صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

اخر عشرة مواضيع :         المولد النبوي الشريف (اخر مشاركة : دروس دينية - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          المختصر في تفسير القرآن الكريم***متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 109 - عددالزوار : 1877 )           »          مميزات افضل انواع تكييفات ميديا (اخر مشاركة : عمرو الراوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          مولد ومبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : سعيد شويل - عددالردود : 1 - عددالزوار : 166 )           »          كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 628 )           »          مواقيت الصلاة , من هو النبى محمد .. أعرف نبيك (اخر مشاركة : ريحانةالدعاء - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2953 - عددالزوار : 354913 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2354 - عددالزوار : 147237 )           »          سورة ق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 48 )           »          حقوق الوالدين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 43 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-06-2020, 12:46 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



صفحات مِن ذاكرة التاريخ (1)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"








كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الأمور المستقرة أن الدنيا لن تستقيم لأحدٍ دون تعب و كدر، بل ولن تدوم على حال واحد، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَتْ نَاقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تُسَمَّى: العَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لاَ تُسْبَقُ؛ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: سُبِقَتِ العَضْبَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلا وَضَعَهُ) (رواه البخاري).

فعلى العاقل أن يفهم ذلك، وأن يتعامل مع الواقع بهذا المفهوم.

وإذا أراد الإنسان أن يغير مِن واقعه الذي يعيشه ويحياه، فلا بد مِن التأني والتريث، والترجيح بيْن المصالح والمفاسد، والنظر إلى مآل الأمور حتى لا يخرج مِن واقع مرير إلى واقع أمَر مِن الأول؛ فأحيانًا يتعرض الإنسان لشيءٍ مِن الظلم وهو يريد أن يدفع الظلم عن نفسه، وأحيانًا أخرى يكون الأمر بصورة جماعية؛ فقد تثور الشعوب على حكامها؛ بسبب الظلم والطغيان والتغاضي عن ألام الناس، أو مِن كثرة الفساد وتنحية شرع الله -تعالى-، أو بسبب كثرة الانتهاكات والممارسات الجائرة مِن قِبَل بعض الأفراد في بعض المؤسسات، أو بسبب حالة اليأس التي تسيطر على الشعوب أحيانًا بسبب انخفاض مستوى المعيشة، وارتفاع نسبة الفقر، وتدهور الحالة الاقتصادية، وغير ذلك مِن الأسباب.


وهنا تكون المطالبة بالتغيير مِن الأمور المشروعة؛ دفعًا للظلم، ونشرًا للعدل، وتحكيمًا للشرع، ومِن أجل الحفاظ على البلاد والعباد مِن الفساد والطغيان، ونحو ذلك؛ بشرط ألا يترتب على التغيير منكر وفساد أشد مِن الأول، ففي مثل هذه الأحوال لا بد مِن دراسة الواقع دراسة متأنية، ودراسة موازين القوى والترجيح بيْن المصالح والمفاسد.

ولما كان التاريخ مرآة الأمم، يعكس ماضيها، ويترجم حاضرها، وتستلهم الأمم مِن خلاله مستقبلها؛ كان مِن الأهمية بمكان الاهتمام بالتاريخ، والحفاظ عليه، ونقله إلى الأجيال نقلاً صحيحًا، بحيث يكون نبراسًا وهاديًا لهم في حاضرهم ومستقبلهم؛ فالشعوب التي لا تاريخ لها لا وجود لها؛ فلن تستطيع الأمم أن تتقدم في حاضرها إلا بالرجوع إلى تاريخها وماضيها، فلا مستقبل لأمة تجهل تاريخها، وليس هناك أعظم مِن التاريخ الإسلامي.

والتاريخ تُعرف به الأحداث والوقائع، وما صاحبها مِن تغيرات ومجريات، والتاريخ فيه استلهام للمستقبل على ضوء السنن الربانية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل، ولا تحابي أحدًا مِن الخلق بحال، والتاريخ فيه شحذ للهمم، وبعث للروح مِن جديدٍ، وتنافس في الخير والصلاح، والبذل والعطاء، والتاريخ فيه عظات وعبر، وآيات ودلائل، قال الله -تعالى-: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (الأنعام:11)، والتاريخ يبرز القدوات الصالحة التي دخلت التاريخ مِن أوسع أبوابه، وتركت صفحات بيضاء ناصعة، لا تُنسى على مر الأيام والسنين.

