التراث العربي: هوية الماضي وزاد المستقبل - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         ما قل ودل من كتاب " كلام الليالي والأيام " لابن أبي الدنيا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          التيسير في الفتوى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 2 )           »          افضل تطبيق لمحبي كرة القدم (اخر مشاركة : سمير كمال - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          البرنامج الصوتي زاد المعاد في هدي خير العباد المجلد الخامس للحاسب (اخر مشاركة : Adel Mohamed - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          خصائص ومواصفات تكييف فريش (اخر مشاركة : عمرو الراوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          السلسلة التربوية (هكذا علمنا السلف) متجددة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 24 - عددالزوار : 1105 )           »          تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 354 - عددالزوار : 8793 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3004 - عددالزوار : 374041 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2409 - عددالزوار : 160048 )           »          طريقة عمل الفراخ بالباربكيو (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها

ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28-10-2020, 05:48 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,401
الدولة : Egypt
افتراضي التراث العربي: هوية الماضي وزاد المستقبل

التراث العربي: هوية الماضي وزاد المستقبل (1/2)


محمود زكي
تمهيد في تعريف التراث والمخطوط والتحقيق


أصل كلمة (التراث) في اللُّغة من مادة (ورث)، التي تدور معانيها حولَ حصول المتأخِّر على نصيب مادي أو معنوي ممَّن سبقه، فالتراث: الميراث - والتاء فيها منقلَبِة عن واو؛ كالتُّخَمة والوُخَمة -: وهو كلُّ ما يُخلِّفه الرجل لورثته.

والتراث بمعناه العام: ما خلَّفه لنا أسلافُنا من عقائدَ وعلوم ومعارف، وثقافاتٍ وعادات وتقاليد، وتجاربَ وخِبرات، وآثارٍ وفنون... إلخ، لكن ما يَعنينا في هذا المقام هو التراث الفكرى، المتمثِّل في الآثار المكتوبة التي حَفِظها التاريخُ كاملةً أو مبتورة، فوصلتْ إلينا بأشخاصها، وهذا التراثُ ليس له حدود تاريخيَّة معيَّنة، فكلُّ ما خلَّفه مؤلِّفٌ من إنتاج فكرى بعد حياته يُعدُّ تراثًا فكريًّا، وعليه فهو: كلُّ ما وصل إلينا مكتوبًا في أيِّ فرع من فروع العلوم والمعارف[1].



"ويتناول التراثُ العربيُّ كلَّ ما كُتب باللُّغة العربية، وانتزَع من رُوحها وتيَّارها قَدرًا، بصرف النَّظر عن جِنس كاتبه، أو دِينه، أو مذهبه؛ فإنَّ الإسلام قد جَبَّ هذا التقسيم وقَطَعه في جميع الشعوب القديمة التي فتَحَها، وأشاع الإسلامُ لُغةَ الدِّين فيها، وهي اللُّغة العربية التي لوَّنت تلك الشعوب بلون فكريٍّ واحد متعدِّد الأطياف، هو الفِكر الإسلامي، وهو الفِكر العربي"[2].

أمَّا (المخطوط)، فهو في اللُّغة: "كلُّ ما كُتب بخطِّ اليد، سواء كان كتابًا أو وثيقة، أو نقشًا على حجر، ولكنَّه في الاصطلاح يقتصر على الكتاب المخطوط بخطِّ اليد... وهو يُقابِل الكتاب المطبوع"[3]، وتُعرَّف علوم المخطوط الإسلامي بأنَّها: "العلوم التي تَدْرُسُ ما يتعلَّقُ بالكتاب الإسلامي المخطوط، مادةً ومضمونًا، حِفظًا وإتاحةً وتاريخًا"[4].

وأمَّا (التحقيق)، فهو في اللُّغة: التأكُّد من صِحَّه الخبر وصِدقه، و"حقَّقْتُ الأمر، وأَحْقَقْتُهُ: كنتُ على يقين منه"[5]، وهو يدور حولَ معاني الإثبات والتصديق، والإحكام والتصحيح، وفي الاصطلاح القديم: "التحقيق إثبات المسألةِ بدليلها"[6]، أمَّا في الاصطلاح المعاصِر، فهو قراءة النَّص "على الوجه الذي أرادَه عليه مؤلِّفُهُ، أو على وجهٍ يَقْرُبُ مِن أصله الذي كتبَه عليه مؤلِّفُه"؛[7] تمهيدًا لنشْره وطباعتِه، أو هو العِلم الذي "يُعْنَى بإظهار الكتب المخطوطة مطبوعةً مضبوطة، خالية نصوصُها من التصحيف والتحريف، في حُلَّة قشيبة، تُيسِّر سُبُلَ الانتفاع بها، وذلك على الصورة التي أرادها مؤلِّفوها، أو أقرب ما تكون إلى ذلك"[8].
كان الكتابُ قبلَ ظهور الطباعة يُكتَب بخطِّ اليد على الورق، أو الرِّق، أو البردي، وتُجْمَع على هيئة كرَّاسات، ويُعَدُّ المخطوط وعاءً أمينًا حَفِظَ تراثَ ومعارفَ حضارة الإسلام العظيمة، وسِجلاًّ ناصعًا لتجاربِها ومُنْجَزاتها، وكتابًا صادقَ التعبير عن سموِّ عقائِدها وشرائِعها، ورفعة أخلاقِها.

