الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         المتبرجات دعاة على أبواب جهنم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          هل يسترني لباسي ؟ (رسالة خاصة للأخوات) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          أيها المعاكس.. قف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          صحيح السيرة 2 | الشيخ الدكتور متولي البراجيلي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 30 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2788 - عددالزوار : 302746 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2175 - عددالزوار : 114187 )           »          الملأ الأعلى | وجدان العلي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 481 )           »          أدرك رمضان فصامه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          تحميل تطبيق ماسنجر لايت للكمبيوتر (اخر مشاركة : برامج دوت نت - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          اجمل فيديو تحفيزي (اخر مشاركة : سمير كمال - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 31-03-2020, 04:15 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,198
الدولة : Egypt
افتراضي الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز

الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز

الشيخ علي عبدالخالق القرني





الحمد لله.









الحمد لله أولى ما فغر النَّاطقُ به فمَه، وافتتح كلِمَه، عَظُمت منَّته، وعمَّت رحْمتُه، وتمَّت كلِمَته، ونفذت مشيئتُه، وسبَّح الرَّعد بِحَمده والملائكةُ من خيفتِه، نَحمدهُ بِجميع مَحامده ونُثْني عليه ببادئ الأمر وعائده، ونشْكُره على وافر عطائِه ورافده.





الحمد لله على آلائِه، نَحمده والحمد من نعمائِه؛ أن خصَّنا بِخَير أنبيائِه.





وأشْهد أن لا إله إلاَّ الله وحْده لا شريكَ له، شهادةً تشْفي الأوام وتقشعُ الظلام، وتكون لنا العدَّة الواقية في حشرجة الأنفُس وسكرات الحِمام.





وأشْهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّهُ من خلقِه وخليلهُ:






خَيْرُ البَرِيَّةِ أَقْصَاهَا وَأَدْنَاهَا وَهْوَ أَبَرُّ بَنِي الدُّنْيَا وَأَوْفَاهَا
أَتَى بِهِ اللَّهُ مَبْعُوثًا وَأُمَّتُهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنْجَاهَا
وَأَبْدَلَ الخَلْقَ رُشْدًا مِنْ ضَلالَتِهِمْ وَفَلَّ بِالسَّيْفِ لَمَّا عَزَّ عُزَّاهَا




دعانا إلى الإسْلام، وجنَّبنا عبادة الأصنام، وسنَّمنا ذروة عزٍّ لا تُرام، ونثَرَ يافوخَ الشِّرْك نثرًا ليْس مثله من بعده نظام، فصلوات الله وسلامُه عليْه، ما التأم شَعْبٌ وعلا كعبًا كعب، ولاح في الأُفق كوكَب، وأقام يذبل وكبْكَب، وآلِه وصحبِه ومَن سلك سبيلَهم، ما دار نَجمٌ في فلك. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].





أمَّا بعدُ:
أيْ عِمادَ النادي، وزينةَ الحاضر والبادي، عواملَ الرَّفع وجوامعَ النَّفع. فجْر الأمة الصَّادق ومُزنها الوادق، عامل الجملة وطليعة الحملة.



مَن تُعقد عليه الخناصر في رأب الأواصر، صخرةَ الإسلام الراسية والأعاصيرُ عاتية، مَن أحسبُ أنَّهم أهلٌ لهذه القافية:





قَوْمٌ تَسَامَوْا فِي سَمَاوَاتِ العُلا رُفِعُوا فَكَانُوا يَرْفَعُونَ المُسْنَدَ
أَفْعَالُهُمْ تُحْيِي القُلُوبَ وَعِنْدَهُمْ هِمَمٌ قَوِيَّاتٌ يُذِبْنَ الجُلْمُدَ
سُبُلُ المَعَالِي إِنْ أَرَادُوا طَيَّهَا تَرَكُوا أَقَلَّ مِنَ الذِّرَاعِ الفَدْفَدَ
وَمَتَى يَحَرْ فِي تِيهِهَا ذُو حَيْرَةٍ أَبْدَوْا لَهُ بِالدَّوِّ مِنْهَا أَنْجُدَا
فَهُمُ الأُولَى كَسَوُا العُلا أَبْهَى الحُلا فَبِهِمْ تَجَلَّتْ لُؤْلُؤًا وَزَبَرْجَدَا
صُمُتًا غَدَوْا فِي جِيدِهَا وَأَسَاوِرًا فِي المِعْصَمَيْنِ وَفِي النَّوَاضِرِ إِثْمِدَا




هأنذا أُخيُّكم، هأنذا.


ذو هفوات كثُرتْ، وعلل قد ظهرت وبطنت، وذا وذا.
فميِّزوا المبهمَ من حالِي ومِن قالِي، ومن كمْ وكأيِّن وكذا.
فأرْضُنا اهتزَّت إليْكم ورَبَتْ وساغ ماؤُها وجوُّها عذا.
فالجِسم عنكم كلَّ يوم في نوًى، والقلب حول رُبا حِماكم طائف.
ألا نضَّر الله هذه الوجوه التي أحسبها في الخير مسفرة، ضاحكةً مستبشرة.
كدرٍّ وياقوتٍ يُقلَّبُ في اليدين، قد نطقت بِحبٍّ خالصٍ لم يُمازجْه رين.
مَن رآني ورآها واحدًا فهو بعينيْن، ومَن رآنا اثنين فهو بعين.
وبتحيَّة الإسلام أحيّيكم في هذه اللَّيلة، تحيَّةً خالدة ثابتة لازمة.
تنفي الحروفَ الجازمة، تسومُ ساكِن الودِّ أن يتحرَّك، ومعتلَّ الإخاء أن يصحَّ.
لها نكهة كالورْد فاحَ مع الصَّبا، وطعمٌ كأحْلى ما تمجُّ الجوارش.






فالسَّلام عليْكم ورحْمة الله وبركاته.





سَلامًا كَعَدِّ القَطْرِ وَالرَّمْلِ وَالحَصَى وَنَبْتِ الصَّحَارَى وَالنُّجُومِ الشَّوَاهِدِ
سَلامًا يُبَارِي الرِّيحَ مِسْكًا وَعَنْبَرًا وَيَعْلُو بِهَامِ الوُدِّ فَوْقَ الفَرَاقِدِ
وَأَهْلاً كَمَا هَبَّ النَّسِيمُ المُعَطَّرُ وَإِلاَّ فَمِسْكٌ طَيِّبُ النَّشْرِ أَظْفَرُ




حيَّاكم الله وأحياكم للأمَّة، تُجدِّدون نضرَتَها، وتُعيدون شبابَها، وتَصلون أسبابَها، وتفتحون أبوابَها، وتَجمعون أصواتَ حُداتِها على إحْياء مواتِها وتدارك فواتِها.





أَمَانَةُ الدِّينِ قَدْ شُدَّتْ بِعَاتِقِكُمْ فَمَا لِغَيْرِكُمُ تُلْقَى المَقَالِيدُ
مَنْ أَوْرَدَ الآمَالَ حَوْضَ فَعَالِكُمْ فَلَهَا الأَمَانُ مِنَ انْ تُزَادَ وَتُصْرَفَا
فَاللَّهُ يُرْضِيكُمْ وَيَرْضَى عَنْكُمُ وَيُحِلُّكُمْ غُرَفًا عَلَوْنَ وَرَفْرَفَا




معشر الإخوة:
ممَّا لا يخفى أنَّ أمَّتنا خيرُ أمَّة أخرجت للنَّاس، سمت بدينِها حتَّى صار رعاة الغنَم قادة الأمم لا يُبْرَم أمرٌ دونَهم، ثُمَّ غيَّرت وبدَّلت وقد قضى الله: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11].






دَارَتْ رَحَى الأَيَّامِ وَاسْتَلْقَتْ عَلَى القَاعِ القِمَمْ، فمع ما تملكه من طاقات ومقدَّرات تؤهِّلها لريادة الأُمم، لَم تزل في لجَّة اليمّ في ذيل الأمم.





لَهَا جُرْحٌ مِنَ الآلامِ جَارٍ يُوَسَّعُ كُلَّمَا رُمْنَا الْتِئَامَهْ
كَلَيْثِ الغَابِ حِينَ تَرَى المَلاهِي وَحِينَ تَرَى المَآسِيَ كَالنَّعَامَهْ
فَكَأَنَّ مَوْكِبَهَا قَطِيعٌ ضَائِعٌ بَيْنَ الذِّئَابِ يَصِيحُ أَيْنَ الحَامِي
وَتَلَفَّتَ السَّارِي إِلَى السَّارِي كَمَا يَتَلَفَّتُ الأَعْمَى إِلَى المِتَعَامِي
وَحَادِيهَا لِسَانُ الحَالِ مِنْهُ تَأَنَّثْ أَنْتَ فِي زَمَنِ الإِنَاثِ
تُحَاوِلُ أَنْ تُعَدِّدَ فِيهِ أُنْثَى فَإِنْ تَغْضَبْ تُطَلَّقْ بِالثَّلاثِ
وَمِنْ عَجَبٍ يُسَانِدُهُنَّ قَوْمٌ يُسَارُ بِهِمْ كَثِيرَانِ احْتِرَاثِ




غثائيَّة كما وصفها خير البريَّة، تطْلب العدْل من الباغي عليها، وتُنادي مَن إذا جاوب تَمتم.





خدَّرها عدوُّها وشغلها عن دينها، ومزَّق رابطَتَها بكسب يدِها، فأصبح كلُّ فريق منها كما قيل: قانعًا بجحر الضَّبّ يُناضل عنه بِمثل سلاح الضَّبّ، وهيْهات إذا مُزِّقت الأطرافُ أن يُحفظ القلب!





وعلى حدِّ قول البشير:
عتبات الفتح بنيت على الكسر، وصائدة المناسر صادَها النَّسْر، وباذِل الماعون في العُسْر جزَوا في العاقبة بالخسْر، فأصبح الصيَّاد هائِب الفري، وأصبح الهرُّ يهاب الجرذا.






وظاهر عليْها من وراء الأكنَّة، شخوص مجتنَّة، في كيد الأبالسة والجِنَّة، لا تعرف الأمَّة إلاَّ في مواقف الاستِعْباد والابتزاز والذلَّة، فإذا ما مسَّ الضّرّ الأمَّة، كانوا على المؤمنين أعزَّة وعلى الكافرين أذلَّة.





يستأْسِدون على القريب وللعدوّ أرانبُ، لا يعرفون الياء من الألف ودائمًا في باب ما لا ينصرف، يجعلون العنفقة حاجبًا والمجون واجبًا. جيل من الأنعام إلاَّ أنَّهم من بيْنها خُلقوا بلا أذناب، ليْس في صحفهم موقف واحدٌ لعزِّ الإسلام يداوون الزّكام بالجذام، ويمتدحون الدناءة بالكلام، عارٌ على السَّلف والخلف، وأكذبُ ما يكون أحدُهم إذا حلف، ويُكثرون من العواء والصلف، كلابُ مزابلَ آذيْنَني بأبوالهنَّ على بابِ داري، وقد كنت أُوجعها بالعصا، ولكن عوت من وراء الجدار.





فصارت الأمَّة ميدان تنازع لعوامل الخفْض إذ تنازعها عاملان: عاملٌ على تجريدها من دنياها يجهدُ في التجريد ويتمنَّى المزيد، وعاملٌ على تجريدها من دينها يكيد ما وسِعه الكيد.





ويلتقي العاملان في نقطةٍ واحدة ألا وهي القضاء على هذه الأمَّة، وهذا محالٌ بفضل الله ومنِّه.





فَكُلَّمَا لِلحَرْبِ نَارًا أَوْقَدُوا أَطْفَأَهَا اللَّهُ العَزِيزُ الأَحَدُ



تستيقظ الأمَّة مترنِّحة، تقول للعامل الأوَّل بلسان حالها: لا نَوْمَ بعد اليوم، ولا يتمُّ ما تمَّ في النَّوم.





وتقول للثاني: كذَبَك الظَّنُّ والصَّاب لك بلا منّ؛ فالإسلام كامنٌ كمون النَّار في الحجر متى ما يُهِجْه قادحٌ يتوقَّد.





إِنَّ الجَوَاهِرَ فِي التُّرَابِ جَوَاهِرٌ وَالأُسْدُ فِي قَفَصِ الحَدِيدِ أُسُودُ



والباطلُ باطلٌ يعود إلى أصله حيث لا أصل، وأمَّا ما ينفع النَّاس فيمكث في الأرض.





وَالحَقُّ يَعْلُو فَهْوَ لاسْتِقْلالِ يَؤُولُ وَالبَاطِلُ لاضْمِحْلالِ
وَالسَّبْعُ سَبْعٌ وَإِنْ كَلَّتْ مَخَالِبُهُ وَالكَلْبُ كَلْبٌ وَإِنْ قَلَّدْتَهُ الذَّهَبَ




أفاقت الأمَّة خائرة القوى وانيةَ الخطى على فِتَن متماحِلة، ومُحاولة مستميتة لإعادة النَّائم لنومِه، وأنّى ذلك؟!





وقد قذف في روعها: أنَّه لا يستقيم لها عمل إلاَّ بالتنقيح المعجّل لكل ما ورثتْه من أخلاق، ليس لها في الخير من خلاق، ولن يتمَّ ذلك إلاَّ بالعودة لميراثها الأصيل.





فحدا الحادي على قلة الحادي ليستنهِض الميت والمقْعدا، ويستنفِر التُّرب والجلمدا.





يمدُّ إلى كلِّ نجم يدا، ويُوحي إلى الجوِّ أن يرعدا.






سَيَنْشَقُّ فَجْرٌ وَيَشْدُو رَبِيعٌ وَيَخْضَوْضِرُ الجَدْبُ أَنَّى شَدَا
وَيَرْنُو فَيَنْظُرُ خُضْرَ الرُّؤَى كَمَا يَنْظُرُ الأَعْزَبُ الخُرَّدَا
لَنَا مَوْعِدٌ مِنْ وَرَاءِ التِّلالِ وَهَا نَحْنُ نَسْتَنْجِزُ المَوْعِدَا
وَهَا قَدْ هَلَّ بِالبُشْرَى الهِلالُ بِفَجْرِ العِزِّ آذَنَتِ التِّلالُ





إلى أخلاق القرآن يا شبل الإيمان، في سيرة وشمائلِ مَن خُلقه القرآن.






فَبِذِي الأَخْلاقِ قُدْنَا أُمَمًا وَتَحَدَّيْنَا بِهَا أَعْدَى الأَعَادِي
عُدْ إِلَيْهَا رَافِعَ الرَّأْسِ وَقُلْ: هَذِهِ قَافِلَتِي وَالزَّادُ زَادِي




وَهُنَا حَقْلِي وَمَيْدَانُ جِيَادِى.





وهذا ميدان أخُبُّ فيه وأضع، وليتني فيه جذع، فاحدوا الشيخَ والجذع، اخلع نعالك في طُوى أكنافه، وضع العصا في واده القدسان؛ لنغرف من بَحره ونرتوي بدَرِّه، ونشنِّف المسامع بدُرِّه، فما برحت منه الخلائق تَحتذي، شذا تتهاداه الأنوف النواشق.





فَإِنْ أَنَا لَمْ أُطْلِقْ لِسَانِي لِنَعْتِهِ فَنَحْوِي وَصَرْفِي وَالبَلاغَةُ طَالِقُ



فمِنْ نفحٍ إلى عرْفٍ وإيماض وإكليل، مع رضاب سائغ طعْمُه لي منه كلَّ وقت كأس دهاق.





