قضى باكمال حول بالبكاء لبيد
لا يقتصر هذا التوالد الواضح لمعنى لبيد عند المحبي في هذه الصورة، بل تستدعي الصور بعضها بعضاً، ويلح الشاعر الساكن في الوجدان بصوره وتراكيبه وموسيقاه، بل يتجاوز كل ذلك إلى الحضور بشخصه، كلما سنحت فرصة وجوده في النص الجديد؛ فيتجاوز شعرية المبنى إلى شعرية المتن؛ من ذلك ما نجده عند المحبي في إحدى مراثيه، ويستحضر آيات سورة الرحمن، ونستشعر حضور لبيد في مطلعها(139):
كل حي على البسيطة فإن غير وجه المهيمن الرحمن
وعلى كل حال فليبد حاضر في شعره ووعيه بوضوح، وظل هذا الحضور ماثلاً في المخيلة الشعرية العربية حتى جاء البارودي (محمود سامي ت1904م) رائد الإحياء؛ فأخذ متن الحكاية متجاوزاً سطح المعنى بعد تمامه واختماره في نصوص من سبقه؛ فقال في رثاء حليلته (عديلة يكن) التي توفيت وهو في سرنديب(140):
فلئن لبيد قضى بحول كامل في الحزن فهو قضاء غير جواد
وهنا نوع من التطور الدلالي؛ فشعرية البارودي، التي أسست لحركة الشعر الحديث، قد جمعت بين تيمتين مختلفتين من تيمات لبيد؛ وهما الوصية التي وصاها ابنتيه، وما عرف عن جوده ونحره الجزائر كلما هبت الصبا، ورأى أن وصيته لا تتفق مع ما عرف عن جوده، وذلك لأنه لا ينظر في المبنى الشعري، بل يسيطر عليه متن سيرة لبيد. ولذا يرى بعض الباحثين أن تناص البارودي يمثل تحول نسق علامي إلى نسق علامي آخر، ليس داخل البنية النصية فحسب، بل داخل البنية الثقافية والتاريخية التي يفتح التناص آفاقها من جميع الجهات(141).
ومن أحكامه التي عدت أحكاماً مطلقة قوله الذي اشتهر وصار قضاءً، وضرب بذلك المثل: "إنما يجزي الفتى ليس الجمل"، ومعناه إنما يعرف النعم، وما يجب لها من شكر المنعم أرباب العقول وذوو التمييز، لا البهائم، فمتى أسديت إليك نعمة فكن مجازياً عليها؛ فإن ذلك من تمام العقل(142) من قوله(143):
فإذا جوزيت قرضاً فاجزه إنما يجزي الفتى ليس الجمل
وقد ضمنه الشعراء أيضاً، وجعلوا منه قضاءً، ومن لبيد قاضياً وحكماً؛ من ذلك قول ابن الرومي(144):
قد قضى قول لبيد بيننا إنما يجزي الفتى ليس الجمل
فقد استدل ابن الرومي على فكرته ومحاجاته بحكم لبيد الذي لا يرد، وله القبول من كل أطراف النزاع بوصفه دستوراً حكيماً، وقد شاع عدهم الاستدلال والاستشهاد على صواب أحكامهم بغير حكم له. من ذلك أيضاً ما نجده من إجابة أبي محمد بن أبي المجد، على صاحبه أبي الحسن الجياب، وهما من أدباء الأندلس المرموقين "وقال يوماً شيخنا أبو الحسن بن الجياب هذين البيتين على عادة الأدباء في اختيار الأذهان:
جاهد النفس جاهداً فإذا ما فنيت عنك فهي عين الوجود
وليكن حكمك المسدد فيها حكم سعد في قتله لليهود
قال: فأجابه أبو محمد بن أبي المجد(145):
أيها العارف المعبر ذوقاً عن معان غزيرة في الوجود
إن حال الفنا عن كل غير لمقام المراد غير المريد
كيف لي بالجهاد غير معان وعدوه مظاهر بجنود
ولو أني حكمت فيمن ذكرتم حكم سعد لكنت جد سعيد
فأراها صبابة بي فتوناً وأراني في حبها كيزيد
سوف أسلو بحبكم عن سواها ولو أبدت فعل المحب الودود
ليس شيء سوى إلآهك يبقى واعتبر صدق ذا بقول لبيد
يشير إلى قول لبيد الشهير(146):
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وواضح أنه مهد لهذا الحكم تمهيداً كافياً لأنه حاضر في وعيه من البداية؛ فجعله خير ختام، وقولاً فصلاً في الإجابة التي لا ترد؛ لما يحمله الحكم من الحجة الدامغة، والحكمة القاطعة.
يتبع
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-04-2019, 11:10 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)



الدكتور


محمد سيد علي عبد العال


ب- الشيخ الحكيم:

حكمة لبيد حكمة روحية وإنسانية خالصة(147) استمدها من عمره الطويل، وذاته المتفردة، وانكفائه على أحزانه الداخلية، ومحاولة التفكير في الحياة بعمق ليطهر نفسه من استبداد الحزن بها. كما أستطاع أن يخلص روحه من أدران الشرك والجاهلية بالإسلام الخالص الذي لا تشوبه شائبة؛ فلم ينافق، ولم يداهن، ولم يزايد بإسلامه، بل أطلق نفسه على سجيتها يبكي أخاه المشرك العاصي بمشاعر الأخوة الصادقة دون مواربة أو نفاق، وليحمل الآخرون عنه ما يحملون، وليفهموا ما يفهمون. فكان نتيجة ذلك أن تسرب صدقه إلى قلوبهم ووعيهم، فتناقلوا أحزانه على أخيه وتمثلوا موقفه، وخطابه ونصه، بكل صور التمثل على اختلاف البيئات والأزمان. وهو ما جعل لحكمته السحر ذاته؛ إذ خرجت تجاربه متسمة بإخلاصه في معايشتها وتعميقها والغوص في تفاصيلها وأسبابها، وما يمكن أن تصير إليه أموره وأمور الحياة إلى حكمة خاصة تغري الصادقين بتمثلها، والمتشاعرين ومدعي الحكمة بادعائها ولو قولاً. ولا عجب أن تقترن الحكمة بالرثاء؛ فكلاهما غوص في التفكير وراء ظاهر الحياة وبدايتها ونهايتها، والدروس المستفادة منها(148).

ولعل أشهر حكم لبيد الشعرية التي كان لها أكبر ارتداد منعكس على المتلقين مبدعين وعلماء وعامة هي قوله من مرثية إسلامية يرثي بها النعمان بن المنذر(149):
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
ويكفيه وصف النبي، عليه الصلاة والسلام، بأنها أصدق كلمة قالتها العرب(150).
ولذا تبارى الشعراء في تضمينها والتفاعل معها بآليات التناص المختلفة؛ كما سيأتي في درس التناص والمتلقي المختلف، ومنهم معاصره حميد بن ثور الهلالي (ت30هـ) الذي حاول أن يغير في التضمين قليلاً(151):
فلما أدى واستربعته ترنمت ألا كل شيء ما خلا الله بائد
فاستبدل بـ(زائل) (بائداً) مراعاة للقافية، وجعل قول لبيد على لسان امرأة ضافته وصديقاً له فلم تحسن ضيافتهما، واستغل حميد الحمولة الفكرية والمعنوية للبيت ليحمله طابعاً فيه سخرية سوداء ومفارقة، ولطواعية الجملة في احتمالها أكثر من مرادف يحل محل الخبر (زائل)؛ من ذلك ما وجدنا مثاله عند أبي إسحاق الإلبيري (ت460هـ) في قوله(152):
لساءلت عنهم رسمها فأجابنيألا كل شيء ما خلا الله ذاهب
وإن كان حميد جعل قول لبيد على لسان امرأة بخيلة لا تريد ضيافته، وترفع في وجهه حكمة لبيد شعاراً لتستفز عاطفة الزهد عنده؛ ويذهب بنا الإلبيري بعيداً عندما يجعل قول لبيد على لسان الديار في مدينته البيرة التي يرثيها ويرثي نساءها ورجالها وديارها، وإن كان هذا التضمين على مستوى البيت أو الشطر، فابن الرومي يوطئ له، ثم يبني عليه حتى يسيطر على نصه(153):
فيا آملاً أن يخلد الدهر كله سل الدهر عن عاد وعن أختها إرم
يخبرك أن الموت رسم مؤبد ولن تعدو الرسم القديم الذي رسم
رأيت طويل العمر مثل قصيره إذا كان مفضاه إلى غاية تؤم
وما طول عمر لا أبا لك ينقضي وما خير عيش قصر وجدانه العدم
ألا كل حي ما خلا الله ميت وإن زعم التأميل ذو الإفك ما زعم
يروح ويغدو الشيء يبنى فربما جنى وهيه الباني وإن أغفل انهدم
إذا أخطأته ثلمة لا يجرها له غيره جاءته من ذاته الثلم
تضعضعه الأوقات وهي بقاؤه وتغتاله الأقوات وهي له طعم
لا يرثي ابن الرومي دياراً ولا يخاطب بخيلاً، وإنما يرثي أمه؛ ولذا نراه يسترسل في معانيه استرسالاً ويمتص معنى لبيد، ويتمثله ليحاوره في نص طويل في اللاوعي. وإذا كان ابن الرومي قد استبدل بباطل ميتاً؛ فقد تفنن الشعراء في تضمين أي جزء من البيت ووضع الخبر المناسب للمعنى والوزن في الصدر، بالإضافة إلى مراعاة القافية في العجز، حتى نصل إلى الشاعر أبي مسلم العماني (ت1920م) قاضي قضاة زنجبار، وصاحب التجربة الروحية الفريدة والجماهيرية العريضة الذي يصفه أحمد درويش بـ(الشاعر الشعبي)، قاصداً المعنى اللغوي لا المصطلحي للكلمة(145) حين يقول من قصيدة طويلة(155):
كذا كل شيء ما خلا الله منته لحد ومرمى نفسه لتبابها
استبدل العماني بباطل (منتهياً)، وأكمل بما يوافق مراده من الرثاء، وأحسن توظيف تضمينه بما يخصب تجربته الشعرية؛ كما يشير محمد المحروقي عن إحسانه في توظيف التراث؛ ولذا عد بحق رائد الشعر العماني الحديث، وأثر في الشعراء العمانيين بعدة تأثيراً واضحاً(156).
وإن كان العماني قد أحسن في تضمينه، فإننا نجد الشاعر عبد الغفار الأخرس (ت1875م) قد أساء التناص في مدحه أحد معاصريه، مستغلاً القالب الأسلوبي وبعض مفردات البيت(157):
لا خلاك الله من دنيا بها كل شيء ما خلا مجدك فان
فقد خرج في تناصه عن المبالغة المقبولة إلى الغلو المستهجن. وظلت هذه الحكمة تغري الشعراء؛ فتصرفوا فيها على اختلاف مشاربهم ومضامينهم ورؤاهم، حتى نصل إلى عامر بحيري (1912- 1988م) الملقب بشيخ الشعراء، حين يضمن بيت لبيد بتمامه، جاعلاً منه خاتمة لمقطع من قصيدته (المناجاة)(158):
قلوبهم فيما رأت مطمئنة حقيقة قول صدقتها الأوائل
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وبالرغم من أن عامراً من شعراء مدرسة أبوللو التي رفعت شعار التجديد، فإن التجديد لا يبدأ من الفراغ، وقد كان عامر مغرماً بهذه الحكمة للبيد منذ شبابه الأول، وحاول أن يحتذيها في رثائه أحد أصدقائه(159).
ت- جهل الحكيم:

هل يمكن أن يكون الحكيم جاهلاً؟ نعم، على سبيل الهفوة أو الادعاء، وكما سيطرت حكمة لبيد على الشعراء، وصار كثير من حكمه إطاراً شعرياً وثقافياً لهم، فقد أشار بعض القدماء إلى جهل لبيد، وقد يقصدون بذلك بكاءه الشديد على أخيه أربد، وبكاءه عمه ملاعب الأسنة، وأهله من طغاة الجاهلية ومشركيها، أو قوله ما يخالف عقيدة التوحيد؛ وهو ما سأتوقف عنده لاحقاً.
والرغم مما عرف عن حكمة لبيد، فإن الشعراء ولدوا عكس الصفة من معايشتهم لشعره ومواقفه في مقابل مواقفهم ومعتقداتهم، مما جعلهم ينعتونه بالجهل في المقابل، وهذه الجهالة اصطنعوها من موقفين؛ أحدهما قوله:
واعفف عن الجارات وامنحــ ـهن ميسرك السمينا(160)
يريد بالميسر السمين الجزور يأكلها الميسر، ويقسمها؛ أي يتقاسمها المتياسرون، وهي صورة جاهلية، إن لم نعدها مجازاً من القول؛ لأنها من قصيدة إسلامية، بل هي آخر قصائده التي يوصي فيها ابن أخيه بما يصنعه بعد وفاته(161).
وأظن أن وصفه بالجهالة نوع من الصنعة بعكس الصفة، أو لخلاف في التأويل، كما جاء في قول محيي الدين بن عربي (ت638هـ) يحمل عليه حملة شديدة؛ لأنه وصف أخاه أربد بما يجب أن يصف به النبي صلى الله عليه وسلم(162):
إن الوجود وجود الحق ليس له فيه شريك كما قد جاء في الأثر
وأين مثل رسول الله سيدنا فيما يقال ففكر فيه واعتبر
فيما يقول لبيد في جهالته وليس يدري الذي قد قال فادكر
فإن ذا فطنة مثلى مخلقة ترى الحقائق تأتيها على قدر
ولا تقل إن ذا وهم وسفسطة القول ما قلته فانهض على أثري
التلميح، هنا، إلى شعر لبيد في أربد، وبالتحديد إلى قصة نقلها إلينا أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ) حين نسخ من كتاب ابن النطاح "أنشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه قول لبيد في أخيه أربد:
لعمري لئن كان المخبر صادقاً لقد رزئت في حادث الدهر جعفر
أخاً لي، أما كل شيء سألته فيعطي، وأما كل ذنب فيغفر
فقال أبو بكر رضوان الله عليه: ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم(163)، لا أربد بن قيس(164)، ومع ذلك فقد أخذ الشعراء منه أيضاً قوله في رثاء أربد(165):
لعمري لئن كان المخبر صادقاً لقد رزئت في سالف الدهر جعفر
فيروي أنه لما سمع جرير خبر وفاة الفرزدق بكى بكاء شديداً؛ فعاتبه قومه أن استبد به الحزن والبكاء لوفاة رجل ظل في هجاء معه أربعين سنة؛ فأوضح لهم أنه: ما تبارى اثنان ومات أحدهما إلا لحقه الآخر، وأنشد:
لعمري لئن كان المخبر صادقاً لقد عظمت بلوى تميم وجلت
فلا حملت بعد الفرزدق حرة ولا ذات حمل من نفاس تعلت
هو الوافد المحبو والراقع الثاي إذا النعل يوماً بالعشيرة زلت
ينقل جرير بهذا التناص صاحبه الفرزدق من مقام الند المنافس إلى مقام الأخ الشقيق الذي لا يكفيه بكاء الدهر، ولا تطيب بعده الحياة، وفعلاً لم تطب؛ فلحقه بعد أربعين يوماً(166).
ولاكتناز هذا التركيب "إن كان المخبر صادقاً" توقف أمامه بعض نقادنا القدماء(167)؛ ومنهم التبريزي (ت502هـ) الذي علق عليه بقوله: "فهو قد علم صدق الحديث، لكنه لاستعظامه للنبأ، وفخامة أمر المتوفى في النفوس عنده؛ يرجع على المخبر بالتكذيب، وأدخل الشك على المسموع والمشهود(168)".
ويحيلنا هذا الاستدعاء تلقائياً ًإلى باقي مقطوعة لبيد في رثاء أربد؛ فيجعل المعاني متواشجة، والصفات متزايدة ومنعكسة ومنسحبة بالتبعية على الفرزدق:
لعمري لئن كان المخبر صادقاً لقد رزئت في سالف الدهر جعفر
فتى كان أما كل شيء سألته فيعطي وأما كل ذنب فيغفر
فإن يك نوء من سحاب أصابه فقد كان يعلو في اللقاء ويظفر(169)
فالأبيات وإن كانت تشير إلى الصاعقة التي حلت على أربد بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأصابته صاعقة فقتل، فأخبر لبيد بالخبر فاستعظمه، بل شك في صدقه لهوله، فإنها تنعكس على موقف جرير من الفرزدق بشكل أو بآخر، وتعطي نوعاً من الجوار الجدلي الذي يجعل صورة أربد في عين أخيه كصورة الفرزدق في عين رفيق دربه، ويجعل بين النصين حواراً متكاملاً. وعلى كل حال فقد كانت نقطة البدء التي بدأ منها جرير عند سماعه الخبر هي نقطة البدء التي بدأ بها لبيد؛ مما يجعله يتمثل به، ويضع نفسه في موضعه وقرينه في منزلة الأخ العزيز الشقيق الذي لا يمكن أن يعوض مهما بلغت أخطاؤه، وصاحبته اللعنات الغاضبة. ولا ينبغي أن نذهب إلى أنه يجعل من أربد كافراً مدعواً عليه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم فالمشابهة هنا خاصة بالصورة المقترنة بخيال قائلها المحب المتعاطف، لا متلقيها الساخط أو المحايد.
وذكاء جرير في استحضاره موقف لبيد لمعرفته مدى حب الفرزدق له وتعظيمه إياه؛ الأمر الذي وصل به إلى السجود لأحد أبيات معلقته الشهيرة. ولم يكن كل المتلقين بعاطفة جرير التي تناغمت مع عاطفة لبيد وتمثلها، بل كانت هناك عواطف متضاربة من المرثي خاصة، وإن عظمت الراثي، ونماه العباس بن الأحنف (ت192هـ)، وبسطه في مقطوعته(170):
أما والذي أبلى المحب وزادني بلاء لقد أسرفت في الظلم والهجر
فإن كان حقاً ما زعمت أتيته إليك فقام النائحات على قبري
وإن كان عدواناً علي وباطلاً فلا مت حتى تسهري الليل من ذكري
ويبدو أن العباس قد حاول تنمية المعنى فجعل الاحتمالين قائمين بعد أن حول طريقة القسم وحورها بما يناسب غزله وخطابه لمعشوقته (فوز)؛ فالأول أقسم قسماً جاهلياً، في حين أقسم العباس قسماً إسلامياً شاعت طريقته في عصره بما يناسب الموضوع والخطاب الشعري في القصيدة، وهو ما يبدو من استعانة ابن الرومي من تحويرات العباس وتطويراته لبيت لبيد حين يقول
فإن كان حقاً ما زعمت اجترمته فلا قل من أوجاعه بدني النضو(171)
فقد استبدل بـ"أتيته" قوله" اجترمته لينفخ في الماضي من روحه، مع استمرار روح لبيد ساكنة خلف الأفق.
ث- الكريم النبيل:

آلي لبيد على نفسه كلما هبت الصبا أن ينحر جزوراً ويطعم الطعام(172)، وربما ذبح العتاق إذا أضاف؛ فخطب الوليد بن عقبة، وقال: فقد علمتم ما جعل أبو عقيل على نفسه، فأعينوه على مروءته، وبعث إليه بخمس جزائر وبهذه الأبيات(173):
أرى الجزار يشحذ مديتيه إذا هبت رياح أبي عقيل
طويل الباع أبلج جعفري كريم الجد كالسيف الصقيل
وفي ابن الجعفري بما نواه على العلات والمال القليل
وواضح أن الكرم كان بحثاً عن الخلود؛ وهو ما نجده عند جعيفران الموسوس (ت208هـ):
لو كان شيء له خلود خلد ذا الفضل الجواد(174)
ويربط لبيد نفسه بين الكرم والخلود؛ كما يبدو في رثائه أبرهة الأشرم:
لو كان حي في الحياة مخلداً في الدهر ألفاه أبو يكسوم(175)
وقد اتخذ الشعراء من كرم لبيد مثالاً؛ ومثال ذلك ما نجده عند ابن حيوس الدمشقي (394- 473هـ):
كل إذا ما الحرب شبت عامر وإذا أتى الأضياف فهو لبيد(176)
ومعنى ذلك أن الشعراء قد تمثلوا تفاصيل سيرته في أشعارهم، ورأوه مضرب المثل في الكريم النبيل الذي لا يمنعه الفقر، أو العجز عن البر به، والوفاء بقسمه.

ج- الفاني الذي سئم الحياة:
تواترت الروايات على طول عمر لبيد؛ فقد طال عمره حتى مله، وضجر واشتاق الموت بعد أن عاش مائة وخمسين عاماً تقريباً(177). ففيما رواه ابن قتيبة (ت276هـ) ما يفيد أنه أدرك الإسلام، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد بني كلاب، فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم، ثم قدم لبيد الكوفة؛ فأقام بها إلى أن مات في أول خلافة معاوية، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة(178).
وتكرر في شعره ما يفيد سأمه من طول حياته؛ لعل أشهر ما قاله في ذلك قوله(179):
ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس كيف لبيد
وقد استدعى الشعراء هذه التيمة أيضاً في أشعارهم؛ وبخاصة في المعاني التي تعبر عن الفناء، وأنه لا خلود لأحد من الشر؛ فوظفها ابن هانئ الأندلسي (ت362هـ) في مديحه، ووفق في التلميح الذي خرج مخرج الجدة حين حاول أن يقنع ممدوحه أن حياته لن تطيب، ولن يشعر بالسعادة فيها إلا في حياة ممدوحه، وبحياة ممدوحه، ولو عمر عمر لبيد(180):
لولا حياتك ما اغتبطت بعيشة ولو أنني عمرت عمر لبيد
وتسللت الكناية عن طول العمر بعمر لبيد من الشعر إلى النثر الفني(181)؛ مما لا يمكنا الوقوف عليه في هذا البحث الخاص بالنص الشعري.
ويربط ابن الهبارية (414- 509هـ) بين لبيد ولبد بجامع طول العمر(182):
الموت لا يبقى أحد لا والداً ولا ولد
مات لبيد ولبد وخلد الفرد الصمد
لم تكن المجانسة بين لبيد ولبد هنا من قبيل المحسن البديعي الذي استدعاه اسم لبيد فحسب، بل هو استدعاء فني عمق المعنى، وأضاف إليه؛ فلبد نسر من نسور لقمان، يضرب به المثل في طول العمر؛ فقيل: عمر لبد(183). ولبيد نفسه يكرر هذا المعنى؛ كما نجد في قوله(184):
ولقد جرى لبد فأدرك جريه ريب الزمان وكان غير مثقل
لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل
يعطي ابن الهبارية المعنى بعداً إسلامياً "خلد الفرد الصمد" التي تحمل معنى قوله تعالى: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ"(185)، ولكنه في الوقت نفسه يعطيه بعداً أسطورياً حين يجمع بين عمر لبيد الحقيقي وعمر هذا النسر الأسطوري الذي مات قبله سبعة أنسر في حياته متتابعين جيلاً بعد جيل.
ولا يجانس المعري بين لبيد ولبد النسر الأسطوري المعروف، بل ينتقل بعيداً بالجناس بين اللبد الذي هو الصوف المتلبد، ولبيد الذي تبكي إبله المشتاقة ذات الحنين في قوله(186):
فاجعل سوامك نهبى ما بكت إبل مثوى لبيد ولا أوبارها اللبد
فالتلميح واضح ومخالف لأفق التوقع، والمعري يشير إلى قول لبيد في المعلقة(187):
شاقتك ظعن الحي حين تحملوا فتكنسوا قطناً تصر خيامها
والاستدعاء الجمالي والثقافي في المجانسة بين لبيد ولبد مع الانحراف به عن أفق التوقع يجعل المبتذل المأهول ذا مذاق آخر؛ إذ انحرف عن المأهول المتعارف عليه وفك العلاقة القائمة التي بردت في التلقي بفعل التعاور والتداول، واتكأ على كل مفردة على حدة جاعلاً بينها وبين غيرها علاقة جديدة تحمل روحه وملامحه؛ ودليل ذلك أن يقول المعري في البيت التالي لهذا البيت مباشرة(188):
والملك يفنى ولا يبقى لمالكه أودى ابن عاد وأودى نسره لبد
وهذا دأب المعري في تناصه مع لبيد الذي يتبدى منه مدى إعجابه به في سيرته، وشعره، من ذلك ما نجده في قوله(189):
أبيدة قالت للوعول مسرة تبدن بحكم الله ثم أبيد
ولا أدعي للفرقدين بعزة ولا آل نعش ما ادعاه لبيد
فالتلميح ذكي وبعيد يحتاج إلى إعمال للفكر، وشحذ للذاكرة، وحوار مع النص؛ حتى يصل المتلقي إلى إشارة لبيد التي يدعى فيها مثل هذا المعنى، وهو قوله(190):
فهل نبئت عن أخوين داما على الأيام إلا ابني شمام
وإلا الفرقدين وآل نعش خوالد ما تحدث بانهدام
لا يكتفي المعري باستدعاء لبيد بالاسم، بل يشتبك مع جزء من سيرته أو شعره، أو يحاوره في قضية من قضاياه بالاتفاق أو الاختلاف معه، كما لا يكتفي ابن الساعاتي (553- 604هـ) بنسخ معنى لبيد في رثاء ولده محمود(191):
أخنت على لبد ولقمان وأوقع صرفها بربيعة ولبيد
وفي المعنى شيء من الجدة ناتج عن حرصه على مراعاة النظير في الجمع بين لبد ولقمان صاحب النسر الذي امتلكه وارتبطت قصته به، وربيعة قبيلة لبيد الذي يضرب به المثل في طول العمر؛ وهو ما أعطى تفصيلاً للمعنى، وإن كان نسخ التركيب الأول من النابغة الذبياني في معلقته(192):
أمست خلاء وأمسى أهلها احتملوا أحنى عليها الذي أخنى على لبد
وينتقل المعنى في العصر الحديث خطوات كثيرة؛ إذ يطوره الشاعر محمد توفيق علي (1882- 1937م) حين يقول في معرض الحكمة(193):
كل حي مفارق الإلف والدار ولو عاش ضعف عمر لبيد
ويأتي أمير الشعراء أحمد شوقي الذي يلمح إلى هذا المعنى، ويكسبه عمقاً عندما يجعل آلامه التي صبر عليها دهراً تدعوه إلى أن يشكو شكوى لبيد من طول الحياة، ولما يزل في الثلاثين من عمره(194):
ومن صابر الدهر صبري له شكا في الثلاثين شكوى لبيد
ويعيد شوقي المعنى في ثوب جديد مؤكداً قدرته على استثمار الإطار بشاعريته الوقادة التي تحيل المعنى الواحد معاني عدة في مواضع متفرقة تفجؤنا وتدهشنا في كل مرة(195):
جزعت فراعتني من الشيب بسمة كأني على درب المشيب لبيد
وينفي بعض الباحثين أن تكون شكوى شوقي وجدانية مهما بلغت من العمق، بل هي أزمة وجودية، تتعلق بالثنائية المعروفة (الإنسان والزمن)، ولكنه يعالجها معالجة كلاسيكية باستدعاء لبيد الذي أراحه من عناء التفكير وأسلمه للإيمان بالقدر(196)، ولكني أراه يضفي على المعنى من روحه وشاعريته ما يحمل سماته، وشخصيته الشعرية الخاصة، ودليل شاعرية شوقي الفريدة أنه يعيد هذا المعنى تارة ثالثة، ويدهشنا ويخالف أفق توقعنا حين يرسم صورة لأبي الهول مستثمراً هذا الإطار الموروث، ولكن في إطار فلسفي يذكرنا بفلسفة أبي العلاء وأضرابه في بناء المعاني الوجودية؛ كذلك يعكس شوقي المعنى، ويرى أن عمر لبيد لو قصر لتشكى القصرة كطبيعة البشر من شكوى حالهم والنظر دوماً إلى ما يخالفها معتقدين فيها السعادة المحجوبة(197):
أبا الهول ماذا وراء البقاء إذا ما تطاول غير الضجر
عجبت للقمان في حرصه على لبد والنسور الأخر
وشكوى لبيد لطول الحياة ولو لم تطل لتشكى القصر
وفضلاً عن مناقشته لبيداً ومخالفته الرؤيا في شكوى طول الحياة، لأن حب الحياة غريزة مركوزة في الإنسان، فإنه يجمع في الوقت نفسه بين لقمان ونسره، ويضيف صورة قد تبدو قديمة جداً، ولكنها تعكس تطور النسق الثقافي للمجتمع المصري حين التفت إلى ماضيه العريق محاولاً البحث عن هوية مصرية مميزة بعدما سقطت الخلافة العثمانية.