"وقدِ احتشدتِ الأمَّة لتسجيل علومها ومعارفها في جِهادٍ دائب، لم تشهدْه أمَّةٌ من الأمم، ولم تعرفْه ثقافةٌ من الثقافات، ولم يقفْ هذا الجهاد عندَ مصرٍ من الأمصار، أو يَكْتفِ بقُطر من الأقطار، بل امتدَّ إلى كلِّ بلد طالتْه يدُ الإسلام.

ولم يكدْ ينتصف القرنُ الثاني الهجريُّ حتى اندفعَ العلماء في التصنيف والجَمْع، وأخذ صريرُ أقلام النُّساخ يُسمَع في كلِّ مكان، وكأنَّه صوتُ الآلات في المطابع، وعمرت حلقاتُ الدَّرْس بالطلاَّب، وزخرت المكتبات العامَّة والخاصة بالتآليف في شتَّى فروع العلوم والثقافة.

وتمضي الأيَّام وتتسع رُقعةُ الدولة الإسلامية، ويَغْزُر التأليف والتصنيف، وتملأَ المخطوطاتُ العربية مكتباتِ الدنيا شرقًا وغربًا، حتى تظهرَ المطبعة في القرن الخامس عشر الميلادي، على يد جوتنبرج الألماني (1468 م)، وكأنَّما كان هذا الاختراع العجيب - اختراع الطباعة - مِن أَجْلِ فِكْرنا وتُراثنا - نحن العربَ - دون غيرنا من الأمم، فقدْ دارتِ المطابع هنا وهناك؛ لإخراج عِلْمِنا من مخطوطات محدودة إلى أسفار مطبوعة..."[9].

وهذا التراث الفِكري يتضمَّن: العلوم الإنسانيَّة والعلوم التطبيقيَّة، والعلوم الإنسانية تضُمُّ العلوم الشرعيَّة (الدينية)، والعلوم اللُّغوية، وغيرها كالتاريخ والاجتماع... إلخ، وظاهرٌ أهميَّة النقل والتدوين؛ أي: أهميَّة المخطوطات، بالنسبة للعلوم الشرعيَّة، فالقرآن الكريم حُفِظ في الكواغد، كما حُفِظ في الصُّدور، ونُقل إلينا بالتواتُرِ، والسُّنَّة النبويَّة المشرَّفة حُفظت ودوِّنت في الكتب، كما تناقلتْها أفواه الرواة، وأمَّا سائر العلوم الشرعية المنبنية على الكتاب والسُّنة والمفسِّرة لهما، فهي مؤلَّفَاتٌ إبداعيَّة، كسائر إبداعات العرب في العلوم الإنسانيَّة، لا غنى للأمَّة عن أكثرها، بل لا غِنى للبشرية عن كثير منها.

ولا صلاحَ لهذه الأمَّة إلاَّ بالعَوْدة إلى المَعِين الصافي، إلى الإسلام الصحيح المعتدل، ورَحِم الله إمامَ دار الهجرة مالك بن أنس القائل: "لا صلاح لهذه الأمَّة إلاَّ بما صَلُحَ به أوَّلُها"، وهذه الدعوة للعودة للتراث ليستْ دعوةً للتخلُّف أو الرجعيَّة، وإنَّما دعوة للتمسُّك بمنابع الصلاح الأُولى التي سادتْ بها الأمَّةُ الدنيا، والمحافظة على العادات والأخلاق القويمة، ودعوةٌ للتخلُّص من الخُرافات والخزعبلات، والاعتصام بالعِلم والثقافة، وبمنهجية التفكير العربيِّ السليم.




فنون التأليف العربي

"يكفي أن تُقلِّبَ طرفَك في أثناء كتاب "كشف الظنون عن أسامي العلوم والفنون"؛ لحاجي خليفة، لتقرأ أسماءَ نحو مائتي عِلْم أو فن؛ كعِلم آداب البحث والمناظرة، والآلات الحربيَّة، والآلات الرَّصديَّة، وعلم انبساط المياه، وعِلم الأوزان والمقادير، والبيزرة، والبيطرة، وتدبير المدينة، وتدبير المنزل، وتركيب المداد، والجبر والمقابلة، والجِراحة، والجغرافيا، والجهاد، والحكمة، والرمي، والرياضة، والسياسة، والسيمياء، والشروط والسجلات، والصيدلة، والطبخ، والفتاوى، وقوانين الكتابة، والكحالة، والكيمياء، ومراكز الأثقال، والمرايا المحرقة، والمساحة، والمعادن، والمعمى، والملاحة، والنبات، والهندسة، والهيئة... إلى كثير جدًّا ممَّا أغفلتُ ذِكْرَه، هذه بعض أسماء علومهم، وهي قلٌّ من كثر - كما يقولون - وقد تكفَّل حاجي خليفة في كتابه بتوضيح مدلولاتها، وتقديم دراسات مُوجَزة عنها"[10].