واليوم ذا الزرياب يبدو لنا، من شرفٍ يعلو جميع المَرَاق، وهو لنا كالطوق فوق التَّرَاق.
الزرْياب، ما الزرْياب؟



الذَّهب وماؤه زرياب.
وطائر غرَّادٌ ذو صوت حسن جميل زرياب.
وكل لامع مع صفرة زرياب.



وزرْيابُنا الليلةَ أسمى من الذَّهب الخالص الخلاَّب، يأخذ بالألباب، ويستدرُّ الإعجاب، ويملأُ الإهاب، كالسكر المذاب، ورشْف الثَّنايا العِذاب.





إنَّه: "الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز".





هَوَاهُ قَدْ غُذِيتُ بِهِ صَغِيرًا وَهَلْ لِلنَّفْسِ صَبْرٌ عَنْ غِذَاهَا



إنَّه نفحة عنبريَّة يطوف طائفُها على القلوب الكليمة ينضحها بالروح والرَّيحان، ويطْرِبُها بأرقِّ الألحان، ويحدوها لمراقي الكمال؛ لتحذُوَ إذا حذت على خير مثال.





أَعْنِي بِهِ خَيْرَ خَلْقِ اللَّهِ مَنْ لَمَعَتْ غُرُّ الصِّفَاتِ بِهِ كَمِثْلِ زِرْيَابِ



صلَّى عليه بارئُ العباد، ما جرت الأقلام بالمداد، وأمطرت سحبٌ وسال واد.





الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز - عليْه الصَّلاة والسَّلام.





خُلُقٌ تَعَلَّقَتِ النُّفُوسُ بِحُبِّهِ فَكَأَنَّهُ فِي كُلِّ قَلْبٍ خَيَّمَا



إنَّه زرياب يقول: والله لن تجد في كتُب التَّاريخ والسِّيَر، من فجْر الخليقة إلى اليوم - اسمَ رجُل يداني أو يضاهي رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في كمال خُلقه، وعظمة شخصيَّته، وباهر وفائه، بفضْلِه اعترف الأعداءُ ما جحدوا، إذ عجزوا عن العثور على جانب نقْص في سيرته.





يقول مستشرق لم يَملك نفسَه أمام تلك العظمة، يقولُ: "ما أحوجَنا اليوم إلى رجُل كمحمَّد! يحلُّ مشاكل العالم وهو يَحتسى فنجان قهوة".





نعم، فالشَّمس ليس تجلِّيها بمجحود، فلو لم يكن بالوحي خيرَ الأنبياء لكان بسيرته وخُلُقه أعظمَ العُظماء؛ فقد جُمِعَت فيه الخصال المفرَّقة تفيض كفيْض الديمة المتدفِّقة.





تردُّ خليَّات القلوب مشوقةً، وما كلِمي إلاَّ إليْها موجَّهٌ، وما هِمَّتي إلاَّ بها متعلقة.





وإنِّي وإن أسْهبتُ لستُ ببالغٍ مداها ولو نازَعْتُ سحبانَ منطِقَه.





زرياب يقول:
السّل أوَّلُ ما يكون زُكام، يا دعاة القوم، داوُوا أمَّة ابتلاها السلُّ في أخلاقِها، فهي تَخطو للرَّدى في مهل، عندكم للسّلّ ذا مشفى، فهل عندكم للخلق المبتذل؟






زرياب يقول:


إن صالحةً يأخذها النَّاشئ بالقدْوة والمثال، خيرٌ من ألف نصيحةٍ بالمقال؛ {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].





فَأَسْعَدُ أَهْلِ الأَرْضِ تَابِعُ خَطْوِهِ وَمَنْ زَاغَ عَنْهُ هَالِكٌ فِي الهَوَالِكِ



زرياب يقول:
ألا أيُّها الشَّانئون اخسؤوا، وموتوا بغيظِكم واكلحوا، بل إنَّه صمصامٌ يكوي بصارم البيان سِرْسام مَن يسخر بالإسلام والقرآن ونبيّ الإسلام - عليه الصَّلاة والسَّلام.






من كلِّ علجٍ هابط، ساقط وضيع رقيع، خبٍّ لئيم، منحوس منخوس، منكوس معكوس، موكوس مطموس دنس، خبيث أشمط متفيهق نجسٍ، فلو صُفِع النعال بوجهه صاح النعال بأي وجه أُضْرَبُ؟! ومن المخازي أكْله والمشرب، خسئت فمه ليهنئك الخراج بغير "جيم"، فما يشفي الزلال غليلَ هيم، وجوهكم نعلٌ في التَّيْرب، وقاية من شوكة وعقرب، فهو كالشَّمس علوًّا وسناء، كلَّما حاول وغدٌ قذْفَها قذفتْه بلظاها الشهُب، فليمت بالغيظ كلُّ الأدعياء، ما عسى يفعلُ إخوانُ الشَّقاء؟! ما همْ - واللهِ - إلاَّ ككلْب امرأةٍ عربيَّة فقيرة زعموا أنَّه جاع ليلةً فنبح، فأخرجتْه فنظر إلى القمر فظنَّه رغيفًا، فمازال بنبْحِه ليلَه كله، فقال الناس: كلبٌ ينبح قمرا.





وَمَا ضَرَّ المُنِيرَ نُبَاحُ كَلْبٍ وَلَوْ كُلُّ الكِلابِ يُنَبِّحُونَهْ



أي ساقط الغيرة والحمية، مَن لم تكن أخلاقُه زكيَّة، هل أنت إلاَّ ضفدع مترنِّم موموه مُمَخْرق تنقُّ!






كَرَافِعٍ طَرْفَهُ نَحْوَ السَّمَا قُبُلاً قَصْدَ البُصَاقِ فَعَادَ التَّفْلُ فِي فِيهِ



أرغم الله أنفك، وقمقم عصبك، واستأصل شأفتك، وأسكت نئمتك، وأسخنَ عيْنَك، وأباد خضراءك، بـ "إِنَّا كَفَيْنَاكَ.."، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ.."، "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ.."، و "إِنَّ شَانِئَكَ..".





فالعمى لعينِك، تُريد لتطفئَ أنوارَنا، وذلك ما لستَ بالنَّائل.
من ذا يصدُّ الصُّبح عن أن يُشرق؟! مَن ذا يصدُّ المسك عن أن يعبق؟! ومن يحجبُ النُّور لمَّا بدا؟!






أيها الأحْمق الرقيع، ومَن أكلُك الرَّجيع، أتَهْزأ بالشَّفيع يا وضيع، أما تعْلم يا فار بأنَّ الله يَختار، ويعطي مَن يشا الملْك، عزيزًا يرْكب الفلْك، وللمستهزِئِ الهلْك، نبيُّ الخير والطُّهْر، سيبْقى في فسيح الكوْن أكبر من جهالتكم نعم أكبر، سيبقى مثلَ تلك الشمس هادينا وحادينا، فدع عنك جهالاتٍ تفاهاتٍ حماقاتٍ تروم الشَّمس والنَّجم، إذا ما الشَّمس ساطعةٌ ولامعةٌ وأنكر ضوءَها الأعْمى، سيبقى نورها الأسمى، وتبقى كوكبًا يسري نسيمًا طيّب العطر، ربيعًا باسم الثغر.





أُردِّدها وفى حلقي لذيذُ الشهْد والسكر، سيبقى في فسيح الكون ذكرًا في الورى أعطر، وتبقى أحقر أصغر، يا حاقدًا من فجرة، ومن لئامٍ نَكِرة، مكذِّبة مزوِّرة وحُمرٍ مستنفرة، أتاكم الطَّلُّ وبعد الوابل، ما علَّتي وأنا جلدٌ نابل، لا أبرحَنْ أرميكمُ باليابِس في هامِكُم ضربَ غلام عابس، أضربُ مَن على الأباطل استمر بدرَّةٍ منسوبةٍ إلى عمر، ذُق مسَّها من صارم الخصْم الألَدّ، وما انطوى في جعبتي من ذا أشدّ.



زريابٌ يقول:
إنَّ حياتنا اليوم حربٌ لا ينتصر فيها إلاَّ الأخلاق، إنَّما الأخلاقُ في الأقْوام مقياس الكفاءة.






وَلَيْسَ بِعَامِرٍ بُنْيَانُ قَوْمٍ إِذَا أَخْلاقُهُمْ كَانَتْ خَرَابَا



زرياب يقول:






عَلِّمُونَا الأَفْعَالَ قَدْ ذَبَحَتْنَا أَحْرُفُ الجَرِّ وَالكَلامُ الهَجِينُ
عَلِّمُونَا قِرَاءَةَ البَرْقِ وَالرَّعْ دِ فَنِصْفُ اللُّغَاتِ وَحْلٌ وَطِينُ




الإسلام محجوب بأهله، والمسلمون في جُملتهم اليوم كدابَّةٍ على رأس بئرٍ عذبة، لا هي شَرِبتْ ولا تركت الناس يستسْقون ويشربون.





خَلَتِ المَشَاعِرُ مِنْ حَرَارَةِ شَوْقِهَا ضَعْفًا كَمَا خَلَتِ القُلُوبُ مِنَ الدَّمِ
الصَّوْمُ وَالصَّلَوَاتُ مِلْءَ دِيَارِنَا وَالحَجُّ لِلبَيْتِ العَتِيقِ وَزَمْزَمِ
تِلْكَ المَشَاعِرُ لا تَزَالُ كَعَهْدِهَا لا يَنْقُصُ الإِسْلامَ غَيْرُ المُسْلِمِ




لا ينقصُ الإسلامَ غيرُ المسلم.





زرياب يقول:
داءُ المسلمين منهم؛ لا تلام العواصف حين تحطم شجرةً نخِرةً في أصولها، إنَّما اللَّوم على الشَّجرة النخرة نفسها، إِنِّي حلفتُ يمينًا غير حانثةٍ ما أوغلتْ في صحاري التيهِ رحلتُهم، لو أنَّهم في ظلال المصحف اتَّحدوا.






زرياب يقول:
مَن ذمَّ شيئًا وأتى مثلَه فإنَّما يُزري على عقلِهِ.






زرياب ينادي:





هذا هو النَّهر فانهلْ أيُّها الصادي من عذب أخلاقِه في حسن إسناد



من نفح قيصومها من شيحها النادي، من العرار الذي تندى خمائله عذوبة ومن الرَّيحان والكاب.





هلمَّ هلم مع اعترافي بأنَّني لستُ من ذوي الأقدام والخوافي.





فَمَنْ يُحْصِي شَمَائِلَهُ اللَّوَاتِي لَهَا فِي كُلِّ رَابِيَةٍ ثَنَاءُ
وَمَا أُثْنِي عَلَيْهِ وَفِيهِ طَهَ وَمَرْيَمُ وَالفَوَاتِحُ وَالنَّسَاءُ




لكنَّني أقولُ مستعينًا في مطلبي إلهيَ المعينَ؛ فما لنا في العالمين مذهب، عن باب مولانا إلى من نذهبُ.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 31-03-2020, 04:16 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,198
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز




ربِّ ثبِّتْنا بقولٍ ثابتٍ في الحياتين فلا نخلولج، ولتثبت قدمي إذ لم تكن قدمٌ تأمن سوء الزلج، واجعل أعمالي لي خالصةً بالريا والعجب لم تمتزج.





اللَّهُمَّ لا سهْل إلاَّ ما جعلتَه سهلاً، وأنت تَجعل الحَزْنَ إذا شئت سهلاً.





الزرياب الإبريز في وفاءِ النَّبيِّ العزيز.
وفاؤه، ما وفاؤه!






وَفَاءٌ فَلَوْ تَرْقَى الكَوَاكِبُ نَحْوَهُ لَقَدْ بَاتَ تِلْمِيذًا لَدَيْهِ عُطَارِدُ
إِلَيْهِ انْتَهَى النُّورُ المُبِينُ الَّذِي بِهِ تَبَصَّرَ ضِلِّيلٌ وَأَذْعَنَ مَارِدُ




والذي فلقَ الحبَّ والنَّوى، وأعطى كلَّ شيءٍ خلْقَه ثم هدى، ما دبَّ على الثرى أوْفى ذمَّة وأنقى سيرة وسريرة وأوفى بميثاقٍ ووعدٍ وعهدٍ - منه - صلَّى الله عليْه وسلَّم.





شَمَائِلٌ ذَا تَرَاهَا فَائِقٌ عَبَقٌ كَالمِسْكِ فَتَّتَهُ الدَّارِيُّ تَفْتِيتَا
يَرْنُو لَهَا النَّاسُ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَمٍ وَيَسْبُرُونَ لَهَا البِيدَ السَّبَارِيتَا
فَهْوَ أَجَلُّ الوَرَى قَدْرًا وَأَوْفَاهُمُ عَهْدًا وَأَرْفَعُهُمْ يَوْمَ الثَّنَا صِيتَا
صَلَّى عَلَيْهِ بَارِئُ العِبَادِ مَا أَمْطَرَتْ سُحْبٌ وَسَالَ وَادِي





كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوْفى النَّاس.






وَفًا تَنْجَلِي الظَّلْمَا بِأَنْوَارِ وَجْهِهِ فَمَهْمَا بَدَا لَمْ يَفْقِدِ البَدْرَ فَاقِدُ
خِلالٌ لَوَ انَّ الحُسْنَ نِيلَ بِمَطْلَبٍ لأَصْبَحَ تَسْتَمْلِيهِ مِنْهَا الخَرَائِدُ




يلتزم بعد شخص أخذ على بعض أصحابه ليعظِّم عهد الله وميثاقه، ويرسم صورة حية جذابة للدخول في دين الله.





وَالدُّرُّ يَزْدَادُ حُسْنًا فِي تَأَلُّقِهِ إِذَا تَحَلَّتْ بِهِ اللَّبَّاتُ وَالجِيدُ



ثبت في صحيح مُسلم من حديث حُذيفة بن اليمان - رضي الله عنْه - قال: "ما منعني أن أشهد بدرًا إلاَّ أنِّي خرجتُ أنا وأبي فأخذَنا كفَّارُ قريش، وقالوا: إنَّكم تريدون محمَّدًا، قلنا: ما نُريده، ما نُريد إلاَّ المدينة، فأخذوا منَّا عهد الله وميثاقَه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتل مع رسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فأتينا رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وأخبرناه الخبر، هو أحوجُ ما يكون لزيادة فردٍ في جيشِه، ومع ذا يقول مقالاً من بدائع لفظِه، سحبانُ عند بيانِه فئفاءُ: ((انصرِفا، نَفِي لَهم بعهْدِهم ونَستعين الله عليهم)).





إنَّه خُلُقُ النبوة.





يَدِينُ لَهُ مَنْ لَمْ يَدِنْ لِخَلِيقَةٍ وَيَقْضِي لَهُ بِالفَضْلِ غَاوٍ وَرَاشِدُ
صَلَّى عَلَيْهِ بَارِئُ العِبَادِ مَا أَمْطَرَتْ سُحْبٌ وَسَالَ وَادِي




كان - صلَّى الله عليْه وسلَّم -:





أَبَرَّ وَأَوْفَى مَنْ تَقَمَّصَ وَارْتَدَى وَأَوْثَقَهُمْ عَهْدًا وَأَطْوَلُهُمْ يَدَا




إِنْ تُعاهدْهُ يقدِّم روحه فديةً للعهد من كل انحراف، وأخو الإنصاف لا يرضي به بدلاً في كل ودٍّ أو تجافي.