والتاريخ يعين على معرفة حال الأمم والشعوب مِن حيث القوة والضعف، والعلم والجهل، وبمعرفته نقف على الجوانب المشرقة في تاريخنا؛ فنقتفي أثرها، ونقف أيضًا على الجوانب السلبية فيه فنحاول تجنبها والابتعاد عنها.

ومِن أهم ما تفيده دراسة التاريخ: معرفة أخطاء السابقين، والحذر مِن الأخطاء والمحظورات التي تم الوقوع فيها عبْر التاريخ، وأنبِّه على أنه لا يعلم حقائق الأمور إلا الله -تعالى-، فالتاريخ الموثق قليل في عالم الأحداث، فقد يتم أحيانًا تشويه التاريخ وتزييفه مِن بعض أصحاب النفوس الضعيفة، وأصحاب المصالح الشخصية، أو يتم تزييفه بسبب الهوى والتعصب المذموم، أو بسبب النقل دون تثبت.

قال ابن خلدون -رحمه الله-: "وكثيرًا ما وقع للمؤرِّخين والمفسِّرين وأئمة النَّقل مِن المغالط في الحكايات والوقائع؛ لاعتمادهم فيها على مجرَّد النّقل غثًّا أو سمينًا ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سَبَرُوهَا بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النَّظر والبصيرة في الأخبار؛ فضلَّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط" (مقدمة ابن خلدون).

وإذا تأملنا أحوال السابقين رأينا بعض الذين حاولوا أن يغيروا أمورًا رأوها منكرة مِن وجهة نظرهم، تجدهم أحيانًا يندمون على ما فعلوا بعد أن أفسدوا الحياة والواقع!

فعلى سبيل المثال:

- الخروج على ذي النورين الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: إذا نظرنا في أحوال مَن خرجوا على ذي النورين الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، نرى أنه قد خرج عليه المجرمون الرعاع مِن الكوفة والبصرة ومصر، وهم لا يريدون إلا عزله -رضي الله عنه- أو أن يقتلوه!

- وقالوا: لقد جاء عثمان -رضي الله عنه- في ولايته بمظالم ومناكير! منها: "ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه - وضربه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه، ومنعه عطاءه".

- والرد على هذه التهم الباطلة: أن مسألة ضربه لعمار أو لابن مسعود -رضي الله عنهما- غير ثابتة.

قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "هذا كله باطل سندًا ومتنًا؛ أما قولهم: "جاء عثمان بمظالم ومناكير"؛ فباطل، وأما ضربه لابن مسعود ومنعه عطاءه؛ فزور، وضربه لعمار؛ إفك مثله، ولو فتق أمعاءه ما عاش أبدًا" (العواصم مِن القواصم).

وقال أبو عبد الله محمد بن بكر المالقي -رحمه الله-: "فإن قيل بأن عثمان -رضي الله عنه- ضرب عمارًا! قيل: هذا لا يثبت، ولو ثبت فإن للإمام أن يؤدب بعض رعيته بما يراه" (التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان).

وقال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وهذا مما يفعله ولي الأمر في مثل هذه الأحوال قبْل عثمان وبعده، وكم فعل عمر مثل ذلك بأمثال عمار، ومَن هم خير مِن عمار بما له مِن حق الولاية على المسلمين، ولما نظم السبئيون حركة الإشاعات وصاروا يرسلون الكتب مِن كل مِصر إلى الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة، فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالاً ممن يثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال؛ تناسى عثمان ما كان مِن عمار، وأرسله إلى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حالها" (العواصم مِن القواصم تحقيق محب الدين الخطيب).