نماذج ومفاخر

"إنَّ مؤرِّخي العلوم يعزون إلى أسلافِنا العرب ابتكاراتٍ في مجالات الهندسة والطِّب، والحساب والجبر، والمقابلة والبصريات؛ بل في مجال التشريع والاجتماع، وفلسفة التاريخ، والنقد الأدبي:
ففي الهندسة: نجد نُصَير الدِّين الطُّوسي (672) الذي كان أوَّلَ مَن جعل مِن حساب المثلَّثات عِلمًا خاصًّا منظَّمًا.
وفي الطب: نجد أبا بكر الرازي (321)، وهو أوَّلُ مَن استخدم فتيلةَ الجرح التي لا تزال مستخدمةً إلى الآن، وهو الذي ابتدع صُنعَ الخيوط الجراحية من مصارين الحيوان، وأوَّلُ مَن استخدم الرَّصاص الأبيض في المراهم.

وأبو علي الحسن بن سينا رئيس الأطباء، صاحب كتاب (القانون) الذي يُعدُّ أهمَّ مراجع الطب والعلاج، وهو الذي ذَكَر أنَّ السبيل الوحيد للشفاء من الأورام الخبيثة (السرطان) إنَّما هو الجراحة المبكِّرة في الأدوار الأولى للمرض، وأنَّ الاستئصال يجب أن يكون على نِطاق واسعٍ، وعُمْق كبير، مع العناية الشديدة بتعقيم المنطقة الباقية بعدَ الاستئصال.

كمَا يَذكُرون أنَّ ابن النفيس (698) كان أوَّلَ مَن اكتشف الدورة الجزئية للدم بين القلب والرئتين.

وللعرب مفخرةٌ عريضة في وضع عِلم الجبر والمقابلة، على يدِ العالم الكبير محمد بن موسى الخوارزمي (232)؛ فهو الذي ابتدعَه وسمَّاه، ووضع مصطلحاتِه، ولا يزال هذا الاسم العربيُّ مسيطرًا على جميع لغات العالَم.

وأمَّا علم البصريَّات، فنجد ابنَ الهيثم المصريَّ (432) يبتدع نظرياتِ الضَّوْء، ويضع في ذلك كتاب (المناظر) الذي يُعدُّ الدعامةَ الأولى في بناء هذا العِلم، وقد شَرَح فيه انكسارَ الضوء، وبيَّن كيف تتمُّ رؤية الأشياء، وهو سَبْقٌ علمي كبير.

ونجد كذلك سبقَ العرب في موسوعات الفقه الإسلامي كمبسوط السرخسي، ومدونة مالك، وكتب الفتاوى"[11].

"كما تُعدُّ (مقدمة ابن خلدون) لكتابه في التاريخ كنزًا من كنوز التفكير الاجتماعي، سيظلُّ أصلاً للفلسفة الاجتماعيَّة، وسيظلُّ مرجعًا للدارسين، مهما طالتِ الأزمان وكَرَّتْ الدهور"[12].

"ويُعدُّ معجم (مقاييس اللغة) للغويِّ العربيِّ الكبير ابن فارس مِن مفاخر التأليف العربي، بل يكاد يكون الفذَّ من نوعه من بين المؤلَّفات اللُّغويَّة، إن لم يك في المحيط اللغوي العالَمي، فنحن لم نعلمْ حتى الآن مؤلفًا لغويًّا آخر حاول أن يدرس موادَّ اللُّغة في ظِلِّ القياس المطَّرد في معظم تلك المواد، واستطاع أن يبتدعَ نظريةً لُغويَّة دقيقة تتمثَّل في إرجاع كلِّ مادة لغوية من موادِّ المعاجم إلى أصْل أو أصلين، أو عدة أصول معنويَّة، وقد يكون في المادة الواحدة مئاتٌ من الكلمات، مثل مادة (ربع)، وتُفسَّر كلُّ كلمة منها بتفسير خاص يخاله القارىء المطَّلِع أشتاتًا مختلفة، ولكن ابن فارس استطاعَ بحِذْقِه أن يَرُدَّها إلى ثلاثة أصول، وهي: الجزء من أربعة أشياء، والإقامة، والإشالة والرفع، على حين نجد ابنَ منظور في "لسان العرب" يتناول مفرداتِ هذه المادة ومشتقاتها في خمسَ عشرةَ صفحة كبيرة، يُخيَّل للباحث فيها أنَّ هناك مئاتٍ من الدلالات لمئات من الألفاظ"[13].

"ونستطيع أيضًا أن نَعُدَّ تراث أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في قمَّة التأليف في المعارف العامَّة، أو أن نقول: هو الذي فتَحَ الباب لِمَن جاء بعده من العرب وغيرهم، حتى أمكنَ المؤلفين في عصورنا الحديثة أن يُؤلِّفوا ما يُسمَّى بدائرة المعارف: Encyclopedia[14]




الإيمان بالتراث

تراثُ أيِّ أمَّة هو تاريخُها وكيانها، وأمَّة بلا ماضٍ أُمَّة بلا حاضر، وبلا مستقبل، والحِفاظُ على التراث وعلى التاريخ هو الحِفاظ على الكيان والهُويَّة، على الخُصوصيَّة التي منحتْنا وجودَنا بوصْفِنا أمَّة، هو الحفاظ على السبيل الذي يضمن استمرارَنا ونهضتَنا مِن غفوتنا.