لم يتخلَّف وفاؤه - صلى الله عليه وسلَّم - لأعدائه وقد جهدوا لإطفاء دعوتِه، وكادوا له ولصحابته، فأرغمهم على الاعتراف بفضله وهم في أوج عداوته، يقول مكرز لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "ما عُرفتَ بالغدْر صغيرًا ولا كبيرًا؛ بل عرفتَ بالبِرِّ والوفا".





لَقَّبْتُمُوهُ أَمِينَ القَوْمِ فِي صِغَرٍ وَمَا الأَمِينُ عَلَى قَوْلٍ بِمُتَّهَمِ



أبو سفيان عدوٌّ آن ذاك، على إبداء المثالب لو وجدها، وطمس الحقائق لو قدَرَ عليْها، ومَعَ بالِغ حرْصِه على مَطْعَنٍ يُدْخِله في إجابتِه، لمَّا سألَه هرقل الرُّوم: أيغدُر محمَّد؟ لم يستطع إخفاء شمس وفائِه - صلى الله عليه وسلَّم - فقال: "لا".
أيعمى العالمون على الضياء؟!
فقال هرقل: وكذلك الرُّسُل لا تغدُر.






مَتَى قُلْتَ إِنَّ الصُّبْحَ لَيْلٌ فَقَدْ بَدَا إِلَى كُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ أَنَّكَ كَاذِبُ



والحق يشهد والخلائقُ تشهدُ أنَّ وفاءَه لأعدائِه لا يقدر على مثلِه غيرُه؛ لأنَّه كما قال فيه ربُّه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].





ومن أعظم صور وفائه لأعدائِه:


وفاؤه بعقْد الحديْبية الَّذي امتعضَ منه بعض أكابر الصَّحابة لبالغ قسْوته بادي الرَّأي؛ نتيجة إصرارِ قريشٍ على إملاء شروط عنجهيَّة يعظم على قلوب الأحْرار الَّتي لم يؤيِّدها الوحي قَبُول ذلك، ومنها: أنَّ مَن جاء مسلمًا رُدَّ عليهم، وما كاد عقْد الصُّلح يَمضي حتَّى جاء أبو جندل بن سُهيلٍ مفاوضِ قريشٍ يرصف في قيودِه مستصرخًا، فقام أبوه وأخذ بِتلابيبِه وقال: يا محمَّد، قد لجَّت القضيَّة بيْني وبيْنك قبل أن يأتيَك هذا، هذا أوَّل ما عليه أُقاضيك، فقال له - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((صدقتَ، وردَّه إليه))، وأبو جندل - رضي الله عنه - يُنادي بصرخاتٍ تهزّ الجَنان وتحلْحل الأرْكان، أشدّ على القلْب وأثْقل من رضوى وثهلان: يا معشر المسلمين، أأُردُّ إلى المشركين ليفتِنوني عن ديني؟!





مَنْ كَانَ مِنْكُمْ وَاثِقًا بِفُؤَادِهِ فَهُنَاكَ مَا أَنَا وَاثِقٌ بِفُؤَادِي



ورسولُ الله - صلى الله عليْه وسلَّم - أرْسى من ثبيرٍ، ومن كلِّ جبلٍ كبير، يُبقي منارَ وفاءٍ باعث في نفْس صاحبِه الأمل والرَّجاء: ((يا أبا جندل، اصبِر واحتسِب؛ إنَّ الله جاعلٌ لك ولمَن معك من المستَضْعَفين فرجًا ومخرجًا، إنَّا قد عقدْنا مع القوم صلْحًا وأعطيْناهم على ذلك عهْد الله، وإنَّا لا نغدر بهم))، فإن حال دون الشَّمس سدٌّ من السحب، سيبقى نهار الصِّدْق أبيض مبصرًا، والسَّيف يشرق مغمدًا أو منتظرًا، وما أن وصل - صلَّى الله عليْه وسلَّم - المدينة حتَّى أفلتَ أبو بصير وقدِمَ المدينة، فأرسلتْ قُرَيْش في طلَبِه رجُلين تقولُ: العهدَ الذي جعلت لنا، وفي مثالٍ عالٍ من الوفاء بالعهْد والحرص على سُمعة المسلمين الأخلاقيَّة، قال - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((يا أبا بصير، إنَّا قد أعطيْنا هؤلاء القومَ ما قد علِمْتَ، وإنَّه لا يصلح في دينِنا الغدر، وإنَّ الله جاعلٌ لك ولِمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، فانطلِق مع القوْم))، ثمَّ دفعه إلى الرجُلين.





يُغالب بالإيمان تيَّارًا ويروض زخارًا ويقاوم إعصارًا، ويا لله إنَّه ليس من السَّهل أن يدفعَ صاحبَه إلى أعدائِه! لكنَّ الوفاء بالعهود هو شرعُ الله ودينه، وإنَّما يظهر الالتِزام بشرع الله في المواقِف الحرِجة العصيبة، ففي طاعة المولى تهون الشدائدُ.





خرج أبو بصير بلا أسًى؛ فقد وعَدَه بالفرج مَن لا ينطق عن الهوى، ولمَّا بلغوا ذا الحُليفة ونزلوا يأْكلون من تمرٍ لَهم، جاء الفرَج والمخرج ولا حرج.





قَدْ قَيَّدُوهُ فَمَا أَطَاقَ قُيُودَهُمْ وَالحُرُّ يَأْبَى أَنْ يَعِيشَ مُقَيَّدَا



رجل حربٍ من الدرجة الأولى.





فَتًى لا يَنَامُ عَلَى ذِلَّةٍ وَلا يَشْرَبُ المَاءَ إِلاَّ بِدَمْ



استلَّ سيف أحدِهم بالحيلة عليْه فقتله به، وأرادَ الآخر فألقَى سيْفه ورحْلَه ونعله فارًّا إلى المدينة، تطير الحصى من تحت قدميْه، عاضًّا على أسفل ثوبِه، والذعر في عينيه والموْت في شخْص أبي بصير يتبعُه، يستغيث وقد دخل المسجِد: قتل صاحبي وإني لمقتول، وأبو بصير خلفه.





بَطَلٌ لَمْ يُطَأْطِئِ الرَّأْسَ إِلاَّ فِي رُكُوعٍ لِرَبِّهِ وَالسُّجُودِ
بَطَلٌ يَرْكَبُ الصِّعَابَ بِنَفْسٍ تَأْخُذُ العِزَّ مِنْ جِبَاهِ الأُسُودِ




يقول: يا رسول الله، قد أوفى الله بذمَّتك ورددتَني إليْهم، أنجاني الله منهم.





دهاءٌ وبطولة تستحقّ أن تكون مشعلاً لخِدْمة الإسلام، وإزْعاج الكفَّار، يدْفَعُها - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ملمِّحًا لا مصرِّحًا: ((ويل أمِّه مسعرَ حربٍ لو كان له أحد)).





وبالإشارة اللبيبُ يفهمُ.





عرف أنَّه سيردُّه، فخرج إلى سيْف البحْر ولحِق به أبو جندل وكلُّ مَن أفلت من المشْركين، فكوَّنوا عصابةً تعترِض عير المشْركين وتقطع طريقَهم إلى الشَّام، وتفوِّت عليهم مصلحة الصُّلح مع المسلمين ليأْتوا خاضعين ذليلين منكّسي رؤوسِهم، يتنازلون عن شرْطهم ويستشْفعون برسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أن يأوي كلَّ مَن خرجَ إليْه من المسلمين، تلْكم والله عاقبة الوفا.





يَطْوِي الوَفَاءُ الأَدْعِيَاءَ وَزَيْفَهُمْ وَمَآلُهُمْ عَارٌ وَصَمْتٌ مُطْبِقُ
وَيَظَلُّ حُرَّاسُ العَقِيدَةِ ذِرْوَةً مِثْلَ النُّسُورِ عَلَى الجِبَالِ تُحَلِّقُ




ويا معشر الإخوة:


هكذا يفعل الإيمان في قلوب معتنِقيه، فلو أنَّ ما حلَّ بأبي بصير كان مع رجُلٍ من رجالات الدنيا، لارتدَّ عن دينِه وانقلب عدوًّا له، لكنَّ أبا بصيرٍ رجلُ عقيدة، تحوَّل من جندي في جيش المسلمين لو آوَوْه، إلى قائد كتيبة تقضُّ مضاجع المشركين، وترغمهم على تغْيير سياساتِهم السَّطحيَّة، ثمَّ يظلُّ ولاؤُه لله ولرسولِه وللمؤمِنِين.





شَتَّانَ مَا بَيْنَ الَّذِينَ لِرَبِّهِمْ بَاعُوا النُّفُوسَا

النَّاصِبِينَ صُدُورَهُمْ مِنْ دُونِ دَعْوَتِهِمْ تُرُوسَا

وَالرَّاقِدِينَ عَلَى الهَوَانِ يحمون الرؤوسَ




لا والَّذي سمك السَّماءَ وحاكَها، لن نهتدي إلاَّ بشرْع محمَّد.





صَلَّى عَلَيْهِ بَارِئُ العِبَادِ مَا أَمْطَرَتْ سُحْبٌ وَسَالَ وَادِي



كَان - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أوفَى النَّاس.





إِنْ يَسْطَعِ الصُّبْحُ قُلْنَا: الصُّبْحُ يُشْبِهُهُ أَوْ يَنْفَحِ الوَرْدُ قُلْنَا: الوَرْدُ حَاكَاهُ



أخرج الإمام أحمد - رحِمه الله - وصحَّحه الألباني، عن عائشةَ - رضِي الله عنْها - ما مُخْتصره: اشترى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلَّم - من رجُلٍ من الأعراب جَزورًا بوسقٍ من تَمر العجوة، ورجع به النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليعطيَه حقَّه، التمس التمرَ له فلَمْ يجِدْه، فخرج وقال: ((يا عبد الله، التمسْنا التمر فلم نجِدْه))، فقال الأعرابي: واغدراه واغدراه! فنهنه النَّاس وانتهروه وقالوا: قاتلك الله! أتغدِّر رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال رسولُ الله: ((دعوه؛ إنَّ لصاحب الحقِّ مقالاً))، فلمَّا رآه لا يفقه عنْه قال لرجُل من أصحابه: ((اذْهَب لخولة بنت حكيم وأوْفِه الَّذي له))، فأوْفاه حقَّه كاملاً، فزال غضبُه وتغيَّرت لهجتُه، وأتى رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: جزاك الله خيرًا؛ فقد أوفيتَ وأطيبت.





وَغَايَةُ جُهْدِ أَمْثَالِي ثَنَاءٌ يَدُومُ مَدَى اللَّيَالِي أَوْ دُعَاءُ



فقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أولئِك خيرُ عباد الله الموفون المطيّبون))، وهو خيرُهم.





صَلَّى عَلَيْهِ بَارِئُ العِبَادِ مَا أَمْطَرَتْ سُحْبٌ وَسَالَ وَادِي



كان - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أوفى النَّاس.





أَحْيَا بِهِ اللَّهُ هَذَا الخَلْقَ كُلَّهُمُ فَكَانَ رُوحًا وَهَذَا الخَلْقُ جُثْمَانُ



ثبتَ في السنن: أنَّ أبا رافع - رضِي الله عنه - قال: بعثتْني قريش إلى رسولِ الله - صلى الله عليْه وسلَّم - فلمَّا رأيتُ رسولَ الله ألْقِي في قلبي الإسلام.





إِنَّ الوُجُوهَ عَلَى القُلُوبِ شَوَاهِدٌ فَأَمِينُهَا لَكَ بَيِّنٌ وَالخَائِنُ



قلتُ: يا رسول الله، إنِّي والله لا أرجِع إلى قرَيش أبدًا، لكنَّ الرسالة تقتضي جوابًا، والجواب لا يصل إلاَّ مع الرسول، فكأنه عقدٌ عقد، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنِّي لا أَخيس بالعهْد ولا أحبِس البُرُد، ولكن ارجِع فإنْ كان في نفسِك الذي في نفسِك الآن فارجع إليْنا))، قال: فذهبت إلى قريش فبلَّغتُهم ثمَّ أتيتُ النَّبيَّ - صلى الله عليْه وسلَّم - فتشهدْتُ وأسلمت.





رَأَيْتُ وَجْهًا بَدِيعًا بِكُلِّ خَيْرٍ تَحَلَّى
وَكُنْتُ أَعْدَدْتُ نَحْوِي ذَخِيرَةً فَاضْمَحَلَّ
وَهَلْ يَخْفَى عَلَى السَّارِينَ نَهْجٌ إِذَا مَا البَدْرُ فِي الأُفُقِ اسْتَنَارَا




فعليه الله صلى وعليْه اللهُ سلَّم.





كان - صلَّى اللهُ عليْه وسلَّم - سيرةً فريدة وأيَّ سيرة!





أَحْبَبْتُهَا طِفْلاً وَهِمْتُ بِهَا فَتًى وعشقتها كهلاً وزدتُ تعلُّقا



في السِّير بسندٍ حسَّنه ابنُ حجَر - رحِمه الله - لمَّا فتح الله مكَّة لرسولِه، ونزل بها واطمأنَّ النَّاس خرج فطاف بالبيت، ثمَّ دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مِفتاح الكعبة، فدخَل فيها وصلى ركعَتين ثمَّ جلس، فقام علي - رضي الله عنْه وأرْضاه - وقال: يا رسول الله، اجْمع لنا الحجابةَ مع السِّقاية، صلَّى الله عليك.





السُّلطة آنذاك بيدِه كاملة، وباستطاعتِه أن يمنحَ بني هاشمٍ شرَف الحجابة مع السِّقاية، وهُم لذلك أهل، ولكنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَم ينزِعْه من قومٍ توارثُوه، مع أنَّ عثمان بن طلحة قد أغْلظ عليْه قبل الهجرة حينما أراد أن يدخُل البيت ذات يوم، فقال له النَّبيُّ - صلى الله عليْه وسلَّم - آنذاك: ((لعلَّك ترى هذا المِفتاح بيدي أضعُه حيثُ شئْتُ))، وأصبح المفتاح في يده، على هذا كلِّه قال: ((هاك مِفتاحك يا عثمان، اليومُ يومُ برٍّ ووفاء)).






وَفَاءٌ بِهِ ازْدَانَتْ أَبَاطِحُ مَكَّةٍ وَعَزَّ بِهِ ثَوْرٌ وَتَاهَ حِرَاءُ



رُوي أنَّه لمَّا ولَّى عثمان دعاه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلَّم - وقال: ((ألَم يكُن الَّذي قلتُ لك؟)) فقال: بلى، بأبِي أنتَ وأمِّي، وأشهد أنَّك رسولُ الله، فقال - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((خذوها خالدةً تالدةً، لا ينزِعُها منكم إلاَّ ظالم))، وولَّى عثمان وحالُه:
أَراني من جميلِ الفعْلِ ما يستعْبِدُ الحرَّ، فسِرْتُ أذكره في السِّرِّ والعلن.



وفِي انتِباهي وفي نوْمِي وإغفائي، منّي صلاةٌ وتسليمٌ يُقارنُها عليه ما اهتزَّ نَورٌ غبّ هطلان.





كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوفى النَّاس.





فَمُفْرَدٌ بِالوَفَا قَدْ جَاءَ مُنْحَصِرًا فِي نَعْتِهِ المُبْتَدَا المَرْفُوعُ وَالخَبَرُ



فمعَ أعْباء الرِّسالة لم ينسَ الَّذين لبَّوا دعوته، وبذَل كلٌّ منهُم في سبيلِ الله مُهْجَته، فإلى آخِر يومٍ في حياته يذكرهم يدعو لهم، يزورهم يستغفر لهم.