ثانياً: أصداء النص:

1- لبيد وتقاليد القصيدة الكلاسيكية
شعرية الوقوف على الديار:

لعل في نص ابن قتيبة (ت276هـ) الذائع في تعليل حرص الشعراء الأوائل الذين أرسوا تقاليد القصيدة القديمة ما يكفي في بيان أهمية الوقوف على الديار في القصيدة القديمة؛ حين يرى "أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر، لانتقالهم عن ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان(198)". ولذا كان للمقدمة الطللية هذه المكانة في القصيدة التقليدية عند الفحول ومن سلك مسلكهم(199)؛ فيشيد أبو تمام بفحولها الذين هم فحول الشعراء(200):
أذكرتنا الملك المضلل في الهوى والأعشيين وطرفة ولبيدا
والملحوظ أن اختار المقدمين في ذلك، وعلى رأسهم امرؤ القيس، وأعشى قيس، وأعشى بأهله وطرفه بن العبد، وأخر لبيداً إلى الختام لضرورة القافية. والواو هنا لا تفيد ترتيباً؛ لأن الأعشيين، وطرفة ليسا بأعظم من لبيد، بل يتفوق على الفحول في تحديد المواضع وتسميتها ووصفها تفصيلياً، وهو أكثر شعراء المعلقات قاطبة تأنقاً في ذلك؛ كما تشهد بذلك دراسة الدارسين لهذه الظاهرة في شعره(201). ولذا يراه المعري مضرب المثل في الوقوف على ديار أهله؛ كامرئ القيس المشهور في ذلك(202):
مضى الواقف الكندي والسقط غابر وصاحت ديار الحي أين لبيد
يتخذ المعري منه مثالاً على الفناء والزوال مهما طال العمر، واستطال العيش في الديار بين الأهل والأحباب. ويشير بقوله: (صاحت ديار الحي) إلى قول لبيد الشهير في معلقته(203):
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا صما خوالد ما يبين كلامها
والمعري شديد الولع بلبيد كما يبدو في مواضع متفرقة من رسالة الغفران(204) و يتجلى هذا الإعجاب النادر بلبيد في شعره كما مر، وكما سيأتي في مواضعه.
وتبدو جدلية الحوار وانعكاسه بين ديار لبيد التي كان يسألها عن أهله، والديار التي صارت تسأل لبيداً ذات طابع استقطابي للمتلقي، وتسأل عنه مع أنها كانت في عصره صماً لا تسمع ولا تعي ما يقوله في حواره معها من طرف واحد يخاطب، ولا ينتظر رداً؛ بما يدفعه للتعجب من حاله (وكيف سؤالنا؟!) فكيف لعاقل أن يسأل من لا يعقل ولا يسمع، ولا يبين له كلام؟! فيتحول معنى (ما يبين كلامها) من عدم القدرة على الكلام إلى الكلام غير المفهوم الذي لم يفهمه لبيد في حين فهمه أبو العلاء المعري.
توقف القدماء أمام هذا المعنى ورأى الطوسي أنها كانت تقول، وكأن لبيداً لا يفهم كلامها(205) حتى أدرك المعري لغة الديار، وفك طلاسمها، وأدرك مراميها بعد حين من الدهر.
ويرتبط وصف الديار عند لبيد بحزنه الشفيف المسيطر على شعره كله، وهو ما استدعاه البحتري (الوليد بن عبيد ت284هـ) حين بكى على الشعر في عصره، وما وصل إليه من ركاكة وضعف وانكسار؛ كما يرى(206):
ويلكم! ويبكم! لقد هتك الشعـر فبكوا لستره المهتوك
ثم شقوا الجيوب قد قرب الأمــر واتساعه كأبي الدروك
يا امرأ القيس لو رأيت حبيك الشــعر يغذى بماء لفظ ركيك
لبكيت الدماء للأدب الغض (م) بفيض من الدموع سفوك
ولأبكيت طرفه وزهيراً ولبيداً وقرم آل نهيك
يبكي البحتري الشعر وفحوله، ويجمع لبيداً معهم هنا، ولكنه يفرده مرات كثيرة، ويستلهم تيماته في صوره ومعانيه وقصائده؛ كما سيأتي في مواضعه. وقد مر بنا كيف تأثر به في تيمة الحزن على أربد، ولم يخل تأثره فيها من أثر لوصف الديار، والوقوف على الأطلال؛ كما ذكرته في موضعه.
وعلى كثرة ما وصف الشعراء الأطلال تبقى أطلال لبيد التي لا تجيب هي الأقرب في الاستدعاء؛ وهو ما جعل الباحث محمد الدناي يقرر على الفور أن مهياراً قد أخذ قوله(207):
أجدك بعد أن ضم الكثيب هل الأطلال إن سئلت تجيب
من قول لبيد في معلقته(208):
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا صما خوالد ما يبين كلامها
مع أن المعنى متداول بين شعراء الجاهلية(209)، وذلك لما أسلفته من تميز لبيد في الوقوف على الديار تميزاً أغرى الشعراء على احتذائه؛ من ذلك ما فعله ذو الرمة حين عارض لبيداً في وصف الأطلال والوقوف على الديار في قصيدة كاملة تحتاج إلى دراسة مستقلة(210).
والأحوص الأنصاري (ت105هـ) ممن أعجبوا بلبيد في وصف الديار؛ ففي إحدى قصائده المعجبة يأتي قوله(211):
ضوء نار بدا لعينيك أم شــبت بذي الأثل من سلامة نار
وكذاك الزمان يذهب بالناس وتبقى الديار والآثار
وعندما يتهمه المعاصرون بسرقة المعنى الفريد الذي يساوي شعرهم جميعاً يعترف بأخذه من قول لبيد(212):
فعفا آخر الزمان عليهم فعلى آخر الزمان الدبار
وكذاك الزمان يذهب بالناس وتبقى الرسوم والآثار
وفي دراسة عن التناص في شعر الرصافي البلنسي (ت572هـ) يوضح الباحث كيف تناص شعره البلنسي مع لبيد في وصف الديار، والوقوف على الأطلال(213).
وفي ظني أن ذلك التأثر يرجع إلى أن لبيداً يمزج وصف الأطلال بفلسفته العميقة في رؤيته للحياة والأحياء، وبقاء الديار بعد أصحابها؛ أو بمعنى آخر فإنه يلتقط من الموصوفات التي يحسها ما يتعلق بموقفه النفسي، وعلاقته الخاصة بالآخر الذي يعمق إحساسه بالعالم المحيط به على النحو الذي يسمح له باستجلاء المعاني الحقيقية الخبيئة للموصوف بما يملكه من شفافية مميزة. وتميز لبيد بحس إنساني عال؛ مما منحه عمقاً في رؤيته الذاتية، وقدرة على إيجاد نوع من العلاقات الخفية التي تربط بين كائنات العالم من حولنا، من خلال تأمله الدائم للمرئيات ونسج صور لها طابع البصر العقلي المفعم بالدلالات العميقة التي تتجاوز الدلالات الظاهرة إلى دلالات أخرى غنية بالرمزية والفلسفة؛ فقد عاش حياته بمنأى عن السفه والطيش والتهور والخفة(214)؛ مما أكسب أوصافه طابعاً فلسفياً مغرياً بالأخذ المباشر حيناً والامتصاص أحياناً.


يتبع
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-04-2019, 11:12 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)


وصف الناقة: لم تكن الناقة مجرد البساط السحري الذي ينقل العربي من مكان إلى آخر، بل تحولت إلى بساط للشاعر ينتقل من خلاله من معنى إلى آخر، ومن فكرة إلى أخرى في القصيدة العربية القديمة، وظلت مفتاح المقدمة الوصفية، سواء أوقف الشاعر على الديار، ووصف الأطلال، أم لم يقف(215). وهو ما نجده عند بعض الباحثين الذين تحدثوا عن العلاقة بين أسباب تطور شعر الطبيعة في العصر الجاهلي وإجادة لبيد في وصف الناقة؛ فرأى أن لبيداً نجدي عاش في بيئتها الواسعة التي جعلته يربط بين ناقته وبينها، وينتقل إلى أعماقها وأخلاقها، في صور تعد حركة انتقال في شعر الطبيعة العربي(216)؛ وهو ما يفسر لنا تجاوز ولع الطرماح بشعر لبيد، وتجاوزه دائرة الحزن العميق إلى دائرة الوصف، ودوائر أخرى متداخلة ومتآلفة، كما يتبين لنا في مواضع مختلفة من البحث؛ ومما لاحظه ابن قتيبة في هذا السياق أن الطرماح نظر طويلاً في وصف لبيد للناقة(217)، وبخاصة في قوله(218):

كعقر الهاجري إذا ابتناه بأشباه حدين على مثال
فأعاد الطرماح صياغته، وبسطه في بيتين(219):
حرج كمجدل هاجري لزه بذوات طبخ أطيمة لا تخمد
عملت على مثل فهن توا [ئم] شتى يلاحك بينهن القرمد
وتنبه معاصروه إلى تفوقه في ذلك؛ فنسجوا على منواله، ولاحظ ابن قتيبة ذلك، وذكر نماذج منه(220)؛ ومن ذلك ما نجده في قوله(221):
لها حجل قد قرعت من رؤوسه لها فوقه مما تحلب واشل
أعجب به النابغة الجعدي (ت50هـ)؛ فأعاده في قوله(222):
لها حجل قرع الرؤوس تحدرت على هامها بالصيف حتى تمورا
وظل الأمر هكذا حتى العصر الحديث؛ فالبارودي يتناص مع لبيد في مواضع مختلفة من ديوانه؛ منها قوله متأثراً بوصف لبيد الناقة(223):
أفذاك أم ضرغام خيس مدهس تنجاب عن أنيابه الأشداق
وواضح أنه متأثر فيه بقول لبيد في معلقته جامعاً بين وصف الناقة المسبوعة، والأتان، والبقرة الوحشية في لوحة فنية(224) ينتقل من خلالها بجملته الإنشائية من سياق إلى آخر ومن صورة إلى أخرى(225):
أفتلك أم وحشية مسبوعة خذلت وهادية الصوار قوامها
ورأى أستاذنا محمد زكي العشماوي، أنه لم يكتف بدلالة الاستفهام، أولم تكفه الصورة التي رسمها لناقته، فما زال يتفنن ليزيدها وضوحاً، أو بالأحرى لينفس عن مشاعره الحبيسة من خلال تلك الصور الحزينة المتتالية، أو من تفاصيل الصورة الواحدة ذات الأبعاد والمرامي والأعماق(226).
وفطن بعض الباحثين لما بين التركيبين من تماثل من حيث الاستفهام المتبوع باسم الإشارة (مبتدأ خبره محذوف) ثم حرف العطف، فالمعطوف، فالنعت المفرد، فالنعت الجملة، مع استبدال ضرغام بوحشية مع اختلافهما في الدال واتفاقهما في المدلول السياقي للقصيدتين، وارتكاز الشاعرين على هذا الموصوف في استكمال البيت والمعنى المراد لكل منهما(227).
وأرى أن الحزن هو الجامع بين الشاعرين، وأن روح لبيد المفعم بالحزن قد تلبست البارودي؛ فاحتذى حذوه بالتداعي الحر دون تعمد يفسد النص الإبداعي النابض بذاتيته الحزينة، ومشاعره الصادقة.

2- استدعاء التيمة وتداعي المعاني:
المقصود بتداعي المعاني هو إحداث علاقة بين مدركين لاقترانهما في الذهن بسبب ما(228)، ويتلخص في ترابط الصور الذهنية المتشابهة في الذهن بحيث يستحضر بعضها بعضاً(229) فعند ذكر إحداها تتداعى الأخرى تلقائياً بالاستجابة الشرطية كما يرى علماء النفس.
واقترن التفكير في الخيال بنظرية تداعي المعاني في القرنين السابع عشر والثامن عشر؛ ولا يشترط في هذه المعاني المشابهة، بل قد يرتبط بعضها ببعض بالضدية أو المناقضة أو المنافاة أو التلازم أو التكامل. ورأى العلماء أن بين تداعي المعاني والسرقات الشعرية خيطاً دقيقاً رفيعاً، لا يدركه سوى الذواقة الفاقه في المعاني، واللبيب في إدراك الفروق فيها، بحيث لا تخطئه حافظته في كونه قد سمع هذا المعنى أو لاحظ هذه الصورة من قبل عند شاعر من الفحول؛ وهو ما أسهم الفيلسوف الإنجليزي هوبز (ت1679م) في تعميق فهمنا له، وأرسى مبادئه بحيث صار أكثر وضوحاً(230). كما استطاع الفيلسوف الاسكتلندي جيمس مل (773- 1836م) أن يواصل النظر في هذا المفهوم، حين نشر كتابه "تحليل ظواهر الفكر الإنساني (1829م) وعرض فيه مذهب تداعي المعاني في صورة أوضح، وبمادة علمية وتمثيلات أغزر مما جاء عند (أراسم درون) و(ديفيد هارتلي)، اللذين أوحيا بهذا المفهوم إليه(231).
وينبغي على الشاعر الحقيقي أن يتحين الفرصة، وألا يفكر أو يعبث في شعره معتمداً على مخزونه حين لا تكون المناسبة مهيأة، فلا تلوح وحدة تأليفه في غير تداعي الألفاظ، أو على الأكثر تداعي المعاني لروابط شكلية أكثر منها داخلية؛ كما يرى مندور(232)، أو يكرر ذلك حتى يمل المتلقي ويألفه، ويتوقعه، فتقع قصيدته منه موقعاً فاتراً لا روح فيها ولا حياة.
ولا يتوقف الاستدعاء على هذه التيمة، بل تستدعي بطبيعتها استدعاء معاني من لبيد وصور وتراكيب لأن طبيعة الاستلهام معقدة، وعندما يستدعي الشاعر شاعراً آخر، أو يحضره الآخر في تجربته، فإنه من الصعب تنحيته والابتعاد عن تأثيره، بل إن أثره ليتسرب عن طريق اللاوعي وبشكل تلقائي ربما لا يعمد إليه الشاعر، ولا يشعر به، وللتدليل على ذلك نأخذ هذه الصورة التي استدعت لبيداً وأربد، في قصيدة للبحتري(233):
وأنا لبيد عند آخر دمعةيصف الصبابة والمكارم أربد
ونتتبع القصيدة نفسها، فنجد أن مطلعها(234):
يا يوم عرج بل وراءك يا غد! قد أجمعوا بينا وأنت الموعد
ألفوا الفراق كأنه وطن لهم لا يقربون إليه حتى يبعدوا
في كل يوم دمنة من حيهم تقوي، وربع منهم يتأبد
دمن تقاضاهن إعلان البلى هوج الرياح الباديات العود
وهو ما يذكرنا بمطلع لبيد في معلقته(235):
عفت الديار محلاه فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها
دمن تجرم بعد عهد أنيسها حجج خلون حلالها وحرامها
لم يستحضر البحتري لبيداً بصورة عرضية، أو: بصورة الكولاج؛ وهو نوع من التناص انتقل إلى النص الأدبي من فن الرسم، ويقصدون به الملصقات للزينة(236) فلم يعمد البحتري إلى مجرد تزيين نصه، بل سيطر لبيد على نصه، وكان في وعيه منذ مراحل تشكيله الأولى.
من ذلك، أيضاً، أن الشاعر قد يستدعي تيمة لبيد؛ فتتداعى تيمات المهلهل، وأخيه كليب وائل، ومتمم بن نويرة وأخيه مالك وفق قانون تداعي المعاني؛ ومما يؤكد حضور الدوائر الثلاث في شعر الشعراء؛ ما نجده عند أبي فراس الحمداني (ت357هـ)(237):
سأبكيك ما أبقى لي الدهر مقلة فإن عزني دمع فما عزني دم
وحكمي بكاء الدهر فيما ينوبني وحكم لبيد فيه حول مجرم
وما نحن إلا وائل ومهلهل صفاء وإلا مالك ومتمم
يلمح أبو فراس إلى وصية لبيد إلى ابنتيه، ولكنه في الوقت نفسه يربط حكمه في البكاء بحزنه على أخيه، ثم تتداعى هذه التيمات المتشابهة والمترابطة؛ فيستدعي حزنه حزن متمم على مالك، ويردنا إلى دائرة أقدم هي دائرة المهلهل بن ربيعة وأخيه وائل. فالمهلهل هو أول من قصد القصائد وذكر الوقائع في قتل أخيه كليب وائل الذي قتله جساس بن مرة(238).
هذا التأصيل الذي صنعه أبو فراس أعطى لصورته أصالة دفعت الشهرزوي (محيي الدين أبو حامد كمال الدين ت572هـ) أن يضمنها في رثائه والده(239):
لقد عظمت بالرغم فيك مصيبتي وإن صوابي لو صبرت لأعظم
وكيف أرجي الصبر والقلب تابع لأمر الأسى فيما يقول ويحكم
وما الصبر إلا طاعة غير أنه على مثل رزئي فيك وزر ومأثم
وإني أرى رأي ابن حمدان في البكا أصاب سواء الحق والله أعلم
أردد في قلبي مع الناس نظمه وفي خلوتي جهراً به أترنم:
"سأبكيك ما أبقى لي الدهر مقلة فإن عزني دمع فما عزني دم
وحكمي بكاء الدهر فيما ينوبني وحكم لبيد فيه حول مجرم
سقاك ملث لا يزال أتيه كجودك يغني كل فج ويفعم
فالشهرزوي في خياله أسير (التوهم)، على حد تعبير (كولردج) الذي يشبه التوهم الذاكرة في أنه يتعين عليه أن يحصل على مادته كلها جاهزة وفق قانون تداعي المعاني"(240): فكم من الصور والإحساسات يجمعها الشاعر دون عناء ودون أي نشاز(241)!، ونجد تشابهاً لذلك في تراثنا؛ من ذلك ما نجده في شعر أسامة بن منقذ (ت584هـ)، حين كتب إلى أخيه عز الدولة(242):
أساكن قلبي والمهامة بيننا وإنسان عيني والمزار بعيد
تمتلك الأشواق لي كل ليلة فهمي جديد والفراق جديد
ومعظم همي أن عمر فراقنا مديد وعمري للشقاء مديد
فيا صخر ما الخنساء مثلي ولا نهى بوادر دمعي ما قضاه لبيد
فأسامة، وإن كان يشير إلى وصية لبيد لابنتيه كما سيأتي، فإنه يستدعي علاقته بأخيه؛ وهذه الأخوة تستدعي أنموذج الأخوة الذي شكله، ومثله لبيد والخنساء ومتمم مشيراً، أيضاً، إلى النموذج المثال للأخوة الصادقة بين الخنساء وأخيها صخر الذي أبقت ذكره في الشعرية العربية، وكأن الحلقات الثلاث التي أشرت إليها في البداية سلسلة متشابكة تستدعي كل منها الأخرى. وكما استدعت تيمة لبيد وأخيه تيمة الخنساء وأخيها عنده فقد استدعت أيضاً تيمة متمم بن نويرة وأخيه مالك؛ حتى عند بهاء الدين علي بن رستم، الشهير بابن الساعاتي (ت604هـ) الذي يوظفهما مقترنين في مقدمته الغزلية لمدحته الظافر بن حسن (سنة 595هـ) بالرغم من فجاجة التوظيف وولعه بها(243):
يا صاحبي، وأين مني صاحب هل لك علم كيف أقوى العلم
ميدان لهو صار ميدان وغى فيه تلاقي أدمعي والديم
كأنما عاش لبيد نادباً وقام يبكي مالكاً متمم
بي بدوي الزي عند مثله تنسى العهود وتصاغ الذمم
معتقل خطية من قده وبالحياء وجهه نلتثم
يحق للشاعر نقل الإطار الشعري من معنى إلى معنى، بل هو نقل مشروع أوصى به النقاد القدماء؛ كما نرى عند ابن طباطبا العلوي (ت322هـ) الذي يوصي الشاعر إذا تناول المعاني التي سبق إليها، وليبرزها في أحسن من الكسوة التي كانت عليها، وبذلك لا يعاب، بل وجب له فضل لطفه وإحسانه فيه على حد تعبيره(244)، ولكنه اشترط لذلك شروطاً خاصة؛ منها الإحسان، واللطف لهذه المعاني "فهذا من أبدع ما قيل في هذا وأحسنه، ويحتاج من سلك هذه السبيل إلى الطاف الحيلة وتدقيق النظر في تناول المعاني واستعارتها، وتلبيسها حتى تخفى على نقادها والبصراء بها، وينفرد بشهرتها كأنه غير مسبوق إليها، فيستعمل المعاني المأخوذة في غير الجنس الذي تناولها منه، فإذا وجد معنى لطيفاً في تشبيب أو غزل استعمله في المديح، وإن وجده في المديح استعمله في الهجاء"(245). وإذا أعملنا هذه الشروط التي اشترطها ابن طباطبا فقد نجد فيما أتى به بعض الشعراء حيلة لطيفة إلا أننا كثيراً ما نفتقدها؛ فالشريف الرضي (359- 406هـ) يأتي بهذه المعاني المتداولة مباشرة بلا لطف ولا حيلة(246):
فقد فجع الماضي لبيداً بأربد وعزي قبلي مالك من متمم
فالمعنى يدعو أخاه في تلقائية، وليس هناك جديد في الصور المتتابعة.
ومن اللافت أنه جمع بين دائرتين مختلفتين من دوائر الذكرى، في حين استدعتا الثالثة بالتداعي الشرطي في القصيدة نفسها(247):
ولم أجهد السيف الطويل نجاده أمام الظبى والنفع بالنقع يرتمي
والتناص الكنائي في (السيف الطويل نجاده) واضح أنها من الكناية التي غزلت خيوطها الخنساء في بيتها الشهير، واحتفظ بها صخر في المخيلة الشعرية(248):
رفيع العماد طويل النجاد ساد عشيرته أمردا
وسيطر عليه هذا التناص الكنائي مع الخنساء بالتداعي الحر في القصيدة نفسها حين يصف ممدوحه(249):
قليل مقام بين أهل وثروة كثير طلوع بين واد ومخرم
وكأنه واقع في دائرة الخنساء، وكنايتها التي خصت بها أخاها الحبيب في صورتها الآسرة تخييلاً وإيقاعاً(250):
حمال ألوية هباط أودية شهاد أندية للجيش جرار
والأمر؛ إذاً، ليس كما يرى محمود الطويل من أن الشريف يضع ميسمه، وطابعه على شعره بحيث تتميز أشعاره عن شعر غيره؛ كأنه النوق العتيقة النجيبة(251)، كما لا يصل به الأمر أن يتهمه عبد الفتاح الحلو في دراسته الموسعة عنه بأنه يأخذ معانى لبيد دون أن يضيف إليها أو أن يجددها في استخدامه، بل يقلده تقليداً أعمى(252)، ومثل لذلك بقوله(253):

وكاذب النفس يمتد الرجاء لها إن الرجاء بصدق النفس ينقطع
ورأى أنه مأخوذ من قول لبيد الشهير(254):

وأكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل
ولست مع الحلو أيضاً فيما ذهب إليه فالبيت من الأبيات السائرة الذي سار مسرى المثل(255)، واختير من بعض الشعراء والنقاد على أنه أفضل بيت قالته العرب(256). والأمر كما رأى زكي مبارك في وصف عبقريته بأنه كان مثقفاً ثقافة نادرة جعلته ينقح ديوانه ويرتبه؛ مما قد يدفعه إلى توشيته بدرر الحكم ليضمن له البقاء الباذخ الذي كان يأمله(257)، وأرى أنه لا عيب مطلقاً في ذلك، بل هو تحكيك يثقل شعره، ويرفع قدره، ما دام لم يخرج به عن إطار الصنعة الفنية إلى التصنع والتكلف.
وعلى كل حال فهذا البيت من الأبيات التي شغلت الشعراء والنقاد من مراثيه في أربد، وكان لها صدى كبير في الشعرية العربية حتى صار من الأبيات السائرة، والأمثال المتداولة(258) التي رأى بعض القدماء أن لبيداً أحسن فيه غاية الإحسان. وكان بشار يفضله على الشعر كله إذا طلب منه التفضيل، مع اعترافه بصعوبة الأمر، ويقول259) "إن تفضيل بيت على أشعار العرب لشديد! ولكن أحسن كل الإحسان، وأوجز وأعجز لبيد في قوله... البيت(260)"، ورآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحسن ما قال لبيد(261)، وأخذه دعبل بن علي الخزاعي (ت246هـ)، وأعاد تشكيله في قوله(262):
هي النفس ما حسنته فمحسن لديها وما قبحته فمقبح
وهي صياغة تحمل سمات دعبل الفنية؛ كما حاوره أبو الطيب المتنبي (ت354هـ) وبسطه في رثائه فاتكاً الكبير(263):
تصفو الحياة لجاهل أو غافل عما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه ويسومها طلب المحال فتطمع
وواضح أن البيت بما يكتنز من المعنى الحكمي الإنساني العام شغل المتنبي بطبيعته الفلسفية التي تجنح إلى خطاب النفس الإنسانية وتحليل أدق طبائعها. وأبدع فيه حتى صار من أمثاله السائرة(264)؛ فكرر صياغته في أكثر من موضع؛ منها قوله(265):
فما الخوف إلا ما تخوفه الفتى وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
ولم يكن الشريف بدعاً في فتنته به، كما لم يكن أكثر الشعراء ولعاً بشعر لبيد، وبخاصة تيمة لبيد وأربد، وما خلفه من تيمات بديعة أخرى مما تناولته؛ فقد ظهرت هذه التيمة مبكراً واضحة في شعر الطرماح بن حكيم (ت125هـ) الذي حفظ جانباً كبيراً من مراثي لبيد، تمثلها في شعره وفي رثاء موتاه من الشرورية الذين كان يمثلهم، ويرثي قتلاهم؛ وتأسى بلبيد حين فارق أخاه(266):
فإني وإياكم وموعد بيننا كيوم لبيد يوم فارق أربدا
ولم تتوقف فتنة الطرماح عند تيمة لبيد وأربد، بل امتد تأثير حزن لبيد في مواضع مختلفة من شعره؛ كتلك التي نراها في لوحة الصيد التي رسمها لبيد باقتدار للبقرة الوحشية المسبوعة مع كلاب الصيد في معلقته(267):
أفتلك أم وحشية مسبوعة خذلت وهادية الصوار قوامها
خنساء ضيعت الفرير فلم يرم عرض الشقائق طوفها وبغامها
باتت وأسبل واكف من ديمة يروي الخمائل دائماً تسجامها
يعلو طريقة متنها متواتر في ليلة كفر النجوم غمامها
حتى إذا انحسر الظلام وأسفرت بكرت تزل عن الثرى أزلامها
وتوجست رز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها
حتى إذا يئست وأسحق حالق لم يبله إرضاعها وفطامها
فلحقن واعتكرت لها مدرية كالسمهرية حدها وتمامها
لتذودهن وأيقنت إن لم تذد أن قد أحم مع الحتوف حمامها
يتأثر الطرماح بهذه اللوحة تأثراً واضحاً، فاحتذى هذا المشهد اللبيدي استيحاء تفصيلياً في وصفه(268):

أذاك أم ناشط توسنه جاري رذاذ يستن منجرده
بات لدى نعضة يطوف بها في رأس متن أبزى به جرده
طوف مثلي نذر على نصب حول دوار محمرة جدده
لما استبان الشبا، شبا جربياء المس من كل جانب ترده
غاط حتى استباث من شيم الأرض سفاة من دونها ثأده
ثم آدته كبرياء على الكرر وحرد في صدره يجده
فهو ثان يذوحهن بروقيــه معاً أو بطعنه عنده
ذا ضرير، يشك آباطها القصــوى بطعن يفوح معتنده
تتشظى عنه الضراء فما تثــبت أغماره ولا صيده
فنهى سبحه اليقين وما لاقي عطاف والموت محترده
وتتبع الباحث فتحي المسيعدين كيفية اقتفاء الطرماح خطى لبيد، وانتهى إلى أن الطرماح قد نسخها نسخاً، ولم يضف إليها ما يذكرنا به، أو يميزه عما رسمه لبيد في لوحته الرائعة(269) ومن المواضع الأخرى التي وضح فيها تأثر الطرماح بلبيد ما كان لبيد نفسه قد تأثر فيه بوصف طرفة للسفينة(270) فقال(271):
تشق خمائل الدهنا يداه كما لعب المقامر بالفيال
فاحتذاه الطرماح فقال(272):

وغدا تشق يداه أوساط الربا قسم الفئال تقد أوسطه اليد
ولأن ابن قتيبة كدأب القدماء في ملاحظاتهم الجزئية والسريعة؛ فلم يلتفت إلى أن مواضع التأثير بقصيدة لبيد تسيطر على قصيدة الطرماح كاملة، ولا يقتصر هذا الأثر على هذا البيت المنتزع قصيدته؛ وهو ما ألح عليه في أن الشاعر إذا حضره شاعر آخر ألح على مخيلته الإبداعية، ولم يستطع أن يتحرر من أسره مكتفياً بتركيب ينتزعه أو بصورة يستنسخها، أو مشهد يطوره، أو قالب موسيقي ينسج على منواله.
وملحظ أخير هو أننا لم نجد ولع الطرماح الشديد بشعر لبيد في شعر الكميت بن زيد الأسدي (ت126هـ) شاعر الشيعة، وقد تتبعته لأكشف أثر لبيد فيه؛ فما وجدت ما يقود القول بأنه تأثر به.
والرأي عندي في ذلك أن الطرماح أقرب إلى روح لبيد من الكميت، فالطرماح بدوي مثل لبيد، في حين أن الكميت حضري، والطرماح هواه مع الشام، والكميت مع العراق، وقد فصل ابن قتيبه التباين بين الرجلي في الدين والرأي والإطار الثقافي، ووصف الكميت بكثرة السرقة وشدة التكلف في شعره(273).
وسبب مناقشتي ذلك هو محاولة الوقوف على مدى تأثر شعراء الفرق الإسلامية به، واستقر في ظني أنه ليس كل الشعراء من ذوي الميول المذهبية تأثروا بلبيد، بل تأثر به من كان صادقاً في شعره ودينه ومذهبه، صح مذهبه أولم يصح.
وقد لاحظت سهير القلماوي أن الطرماح مولع بلبيد، ويسعى إلى تقليده، وترى اللوحتين السابقتين متشابهتين تشابهاً كبيراً؛ مما يرجح فكرة النقل القريب التي ذهبت إليها(274). والغريب أن هذا الأثر الواضح لشعر لبيد في شعر الطرماح لم يلحظه كل من محمد علي كساب، ومصطفى أبو طاحون، مع أنهما درسا أثر الشعراء في شعره(275).
وكان رأي الباحث فتحي المسيعدين أكثر دراية بطبيعة الإبداع من عبد الفتاح الحلو، حين برر التناص عند الطرماح بأن عملية الإبداع لا تنشأ من فراغ؛ إذ لا يمكن لأي مبدع أن يبدع من فراغ، واحترز لرأيه بأن يفيد المستلهم من الإطار الشعري للمستلهم، ولا ينقل المعاني كما هي(276)، وهي وصية ابن طباطبا العلوي وغيره من نقادنا القدماء؛ كما مر بنا.
ويمكنني القول هنا بأن من أسباب وقوع بعض الشعراء في الخطأ، أو الفجاجة اعتمادهم الكبير على موروثهم الشعري؛ فهم يستقون منه أكثر من الالتحام بأجواء الصورة الحقيقية التي يرسمونها. ولعل ذلك هو ما يسميه (كولردج): التداخل بين (الخيال المطلق والتوهم المحدود)(277) الذي هو ضرب من الذاكرة تحرر من قيود الزمان والمكان.