"وكما أنَّ الوطن هو المهد الأوَّل - بعد التوحيد - للإنسان، يحنُّ إليه كلَّما بَعُدَ به المطافُ في بلاد الله، ويَشعُر في قرارة نفسِه بحبِّه وتفديته، ويَدين له أبدًا بالإعزاز مهما أغرتْه المغريات، وباعدتْ بينه وبين أرضِه ضروراتُ العَيْش، كذلك يُعدُّ التراث الفكريُّ هو المهدَ الأوَّل لتفكيره ولنفسه، وأيُّ انفكاك بين المرْءِ ودِينه أو وطنه، أو بين المرء وتُراثه - يخلق منه امرأً تتجاذبه أطرافُ الضياع، وفقدان النفس، وضياعُ النفس مدعاةٌ إلى التفكُّك والتخلخل، والشُّعورِ بالبؤس والمذلة اللَّتَيْن لا تطيب معهما الحياة"[15].




كيف تنهض الأمم؟

مِن المعلوم والثابت أنَّ نهضاتِ الأمم إنَّما تقوم على أساسين:
الأول: النظر فيما سَلَف لها مِن تراث، وإحياؤه.
والثاني: الإفادة من منابِعِ الفِكْر الخارجي، واستصفاء ما يتناسب مع فِكْرِها وتاريخها"[16].

ويصف الدكتور محمود الطناحي - رحمه الله - جيلَ البعث والإحياء، فيقول: "هذا الجيلُ الذي قام بعبءٍ ضَخْم، واحتمل عناءً باهظًا، وسَلَك ضروبًا مُضنية، حيث تصدَّى رجالُه لهذا التراث المخطوط، فاستنقذوه من عوادي الناس والأيَّام، ثم أحسنوا قرائتَه، وعاشوا في عصور تأليفه وتمثَّلوه، ثم تحمَّلوا أمانةَ أدائه وإضائته وفهرسته، فقدَّموا بذلك مادَّة مُحَرَّرَة، قامتْ عليها دراساتُ الدارسين، فلا دِراسةَ صحيحة مع غياب النَّص الصحيح المُحَرَّر، وكم رأيْنا مِن دراسات انتهتْ إلى نتائجَ غير صحيحة؛ لأنَّها اتكأتْ على نصوص مُحَرَّفة ومُزالة عن جِهتها..."[17].

ثم يقول: "وقد فَطِنَ لهذا المستشرِقون الذين اتَّجهوا إلى دراسةِ فِكْرنا وأدبنا، فهُم لم يتَّجهوا إلى تلك الدِّراسات إلاَّ بعد أن أعدُّوا مادَّتها، وهي النُّصوص، وقد بَذَلوا في ذلك جُهودًا مُضنيَة"[18].





[1] انظر: "التراث العربي"؛ لعبدالسلام هارون، (ص: 3 – 5)، و"مناهج تحقيق التراث"؛ د. رمضان عبدالتواب، (ص: 8).

[2] "التراث العربي" (ص: 7).

[3] "نحو علم مخطوطات عربي"؛ د. عبد الستار الحلوجي، (ص: 9)، وانظر: مقال "ما المخطوط؟ " د. أحمد شوقي بنبين.

[4] "نحو علم مخطوطات عربي"؛ للحلوجي: عرض ومناقشة، محمود محمد زكي، (ص: 134).

[5] "لسان العرب"؛ لابن منظور، (حقق) (11/333).

[6] "التعريفات"؛ لعلي بن محمد الجرجاني، (ص: 75).

[7] "مناهج تحقيق التراث"؛ للدكتور رمضان عبد التواب، (ص: 5).

[8] "تحقيق نصوص التراث"؛ للغرياني، (ص: 7)، نقلاً عن: "قواعد تحقيق المخطوطات"؛ إياد خالد الطباع، (ص: 403)، وانظر: "محاضرات في تحقيق النصوص"؛ د. أحمد محمد الخراط، (ص: 9)، و"منهج البحث وتحقيق النصوص"؛ د.يحيى وهيب الجبّوري، (ص: 127).

[9] "دار العلوم ومكانها في البعث والإحياء"؛ د.محمود محمد الطناحي، ضمن (اللغة والأدب.. دراسات وبحوث)، دار الغرب الإسلامي: 2/825.

[10] باختصار عن: "التراث العربي" (ص: 10 – 11).

[11] السابق بتصرف، (ص: 12 – 13".

[12] السابق: (ص: 9).

[13] السابق (ص: 8 – 9) بتصرف، ومقال: "من التراث اللغوي.. معجم مقاييس اللغة"، ضمن (قطوف أدبية) لعبدالسلام هارون، (ص: 201).

[14] السابق (ص: 9 – 10) بتصرف.

[15] "التراث العربي" (ص: 14) بتصرف وزيادة.

[16] "دار العلوم ومكانها في البعث والإحياء"؛ (ص: 825).

[17] السابق نفسه.