فَهُمُ السَّابِقُونَ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَهُمُ الأَبْعَدُونَ عَنْ كُلِّ ذَامِ



يوصي الأمَّة بهم:


((احفظوني في أصحابي - لا تسبّوا أصحابي - إذا ذُكِر أصْحابي فأمسِكوا - مَن سبَّ أصحابي فعليْه لعنةُ الله والملائكةِ والنَّاس أجمعين))، وفي أُحدٍ يقف حزينًا على شهدائِهم ويصلِّي عليْهم بعد ثَماني سنين مودِّعًا لهم ويقولُ: ((أنا شهيدٌ يومَ القيامة عليْهِم))، ويذكُرهم ويقول: ((والله، لودِدتُ أنِّي بودرتُ بحضن الجبل معهم)).





لا خَيْرَ فِي مَن لَيْسَ يَعْرِفُ فَضْلَهُمْ مَنْ كَانَ يَجْهَلُهُ فَلَسْنَا نَجْهَلُهُ



يفشي أحد الصَّحابة سرًّا وهو يتهيَّأ لفتْح مكَّة، وعذْرُه أن تكون له يدٌ يدفع الله بِها عن أهلِه ومالِه، فصدَّقه النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في اعتذارِه، ولمَّا استأْذن عمرُ في ضرْب عنُقِه نظرَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في رصيدِه الماضي فوجده شهِد بدرًا - ولم يشهدْها إلاَّ مؤمنٌ صادق الإيمان - فقال وفاءً لصاحبِه قولاً يأخُذ سامعَه ما يأخذ النشْوانَ على نقر العيدان: ((يا عمر، وما يدريك؟ لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم)).


كَلِمٌ أشهى من العسلِ، العَقَنْ منْه ولا تسَلِ





ويطَّلعُ على منافقٍ يجهد في هدْم الإسلام وإيذاء أصحابِه، فيُراودُه عمر على قتلِه فيمنعه وفاءً لاسم الصُّحبة، ولجهل النَّاس بحقيقته: ((دعْه يا عمر؛ لا يتحدث النَّاس أنَّ محمَّدًا يقتل أصحابه)).





رفّت الدنيا عليها وازدهت وتغنَّت بمعانيها القوافي، أولى بالمؤمنين من أنفُسِهم، ما مات أحدٌ منهم إلاَّ خلفه في أهله وولده.





بِذَا شَهِدَ الأَيَامَي وَاليَتَامَى وَتُرْضِيكَ الأَرَامِلُ فِي الشُّهُودِ



أُمُّ حبيبة - رضي الله عنها - رملة تُهاجر مع زوجِها إلى الحبشة، فيرتدُّ زوْجُها ويتنصَّر.





وَيَحْسَبُ أَنَّهُ بَلَغَ الثُّرَيَّا وَمَا يَنْفَكُّ يَهْوِي لِلحَضِيضِ



يُخيِّرها بين أن تتنصَّر أو تفارق، فوجدتْ نفسَها بين ثلاث: إما أن تتنصَّر، وهذا ما لا تفعلُه ولو مُشِطَ لحمُها بأمشاط الحديد وقد ذاقتْ حلاوة الإيمان، وإمَّا أن تعود لبيْت أبيها بمكَّة، ولم يزل قلعة للشِّرْك لتعيش مغلوبة مقهورة، وإمَّا أن تبقى في بلاد الغُرباء وحيدةً شريدةً، هولٌ به باتت الأهوال تحتقر، فاختارتْ رضا الله على ما سِواه وقرَّرت الفِراق والبقاء في أرض الغرباء كالقمَّة الشمَّاء.





والنَّار في الأعماق لكن ما أروعَ الإصرارَ رغم الظما! علِم رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - خبَرَها فخطبَها وتزوَّجها، فعادت بخير ما عادتْ به امرأةٌ على وجْه الأرض؛ كانت زوجًا لفرْدٍ وارتدَّ فصارت زوجًا لخاتم النَّبيين، كانت أمًّا لحبيبةَ، فصارتْ أمًّا لجميع المؤمنين.





وَاسْتَقْبَلَتْ رَمْلُ عَهْدًا لا نَظِيرَ لَهُ فِي كُلِّ مَا سَجَّلَ التَّارِيخُ مِنْ حِقَبِ



ويَموت أبو سلمة - رضِي الله عنْه - مُجاهدًا في سبيل الله معه، فيخلفه في أهلِه وولدِه ويتزوَّج أمَّ سلمة - رضِي الله عنها - ويقول مقالةً بشمائلَ أحلى من السلْسالِ: ((عيالُك عيالي)).





فَنَالَتْ بِهِ فَوْقَ مَا تَرْغَبُ وَمَا مِنْ لِسَانٍ لَهَا يُعْرِبُ



ويفِي لجعفرٍ - رضي الله عنْه - في حياته وبعد مماتِه، فحين استشهد بمؤتة حزِن عليه النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وطلب أبناءَه فشمَّهم، وذرفت عيناه عليْه، وأوصى أصحابَه ألا يغفلوا عنهم وأن يصنعوا الطَّعام لهم، فقد أتاهم ما شغلهم، ثمَّ جاءهم بعد ثلاثٍ فقال: ((لا تبْكوا على أخي بعد اليوم))، ودعا بني جعفر فجاؤوا كالأفراخ، فأمر بِحلقِ رؤوسِهم ثمَّ دعا لهم: ((اللَّهُمَّ اخلف جعفرًا في أهلِه، وبارِكْ لعبدالله بن جعفر في صفقة يمينِه))، وقال لأمِّهم لما ذكرتْ يُتْمَهم وجعلت تحزنُه عليهم: ((العيلة عليهم تَخافين وأنا وليُّهم في الدنيا والآخرة؟!)).





وَفَاءٌ عَظِيمٌ قَدْ تَضَوَّعَ رِيحُهُ نَسِيمَ الصَّبَا هَبَّتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
عَلَيْهِ صَلاةُ اللَّهِ مَا قَالَ قَائِلٌ قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ




كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوْفى النَّاس.





وَفَاءٌ كَوَجْهِ الصُّبْحِ مَا دَرَّ نُورُهُ عَلَى مُدْلَهِمِّ الخَطْبِ حَتَّى تَبَدَّدَا
فَحَامَتْ قُلُوبُ النَّاسِ فِي رَوْضِهِ كَمَا تَحُومُ عِطَاشُ الطَّيْرِ أَبْصَرْنَ مَوْرِدَا




أبو بكرٍ - رضي الله عنْه - أحبُّ الرِّجال إليه صاحبه في الغار شيْخ المهاجرين والأنصار.





مَنْ قَالَ قَوْلَتَهُ الغَرَّاءَ يَرْفَعُهَا كَالسَّيْفِ فِي وَجْهِ مَنْ خَارُوا وَمَنْ ثَارُوا
الدِّينُ كُلٌّ وَلَيْسَ الدِّينُ تَجْزِئَةً بَعْضٌ صَحِيحٌ وَبَعْضٌ مِنْهُ أَصْفَارُ
أَعَادَ لِلمُسْلِمِينَ الفَجْرَ مُبْتَسِمًا مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَمْحُو الفَجْرَ فُجَّارُ




يفي له - صلى الله عليْه وسلَّم - ويبين للأمَّة مكانته؛ ليعرفوا قدره ومنزلَتَه، حيث قالَ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((ما لأحدٍ عندَنا يدٌ إلاَّ وقد كافَأْناه بها، ما خلا أبا بكرٍ فإنَّ له يدًا يُكافِئُه الله بها يوم القيامة، ومَا نفعنِي مالٌ قطّ ما نفعنِي مالُ أبي بكْر، ولو كنتُ متَّخذًا خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً)).





مَكَانٌ مَا ارْتَقَى أَحَدٌ إِلَيْهِ وَمَا بَلَغَتْهُ هِمَّةُ ذِي ارْتِيَادِ



كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوفى الناس.


وفاؤه فاح وفاق العرار لازال ممدود الأيادي، وفي اليمين يمنٌ واليسار يسار.





وفى - صلَّى الله عليْه وسلَّم - للأنصارِ حين بايعوه بيعة العقبة، وخشِي بعضُهم إذا ظهر أن يعود لقومه، فتبسم - صلى الله عليْه وسلَّم - وقال: ((بل الدَّم الدَّم، والهدم الهدْم، أنا منكم وأنتم منِّي، أحاربُ مَن حاربتم وأُسالِمُ مَن سالمتُم)).





يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 31-03-2020, 04:18 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,198
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز

الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز

الشيخ علي عبدالخالق القرني


والحال:




فَلا تَخْشَوُا الإِعْلالَ مَا كُلُّ مَصْدَرٍ يُعَلُّ وَمَا الأَفْعَالُ إِلاَّ لِفَاعِلِ


وهاجر إليْهِم فاستقْبلوه وصحبَه أيَّما استقبال، لوِ استطاعتْ لطارت في لقائِهم الأرض والأهل والأبناء والدارُ، فلمَّا فتح الله له مكَّة أشْفقوا أن يُقيم بها ويتْركهم، فقالوا: أدركتْ رسولَ الله رغبةٌ في قريتِه ورأفةٌ بعشيرته، فطمأَنَهم وقال: ((كلاَّ إنِّي عبدُ الله ورسوله، المحْيا محْياكم والمماتُ مَماتُكم))، فضجُّوا يبكون ودمعُهم هطلٌ في الخدّ كالديمِ يقولون: والله، ما قُلنا الَّذي قُلنا إلا ضنًّا وشحًّا بك أن تُفارقنا، فصدَّقهم وعذرهم؛ فهو الَّذي يرعى الوداد لِمن رعى يَفديه بالرُّوح وبالمال معًا.



حالهم:


شَرَّفْتَ أَرْضًا طَالَمَا اشْتَاقَتْ لَكُمْ وَوَصَلْتَ قَلْبًا طَالَمَا حَنَّ إِلَيْكْ


ثمَّ أوصى بهم - صلى الله عليْه وسلَّم - في مرض موتِه؛ كما ثبت في الصَّحيح أنَّ أبا بكرٍ والعبَّاس - رضِي الله عنْهما - مرَّا بمجلسٍ من مَجالس الأنصار وهم يبْكون، فقالا: ما يُبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلِس رسولِ الله - صلى الله عليْه وسلَّم - منَّا.


لَوْ مَلَكْنَا فِدَاءَهُ لَبَذَلْنَا مَا مَلَكْنَا مِنْ طَارِفٍ وَتَلِيدِ
فِدَاهُ كُلُّ مَا حَمَلَتْهُ أُمٌّ وَمَنْ لَبِسَ العِمَامَةَ وَالرِّدَاءَ



فدخلوا على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخبروه بذلك فخرَج وقد عصبَ على رأْسِه حاشية برد، فصَعِدَ المنبر ولم يصعدْه بعد ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أُوصيكم بالأنصار فإنَّهم كَرِشي وعيْبتي – يعني: بطانتي وخاصَّتي - وقد قضوُا الَّذي عليْهِم وبقِي الَّذي لهم، فاقبلوا من مُحْسِنهم وتَجاوزوا عن مسيئِهم)).


كَلِمَاتُهُ بَيْنَ الجَوَانِحِ طَعْمُهَا كَالزَّنْجَبِيلِ بِعَذْبِ مَاءٍ سَلْسَلِ


ثمَّ واعدَهم الحوْض: ((أما إنَّكم ستلقَون بعدي أثرةً، فاصبِروا حتَّى تلْقَوني على الحوْض)).


فَالنَّاسُ يُوعَدُونَ بِالحُطَامِ وَهُمْ بِحَوْضِ سَيِّدِ الأَنَامِ
صَلَّى عَلَيْهِ بَارِئُ العِبَادِ مَا أَمْطَرَتْ سُحْبٌ وَسَالَ وَادِي



كان - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أبرَّ وأوفى النَّاس.


كَأَنَّ أَخْلاقَهُ فِي أُذْنِ سَامِعِهَا مَسَاقِطُ الشَّهْدِ مِنْ أَعْوَادِ مُشْتَارِي
شَدَوْتُ فِيهَا إِلَى أَنْ كِدْتُ مِنْ طَرَبٍ أَظُنُّنِي ذَا جَنَاحٍ بَيْنَ أَطْيَارِي



وفَى لصهره أبي العاص زوْج ابنتِه زينب، وهو أبو أمامة التي كان يَحملها في صلاته؛ حيثُ أطلقه بلا فداءٍ بعد بدْر لما عرف له من كفِّ يدِه ولسانه، فما سُمِعَ له صوتٌ في بدر، وما شُوهد له جولة، وما علم له موقف قطّ في مقاومة الدَّعوة.


قَدْ سَمَا عَنْ كُلِّ أَخْلاقٍ تُشَانْ تَاقَ لِلقُرْآنِ يُتْلَى وَالأَذَانْ


بعثتْ زينب في فدائه بقلادة قلَّدتها بها أمُّها خديجة يوم زفَافِها، فلمَّا رآها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رقَّ لها رِقَّةً شديدة، وفي مظهرٍ من مظاهر الرَّحْمة بابنتِه وتذكّر لصاحبة القلادة يَحمل في طيِّه مقصدًا دعويًّا، وهو تألّف أبي العاص على الإسلام، قال: ((إنْ رأيتُم أن تُطْلقوا لها أسيرَها وتردُّوا عليْها الَّذي لها)) فقالوا: نعم ونعمةُ عين.


وَرَاضُوا عَلَى حُبِّ الحَبِيبِ نُفُوسَهُمْ فَكَانَ لِوَجْهِ اللَّهِ ذَاكَ التَّقَرُّبُ


فأخذ عليه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يُخلي سبيل زينب إليْه ووفى بوعده، وأثْنى عليْه النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((حدَّثني فصدقني ووعدَني فوفى لي))، كان يتاجرُ بأموال قريش فاعترضته رجال أبي بصير في هدنة الحديْبية، فأخذوا ماله وفرَّ إلى المدينة، واستجار بزيْنب فأجارتْه وقالتْ لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: إنَّه يطلب مالَه، فأرسل النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إلى أصحابِه رسالة قال فيها: ((إنَّ هذا الرَّجُلَ منَّا حيث قد علِمْتم، وقد أصبتُم له مالاً فإنْ تُحْسِنوا وتردُّوا عليه الَّذي له فإنَّا نحبُّ ذلك، وإن أبيتُم فهو فيءُ الله أفاءَه عليْكم وأنتم أحقّ به))، فقالوا في تجرُّدٍ لله: بل نردُّه عليه، وردّوا عليه مالَه لا يفقِد منه شيئًا.



ولا عجب، فمَن تحمَّل القيود لله فالدّنيا أهْون فائتٍ لديه، فلا يستوي من همُّه الله وحده ومَن همُّه الأعلى لجمْع الدراهم.



رجَع لأهل مكَّة وردَّ أموالهم، وقال: هل بقي لأحدٍ منكم عندي مالٌ لم يأخذه؟ قالوا: لا، ولقد وجدناك وفيًّا كريمًا، قال: فإنِّي أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، والله ما منعني من الإسلام عندَه إلاَّ أن تقولوا إنَّما أردت أن آكُلَ أموالكُم.