يتبع
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-04-2019, 11:13 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)





الاستلهام بين انتزاع البنية ومحاورة النص الكلي:

تتداول المعاني وتتطور بين الشعراء، فلست أزعم أن لبيداً له السبق في كل المعاني المأخوذة منه، بل أخذ هو بعضها من غيره، ولكنه أعطاها من روحه وصياغته ما جعلها مثيرة وأخاذة، فأخذ هو؛ كما مر من بيت طرفة بن العبد، وبثه لبيد من روحه، ولكنه كثير السبق إلى المعاني والابتكار، مما دفع الشعراء الكبار إلى احتذائه؛ من ذلك ما يرصده ابن قتيبة من ابتكارات لبيد(278) التي لم يسبق إليها(279):
من المسبلين الريط لذا كأنما تشرب ضاحي جلده لون مذهب
أخذه الأخطل (غياث بن غوث ت90هـ)، ونقله من إيقاع الطويل إلى إيقاع الكامل محتفظاً بقافيته كثير من ألفاظه(280):
لذ تقبله النعيم كأنما مسحت ترائبه بماء مذهب
تنطبق على الأخطل في ذلك رؤية إيليا حاوي لنفسيته وشعره، حين رآه مولياً وجهه شطر كعبة التقليد، ولكنه ينفذ إلى المعاني العظيمة، ويكسوها بحلته التعبيرية الخاصة(281)، مثال ذلك ما نجده أحياناً حتى عند المجددين؛ كما هو الحال عند أبي نواس (الحسن بن هانئ ت198هـ) الذي أطال النظر في قول لبيد حين يذكر قوماً ماتوا(282) في قوله(283):
وإنا وإخواناً لنا قد تتابعوا لكالمغتدي والرائح المتهجر
فينقله النواسي من إيقاع الطويل إلى إيقاع الخفيف المجزوء محتفظاً أيضاً بقافيته(284):
سبقونا إلى الرحيـل وإنا على الأثر
وفات ابن قتيبة أن معاني النواسي تدور كلها في هذه القصيدة حول التباين والتناقض في طباع الناس، وضرب الأمثلة على تحول النعم، وزوال ذوي السطوة والحول والطول؛ ولذا فإني أرى أن التواشح لم يكن على مستوى بنية تركيبية، أو صورة جزئية، أو بيت بتمامه، بل على مستوى البناء الجزئي، أو الكلي للقصيدة، وتأكيداً لذلك لو أخذنا البيتين السابق واللاحق لبيت لبيد المذكور عنده لوجدناهما كالآتي(285):
نحل بلاداً كلها حل قبلنا ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير
هل النفس الأمتعة مستعارة تعار فتأتي ربها فرط أشهر
ولو أخذنا قصيدة النواسي كاملة لوجدناها كالآتي(286):

يا بني النقص والعبر وبني الضعف والخور
وبني البعد في الطباع على القرب في الصور
والشكول التي تبا ين في الطول والقصر
أحتساء من الحرام وختماً على الصرر
أين من كان قبلكم من ذوي البأس والخطر
سائلوا عنهم المدائن واستبحثوا الخبر
سبقونا إلى الرحيــل وإنا على الأثر
من مضى عبرة لنا وغدا نحن معتبر
إن للموت أخذة تسبق اللمح بالبصر
فكأني بكم غداً في ثياب من المدر
قد نقلتم من القصور إلى ظلمة الحفر
حيث لا تضرب القباب عليكم ولا الحجر
حيث لا تظهرون فيــها للهو ولا سمر
رحم الله مسلماً ذكر الله فازدجر
فالقصيدة كلها لا تبعد أن تكون نسجاً مطرداً على منوال لبيد، وليست تشابهاً بين بيت وآخر كما توقف ابن قتيبة عند تلك المشابهة الجزئية.
ترك لنا أبو نواس نفسه ما يؤكد تمثله للشعرية العربية القديمة، وتأثيرها في إبداعه حين "استأذن خلفاً الأحمر في نظم الشعر؛ فقال: لا آذن لك في عمل الشعر إلى أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ومائة أرجوزة قصيد ومقطوع فغاب عنه مدة، وحضر إليه، فقال له: قد حفظتها، فقال: أنشدها، فأنشده أكثرها في عدة أيام ثم سأله أن يأذن له في نظم الشعر، فقال له الآذن لك إلى أن تنسى هذه الألف أرجوزة، كأنك لم تحفظها، فقال له: هذا أمر يصعب علي؛ فإني قد أتقنت حفظها، فقال: لا آذن لك أو تنساها، فذهب إلى بعض الديرة وخلا بنفسه، وأقام مدة حتى نسيها، ثم حضر إليه، فقال: قد نسيتها حتى كأن لم أكن حفظتها قط، فقال: الآن فانظم الشعر(287). "وهو ما يوضح لنا سر تأثر النواسي بلبيد تأثراً عميقاً يتجاوز التركيب والصورة والبيت إلى القصيدة الكاملة. ولا غرو، فالشعراء الكبار قد تأثروا بلبيد لأن الشاعر الكبير لا يوجد من فراغ، بل هو كالذئب الذي يحتوي خرافاً مهضومة بالهضم والتمثل والتجزئ والنقل والتفصيل والبسط والحوار والتكثيف، إلى ما لا نهاية له من صور التناص(288). وقد تنبه قدماؤنا إلى ذلك، وبخاصة ابن طباطبا وابن خلدون (ت808هـ) في تعريفهم لما يمكن تسميته وعاء الذاكرة التي يعاد تدويرها في قصائد أحدث، تعيد إنتاج القديم بروح جديدة، وتضيف إليه من إبداعها، بعيداً عن المفهوم الضيق للسرقات الذي استغرق بعضهم(289).
ولا شك أن الشعراء الكبار كتميم بن مقبل، والنابغة الجعدي، والطرماح، وجرير، والفرزدق، وذي الرمة، والأحوص، وبشار، والبحتري، وأبي تمام، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، ومهيار، وابن قلاقس، والشريف الرضي، وابن زيدون، وابن سناء الملك، وابن النبيه، وعلي الجارم،، وشوقي، وبدوي الجبل، وعامر بحيري، ومحمود درويش وغيرهم كثير قد تأثروا بلبيد تأثراً واضحاً.
وللبيد بيت أيقوني شغل جزءاً من الثقافة، وكون نسقاً مضمراً يؤكد أن كل جيل يرى من قبله أفضل منه، وأنه يعيش في الأسوأ، ويتمنى أنه لو عاش مع سلفه الأسوياء، لا مع خلفهم الأشقياء؛ فهذا عبد الله بن عروة بن الزبير، الشاعر والخطيب، وراوي الحديث الثقة، يصف تبدل القوم(290):
ذهب الذين إذا رأوني مقبلاًب شوا إلي ورحبوا بالمقبل
وبقيت في خلف كأن حديثهم ولغ الكلاب تهارشت في المنزل
ولأن الرجل محدث، فقد شغله قول لبيد من ناحية، كما شغله الحديث الشريف، الذي يوضح كيفية طهارة الإناء من ولغ الكلاب: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه، وليغسله سبع مرات"(291) بوصفها أشد النجاسات التي يصعب إزالتها بالطرق الميسورة المأهولة. فتسرب الحديث كنسق ثقافي إلى أهل الحديث ليكسبوه بعداً اجتماعياً آخر يكشف مفارقة حادة بين السلف والخلف، تنبئ عن عظيم غيظه من أهل زمنه.
ومما ينسب إلى عبد الله ابن أبي طاهر، وحكي أن الرشيد قرأها مكتوبة في لوح على أحد جدران بني برمك بعدما أبادهم(292):
يا منزلاً لعب الزمان بأهله طوراً يفرقهم وطوراً يجمع
أين الذين عهدتهم بك مرة كان الزمان بهم يضر وينفع
(ذهب الذين يعاش في أكنافهم) وبقي الذين حياتهم لا تنفع
أصبحت تقزع من رآك، وطالما كنا إليك من الحوادث نفزع
أيام لا أغشى لأهلك مربعاً إلا وفيه للمسرة مربع
لهفي عليك، لو أن لهفا ينفع أو أن دهراً راحم من يجزع
ما كان ذاك العيش إلا خلسة خطفاً كرجع الطرف أو هو أسرع
فالنص كله تنويع على بيت لبيد، وليست المسألة انتزاع بنية جزئية، بل قد يمتد التناص حتى يحاور النص الكلي بنية ومعنى.
البيت المكتنز، والخطاب المكتنز:

النص المكتنز هو نص يثير مخيلة المتلقي، وقد يدفعه إلى نشاط إبداعي آخر(293)، يشكل من خلاله تشكيلات وتأويلات يمارسها وعيه مدركاً التضمينات والإحالات المحتملة لهذا الكنز حتى يخرج من حيز النص إلى التعبير عن الوعي الثقافي والحضاري في نصه الجديد.
ويمكننا أيضاً أن نقول عن بيت لبيد(294):

ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
إنه البيت المكتنز بالدلالات القادرة على أن تحوي خطاباً مكتنزاً قابلاً للتمدد عبر النصوص؛ كما مر بنا من أخذ (عبد الله بن عروة) البيت، وتوزيعه بآليتي الامتداد والتحويل بحيث صار كل شطر بداية لصدر بيت عنده. أما ابن أبي طاهر؛ فقد احتفظ بالصدر، وحول العجز ليوافق الصدر الملهم، ووطأ لهذا المعنى الملهم ببيتين ليولد من معناه المكتنز باقي أبيات المقطعة التي احتفظت بالنص، ولكنها أعادت تشكيل الخطاب وفق لحظة حضارية مختلفة، حيث أخرج البداوة والصورة البدوية المستمدة من جلد الجمل الأجرب إلى الامتداد العمراني والحضاري الذي ملأ حيز المكان والزمان، والوجدان في العصر العباسي. والمقطعة كلها نسج على منوال لبيد، وهو ما يطلق عليه الإشباع النموذجي، أو إشباع النموذج الشعري؛ ويقصد به أن هناك نصوصاً لها حضور طاغ في الذاكرة الشعرية، مما يغري النصوص الجديدة بالحوار معها، وخاصة التجارب ذات الظل الإنساني الكثيف. ولذا فلا يكتفي التناص الجزئي بأن يطل برأسه عند بيت أو مقطع، بل يمتد تفاعله على مستويات عدة؛ مما يجعلنا إزاء نموذجين: سابق، ولاحق، وتكون الغلبة في النهاية غالباً للنص السابق، وهو ما يدل على محوريته واستقطابه وحواريته وقدرته على التأثير في اللاحق، والنفاذ إلى الحاضر من خلاله؛ إنه نص ذو نفوذ وسيطرة(295) وممن أولعوا بهذا البيت فأحدث فيه تحويلاً وتوسيعاً، جحظه البرمكي (أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى ت326هـ)(296):
أصبحت بين معاشر هجروا الندى وتقبلوا الأخلاق عن أسلافهم
قوم أحاول نيلهم فكأنما حاولت نتف الشعر من آنافهم
هات اسقنيها بالكبير وغنني ذهب الذين يعاش في أكنافهم
والملاحظ هنا أن جحظه قد أحدث في بيت لبيد تحويلاً وتوسيعاً معاً، وواضح أنه كان شديد الولع بالبيت؛ فضمنه أكثر من مرة(297)، والغريب أن يعلق البلاغي ابن الأثير (ضياء الدين ت637هـ) على البيت في كتابه هكذا: "الضرب الثاني من التضمين: وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاماً آخر لغيره، قصداً للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود، ولو لم يذكر ذلك التضمين لكان المعنى تاماً.
وربما ضمن الشاعر البيت من شعره بنصف بيت، أو أقل منه، كما قال جحظه:
قم فاسقنيها يا غلام وغنني ذهب الذين يعاش في أكنافهم
ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت "ذهب الذين يعاش في أكنافهم "لان المعنى تاماً لا يحتاج إلى شيء آخر، فإن قوله: "قم فاسقنيها يا غلام وغنني" فيه كفاية، إذ لا حاجة له إلى تعيين الغناء، لأن في ذلك زيادة على المعنى المفهوم، لا على الغرض المقصود"(298).
وهذا كلام عجيب؛ لأن الصدر هنا غير مقصود لذاته، مع ما فيه من تهيئة للمتلقي، بل إن المعنى المقصود كله يستكن في العجز المضمن.
واستغل الصفدي هذا المعنى المكتنز؛ فأخذه مثالاً ومثلاً لشيوع المصيبة والبلوى في عيوب الناس، حتى في النخبة من المحدثين والفقهاء والنحاة، والقراء، وأهل اللغة، والإخباريين(299).
وفي القرن الثالث عشر الهجري يقول سعيد بن القاسم بن صالح الشهير بالحلاق الدمشقي (1259هـ):
نظر الزمان إلى من طرف قذي يوماً فقلت منادياً من منقذي
فنظرت في كل الجهات فلم أجد حلاً يغيث فقلت غب تعوذي
إلى أن يختم مقطوعته(200):

ذهب الذين يعاش في إكنافهم وبقيت في خلف كجلد القنفذ
فحذف (الأجرب)، واستبدل بها (القنفذ) دلالة على انسحابه من ناحية، ومواجهته إياهم بحصن واق مؤذ لهم من ناحية أخرى، وربما انسحب المعنى على أهل زمانه أيضاً الذين صاروا كالقنافذ المذعورة. والصورة فيها نوع من السخرية والازدراء لأهل زمانه، تشكل تطوراً دلالياً؛ فإذا كانوا هم القنافذ، فقد سخر من تقوقعهم وانسحابهم. وإذا كان هو القنفذ فهم الحيات والأفاعي الخبيثة السامة التي صارت رمزاً للإيذاء والخبث والعدوان الماكر والموت المحقق في الخيال البشري منذ الأزل(301)، لارتباط القنفذ بها مع ضعفه يستطيع أن يصطادها على أسهل الوجوه(302).
ومن ذلك ما فعله أبو نواس بالمعنى على طريقته، وتمثل به العلماء وأهل الحديث "ساق الذهبي، رحمه الله تعالى، في ترجمة أبي نعيم الفضل بن دكين ت سنة (218هـ) أنه قال: "كثر تعجبي من قول عائشة: ذهب الذين يعاش في أكنافهم(303)، لكني أقول(304):
ذهب الناس فاستقلوا وصرنا خلفاً في أراذل النسناس
كلما جئت أبتغي النيل منهم بدروني قبل السؤال بياس
وبكوا لي حتى تمنيت أني مفلت عند ذاك رأساً برأس
في أناس تعدهم من عديد فإذا فتشوا فليسوا بناس
ومن هذه السخرية الممضة ما نجده عند ضرب المثل الشعري في أنه لا يريد الثناء إلا أن يكون مطابقاً للواقع بلا إفراط ولا تفريط، وإلا كان من المذموم الممقوت الداخل تحت قول القائل(305):
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضاً ليدفع معور عن معور
وينسب البيتان مع غيرهما للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه(306):
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم بعضاً ليدفع معور عن معور
سلكوا بنيات الطريق فأصبحوا متنكبين عن الطريق الأنور
أبني إن من الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر
فطنا بكل مصيبة في ماله فإذا أصيب بدينه لم يشعر(307)
فبسط معنى البيت وحمل معاني جديدة بالتحويل والتوسيع؛ فهؤلاء الخلف الجدد ليسوا بدواً يعيشون كما يعيش الفارون من الجرب، بل هناك مؤامرة، في ظنه، فيها من الخسة ما يدفع إلى انهيار المجتمع؛ فقد تحولوا من قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إلى قوم يزكي فيهم صاحب النقيصة والرزيلة صاحبه الناقص المرذول؛ فيضيع الكرام في مجتمع اللئام، ويفتن الأحوص الأنصاري في نتفة له(308):
ذهب الذين أحبهم فرطاً وبقيت كالمقمور في خلف
من كل مطوي على حنق متضجع يكفي ولا يكفي
لم يتكئ الأحوص على بيت لبيد فحسب ليحمله شكواه، بل تحاور مع التيمة الثانية التي أشرت إليها آنفاً؛ وهي تيمة متمم بن نويرة وأخيه مالك؛ فأحدث ما يمكن أن نقول عنه تضفير التيمتين والاعتماد على بنيتهما اللغوية والإيقاعية والتصويرية؛ فكما يتضح لنا أثر لبيد في أربد، يتضح لنا بشيء من التمعن أثر متمم بن نويرة في قوله(309):
إذا جرد القوم القداح وأوقدت لهم نار أيسار كفى من تضجعا
فالملحوظ أن الأحوص أفاد من البنى اللغوية للبيد ومتمم معاً، ولكنه التزم بالبنية الإيقاعية لبيت لبيد، وشكل معنى جديداً يحمل روحه، ويعبر عن تجربته بكل صدق، وإن كان الأحوص في النهاية شديد الولع بلبيد، بل يفتخر أنه يضمن شعره شيئاً من شعر لبيد، ويأخذ من معانيه، مبرئاً نفسه من تهمة سرقة معاصريه(310)، مؤمناً بأن لبيداً صار إطاراً ثقافياً عاماً مشروعاً.
ولا يكتفي ابن معصوم المدني (ت1119هـ) بالبناء المعنوي حتى يضمن صدر البيت في عجز الختام عنده(311):

لله إن معاشراً آلفتهم فحويت فضل المجد في إيلافهم
ذهبوا فأخلفت الليالي عنهم قوماً يرون الجود في إخلافهم
عش عائلاً فالدهر أنشد قائلاً ذهب الذين يعاش في اكنافهم
وإن كان بناء بيت جحظة البرمكي لم ينل إعجاب ابن الأثير؛ كما مر بنا؛ فإن ابن معصوم استبدل بقول جحظة الموطئ: "قم فاسقنيها يا غلام وغنني" قوله: "فالدهر أنشد قائلاً". وتكرار صيغة الإنشاد والغناء يؤكد أن هذه سمة الدهر، وأن كل جيل أفضل مما بعده؛ فناس زمانه يرون في الإخلاف جوداً؛ ولذا فاليأس منهم واجب، كما أنها صيغة موطئة لقول عام مهم يأتي بعدها، وفيها من التنبيه، ولفت الانتباه ما فيها.
ويبني أحمد شوقي على هذا البيت الملهم رأيه في عصره، وسياسته، وأهله، وشكواه من القضايا الوطنية الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والحضارية، وما يعانيه من تخلف بسبب الشقاق وسيطرة الفاسدين الذين يتشحون بوشاح الهداية زوراً وبهتاناً(312):
ذهب الكرام الجامعون لأمرهم وبقيت في خلف بغير خلاف
أيظل بعضهم لبعض خاذلاً ويقال شعب في الحضارة راقي
وإذا أراد الله إشقاء القرى جعل الهداة بها دعاة شقاق
ولأن شوقياً يمتلك من الحكمة ما يمتلك لبيد، فقد اتكأ على حكمة لبيد مولداً حكمته الخاصة في البيت الأخير، وكما استطاعت حكمة لبيد أن تجد من يتلقاها في زمن شوقي إبداعاً لعمقها وقدرتها على الغوص في أعماق النفوس البشرية، وتبدل طبائع الناس؛ فإن حكمة شوقي تمثل عصرنا، حيث نرى أسوأ أنواع الرذيلة عندما يتزيا الفاسدون ثياب الفضيلة.
وإذا كان الحلاق الدمشقي وابن معصوم قد ختما ببيت لبيد نصيهما؛ فإن ابن لنكك البصري (أبو الحسن محمد بن محمد ت360هـ) كان قد حاور البيت، وأشار إلى معنى طريف في مطلع مقطوعته(313):
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف بلا أكناف
بطيالس وقلانس محشوة يتعاشرون بقلة الإنصاف
ما شئت من حلل وفره مراكب أبواب دورهم بلا أجواف
يولد الدمشقي عجز بيته من صدر بيت لبيد، ليغبطه على أنه وجد من يعيش في كنفه في حين أنه لم يجد هذه الأكناف التي يعاش في ظلها بين أهل زمانه، ثم ينقلنا إلى صورة حضارية تناسب عصره الذي تطور وتحضر من حيث الشكل الخارجي والمظاهر المتصلة بالملابس، والطيالس، والقلانس في مظاهر خداعة مخادعة، ولكنهم في جوهرهم آنذاك لما يعرفوا عدلاً ولا إنصافاً؛ فهم في حلل وافرة، ومراكب مذهلة، ولكن الجوهر خاو؛ فهم كالدو الفارغة.
ونجد هذه المرارة المنعكسة من المفارقة التصويرية في مواضع كثيرة؛ عند غيره؛ منها تلك الصورة اللاذعة النقد في قول أبي محمد لطف الله المعافى (من شعراء اليتيمة) متشحة بالسخرية الموجعة والتصوير الكاريكاتوري(314):
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وهم الكرام السادة الأشراف
وبقيت في خلف كأن وجوههم خبز الشعير إذا علاه جفاف
فوجوه أهل زمانه جافة خشنة، فيها من البؤس البغيض والفقر المصطنع مثل ما يبدو على رغيف الشعير الجاف، ولا يرغب فيه؛ ولذا يؤكل ويذم ولذا فهو أدنى أنواع الخبز(315).
ويبدو أن بيت لبيد شغل كثيراً من شعراء اليتيمة؛ منهم أبو بكر الخوارزمي(ت382هـ)( 316):
بودي لو رأى كنفيه يوماً ومن قد عاش تحتهما لبيد
يشير الخوارزمي إلى كنف لبيد، ولكنه يغبطه فيه؛ فقد افتقده غيره، ولم يره يوماً واحداً، وكثيراً ما يضمن الخوارزمي شعره من شعر لبيد وغيره(317)، وهكذا تنوعت آليات الشعراء في تثوير هذا الخطاب المكتنز عبر خطاباتهم المختلفة من خلال بيت لبيد المكتنز لدلالات قادرة على اختراق حواجز الزمن لما يحتويه من خطاب إنساني عام.

3- الارتداد العكسي بين التناسل والمعارضة:
تتفاوت طبائع المتلقين ومشاعرهم بلا شك، ومن هنا يمكننا فهم تفاوت الارتداد العكسي لشعر لبيد ومواقفه. ويقصد بمفهوم الارتداد العكسي النص الذي ينتجه المتلقي عندما يتأثر بنص ما؛ فيثيره إلى إبداع نص آخر فيتحول المتلقي إلى مبدع. ولا يشترط في نصه أن يكون توافقياً مع النص الأول، بل هو ارتداد عكسي لإعجابه به، حسب ملكاته، وخبرته، وتجربته، الجمالية، وقدرته على الاكتساب من التجارب الكبرى المؤثرة، والاستبصار بها(318) وهي رد فعل النص. من ذلك ما حكي من اجتماع مروان وابن الزبير عند أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، وأن مروان ذكر بيتاً للبيد في رثاء أربد (من الطويل):
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يعود رماداً بعد إذ هو ساطع
فتعجب منه. قال ابن الزبير: وما تعجبك؟ لو شئت قلت ما هو أفضل منه:

ففوض إلى الله الأمور إذا اعترت فبالله –لا بالأقربين- تدافع
قال مروان:

وداو ضمير القلب بالبر والتقى ولا يستوي قلبان: قاس وخاشع
وقال ابن الزبير:
ولا يستوي عبدان: عبد مصلم عتل لأرحام الأقارب قاطع
قال مروان:
وعبد تجافي جنبه عن فراشه يبيت يناجي ربه وهو راكع
قال ابن الزبير:
وللخير أهل يعرفون بهديهم إذا جمعتهم في الخطوب المجامع
قال مروان:
وللشر أهل يعرفون بشكلهم تشير إليهم بالفجور الأصابع
فسكت ابن الزبير، فقالت له عائشة: ما سمعت مجادلة قط أحسن من هذه، ولكن لمروان إرث في الشعر ليس لك.(319) "وهو من الأبيات السائرة؛ كما يرى الثعالبي (أبو منصور ت429هـ)(320)، ومن العجيب أن يصنفه ابن طبا، وهو الناقد المتمرس، من "الأبيات الحسنة المعاني الواهية الألفاظ، ومن الحكم العجيبة، والمعاني الصحيحة، الرثة الكسوة، التي لم يتنوق في معرضها الذي أبرزت فيه.(321)"
في الوقت الذي يراه شهاب الدين النويري (ت773هـ) من أبرز أمثلة الملاءمة؛ وهي "تأليف الألفاظ الموافية بعضها لبعض على ضرب من الاعتدال(322)" ويرى فيه الراغب الأصفهاني (ت502هـ)، تلخيصاً لماهية الإنسان مساوياً لسؤال جالينوس (ت200م) عنها، فقال: سراج ضعيف وكيف يدوم ضوؤه بين أربع رياح؛ يعني بالسراج روحه وبالرياح الأربع طبائعه(323)". أما ابن الرومي فنظر إلى المعنى، وأكسبه حلته؛ فقال من الوزن نفسه(324):
محار الفتى شيخوخة أو منية ومرجوع وهاج المصابيح رمدد
وعده ابن سعيد المغربي (ت685هـ)، من الشعر المرقص في الإسلام لشاعر من شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم(325).
واللافت، أيضاً، أن الارتداد العكسي للبيت الذي تفاوتت آراء النقاد حوله إلى درجة التناقض الحاد يتمثل به في بنية هذه الحكاية الطويلة التي تناسلت فيها من بيته أبيات تستمد من وزنه وبنيته ومعناه، وهو بيت في رثاء أخيه أربد الذي تآمر مع عامر بن الطفيل على قتل النبي صلى الله عليه وسلم. والبيت يتمثل به في حضور أم المؤمنين السيدة عائشة، رضي الله عنها، التي روت للبيد؛ كما مر بنا، ولكن الشعراء يحاولون الحوار مع البيت حول المعنى من نواحٍ فلسفية وإيمانية متفاوتة بارتداد عكسي متفاوت أيضاً.
أما بيته الأشهر الذي شغل الشعراء، ورآه السلف خير ما قيل في العزاء عن كل غالٍ ونفيسٍ(326)؛ فهو قوله(327):
وما المال والأهلون إلا وديعة ولابد يوماً أن ترد الودائع
وقد سرى مسرى المثل عند القدماء(328) وبنى عليه أبو عبد الله محمد بن الهيصم، رأس فرقة الكرامية، مقطوعة من الوزن نفسه، والقافية نفسها، مما جعله يضمن صدره عجزاً لبيته الثاني ليوطئ للبناء عليه في التركيب والقالب الموسيقي، ويبسط المعنى المكتنز في البيت(329):
ألا إنما الإنسان كاسب نفسه فلا الشر منسي ولا الخير ضائع
وما المرء إلا للحوادث نهبة (وما المال والأهلون إلا ودائع)
وما جسد الإنسان إلا كعلة مورثة سلالة الموت تابع
ومن لم يزعه العقل عما يشينه فليس له إلا المقارع وازع
ومن يركب الإعجاب يخذل ومن يرد حياض الهوى أكدت عليه المشارع
عجبت لهذا السائلي أين أنتوي؟ وهل منتوى إلا إلى الشار شارع؟
وممن بنى مقطوعة كاملة على هذا البيت يزيد بن الحكم الثقفي (ت105هـ) الذي يقطر حكمه البيت، ويكثفها حتى تمطر عليه حكمة أوسع تشمل رؤيته إلى الحياة والأحياء(330):
ترى المرء يخشى بعض ما لا يضيره ويأمل شيئاً دونه الموت واقع
وما المال والأهلون إلا ودائع ولابد يوماً أن ترد الودائع
فكل أماني امرئ لا ينالها كأضغاث أحلام يراهن هاجع
وفي اليأس من بعض المطامع راحة ويارب خير أدركته المطامع
أبي الشيب والإسلام أن أتبع الهوى وفي الشيب والإسلام للمرء وازع
وواضح أنه بنى مقطوعته داخل الإطار الموضوعي والموسيقى لبيت لبيد، مع الإقرار بوجود أثر لشعراء آخرين كسحيم عبد بني الحسحاس (ت40هـ) داخل الإطار الثقافي ليزيد.
وإذا كان البيت مؤثراً في الإطار الثقافي لشعراء العصرين الأموي والعباسي، فإنه ظل يشغل خيال الشعراء ووعيهم بعد ذلك؛ فيبني ابن نباتة المصري (ت768هـ) داخل هذا القالب الموسيقي وزناً وقافية، وإن تحول بالموضوع من الرثاء إلى الغزل(331):
يفوت عياني مشهد من جمالكم فيجمع طرفي والمدامع جامع
هوى مطمع إنسان عيني وإنما تقطع أعناق الرجال المطامع
بروحي من نظمت في خصرها الثنا فرح وفي لا شيء نظمي ضائع
وأودعتها قلبي وصبري والكرى وحكم الهوى أن لا ترد الودائع
والنص على كل حال قائم بنفسه في زمنه، وإن استقى من الماضي وسياقاته، وحاوره وحوره، ليعيده في نشأة أخرى، والقراءة له تعيده في نشأة جديدة في حاضرها، فتحرره من ذاكرة التاريخ؛ لتكون آثار حضوره دائمة في غير انقطاع(332). فابن نباته تسيطر عليه ذكرى لبيد، وبخاصة مأساة أربد؛ فيعيد تشكيلها في مدحته فخر الدولة(333):
وأدهم رهوال بقرية أربد شلت له الأحمال بالرجل واليد
وفارقته أبكي عليه حقيقة بكاء لبيد يوم فرقة أربد
ويبدو أن ابن نباتة أتى بذكر قريته (أربد) بداعي المجانسة ليوفر لقصيدته أعلى قدر ممكن من الطاقات الإيحائية والجمالية. ولأن شعر المديح خاصة سلعة يبيعها الشاعر للمشتري؛ فلابد أن يقربه إليه ويغريه به باستيعاب الميراث الثقافي ومعرفة مدى وقعه وسحره في ترويج سلعته، وأن يضمن لها القبول والتحبب إلى النفوس بأن يكون سهلاً مألوفاً وثيق الصلة بمناطق القبول لدى المشتري في صورة حسنة وخلقة تامة نسيجاً وتصويراً(334) حتى صرح صر در (أبو منصور علي بن الحسن بن الفضل ت465هـ) أن الشعر سلعة، وللأشعار أسعار(335):
ولست أرخص أقوالي لسائمها إلا عليك وللأشعار أسعار
ولا يستحيي الشعراء من بعده أن يصرحوا بهذه المتاجرة التي تستلزم كل ما يمكن شراء رضا المشتري للسلعة المعروضة؛ فيكرر ابن قلاقس (نصر بن عبد الله ت 567هـ) بكل صراحة(336):
أغليتها بدلاً وأعليتها فضلاً وللأشعار أسعار
فكان على ابن نباتة أن يعلي من قدراته التصويرية باقتباسه من صور الآخرين ومعانيهم وتوشيتها بالزخرف البديعي"(337). وقد كان اللاوعي الجمعي المتعلق بالنماذج الأصلية والأصيلة مرتفعاً وحساساً، ومستثاراً دوماً عنده(338)؛ فلم يكتف بتشبيه حالته من استبداد آلام الفراق به بحالة لبيد يوم فارق أربد فجانس بين المدينة (اربد)، و(أربد) الأخ الفقيد للبيد. ومعنى ذلك أن أربد صار أقرب للذاكرة في عمليات الاستدعاء اللاواعي، ولولا بلبيد لما سمعنا به، ولا طغت حروف اسمه للمجانسة البديعية لتوشية صورة ابن نباتة المستوحاة من مأساته. ولم تكن ذكرى أربد ستتجاوز ذكرى أولئك النكرات الذين حاولوا وضع القاذورات في طريق نبينا صلى الله عليه وسلم، أو من حاولوا اغتياله، ووضع السم له في الطعام، ولكنه سحر الشعر الذي يصنع تلك الذكرى المستديرة المحتومة التي لم تسيطر على ابن نباتة فحسب، بل كانت جزءاً من الذاكرة الجمعية التي تجعل لشعره بريقاً عند متلقيه، وتسويقه.
هذه التوشية البديعية لم تكن سر عبقرية البحتري الشعرية عندما حاور قول لبيد في أربد(339):
أخشى على أربد الحتوف ولا أرهب نوء السماك والأسد
ونقل المعنى من إيقاع المنسرح إلى إيقاع الكامل:

لو أنني أوفي التجارب حقه افيما أرت لرجوت ما أخشاه

ولكنه أحسن وطغى اقتداراً على العبارة واتساعاً في المعنى؛ كما يقول عبد القاهر (ت471هـ)(340)، في حين اكتفى آخرون بمعارضة البيت وزناً وقافية، ولم يخرج كثير منهم عن حمولته الفلسفية والفكرية بوصفه نصاً من نصوص الألفة.
يتبع
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-04-2019, 12:24 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)



الدكتور


محمد سيد علي عبد العال

  • شعرية الامتصاص ونص الألفة:
الخطابات الشعرية بين النصوص المتداخلة والمتعالقة يعطيها إمكانات جوهرية فلسفياً وشعرياً وثقافياً وتداولياً أعمق تأثيراً من إمكانات النص الواحد المتاحة؛ فتفتح آفاق النص؛ ويخرج عن عزلته، ووحدته الموضوعية واللغوية والإيقاعية إلى نص مفتوح على آفاق بنائية وأسلوبية، وأخرى فلسفية تمنحه بعداً قرائياً لا يتوافر له في عزلته التي تمثل لغة واحدة، وأسلوباً واحداً، أو عقلاً واحداً. والشاعر لا يخاطب شخصاً بعينه، وإن كان هناك قارئ مباشر أحياناً أو متلق مباشر أحياناً، فهو، بلا شك، يتجاوزه إلى أكبر عدد يمكن أن يجذبه إلى نصه بالتلقي، وأن يثيره بشتى المثيرات الفنية والموضوعية المتاحة، ولذا يأتي رهانه على شخصية لها مرتكزات أسلوبية وفكرية أخاذة تثير الأسماع والقلوب والأفهام إلى نصه، وتجذبهم إليه في صورة جدلية تشبه الجدل الذي يولده نصه المزيج من نصوص يراهن على طاقتها الشعرية، وبخاصة تلك الخطابات المضمونة التي سبق من قبل مناهضتها، أو الإعجاب المتزايد بها، أو الدهشة التي خالفت بها آفاق التوقع عند تلقيها، أو وجدت موافقة لما في الصدور.
والنص المنصهر مع نصوص أخرى مثيرة يضمن لنفسه الاستمرارية والحيوية والتعبير عن فئة واسعة من المتلقين. إن هناك مصدر إشعاع مضموناً، وعليه أن يوجهه، ويكسر آفاق التوقع القديمة المرتبطة بذاكرة المتلقي، مغيراً اتجاهه؛ فيتبعد عن المحاكاة الفاترة، والحرص على بنية الخطاب الأول، مهما بلغ من الاتساق أو الضيق، وأن ينوع الإيقاعات الموسيقية القديمة، ويضيف نبراته الخاصة، وروحه التي تنعكس على النص مشعة ألواناً جديدة من التصوير، راسمة تفاصيل وخطوطاً لافتة، ربما عكست فيضاً من روحه على صفحة التلقي أكثر وضوحاً وتأثيراً من النص الأول وخطابه، بل ربما صححت مساراته. وبذا يتحول نصه من السياق المحدود والدينامية المغلقة إلى الديناميكية والسياقات المفتوحة القابلة للتوالد بقدر يفتح الدلالات عبر الحوارات المنسوجة. ولكي يجتاز الخطاب المنصهر طريقه إلى المتلقي لابد أن يكون على وئام مع عناصره المستعارة، وأن تحدث سيرورة الحوار في النص كله بنبرة أسلوبية وإيقاعية ودلالية متناغمة لا يشعر فيها المتلقي بأي خلل أو شذوذ.
ويتجلى ذلك خاصة عند تشكيل الصورة، فعندما يرجع المتلقي إلى صورة بينه وبينها ألفة، فإن هذه الألفة تنعكس على النص الجديد بالتبعية، وتكسبه دهشة فوق دهشته، فإذا ما تشابكت كلمات الألفة مع كلمات المبدع الجديدة في علاقات متطورة وغنية، خرج النص من سياقه المتوقع إلى سياقات أخرى غير متوقعة. وربما نسي التاريخ الخيالي أو المفهومي للصورة القديمة لصالح الصورة الجديدة في طرافتها وقدرتها الجدلية على الحوار، بحيث تكتسب بكارة جديدة؛ فتصير جنيناً نابتاً من تزاوج النص الجديد مع نص الألفة؛ وهو ما يكسب النص تفاعلية وحواراً عابراً للأجيال، فيثير نوستالجيا (NostalGia) تلقي النصوص القديمة، ويخلق دهشة الحديث لأنه وضعها في ثوب جديد تجاوز الإطار المحفوظ؛ فتضمن لنفسها وجوداً مشعاً يشبه إشعاع السابقين، ويجاوره، وربما تفوق عليه بما أتيح لإكسير إبداعه أن يمتص من سرجهم المتوهجة عبر الزمن. ولكنه بعد فترة يمتص هذه النصوص وتتسرب إلى إبداعه بتلقائية.
وهناك ما يشبه الديالوج المهموس بين هذه النصوص، ليس على مستوى الطبقة السطحية للأسلوب، بل على مستوى الطبقات العميقة للمعنى. إنها طاقة سحرية لا تتجلى في استعارة لفظية أو أنماط تركيبية، بل تمثل ثراء وغناء للنص؛ إذ يتجرأ الناص، بعد ممارسات عدة في هذه التواشجات على تجاوز النماذج القديمة والخروج من سلطانها بالحذف والعكس وتمزيق العلاقات القديمة؛ فتتسرب إشعاعاته الخاصة لتنعكس صفحة روحه على صفحة النص؛ فتتسلل إلى وجدان المتلقي ووعيه؛ فيطرب لأسلوبه الخاص ومعانيه المدهشة وعواطفه الصادقة التي تشكلت مجتازة منطقة لاوعي إلى اللاوعي عبر عدد كبير من نصوص قديمة، يحتاج المتلقي النموذجي إلى جهد في استخراجها، ويظل في شك وحذر بين فكرتي التوارد والاستلهام.
لم تعد القضية، إذا، هي قضية السرقة القديمة التي شغلت نقادنا فترة خصيبة من تراثنا، بل هي طاقات محفزة ونماذج عليا تثير القريحة، وتدفعها حتى تأتي لحظة التسامي؛ فتحلق وتتجاوزها، أو تكتفي بالطموح إلى ذلك، وقد تعجز عن أن تسمو إليها(341).
والشاعر المستلهم يعلم أنه يستخدم نصاً قديماً له سياق اجتماعي وسياسي وثقافي متسق أو مختلف، ولكنه يرجعه إلى أرض أجنبية، فينبغي عليه ألا يقع في أسره؛ فيكون أضحوكة كمن يرتدي جزءاً من ثياب عصره، ويكمل بثياب أجداده؛ فيصير كالبهلوان المضحك الذي يثير السخرية والاستهزاء، أو –كما يقول عز الدين المناصرة- تصير قصيدته "رعوية في أثواب باريسية(342).
إن الجهد الأصعب الذي يقوم به الشاعر هو القدرة على التشابك مع النصوص تشابكاً دقيقاً وأن يكون تضافره معها ممتزجاً ومنصهراً، بحيث لا يتألف نصه من خطوط متوازية بل من خطوط متشابكة ومتضافرة؛ ولذا فذكر لبيد يستلزم تمهيداً وتعليقاً وتبريراً سياقياً وأسلوبياً يسمح بالالتحام والحوار الداخلي والخارجي؛ بحيث يعيش الخطاب –كما يقول باختين- على حدود سياق الآخرين(343).
ولأن الإيقاع –كما يرى باختين، اختيار للشاعر، فإن اختيار الإيقاع الذي اختاره المبدع الأول يمكنه من امتصاص النص المنصهر فيه من خلال النبر والوحدات الإيقاعية الأكثر مباشرة واتساقاً مع النص الملهم(344)؛ وهو ما نجد مثاله عند مهيار الديلمي يصف شدة زمانه، ويعرض بفقد صنعة الشعر مع موت الشريف الرضي وابن نباتة، ولم يبق إلا ما يسمع منه(345):
لكل هوى من رائد الحزم رادعوحبكم ما لم يزع عنه وازع
إلى أن يصل إلى قوله(346):
فيا عجبي حتى فؤادي بوده مداج وحتى ماء عيني مصانع
أبي طبع هذا الدهر إلا لجاجة وأتعب شيء أن تحال الطبائع
يعز حصاً المعزاء والدهر هين ويشبع عير السرح والليث جائع
وأودعته عهداً فعدت أرومه (ومن دينه ألا ترد الودائع)
وأقسم لا استرجعته ولو أنه (قضى من شبابي أنه لي راجع)
هنا المانعين اليوم أن سؤالهم (منى ما أملتها علي المطامع)
وإني بعنفي من يد المن مفلت (وما المن في الأعناق إلا جوامع)
وواضح أنه نسجها على منوال لبيد وزناً وقافية ومعنى وتراكيب، وما بين الأقواس، يكشف ذلك الاستدعاء التلقائي الفني في الوقت نفسه؛ فبعد أن سيطر عليه إيقاع القصيدة تسللت إليه ألفاظها وتراكيبها، ومن ثم معانيها، حتى لتبدو كأنها معارضة لقصيدة لبيد في رثاء أربد(347):
1- بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
2- وقد كنت في أكناف جار مضنة ففارقني جار بأربد نافع
3- فلا جزع إن فرق الدهر بيننا وكل فتى يوماً به الدهر فاجع
4- فلا أنا يأتيني طريف بفرحة ولا أنا مما أحدث الدهر جازع
5- وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها وغدواً بلاقع
6- وما المرء إلا كالشهاب وضوئ هيحور رماداً بعد إذ هو ساطع
7- وما البر إلا مضمرات من التقى وما المال إلا معمرات ودائع
8- وما المال والأهلون إلا وديعة ولابد يوماً أن ترد الودائع
9- ويمضون أرسالاً ونخلف بعدهم كما ضم أخرى التاليات المشايع
10- وما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبني وآخر رافع
11- فمنهم سعيد آخذ لنصيبه ومنهم شقي بالمعيشة قانع
12- أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
13- أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع
14- فأصبحت مثل السيف غير جفنه تقادم عهد القين والنصل قاطع
15- فلا تبعدن أن المنية موعد عليك فدان للطلوع وطالع
16- أعاذل ما يدريك إلا تظنيا إذا ارتحل الفتيان من هو راجع
17- تبكي على أثر الشباب الذي مضى ألا إن أخدان الشباب بالرعارع
18- أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى وأي كريم لم تصبه القوارع
19- لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
20- سلوهن إن كذبتموني متى الفتى يذوق المنايا أو متى الغيث واقع
استغل مهيار طريقة المفارقات المتوازنة التي أجملها لبيد ووزعها على قصيدته بطولها بشكل يحمل روحه، وينسجم مع تجربته بحيث أغرتنا قصيدته بالقراءة والتلقي والدرس، سواء أكانت مشتبكة مع نص لبيد أم لم تشتبك؛ فنص لبيد قد انصهر في تجربته؛ وهو أمر متكرر في ديوان مهيار، وقد توقف محمد داناي في دراسته الموسعة عن شعره، أمام شيء يسير من هذا التناص(348)، ولكنه لم يفطن إلى أنه امتص شعر لبيد حتى صار جزءاً من إبداعه، يتشكل في اللاوعي، ويخرج نصاً جديداً يحمل روح مهيار، وخصائصه الفنية المميزة.
يمكننا أن نقول: إنه نوع من التعالق النصي، أو التناص الإيقاعي بتعبير علوي الهاشمي(349)، أو التناص الشكلي بتعبير أحمد الثقفي(350)، ولكنه في الحقيقة نوع من التناص الذي يستخدم فيه الشاعر المتناص كل آليات التناص، فالنص الأول لا يمكنه أن يحضر شكلاً، ويغيب مضموناً، والدليل على ذلك هو ما نجده في قصيدة "مرثية الآلهة" للشاعر بدر شاكر لسياب (ت1964م) التي اضطر إلى ذكرها كاملة لمعرفة مدى التناص بينها وبين قصيدة لبيد السابقة التي أوردتها كاملة للسبب ذاته(351):
1- بلينا وما تبلى النجوم الطوالعو يبقى اليتامى بعدنا والمصانع
2- ويبقى كرب الجالب الكرب: كالصدى يغص المنادى بالردى وهو راجع
3- كأن الأميبي توأم وهو توأم لها، فهو في منجى من الموت قابع
4- ولكنه الفرد الذي يزحف الورى إلى حيث ترمي مقلتيه المطامع
5- أعنقاء من صحراء نجد تقحمت بها مغرب الشمس البعيد الزعازع
6- أم انسل من أهرام فرعون هاج عوقته انتقاص الدود منه المباضع
7- ومن ليس يحيا لن يرى وهو مالك فلو كان يحيا ما عدته الفواجع
8- وما كان إلا اسماً كرب ابن مثله به يدمغ اثنان: الورى والبضائع
9- ولكنه اسم بالأسامي يغتذي تهجاه زفار اللظى والمدافع
10- تمنيت أني آلة لا يصيبها كلال ولا وقت بها مر ضائع
11- لها من دماء الناس قوت وخلفها من المال عن أن ينفد القوت مانع
12- وما تخطئ الآلات في الجمع تارة وفي الطرح إن يخطئ من الناس جامع
13- ولا عاقبتها عصبة من ورائها علينا عقاب برئوا منه واقع
14- ألا كم رفعنا من إله وكم هوى إله، وأضحى ثالث وهو رابع
15- فما جاوزتنا صورة منه خطها على غفلة منا مجيع وجائع
16- وما كان معبوداً سوى ما نخافه ونرجوه، أو ما خيلته الطبائع
17- فتموز مثل اللات والرعد ما رمى بغير الذي تطوى عليه الأضالع
18- وكم أله التمر التهامي معشر لما ليس يحيا دونه الناس راكع
19- فلما شكا بعد الأثافي قدرها وضنت على الشدق الحفي المراضع
20- كفى كل ثغر كان يدعوه جوعه إله أحاطته المدى والأصابع
21- دمى هذه الخمر التي تشربونها ولحمي هو الخبز الذي نال جائع
22- ولما تشظى قلب نرسيس وانثنى يلم الشظايا منه شار وبائع
23- وغذى بها القلب الذي حين ذاقها نما فيه نابا كوسج فهو قاطع
24- هوى كل عال من إله وسافل إلى حيث ما من راحل ثم راجع
25- وأفضى إلى العرس السديمي معدن بما أمتاح من أحداق ميدوز لامع
26- هو الشمس إلا أن في زمهريره من الموت ظلاً حجيته البراقع
27- جزى أمه الأرض التي من عروقها ربا واعتذى في جوفها وهو هاجع
28- بشر الذي يجزى به شر من عذا وأروى ويجزاه العدو المنازع
29- فأدمى بنيها وارتعى من بناتها حقولاً تزجى فهي شوه بلاقع
30- كقابيل يغتال الأشقاء راكل كأوديب للخبز الإلهي صافع
31- وهذا الإله الأملس الفظ ما جلا لنرسيس يجثو عنده وهو خاضع
32- سوى وجه نرسيس الرخامي شابه شحوب يهوذي التلاوين ناقع
33- وأوفى من الأرباب جيل يئمه على قمة الأولمب رب مخادع
34- ترى فحم إذ يلقاه يلقاه راجف وفولاذ من تلماح عينيه مائع
35- ويا عهد كنا كابن حلاج واحداً مع الله إن ضاع الورى فهو ضائع
36- أكل الرجال الجوف أن يملأوا به خواء الحشا هذا الإله المضارع
37- فعاد الفقير الروح من ليس كاس ياًبه ظاهراً منا فحل التنازع
استعار السياب هنا القالب الإيقاعي؛ كما نلاحظ لقصيدة لبيد، وامتص نص لبيد وتناص معه عبر آليات عدة منها:
1- التضمين والاستبدال: البيت الأول هو عينه بيت لبيد ولكنه استبدل بكلمة (الجبال) كلمة (اليتامى).
2- إيقاع البحر الشعري: القصيدتان كلتاهما من بحر الطويل، وهي القصيدة الوحيدة للسياب التي كتبها موزونة مقفاة من هذا البحر في ديوانه الشهير "أنسودة المطر"(352).
3- كلمات القافية المشتركة بينهما واضحة، وجاءت كالآتي:
قافية لبيد
رقم البيت
قافية السياب
رقم البيت
والمصانع
1
والمصانع
1
بلاقع
5
بلاقع
29
الأصابع
12
الأصابع
20
راكع
13
راكع
18
قاطع
14
قاطع
23
راجع
16
راجع
2.24
واقع
20
واقع
13
هذه التماثلات في كلمات منطقة القافية، أو الروي، ما يقترب من نصف كلمات منطقة القافية في قصيدة لبيد تقريباً، علماً بأن السياب كرر كلمتي (جائع، وراجع) في منطقة القافية، وإذا أضفنا التصحيف بين (الزعازع)، (الرعارع)، تجاوزنا النصف.
الاتفاق الاشتقاقي بين الصيغ الصرفية (فاعل- فعالل- مفاعل- فعائل- فواعل) بالتناوب، والترتيب، هنا، يمثل نسب التكرار المتماثلة تقريباً.
المجانسة بين كثير من الكلمات في منطقة القافية أيضاً؛ فنجد الكلمات: (قابع، جازع، نافع، فاجع، صانع، قانع، صانع) عند لبيد، تقابلها الكلمات الآتية عند السياب (قانع، جامع، نافع، هاجع، صافع، ناقع، مانع).
ويشير سيد البحراوي في دراسة مستقلة عن الإيقاع في شعر السياب أن هذه القصيدة أخذت تميزها النبري المميز المحدد من خلال مقاطع الأضرب الخاصة؛ فأبرزت المفارقة التهكمية عند السياب(353).
وموضوع القصيدتين واحد هو الرثاء، وإذا كانت قضية الموت هي منبع معظم تجارب السياب(354) فالموت هو قضية لبيد من قبله بقرون عديدة؛ ولذا اتفقت الأرواح. ويمكنا أيضاً أن نلمح مدى التواشج من خلال مقارنة الطرائق الأسلوبية للجملة الشعرية عند الشاعرين بما يحتاج إلى دراسة مستقلة؛ فقد أفاد السياب من بعض طرائق لبيد في الشرط، والاستثناء، والتوشيع، والإنشاء الحواري حتى إننا نشعر بهذا التماثل أحياناً، بين طريقة بناء الاستعارة عند لبيد (تحنى عليها الأصابع)، ومثيلتها عند السياب (تطوي عليه الأضالع)، وكذا طريقة الوصف بجملة الحال الاسمية في ذيل البيت؛ فما نجده عند لبيد: (يغص المنادى بالردى وهو راجع)، نجد مثيله عند السياب: (واغتذى في جوفها وهو هاجع)، وكذا طريقة البناء الدرامي في القصيدتين ومع ما يقال في حسم وتسفيه آراء المعارضين من: "أن السياب هو الثورة الأولى على الشكل الكلاسيكي رغم كل ما يقال"(355) فالسياب هنا ينهل من بحر لبيد، ويعيش متبتلاً فنياً في محرابه. ولكن المدهش له حقاً أنه استطاع تضفير هذا القالب العربي التقليدي القديم بمجموعة من الرموز اليونانية والأساطير الإغريقية حتى قال محمود أمين العالم حين قرأها: إنها "مثقلة بكثير من الأفكار غير المتمثلة تمثلاً فنياً، ويصوغ الشاعر مضامينها صياغة تكاد تقضي نهائياً على إنسانية هذه المضامين: فهي مزدحمة بالصور غير المترابطة، ولقد فرض الشاعر على بنائها حشداً ضخماً من الأساطير والثقافات، والمعاني غير المهضومة، وظل ما فرضه على القصيدة قائماً من خارج القصيدة كعمل سياسي موحد. فهي حشد من الدلالات التي لم تنجح في أن تتناسج في داخل العمل الفني، بل ظلت مضافة إليه"(356).
أقول: ومع كل ذلك صارت القصيدة تحمل ملامح السياب، وطرائقه في التصوير، بل رأى على البطل أن السياب استطاع، بعد لأي، أن يصل إلى الشكل الفني الملائم لروح العصر(357)، وإن تأثر شكلاً ومضموناً بلبيد؛ الأمر الذي جعل كل الدراسات التي وقفت عليها لم تنتبه إلى هذا التناص، ولم تشر إليه على كثرتها، بل في تلك التي أولت عناية خاصة بدرس الشكل العمودي القديم(358)؛ وما وددت التأكيد عليه من خلال تلك النماذج التي مثلت بها أن الشاعر الموهوب يمكنه دائماً أن يستلهم ويتأثر، ويستعير ولكنه في النهاية شاعر آخر لابد أن يخرج تجربته الخاصة التي تحمل شخصيته المتفردة.