[18] السابق (ص: 826).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28-10-2020, 05:49 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,401
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التراث العربي: هوية الماضي وزاد المستقبل

التراث العربي: هوية الماضي وزاد المستقبل (2/2)


محمود زكي


التراث العلمي العربي شيء من الماضي أم زاد للآتي؟


وضُحَ ممَّا سَبق شيءٌ من أسباب الاهتمام بمخطوطات العلوم الإنسانية، ولكن قد يتسائل البعضُ عن جدوى الاهتمام بمخطوطات العلوم التطبيقيَّة في عصرنا هذا بتطورُّه العِلمي، وتقنياته الحديثة، وهذا ما حاول أن يُجيبَ عليه الدكتور أحمد فؤاد باشا، أستاذ العلوم بجامعة القاهرة، وهو من المهتمِّين بالتراث العِلمي العربي، في بحثه الماتع: "التراث العلمي العربي، شيءٌ من الماضي أم زاد للآتي؟"، الذي نقتبس منه ما يلي - بتصرف -:

شهدتِ العقودُ الأخيرة اهتمامًا متزايدًا بعلوم الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة من الدَّارِسين العرب والمسلمين، ومِن المستشرقين والفلاسفة، ومؤرِّخي العِلم الغربيِّين، على حدٍّ سواء، ولكن البعض يتساءَلُ أحيانًا عن جدوى البحثِ في كتبٍ قديمة تعودُ بنا إلى الوراء ألفَ عام أو يزيد، ولماذا نبذلُ كلَّ هذه الجهود المضنية في عملية رَصْد المخطوطات وجمعها، وفهرستها وترميمها وحِفْظها، ثم في تحقيق نصوصِها ومعالجة نماذجها، نَسْخًا وقراءة وحلاًّ لمشكلاتها، واستجلاءً لغوامضها، ثم في تناولها بالدِّراسة والتحليل؛ بحثًا عمَّا يمكن أن تتضمَّنه من معلومات قد تُفيد أو لا تُفيد؟

ثم يقول: وأنصارُ هذا الاتِّجاه في التعامل مع التراث العلمي - على قِلَّتهم - يُنكرون الماضي تمامًا، ويَزْدَرون أيَّ محاولة لإحياء تراثه، ويوجد في ساحة الفِكْر العربي مَن يتبنَّى هذا الموقفَ الرافض لأيِّ ربط بين التاريخ والحاضر، بحجة أنّه لا يصمدُ أمامَ أيِّ تحليل عقلي دقيق، حتى وإن كان يُفيد في استنهاض الهِمم ورَفْع المعنويات، فليس في التاريخ البشري - فيما يزعمون - أمجادٌ معنوية تتحوَّل إلى جزء من (الجينات) المكوِّنة لشعب، وتظلُّ كامنة في أفرادِه على شكل استعداد للنُّهوض ينتظر اللحظةَ المناسبة لكي يصبحَ واقعًا متحقِّقًا، بل إنَّ هناك - بكلِّ أسف - من أبناء جِلدتنا - نحن معشرَ العرب والمسلمين - من يُعلن صراحةً أنَّ إحياء التراثِ إنَّما يكون بقتلِه.

ويُنبَّهُ إلى أنَّ قضية الدِّفاعِ عن التراث العلمي وأهميَّته من القضايا التي تُثار بين الحِين والحين في مؤتمرات وندوات عالميَّة، وأنَّ الحديثَ عنها مرتبطٌ بمبحث تاريخ وفلسفة العِلم، وأنَّ الغرب يرصُد الإمكانياتِ والأموالَ والأوقات؛ لإحياءِ التراث العِلمي الغربي، وضَرَب على ذلك أمثلةً؛ منها: أعمال عالِم الرياضيات (كوشي) الذي استغرق إصدارُها أكثرَ من خمسين عامًا، و(برنوللي) الذي تعاونتْ في إصدار أعمالِه أكثرُ من سبع دول، لجأتْ إلى الاكتتاب العام.

ويؤكِّد أنَّ تاريخَ العِلم الأوربي يحظَى باهتمام متعاظِم اليومَ في أوربا، من أجل تأصيل الثقافة العِلميَّة الأوربيَّة، وطبقًا لِمَا جاء في تقرير عن ندوة معنية أنَّ العلم والتقنية ينظر إليهما كمكوِّنات أساسية للعزَّة القوميَّة، وقد وَصفَ التقريرُ العِلمَ المعاصر بأنَّه "معرفة بلا ذاكرة"، ووصفَ العلماءَ المحرومين من الثقافة التاريخيَّة، والمنعزلين عن الأُسُس التي تقوم عليها علومُهم، بكونِهم أكثرَ عُرضةً لأنْ يَضلُّوا طريقَهم ويُضاعفوا أخطاءَهم، وقد يَظلُّون دائرين في حلقات مفرغة، ومسارات سَبَق اكتشافُها من قبل، واتَّضح أنَّها تُفضي إلى نهايات مسدودة، وبعضُ الاكتشافات التي تُقدَّم اليوم على أنَّها إنجازاتٌ ثوريَّة وإبداعيَّة غير مسبوقة، قد لا تكون في الحقيقة سوى إعادة تشكيل لبعض الأفكار القديمة التي أُهْمِلت وغمَرَها النسيان لسنين عديدة.