فَارْتَقَى مِنْ دَرَجِ العَلْيَاءِ مَرْقًى عَلَّمَ الجَوْزَاءَ مَا مَعْنَى العَلاءِ


ثم خرج فقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - والحال:


إِلَيْكَ إِلَيْكَ نَبِيَّ الهُدَى رَكِبْتُ الجِمَالَ وَجُزْتُ القِفَارَ
وَلَوْ كُنْتُ لا أَسْتَطِيعُ السَّبِيلَ لَطِرْتُ وَلَوْ لَمْ أُصَادِفْ مَطَارَا



فردَّ عليْه النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - زينبَ زوجَه.



والصُّبح أسفر بعد ليلٍ داجٍ، فجلا لهم ظُلَمَ الليالي بغتة من غير مشكاة ولا مسراج.



كان - صلى الله عليه وسلم - أوْفى الناس.


هُوَ رَحْمَةٌ عَمَّتْ جَمِيعَ الأَرْضِ مِنْ عِنْدِ الكَرِيمِ المُنْعِمِ المُتَفَضِّلِ
هُوَ خَيْرُ مَنْ لَبِسَ النِّعَالَ وَمَنْ مَشَى فَوْقَ الثَّرَى خَيْرُ وَفِيٍّ مُرْسَلِ



وفى لعمِّه أبي طالب الذي ربَّاه حتَّى بلغ أشدَّه وأعانه على إبلاغ رسالة ربِّه، ومنعه من سُفهاء قومه، فلم يخلصوا إليْه بسوء في حياتِه، لمَّا حضرتْه الوفاة اهتزَّت مشاعر الوفاء في قلْب النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فحرصَ كلَّ الحرصِ على نفعِه في إنقاذه، وجعل يناشده: ((أيْ عمّ، قُلْ: لا إله إلاَّ الله، أُحاجُّ لك بها عند الله))، وكاد يستجيب لولا أن حالَ بيْنه وبيْنها قُرناء السُّوء الَّذين ما زالوا به حتَّى فارق الحياة على ملَّتهم، فوجد عليْه النَّبيُّ - صلَّى الله عيه وسلَّم - وجدًا شديدًا لما يعلم من مصيرِه، وهمَّ بسؤال الله المغفِرة له: ((لأستغفرنَّ لك ما لَم أُنهَ عنْكَ))، فنهاه اللهُ، فلَم يزِد - عليه الصَّلاة والسَّلام - على أن قال بقول الله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص: 56].



ويشفع له في تَخفيف العذاب عنْه، فحين قال العبَّاس - رضِي الله عنه -: ما أغنيتَ عن عمِّك؛ فقد كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: ((هو في ضحْضاحٍ من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدرْك الأسفل من النَّار)).


رَاسِخٌ فِي الوَفَاءِ مَا قَامَ رَضْوَى وَأَبَانٌ وَيَذْبُلٌ وَثَبِيرُ


وفَى لرحِمِه الباقين على كُفْرِهم ولَم يتولَّهم، فقال: ((آل أبي ليْسوا أوليائي إنَّما ولييَّ الله وصالحُ المؤمنين؛ لكنَّ لهم رحمًا أبُلّها ببلالها)).


كَالدَّوْحِ يُعْطَى المَاءَ أَعْرَاقُهُ وَهَامُهُ يَسْتَحْلِبُ الفَرْقَدَ


فعليْه الله صلى، وعليْه الله سلَّم.



كان - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أوفى النَّاس، خيرَ الورَى وأجلَّ من وطِئ الثَّرى، وأبرَّ مبعوثٍ بِه يُسْتَرْشَد.



وفَى لأقاربِه من الرَّضاعة وفاءَ كمالٍ وعظمة، ففي يوم حنين سبى المسلِمون النساء والذراري والأموال من هوازِن وثقيف، ومنهم بعض من تنتسِب إليْهم مرضعتُه حليمة السعديَّة، وجاء وفد هوازن متأخِّرًا وقد تملَّك الصَّحابة الغنيمة، فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّما في الحظائِر عمَّاتك وخالتُك وحواضنُك، فلوْ أنَّنا أرضعْنا للحارث أو النعْمان لرجونا عطفَهم وعائدَتَهم، وأنت خير المكفولين.



فقام - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولسانُ حالِه: يأتي الفرج فلا يكُن في صدوركم حرج.



وفي حسن سياسة وقدوة وبذْلٍ وتضْحية بما لديْه ولدى أقربيه، قال على رؤوس أصحابِه ليقْتدوا قال: ((إنَّ إخوانَكم جاؤوا تائِبين، وقد رأيتُ أن أردَّ إليْهم سبيَهم، مَن أحبَّ أن يطيب لِذلك فليفعل، أمَّا ما كان لي ولبني عبد المطَّلب فهو لكم أيُّها الوفد))، قال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قالت الأنصارُ: وما كان لنا فهو لرسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ثم وعد - صلَّى الله عليه وسلمَّ - مَن تمسَّك بحقّه أن يكون على حقِّه حتَّى يعطيَه إيَّاه من أوَّل فيء يفيء الله به عليهم.



لقد كان أرْحم بهم من قادتِهم الذين خاطروا بهم، وأرحمَ بهم من أنفُسهم وهو ينتظرهم بضْع عشرة ليلة لم يقسمهم، ثُمَّ أعتقهم عن بكرة أبيهم برضعاتٍ كانت بينه وبين بعضِهم.


مَا كُلُّ مَنْ سَاسَ الأُمُورَ بِسَائِسٍ كَلاَّ وَلا كُلُّ السَّحَابِ عِذَابُ
فَمِنَ السَّحَائِبِ رَحْمَةٌ مَنْثُورَةٌ وَمِنَ السَّحَائِبِ مَا يَكُونُ عِذَابُ



وجيء في السبايا بأخته الشيماء، فعرفت بنفسها محمَّدًا وذكرته يوم أن عضَّ اليدَ، فوسع النَّبيُّ في العطاء لأخته السعديَّة الشَّيماء، هشَّ وبسط رداءَه لها وقام يسأل عن حالها، ثمَّ خيَّرها بين أن تُقيم عنده مكرمة محبَّبة وذاك أحب له، أو ترجع لقومِها ويمتعها، فاختارت قومها، فمتعها بأجزل العطاء من جوارٍ ونعمٍ وشاء، فهو أحقّ النَّاس بالوفاء.


لاَ فِي مَنَائِحِهِ فِي نُزْهَةٍ عَجَبٌ كَأَنَّمَا فِي رِيَاضِ الجَنَّةِ اللاَّقِي


ولم يزل يسأل عن مرضعتِه ثويْبة مولاة أبي لهب، ويتفقَّد حالَها قبل الهجرة وبعدَها، كان يبْعث لها بالصِّلة والكسوة حتَّى جاءه موتُها، فظلَّ يسألُ عمَّن بقِي من قرابتِها ويصلُه، حتَّى لم يجد منهم أحدًا.


وَفَاءٌ ازْدَانَتْ بِهِ النَّوَادِي وَذَاعَ فِي الحُضْرِ وَفِي البَوَادِي
صَلَّى عَلَيْهِ بَارِئُ العِبَادِ مَا أَمْطَرَتْ سُحْبٌ وَسَالَ وَادِي



كان - صلى الله عليْه وسلَّم - أوفى الناس.


تَاللَّهِ مَا حَمَلَتْ أُنْثَى وَلا وَضَعَتْ مِثْلَ النَّبِيِّ الوَفِيِّ الرَّحْمَةِ الهَادِي
وَلا بَرَى اللَّهُ خَلْقًا مِنْ بَرِيَّتِهِ أَوْفَى بِحَقٍّ لأَهْلٍ أَوْ بِمِيعَادِي



وفى لأهلِه، وجعل الميزان الذي تُقاس به خيريَّة المرْء حسن معاشرة أهلِه: ((خيرُكم خيرُكمْ لأهْلِه وأنا خيرُكم لأهلي)).


شَرَابٌ إِنْ أَتَوْهُ بِلا شَرَابٍ وَزَادٌ إِنْ أَتَوْهُ بِغَيْرِ زَادِ


لمَّا أنزل الله آية التَّخيير بدأ بعائشة، وطلب منها ألا تعجل حتَّى تستأمر أبويْها؛ فقد لا تُدرك مَن في مثْل سنِّها ما هو خيرٌ لها، فقال: ((لا عليكِ ألا تعْجلي حتَّى تستأْمِري أبويك))، فقالتِ الصديقة الواعية المدْركة العالمة: أفيك أستَأْمر أبويَّ، بل أخْتار اللهَ ورسولَه والدَّار الآخِرة، ثمَّ سألَتِ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ألاَّ يُخبر امرأةً من نسائِه بالَّذي قالت، فأبَى - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وقال: ((لا تسألُني امرأة منهنَّ إلاَّ أخبرتُها؛ إنَّ الله لم يبعثْني مُعنِّفًا)).


وَالوَرْدُ لَيْسَ يَفُوحُ طَيِّبُ رِيحِهِ إِلاَّ إِذَا انْفَصَمَتْ عُرَى أَكْمَامِهِ


هذه أمّ المؤمنين خديجة - رضِي الله عنْها - يتزوَّجها وهي في الأرْبعين من عمرها.


وَإِنْ تَكُنْ فِي سِنِّهَا كَبِيرَهْ فَإِنَّهَا فِي حُسْنِهَا شَهِيرَهْ
وَقَدْ قَضَتْ فِيمَا قَضَتْ عِشْرِينَا وَبَعْدَهَا سَبْعًا مِنَ السِّنِينَا
بِنَفْسِهَا وَمَالِهَا وَالجَاهِ رَاضِيَةً تَفْدِي رَسُولَ اللَّهِ



لها منقبةٌ لم تعرفْ لامرأةٍ سواها؛ إذ أرسل الله إليْها السلامَ مع جبريل، وبشَّرها ببيت في الجنَّة من قصب لا صخبَ فيه ولا نصب.


تَبْلَى اللَّيَالِي وَلا تَبْلَى نَضَارَتُهَا صَفَاءُ بُشْرَى بِمَعْنًى خَالِدٍ أَبَدِي


أحبَّها حبًّا جمًّا وعاش معها ريعان شبابِه، ولم يتزوَّج عليْها إلى أن توفَّاها الله وهي في العقْد السَّابع من عمرها، فحزِنَ عليها حُزنًا شديدًا، وكان في إحسانِها يشكرها، وظلَّ بعد موتِها يذكرها، ماتت لكنَّ حبَّها لم يَمتْ في قلبِه، صلَّى الله عليه وسلَّم.



فقد بقي يُدِيمُ ذكْرَها حتَّى في آخر لحظة من حياتِه، وهو يفخر بذلك ويُجاهر ويقول: ((إنِّي رُزِقْتُ حبَّها))، و ((خديجة خيرُ نسائها)) حتَّى غارت عائشةُ - رضِي الله عنْها - منها ولَم ترَها، فقالتْ: كأن لم تكُن امرأة إلاَّ خديجة! فقال: ((إنَّها كانتْ وكانت، وكان لي منها ولد)).



يذبح الشَّاة ويقطعها أعضاءً ويبعثها إلى صدائق خديجة، حاله:


كَوَّنْتُ فِي قَلْبِي لَهَا مَنْزِلاً بِالسَّمْعِ أَرْعَى وُدَّهُ وَالنَّظَرِ


تقول عائشةُ - رضِي الله عنها -: ما غِرتُ على امرأةٍ ما غرتُ على خديجة، ولقد هلكتْ قبل أن يتزوَّجني بثلاثِ سنين؛ بما كنت أسمع يذكُرها.


وَفَاءٌ جَلَّ عَنْ مِثْلٍ وَعَنْهُ ضَاقَتِ الصُّحُفُ


استأذنت هالة أختُ خديجة عليه - صلى الله عليْه وسلَّم - فذكر استِئْذان خديجة وهشَّ وارتاح لصوتٍ ذكَّره بخديجة، فقال: ((اللهمَّ هالة بنت خويلد!)) قالت عائشة: فغرتُ وقلتُ: وما تذكُر من عجوزٍ من عجائِز قُرَيْش حمراء الشدقين – يعني: لا أسنانَ لها من الكبَر - هلكتْ في الدَّهر، أبدلك الله بخيرٍ منها؟! قالتْ: فتمعَّر وجهه تمعُّرًا ما كنت أراهُ إلاَّ عند نزول الوحي أو عند المخيلة عند السحاب، ثم قال: ((ما أبدلني الله خيرًا منها؛ آمنتْ بي إذْ كفر النَّاس، وصدَّقتْني إذ كذَّبني النَّاس، وواستْني بمالها إذ حرَمَني النَّاس، ورزقَني الله ولدَها إذ حرمني أوْلاد غيرها))، قالت - رضِي الله عنها -: والَّذي بعثك بالحقِّ، لا أذكرها بعد هذا إلاَّ بخير.



وتأتيه يومًا عجوزٌ فيُحْسِن لقاءها ويكرم مثْواها، ويسأل عن حالِها: ((كيف أنتم؟ كيْف كنتُم بعدنا؟)) قالت: بخيرٍ بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فلمَّا خرجتْ، قالت عائشةُ - رضِي الله عنْها -: أقبلتَ على هذه العجوز هذا الإقبال! قال: ((إنَّها كانت تأتينا زمن خديجة، وإنَّ حُسن العهدِ من الإيمان)).


وَفِيُّ العَهْدِ ذُو كَرَمٍ وَصِدْقٍ شَمَائِلُهُ السَّمَاحَةُ وَالوَفَاءُ


ووفى لحاضنتِه أمّ أيمن - رضِي الله عنها - وقال فيها: ((أمّ أيمن أمّي بعد أمّي)).


يَا مَنْ يَرُومُ لَهُ نَظِيرًا فِي الوَرَى قَدْ رُمْتَ كَالعَنْقَاءِ مَا لَمْ يُوجَدِ


فعليْه الله صلى، وعليْه الله سلَّم.



معشر الإخوة:

ما أحوجَنا اليوم إلى تلقِّي هذه الدروس العظيمة في الحفاظ على الودِّ وحسن العهد والعيش في ظلال: {وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237].


مَنْ حَادَ عَنْ خُلُقِ النَّبِيِّ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ الغُرِّ لَيْسَ بِسَالِمِ



كان رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - زخَّارًا من وفاء.



أَنَّى التَفَتَّ رَأَيْتَ مَاءً سَلْسَلاً وَسَنَابِلاً خُضْرًا وَغُصْنًا بُرْعُمَا


لكلِّ نبي دعوةٌ مستجابة فادَّخر - صلى الله عليه وسلَّم - دعوتَه شفاعةً لأُمَّته يوم القيامة، فهي نائلة مَن مات لا يشرك بالله شيئًا، واستزاد ربَّه في عدد مَن يدخل الجنَّة من أمَّته بغيْر حساب، فقال: ((أُعطيتُ سبعين ألفًا من أمَّتي يدخلون الجنَّة بلا حساب))، نسأل الله من فضله ((فاستزدتُ ربِّي فزادني مع كلِّ واحدٍ سبعين ألفًا)).



وأشفق على أمَّته من العذاب وبكى حتَّى قال الله: ((إنَّا سنُرضيك في أُمَّتك ولا نسوءُك))، جزاه الله عنَّا خير ما جزى نبيًّا عن أمَّتِه.



يا رَبِّ فاجْمَعْنا مَعه وصحابته في جنَّة تَثني عيونَ الحُسَّدِ.



كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوْفى الناس:


لا يُدْرِكُ السَّاعُونَ غَايَةَ مَجْدِهِ مَنْ يَسْتَطِيعُ إِلَى السَّمَاءِ تَسَلُّقَا


من وفائه أن رجَّح حقَّ الوالدين على الهجرة إليْه والجهاد في سبيل الله؛ أتاه رجلٌ فقال: إني جئتُ أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله؛ فقال - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((فهلْ من والديْك أحدٌ حيّ؟)) قال: نَعَمْ، كلاهما، قال: ((تبتغي الأجر من الله؟)) قال: نعم، فبيَّن أنَّ الأجر الذي يطلبه ليس وقفًا على الجهاد وليس قصرًا على الهِجْرة، فهناك عملٌ آخَر فيه الأجرُ الَّذي يطلبه والثَّواب الذي يبتغيه، قال له: ارجِعْ إلى والديْك وأحسِنْ صحبتَهما: ((لن يجزي ولدٌ والده إلاَّ أن يجده مملوكًا فيشتريه ويُعتقه)).



وأبَرُّ البرِّ - أيها الشَّابُّ - أن يراك والِداك في طريق الأخيار ومع الأخيار؛ فاسلك طريق القومِ حيث تيمَّموا ومعها لن تجِد أبرَّ ولا أحنى ولا أعْطفَ ولا أنصحَ لك من والديْك، فاغنَمْ أوْسَط أبْوابِ الجنَّة قبل أن يوصَد وبعد أن يغلق، وقُل ربِّ ارحمْهما كما ربَّياني صغيرًا.


لَيْسَتْ مُصِيبَاتُ الزَّمَانِ نَظَائِرًا جُلُّ المَصَائِبِ دُونَ فَقْدِ الوَالِدِ


كان - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أوْفى النَّاس.


فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ الكِرَامُ بِأَسْرِهِمْ ثُمَّ انْثَنَى فَأَتَاهُمُ بِبَدَائِعِ
فَإِلَيْهِ أَيْدِيهِمْ إِذَا مَا قِيلَ مَنْ خَيْرُ الكِرَامِ مُشِيرَةٌ بِأَصَابِعِ



يحضُّ على الوفاءِ وحسن الرعاية للعهد حتَّى مع الحيوان البهيم والجماد.


يَجْرِي عَلَى سَنَنِ المَكَارِمِ فِعْلُهُ خُلُقًا إِذَا كَانَ الفِعَالُ تَخَلَّقَا


أسر العدوُّ امرأةً مسلِمة، وكانوا أصابوا من قبل ناقةً لرسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فرأت من القوم غفلةً فركِبت ناقةَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتَّى أتتْه فقالت: يا رسول الله، إنِّي نذرتُ لله أن أنحرها إن نجَّاني الله بها، فعجِب النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - من هذه المكافأة لِمن كانت سببًا في نجاتِها، وتبسَّم وقال: ((بِئْس ما جازيْتِها أن حَمَلك الله عليْها ونجَّاكِ بها، ثم تنحرينها! إنَّه لا نذر في معصِية الله ولا فيما لا تملكين)).


مَا كُلُّ مُطَّلَبٍ يُحَاوَلُ نَيْلُهُ يُحْوَى وَلا كُلُّ المَنَازِلِ تُرْتَقَى


كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوْفى النَّاس.



صِفُوهُ بِمَا شِئْتُمْ فَوَاللَّهِ مَا انْطَوَى عَلَى مِثْلِهِ فِي النَّاسِ أُمٌّ وَلا أَبُ

هذا جذعٌ لا يعقِل كان يخطُبُ عليْه، وفي يوْم الجمعة صعِدَ منبرًا صُنِع له وترك ذلك الجذع، فصاح الجذع صياح الصبيِّ حنينًا إلى الذِّكْر وحزنًا على رسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وفي لمسة وفاءٍ ينزل ويضمُّه إليه، ويلتزِمه حتَّى سكن، ثمَّ قال: ((والَّذي نفسُ محمدٍ بيده، لو لم ألتزمْه لما زال يحنُّ إلي يوم القيامة)).

يَحِنُّ جِذْعُ النَّخْلِ لَمَّا فَارَقَهْ لِمِنْبَرٍ إِلَيْهِ حَتَّى اعْتَنَقَهْ



ونَحْنُ أولى أن نحنَّ له، جعلَنا الله مِن أهل سنَّته، جمعَنا الله به في جنَّته.

إنَّ وفاءَه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - سما لحجارة صمَّاء، حازت منه أعلى عبارات الحبّ والوفاء، لما طلع له أحد في عودتِه قال: ((هذا أحدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه)).

كأن القول من فِيهِ لنا درٌ وياقوتُ، فعليه الله صلَّى وعليه الله سلَّم.

كان - صلى الله عليْه وسلَّم - أوفى النَّاس.

خَيْرُ القَرِيضِ وَلَوْ يَكُونُ مُهَلْهَلاً مَا فِي شَمَائِلِهِ يُصَاغُ وَيَكْتُبُ



إن وعدَ وفى وإن كان الوعود ذا جفا.

صحَّ أنَّ أعرابيًّا جاءهُ في مرجعه من حنين يطلبُ نصيبَه من الغنيمة، ويقول: ألا تنجِز لي ما وعدتَني؟ فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أبْشِر))، قال: أكثرتَ عليَّ من "أبْشِر"، ومع ردِّه البشرى أنجزَ له ما وعد ووفى.

كَالشَّمْسِ لا تَحْتَاجُ بُرْهَانًا وَلا يَحْتَاجُ مُبْصِرُهَا إِلَى اسْتِيضَاحِ
ضَارٍ إِذَا مَا رُمْتَهُ فِي دِينِهِ أَوْ رُمْتَ نَقْضَ العَهْدِ وَالمِيثَاقِ




له الصلاة والسَّلام تترى، ما شرى برقٌ على طَيْبة أو أم القُرى.

وبعد إخوتي:

كُلُّ المَوَارِدِ بَعْدَ زَمْزَمَ حُلْوُهَا بِفَمٍ يُمَجُّ وَكُلُ عَذْبٍ يَمْلُحُ



ماذا عساي أن أزيد في وصف وفائِه من بعد قول الله في كتابه: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

لكنَّها إشارة.

وَرُبَّ إِشَارَةٍ عُدَّتْ كَلامًا وَلَفْظٍ لا يُعَدُّ مِنَ الكَلامِ



شيمٌ تغص بها العِداة وتشرق، كادت بنا فوق المجرَّة تعلقُ، فأنالها الرِّقَّ الذي لا يُعتقُ، فانشقْ بها ريح الخَزام لعلَّنا من عَرف ذيَّاك الوفا نتنشَّقُ.

فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ ظَهْرِهَا أَبَرَّ وَأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ مُحَمَّدِ
وَمَا فِي بِقَاعِ الأَرْضِ حَيًّا وَمَيِّتًا وَمَا بَيْنَ أَرْضٍ وَالسَّمَا كَمُحَمَّدِ
صلَّى عليْه بارئ العبادِ ما أمطرت سُحبٌ وسال واد




بهذا الخُلقِ سجل أتباعُ محمَّدٍ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - صفحاتٍ مضيئات أحسنَ من الدّرِّ والعقيان في نحور الحسان، وأزْكى من حركات الرّيح بين الورد والريحان، من نورها الوضَّاء كلٌّ قابس من بحرها الجيَّاشِ كلٌّ يستقي.

أبو بكرٍ - رضي الله عنه وأرْضاه - أخو همَّةٍ أوجبتْ رفعه على الفاعليَّة والابتداء لمَّا ولي الخلافة وفى لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلَّم - بعد مماته كحياتِه؛ فأنفذ جيشَ أسامة على شدَّة حاجتِه له، وقال مقالته: "لا أترُك أمرًا رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليْه وسلَّم - يصنعُه إلاَّ صنعتُه".

فَصَاغَهَا قِيَمًا شَمَّاءَ عَالِيَةً أَعْلامُهَا مِنْ ذُرَى صَنْعَا إِلَى حَلَبِ



فقام يفي بالوعود التي وعدها رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - وحال الموت بينه وبين الوفاء بها قائلاً: مَن كان له عِدة عند رسول الله أو دَيْنٌ فليأتِنا، فما أتاه صاحب وعْدٍ أو دَين وعده به الرسولُ إلاَّ وفى له.
وفَاءٌ له نبراتٌ تهز نياط القلوب وأوتارها.

وفى لدين الله فقاتل المرتدِّين، وثبَّت الله به الدّين، وقال مقالةً خالِدة تُكتب على الحناجر ولو بالخناجر: "لأقاتلنَّهم حتَّى تنفرد سالِفتي، ولو خالفتْني يَميني لجاهدتُها بشمالي وأخرى".

وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي حَبْلَ رَاغِيَةٍ قَاتَلْتُهُمْ لَيْسَ إِلاَّ ذَاكَ إِقْرَارُ
فَلَيْتَ شِعْرِيَ لَوْ رَاءٍ لِحَاضِرِنَا وَالمُسْلِمُونَ حَيَارَى أَيْنَمَا دَارُوا
فِي رِدَّةٍ لا أَبُو بَكْرٍ يُصَاوِلُهَا وَلا يُقَاوِمُهَا عَمْرٌو وَعَمَّارُ
فِي رِدَّةٍ مِنْ ثِيَابِ العَصْرِ لابِسَةٍ تَحَرُّرٌ قِيلَ عَنْهَا وَهْيَ آصَارُ
تُقَلِّدَ الغَرْبَ إِلْحَادًا وَزَنْدَقَةً وَمِنْ تَحَلُّلِهِ تَجْنِي وَتَشْتَارُ


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 31-03-2020, 04:19 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,198
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الزرياب الإبريز في وفاء النبي العزيز



غَاية الصديقِ غاية، لَم يعش من لا يرى للحق بين النَّاس راية، يرجع الخلْق إليْها كلَّما ضاقت بهم في الأرْض غاية، وبها يعرف أقوامٌ ويُدْعَى غيرُهُم أهلَ الغَواية.

بهذا الخلُق يفي هارونُ الرَّشيد للجائعين من أمَّته، ويقدم ذلك على كسوة البيْت العتيق، كتب له حجبةُ البيْت أن مُر لنا بكسوة البيت، فكتب إليهم: إنِّي رأيت أن أجْعل ذلك في أكبادٍ جائعة أولى من كسوة البيت، فكأنك بحداء الجائع:

فَأَنَا الَّذِي أَضْحَى أَسِيرَ صَنَائِعٍ لَكَ لا يَوَدُّ أَسِيرُهَا أَنْ يُطْلَقَ
أَعْلَى وَأَشْرَفُ مَا يُؤَمِّلُ نَائِلٌ أَلا يرى بالرق عتيق معتقَ




ثم يفي - رحمةُ الله عليه - لأسرى المسلمين وهُو يستشْعِر: ((فكُّوا العانيَ)) من قول الأمين فيفتديهم في عمليتينِ لَم يبقَ بعدَهُما مسلمٌ أسيرًا في بلاد الروم.

تزهو السماء بها ويفتخر الثرى والقدس يستاق النسائم من طوى
والنور يقتبسُ الأشعة من حِرا




ولمَّا حاول كبيرُ الروم إكراه أسيرٍ مسلمٍ على الكفْر، كتَب له هارون: لقد بلغني ما صنعتَ بفلان الأسير، وإنِّي أقسم بالله، إن لم ترسلْه إليَّ من فورِك، لأبعثنَّ لك جندًا أوَّلُهم عندك وآخرهم عندي، فدبَّ الخوف في روعِه، فأطْلقه من فوره ولا غرابة؛ "فَمَن لا يعْرِف الله لا يقاوم مَن عرف الله".

وَمَا العرار كَالرِّئْبَالِ بَطْشًا وَإِنْ حَاكَاهُ فِي رَجْعِ النَّئِيمِ




وعلى هذا عاش الشَّيخ حمودة الثويتدي - رحمه الله - وفيًّا لأمِّه التي تولَّت تربيته التَّامَّة بعد موت أبيه وهو في الثَّامنة.


إِنْ يَفْقِدِ الوَالِدَ الحَانِي فَقَدْ صُقِلَتْ أَخْلاقُهُ بِكِتَابِ الوَاحِدِ الحَكَمِ



لمَّا مرضت كان أشدَّ ما يكون برًّا بها ووفاءً لها، يرعاها ويحملها لقضاءِ حاجتِها، وينامُ معها في غرفتها ليؤنسَها، حتَّى لقيتْ ربَّها وحاله:

إِنْ غِبْتِ مَا غِبْتِ عَنْ قَلْبِي وَذَاكِرَتِي مَا دَامَ فِي القَلْبِ نَبْضٌ وَهْوَ خَفَّاقُ



معشر الإخوة:
وهذا مشهدُ وفاءٍ من الجامعة الإسلاميَّة لمن باشرَ غرسَها من أوَّل أيَّامها وسقاها، وبذل لها من الجَهد ما لا يُضاهيه إلاَّ سهر الأم على طفلِها؛ أعْني: الشَّيخ ابن باز - رحِمه الله - لما انتقل من المدينة إلى عملِه في الرّياض ثمَّ عاد للمدينة في زيارةٍ عابرة، اجتمع به منسوبو الجامعة في مسجد الجامعة، احتشدوا وشرَعوا في التَّعبير عن تقديرِهم ووفائِهم للرَّجُل الذي خالط حُبُّه دماءَهم، فكانتْ كلِمات وفاء ووجدان خَلَتْ من كلِّ تَمويه وإعداد.


سَاجِعُ الوُرْقِ عَلَى الأَغْصَانِ غَنَّى أَطْرَبَ الخَالِيَ وَاجْتَاحَ المُعَنَّى



جاء دور الشَّيخ ليلقيَ كلِمَته فكان الحال أبلغ من المقال:

سَلُوا فُؤَادَكُمُ عَنِّي سَيُخْبِرُكُمْ فَصَاحِبُ البَيْتِ أَدْرَى بِالَّذِي فِيهِ



تعثَّر في التَّعبير وغلبه التَّأثُّر فلم يَملك نفسه فبكى، وسُمِعَ نشيجُه وغلبتْه دموعه، وحاله:

لَقَدْ نَدَّ البَيَانُ وَفِي فُؤَادِي رَسَا حُبِّي لَكُمْ كَالرَّاسِيَاتِ



فكانت تلك الدُّموع الحارَّة بيانًا تعلَّم البيانُ منه البيان؛ فهي أبلغ خطابٍ وأفصحهُ وأشدُّهُ تحريكًا للمشاعِر؛ إذ تأثَّر كلُّ مَن في مسجد الجامعة، صار الكلام بموق العين لا بفمي، لا يسمع إلاَّ الخنين والأنين، فهذا صامتٌ تفضحه الدموع وذاك في نشيج، وذلك شاعرٌ حرَّكتْه المشاعر فحرَّك بدموعه وبيانه المشاعر قائلاً لعامليه:

فَخَلُّوا مَلامِي إِنْ أَلَحَّ بِيَ البُكَا فَإِنَّ فِرَاقَ الصَّالِحِينَ عَسِيرُ



فما كان ثمَّة بيان أدلّ على الوفاء المتبادل بين الشَّيخ وجامعته من ذلك الموقِف، ولن يفي ببيان الموقف الخبر.

قَالُوا أَتَسْلُو عَنِ الأَحْبَابِ قُلْتُ نَعَمْ أَسْلُو إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّقِيضَيْنِ



بهذا الخلق يفي سيفُ الله وفارس دين الله خالد - رضي الله عنه وأرضاه - فعاملٌ بالجر قد تسلط على الذي في كفره تخبَّط، لا عز إلا بالكتاب يقودُه أكرم بأحسن قائد ومعلم.