  • خصوصية التجربة والغرق في نهر ليتي:
يعبر الشاعر عن نفسه تلقائياً بدون وسائط في الغالب؛ أي دون حاجة إلى شريك خارجي يساعده ويقاسمه. وهو في سبيل ذلك قد يتألم آلاماً إبداعية في أثناء ملاحقة اللغة بحيث تصير ذاتية مستقلة معبرة عن وجوده وألمه ووعيه وتجربته الخاصة، ولكنه يدخل تجربته مضاء بخطاب واضح في البداية وانفعال معين لا يمكن دحضه إلا عن طريق استفراغه في نص يحمل روحه ولغته الخاصة، تلك اللغة التي يتحمل مسئوليته الكاملة عنها، وعن عناصرها ونبراتها وتكويناتها. أي تنبع اللغة من داخله، وتنبثق من نواياه ومشاريعه الخاصة فكرياً ووجدانياً. ولكن اللغة نفسها خادعة، ولها مخزون استدعائي قد يجره إلى الاستعانة بالنصوص المميزة، ويقع المونولوج الذي قد ينتبه إليه بعد ذلك أو يحذفه في التنقيح.
وربما دفعته عاطفته نفسها إلى استحضار عاطفة أخرى لآخر سكنته هذه العاطفة في صدق وحميمية وامتزاج، وتتجاوب مع عاطفته في الوقت نفسه، وسبق للآخر أن عبر بنجاح عما يصبو هو إليه؛ فيقع بقصدية، أو بلا قصدية تحت تأثير هذا الأنموذج المثالي الأخاذ. ولكنه سرعان ما يضيق بفعل الحرص على الاستقلالية والتميز والوجود الشعري المنفرد والمتفرد، فيسعى إلى تلوين هذه العاطفة بلون عاطفته هو؛ إما بتكثيفها، أو بتبرير دوافعها، أو بتفصيلها، أو بتحويلها. بل قد يندفع إلى السخرية منها إذا ما اجتاز مرحلتها، وانتقل إلى مرحلة أخرى تالية لها، وبخاصة عند الاستدعاء اللغوي الذي لا يستدعي اللغة مجردة بمعانيها وشحناتها العاطفية الخاصة، بقدر ما يستدعي وعيها التاريخي والأيديولوجي والعاطفي في نصوص أخرى مخزونة في ذاكرة المبدع، وتلح عليه بالاستعانة والحوار والتنضيد مع لغته الخاصة وإخضاعها للظرف الاجتماعي والتاريخ والثقافي الذي يسيطر عليه، وبخاصة عندما يكون لهذه العاطفة أو لهذا التركيب اللغوي حضور مميز وطاغ في الثقافة حتى لو كان يرفضها، أو له منها موقف يستدعي السخرية أو التعالي أو الرفض، ولكنه في كل الأحوال لن ينجو من إلحاحها.
وهذا كله في النص المميز، وليس في النصوص الصغرى التي تحاول أن تنشأ وتنبني على أساس من نصوص كبرى صارت قارة ومشعة. وينبغي في النهاية أن ينجح الشاعر في صهر كل ما يدخل في نصه الخاص(359) ولا يغرق في نهر السابقين، أو على حد قول باختين: "إن كل ما يدخل في العمل الشعري، عليه أن يغرق في مياه نهر ليتي(360). "فكما تجاوز لبيد البيئة الزمانية؛ رأينا تجازو البيئة المكانية؛ فقد أثرت حكمته في رثائه أربد في شعراء الأندلس؛ فالصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن الكلابي (ت142هـ) كان أن يشتبك من أجل ماله مع طيء، ولكن حكمة لبيد فرضت نفسها وامتصت ثورته؛ فصاغ معناه في نتفة تمزج بين الحدة الشخصية والانفعال التلقائي والحكمة العاقلة(361):
ألا إن مالي عند طي وديعة ولابد يوماً أن ترد الودائع
سلوا يمناً عن فعل رمحي ومنصلي فإن سكتوا أثنت على الوقائع
ومن ذلك ما نجده عند ابن سناء الملك (ت608هـ) الذي امتص بيت لبيد في بائيته:
وفارقته والود بيني وبينه بحسن الثناء من وراء المغيب(362)
وفي تجربة غزلية رقيقة يحاول ابن سناء الملك أن يساوي بين موقفه وموقف حبيبه الذي ودعه، فتفرض الذكرى المستديرة نفسها؛ وينسج على موسيقى البيت ومعناه تجربته، وربما تم ذلك عن طريق اللاوعي؛ فبسط بيت لبيد في قصيدة كاملة؛ لما في هذا البيت من كثافة شعورية وامتلاء بالمعاني، ولبيد نفسه بنى تجربته ومعاناته، وحكمته التي خرج بها في حياته الطويلة. فيقول ابن سناء الملك في مطلع قصيدته(363):
تركت حبيب القلب تهمي جفونه علي كما تهمي عليه جفوني
وفارقته والوصل يبدي حنينه إلي كما يبدي السرور حنيني
وقاطعته طوعاً وكرهاً ولا أرى كأعجب من سمح به وضنين
ومن ذلك ما جعله ابن بسام النحوي من سرقات المتنبي؛ وهو قوله:
وإن نقع الصريخ إلى مكان نصبن له مؤللة دقاقاً
ورآه من قول لبيد(364):
فمتى ينقع صراخ صادق يحلبوه ذات جرس وزجل
وهو ليس بالسرقة ولا شبيهاً بها، وإنما هي الذكرى المحتومة التي تسربت من شعرية لبيد بوصفه أحد صانعي دساتير الكتابة الشعرية إلى غيره من شعراء العربية على مر العصور والأصقاع في موضوعات بعينها؛ الأمر الذي جعل الشاعر الكويتي عبد الله العتيبي (ت1995م) يقرنهما معاً في قصيدته "بين يدي أبي العلاء" من ديوانه "مزار الحلم" بوصفهما نموذجاً للحكمة الصادقة، والحزن العميق في كبريائهما وانكسارهما أيضاً(365).
ومن حكمه التي تمثل بها عمرو بن العاص في رده على ابن عباس، رضي الله عنهما وقت مناظرته مع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في محاولة من عمرو أن ينبه معاوية على أن ابن عباس رضي الله عنه يخدعه بلسانه، وقال: والله ما أحبك طرفة عين قط، وإنكن وإياه لكما قال لبيد(366):
وقد كنت جلداً في الحياة مرزاً وقد كنت أنوي الخير والفضل والذخر
وتسلل منطق البيت إلى شعراء الغزل للتعبير عن آلامهم بعد فقد أحبابهم؛ فها هو ذا أحدهم يصرخ ملتاعاً في حوار شعري يبث من خلاله آلام الهوى ولوعة الفراق(367):
وقائلة لما رأتني مدلها أناديك تارات وأبكيك تارات
لقد كنت جلداً للرزيات قبلهافقلت لها ليست كإحدى الرزيات
أصاب بك الدهر الرزية واشتفى بيومك من أيام لهوي لذاتي
ومن يطالع قصيدة صالح بن عبد القدوس(368):
المرء يجمع، والزمان يفرق ويظل يرقع والخطوب تمزق
ولئن يعادي عاقلاً خير له من أن يكون له صديق أحمق
فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقاً إن الصديق على الصديق مصدق
وزن الكلام، إذا نطقت، فإنما يبدي عقول ذوي العقول المنطق
ومن الرجل إذا استوت أحلامهم من يستشار، إذا استشير، فيطرق
حتى يحل بكل واد قلبه فيرى ويعرف ما يقول وينطق
لا ألفينك ثاوياً في غربة إن الغريب بكل سهم يرشق
ما الناس إلا عاملان: فعامل قد مات من عطش وآخر يغرق
والقصيدة وإن كانت في جملتها جذابة بتوالي حكمها وقالبها الموسيقى في إطار بحر الكامل وقافية القاف برصانتها؛ فإنها تذكرنا، لا محالة، بقصيدة لبيد العينية المشهورة، وبخاصة في طريقة بنائها اللغوي والتركيبي ومعانيها الحكمية369)
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وقد كنت في أكناف جار مضنة ففارقني جار بأربد نافع
فلا جزع إن فرق الدهر بيننا وكل فتى يوماً به الدهر فاجع
فلا أنا يأتيني طريف بفرحة ولا أنا مما أحدث الدهر جازع
وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها وغدوا بلاقع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه يحور رماداً بعد إذ هو ساطع
وما البر إلا مضمرات من التقى وما المال إلا معمرات ودائع
وما المال والأهلون إلا وديعة ولابد يوماً أن ترد الودائع
ويمضون أرسالاً ونخلف بعدهم كما ضم أخرى التاليات المشايع
وما الناس إلا عاملان فعامل يتبر ما يبني وآخر رافع
إنه سحر النزول في نهر ليتي، الذي نجد مثاله في قول علي بن الجهم (ت249هـ):
قومي أولئك إن سألت وإنمايجلو العمى عنه اللبيب السائل(370)
فهي وإن خالفت في الإيقاع الموسيقي، فإنها لا شك تردنا إلى قول لبيد:
أولئك قومي إن سألت بخيمهم وقد يخبر الأنباء من كان جاهلاً(371)
وواضح جداً أن ابن الجهم قد مر بنهر لبيد وغيره قبل إبداع هذه القصيدة، وهو ما نكشفه من بداية مطلع هذه القصيدة التي يأتي على هذا النحو:
إن كنت جاهلة بقومي فاسألي أين النبوة والقضاء الفاصل(372)
وهو يقع في إطار عجز بيت لبيد، وإن كان المعنى معروفاً عند غيره، ولكن سيطرة سحر لبيد على علي بن الجهم في شعره، تجعلنا نتوقف عند صورة لبيد التي تختفي وراء هذه الصور، وهي صور خفية دقيقة، يمكن أن تحضرنا أو لا تحضرنا، بخلاف ما ينقله لنا أبو علي القالي، مما قرأه لعبد الرحمن بن زيد:
غشوم حين يبصر مستقاد وخير الطالبي الترة الغشوم(373)
وهي قصيدة حكمية يمدح فيها الأخوة المتجسدة في أحد من يعرفهم من الموتى المتمسكين بأصول الأخوة، وواجباتها، وما تتطلبه من دفاع عنها، وموقفه مع صديقه عند افتراض الواقع معكوساً؛ فإنه لم يكن لينام ولا أن يستريح إلا بعد أن يأخذ بثأر صديقه، وينتقم من قاتليه، ثم يأتي هذا البيت في الختام متوجاً نصائحه وتجربته، وكونه من قول لبيد:
غضبنا للذي لاقت نفيل وخير الطالبي الترة الغضوب(374)
فأثر لبيد واضح لا يحتاج إمعان نظر من متلقٍ خبير؛ إنه الغرق في نهر ليتي؛ أو الغرق في نهر لبيد.
  • التناص والسيميائية:
النص في تعريف كريستيفا في المجمل هو فسيفساء من نصوص مختلفة، أدمجت بآليات مختلفة بحيث امتص النص نصوصاً أخرى منسجمة مع فضائه البنائي ومقاصده، بما يمكننا أن نقول: إن النص يستخدم علامات رمزية مركوزة سلفاً في الوعي الجمعي. وهو ما دفع جوليا كريستيفا نفسها أن تربط بين العلامات اللغوية القائمة في النص والعلامات المستعارة الدالة على التشابك بين النصوص(375). ومن هذه الآليات التناصية التلميح؛ وهو: أن يشير الشاعر في فحوى الكلام إلى قصة أو شعر، أو مثل سائر، أو نكتة مشهورة، أو بيت شعر حفظ لتواتره، أو إلى مثل سائر يجريه في كلامه على جهة التمثيل، وأحسنه، وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى المقصود. وسماه قوم: التمليح، بتقديم الميم، كان الشاعر أتى بنكتة زادته ملاحة(376)، ويدل أيضاً على الإطار الثقافي والشعري للشاعر، وكثرة مصادر شعره، ومدى إفادته منها في إبداعه الشعري. ومن التلميح اللافت قول أبي نصر الكاتب، ناقلاً موقف لبيد من أربد إلى موقفه من محبوبته كعادتهم في نقل المعنى من غرض إلى آخر(377):

وما أنس إذ ودعتها يوم أقبلتك بلقيس حيري وسط صرح ممرد
وأدمعها تحكي دموعي، وأدمعي دموع لبيد عند فقدان أربد
يمكننا أن نحمل هذا التلميح، بالاصطلاح القديم، على المصطلح الجديد السيميائية الذي يهتم بدراسة حياة العلامات داخل الحياة الاجتماعية، ولم يكن الالتفات إليه وليد العصر الحديث، بل هو مفهوم يضر بجذوره في التاريخ، كان له إرهاصات قديمة ثم تطور حتى وصل إلى صورته الحالية؛ فله جذور في الآداب الأوربية والعربية القديمة منذ أفلاطون وأرسطو، ومحاولات الرواقيين (stoiss) في القرن الثالث قبل الميلاد، وما ذكروه عن العلامة بجانبيها: الدال (signifa) والمدلول (signifie)، وصياغة فيلسوفها إينيسيديموس (AeneSidemus) في القرن الأول قبل الميلاد، حول تحليل العلامات، وتصنيفها عد الناقد البلاغي شيشرون (Cicero) حيث ميز بين العلامة العامة والعلامة الخاصة، والفيلسوف سيكتوس أمبريكوس (Sextus Empiticus) في القرن الثاني الميلادي بتصنيف العلامات المستترة، كما قام جالنيوس (Galen) أيضاً بالتمييز بين العلامات العامة والعلامات الخاصة التي اهتم بها شيشرون، ونجد في كتابات القديس أوغسطين (354- 430م) تعريفات للعلامة ضمن أبحاثه في التأويل إلى أن قام جوتفرد لاينتز (Gottfried Leibniz)، بكشف دور العلامات في المنهج العلمي(378) ولا عجب بعد ذلك أن نجد الشاعر العربي القديم المكني أبو علي محمد بن الفرج بن الأخوة، أحد شعراء الخريدة حين ينقل معنى الحزن على أربد من الرثاء إلى الغزل بإجادة(379):
أقول لأحبابي وللعيس وقفة وللبين فيما بيننا نظر شزر
هبوني لعين مات فيكم رقادها فليس له فيها حياة ولا نشر
لقد بلغت منا النوى ما تريده وفرق ما بيني وبينكم الدهر
بكيت على عصر الشباب الذي مضى بكاء لبيد ضم أربده القبر
فأثمر دمعي بالغرام كأنما عليه لسيما دمعه ورق خضر
يشير إلى أن بكاء لبيد صار سيميائية دالة في الإطار الثقافي الشعري على الحزن الصادق العميق، وليس هذا البيت شاهداً يتيماً للتدليل، وإنما المقصد أن لبيداً نفسه تحول من شخص إلى سيميائية دالة على معان بعينها في الشعرية العربية عبر تاريخها الطويل الممتد.
يتبع


__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-04-2019, 12:26 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)



الدكتور


محمد سيد علي عبد العال





  • الإبداع والتفاعل النصي:
من الإشارات الدالة في تراثنا النقدي إلى ما يمكن أن يحدثه التناص من تفاعل ما يذكره ابن حجة الحموي (ت837هـ) عند درسه التضمين الذي يسميه الإيداع؛ وهو: "أن يودع الناظم شعره بيتاً من شعر غيره، أو نصف بيت أو ربع بيت، بعد أن يوطئ له توطئة تناسبه بروابط متلائمة، بحيث يظن السامع أن البيت بأجمعه له. وأحسن الإيداع ما صرف عن معنى غرض الناظم الأول، ويجوز عكس البيت المضمن، بأن يجعل عجزه صدراً أو صدره عجزاً. وقد تحذف صدور قصيدة بكمالها، وينظم لها المودع صدوراً، لغرض اختاره وبالعكس. وقد تقدم وتقرر أن الأحسن، في هذا الباب، أن يصرف الشاعر ما أودعه في شعره عن معناه الذي قصد صاحبه الأول، ويجوز تضمين البيتين بشرط أن ينقلهما من معناهما الأول إلى صيغة أخرى(380) "ومن صور التناص مع قصة لبيد وأخيه أربد ما نجده من التضمين المجرد؛ وهو أن يضمن الشاعر شعره جزءاً من شعر شاعر آخر؛ وهو ما فعله الشيخ خضر بن عطاء الله الموصلي إمام العربية في عصره مضمناً شعره قول لبيد في رثاء أربد في وصف ما يعرف بالبرش؛ وهو مخدر شاع تداوله بين الناس فترة من الزمن، مصوراً فعله بأهله(381):

تبدل عن البرش المبلد بالطلا فعالم أهل البرش غمر وجاهل
فما البرش إن فتشت عن كنهه سوى (دويهية تصفر منها الأنامل)
واصفرار الأنامل أكبر الدواهي؛ لأنه علامة الموت، والتصغير هنا لتعظيم الأمر(382). وواضح أن التضمين لم يتوقف عند الأخذ المباشر من قول لبيد(383):
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل
بل تجاوز ذلك إلى سياق السخرية، وينقله الأسعد بن مماتي (ت606هـ) إلى سياق المجون(384):
ندبمي لا تهزأ بمشمولة فإن بدا لك منها بهجة وشمائل
وراقك منها رقة في قوامها ولاحت كشمس أضعفتها الأصائل
فلا تغترر منها بلين فإنها دويهية تصفر منها الأنامل
وينقله الحسن بن علي بن حمد بن شنار (ت753هـ) إلى وصف الخمر(385):
وصفراء حال المرج يصبغ ضوءها أكف الندامى وهو في الحال ناصل
وتهفو بألباب الرجال لأنها دويهية تصفر منها الأنامل
ونقل حسان الهند غلام علي أزاد البلكرامي (ت1116هـ) آخذاً بوصية النقاد في الإيداع، أو التضمين إلى وصف الغافلة؛ وهي التي يظهر فيها اثر الشباب، لكن لا تعرفه ولا تدري ما العشق؛ ولذا تنفر من الزينة(386):
تنفر عن تزيينها غادة النقا وتزعم أن الحلى ما فيه طائل
تخيلت الحناء لما أتوا به دويهية تصفر منها الأنامل
كل هؤلاء الشعراء لم ينسخوا البيت، أو لم يكتفوا بنقله، أو استخدامه في سياق يشبه سياقه، بل تفاعلوا معه، ونقلوه إلى معانيهم، وسياقاتهم المختلفة. ومن الحكم التي ابتدعها لبيد، وأثرت في الشعراء تأثيراً واضحاً، قوله في معلقته(387):
صادفن منها غرة فأصبنها إن المنايا لا تطيش سهامها
وكان الفرزدق من أشد المعجبين بلبيد؛ ولذا وضح تأثره به في مواضع مختلفة، منها تأثره بهذه الحكمة التي بنى عليها مطلع مرثيته وكيع بن حسان بن أبي سود الغداني(388):
كيف بدهر لا يزال يرومني بداهية فيها أشد من القتل
وكيف برام لا تطيش سهامه ولا نحن نرميه فندرك بالنبل
إذا ابن أبي سود خلا من مكانه فقد مالت الأيام بالحدث المجلي
يحمل أبو تمام (ت231هـ) الحكمة معنى إيمانياً خالصاً:
ولله قوس لا تطيش سهامهاو لله سيف لا تفل مقاطعه(389)
لم يكتف الطائي بتحويل المعنى من عاطفة الانكسار والتسليم إلى التهديد والوعيد لعدوه، بل جعل سيف القضاء في يد الله عز وجل، لا يتسنى لبشر فله أو الانتصار عليه. وسواء أصحت نسبة الأبيات إلى أبي تمام أم لم تصح؛ فإن المعنى كان شديد الإغراء للشعراء من بعده؛ حتى وجدنا محمد بن عمر العرضي (ت1071هـ) يكرر المعنى في قافية أخرى من البحر نفسه؛ كما يفرضه عليه التضمين أو الإيداع(390):
ولله قوس لا تطيش سهامها ولله سيف ليس تنبو مضاربه
فقد نقل المعنى إلى سياق آخر وإن احتفظ بالشطر المنسوب إلى أبي تمام، بل نقل البيت كاملاً وغير كلمة القافية من (مقاطعه) إلى (مضاربه) مراعاة لقافيته، وإن ظلت الحكمة الجليلة تحمل عبق لبيد بما فيها من إيمان مطلق بالقدر مع اعتزاز بالنفس في مواجهة محن الحياة وتقلباتها، هو ما نجده عند أبي العلاء المعري حين يلخص تجربته من خلال هذا البيت، ويبني عليه فلسفته في أخريات أيامه، راجعاً إلى المبادئ الإسلامية، سالكاً طريقي الوعظ والتنسك وحسن المعتقد(391):
أين مضى آدم وشيث وأين من بعده أنوش؟
مر أبي تابعاً أباه ومر عمري فكم أعيش؟!
لا ملك إلا لرب عرش تزل عن أمره العروش
خف من الخوف كل طود حتى كان الجبال ريش
تطيش نبل الرماة منا وأسهم الحنف لا تطيش
ولم يزل للمنون جيش تفر من ذكره الجيوش
يتحدث المعري عن الموت، والنهاية المحتومة، ولكن من خلال فلسفته التي استدعت بيت لبيد من خلال اللاوعي، لينسج حوله فلسفته ورؤاه في هذا النص بأخرة من حياته.
إنها المعاني العظيمة التي تحيا بتقادم الدهر من خلال حوارها مع إبداعات المبدعين وروحهم، وثقافاتهم وقدراتهم المختلفة، والمتفاوتة على تلقي النصوص الأصيلة وإعادة صياغتها بعد أن تمتزج بروحهم وتجربتهم؛ كما نجد عند ابن الهبارية (ت509هـ) في رثائه الإمام محمد بن ثابت الخجندي(392):
سهام المنايا لا تطيش ولا تخطي وحادي الليالي لا يجور ولا يبطي
أرى الدهر يعطي ثم يرجع نادماً فيسلب ما يولي ويأخذ ما يعطي
ويستدرك الحسنى بكل إساءة كما استدرك التفريط والغلط المخطي
ويختار للجهل الطبيب تعللا ويستفرغ الأدواء بالفصد والسعط
ويجتاب سرد السابري وإنه إذا ما رمى رامي المقادير كالمرط
كأنا ثمار للزمان فكفهت عيث فتجني بالحصاد وباللقط
أفي قلبه حقد علينا ففتكه بنا فتك موتور من الغيظ مشتط
وما الكون إلا للفساد وإنما حياتي كموتي كالجزء مع الشرط
كذاك تمام البدر أصل محاقه يكون وإشراق الكواكب للهبط
كوصل الفتاة الرؤد للهجر والقلى يكون وقرب الدار للبعد والشحط
وقد قيل: إن النفس تبقى لأنها بسيط وما التركيب إلا من البسط
حافظ ابن الهبارية على الغرض، ولكنه استطاع أن يحاور المعنى، ويفصله ويحاوره بإيقاعات جديدة، ولكنه في النهاية استطاع معايشة حكمة لبيد حتى صاغ منها تجربة شعرية كاملة ومؤثرة.

4- التناص والمتلقي والمختلف:
في محاولات فولفجانج إيزر (Wolfanglser) لتطوير منهج جون ديوي (JohnDewey) في القراءة والتلقي ذهب إلى أن مصدر الفهم المسبق للعمل الأدبي ناتج عن التفاعل بين وجود القارئ في النص، وخبراته السابقة التي لا يشترط أن تكون سلبية، أو إيحائية لقبول النص، وإنما الأهم استجابته الإنتاجية التي تمثل رد فعله المسبق؛ مما يثير سؤالاً حول ما يحكم رد فعله تجاه النص الذي لا يمثل شفرة سائدة، أو رد فعل أيضاً هو الحكم، وإنما يقف المتلقي عند نقطة التناقضات التي أنتجها في أثناء عملية تكوين ما يعرف بالجشتالت، ودلالاتها الحقيقية. فهي تمتلك أثر تمكين القارئ فعلاً أن يصبح واعياً بعدم كفاية الجشتالت، لدرجة أنه قد يفصل عن اشتراكه مع النص، ويرى نفسه مرشداً. وقادراً على إدراك ذاته في أثناء عملية الاشتراط التي هي خاصية جوهرية للخبرة الجمالية، ويجد نفسه في موضع وسط في موقع برجماتي بشكل ما عندما يسمو بالشفرات الموجودة أو يبطل قيمتها، ويعيد بناء الخبرات المخزنة الناجمة عن ذلك، حتى يصير واعياً لا بالخبرة فحسب، بل بالطريقة التي تتطور بها. والملاحظ، هنا، أن العوامل المتحكمة التي يستحثها النص تمكن القارئ من تكوين دلالات جديدة يعيد بناءها بنفسه، وهنا تكمن الدلالة القطبية لخبرة القارئ الجمالية، وكيف يمكنها سد الثغرات في عملية التواصل(393)، وهو ما يمكن أن نقول عنه بوضوح عدم حيادية القارئ؛ لأنه في كل الأحوال مشحون بكاقات سابقة تدفعه لأن يتعاطف مع النص أو ضده، ويتجلى ذلك بشكل أوضح عندما يعيد إنتاجه في نصه؛ فوراء كل متلق متعاطف للنص متلق يترصده، ويحاول أن ينقض عليه منتقداً وهادماً.

ويروي في مسند أحمد: "أن لبيداً قدم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل؛ فقال: صدقت. قال: وكل نعيم لا محالة زائل؛ فقال: كذبت عند الله نعيم لا يزول، فلما ولى قال أبو بكر رضي الله عنه ربما قال الشاعر الكلمة من الحكمة(394).
وواضح أن موقف الصديق رضي الله عنه يتسم بالفهم العميق لمجازات الشعراء، واتساع القول في الحكمة لتشمل أمور الدنيا لأنها منوطة بها لا بالآخرة؛ فلها شأن آخر لم يقصده لبيد، وإنما أتى الانتقاد بتوسيع دلالات الألفاظ وتعميمها؛ ليشمل المعنى مناحي الدنيا ونعيمها الزائل المتحول، ومع ذلك فقد تغيرات الذائقة، بعد ذلك، واختلف المتلقي، ونظر إليها من منظور العموم الذي يسع الدنيا والآخرة؛ ففقعت جراء هذا التلقي المختلف الأبصار عندما فقدت البصيرة. فمما حكي في ذلك" أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه مر بمجلس من قريش في صدر الإسلام، ولبيد بن ربيعة رضي الله عنه ينشدهم: ألا كل شيء ما خلا الله باطل؛ فقال عثمان رضي الله عنه: صدقت. فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل؛ فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول أبداً، فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم(395)".
ويتعجب لبيد من ذلك المتلقي المختلف الذي سيطر عليه شيء من التشدد، والتأويل المحتمل لغة لا سياقاً.
تلخص هذه الرواية تلقي هذا البيت الشهير من شعر لبيد، وتصير هذه الحكاية علامة دالة لتحول تلقي الشعر، وتباين أحوال المتلقين باختلاف قدراتهم على التأويل والتلقي، لقد اختلف المتلقي باختلاف العصر؛ ودليل ذلك ما نضرب له المثل بموقفين متباينين لشاعرين مختلفين في الثقافة والتوجه والإطار المعرفي في تلقيهما شعر لبيد في صدقه العاطفي في رثاء أخيه، وإن كان كافراً فقد عكس من خلال مشاعره هو حكمة الحياة وتجربته الطويلة فيها؛ وهما: الشاعران: الشيخ محمد محمود الشنقيطي (1829- 1904م) في رثائه عبد الله فكري، والشاعر الفلسطيني محمود درويش في جداريته (1941- 2008م) التي ودع بها الألفية الميلادية الثانية، واستقبل الألفية الثالثة سنة 2000م.
يرثي الشنقيطي رجلاً من رجال العلم والفكر له قدره وعلمه، ومع ذلك غلبته ثقافته الشعرية بقدرتها على استدعاء صدق لبيد في مراثيه أربد، ولكن توجهه الأيديولوجي جعله لا يتذكر استحسان النبي صلى الله عليه وسلم لشعره، وترديد له، وثناءه عليه، وإشادته به، وشهادته لصاحبه بأنه أصدق الشعراء، وأن أذيع شعره هو ما قاله في رثاء أربد، وأن ذلك لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أن يضرب مثلاً في شهادة عدل نبوية، لا يمنعه فيه شنآن أربد أن يكرر إعجابه بشعر لبيد، وتقديره إياه إيماناً نبوياً بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى(396)، في حين حمل الشنقيطي معاني المرثية وحكمها إلى كونها مجرد مراث في كافر أنزل الله صاعقته عليه انتقاماً وتلبية لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم(397):
رثاء كسته العرب زخرف قولها يكاد انسجاماً يسبق المزن بالقطر
رثاء حوى حسن البداوة جاذباً قلوب رواة الشعر في البدو والحضر
لتغني به عن مرثيات خويلد وأوس وقيس ذي الهباءة والجفر
وعما به ترثي قريش وحزبها صناديدها وسط القليب لدى بدر
وعما به يرثي لبيد ابن أمه قتيل سماء الله للكفر والختر
وعما به أضحى يؤبن عمه ملاعب أطراف الردينية السمر
وعما به يبكي النويري مالكاً وكعب أبا المغوار ذا المجد والفخر
وعن ندب ليلى الأخيلية توبة وعن نوح خنساء المراثي على صخر
ونلحظ أنه لم يكتف بالجمع بين التيمات الثلاث التي أشرت إليها آنفاً؛ أعني تيمة لبيد وأربد، ومتمم ومالك ابني نويرة، والخنساء وصخر، بل أضاف إليها مراثي قريش لقتلاها، وبكاء هند بنت عتبة للوليد وشيبة، وليلى الأخيلية لتوبة بن الحمير، ويجعل من مرثيته أصدق وأقوى من كل هذه المراثي، وإن كان لم يوفق في ذلك كما أرى؛ لأنه ساوى بين الكافر والمسلم في مساواته بين أربد وتوبة، كما أن مرثيه (عبد الله فكري) سيكون في مقارنة مع هؤلاء الذين ذكرهم من كفار قريش بفعل المقارنة التي اصطنعها مزهواً بنفسه.
ولا يكتفي الشنقيطي بأن يساوي بين المتباعدين؛ فأخذ ينحي باللائمة على لبيد، والتحقير من شأنه، ونعته بصفات الجاهلية التي سوغت له تأبين عمه ملاعب الأسنة، ورثاء أعمامه الآخرين، وأخيه لأمه الذي صعقته صاعقة من السماء، ويطيل في ذلك لأن هذا هو النموذج المستدعى، أما النماذج الأخرى فجاءت بالتداعي الحر، وهو متلق يبدي موقفه الرافض لسيرة المستدعى، ويتخذ موقفاً سلبياً من إبداع لبيد.
ونجد نموذجاً آخر على النقيض من هذا النموذج في التلقي للمتلقي المختلف عند الشاعر الفلسطيني المعاصر محمود درويش الذي يتخذ من حكمة لبيد "ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكل نعيم لا محالة زائل "جملة مفصلية، فينهي مقطعاً له من الجدارية هكذا:
"تحرك قبل أن يتكاثر الحكماء حويل
كالثعالب: كل شيء باطل، فاغنم
حياتك مثلما هي برهة حبلى بسائلها،
دم العشب المقطر. عش ليومك لا
لحلمك. كل شيء زائل. فاحذر
غداً وعش الحياة الآن في امرأة
تحبك. عش لجسمك لا لوهمك".(398)
واللافت أنه قد بلغ به اليأس مداه، ولكنه لا يكتفي بالاستعانة بحكمة لبيد، بل يبني عليها فكرته، ويراوح بين باطل وزائل لتلقي كل منهما بظلالها وكثافتها الشعورية وحمولتها التراثية المتراكمة فيضاً شعرياً فريداً، ويقرر موقفه ورؤاه بتكرار البيت المستدعى ثلاث مرات بأن كل شيء باطل. ولكن حكمته، هنا، وإن أشعرت بشيء من الحسية الأبيقورية، والرفض للرفض فإنها حملت عبق الأسلاف وحكمتهم؛ لتكتسب مشروعية عند المتلقي، بحجاجها؛ إذ جاءت الحكمة من ذلك الحكيم الذي سبر أغوار هذه الحياة بتجاربها الواسعة العميقة؛ فخبرها، وأسدى إلينا خلاصة تجاربه؛ ولذا لا يفتأ درويش أن يستعين بها في مقطعٍ تالٍ:
وانتظر
ولداً سيحمل عنك روحك
فالخلود هو التناسل في الوجود.
وكل شيء باطل أو زائل، أو
زائل أو باطل
من أنا؟
أنشيد الأناشيد
أم حكمة الجامعة؟
وكلانا أنا
...
وأنا شاعر
وملك
وحكيم على حافة البئر
لا غيمة في يدي
ولا أحد عشر كوكباً
على معبدي
ضاق بي جسدي
ضاق بي أبدي
وغدي
جالس مثل تاج الغبار
على مقعدي
باطل، باطل الأباطيل... باطل
كل شيء على البسيطة زائل"(399)
ومراوحة درويش بين باطل وزائل بما يحدثه الجناس اللفظي من إيقاع مع تقاطع دلالات الكلمتين؛ تقوم مقام التكرار المعنوي بما يؤكد فكرته مستغلاً إشعاعاتهما وظلالهما الممتدة بفعل الزمن وحوار النصوص ما يقارب أربعة عشر قرناً ونصف قرن من الزمان، ويستمر في محاورة هذه الحكمة التي تلخص تجربته تقريباً أو تكاد في هذه الجدارية.
تكرر الحكمة بصياغات تبادلية بين باطل وزائل في هذا المقطع الطويل من جداريته، إلى أن يختمها بتكرار لفظة لبيد الحكيم (باطل) ثلاث مرات مفردة ومرة رابعة جمعاً. ولم تكن حكمة لبيد مجرد متكأ له في رسم صورته بأبعادها الكلية، بل صب فيها فكرته؛ فكرة الخلود التي شغله طرحها في جداريته، كما أن سيطرتها تبلور فكرته في الإيمان المطلق بأن كل متع الدنيا فانية، وكل مباهجها زائلة، وكل من عليها وما عليها فانٍ؛ وكأنه يلوذ بالإيمان وبالحكمة المتمثلة في بيت لبيد الشهير مواسياً نفسه أمام الموت، مردداً في يقين تام خلف لبيد حكمته التي استشعرها وأوصلها عبر الزمن بحميمية وصدق إلى الناس جميعاً لا ليعملوها، وهي يقين واضح، وإنما ليعملوا بمقتضاها؛ فلا يشغلوا أنفسهم بهم، ولا نصب، ولا يغرهم ظفر، ولا يقتلهم حزن.
وبمقارنة موقفي الشاعرين: الشنقيطي ودرويش، على سبيل المثال، نعرف كيف يكشف التناص موقف الشاعر الناص بوصفه متلقياً من المتناص معه، والإيمان، دوماً، بأنه كما يوجد هذا المتلقي المتفق يمكنا أن نرصد ذلك المتلقي المختلف.
خاتمة:


سعت هذه الدراسة نحو الإجابة على سؤال طرحته منذ البداية؛ وهو مدى انعكاس سيرة لبيد بن ربيعة، وهي سيرة حافلة بالأحداث المثيرة في صفائها، وإشعارها بالتناقض الثري، على الشعرية العربية، وآليات انعكاسها؛ أي تناول لبيد بوصفه حكاية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كيف تواشجت نصوص الشعراء مع شعره عبر آليات التناص المختلفة.
يبدأ البحث بتمهيد عرض فيه التيمات المتوهجة في سيرة لبيد، التي جعلت منه شبيهاً ببروست الذي أثر في فلوبير وكتاب السرد؛ لأنه صار دستوراً في نوع من الكتابة عرفت به، لا يمكن أن نقرأها دون أن يحضرنا بروست، وهو الأمر الذي وجدناه بالنسبة لأثر لبيد في المخيلة الشعرية العربية؛ فوقف البحث على مكانته الشعرية، وفحولته الغامضة في سرها.
هكذا انقسم هذا البحث قسمين؛ الأول مرايا السيرة، والثاني أصداء النص. تناول الأول الفحولة الغامضة تحت ما وصفه بالفحل الحزين؛ وقصد به الفحولة الشعرية التي كان مصدرها التفرد في وصف الحزن الإنساني، والمعاني الوجودية الخاصة بالموت والألم. تلك الفحولة التي جعلت منه في النهاية الشاعر المثال الذي يضرب به المثل في القمة المستحيلة. وانتقل بعد ذلك إلى أصداء التوبة المدعاة التي كان مصدرها رواية نقلها ابن قتيبة، وتداولها الرواة والإخباريون، ومن ثم النقاد دون ترو وتمحيص، وهو ما يحسب لنقادنا المحدثين حين درسوا شعره وفق منهجية علمية ميزت شعره الإسلامي عن الجاهلي، وارتأت أنه أكثر بكثير من جاهلية، وأن مراثيه في أربد كلها إسلامية، ومن ثم درس صدى هذه التوبة المدعاة التي كانت بمثابة خبر وفاة الفحل الشعري في الإسلام، وانتقل بعد ذلك إلى ما وصفه بصدى الهجاء العفيف، وذلك أن لبيداً عرف بالعفاف، والورع والاستقامة، وحسن الخلق في الجاهلية والإسلام؛ وهو ما لا يتفق مع طبيعة الهجاء التي جعلت الفرزدق وأبا العلاء وغيرهما يتمثلون بهجائه، بل اقترن عندهم بالحطيئة الهجاء الخبيث، وربما جاء ذلك من قبيل المفارقة أو المقابلة بين الهجاء العفيف الذي ندر هجاؤه، ولم يكن إلا لدفع الظلم الواقع على قومه من الربيع بن زياد، ولم تفلح كل أسلحتهم في رد الظلم؛ فأفلح لسانه، وجاءت عبقريته الشعرية صمام الأمان لقبيلته، بخلاف موقف الحطيئة المناقض لذلك، حيث كان يبادر الآخرين بالهجاء ظلماً وعدواناً. وعند دراسة أصداء عبقرية لبيد الشاعر المثال وجد أن الشعراء عكسوا هذه التيمة عن طريق المفارقة التي ابتكارها أبو سعيد الرستمي (لبيد بليد)، وظلت متداولة بين الشعراء والشاعرات حتى العصر الحديث؛ فدرس مدى نجاحهم وإخفاقهم في ذلك مقرناً إياه بالسياقات السياسية والثقافية والحضارية المحيطة بالتناص.
وجاء الحزن الأبدي المحور الثاني في مرايا السيرة؛ فدرس أصداء تيمة لبيد وأربد بوصفها إحدى الدوائر الثلاث التي رآها مسيطرة على المخيلة الشعرية العربية في الرثاء الأخوي؛ وهي تيمة لبيد وأربد، والخنساء وصخر، ومتمم ومالك ابني نويرة. ولكن تميزت تيمة لبيد وأربد؛ لأن أربد لم يمت في معركة، أو ثأر، ولكنه مات بصاعقة من السماء استجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليه بعدما حاول أربد هو وعامر بن الطفيل قتله.
وكانت كل دائرة من الثلاث تستدعي نظيرتيها، مع الاعتراف بتفوق لبيد بفضل قدرته الفلسفية، وطبيعته التأملية بحقيقة الموت وربطها بحقيقة الحياة، وانعكاس ذلك في شعره هو سر بقائه، فضلاً عن شاعريته التي تفوق عواطف الخنساء الأنثوية المنكسرة، وخطابية متمم بن نويرة.
واختتمت محاور مرايا السيرة بالمحور الثالث شخصية البطل وأخلاق الفرسان "الذي يدرس أثر لبيد الحاكم الحزين الذي أرسى قانوناً للبكاء على الشعراء، فتداولوا قانونه بآليات مختلفة ووجهات نظر متباينة أثرت الشعرية العربية عبر العصور والبيئات.
وانتقل البحث بعد ذلك أصداء حكمته التي شاعت في شعره، وما يميزه في ذلك، ويثير شاعرية الشعراء من حكمته الخاصة، ثم كرمه النبيل؛ إذ أقسم بأن يذبح الذبائح، ويطعم الطعام كلما هبت ريح الصبا، ولم يمنعه مانع المرض، أو الفقر، أو الإحساس بدنو الأجل، واقتراب الموت. وكانت وصيته الأخيرة لابن أخيه أن يقدم الطعام قبل الصلاة عليه؛ مما جعله مضرب المثل في الكرم في الصور الشعرية عند الشعراء. وختم هذا المحور بما عرف عنه من طول العمر حتى سئم الحياة، وعبر عن ذلك؛ فاستلهم الشعراء موقفه وضجره تجاه الحياة والموت وطول العمر وقصره.
القسم الثاني (أصداء النص): ينقسم ثلاثة محاور؛ الأول درس أصداء لبيد على تقاليد القصيدة الكلاسيكية من حيث البدء بالوقوف على الأطلال ووصف الديار، وأثره في ذلك، ومدى تأثيره، ثم انتقل إلى تفرده في وصف الناقة، وتحميل مشاهدها مواقف فلسفية ووجودية، كان لها أكبر الأثر عند الشعراء. ودرس المحور الثاني استدعاء التيمة وتداعي المعاني؛ فكلما استدعى الشعراء تيمة من تيمات لبيد المعروفة في حياته، أو عبر عنها في شعره استدعت هذه التيمة شبيهاتها بقانون تداعي المعاني؛ ولذا درس هذا الاستلهام بداية من طموح الشعراء في أن ينتزعوا بنية معينة من لبيد، وانتهائهم بعد ذلك إلى محاورة النص الكلي له، وذلك لما وصفه البحث بالبيت المكتنز والخطاب المكتنز؛ إذ تحمل أبيات لبيد التي يسعى الشعراء إلى استدعائها، أو استلهامها والتواشج معه خطاباً مكتنزاً كثيفاً مما يضطر الشاعر إلى الحوار معه، والاستغراق في ذلك حتى يتواشج نصه مع نص لبيد. وختم هذا المحور بدرس قانون الارتداد العكسي الذي صكه علماء التلقي، واكتفى البحث بظاهرتي التناسل والمعارضة. ودرس في ذلك شعرية الامتصاص ونص الألفة الذي يعني أن هناك نصوصاً للبيد صارت من نصوص الألفة في الشعرية العربية، قد امتصتها الذائقة، وصارت تستدعيها تلقائياً، الأمر الذي جعل بدر شاكر السياب، وهو من رواد الواقعية التي تحاول القطيعة مع التراث، يمتص قصيدة كاملة للبيد، وينسج على منوالها إحدى مراثيه الطويلة في ديوانه الأشهر (أنشودة المطر)، ثم فرق البحث بين خصوصية التجربة، والغرق في نهر ليتي؛ أي ما يستطيع الشاعر أن يعبر فيه عن تجربته الخاصة مهما تناص مع لبيد من ناحية، والغرق في نهر لبيد والاكتفاء باحتذائه دون ظهور بصمة مميزة تذكرنا بالشاعر المتناص، ولذا درس هذا المحور كيفية تحول لبيد من شاعر جاهلي إلى علامة سيميائية بما تحمله سيرته ونصوصه من علامات مميزة، واختتم بالتفريق بين الإيداع أو التضمين والتفاعل النصي؛ فهناك نوع من الإيداع الذي يمكن وصفه بالكولاج الذي يشبه الملصقات في فن الرسم والتفاعل الكامل مع النص في أثناء عملية التناص.
وختم هذا البحث بالتناص والمتلقي المختلف، ورأى أن وراء المتلقين المعجبين شديدي الولع يقف متلق مختلف شديد الرفض والاختلاف، فوضح البحث ذلك من خلال الموازنة بين شاعرين تلقيا شعر لبيد وسيرته؛ أحدهما بالموافقة والتواشج والذوبان والتماثل تقريباً في الرؤية للوجود، والحياة، والموت؛ وهو ما يمثله الشاعر الفلسطيني محمود درويش، والآخر هو الشيخ محمد محمود الشنقيطي الذي يمثل موقف الرافض المتهم للبيد بانتمائه إلى مواقف المشركين والكفار الذين عكفوا على رثاء ذويهم من أهل الضلال.
هذا جهدي الذي يشهد الله أني لم أدخر منه شيئاً، وله وحده الكمال والحمد والمنة.


1- يراجع، مختارات من أعمال باختين، ميخائيل باختين، ترجمة: يوسف الحلاق، تقديم: بطرس الحلاق، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2008م، 45- 47.
2- يراجع على سبيل المثال من هذه الدراسات، استدعاء شخصية المعري في الشعر الحديث والمعاصر (بين الواقع والتجريد)، عصام شرتح، مجلة التراث العربي، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، العدد 27، ذو الحجة 1428هـ/ كانون الأول 2007م، معلقة امرئ القيس وأثرها في الشعر العربي، عبد الحميد محمد بدران، مجلة العرب، الرياض، دار اليمامة، صدرت على جزأين: الأول في المجلد الخمسين العددان 1- 26، 2، والجزء الثاني، في المجلد الخمسين، العددان: 3- 215، 4، استدعاء شخصيات الشعراء في شعر محمود درويش، علي نظري، يونس وليئي، مجلة دراسات الأدب المعاصر، السنة الرابعة، العدد الخامس عشر، خريف، 1391هـ، 21- 40، أبو الطيب في الشعر العربي المعاصر (دراسة)، ثائر زين الدين، دمشق، منشورات اتحاد كتاب العرب، 1999م، تجليات ديك الجن في الشعر العربي المعاصر، ضمن كتاب خلف عربة الشعر، دمشق، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 2006م، تجليات الشخصية التراثية في الخطاب الشعري المعاصر، عبد الناصر هلال، السعودية، نادي الجوف الأدبي الثقافي، 1433هـ/ 2012م، صور استلهام شخصية عنترة في الشعر المعاصر في السعودية بخاصة، حافظ المغربي، ضمن بحوث ملتقى عنترة بن شداد (التاريخ والتوظيف الأدبي)، إصدارات نادي القصيم الأدبي، 1433هـ، 699، استلهام شخصية عنترة في الشعر اليمني المعاصر، عبد الحميد الحسامي، ضمن بحوث ملتقى عنترة بن شداد (التاريخ والتوظيف الأدبي)، إصدارات نادي القصيم الأدبي، 1433هـ، 775، أقنعة الشعر السعودي: عنترة نموذجاً، النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد الخامس، رجب 1429هـ/ يوليو 2008م، 225.
3- يراجع، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، علي عشري زائد، بيروت، دار الفكر العربي، 1417هـ/ 1997م، 7.
4- يراجع، لبيد بن ربيعة العامري، يحيى الجبوري، الكويت، دار القلم، الطبعة الثالثة، 1983م، 216.
5- يراجع، السابق، 9.
6- يراجع: إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، العبيدي (أحمد بن علي بن عبد القادر تقي الدين المقريزي ت845هـ)، تحقيق: محمد عبد الحميد النميسي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1420هـ/ 1999م، 14/305.
7- يراجع: الجامع الصحيح المختصر، البخاري (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله ت256هـ)، تحقيق: مصطفى ديب البغا، بيروت، دار ابن كثير، الطبعة الثالثة، 1407هـ/ 3، 1987/ 1395، المجلد الأول من ثبت عمر بن أحمد بن علي الشماع، مخطوط، الشماع الحلبي (عمر بن أحمد بن علي ت936هـ)، ل386، أسد الغابة، عز الدين ابن الأثير (أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ت630هـ)، بيروت، دار الفكر، 1409هـ/ 1989م، 4/219.
8- يراجع: الأدب المفرد بالتعليقات، البخاري (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، أبو عبد الله ت256هـ)، حققه وقابله على أصوله: سمير بن أمين الزهيري مستفيداً من تخريجات وتعليقات العلامة الشيخ المحدث: محمد ناصر الدين الألباني، الرياض، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، 1419هـ/ 1998م، 571، المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري (أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه ت405هـ)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411هـ/ 1990م، 3/87، الآحاد والمثاني، الشيباني (أبو بكر بن أبي عاصم أحمد بن عمرو بن الضحاك بن مخلد ت287هـ)، تحقيق: باسم فيصل أحمد الجوابرة، الرياض، دار الراية، 1411هـ/ 1991م، 1/97.
9- مسند الإمام أحمد بن حنبل، ابن حنبل (أبو عبد الله أحمد بن محمد بن هلال بن أسد الشيباني ت241هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، عادل مرشد، وآخرين، إشراف: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1421هـ/ 2001م، 15/460.
10- الفاضل، المبرد (أبو العباس محمد بن يزيد ت286هـ)، تحقيق: عبد العزيز الميمني، القاهرة، دار الكتب المصرية، الطبعة الثالثة، 1421هـ/ 2000م، 9.
11- يراجع: لبيد بن ربيعة العامري، يحيى الجبوري، 379- 384، حركة الحياة الأدبية من الجاهلية والإسلام، سعيد حسين منصور، الكويت، دار القلم، 1401هـ/ 1981م، 109- 113.
12- لذة النص، رولان بارن، ترجمة: منذر عياشي، دمشق، مركز الإنماء الحضاري، 1992م، 69- 70.
13- يراجع، خاص الخاص، الثعالبي (أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل ت 429هـ)، تحقيق: حسن الأمين، بيروت، دار مكتبة الحياة، 101، لباب الآداب، الثعالبي (أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري ت429هـ)، تحقيق: أحمد حسن بسج، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417هـ/ 1997م، 130، الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني (أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد ت 852هـ)، تحقيق: علي محمد البجاوي، بيروت، دار الجيل، 1412هـ، 5/6، 679/5.
14- يراجع، طبقات فحول الشعراء، ابن سلام الجمحي (محمد 139- 231هـ)، قرأه وشرحه: محمود محمد شاكر، جدة، دار المدني، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1974م، 1/135.
15- يراجع العقد الفريد، بن عبد ربه الأندلسي (أبو عمر أحمد بن محمد ت328هـ)، شرحه وضبطه: أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الإبياري، ووضع فهارسه: محمد فؤاد عبد الباقي، ومحمد رشاد عبد المطلب، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2004م، 2/339- 5، 340/275، ويراجع، أيضاً، مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، ناصر الدين الأسد، بيروت، دار الجيل، الطبعة الثامنة، 1988م، 210.
16- يراجع، حديث الأربعاء، طه حسين، القاهرة، دار المعارف، ط13، 1982م، 1/39.
17- يراجع، قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، محمد زكي العشماوي، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1410هـ/1990م، 141.
18- يراجع، الرؤى المقنعة: نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي، كمال أبو ديب، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م، 46.
19- يراجع، جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، القرشي (أبو زيد محمد بن أبي الخطاب من علماء القرن الخامس الهجري)، حققه وضبطه: علي محمد البجاوي، القاهرة، نهضة مصر، 1986م، 97.
20- يراجع، في النص الشعري العربي (مقارنات منهجية)، سامي سويدان، بيروت، دار الآداب، 1989م، 209- 211.
21- يراجع، ممالك الذهب، ماهر شفيق فريد، القاهرة، مكتبة الآداب، 2007م، 1003.
22- ديوان ابن الرومي، (أبي الحسن علي بن العباس بن جريج)، تحقيق: حسين نصار، القاهرة، دار الكتب والوثائق المصرية، الطبعة الثالثة، 1423هـ/ 2003م، 6/2503- 2504.
23- زهر الآداب وثمر الألباب، الحصري القيراوني (أبو إسحاق إبراهيم بن علي (ت413هـ أو 453هـ)، حققه وضبطه ووضع فهارسه: صلاح الدين الهواري، بيروت، المكتبة العصرية، 1421هـ/ 2001م، 2/313.
24- ديوان ابن سناء الملك، تحقيق: محمد إبراهيم نصر، مراجعة: حسين نصار، قدم هذه الطبعة: عوض الغباري، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الذخائر، 2003م، 67.
25- ديوان الشافعي (أبو عبد الله محمد بن إدريس ت204هـ)، تحقيق: مجاهد مصطفى بهجت، دمشق، دار القلم، 1420هـ/ 1999م، 59.
يتلع
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #8  
قديم 11-04-2019, 12:28 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)