التراث العلمي العربي زاد للحاضر والمستقبل
يُعدِّد الدكتور فؤاد باشا بعضَ فوائدِ الاهتمام بتراثنا العِلمي؛ دراسةً وتحقيقًا:
1- إثراءُ المدخل التاريخيِّ في تدريس العلوم، وتنمية الحسِّ النقدي، والثِّقة بالنفس لدَى الناشئة، والوقوف على طبيعة التطوُّر العِلمي ومنهجية البحث، والتفكير في العلوم المختلفة.
2- كشْف حالات الغِشِّ الفكريِّ، والقرصنة العِلميَّة من قِبَل بعض المؤرِّخين والنقلة، والمستشرقين في حقِّ تراثنا العربي والإسلامي.
3- التأصيل الجيِّد لمختلف فروع العِلم المعاصر.
4- الكشْف عن المزيد مِن النظريات والاختراعات المتقدِّمة في التراث الإسلامي، ونسوق مثالاً على ذلك: قوانين الحَرَكة والجاذبية التي اكتشفَها ابن ملكا البغداديُّ، والحسن الهمداني قبلَ نيوتن بعدَّة قرون.
5- يمكن توظيفُ نصوص جيِّدة في أغراض التأصيل لمناهج البحث العلميِّ، ونظريات فلسفة العِلم المعاصرة، ومن أمثلة ذلك: مُقدِّمتَا ابن الهيثم لكتابيه "المناظر"، و"في الشكوك على بطليموس".
6- تتضمَّن مخطوطاتُ العلوم إفاداتٍ مباشرةً، وغير مباشرة، تُغني مؤرخي الحضارة، مثال ذلك: كتاب اليوزجاني في المنازل السبع، تضمَّن أدقَّ البيانات عن الضرائب، ونظام الخراج، وأعطيات العساكر، وكتاب "التيسير في صناعة التدبير"؛ لابن زَهْر الإشبيليِّ، الذي اشتمل على تفاصيلَ مهمَّة عن الصِّراعات والدسائس في أسرة المرابطين، مع أنَّه كتاب طِبٍّ.
7- يمكن الإفادةُ من التراث العِلمي العربي في ميادين تطبيقيَّة عديدة، منها:
· بفضل المعلومات الجيولوجيَّة والتعدينية التي تضمَّنها كتاب (الجوهرتين) للهمدانيِّ، اهتدتْ بعثة علميَّة إلى اكتشاف العديد من المناجم المهمَّة باليمن.
· جاء في عدد من الكتب التراثيَّة وصفٌ دقيق للهزَّات الزلزاليَّة التي تعرَّضت لها البلدانُ الإسلاميَّة خلالَ القرون الماضية، ممَّا يُعَدُّ الاسترشاد بهذه المعلومات ضرورةً منهجيَّة ومعرفية لأيِّ دراسات معاصرة أو مستقبلية، تتعلَّق بخرائط التوزيع الزلزالي وتوقعاته... إلخ.
· يزخَرُ التراث الإسلاميُّ بالعديد من المؤلَّفات في مجالات علوم النبات والحيوان، والعلوم الزراعية، وعلم الرعي والمراعي، والتي يمكن الإفادةُ منها في تحديد العوامل الأكثر أثرًا في زَحْف الملوحة والجفاف على مناطق عربية وإسلامية عديدة، وأنواع النبات وظروفه في هذه المناطق... إلخ.
· يزخر التراث الإسلاميُّ بمؤلَّفات طبِّ الأعشاب، ممَّا يفتح الباب للكشفِ عن أدوية جديدة للأمراض، في الوقت الذي يبحث العلماء في كلِّ مكان، في أعماق الغابات وقيعان المحيطات، عن أعشاب تخلِّص البشريةَ من الأمراض الصعبة.
· تُفيد كتبُ التراث العلمي والتقني كثيرًا في مجال التربية والتعليم، لتدريبِ الطلاَّب على إعادة تركيب بعضِ الأجهزة والآلات البسيطة، ويُساعِد على ذلك الشروحُ والمخطَّطات والرسوم الموضحة بالمخطوطات، بل إنَّ بعض التقنيين المُحدَثين أعادوا بناءَ العديد من التركيبات والآلات تبعًا لهذه المؤلَّفات التراثية المخطوطة[1].


نحو خطة علمية لبعث الأمة وإحيائها
يضع الدكتور الشاهد البوشيخي خُطةً عِلميَّة شاملة لإعادة بعْث الأمَّة وإحيائها، هذه الخطة تقوم:
أولاً: على إحصاء ممتلكات الذات، ثم تقوم:
ثانيًا: على استيعاب ما لدى الآخَرِ من عِلْم بعلم، في مختلف التخصُّصات، ثم تقوم:
ثالثًا: على الاقتراض الحضاري بعِلْم، من خارج الذات، حسبَ حاجات الذات.

وذلك يعني صرْفَ الجهد في:
مجال النَّصِّ التراثيِّ أولاً؛ لأنَّه مَجْلَى الذات، وخزَّان الممتلكات.

ثم مجال دراسة لُغةِ النَّصِّ ثانيًا، ولا سيَّما الاصطلاحيَّة؛ لأنَّها المدخل الوحيد للتمكُّن مِن الفَهْم السليم للمفاهيم، الذي عليه يَنبني التقويمُ السليم، فالاقتراض الحضاري السليم.

ثم مجال منهج دراسة النَّصِّ مقامًا ومقالاً ثالثًا؛ لأنَّه الهادي إلى استنباط الهُدَى اللازم للحضور والشُّهود الحضاري، ممَّا لا حاجةَ إلى اقتراض الأمَّة له مِن خارج الذات.

ثم مجال الوافد مِن خارج الذات رابعًا، واستيعابه عندَ أهله، بالتخصُّص فيه، بلُغات أهلِه، ثم بتتبُّع آثاره فينا بالدَّرْس العِلمي لا بالخَرْص؛ لأنَّ ذلك الذي يمنعنا من أن نَظلِم أو نُظلَم، ويُؤهِّلنا للشهادة على الناس بحق"[2].