روى أهل التاريخ أنَّ نصارى العرب استغاثوا بكسرى شيرويه ليمدَّهم بجيشٍ يقضون به على خالد وجندِه.

كَذَاكَ السَّلُوقِيَّات فِي كُلِّ مَوْطِنٍ عَلَى عَهْدِهَا حُمْرُ المَآقِي هَوَارِيشُ



فتقاطروا كلٌّ بكلٍّ يقتدي، وألْقَوا أحابيلهم، والخسيس إذا وجد القوَّة استأسد.

أمدَّهم كسرى بكلِّ غاوٍ وكلْبٍ عاوٍ، مددًا عدده مائةٌ وخمسون ألفًا، ومن كان وغدًا حمى الأوْغاد وغطى المخازي بأخزى ردى وأرْغى هُنا وهنا أزبدَ، وفي غرور وضعوا الطَّعام على البُسُط غيرَ مبالين بِخالد النّحرير، ومحتقرُ النَّاس أدني حقير، أمَّا قائدهم جابان فقال في معرفة بخالد: اتركوا الطَّعام واستعدُّوا للصِّدام؛ إنَّه خالد!

قالوا: وما يُغْني خالد وهو في ثمانية عشر ألفًا؟! فقال جابان: أخشَى أن تكونوا هيَّأتُم هذا الطَّعام له، وكان ما توقَّع، فاجأَهم خالد فأجهضهم عن الطَّعام قبل أن يطعموه، ودعا للبراز ونادى نصارى العرب أوَّلاً: أين أبجر؟ أين مالك؟ أين فلان؟ البرازَ البراز.

ابرز إليْنا حمِي الوطيس، خالد جاءك والخميس، وقد عرفت ريحَ الليوث البهائمُ، جبنوا فلم يَخرج سوى مالك بن قيس، قردٌ لا يهتدي لصواب حتَّى يشيب الغراب.

وَالقِرْدُ قِرْدٌ وَإِنْ رَقَّتْ شَمَائِلُهُ وَإِنْ تَعَلَّمَ نُطْقَ الإِنْسِ وَالجَانِ



فوبَّخه خالد قائلاً: يا ابن الخبيثَة، ما الَّذي جرَّأك تقدم إلى الميدان؟! إن كنت فارسًا لتعلم من عبد القفا واللهازم، ثمَّ ضربه ضربةً فكان كأمْسِ الدَّابر، فما ثبتَ لخالدٍ كافِر، ثمَّ التَحَمَ الجيْشان في قتال عنيف، ما لقي خالدٌ مثله، وهو أمنع من عقاب الجوّ، تراه يقتحم الهيجا كأنَّ به على كمال النُّهَى عند اللقا هوجا.

حداؤه لو حَدَا:

أُنَاضِلُ عَنْ دِينٍ عَظِيمٍ وَهَبْتُهُ عَطَاءَ مُقِلٍّ مُهْجَتِي وَحَيَاتِي



فوجَّهوا سهامَهُم له حتَّى صار في مثل الحرجة من كثرة السّهام، فراغ بفرسه أحمى من جبهة الأسد، ولجأ إلى مولاه ونذَر قائلاً:
اللَّهمَّ لك عليَّ إن منحْتنا أكتافَهم ألا أُبْقي أحدًا منهم حتَّى أُجْري نهرَهم بدمائهم، الله أكبر.


وَاللَّهُ أَكْبَرُ صَيْحَةٌ مِنْ قَائِدٍ مَلأَ اليَقِينُ فُؤَادَهُ فَتَفَجَّرَ
اللَّهُ أَكْبَرُ فِي العَدُوِّ تَدُكُّهُ وَتُزَلْزِلُ البَاغِي وَمَا قَدْ عَمَّرَ
هَزَمَتْ أَشِعَّتُهَا الظَّلامَ وَزَلْزَلَتْ كِسْرَى وَرَاءَ الخَافِقَيْنِ وَقَيْصَرَا




ويا لله، إنَّ جبهة معها الله لا تنكسر، ولو اجتمع عليْها الجنُّ والبشر.

انتابهم الذعرُ ولاذوا بالفرار، وركب المسلمون أكتافَهم يقتلون ويأسرون، وخالدٌ يُنادي: الأسرَ، الأسر، لا تقتلوا إلاَّ من امتنع؛ يريد أن يفِي بنذره، فجاؤوا بالأسرى سبعين ألفًا يُساقون كالأنعام، وأمر خالدٌ بحبس النَّهر أو تحويل مَجراه، وأمر بضرْب أعناقهم والدماء تتخثَّر لا تَجري، فقال القعقاع: عفا الله عنك أبا سليمان، لو قتلتَ أهلَ الأرْض ما جرى الدَّم، ولكن أطلق الماء عليه فيجري وتبرّ، ففعل فجرى نهر ليس أحمر قانيًا، فسمِّي حينها بنهر الدَّم.

ونادى المنادي: إلى الطَّعام يا عباد الله، ليصدق ظنُّ جابان في سيف الله، فيبقي الشامخ البطل ولا يتزحزح الجبل.

نُقِل الخبر إلى الصدّيق فتوَّج خالدًا بالمقالة الخالدة: "عدا أسدُكم على الأسد، فغلبه على خراذيله، عجزتْ نساءُ الأرض أن يُنشئن مثلَ خالد، أمَا واللهِ، لأنسينَّ الرُّوم وساوسَ الشَّيطان بأبي سُلَيْمان خالد".

فذلك سيف الله في الأرْض سلَّه، أذَّل به الله الَّذي كان ظالمًا، وعزَّ به المظلومُ واشتدَّ جانبه.

بهذا الخلق عاش بطَل شمال إفريقيا أحمد الشَّريف وفيًّا لدينه، وقد كشفت له الحوادث والتجارب أنَّ الخضوع ليْس وسيلة تُعالج بها عداوة الأعداء، فصار على يقينٍ أن ما ضُيِّع في ساح الوغى في سوى ساحاتِها لا يستردُّ، عرضت عليه إيطاليا على أن تفاوضه على أن يتنازَل عن بعض مطالبه فضرب بقولِهم عُرض الحائط، وبفيهم الغائط، وعلَّمهم أن وكْر النُّسور حرامٌ على البومِ وطأتَه، فقال مقالته الخالدة: "أُقْسِم بالله، لن أنفكَّ أذودُ عن حياضِ الإسلام إلى نفَسي الأخير، مادام معي مجاهدٌ واحد، وأُعاهد اللهَ ألا أتساهَل في حقٍّ، وألا أتنازَل عن مقدارِ حافر حصاني لكافر".

أَقْسَمْتُ يَا قَوْمِي بِأَلاَّ أَنْحَنِي إِلاَّ لِرَبِّي فَالِقِ الإِصْبَاحِ



بهذا للخلق يفي البطل الفلسطيني عبدالقادر الحسيني - رحمه الله - لدينِه حينما نودي على اسمه؛ ليصعد المنصَّة ليتسلَّم شهادة التخرُّج من الجامعة الأمريكيَّة، فصعد وألقى كلِمتَه عن نشاط الجامعة التَّنصيري ثمَّ قالَها مدوِّية: "إنَّه لا يشرِّفُني تسلُّم هذه الشَّهادة من هذه الجامعة"، فأُسقط في يد القوْم.

وَصَارُوا عِنْدَ ذَلِكَ كَالحَيَارَى تُصَفِّقُ بِاليَمِينِ وَبِالشِّمَالِ
خَبِيرُ النَّحْوِ عَلَّمَهُمْ مَعَانِي التْ تَنَازُعِ فِي الهَوَى وَالإشْتِغَالِ




معاشر الإخوة:
ما أحْوجنا إلي ماضينا الأصيل لنهذِّب به الحال! فيظهر التميُّزُ في مستقبل الأفعال منصوبًا في ذهْن الأجيال، ليفعل فعل الماء في الأرض البكر، تكون قبله قاحلات فتصير بعده جنَّاتٍ مُمْرِعات، وريحانُ النبات يعيشُ يومًا وليس يموت ريحانُ الفعالِ.

أيها الجيل:
الوفاءَ الوفاء، مَن أعطى بالله ثمَّ غدَر فالله خصمه، يُنصَب لكلِّ غادرٍ يوم القيامةِ لواء يقالُ: هذه غدرة فلان.
الوفاءَ الوفاء.
وفاءً مع الله بتوْحيده وإخلاص العبادة له.


فَبِذَاكَ تَعْلُو فِي أَشَمٍّ شَامِخٍ وَتَحُطُّ رَحْلَكَ فَوْقَ هَامِ الخُنَّسِ



ووفاءً مع رسولِ الله، اقتداءً واهتداءً.

لِتَظَلَّ تَرْشُفُ مِنْ رَحِيقِ رُضَابِهِ ال مَعْسُولِ حَتَّى أَنْ تُرَى فِي الرُمَّسِ



ووفاءً مع عباد الله في العهود والعقود والوعود، ليحصل التمييزُ والإعرابُ لمن له خفضٌ أو انتصاب، وهاكها بضع آياتٍ قد انطلقتْ أنوارها في مدار الشمس والشهب، سمتْ بها أمَّة الإسلام والعرب: {أَوْفُوا بِالعُقُودِ} {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} {وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ} {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.

بِذَا يَقُودُ الوَفَا قَوْمِي لِغَايَتِهِمْ وَتُشْرِقُ الشَّمْسُ مِنْ خَلْفِ الدُّجَى البَادِي



أيّها الجيل:
كلامُنا لفظٌ مفيد كاستقم، فإن لم يُفد في معاشٍ أو معادٍ كان فراقع وجعاجع وتخليطَ مَجانين.


لَغْوًا كَحَرْفٍ زِيدَ لا مَعْنَى لَهُ أَوْ وَاوِ عَمْرٍو فَقْدُهَا كَوُجُودِهَا



إنَّ الكلام لا يجاوز الآذان ما لم يحول إلى سلوكٍ صادقٍ وأفعال، مهْما أوتي صاحبُه من بيان، لقد طهر الأرض من أوزارِها منبرٌ واحدٌ ذو ثلاث درجات من خشب، لا قبَّة ولا باب، فلِمَ لا تطهر الأرْض اليوم مِئات آلاف المَنَابِر، مزخْرفةً منقوشةً بقبابٍ وأبواب، أهِي الطَّبائع أم الزمان؟

يجيبُك الطنطاوي - رحِمه الله - على تساؤُله، بما مضمونه: لا ذاك ولا ذاك؛ بل لأنَّ القائمين عليها وعَّاظٌ من خشب بعباراتٍ من خشَب وسيوف من خشَب، والنتيجة نواحٌ من خُشُب واحدها صار عديم الفائدة في كل شيء، غير لحس المائدة، فانعكست وظائف الأعضاء، يشُمُّ من عينٍ وأنفٌ يسمعُ، يسعى على بطنٍ ورجلٌ تدمع، وفاقد الشيء لا يعطيه، لا يطلب الثَّوب ممَّن جسمه عارٍ.

أيها الجيل الوفي:
خذوها وعُوها، إنَّ العصر عصرُ فِتَن، من تشرَّف لها تستشْرِفه، ولا مخرجَ إلاَّ بالتَّمسُّك بكتاب الله وسنَّة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - والفرارِ إلى الله بذِكْرِه وشُكْرِه وحُسن عبادتهِ، ودوام استغفاره، فإنَّ أجْر العبادة في الهرْج والقتْل والفتن كأجْر المهاجر إلى رسول الله، فليتَّهم كلٌّ رأيَه وليراجع اجتهادَه، ولا يبالغ في الثِّقة بعقله، "فما الخمر صرفًا أذهب لعقول الرِّجال من الفِتَن" كما قال حُذيفة - رضي الله عنه.


ولا يَعني هذا أن يغُضَّ المسلِمون الطرفَ عن مؤامرات الأعداء، أو ينفضوا أيديهم من ساحات يُجاهدُ فيها بالحقّ وللحقّ، لاسيَّما في هذه الظروف الحرجة التي استباح فيها الأعداء حمى الأمَّة ويطمعون كلَّ يوم في مزيد لقمة.

لا، إنَّما المراد أن يكون الجهاد إعلاءً لكلمة الله، مراعيًا مقاصد الشَّريعة في حفْظ الدِّماء وحرماتِها، يقول ابن عمر - رضِي الله عنهما -: شُرِع الجهاد لسفْك دماء المشركين، وشُرِع الرِّباط لصوْن دِماء المسلمين، وصوْنُ دمائِهم أحبُّ إليَّ من سفْك دماءِ أولئك، إنَّ الخطأ في ترْك ألْف كافرٍ في الحياة أهْون من الخطأ في سفْك محجمة دمِ مسلم.

((لا يزالُ المسلم في فسحةٍ من دينِه ما لم يُصب دمًا حرامًا))، ((ولوْ أنَّ أهلَ السَّماء والأرض اشتركوا في دمِ مؤمنٍ لأكبَّهم الله في النَّار))، ((لزوال الدُّنيا أهون عند الله من قتْل رجلٍ مسلم بغير حق)).

{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} [النساء: 93].

فمنِ استطاع ألاَّ يُحال بيْنه وبين الجنَّة بملءِ كفٍّ من دمٍ أهراقه فليفعل؛ ((والمُسْلم مَن سلِم المسلِمون من لسانِه ويدِه))، والعاقل من أهَّل نفسَه لنيْل درجة المهاجِر مع رسولِ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - بالعبادة في الهرْج والفِتن، ولن يضبطَ الأمر إلاَّ بردِّه إلى أهلِه، إلى ورثة الأنبِياء الَّذين يرُدُّون كلَّ خلافٍ إلى كتاب الله وسنَّة رسولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم.

مَن حادَ عن هذا فهو أحيَر من ضبّ، وما ينبغي للضَّبِّ أن يرشِدَ القَطَا، وما يستوي الخرِّيتُ والمتحيِّرُ.

أيُّها الجيل:


لا تَحْسَبَنَّ العِزَّ أَكْلَ عَصِيدَةٍ وَسِمَاطَ فَالُوذٍ وَفَتَّةَ رِيدَةِ
مَا العِزُّ إِلاَّ الصَّبرُ فِي يَوْمِ الوَغَى وَهَوَانُ مَالٍ فِي سِنِينَ شَدِيدَةِ




إنَّ عدوَّنا قد سدَّد غارتَه على ديارِ المسلمين ليكتسِحَها، وخيراتهم ليستبيحَها، وعقولهم ليمْسخها، وعموم الأمَّة صُمّ.

صارخ الفتنة بالبيت نزلَ، وعن الصَّارخ أهل البيْت صُمّ، أغنياؤنا إلاَّ مَن رحِم الله مُمسِكون عن البذْل لدينِهم، كصخور صمَّاء لا تَبِدُّ بقطرة ماء.

ذِئَابُ مَطَامِعٍ فَإِذَا دَعَتْهُمْ مَصَالِحُ دِينِهِمْ فَنِعَاجُ ضَانِ



وآخرون ذيول إمَّعات، ليْس لهم في موقِف الحقِّ ثبات، وبقيت أصواتٌ تدعو لإحياء الموات، فكن من ضمن تلك الأصوات، من عالم يفقِّه الأمَّة في دين الله، وداعيةٍ يحدو الأمَّة بوحْي الله، وكاتبٍ يكتُب بما يُملي عليْه دينُه لا جيبُه، وداعٍ يرْفع يديْه في الثُّلُث الأخير لمولاه، وغنيٍّ يَستهين بِماله في سبيل دينِه، إن فعلنا فقد تقلَّدنا سلاحًا لا يُفلّ، وعزًّا لا يُغلّ، إنَّه لا ينقُصُنا العدد ولا المال، ينقُصُنا الصَّبر والتَّقوى والإيمان.