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وأما قوله: "إنه لما حَكَمَ ضرب ابن مسعود حتى مات"؛ فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لما وليَ أقر ابن مسعود على ما كان عليه مِن الكوفة إلى أن جرى مِن ابن مسعود ما جرى، وما مات ابن مسعود مِن ضرب عثمان أصلاً. وفي الجملة: فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارًا فهذا لا يقدح في أحدٍ منهم؛ فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم مِن أكابر أولياء الله المتقين، وإن ولي الله قد يصدر عنه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزير؟! وقد ضرب عمر بن الخطاب أبيَّ بن كعب بالدرة لما رأى الناس يمشون خلفه، وقال: "هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع"؛ فإن كان عثمان أدَّب هؤلاء: فإما أن يكون عثمان مصيبًا في تعزيرهم لاستحقاقهم ذلك، ويكون ذلك الذي عُزروا عليه تابوا منه، وكُفر عنهم بالتعزير وغيره مِن المصائب أو بحسناتهم العظيمة أو بغير ذلك، وإما أن يقال كانوا مظلومين مطلقًا، فالقول في عثمان كالقول فيهم وزيادة؛ فإنه أفضل منهم، وأحق بالمغفرة والرحمة" (منهاج السُّنة).

بل ثبت أنه عندما بُويع عثمانُ -رضي الله عنه- بالخلافة قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "بايعنا خيرَنا ولم نألُ"، وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- واليًا لعثمان -رضي الله عنه- على بيت مال الكوفة، وكان والي الكوفة في ذلك الوقت سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، وقد حدث خلاف بينهما بسبب أن سعدًا -رضي الله عنه- استقرض مالاً مِن بيت المال، ولم يرده في الموعد المحدد، فحدث خلاف بينهما بسبب هذا الأمر، فاشتدا في الكلام واجتمع حولهما الناس فعزل عثمان -رضي الله عنه- سعدًا مِن ولاية الكوفة، وأقر على بيت المال عبد الله بن مسعود، وهذه القصة تدلنا على ورع كلا الصحابيين، وتدل على حاجة سعد إلى المال، وعدم وجود ما يكفيه وأنه لذلك اضطر إلى الاقتراض مِن بيت المال، كما تدل على اجتهاد عبد الله بن مسعود في حفظ أموال المسلمين، وإصراره على استرداد القرض من سعد والي الكوفة وحاكمها.

ولكن الخلاف الذي حدث بين عثمان وابن مسعود -رضي الله عنهما- وقع لما أراد عثمان -رضي الله عنه- جمع الناس على مصحفٍ واحد، واختار -رضي الله عنه- لهذا الأمر زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، وكان أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- قد اختاراه مِن قبْل لجمع القرآن في المرة الأولى؛ وذلك لأن زيدًا -رضي الله عنه- هو الذي حفظ العرضة الأخيرة للقرآن مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف نيطت به، وكان يود أيضًا لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى، فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يوده ابن مسعود في الحالتين، والقضية أنه كان لعبد الله بن مسعود مصحف يختلف في ترتيب السور عن مصحف زيد بن ثابت -رضي الله عنه-، ولهجة عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مِن هزيل، وليست مِن قريش.

وقد كان الأمر أن تكون كتابة المصحف على الاتفاق، وعند الاختلاف يُرجع إلى لهجة قريش؛ لأن القرآن نزل بلسانها، فلما علم عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن القرآن سيُجمع على قراءة زيد بن ثابت، وأن مصحفه سوف يحرق غضب غضبًا شديدًا وأراد أن يحتفظ بمصحفه، واجتمع كبار الصحابة مع عبد الله بن مسعود، وتحدثوا معه وحدثوه بأن هذا الأمر فيه الخير للمسلمين، فلما علم ذلك رجع عن رأيه.