ويقول:
التراث تراثان:
تراث معدٌّ علميًّا - وقليل ما هو - فهو موثَّقٌ محقَّقٌ مُكشَّفٌ، وهذا نحمد الله - عز وجل - أن منَّ الله به علينا، ونسأله المزيد.

وتراث غيرُ معد، وهو أيضًا تراثان:
تراث مطبوع: وهو - حسبَ تقديرات عددٍ من الخبراء في التراث - أقلُّ الموجود، وكلُّه - أو يكاد - محتاج إلى تكشيف، وأغلبه - وإن كُتب أنَّه محقَّق - يحتاج إلى تحقيق، وقليلُه - علاوة على ما تقدَّم - التوثيق.

وتراث مخطوط: وهو - حسب تقديرات الخبراء - أكثرُ الموجود، وكلُّه محتاج إلى طبع ونشر، ومراكزُ وجودِه في العالم غيرُ محصورة، والمعلوم منها عددٌ منه غير مفهرس المحتوى، والمفهرس منها عددٌ منه غير دقيق المعلومات"[3].

ثم يقول:
ولإعداده - أي: غير المعدِّ علميًّا من كتب التراث - إعدادًا علميًّا شاملاً نقترح المنهجية التالية:
1- الفهرسة: وتتطلَّب إنجاز: معجم مفهرَس للمطبوع من المخطوطات العربية في العالم، حاصر لِمَا طُبع، قابل سنويًّا لإلحاق ما يُطبع، ويُعين عليه أكبرَ العون - لو يكون - الدليل السنوي للمطبوعات العربية في العالَم.
ثم معجم مفهرَس لمراكز المخطوطات العربية في العالم: العامَّة منها والخاصة (خزائن، ومساجد، وكنائس، ومتاحِف، وزوايا... وغير ذلك).
ثم معجم مفهرَس للمخطوطات العربية المحفوظة بتلك المراكز.
2- التصوير: ويتطلَّب تصويرَ كلِّ ما بالمعجم المفهرَس للمخطوطات العربية في العالَم من أصوله، دونَ انتقاء أو استثناء.
3- التخزين: ويتطلَّب حفظ ما صُوِّر، وتخزينه بأحدثِ الوسائل في "مركز جامع لصور المخطوطات العربية في العالم"، على أن يكون الانتفاع به ميسَّرًا حاسوبيًّا لأيِّ مؤسسةِ بحثٍ على وجه الأرض.
4- التصنيف: ويتطلَّب تصنيفَ ما خُزِّن من متخصِّصين، وحسب حاجات التخصُّصات، زمانًا ومكانًا وإنسانًا وموضوعًا...
5- التوثيق: ويتطلَّب إثباتَ صِحَّة نسبة ما صُنِّف إلى صاحبه، ضبطًا للعلاقات "مختلفة بالقائل والسامع، والعصر والمصر... إلى غير ذلك مما يمكن أن يستفادَ من صِحَّة النسبة، وتضبطه صِحَّةُ النِّسبة؛ فيصحَّ التصوُّر للأمور زمانًا ومكانًا وإنسانًا، تاريخًا وواقعًا".
6- التحقيق: ويتطلَّب إثباتَ صِحَّة مَتْنِ ما وُثِّقَ، كما صدر عن صاحبه، طبقًا لقواعدَ وآدابٍ معيَّنة؛ وذلك لضبط الأحكام، والاستفادة من النُّصوص، "انطلاقًا من حدود عبارتها؛ لئلاَّ يُقَوَّل قائل ما لم يقل، فيقوَّلَ بتقويله عَصرٌ، أو مصرٌ، أو اتِّجاه، أو غير ذلك، لئلاَّ يبني بانٍ بناءَه على ما لم يصحَّ، بسبب تصحيفٍ، أو تحريفٍ، أو بَتْرٍ، أو غير ذلك، فيُفْسِدَ التاريخَ والواقع معًا".
7- التكشيف: ويتطلَّب إعدادَ كشَّافات لمحتويات ما حُقِّق؛ أسماء، ونقولاً، وموضوعات، ومصطلحات، "ولا سيَّما المصادر الأمهات التي تُشبِهُ في خصوبتها وسعتها وكثرةِ عطائها الغاباتِ، فكم مِن بقايا كتب قيِّمَة لعلماء أفذاذ، يمكن استخراجها من بطون تلك الأمهات، ولا يكشف عنها إلاَّ التكشيف! وكم مِن علوم ومعارفَ، وشواهدَ نادرة لعلوم ومعارف، توجد مطويَّة في أحشائها، لا سبيلَ إلى تذليل عَقبةِ العِلم بها إلاَّ بالتكشيف! وحتى الآن لم يُكَشَّف من منشور التراث إلاَّ بعضُ جوانب مِن بعض الأمهات".
8- النشر: ويتطلَّب طبعَ ما وُثِّقَ وحُقِّقَ وكُشِّفَ، ثم توزيعَه توزيعًا واسعًا، يُعين أكبرَ العون على ما قُصِد، "فكم مِن نصوص حُقِّقت ولم تجد طابعًا! وكم مِن محقَّقات طُبعت ولم تجد مُوزِّعًا! وكم من مطبوعات وُزِّعت ولم تكدْ تجاوز أو يجاوز العِلمُ بطبعها البلدَ الذي طُبعت فيه!..."[4].