بالصَّبر والإيمان ننصر، لا بحفلات النغم.

قالها ابن رواحة في مؤتة - رضِي الله عنه - وهو في ثلاثة آلافٍ والرُّوم في أكثرَ من مائتي ألْفٍ: واللهِ، ما نقاتِلُهم بعدد، وإنَّما نقاتلُهم بِهذا الدِّين الذي أكرَمَنا الله به.

الدِّينُ أَقْوَى مِنْ مَدَافِعِ ظَالِمٍ وَأَشَدُّ مِنْ بَأْس الحديدِ وأجلدُ



ينقُصنا أن نكون مع الله ليكون الله معنا.

لا حَوْلَ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِالعَلِي بِيَدِهِ الأَمْرُ فَمَا شَا يَفْعَلِ



أيُّها الجيل:
إنَّ عدوَّنا ذئبُ فلاة؛ لا يُطعم البطْنَ إلا إذا أخذ القلب، ولا يكسو الظَّهر إلاَّ بنسخِ الطهر، يَسْمنُ على هُزالنا ويقوى على ضعفنا ويحيا على مواتنا، شعاره: كُنْ قويًّا واصنع ما شئت، ما بلغ من العدل أن يقتصَّ للجمَّاء من القرْناء؛ بل يُركِّب قرونًا إضافيَّة للقرناء لتزيدَ في ذُلِّ الجمَّاء.
وإن كان القضاء إلى ابن آوى، فمعرفة الشُّهود إلى الثَّعالب.
وإن شكَّ مُرتابٌ فغزَّة شاهدٌ.


جَفَّ الحَلِيبُ بِأَثْدَاءِ النِّسَاءِ فَلا تَبْكِي المُرُوءَةُ بَلْ لا يَغْضَبُ الغَضَبُ
ضَاقَ الحِصَارُ فَلا مَاءٌ يُبَلُّ بِهِ رِيقٌ وَلا كِسْرَةٌ تَنْجُو وَلا رُطَبُ
ضَاقَ الحِصَارُ عَلَى الأَطْفَالِ وا لهَفي وَالمَوْتُ يُحْدِقُ فِيهِمْ ثُمَّ يَنْتَحِبُ




فإلى الشعور بالجسد الواحد أيُّها المسلمون، بذلاً ودعاءً ووفاءً، فلو جُدْنا ببعض ما نُنْفِقه في الكماليات لرفعْنا الضَّيْمَ عن إخوانِنا وحُزْنَا الذِّكْرَ الجميل والأجر الجزيل، فإن عجزتَ عن ذلك أو حيل بينَك وبين ذلك، فالتوعُّرَ التوعُّر؛ فهو ألْزم خصال الرجُل في هذا العصر الهازِل المتخنِّث، مقاطعة لغير الضَّروريَّات وتعفُّفًا لا تكفُّفًا.

تَمُوتُ الأُسْدُ جُوعًا ولا تطعم الأذى، وتلوي عطاشًا ولا تَرِدُ القذا.

سلاح المقاطعة سلاحٌ مؤثِّرٌ في مواجهة الأعْداء ويستخدمه الأعداء، وهو أدْنى ما يُعبَّرُ به ترسيخًا لمبدأ الولاءِ للمؤْمنين والبراء من الكافرين.
قَاطِعُوهُمْ هم عبيد دراهم، وجراحُ عبد المال لا تتخثَّر.


حَتَّى لِيَعْلَمَ كُلُّ مَنْ فَوْقَ الثَّرَى مِنْ ظَالِمٍ أَوْ عَائِلٍ مُسْتَعْبِدِ
أَنَّا بَنِي الإِسْلامِ أَهْلُ نِكَايَةٍ بِعَدُوِّنَا إِنْ جَارَ أَهْلُ تَفَرُّدِ






وَإِنْ كَانَ هَمِّي شَرَابًا وَقُوتًا فَمَا الفَرْقُ بَيْنِي وَبَيْنَ الحَمِيرْ



أيها الجيل:

مَحَبَّةٌ لِلمُصْطَفَى اتِّبَاعُ لَيْسَتْ بِأَذْوَاقٍ لعي تباعُ



فدع الأواخر واجنِ شهد بيانه، وانهج إلى السلَف الكرام الرُأَّسِ، فسواهمُ في وهْمِه كالمفلس.

أَمَة الله، أيتُها الصَّالحة الدَّاعية الوفيَّة لدينِها، أمامَك تحدِّياتٌ في غاية الصّعوبة في ظلِّ تردٍّ اجتماعي وطغيان شهوي، آنَ لكِ أن تتقدمي الصّفوف لرعاية الفضيلة وتَحصين الأسرة بدين الفطرة.

يَا حُرَّةً قَدْ أَرَادُوا جَعْلَهَا أَمَةً غَرْبِيَّةَ الفِعْلِ لَكِنَّ اسْمَهَا عَرَبِي
يَا دُرَّةً حُفِظَتْ بِالأَمْسِ غَالِيَةً وَاليَوْمَ يَبْغُونَهَا لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ




خُذيها لا من صحيفة ولا قناة ولا قرار مؤتمرٍ مؤتمِر: الولاية والقوامةُ والحجابُ والعفافُ ليس عرفًا اجتماعيًّا ولا موروثًا قبليًّا يقْبل التَّنازُل والمساومة، إنَّها ديانة نتقرَّب بها إلى الله رجالاً والنِّساء؛ {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34] تشريعٌ معصوم لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا مِن خلفه، {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}، {وَقُلْنَ} {وَقَرْنَ} {وَلا َتبَرَّجْنَ} {وَأَطِعْنَ} {يُدْنِينَ} {وَلْيَضْرِبْنَ} وبعدَها {لَئِنْ لَمْ يَنْتِهِ}.

لا تُخدعي بعبارات صبيان الإباحيَّة، بشعاراتهم الجاهليَّة، وفتاواهم الخنفشاريَّة؛ فهم يريدونها بهيميَّة.
وعندهم الخنا ليس بعيبٍ، والربا مثلُ التجارة، والتعرّي من ثياب الطهر عنوان الحضارة.
وما يدَّعونه من حرصٍ عليْك إن هو إلاَّ عطفُ ثعلبٍ وصلاة ثعلب، يتظاهر بالتَّقوى أمام جمع الدجاج ليظفر بالمطلب.
مُغْرَم بعِرْض المُحصنات وليس من أبنائها.
دعيهم لينعق كلُّ دعيّ بعلمنةٍ فجَّة سافرة، وسيري على سَنَن المرسلين تطيبُ حياتُك والآخرة.

هَلْ يَسْتَوِي مَنْ رَسُولُ اللَّهِ قَائِدُهُ دَوْمًا وَآخَرُ هَادِيهِ أَبُو لَهَبِ
وَأَيْنَ مَنْ كَانَتِ الزَّهْرَاءُ أُسْوَتَهَا مِمَّنْ تَقَفَّتْ خُطَى حَمَّالَةِ الحَطَبِ




{أَفَمَن يَمْشِي مُكِباًّ عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياًّ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك: 22].

أيُّها الجيل:

لا يُقِيمُ الأُمُورَ إِلاَّ اعْتِصَامٌ بِجَنَابِ المُهَيْمِنِ المُتَعَالِي



إنَّ في أمَّة الإسلام أصواتًا نشازًا تنبح من كل زاوية، وتضبح من قناة وتلعي، تدعو إلى تبعيَّة الغرب الكافر في كلّ شيء إلاَّ ما ينفع، والتخلّي عن موروثِنا إلاَّ ما يضرّ.

وَلَوِ اسْتَطَاعُوا فِي المَجَامِعِ أَنْكَرُوا مَنْ مَاتَ مِنْ آبَائِهِمْ أَوْ عُمِّرَا
دَعْهُمْ وَغَارَتَهُمْ فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ إِلاَّ مُجَرَّدَ صُورَةِ الإِنْسَانِ
وَاغْسِلْ يَدَيْكَ مِنَ الهُرَاءِ وَأَهْلِهِ بِالطِّينِ وَالصَّابُونِ وَالأُشْنَانِ





وايمُ الحقِّ لئنِ اتَّبعناهم وأعرضنا عن دينِنا إنَّا إذًا لخاسرون.


أيُّها الجيل:

إِذَا المَرْءُ لَمْ يَمْدَحْهُ حُسْنُ فَعَالِهِ فَمَادِحُهُ يَهْذِي وَإِنْ كَانَ مُفْصِحَا



قوَّتنا في قدواتنا، إن فقدنا القدْوة فلا قوَّة، والشَّاهد الصَّحابة.

وَاللَّهِ مَا فَتَحُوا البِلادَ بِكَثْرَةٍ أَنَّى وَأَعْدَاهُمْ بِلا حُسْبَانِ
وَكَذَاكَ مَا فَتَحُوا القُلُوبَ بِهَذِهِ ال آرَاءِ بَلْ بِالعِلْمِ وَالإِيمَانِ




فإلى هديهم: دعوة إلى كلِمة التَّوحيد وإلى توحيد الكلمة.

هَذِهِ الأَرْضُ دَرَجْنَا فَوْقَهَا وَنَصَبْنَا رَايَةً فِي كُلِّ وَادِي
أَخْبِرُوا كَيْفَ تشهدنا الرُّبَى أَفْصِحُوا كَمْ سَأَلَتْ عَنَّا النَّوَادِي
عِنْدَمَا قُلْنَا اتَّحَدْنَا فِي الهُدَى قَالَتِ الدُّنْيَا لَنَا هَاكَ انْقِيَادِي
فَمَضَيْنَا أُمَّةً تُزْجِي الهُدَى أَيْنَمَا صَارَتْ وَتَهْدِي كُلَّ هَادِي
فَلْيَقُلْهَا كُلُّ فَرْدٍ لِلأَعَادِي عَمَلاً بِالحَقِّ فِي كُلِّ النَّوَادِي
لَمْ يَضِعْ لا لَمْ يَضِعْ دِينٌ أَنَا لَهُ قَلْبٌ وَفؤادٌ فِي فُؤَادِي





أيُّها الجيل الفلسطيني المجاهد:
قد عوَّدتَنا لقاءَ الخُطوب بارتِكاب أخفِّ الضَّررين، فلا يدفعَنَّكم عدوُّكم إلى الانشِغال عنه، وتَحويل بأسِكم بيْنكم.


كَذَا اليَهُودُ مَدَى التَّارِيخِ دَأْبُهُمُ زَرْعُ الخُصُومَةِ بَيْنَ النَّحْلِ وَالشَّهَدِ



لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ولا تهنوا ولا تحزنوا.
مَن عاش بالتَّوحيد غير وحيد.


ثِقْ بِمَوْلاكَ يَا ابْنَ حِطِّينَ وَاعْقِلْ لا يَرُعْكَ السَّرَابُ فِي البَيْدَاءْ
مَا تَخَلَّى مَوْلاكَ حَاشَا وَكَلاَّ لَحْظَةً عَنْ عِبَادِهِ الأَوْفِيَاءْ
كُلُّكُمْ حَمْزَةٌ وَسَعْدٌ وَزَيْدٌ وَالمُثَنَّى وَمُصْعَبٌ وَالبَرَاءْ
قَدَّرَ اللَّهُ تُبْتَلُوا لِتَكُونُوا حَارِسِي قُدْسِهِ وَفِيكُمْ إِبَاءْ
يَا أَخِي يَا ابْنَ فِلَسْطِينَ الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَدْعُوكَ يومًا للحداد
عُدْ إِلَيْنَا مِثْلَمَا كُنْتَ وَقُلْ هَأَنَذَا إِنَّنِي يَوْمُ المَعَادِ
عُدْ وَنَصْرُ الدِّينِ يَحْدُوكَ وَقُلْ هَذِهِ قَافِلَتِي وَالنَّصْرُ حَادِي
خَابَ مَنْ بَاعَ فِلَسْطِينَ بِبَخْ سٍ خَيْبَةَ التُّجَّارِ فِي سُوقِ الكَسَادِ




أخيرًا:
أيُّها الأوفياء، رجال الهيْئة الأبطال قادة السَّفينة في موجٍ كالجبالِ، إلى شاطئ الأمان، وفَيْتم ووفيتم فاثبتُوا واصبِروا على ما أصابكم، والله معكم.
في يمين الجبارِ من كان سيفًا يرى أعتى العُتاة أوْهى من الذّرِّ.
لله أنتُم! كيف يغرق مركبٌ أنتم به؟! هيهات لا لن ينخرَ، وبدونكم تَمضي الرِّكاب إلى الورا.
فالله يَجزيكم بخيرٍ وافر، والله أكثر للفتى إن أكثر، أنتم حماة الدّين وكلنا للدين، فيَا حُماة الدين، فاحموا الدينَ ممَّن عثوا في الأرض مفسدينَ، مَن يرتضي هذا الخنا خَدِينا هذا لعمرُ الله إسرائينا.









هذا هو الزرياب الإبريز للسَّبق والتّبْريز، يتلى فيفعل في النُّهى فعل الشراب المسكر، وبنشره صار الخطيبُ يجولُ فوق المنبر، كنزٌ لا يذهب به كدهر، ولا يكوى لمقتنيه جنبٌ ولا ظهر، لَم أقضِ فيه فرضًا لأتنفَّل ولم أردْ فيه نهلاً فأتعلَّل، بل أقفُ وقوف الحسير لم يُحِط إلاَّ باليسير، وقد تمكَّن من سمعي ومن بصري، ومن كنايَ وأسمائِي وألقابي، ذا زهر روضٍ نضر ونشر وردٍ عطر، رضْ في رياضِه، وخضْ في حياضه، واظفر بانتشاقة عَرف أو اختلاسة طرْف، دررٌ وشهد.

مَنْ شَاءَ مِنْ تِلْكَ الحُلَى فَلْيَغْرِفِ مَنْ شَاءَ مِنْ ذَاكَ الجَنَى فَلْيَقْطِفِ



فلا تجعلوه مثل همْزة واصلٍ فيسقطها حرفٌ، ولا راء واصل، كأني بالرَّكب حثَّ الخُطى إليْه ونادى: البدارَ البدار، فلا قلْب في الرَّكب إلاَّ وطار، يا رب أسكنَّا فسيح جنَّتك والنَّار نجِّنا منها برحمتك، واغفر لنا ما كان منَّا من ذنوبنا، وزيِّن الإيمان في قلوبنا، وسعْيَنا اجعل خالصًا صوابًا، أعِذْه يا ربَّنا أن يُشابَ بشركٍ أو بدعة أو إعجاب، وتُبْ عليْنا أحسن المتاب، ونسأل اللهَ القَبولَ والرِّضا، والختْم بالحسنى، إذا العمر انقضى.


والحمد لله على إتمامِه، ثم صلاة الله مع سلامِه على النَّبي وآلِه، وصحبه وحزبه وكل مؤمنٍ به.
وسبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِك، أشهد أن لا إلهَ إلاَّ أنت، أستغْفِرك وأتوب إليك.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 224.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 221.62 كيلو بايت... تم توفير 3.22 كيلو بايت...بمعدل (1.43%)]