وقد عقد ابن أبي داود -وهو أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني المتوفَّى 316هـ رحمه الله- في "كتاب المصاحف" بابًا بعنوان: "باب رضاء عبد الله بن مسعود بعد ذلك بجمع عثمان رضي الله عنه المصاحف"، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، ومحمد بن عثمان العجلي، قالا: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثني زهير، قال: حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فلفلة الجعفي قال: فزعتُ فيمن فزِع إلى عبدِ اللهِ يعني ابنَ مسعودٍ في المصاحفِ فدخلْنا عليه فقال رجلٌ من القومِ: إنا لم نأتِك زائرين، ولكنا جِئْنا حين راعَنا هذا الخبرُ قال: "إنَّ القرآنَ أُنزل على نبيِّكم مِن سبعةِ أبوابٍ على سبعةِ أحرُفٍ، وإنَّ الكتابَ الأوَّلَ كان ينزلُ مِن بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحدٍ" (أخرجه الطحاوي وأحمد، وقال الألباني: إسناده جيد).

وجاء في كتاب غاية النهاية في طبقات القراء للإمام ابن الجزري: "وكان الأعمش يجود حرف ابن مسعود، وكان ابن أبي ليلى يجود حرف علي، وكان أبو إسحاق يقرأ مِن هذا الحرف، ومِن هذا الحرف، وكان حمران يقرأ قراءة ابن مسعود ولا يخالف مصحف عثمان، يعتبر حروف معاني عبد الله ولا يخرج مِن موافقة مصحف عثمان، وهذا كان اختيار حمزة".

وقد ذكر الإمام الذهبي في السِّير ما نصه: "إِنَّمَا شَقَّ عَلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ لِكَوْنِ عُثْمَانَ مَا قَدَّمَهُ عَلَى كِتَابَةِ المُصْحَفِ، وَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ وَلَدَهُ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْهُ عُثْمَانُ لِغَيْبَتِهِ عَنْهُ بِالكُوْفَةِ؛ وَلأَنَّ زَيْدًا كَانَ يَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُوْلِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَهُوَ إِمَامٌ فِي الرَّسْمِ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ فَإِمَامٌ فِي الأَدَاءِ، ثُمَّ إِنَّ زَيْداً هُوَ الَّذِي نَدَبَهُ الصِّدِّيْقُ لِكِتَابَةِ المُصْحَفِ وَجَمْعِ القُرْآنِ؛ فَهَلاَّ عَتَبَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ? وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ وَتَابَعَ عُثْمَانَ وَلِلَّهِ الحَمْدُ، وَفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ أَشْيَاءُ أَظُنُّهَا نُسِخَتْ، وَأَمَّا زَيْدٌ فَكَانَ أَحْدَثَ القَوْمِ بِالعَرْضَةِ الأَخِيْرَةِ الَّتِي عَرَضَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَام تُوفِّيَ عَلَى جِبْرِيْلَ".

وقال الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: "وهذا مشهور عند كثير مِن القراء والفقهاء، وأن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع إلى قول الجماعة، فإن الصحابة أثبتوها في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق، ولله الحمد والمنة".

وقال في مقدمته أيضًا: "وهذا أيضًا مِن أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة، وإنما روي عن عبد الله بن مسعود شيء مِن التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف، وأمر أصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرقه ما عدا المصحف الإمام، ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق".

ومِن المعلوم أن ابن مسعود وافق عثمان وتابعه فيما دون ذلك عندما أتم الصلاة خلفه، وعلل ذلك: أن الخلاف شر؛ فما بالك في الاختلاف في القرآن؟! فإنه سيكون أكثر ضررًا، وأعظم خطرًا، وأشد فتكًا بجماعة المسلمين.

وفي النهاية: فإن عثمان -رضي الله عنه- على حق في هذا، وهو يعلم -كما يعلم سائر الصحابة- مكانة ابن مسعود -رضي الله عنه- وعلمه، وصدق إيمانه، ثم إن عثمان كان على حق أيضًا في حرق المصاحف الأخرى كلها "ومنها: مصحف ابن مسعود"؛ لأن توحيد كتابة المصحف هو مِن أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة، وكان جمهور الصحابة في كل ذلك مع عثمان على ابن مسعود، وعلى كل حال فإن عثمان لم يضرب ابن مسعود ولم يمنعه عطاءه، وبقي يَعرف له قدره كما بقي ابن مسعود على طاعته لإمامه الذي بايع له، وهو يعتقد أنه خير المسلمين وقت البيعة.

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.


- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.

- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-06-2020, 05:33 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (2)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق مقدمة بمثابة الديباجة والتمهيد لحديثنا حول بعض الثورات التي حدثت في التاريخ الإسلامي، وذكرنا نبذة حول أهمية دراسة التاريخ، ثم تحدثنا عن فتنة مقتل أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، وما هي التهم التي ذكرها المجرمون الذين خرجوا عليه وقتلوه، وما هو الرد على هذه التٌهم والشبهات، وكانت التهمة التي ذكرناها هي: "ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه، ولابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه"، وقد انتهينا مِن الرد على هذه التهمة في المقال السابق.
- وممن أنكروه على عثمان -رضي الله عنه- أنهم قالوا عنه: "ابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف":
قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وأما جمع القرآن، فتلك حسنته العظمى، وخصْلتُه الكبرى، وإن كان وَجدها كاملة، لكنه أظهرها وردَّ الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها، وكان نفوذُ وعد الله بحفظ القرآن على يديه، وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: "أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ. فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنِ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلم يزل عمر يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لذَلِك، وَرَأَيْت الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زَيْدٌ" قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جِمْعِ الْقُرْآن، قَالَ: قُلْتُ كَيفَ تَفْعَلُونَ شَيْئا لم يَفْعَله النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَصُدُورِ الرِّجَال حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَة التَّوْبَة آيَتَيْنِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) (التوبة:128)، حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ. فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاته ثمَّ عِنْد حَفْصَة".
ثم لما قدِم حُذيفة بن اليمان على عثمان وكان يُغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذْرِبَيجان مع أهل العراق، حدثه حذيفة عن اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة -رضي الله عنه- لعثمان -رضي الله عنه-: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبْل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى: فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القُرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا.
حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمانُ الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أُفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه مِن القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يُحرق.
وقد سلـَّم الصحابة كلهم بذلك: إلا ما روي عن ابن مسعود آنفًا، وبهذا حقق الله وعده في قوله -سبحانه-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، وقد تولى الخلافة بعد هؤلاء الشيوخ الثلاثة أمير المؤمنين عليُّ -رضي الله عنه-؛ فأمضى عملهم وأقر مصحف عثمان برسومه وتلاوته في جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به أبو بكر وعمر وعثمان هو أعظم حسناتهم، وبهذا يتبين لكل ذي لب أن ما فعله أمير المؤمنين عثمان مِن جمعه للمصحف يُعد مِن أعظم حسناته، وأن كل مَن عدَّ ذلك جرمًا ومنكرًا؛ قد انتكس عقله وظهر حقده، وبانت سريرته.