الدكتور


محمد سيد علي عبد العال






26- ديوان ابن قلاقس، تحقيق: سهام الفريح، الكويت، مكتبة المعلا، 1408هـ/ 1988م، 328.
27- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ابن بسام الشنتريني (أبو الحسن علي ت542هـ)، تحقيق: إحسان عباس، القسم الثالث، المجلد الأول، بيروت، دار الثقافة، 1417هـ/ 1997م، 866.
28- ديوان الغزي (أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الأشهبي ت523هـ)، تحقيق: عبد الرزاق حسين، دبي، مركز جمعية الماجد للثقافة والتراث، 1429هـ/ 2008م، 712.
29- شرح ديوان لبيد، 157.
30- شرح اللزوميات، أبو العلاء المعري (أحمد بن سليمان ت449هـ)، تحقيق: سيدة حامد، ومنير المدني وآخرين، إشراف: حسين نصار، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م، 1/454.
31- يراجع: العبر في خبر من غبر، الذهبي (شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ت748هـ)، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، بيروت، دار الكتب العلمية، 1/36.
32- الشعر والشعراء، ابن قتيبة الدينوري (أبو محمد عبد الله بن مسلم 213، 276هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، القاهرة، دار الحديث، ط1418، 2هـ/ 1998م، 1/275- 276.
33- الشعر والشعراء، 1/275- 276، ويراجع، منتخب من كتاب الشعراء، أبو نعيم الأصبهاني (أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق ت430هـ)، تحقيق: إبراهيم صالح، بيروت، دار البشائر، 1994م، 24، كتاب الزهد الكبير، البيهقي (أحمد بن الحسين ت458هـ)، تحقيق: عامر أحمد حيدر، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الثالثة، 1996م، 247، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، بغداد، جامعة بغداد، ط2، 1413هـ،/ 1993م، 18/120.
34- يراجع، لبيد بن ربيعة العامري، يحيى الجبوري، 379- 412، حركة الحياة الأدبية، 109- 113.
35- شرح اللزوميات، 1/469.
36- هوامش شرح اللزوميات، 1/469.
37- يراجع، لبيد بن ربيعة العامري، يحيى الجبوري، 368.
38- يراجع، شرح اللزوميات، 1/454.
39- شرح ديوان الفرزدق، ضبط معانيه، وشروحه، وأكملها: إيليا حاوي، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1983م، 2/297.
40- يراجع، بنية الصورة الفنية في شعر الحطيئة، سمية الهادي، رسالة ماجستير، جامعة سطيف، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، 2008م، 55.
41- ديوان البحتري، تحقيق: حسن كامل الصيرفي، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1977م، 1/637.
42- ديوان صفي الدين الحلي، تحقيق: أكرم البستاني، بيروت، دار صادر، 1410، 191هـ/ 1990م، 163.
43- يراجع، لبيد بن ربيعة العامري، 371- 372.
44- يراجع، الهجاء والهجاءون في الجاهلية، محمد حسين، بيروت، دار النهضة العربية، الطبعة الثالثة، 1970م، 127.
45- يراجع، المفارقة القرآنية، محمد العبد، دراسة في بنية الدلالة، القاهرة، مكتبة الآداب، الطبعة الثانية، 1426هـ/ 2006م، 15.
46- يراجع، المفارقة في شعر عدي بن زيد، الموقف والأداة، حسني عبد الجليل، الإسكندرية، مكتبة الوفاء، 2009م، 11.
47- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، القسم الرابع، المجلد الأول، تحقيق: إحسان عباس، 563، ويراجع، أيضاً،: شعر أبي سعيد الرستمي (ت400هـ)، جمع وتحقيق: نادي حسن شحاتة، منشور بمجلة كتابات، العدد العاشر، الإسكندرية، دار الوفاء، 2013م، 140.
48- يراجع، رسالة الإغريض، أبو العلاء المعري (ت449هـ)، تحقيق: السعيد السيد عبادة، القاهرة، مكتبة الآداب، 2012م، 349.
49- ديوان فتيات الشاغوري (أبو محمد ابن علي الأسدي 530- 615هـ)، تحقيق: أحمد الجندي، دمشق، مطبوعات مجمع اللغة العربية، 1378هـ/ 1976م، 113.
50- مقدمة محقق ديوان فتيان الشاغوري، 6- 7.
51- ديوان فتيان الشاغوري، 532.
52- ديوان فتيان الشاغوري، 129.
53- السباق، 129.
54- يراجع، ديوان صفي الدين الحلي، تحقيق: أكرم البستاني، بيروت، دار صادر، 1410هـ/ 1990م، 163.
55- ابن حجة الحموي شاعراً وناقداً، محمود الربداوي، القاهرة، دار قتيبة للطباعة والنشر والتوزيع، 1402هـ/ 1982م، 181.
56- في رده شعراً على قصيدة لصديقه نجم الدين الجواب، مادحاً إياها بكل آيات الإطراء والثناء والاستحسان:
غراء حالية الطلا نظري محاسنها عباده
ناجت بلفظ قد حلا أدى له الشهد الشهادة
بفصاحة وبلاغة ترمي لبيداً بالبلادة
ألحان السواجع بين البادي والمراجع، الصفدي (صلاح الدين بن خليل أيبك 696- 764هـ)، تحقيق: محمد عبد الحميد سالم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005م، 1/68.
57- قوله في جملة قصيدته:
تجاوز في نظم القصيد لغاية حوى قصباب السبق منها قصيدها
يشيب لها رأس الوليد وينثني لبيد عن الأفكار وهو بليدها
ألحان السواجع بين البادي والمراجع، 1/69.
58- أتتك على قرب المدى عربيةلبيد بليد عن حلاها وأحوص
ديوان ابن فركون (781- 820هـ)، تحقيق: محمد بن شريفة، المغرب، مطبوعات الأكاديمية المغربية، 1407هـ/ 1987م، 352.
59- فأتى بالأحوص (عبد الله بن محمد ت105هـ) هنا للقافية لأنه شاعر غزل في المقام الأول، في حين نسب البلادة للبيد لأنها صارت تعبيراً شعرياً جاهزاً، وربما ساعدته الدلالة المعجمية للأحوص في بناء المعنى الشعري، وهو ما يميز شعر ابن فركون من حيث الجمع بين الطابع التسجيلي للتاريخ، وشدة الولع به، ولكنه يوظفه بطريقة فنية يراجع، الشعر الأندلسي وثيقة تاريخية (شعر ابن فركون الأندلسي ق9هـ نموذجاً)، قاسم القحطاني، مجلة التراث العربي، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، العددان 117- 118، السنة الثلاثون، ربيع أول 1413هـ/ 2010م، 85.
60- يقول في رده مفتخراً على من أراد امتحان شاعريته:
إن كنت ممتحني بذاك فإنني لست الهبوية حيث ما قيل انزلا
وإذا تبادرت الجياد بحلبة يوم النزال رأيت طرفي أولاً
قسماً بآيات البديع وما حوى من صنعتيه موشحاً ومسلسلاً
لو كنت مفتخراً بنظم قصيدة لبنيت في هام المجرة منزلاً
من كل قافية يروق سماعها وتعيد سحبان الفصاحة باقلاً
ويرى لبيد في بليد قلبه حصراً وينقلب الفرزدق أخطلا
النور السافر عن أخبار القرن العاشر، عبد القادر شيخ بن عبد الله العيدروس (978- 1038هـ)، حققه، وضبطه نصوصه: أحمد حالو، محمود الأرنؤوط، أكرم البوشي، بيروت، دار صادر، 2001م، 203.
61- فيصير سحبان مثال البلاغة باقلاً مثال العي، والفرزدق بجرأته وقدرته على القول وحدة ذكائه أخطل، لا يعي كيف يقول، وكأن الفرزدق قرن لبيداً بالحطيئة لتدور الدائرة، ويستمر المعنى في تحوره وتحوله إلى أن يصير الفرزدق هو عدوه الأخطل. وهو ما فعله أيضاً الشاعر شمس الدين الحنفي (931- 1005هـ) الملقب بالشمس لشاعريته، وافتخاره الشديد بها حين يمدح ممدوحه بالبلاغة؛ فيستعين بهذه القوالب الجاهزة بما لا يحدث دهشة جديدة في التلقي:
رقيت مقاماً في الفصاحة سامياً يقصر عن غاياته المتطاول
لبيد بليد وامرؤ القيس مطرق لديه وسحبان الفصاحة باقل
جاءت المفارقة موافقة أفق التوقع لدى المتلقي حتى فيما ينسحب من بلاده لبيد إلى عي سحبان. ووجود امرئ القيس هنا أتى حشواً لمجرد المبالغة، والجمع بينهما مبتذل عند سلفه من الشعراء؛ خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، المحبي (محمد أمين بن فضل الله بن محب الدين الحموي ت1111هـ)، القاهرة، المطبعة الوهبية، 1284هـ، 4/119.
62- ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، الثعالبي (أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل 350- 429هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، 1985م، 102.
63- السابق، 210.
64- ابن مقلة في مدحه شعر الصفدي (ت764هـ)، ونثره:
مثال ما رأيت أجل منه ولا أحلى ولا أشهى إليا
أتاني فامتلأت به سروراً فأكرم بالذي أحيا وحيا
فمنثور كمنثور اللآلي ومنظوم كمنظوم الثريا
فمن سحبان وائل من لبيد إذا نظراه فرا عنه عيا
فلو نظر ابن مقلة ما حواه من الأوضاع كان لها ولياً
ألحان السواجع بين البادي والمراجع، الصفدي (صلاح الدين بن خليل أيبك 696- 764هـ)، تحقيق: محمد عبد الحميد سالم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007م، 2/241.
65- وشكره على إحسان أسداه إليه، متمسكاً بالمفارقة المبتذلة (لبيد بليد):
فعند نداه حاتم الجود باخل وعندي لبيد في المديح بليد
فأتت بلادة لبيد بليدة في المعنى باردة؛ إذ صارت جاهزة مستهلكة متوقعة، ونسبة البخل إلى حاتم على سبيل المفارقة مبتذلة أيضاً عند الشعراء، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، أبن أبي أصيبعة (أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي موفق الدين، أبو العباس ت 668هـ)، تحقيق: نزار رضا، بيروت، دار مكتبة الحياة، (د.ت)، 702.
66- جمع بين أكثر من مفارقة في بيت واحد:
دهاء لديه رأي أكثم قائل وجود لديه حاتم الجود باخل
فائل: ضعيف، والبيت في: يتيمة الدهر ومحاسن أهل العصر، الثعالبي النيسابوري (أبو منصور عبد الملك ت429هـ)، تحقيق وشرح: مفيد قميحة، بيروت، دار الكتب العلمية، 1403هـ/ 1983م، 3/360، وشعر أبي سعيد الرستمي، 173.
67- مولى لكلامه عنى قول لبيد سحبان لديه أن جرى البحث بليد
وربما رجعت هذه المفارقة إلى استخدام الشافعي، رحمه الله، اسم التفضيل (أشعر) حت وصلت إلى ادعاء التجاوز المستعلي بجعل لبيد خارج المفاضلة التي يكون أحد طرفيها الشاعر المفتخر؛ فيظهر لبيد مثال الشعرية بليداً مهزوماً. ولعل المجانسة بين بليد ولبيد هي التي جرتهم إلى هذا التجاوز، وإن حاول ابن معتوق سحب هذه البلادة على سحبان، فإنه يثبتها في الوقت ذاته للبيد بفعل مخزون النصوص وحوارها المتراكم في المدونة الشعرية العربية المتواشجة.- ديوان ابن معتوق، ضبطه: سعيد الشرتوني، بيروت، المطبعة الأدبي، 1885م، 212.
68- ألحان السواجع، 2/322.
69- يثني على قصيدة أرسلها إليه صديقه الشاعر أبو حيان الغرناطي (ت745هـ) محتشداً بكل ألوان البديع الممكنة من المجانسات المتاحة لأعلام الشعراء، متوقفاً عند المفارقة نفسها:
ثنى لبيداً بليداً والبعيث بلا بعث وألقى لرأي الأخطل الخطلا
مستدرك الزيادات على ديوان أبي حيان الغرناطي، جمع وتحقيق وتقديم: عبد العزيز الساوري، الكويت، مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين، 2012م، 91.
70- عجائب الآثار في التراجم والأخبار، عبد الرحمن الجبرتي، تحقيق: عبد العزيز جمال الدين، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2012م، 3/36- 52.
71- هو شاعر حضرمي مولداً، مصري حياة ومماتاً، يعد من كبار شعراء الصوفية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي في أواخر عهد المماليك، وترجم له الجبرتي في كتابه حاول أن يخرج هذه المفارقة عما أصابها من نمطية وابتذال، فصور بها حالة من العجز عن التعبير عما يكنه صدره من امتنان لأصحاب المنن عليه، وعجزه عن التعبير عجزاً يوصف لبيد في مثله بالبلادة:
يا دهر حسبي بهم مقاملبيد عن وصفه بليد
ديوان ترويح البال وتهيج البلبال، عبد الرحمن العيد روس، القاهرة، المكتبة الأزهرية، 1998م، 34.
72- في مديحه الشيخ طالب البلاغي أحد بلغاء عصره.
صاغ من جوهر النظام عقوداً راق كالدر سمطها منضوداً
شهدت بالعلا له وأقامت لعلاها منه عليها شهوداً
واستعارت منها الغواني ثناياها الغوالي فنظمتها عقوداً
صرعت قبله صريع الغواني بعد ما صيرت لبيداً بليداً
أدب الطف، أو شعراء الحسين عليه السلام، من القرن الأول إلى القرن الرابع عشر، جواد شبر، بيروت، دار المرتضى 1409هـ/ 1988م، 1/174.
73- يراجع، في شعرية الإحياء، التناص في شعر البارودي، فهمي عبد الفتاح المتولي، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2015م، 1/15.
74- يقول ممتدحاً مجد الدين سيف الدولة المبارك (سنة 589هـ) بانتصار حققه في حرب عدوه، ويذكر ولده والي الإسكندرية:
ولا خير في الشعر بعد الخمول إذا لم تكن سامعاً مستفيداً
وإن عشت أرسلتها في علاك معنى حليماً ولفظاً رشيداً
فرحب بغيد بنات القريضفلو لا صفاتك ما كن غيداً
مهى لو تقادم ميلادها لقام لبيد لديها بليداً
وما زال يفتخر بشعره حتى انتهى إلى أنه وصل في الشاعرية إلى أنه لو قال شعره في زمن لبيد لأتهم لبيد بالبلادة بالنسبة إليه، والسمة الواضحة، هنا، أنه رجع بقصيدته إلى الوراء، ولم يستحضر لبيداً إلى زمنه كما فعل غيره، فحياة عبيد مجهولة، وما عرف منها ليس فيه شيء يفيد ملكاً ولا عبودية ديوان ابن الساعاتي (بهاء الدين أبو الحسن علي بن رستم 553- 604هـ)، عني بتحقيقه ونشره: أنيس المقدسي، بيروت، المطبعة الأمريكانية، 1939م، 2/172.
75- يقول في مديح تاج الدين الكندي (581هـ):
من باسمه أضحى عبيد بقبضتي عبداً وراح لبيد أي بليد
- ديوان ابن الساعاتي، 2/205. وربما حاول الخروج منها بجمعه بين لبيد وعبيد بن الأبرص بدافع المجانسة والمبالغة في الادعاء: التركيب (لبيد بليد) هو التركيب المحوري في البيت، وهو الذي استدعى عبيد بن الأبرص بداعي المجانسة ومراعاة النظير رغم اضطراره لمنعه من الصرف، وإن كانت ضرورة سائغة، وفكرة تحوله إلى عبد لا معنى لها إلا لداعي الجناس، يراجع، عبيد بن الأبرص، ديوانه، شرح وتحقيق: حسين نصار، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، 1377هـ/ 1957م، 17.
76- فقد حاول الإفادة من الجذر اللغوي لعبيد بقصد المجانسة السطحية، ودليل ذلك أننا إذا غفرنا له تكرار المعنى بعد ثماني سنوات فيما بين القصدتين السابقتين فإنا لا نغفر له أن يكررها في العام نفسه (581هـ) في مدحه الصفي بن القابض:
وقافية عذراء في كل مطلب زهيد من الأيام ظاهرة الزهد
تعيد لبيداً تعتريه بلادة وقل عبيد أن يكون بها عبدي
فالمعنى بارد على ما فيه من مبالغة، والصنعة البديعية تحرك الشاعر حتى فيما صاغه في عجز البيت الأول من المجانسة المصنوعة بين (زهيد، وزهد) فإذا كانت الأيام زهيدة زاهدة فما داعي التفاخر والتعاظم في حضرة الممدوح؟!
ديوان ابن الساعاتي، 2/283.
77- ودليل ذلك أنه قد سبق له مدح هذا الممدوح ذاته بالمعنى نفسه قبل هذه القصيدة بعامين (سنة 579هــ):
فسقت جلقاً فأيام سطري كل يوم عيد علينا أعيداً
بلد حسنه يفقه منك ان بليداً حتى يفوق لبيداً
وعلى ما في هذا المعنى من لياقة ومحاولة مقبولة لتغيير قالب (لبيد بليد) بادعاء التفوق لبلده سطري الدمشقية الجميلة التي تحيل البليد لبيداً؛ فقد عاد بعد عامين وأعاده، فلم يثر دهشتنا؛ فما بالنا بدهشة الممدوح الذي توجه إليه منشداً إياه المعنى نفسه؟؟! ديوان ابن الساعاتي، 2/295.
78- الذي يمدح الشريف محمد بن عون العثماني سنة 1270هـ
ودونكها ممن يكاد لقصدكم يصير بالنظم النجوم قصيداً
إذا جاءه حاشاك في النظم ناقد يريك لبيد الناقدين بليداً
ديوان محمود صفوت الشهير بالساعاتي (1825- 1881م)، جمعه: مصطفى رشيد، القاهرة، مطبعة المعارف، 1396هـ/ 1911م، 26.
79- يراجع التناص الشعري (قراءة أخرى لقضية السرقات)، مصطفى السعدني، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1991م، 69.
80- ديوان سحر بابل وسجع البلابل، السيد جعفر الحلي (1277- 1315هـ)، صيدا، مطبعة العرفان، 1331هـ، 143.
81- المستدرك على ديوان الترياق للشاعر عبد الباقي العمري (1204- 1279هـ)، سالم أحمد الحمداني، مجلد المورد، بغداد، دار الحرية للطباعة، صيف 1400هـ/ 1980م، 239.
82- ديوان أبي عبد الله جمال الدين محمد بن حمير الهمداني، تحقيق: محمد بن علي بن حسين الأكوع الحوالي، بيروت، دار العودة، 1985م، 134.
83- محمد بن حمير الهمداني (شاعر الدولة الرسولية في القرن السابع الهجري): حياته وشعره.. دراسة موضوعية، مجدي بن محمد خواجي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1422هـ/ 2001م، 101.
84- مقدمة ديوان أبي عبد الله جمال الدين محمد بن حمير الهمداني، 30.
85- درر النحور، ديوان ابن هتيمل (القاسم بن علي بن هتيمل (ت695هـ/ 1296م) دراسة وتحقيق: عبد الولي الشميري، الجمهورية اليمنية، مؤسسة الإبداع للثقافة والآداب، 1997م، 1/314.
86- ديوان ابن أبي حجلة (725- 776هـ)، تحقيق: أحمد حلمي حلوة، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، 1435هـ/ 2014م، 100.
87- ديوان علي الجارم، القاهرة، كلمات عربية للترجمة والنشر، 2013م، 489.
88- يراجع، بناء القصيدة عند علي الجارم، إبراهيم محمد عبد الرحمن، المنصورة، دار اليقين للنشر والتوزيع، 2008م، 269- 274.
89- يراجع، التناص في شعر سليمان العيسى، نزار عبشي، رسالة ماجستير، جامعة البعث، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 2005م، 237م.
90- الشوقيات، أحمد شوقي، القاهرة، كلمات عربية للترجمة والنشر، 2012م، 647.
91- يراجع، تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، رزق الله شيخو (بن يوسف بن عبد المسيح بن يعقوب ت1346هـ)، بيروت، دار المشرق، الطبعة الثالث، 421.
92- يراجع، أعلام النساء في عالمي العرب والإسلام، عمر رضا كحالة، بيروت، مؤسسة الرسالة، 5/279، وقصيدة عائشة التي تثني فيها على وردة اليازجية في ديوانها الذي جمعه محمد أبو المجد، يراجع، حلية الطراز، عائشة التيمورية، تحقيق وتقديم: محمد أبو المجد، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2004م، 81- 82، وأخل به الديوان الذي حققه، عبد الخالق السيد عبد الخالق، القاهرة، جزيرة الورد، 2011م.
93- يراجع، وردة اليازجي، مي زيادة، بيروت، مؤسسة نوفل، الطبعة الثانية، 1980م، 31- 38.
94- ديوان الشافعي 59.
95- يراجع: مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، ويسمى: "المقصد الاسمي في مطابقة اسم كل سورة للمسمى"، البقاعي (برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر ت885هـ)، الرياض، مكتبة المعارف، 1408هـ/ 1987م، 2/289، تهذيب مستمر الأوهام على ذوي المعرفة وأولي الأفهام، ابن ماكولا (سعد الملك، أبو نصر علي بن هبة الله بن جعفر ت 475هـ)، تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، 1410هـ، 252.
96- يراجع، العلاقات الأسرية في الشعر الجاهلي، عبد الرحمن الوصيفي، القاهرة، مكتبة الآداب، 2004م، 7- 34، 47، 59، 64، 66، 70، 74، 9.
97- يراجع، الأغاني، 17/49.
98- ديوان ابن مقبل، عني بتحقيقه: عزة حسن، بيروت، دار الشرق العربي، 1416هـ/ 1995م، 63.
99- يراجع، شعر ابن مقبل: قلق الخضرمة بين الجاهلي والإسلامي (دراسة تحليلية نقدية)، عبد الله الفيفي، السعودية نادي جازان الأدبي، 1420هـ/ 1999م، 1/229- 230.
100- يراجع، شعر ابن مقبل، قلق الخضرمة بين الجاهلي والإسلامي، 2/527.
101- ديوان ابن زيدون ورسائله، شرح وتحقيق: علي عبد العظيم، القاهرة، نهضة مصر، 1980م، 474.
102- ديوان ابن نباتة المصري (جمال الدين بن نباتة ت768هـ)، قدم له، عوض الغباري، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة (سلسلة الذخائر)، 2007م، 130.
103- ديوان ابن نباتة المصري، 170.
104- الخريدة (قسم شعراء مصر)، 2/73.


يتبع
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #9  
قديم 11-04-2019, 12:29 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)



الدكتور


محمد سيد علي عبد العال


105- الوافي بالوفيات، الصفدي (صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله ت764هـ)، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1420هـ/ 2000م، 12/17.
106- يراجع، ديوان البحتري، تحقيق: حسن كامل الصيرفي، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1977م، 1/630.
107- ديوان البحتري، 1/627.
108- شرح ديوان لبيد، 297.
109- ديوانه، 1/581.
110- شرح ديوان لبيد، 157.
111- تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار، الطبري (محمد بن جرير بن يزيد ت310هـ)، تحقيق: محمود محمد شاكر، القاهرة، مطبعة المدني، 1/124.
112- يراجع، العقد الفريد، 2/339- 5، 340/275، المجالسة وجواهر العلم، الدينوري المالكي (أبو بكر أحمد بن مروان ت333هـ)، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، بيروت، دار ابن حزم، 1423هـ/ 2002م، 1/729.
113- ديوانه، 4/2082.
114- رسالة الغفران، أبو العلاء المعري، تحقيق: بنت الشاطئ، القاهرة، دار المعارف، الطبعة السابعة، 1981م، 171.
115- نظرية الاتصال الأدبي، 9- 10.
116- رسالة الغفران، 215- 217.
117- السابق، 218.
118- السابق، 234.
119- ديوان، 1/630.
120- عيون الأنباء في طبقات الأطباء، 336.
121- يراجع، في النقد والأدب، (مقدمات جمالية عامة وقصائد محللة من العصر الجاهلي)، إيليا الحاوي، بيروت، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الرابعة، 1979م 1/432.
122- يراجع، في النقد والأدب، 1/431- 432.
123- التعازي والمراثي والمواعظ والوصايا)، المبرد (محمد بن يزيد أبو العباس ت 285هـ)، تقديم وتحقيق: إبراهيم محمد حسن الجمل، مراجعة: محمود سالم، القاهرة، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 287، 254، 159، 83.
124- ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، الثعالبي (أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل 350- 429هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، 1985م، 215.
125- يراجع، فتح القدير، ابن الهمام (كمال الدين محمد بن عبد الواحد ت861هـ)، بيروت، دار الفكر، 4/299، شرح اللزوميات، 2/461، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي، بيروت، دار الساقي، الطبعة الرابعة، 1422هـ/ 2001م، 9/155.
126- شرح ديوان لبيد، 213.
127- ديوان أبي تمام، بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد عبده عزام، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الخامسة، 1987م، 1/390.
128- يراجع: الموازنة بين أبي تمام والبحتري، الآمدي (لأبي القاسم الحسن بن بشر ت370هـ)، تحقيق: السيد أحمد صقر، القاهرة، دار المعارف، ط1992، 4م، 1/564.
129- لزوم ما لا يلزم، أبو العلاء المعري، الهند، طبعة بومباي، 1885م، 335.
130- شرح اللزوميات، 2/461.
131- رسالة الغفران، 251، 484.
132- يراجع، ديوان ابن زيدون ورسائله، 735.
133- يراجع، الإمتاع والمؤانسة، 148.
134- أمالي ابن الشجري، ابن الشجري (ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن حمزة ت542هـ)، تحقيق: محمود محمد الطناحي، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1413هـ/ 1991م، المقدمة: 32.
135- أمالي ابن الشجري، المقدمة: 32.
136- يراجع، نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة، المحبي (محمد بن أمين بن فضل الله بن محب الدين بن محمد 1061- 1111هـ)، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، القاهرة، عيسى البابي الحلبي، 1387هـ/ 1968م، 1/253، وهو من الأبيات التي أخل بها ديوانه المطبوع، واستدركه أحد الباحثين، يراجع: أبيات لابن هانئ الأندلسي لم تنشر، محمد اليعلاوي، حوليات الجامعة التونسية، تونس، العدد التاسع، 1972م، 96- 97.
137- يراجع، نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة، 1/253.
138- ابن الزقاق البلنسي، عفيفة محمود ديواني، رسالة ماجستير، بيروت، الجامعة الأمريكية، 1964م، 93.
139- يراجع، نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة، 1/251، وخلاصة الأثر، 2/282- 283.
140- ديوان محمود سامي البارودي، حققه وضبطه وشرحه: علي الجارم، ومحمد شفيق معروف، بيروت، دار العودة، 1998م، 1/156. وديوان البارودي، تقديم: محمد حسين هيكل، تدقيق: محمد فوزي حمزة، القاهرة، مكتبة الآداب، 2013م، 170.
141- في شعرية الإحياء (التناص في شعر البارودي)، 1/8.
142- يراجع: الأمثال، الهروي البغدادي (أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله ت224هـ)، تحقيق: عبد المجيد قطامش، القاهرة، دار المأمون للتراث، 1400هـ/ 1980م، 138، الأمثال المولدة، الخوارزمي (محمد بن العباس أبو بكر ت383هـ)، أبو ظبي، المجمع الثقافي، 1424هـ، 444، جمهرة الأمثال، أبو هلال العسري (الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد ت 395هـ)، بيروت، دار الفكر، 1408هـ/ 1988م، 1/8، الأمثال، الهاشمي (زيد بن عبد الله بن مسعود بن رفاعة، أبو الخير ت400هـ)، دمشق، دار سعد الدين، 1423هـ، 50، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، البكري (أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز ت487هـ)، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1971م، 206، مجمع الأمثال، الميداني النيسابوري (أبو الفضل أحمد بن محمد ت518هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار المعرفة، 1/463.
143- شرح ديوان لبيد، 179.
144- ديوانه، 1902.
145- الإحاطة في أخبار غرناطة، لسان الدين بن الخطيب (713- 776هـ)، تحقيق: محمد عبد الله عنان، القاهرة، مكتبة الخانجي، الطبعة الثانية، 1395هـ/ 1975م، 3/460- 461.
146- شرح ديوان لبيد، 256.
147- يراجع، شرح ديوان لبيد، 331.
148- يراجع، السابق، 333.
149- السابق، 256.
150- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني (أحمد بن علي بن حجر 852هـ)، قام بإخراجه وصححه: محب الدين الخطيب، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار المعرفة، 1379هـ، 11/322، دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، البيهقي (أحمد بن الحسين بن علي ت458هـ)، بيروت، دار الكتب العلمية، 1405هـ، 2/292، القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، أبو بكر بن العربي (محمد بن عبد الله ت543هـ)، تحقيق: محمد عبد الله ولد كريم، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1992م، 1/418.
151- ديوان حميد بن ثور الهلالي، جمع وتحقيق: عبد العزيز الميمني، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، ط1416، 2هـ/ 1996م، 68.
152- ديوان أبي إسحاق الإلبيري (ت نحو 460هـ)، حققه وشرحه، واستدرك فائته: محمد رضوان الداية، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1411هـ/ 1991م، 88.
153- ديوانه، 6/2302- 2303.
154- يراجع، مدخل إلى دراسة الأدب في عمان (المصادر- المناهج- المراحل- النماذج)، أحمد درويش، القاهرة، دار المعارف، 1992م، 162، 154، 155.
155- أخل بها ديوانه المطبوع، يراجع: ديوان أبي مسلم البهلاني، جمعه: يوسف توما البستاني، القاهرة، المطبعة العربية، 1928م.
156- يراجع، دراسات في أدب عمان والخليج، تحرير: شريفة اليحياني، وأيمن ميدان، عمان، دار المسيرة، 1425هـ/ 2004م، 51، 53، 64، 67.
157- الطراز الأنفس في شعر الأخرس، عبد الغفار الأخرس (1808- 1875م)، جمعه: أحمد عزت فاروقي، استانبول، 1887م، 404.
158- ديوان شعر عامر بحيري، عامر بحيري، الجزء الثالث، القاهرة، مكتبة الآداب، 2014م، 9.
159- حياة نفس (صفحات من حياتي)، سيرة ذاتية لشيخ الشعراء عامر بحيري، القاهرة، مكتبة الآداب، 2013م، 98.
160- شرح ديوان لبيد، 324.
161- الأغاني، 14/97.
162- ديوان ابن عربي، الشيخ أبو بكر محيي الدين محمد بن علي بن محمد الطائي الحاتمي المرسي ت638هـ، شرحه: أحمد حسن بسج، بيروت، دار الكتب العلمية، 1416هـ/ 1996م، 80، والبيت، أيضاً، في ديوانه طبعة دار الكتب والوثائق القومية، 2008م، 80.
163- الفاضل، 14.
164- الأغاني، 17/49.
165- شرح ديوان لبيد، 167 ديوانه (صادر)، 73.
166- يراجع: الجليس الصالح، 4/52.
167- يراجع: شرح ديوان الحماسة، المرزوقي (أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن ت421هـ)، تحقيق: غريد الشيخ، وضع فهارسه العامة: إبراهيم شمس الدين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1424هـ- 2003م، 1/732.
168- شرح ديوان الحماسة (ديوان الحماسة: اختاره أبو تمام حبيب بن أوس ت231هـ)، التبريزي (يحيى بن علي بن محمد الشيباني، أبو زكريا ت502هـ)، بيروت، دار القلم، 1/431.
169- شرح ديوان لبيد، تحقيق: إحسان عباس، 167، ديوانه (ًصادر)، 73، ديوانه شرح الطوسي، تحقيق: حنا نصر الحتي، بيروت، دار الكتاب العربي، 2012م، 88.
170- ديوان العباس بن الأحنف، شرح وتحقيق: عاتكة الخزرجي، القاهرة، مطبعة دار الكتب المصرية، 1954م، 153، الأغاني، 17/51.
171- ديوان ابن الرومي، (أبي الحسن علي بن العباس بن جريج)، تحقيق: حسين نصار، القاهرة، دار الكتب والوثائق المصرية، الطبعة الثالثة، 1423هـ/ 2003م، 6/2606.
172- يراجع: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، الزمخشري (محمود بن عمر ت538هـ)، تحقيق: محمد علي قرنة، مراجعة: رمضان عبد التواب، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، 1422هـ/ 2001م، 2/430، ولباب الآداب، أسامة بن منقذ، 93- 94، الجوهر النفيس في سياسة الرئيس، ابن الحداد (محمد بن منصور بن حبيش ت بعد 673هـ)، الرياض، مكتبة نزار مصطفى الباز، 1996م، 182.
173- يراجع: ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، 2/430- 431، والرواية في الشعر والشعراء باختلاف يسير في الرواية والأبيات، يراجع: الشعر والشعراء، 1/176.
174- ديوان المصابين (شعر الموصوفين بالمجانين والموسوسين في العصر العباسي)، وحققها، وقدم لها، ودرسها: عبد المجيد الإسداوي، الزقازيق، مكتبة العرفان، 1422هـ/ 2002م، 72.
175- ديوان لبيد بن ربيعة، شرح الطوسي، 244.
176- ديوان ابن حيوس، عني بنشره وتحقيقه: خليل مردم، بيروت، دار صادر، 1404هـ/ 1984م، 1/160.
177- يراجع: الأغاني، 14/97، العبر في خبر من غبر، 1/36، الوفيات (معجم زمني للصحابة وأعلام المحدثين والفقهاء والمؤلفين)، ابن قنفذ القسنطيني (أبو العباس أحمد بن حسن بن الخطيب ت810هـ)، تحقيق: عادل نويهض، بيروت، دار الآفاق الجديدة، الطبعة: الرابعة، 1403هـ/ 1983م، 58، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، ابن تغري بردي (يوسف بن عبد الله الظاهري الحنفي، أبو المحاسن، جمال الدين ت874هـ)، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة الذخائر، 2007م، 1/120.
178- يراجع، الشعر والشعراء، 1/275.
179- شرح ديوان لبيد، 35.
180- تبيين المعاني في شرح ديوان ابن هانئ الأندلسي، صحح الديوان وهذبه وشرحه: زاهد علي، القاهرة، مطبعة المعارف، 1352هـ/ 292، وديوان ابن هانئ الأندلسي، تحقيق: كرم البستاني، بيروت، دار بيروت للطباعة والنشر، 1400هـ/ 1980م، 112.
181- ألحان السواجع، 2/296.
182- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، المقري (أحمد بن محمد التلمساني 992- 1041هـ)، حققه: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، 1408هـ/ 1988م، 5/155.
183- الفاخر، المفضل (بن سلمة بن عاصم، أبو طالب ت290هـ)، تحقيق: عبد العليم الطحاوي، مراجعة: محمد علي النجار، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي، 1380هـ/ 84.
184- شرح ديوان لبيد، 274.
185- سورة الرحمن، من الآية 26.
186- شرح اللزوميات، 1/404.
187- شرح ديوان للبيد، 300.
188- شرح اللزوميات، 1/404.
189-السابق، 1/398.
190- شرح ديوان لبيد، 208.
191- ديوان ابن الساعاتي، 2/375.
192- ديوان النابغة الذبياني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1990م، 16.
193- ديوان توفيق، للشاعر محمد توفيق علي (1882- 1937م)، قدم له حسن فتح الباب، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996م، 1/86.
194- الشوقيات، أحمد شوقي، تقديم: محمد حسين هيكل، بيروت، دار العودة، 1988م، 2/30.
195- السابق، 2/120.
196- شعرية شوقي، محمد السيد إسماعيل القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2014م، 165- 166.
197- الشوقيات، 2/120.
198- الشعر والشعراء، 1/74- 75.
199- يراجع، مقدمة القصيدة العربية في العصر الأموي، حسين عطوان، بيروت، دار الجيل ط1407، 2هـ/ 1987م، 35.
200- ديوان أبي تمام، 1/407.
201- يراجع، لبيد بن ربيعة العامري، يحيى الجبوري، 358- 359.
202- شرح اللزوميات، 1/397.
203- شرح ديوان لبيد، 299.
204- رسالة الغفران: لأبي العلاء المعري (363هـ- 449هـ) ومعها نص محقق: رسالة ابن القارح، تحقيق وشرح: عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، القاهرة، دار المعارف، الطبعة السابعة، 1981م، 215- 218.
205- شرح ديوان لبيد، 167، ديوانه (صادر)، 73، ديوانه شرح الطوسي، 205.
206- عجز البيت الثاني مضطرب في الأصل، وقد أشار الصيرفي إلى ذلك في هوامشه. ديوان البحتري، تحقيق: حسن كامل الصيرفي القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1977م، 3/1593- 1594.
207- ديوان مهيار الديلمي، قدم لهذه الطبعة: أبو همام عبد اللطيف عبد الحليم، القاهرة الهيئة العامة لقصور الثقافة، الذخائر، 2008م، 1/65.
208- شرح ديوان لبيد، تحقيق: إحسان عباس، 299.
209- يراجع، بنية القصيدة في شعر مهيار الديلمي، محمد الدناي، الكويت، مؤسسة عبد العزيز البابطين، 2013م، 2/1000.
210- يراجع، لبيد بن ربيعة، الجبوري، 510- 511.
211- شعر الأحوص الأنصاري، 124.
212- الأغاني، 9/99.
213- يراجع، التناص في شعر الرصافي البلنسي (ت572هـ)، أحمد بن عيضة الثقفي، مجلة جامعة الأنبار للغات والآداب، العدد السابع، السنة الثالثة، 2012م، 31.
214- يراجع، المعلقات العشر (دراسة في التشكيل والتأويل)، صلاح رزق، القاهرة، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، 2009م، 1/90.
215- يراجع، فن الوصف في الشعر الجاهلي، علي الخطيب، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية، 1424هـ/ 2004م، 127- 128.
216- يراجع، التجديد في وصف الطبيعة بين أبي تمام والمتنبي، نسيمة راشد الغيث، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1992م، 33.
217- العقر: القصر الذي يكون معتمداً لأهل القرية، الهاجري: البناء؛ بناء من هجر، أشباه: اللبن أو الآجر، مثال: قالب اللبن.
- الشعر والشعراء، ابن قتيبة الدينوري (أبو محمد عبد الله بن مسلم 213، 276هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، القاهرة، دار الحديث، ط1418، 2هـ/ 1998م، 1/281.
218- شرح ديوان لبيد، 76.
219- الحرج: الجسم الطويل، المجدل: القصر المشرف، لوثاقة بنائه، لزه: شده وألصقه، القرمد: خزف يطبخ، ذوات طبخ: يعني الأجر، أطيمة: يعني أتون، ديوان الطرماح، 112- 113.
220- يراجع، الشعر والشعراء، 1/282.
221- شرح ديوان لبيد، 260.
222- ديوان النابغة الجعدي، جمعه، وحققه، وشرحه: واضح الصمد، بيروت، دار صادر، 1998م، 68.
223- ديوان محمود سامي البارودي، 1/610.
224- يراجع، الوصف في الشعر العربي، عبد العظيم علي قناوي، القاهرة، مطبعة الحلبي، 1368هـ/ 1949م، 146.
225- أفتلك: اسم إشارة يعود على الأتان التي شبه بها ناقته في الأبيات السابقة لهذا البيت، الوحشية: يقصد بها البقرة الوحشية؛ فهي نعت لمنعوت محذوف. مسبوعة: أصابها السبع بافتراس ولدها، خذلت تركت دون أن تنصر وتعان، الهادية: المتقدمة، الصوار: القطيع من بقر الوحش، والجمع الصيران، القوام: ما يقوم عليه الأمر أو الشيء، شرح ديوان لبيد، 307.
226- قضايا النقد الأدبي، 160- 161.
227- يراجع، في شعرية الإحياء، 2/95- 96.
228- يراجع، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عبد الحميد عمر، القاهرة، عالم الكتب، 1429هـ/ 2008م، 1/749.
229- يراجع، السابق، 2/1162.
230- يراجع، قصة الحضارة، ول ديورانت (ويليام جيمس ديورانت (ت1981م)، تقديم: محيي الدين صابر، ترجمة: زكي نجيب محمود وآخرين، بيروت، دار الجيل، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1408هـ/ 1988م، 34/23.
231- يراجع، تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف بطرس كرم (ت1959م)، القاهرة، مكتبة الدراسات الفلسفية، الطبعة الخامسة، 334.
232- يراجع، في الميزان الجديد، محمد مندور، القاهرة، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 2004م، 123.
233- ديوانه، 1/630.
234- السابق، 1/627- 628.
235- شرح ديوان لبيد، 297.
236- يراجع، التناص في شعر الرواد، أحمد ناهم، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 2004م، 125.
237- ديوان أبي فراس الحمداني، تحقيق: عباس إبراهيم، بيروت، دار الفكر العربي، 1954م، 171.
238- واسم المهلهل عدي وسمي بالمهلهل لهلهلة الشعر كهلهلة الثوب؛ وهو اضطرابه واختلافه، وبسببه قامت حرب البسوس التي يضرب بها المثل في الجاهلية يراجع، طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي (231، 139هـ): قرأه وشرحه: محمود محمد شاكر، جدة، دار المدني، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1974م، 1/39، الأمالي، اليزيدي (أبو عبد الله محمد بن العباس بن المبارك ت310هـ)، حيدر آباد الدكن، مطبعة جمعية دائرة المعارف، 1397هـ/ 1938م، 116، أمالي ابن الشجري، ابن الشجري (ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن حمزة ت542هـ)، تحقيق: محمود محمد الطناحي، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1413هـ/ 1991م، 1/169، أمثال العرب، الضبي (المفضل بن محمد بن يعلي بن سالم ت168هـ)، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار الرائد العربي، الطبعة الثانية، 1403هـ/ 1983م، 131.
239- خريدة القصر وجريدة العصر (قسم شعراء الشام)، عماد الدين الكاتب الأصبهاني (محمد بن محمد صفي الدين أبو عبد الله ت597هـ)، 2/336.
240- قضايا النقد الأدبي، 70.
241- السابق، 71.
242- ديوان أسامة بن منقذ، تحقيق: أحمد بدوي، وحامد عبد المجيد، بيروت، عالم الكتب، 1403هـ/ 1983م، 168.
243- ديوان ابن الساعاتي، 2/320.
244- عيار الشعر، ابن طباطبا (أبو الحسن محمد بن أحمد العلوي ت322هـ)، تحقيق: عبد العزيز بن ناصر المانع، الرياض، دار العلوم للطباعة والنشر، 1405هـ/ 1985م، 123.
245- السابق، 126.
246- ديوان الشريف الرضي، تحقيق: محمود مصطفى جلاوي، بيروت، دار الأرقم، 1419هـ/ 1999م، 2/339.
247- السابق نفسه.
248- ديوان الخنساء، شرحه: ثعلب (أحمد بن يحيى ت291هـ)، حققه: أنور أبو سويلم، عمان، دار عمار، 1409هـ/ 1988م، 143.
249- ديوان الشريف الرضي، 2/339.
250- ديوان الخنساء، 387.
251- يراجع، الأسلوبية والخطاب الشعري (الشريف الرضي نموذجاً، محمود أحمد الطويل، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2006م، 390.
252- يراجع، الشريف الرضي (حياته ودراسة شعره)، عبد الفتاح محمد الحلو، القاهرة، هجر للطباعة والنشر 1406هـ/ 1986م، 2/211.
253- ديوان الشريف الرضي، 2/339.
254- شرح ديوان لبيد، 180.