وهذه القضيةُ تحتاج إلى مزيدِ نظرٍ ومدارسة، آملُ أن يُتاحَ فيما يُستقبل، ولكن لعلَّنا نختم بكلام عالٍ للدكتور فيصل الحفيان - خبير المخطوطات، ومنسِّق برامج معهد المخطوطات العربية - حيث يقول - إجابةً على تساؤل حولَ كيفية تأكيد خصوصية الأمَّة، أو صياغة خطابٍ ناطق باسمها -: "نؤكِّدها بأن نستنبطَ من هذا التراث القضايا الكبرى، والإنجازاتِ العظيمةَ، ونضعَ أيديَنا على التحوُّلاتِ العامَّة التي أعطتْ لهذا التراثِ قيمتَه، ومنحتْنا نحن وجودَنا بوصفنا أمَّة؛ بمعنى: أن نُشرِف على هذا التراث مِن أعلى، فينكشف لنا، ونراه رؤيةً شاملة، تبدو لنا مِن خلالها ما يُوقِف ويَستوقِف، ونتتبَّع بوساطتِها التفصيلاتِ بتأنٍّ وتؤدَةٍ، لنؤلِّفَ بينها، ونستخلصَ منها إنجازًا ما، أو ظاهرةً ما، أو إضافةً ما، ثم نُقدِّم ذلك لأنفسنا من ناحية، وللآخرين مِن ناحية أخرى؛ لأنفسِنا لنبنيَ عليه، ونفيدَ منه، وللآخرين لِيُدركوا قيمةَ إسهامنا، ودَوْرنا الفاعل في مسيرةِ الحضارة"[5].


المراجع
· "التراث العربي"؛ عبدالسلام هارون، القاهرة، دار المعارف، 1978، (كتابك؛ 35).
· "التراث العلمي العربي، مناهج تحقيقه وإشكالات نشره"؛ ندوة قضايا المخطوطات الثالثة بمعهد المخطوطات العربية 1999 م، تنسيق وتحرير فيصل الحفيان، القاهرة، معهد المخطوطات العربية، 2000.
· "التعريفات"؛ علي بن محمد الجرجاني؛ تحقيق إبراهيم الإبياري، ط1. بيروت، دار الكتاب العربي: 1985.
· "دار العلوم ومكانها في البعث والإحياء"؛ محمود محمد الطناحي، "في اللغة والأدب: دراسات وبحوث"، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 2002.
· "قواعد تحقيق المخطوطات"؛ إياد خالد الطباع، في: "صناعة المخطوط العربي الإسلامي من الترميم إلى التجليد"، الدورة التدريبية الأولى 1997م، دبي، مركز جمعة الماجد، 1997.
· "لسان العرب"؛ ابن منظور الإفريقي؛ تصحيح محمَّد الحُسيني، القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، المؤسسة المصريَّة العامَّة للتأليف والترجمة والنَّشْر، 1965، طبعة مصورة عن القاهرة، بولاق، 1882 - 1890.
· "ما المخطوط؛ أحمد شوقي بنبين، دعوة الحق، ع 337 (مايو 2004)، تاريخ الزيارة: 3/4/2009، متاح في: موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية: www.habous.gov.ma، نشرة جديدة: تراثيات، ع3 (يناير 2004).
· "محاضرات في تحقيق النصوص"؛ أحمد محمد الخراط، ط2، جدة، دار المنارة، 1988.
· "مشروع الخطة الشاملة للتراث العربي المخطوط"؛ فيصل الحفيان، في: التراث العربي: قضايا الحاضر وآفاق المستقبل، القاهرة، معهد المخطوطات العربية، 2002.
· "مناهج تحقيق التراث بين القدماء والمُحْدَثين"؛ رمضان عبدالتواب، ط1، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1986.
· "منهج البحث وتحقيق النصوص"؛ يحيى وهيب الجبوري، ط1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1993.
· "نحو علم مخطوطات عربي"؛ عبدالستار الحلوجي، ط1، القاهرة، دار القاهرة للنَّشْر، 2004.
· "نحو علم مخطوطات عربي"؛ عرض/ محمود محمد زكي، في: الفهرست، ع 16(أكتوبر 2006).
· "نظرات في المصطلح والمنهج"؛ الشاهد البوشيخي، ط3، فاس، مطبعة آنفو - برانت، 2004.






ــــــــــــــــ
[1] منشور ضمن: "التراث العلمي العربي.. مناهج تحقيقه وإشكالات نشره" (ص: 19 – 41).

[2] "نظرات في المصطلح والمنهج"؛ للدكتور الشاهد البوشيخي، (ص: 11 – 12).

[3] السابق: (ص: 55 – 56).

[4] السابق: (ص: 56 – 59).

[5] مشروع الخطة الشاملة للتراث العربي المخطوط، ضمن (التراث العربي: قضايا الحاضر وآفاق المستقبل): ص313، وراجع: بقية بحوث السابق، ونحو خطة عربية لتجميع تراثنا المخطوط، ومسؤولية جامعاتنا تُجاهَ تراثنا المخطوط، ضمن: المخطوطات والتراث العربي، د.عبدالستار الحلوجي، ومقال (هل أدلكم على تجارة؟)، ضمن: مقالات الدكتور محمود الطناحي، وغير ذلك.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 89.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 86.99 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (2.89%)]