ومِن التهم التي رموه بها أيضًا أنه: "حَمى الحِمَى":
والحمى موضعًا يعينه الحاكم، ويخصصه لرعي مواشي الزكاة وغيرها مما يرجع ملكه إلى بيت مال المسلمين، ويمنع عامة الناس مِن الرعي فيه، ومعنى ذلك أن عثمان -رضي الله عنه- خصص مساحة معينة مِن الأرض لبعض الإبل لترعى فيها دون غيرها مِن الإبل، قالوا: إنه ابتدع في هذا الأمر، وقالوا: إنه كان يجعلها لإبله وخيله!
والرد على هذه التهمة الباطلة: أن الحمى كان موجودًا في الجاهلية قبْل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان السيد يدخل الأرض التي يريد أن يجعلها حِمَى لإبله، ومعه كلب يعوي، ويكون حدود حماه على امتداد عواء كلبه، وتكون تلك المنطقة مِن الأرض خاصة به لا تستطيع أي إبل غير إبله أن ترعى فيها، وهذا هو الحمى، فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألغى هذا الأمر كله، إلا لإبل الصدقة فقط، فعن الصعب بن جثامة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا حِمَى إِلا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ) (أخرجه البخاري).
وعن نافع عن ابن عمر: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَمَى النَّقِيعَ لِلْخَيْلِ. قَالَ حَمَّادٌ بنُ خَالِدٍ -راوي هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري-: فَقُلْتُ لَهُ: لِخَيْلِهِ؟ قَالَ: لا، لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ" (أخرجه أحمد). أي المرصودة للجهاد، أو ما يملكه بيت المال. والنقيع هذا في المدينة على عشرين فرسخًا منها، ومساحته ميل في ثمانية أميال كما في موطأ مالك.
وقد فعل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- مثل فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحِمَى، ولما جاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- زاد في هذه المساحة، وضم إليها أماكن كثيرة؛ وذلك لكثرة الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وكثرة إبل الجهاد؛ فكان لا بد مِن التوسعة؛ فاتسع الحِمَى فشمل (سرف) و(الربذة)، وكان لعمر عامل على الحمى هو مولى له يدعى "هنيًّا" كما في صحيح البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ -رضي الله عنه- اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الحِمَى، فَقَالَ: يَا هُنَيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ المُسْلِمِينَ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ -صاحب الإبل القليلة- وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ -صاحب الغنم القليلة-، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ، وَرَبَّ الغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا، يَأْتِنِي بِبَنِيهِ".
ولما كان عهد عثمان -رضي الله عنه- اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وكثرت الخيرات عند المسلمين، وكثرت الإبل، فاتسعت منطقة الحمى إلى أكبر مما كانت عليه، فالذي أجازه النبي -صلى الله عليه وسلم- لسوائم بيت المال، ومضى على مثله أبو بكر وعمر، يجوز مثله لبيت المال في زمن عثمان -رضي الله عنه-، ويكون الاعتراض عليه اعتراضًا على أمر داخل في التشريع الإسلامي.
ولما أجاب عثمان -رضي الله عنه- على مسألة الحمى عندما دافع عن نفسه على ملأ مِن الصحابة أعلن أن الذين يلون له الحمى اقتصروا فيه على صدقات المسلمين يحمونها؛ لئلا يكون بيْن مَن يليها وبيْن أحد تنازع، وذكر عن نفسه أنه قبْل أن يلي الخلافة كان أكثر العرب بعيرًا وشاء، ثم أمسى وليس له غير بعيرين لحجه، وسأل مَن يعرف ذلك مِن الصحابة: "أكذلك؟" قالوا: "اللهم نعم".