يتبع
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
  #10  
قديم 11-04-2019, 12:30 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 13,451
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لبيد والذكرى المستديرة ( مرايا السيرة، وأصداء النص)

لبيد والذكرى المستديرة


( مرايا السيرة، وأصداء النص)



الدكتور


محمد سيد علي عبد العال



255- الأمثال المولدة، الخوارزمي (محمد بن العباس ت383هـ)، أبو ظبي، المجمع الثقافي، 1424هـ، 444، جمهرة الأمثال، 1/52.
256- يراجع، خاص الخاص، 101.
257- يراجع، عبقرية الشريف الرضي، زكي مبارك، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2010م، 1/51.
258- قواد الشعر، ثعلب (أحمد بن يحيى (ت291هـ)، تحقيق: رمضان عبد التواب، القاهرة، مكتبة الخانجي، الطبعة الثانية، 1995م، 71، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، البكري (أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد ت487هـ)، تحقيق: إحسان عباس، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1971م، 173، المستقصى في أمثال العرب، الزمخشري (جار الله أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، ت538هـ)، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، 1987م، 1/289، فصل المقال في شرح كتاب الأمثال، أبو عبيد البكري، تحقيق: إحسان عباس، وعبد المجيد عابدين، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1983م، 173.
259- الأمثال، الهروي البغدادي (أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله ت224هـ)، تحقيق: عبد المجيد قطامش، القاهرة، دار المأمون للتراث، 1400هـ/ 1980م، 117.
260- الإعجاز والإيجاز، أبو منصور الثعالبي (عبد الملك عبد الملك بن محمد بن إسماعيل ت429هـ)، بيروت، دار الغصون، الطبعة الثالثة، 1405هـ- 1985م، 144، مجمع الأمثال، الميداني (أبو الفضل أحمد بن محمد بن إبراهيم ت518هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دار المعرفة، 2/139.
261- محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، 1/521.
262- الوساطة بين المتنبي وخصومه، القاضي الجرجاني (أبو الحسن علي بن عبد العزير ت392هـ)، تحقيق وشرح محمد أبو الفضل إبراهيم، علي محمد البجاوي، القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، 397.
263- أبو الطيب المتنبي ما له وما عليه، أبو منصور الثعالبي (ت429هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، مكتبة الحسين التجارية، 126- 127، ويتيمة الدهر، 1/256.
264- الأمثال السائرة من شعر المتنبي والروزنامجة، الصاحب إسماعيل بن عباد (326- 385هـ)، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، بغداد، مكتبة النهضة، 1385هـ/ 1965م، 71.
265- الوساطة بين المتنبي وخصومه، 397.
266- الأزمنة والأمكنة، المرزوقي (أبو علي أحمد بن محمد الحسن الأصفهاني ت 421هـ)، تحقيق: محمد خليل منصور، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417هـ/ 1996م، 501، والبيت مما أخل به ديوانه: هدي المعاهد من سعاد فسلم واسأل وإن وجمت فلم تتكلم.
267- شرح ديوان لبيد، 307- 311.
268- ديوان الطرماح، عني بتحقيقه: عزة حسن، بيروت، دار الشرق العربي، الطبعة الثانية، 1414هـ/ 1994م، 147/ 150.
269- يراجع، شعر الطرماح بن حكيم الطائي، دراسة موضوعية وفنية، فتحي محمد طالب المسيعدين، رسالة ماجستير، الأردن، جامعة مؤتة، 2007م، 147.
270- الشعر والشعراء، 1/190.
271- يروي: كما قسم المقامر، الخمائل: الرمال فيها شجر، الدهنا: برية، والفيال: لعبة كانوا يلعبون بها. شرح ديوان لبيد، 80.
272- غدا: أي الثور الوحشي، قسم الفئال: أي تشق يد الثور أوساط الربا كما تشق أيدي الصبية الرمال في لعبة الفيال المعروفة بينهم في تخبئة شيء في كوم من الرمال من كومين مجموعين، والمراهنة على مكانه فيهما. – ديوان الطرماح، 118.
273- يراجع، الشعر والشعراء، 2/581.
274- يراجع، أدب الخوارج في العصر الأموي (دراسة)، سهير القلماوي، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 2010م، 199.
275- يراجع، الطرماح بن حكم الطائي (حياته، وشعره)، محمد علي كساب، رسالة ماجستير، بيروت، الجامعة الأمريكية، 199م، 142، شعر الطرماح بن حكيم (دراسة أسلوبية)، مصطفى محمد أبو طاحون، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة المنوفية، 1995م، 191- 193.
276-يراجع، شعر الطرماح بن حكيم الطائي، دراسة موضوعية وفنية، فتحي محمد طالب المسيعدين، رسالة ماجستير، الأردن، جامعة مؤتة، 2007م، 137.
277- يراجع، قضايا النقد الأدبي (بين القديم والحديث)، 70، ودراسات في النقد الأدبي المعاصر، 260.
278-يراجع، الشعر والشعراء، ابن قتيبة الدينوري، 1/283.
279- لذ: صاحب لذة، الربط: ملاءة ملفوفة، كأنما تشرب ماءً مذهباً من نعمته ونضارة لونه. – شرح ديوان لبيد، 9.
280- يريد بهذا العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس، وكان يقال له: المذهب من جماله، تقبله النعيم: إذا استبان عليه.
- شعر الأخطل (أبو مالك غياث بن غوث التغلبي)، صنعة: السكري، وروايته عن أبي جعفر محمد بن حبيب، تحقيق: فخر الدين قباوة، دمشق، دار الفكر، 1996م، 74.
281- يراجع، الأخطل في سيرته ونفسيته وشعره، إيليا حاوي، بيروت، دار الثقافة، ط1981، 2م، 568.
282- الشعر والشعراء، ابن قتيبة الدينوري، 1/283.
283- شرح ديوان لبيد، 57.
284- ديوان أبي نواس، تحقيق: علي العسيلي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1417هـ/ 1997م، 292.
285- فرط أشهر: أراد بعد أشهر. – شرح ديوان لبيد، 57.
286- ديوان أبي نواس، 292- 293.
287- ملحق الأغاني (أخبار أبي نواس)، أبو الفرج الأصبهاني (284هـ- 356هـ)، تحقيق: علي مهنا وسمير جابر، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر، 40، أخبار أبي نواس (تاريخه، نوادره، شعره، مجونه)، ابن منظور المصري، تحقيق: محمد عبد الرسول إبراهيم، القاهرة، دار البستاني للنشر والتوزيع، 2000م، 48- 49.
288- يراجع، الذئب والخراف المهضومة، دراسة في التناص الإبداعي، داود سلمان الشويلي، بغداد، دار الشئون الثقافية العامة، 2001م، 13.
289- يراجع، التناص الشعري (قراءة أخرى لقضية السرقات)، مصطفى السعدني، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1991م، 67.
290- ربيع الأبرار وفصوص الأخبار: للزمخشري (محمود بن عمر ت538هـ): تحقيق: محمد علي قرنة، مراجعة: رمضان عبد التواب، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، 1422هـ، 2001م، 1/335، والمستطرف للأبشيهي ت854هـ، تحقيق: إبراهيم صالح، بيروت، دار صادر، 1999م، 1/330.
291- صحيح ابن خزيمة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة بن صالح بن بكر السلمي النيسابوري (ت311هـ)، حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه وقدم له: محمد مصطفى الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1424هـ/ 2003م، 1/91، الموطأ، مالك بن أنس بن مالك بن عامر الأصبحي المدني (ت179هـ)، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، أبو ظبي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، 1425هـ/ 2004م، 1/206.
292- المنازل والديار، أسامة بن منقذ، تحقيق: مصطفى حجازي، القاهرة، دار سعاد الصباح، الطبعة الثانية، 1412هـ،/ 1992م، 7- 8، ويراجع، المستطرف، 2/330.
293- السرد المكتنز، أيمن بكر، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2004م، 34، 8.
294- شرح ديوان لبيد، 157.
295- يراجع، بلاغة الخطاب، قراءة في شعرية المدح، محمد عبد الباسط عيد، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2014م، 312.
296- الصناعتين (الكتابة والشعر): تصنيف أبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري (ت395هـ): تحقيق: علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار الفكر العربي، ط1971، 2م، 37، البديع في البديع في نقد الشعر، أسامة بن منقذ، تحقيق: عبدآ مهنا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1407هـ/ 1987م، 353.
297- يراجع، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام المنثور لابن الأثير (نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري ت637هـ)، تحقيق: مصطفى جواد، بغداد، مطبعة المجمع العلمي، 1375هـ، 233.
298- المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ابن الأثير (ضياء الدين ت 637هـ)، قدمه وعلق عليه: أحمد الحوفي، وبدوي طبانة، القاهرة، دار نهضة مصر، 1973، 3/203، والبيت في ديوانه: 128، ويراجع ديوان المعاني، العسكري، 2/999.
299- يراجع، تصحيف التصحيف وتحريف التحريف، الصفدي (ت764هـ)، تحقيق: السيد الشرقاوي، مراجعة: رمضان عبد التواب، القاهرة، الخانجي، 1987م، 8.
300- حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، عبد الرازق البيطار 1253- 1335هـ)، حققه، وعلق عليه: حفيده: محمد بهجت البيطار، بيروت، دار صادر، ط2، 1413هـ/ 1993م، 2/657.
301- يراجع، رمز الأفعى في التراث العربي، ثناء أنس الوجود، القاهرة، مكتبة الشباب، 1984م، 5.
302- الحيوان، الجاحظ (عمرو بن بحر ت255هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، تقديم: أحمد فؤاد باشا، عبد الحكيم راضي، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2002م، 4/169.
303- تاريخ بغداد وذيوله، للخطيب البغدادي (أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت ت463هـ)، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1417هـ، 12/347.
304- ملحق الأغاني (أخبار أبي نواس)، أبو الفرج الأصبهاني (284هـ- 356هـ)، تحقيق: علي مهنا وسمير جابر، لبنان، دار الفكر للطباعة والنشر، 1/54، البخلاء، الخطيب البغدادي (أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي ت463هـ)، بعناية: بسام عبد الوهاب الجابي، بيروت، الجفان، والجابي، دار ابن حزم، 1421هـ- 2000م، 119.
305- الزهرة: لأبي بكر محمد بن داود الأصبهاني (ت296هـ أو 297هـ)، الجزء الثاني، حققه: إبراهيم السامرائي، ونوري القيسي، الأردن، مكتبة المنار، ط1406، 2هـ/ 1985م، 762، وأشدهما ابن الأعرابي مع غيرهما من الأبيات في عيون الأخبار، ابن قتيبة الدينوري (أبو محمد عبد الله بن سلم ت276هـ)، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ، 2/128، وفي الاستشهاد بهم على فساد الزمان وتغير الخلان أوردهما الراغب الأصفهاني محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت502هـ)، بيروت، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، 1420هـ، 2/20.
306- ديوان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تحقيق: محمد عبد الرحمن عوض، القاهرة، دار الكتب العلمية للنشر والتوزيع، 1993م، 91، والديوان، بتحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، القاهرة، دار ابن زيدون، 142.
307- التذكرة الحمدونية، ابن حمدون (محمد بن الحسن بن محمد بن علي ت 562هـ)، بيروت، دار صادر، 1417هـ، 5/72.
308- شعر الأحوص الأنصاري، جمعه وحققه: عادل سليمان جمال، قدم له: شوقي ضيف، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1390هـ/ 1970م، 159.
309- مالك ومتمم ابنا نويرة اليربوعي، ابتسام مرهون الصفار، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1968م، 110.
310- يراجع، الأحوص بن علي الأنصاري (حياته وشعره)، محمد علي سعد، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 1982م، 157.
311- ديوانه، تحقيق: شاكر هادي شكر، بيروت، عالم الكتب للطباعة والنشر، 2013م، 248.
312- الشوقيات، 2/78.
313- يتيمة الدهر، 2/410.
314- السابق، 5/283.
315- يراجع، البيان والتبيين: للجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر ت255هـ): تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، تقديم: عبد الحكيم راضي، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2003م، 4/50، الأمثال، الهروي، 267.
316- يتيمة الدهر، 4/243، ويراجع: شعر أبي بكر الخوارزمي (ت382هـ)، ضمن كتاب من ديوان الشعر العربي، الجزء الثاني، تحقيق: محمد سالمان، القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011م، 2/239.
317- يراجع، شعر أبي بكر الخوارزمي (ت382هـ)، ضمن كتاب من ديوان الشعر العربي، الجزء الثاني، تحقيق: محمد سالمان، القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011م، 2/197.
318- نظرية التلقي، روبرت هولب، ترجمة: عز الدين إسماعيل، جدة، النادي الأدبي، 1994م، 254، ونظرية الاتصال الأدبي بين التنظير والتطبيق، مراد مبروك، ومنصور ضباب، جدة، مركز النشر العلمي بجامعة الملك عبد العزيز، 2013م، 208.
319- تعليق من أمالي ابن دريد، المؤلف: أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي (ت321هـ)، تحقيق: السيد مصطفى السنوسي، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1401هـ/ 1984م، 135، الحلة السيراء، 1/28، ونزهة الفضلاء، البستي (أبو حاتم محمد بن حبان ت354هـ)، شرح وتحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد وآخرين، بيروت، دار الكتب العلمية، 1397هـ/ 1977م، 97- 98، وأمالي ابن دريد، ابن دريد (أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد ت321هـ)، تحقيق: السيد مصطفى السنوسي، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والعلوم، 1401هـ/ 1984م، 135. باختلاف يسير في بنية الحكاية.
320- التمثيل والمحاضرة، أبو منصور الثعالبي (عبد الملك بن محمد بن إسماعيل ت 429هـ)، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، بيروت، الدار العربية للكتاب، الطبعة الثانية، 1401هـ/ 1981م، 61، ولباب الآداب، 131.
321- عيار الشعر، 144.
322- نهاية الأرب في فنون الأدب، النويري (أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم شهاب الدين ت733هـ)، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، 1423هـ، 7/106.
323- محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، الراغب الأصفهاني (أبو القاسم الحسين بن محمد ت502هـ)، بيروت، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، 1420هـ، 2/510.
324- التذكرة الحمدونية، 6/14.
325- يراجع، المرقصات والمطربات، ابن سعيد المغربي (أبو الحسن علي بن موسى الأندلسي ت685هـ)، جمعية المعارف، 19.
326- الاستذكار، ابن عبد البر (بن عاصم أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري القرطبي ت463هـ)، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، 1421/ 2000م، 3/8، 82/340، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، الزرقاني لمصري الأزهري محمد بن عبد الباقي بن يوسف، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، 1424هـ/ 2003م، 2/117، والبيت في: شرح ديوان لبيد، 170.
327- شرح ديوان لبيد ، 170.
328- الأمثال المولدة، الخوارزمي (أبو بكر محمد بن العباس ت383هـ)، أبو ظبي، المجمع الثقافي، 1424هـ، 463، لباب الآداب للثعالبي، 131.
329- دمية القصر وعصرة أهل العصر، الباخرزي (علي بن الحسن أبو الحسن ت467هـ)، بيروت، دار الجيل، 1414هـ، 2/891.
330- شعراء ثقيف في العصر الأموي (جمع وتحقيق ودراسة)، عيضة عبد الغفور الصواط، رسالة ماجستير، كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى، 1983م، 267- 268، ويراجع، أيضاً، الحماسة البصرية، البصري (صدر الدين علي بن أبي الفرج بن الحسن ت656هـ)، تحقيق: عادل سليمان جمال، القاهرة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، 1398هـ/ 1978م، 1/480.
331- ديوان ابن نباتة المصري (جمال الدين ت768هـ)، قدم له، عوض الغباري، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة (سلسلة الذخائر)، 2007م، 315.
332- يراجع، ظاهرة التعالق في الشعر السعودي، 12.
333- ديواب ابن نباتة المصري، 170.
334- الصورة والبناء الشعري: د. محمد حسن عبد الله، القاهرة، دار المعارف، 1981م، 137.
335- ديوان صردر، تحقيق ودراسة: محمد سيد علي عبد العال، القاهرة، الخانجي، 2008م، 41.
336- ديوان ابن قلاقس، تحقيق: سهام الفريح، الكويت، مكتبة المعلا، 1408هـ،/ 1988م، 397.
337- ابن نباتة المصري (أمير شعراء المشرق)، عمر موسى باشا، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، 1992م، 442.
338- يراجع، في أدب مصر الإسلامية، عوض الغبارى، 264.
339- شرح ديوان لبيد، 158.
340- دلائل الإعجاز، عبد القاهر (بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني ت471هـ)، قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، جدة، دار المدني، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1413، 3هـ/ 1992م، 485.
341- الخطاب الروائي، ميخائيل باختين، 40- 42.
342- علم التناص والتلاص، عز الدين المناصرة، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2011م، 25.
343- الخطاب الروائي، ميخائيل باختين، 57.
344- يراجع، الخطاب الروائي، ميخائيل باختين، ترجمة: محمد برادة، القاهرة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، 1987م، 37- 38.
345- ديوان مهيار الديلمي، 2/192.
346- السابق، 2/194.
347- شرح ديوان لبيد، 168- 170.
348- يراجع، بنية القصيدة في شعر مهيار الديلمي، 2/1000.
349- يراجع، ظاهرة التعالق النصي في الشعر السعودي الحديث، علوي الهاشمي، الرياض، كتاب الرياض، 1998م، 107- 108.
350- يراجع، يراجع، التناص في شعر الرصافي البلنسي (ت572هـ)، 24- 25.
351- ديوان بدر شاكر السياب، بيروت، دار العودة، 1989م، 1/349- 354.
352- يراجع، البنى الأسلوبية (دراسة في أنشودة المطر للسياب)، حسن ناظم، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2002م، 86.
353- يراجع، الإيقاع في شعر السياب، سيد البحراوي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2011م، 107.
354- يراجع، لغة الشعر العربي الحديث، مقوماتها الفنية، وطاقاتها الإبداعية، السعيد الورقي، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثانية، 1983م، 319.
355- أبرز الشعراء في الشعر العراقي الحديث، سعد بن محمد الموينع، الرياض، 1427هـ، 223.
356- بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره، إحسان عباس، بيروت، دار الثقافة، الطبعة الرابعة، 1978م، 229- 230.
357- يراجع، شبح قابين بين شاعرين: ايدث سيتول وبدر شاكر السياب (دراسة في حياته وشعره)، علي البطل، بيروت، دار الأندلس، 1984م، 18.
358- يراجع، بدر شاكر السياب شاعر الرافدين، أحمد صالح محمود، رسالة دكتوراه، جامعة الأزهر، كلية اللغة العربية بالقاهرة، 1397هـ، 391، وما بعدها.
359- يراجع، الخطاب الروائي، ميخائيل باختين، 37- 47، ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، تزفيتان تودوروف، ترجمة: فخري صالح، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1996م، 121- 129.
360- يراجع، السابق، 66.
361- الحلة السيراء، ابن الأبار (أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي 595- 658هـ)، حققه، وعلق حواشيه: حسين مؤنس، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثانية، 1985م، 2/68.
362- شرح ديوان لبيد، 4.
363- ديوان ابن سناء الملك، 458.
364- سرقات المتنبي ومشكل معانيه ، ابن بسام النحوي، تحقيق: محمد الطاهر بن عاشور، تونس، الدار التونسية للنشر، 1970م، 68.
365- يراجع، سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر، حسن فتح الباب، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007م، 254.
366- يراجع، التذكرة الحمدونية، 9/184، وأخبار الدولة العباسية، مؤلف مجهول، تحقيق: عبد العزيز الدوري، وعبد الجبار المطلبي، بيروت، دار الطليعة، 1971م، 1/65، والبيت في ديوان لبيد بشرح الطوسي، 74.
367- الزهرة، 2/474.
368- إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس، الإتليدي، بيروت، دار صادر، 1410هـ/ 1990م، 282- 283.
369- شرح ديوان لبيد، 168- 170.
370- ديوان علي بن الجهم، تحقيق: خليل مردم، بيروت، دار صادر، الطبعة الثالثة، 1999م، 184.
371- شرح ديوان لبيد، 253.
372- ديوان علي بن الجهم، 184.
373- الأمالي، القالي (أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي ت356هـ)، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، ط3، 1421هـ، 2000م، 1/266.
374- شرح ديوان لبيد، 349.
375- يراجع، في أدب مصر الإسلامية، 189- 190.
376- يراجع، الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني (جلال الدين أبو عبد الله محمد بن سعد الدين بن عمر القزويني)، بيروت، دار إحياء العلوم، الطبعة الرابعة، 1998م، 388، الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، العلوي (يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم ت745هـ)، بيروت، المكتبة العنصرية، 1423هـ، 3/203، خزانة الأدب وغاية الأرب، ابن حجة الحموي (تقي الدين أبو بكر بن علي ت837هـ)، تحقيق: عصام شقيو، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 2004م، 1/406.
377- دمية القصر (التونجي)، 1234.
378- يراجع، علم العلامات (السيموطيقا): مدخل استهلالي، ضمن كتاب أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة، تحرير سيزا قاسم، ونصر حامد أبو زيد، القاهرة، دار إلياس، 1986م، 14- 16، المصطلحات الأدبية الحديثة، محمد عناني، القاهرة، الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان، الطبعة الثانية، 2006م، 153- 154، معجم المصطلحات الأدبية الحديثة، عرض وتقديم وترجمة: سعيد علوش، بيروت، دار الكتاب اللبناني، 1985م، 118، معجم مصطلحات الأدب، مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1435هـ/ 2014م، 2/97.
379- خريدة القصر وجريدة العصر (القسم العراقي)، 2/188.
380- خزانة الأدب وغاية الأرب، 2/311.
381- خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، 2/131، ريحانة الألبا، 2/216، سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، العصامي المكي (عبد الملك بن حسين بن عبد الملك ت1111هـ)، تحقيق: عادل احمد عبد الموجود، علي محمد معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419هـ/ 1998م، 4/367.
382- كتاب الشعر، أبو علي الفارسي (الحسن بن أحمد بن عبد الغفار ت377هـ)، تحقيق وشرح: محمود محمد الطناحي، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1408هـ/ 1988م، 391، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، البغدادي (عبد القادر بن عمر (ت1093هـ)، تحقيق وشرح: عبد السلام محمد هارون، القاهرة، مكتبة الخانجي، الطبعة الرابعة، 1418هـ- 1997م، 6/159، زهر الأكم في الأمثال والحكم، اليوسي (الحسن بن مسعود ت1102هـ)، تحقيق: محمد حجي، محمد الأخضر، الدار البيضاء، دار الثقافة، 1401هـ/ 1981م، 2/63.
383- شرح ديوان لبيد، 256.
384- ريحانة الألبا، 1/216.
385- أعيان العصر وأعوان النصر، الصفدي (صلاح الدين خليل بن أيبك ت764هـ)، تحقيق: علي أبو زيد، نبيل أبو عشمة، محمد موعد، محمود سالم محمد، قدم له: مازن عبد القادر المبارك، بيروت، دار الفكر المعاصر، 1418هـ/ 1998م، 2/224، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، 2/23.
386- نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان، القنوجي (أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري ت1307هـ)، عني بنشره: محمد عطية الكتبي، المطبعة الرحمانية بمصر، 1338هـ- 1920م، 47- 48.
387- شرح ديوان لبيد، 308.
388- شرح ديوان الفرزدق، 2/205.
389- الأغاني، 23/61، وزهر الآداب، 2/61، وهو مما أخل به ديوانه.
390- نفحة الريحانة، 2/469.
391- الحماسة المغربية، مختصر كتاب صفوة الأدب ونخبة ديوان العرب، الجراوي (أبو العباس أحمد بن عبد السلام ت609هـ)، تحقيق: محمد رضوان الداية، دمشق، دار الفكر، 1411هـ/ 1991م، 2/1461- 1462.
392- خريدة القصر (القسم العراقي- الجزء الثاني)، عماد الدين الأصفهاني، تحقيق: محمد بهجت الأثري، بغداد، المجمع العلمي العراقي، 1384هـ/ 1964م، 113.
393- يراجع، جماليات التلقي، سامي إسماعيل، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2002م، 176.
394- خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، 2/256.
395- السابق، 2/255.
396- خاص الخاص، 100.

397- الآثار الفكرية تشتمل على ما تيسر العثور عليه من نظم ونثر عبد الله فكري، جمعها: أمين عبد الله فكري، القاهرة، المطبعة الأميرية، 1315هـ/ 1897م، 420.
398- جدارية، محمود درويش، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، 2001م، 82- 83.
399- السابق، 84- 85.
__________________

نصائح للاسرة المسلمة فى رمضان ***متجدد

قراءة القرآن فى رمضان ___متجدد




رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 399.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 393.46 كيلو بايت... تم توفير 6.30 كيلو بايت...بمعدل (1.58%)]