ثم إن خير عثمان -رضي الله عنه- سابق على المسلمين منذ أسلم حتى استشهد -رضي الله عنه وأرضاه-؛ فظهر جليًّا أن هذه تهمة منكرة؛ ألقى بها أصحاب النفوس المريضة، والعقول المنكوسة.
ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- البداية والنهاية لابن كثير.
- تاريخ الرسل والملوك للطبري.
- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.
- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.
- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-06-2020, 05:20 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (3)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما زلنا في ذكر التُهم والشُبهات التي ذكرها المجرمون الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-.
ومِن هذه التهم الباطلة:
أن عثمان -رضي الله عنه- نفى أبا ذر -رضي الله عنه- إلى الرَّبذة -وهي قرية تقع في شرق المدينة المنورة، وتبعد عنها قرابة 170كم-، وهذا أيضًا مِن الأكاذيب والأباطيل، والصحيح أن أبا ذر -رضي الله عنه- هو الذي طلب ذلك مِن عثمان -رضي الله عنه-.

- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ نَفَى أَبَا ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ وَضَرَبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا، مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ فِي حَقِّهِ: (مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، وَلا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
فَالْجَوَابُ: أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَكَنَ الرَّبَذَةَ وَمَاتَ بِهَا لِسَبَبِ مَا كَانَ يَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّ أَبَا ذَرٍّ -رضي الله عنه- كَانَ رَجُلاً صَالِحًا زَاهِدًا، وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الزُّهْدَ وَاجِبٌ، وَأَنَّ مَا أَمْسَكَهُ الإِنْسَانُ فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ فَهُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ فِي النَّارِ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا لا حُجَّةَ فِيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، احْتَجَّ بِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التَّوْبَةِ:34)، وَجَعَلَ الْكَنْزَ مَا يَفْضُلُ عَنِ الْحَاجَةِ، وَاحْتَجَّ بِمَا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا يَمْضِي عَلَيْهِ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إِلا دِينَارًا أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ) (متفق عليه)، وَأَنَّهُ قَالَ: (الأَكْثَرُونَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا) (متفق عليه).
وَلَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَخَلَّفَ مَالاً، جَعَلَ أَبُو ذَرٍّ ذَلِكَ مِنَ الْكَنْزِ الَّذِي يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَقَدْ وَافَقَ أَبَا ذَرٍّ عَلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ النُّسَّاكِ، وقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَة، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ)(1) (متفق عليه)، فَنَفَى الْوُجُوبَ فِيمَا دُونَ الْمِائَتَيْنِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ كَوْنَ صَاحِبِهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا أَمْ لا؟ وَقَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ: الْكَنْزُ هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ حُقُوقُهُ، وَكَانَ أَبُو ذَرٌّ يُرِيدُ أَنْ يُوجِبَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ يُوجِبِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَيَذُمُّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يَذُمُّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِي ذَلِكَ، مُثَابٌ عَلَى طَاعَتِهِ -رضي الله عنه- كَسَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَمْثَالِهِ.
وكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- يُقَوِّمُ رَعِيَّتَهُ تَقْوِيمًا تَامًّا، فَلا يَعْتَدِي لا الأَغْنِيَاءُ وَلا الْفُقَرَاءُ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلافَةِ عُثْمَانَ تَوَسَّعَ الأَغْنِيَاءُ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى زَادَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ الْمُبَاحِ فِي الْمِقْدَارِ وَالنَّوْعِ، وَتَوَسَّعَ أَبُو ذَرٍّ فِي الإِنْكَارِ حَتَّى نَهَاهُمْ عَنِ الْمُبَاحَاتِ، وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ الْفِتَنِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَكَانَ اعْتِزَالُ أَبِي ذَرٍّ لِهَذَا السَّبَبِ، وَلَمْ يَكُنْ لِعُثْمَانَ مَعَ أَبِي ذَرٍّ غَرَضٌ مِنَ الأَغْرَاضِ" (منهاج السنة بتصرف).
- وقال ابن العربي -رحمه لله-: "كان أبو ذر زاهدًا، وكان يقرّع عمال عثمان، ويتلو عليهم: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة:34)، ويراهم يتسعون في المراكب والملابس حين وجدوا؛ فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك مِن بيْن أيديهم، وهو غير لازم.
قال ابن عمر وغيره مِن الصحابة: إن ما أديت زكاته فليس بكنز، فوقع بيْن أبي ذر ومعاوية كلام بالشام، وكان أبو ذر يطلق مِن الكلام ما لم يكن يقوله في زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي مِن العامة أن تثور منهم فتنة، فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد وأمور لا يحتملها الناس كلهم، وإنما هي مخصوصة ببعضهم، فكتب إليه عثمان أن يَقدم المدينة، فخرج إلى المدينة، فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطرق، فقال له عثمان: "لو اعتزلتَ". معناه: إنك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطـًا وللعزلة مثلها، ومَن كان على طريقة أبي ذرّ فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلِّم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة، فخرج إلى الربذة زاهدًا فاضلاً" (بتصرف مِن العواصم مِن القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-).
- وقال الشيخ محب الدين الخطيب -رحمه الله- معلقًا: "وإنما اختار أبو ذر -رضي الله عنه- أن يعتزل في الربذة، فوافقه عثمان على ذلك كما صح في حديث عبد الله بن الصامت، قال: قَدِمَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ مِنَ الشَّامِ, فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! افْتَحِ الْبَابَ حَتَّى يَدْخُلَ النَّاسُ؛ أتحسِبُني من قوم يقرأون الْقُرْآنَ لا يُجاوز حَنَاجِرَهُمْ, يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوق السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ, ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ؛ هُمْ شرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْعُدَ؛ لَمَا قُمْتُ, وَلَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَكُونَ قَائِمًا؛ لقُمْتُ مَا أَمْكَنَتْنِي رِجْلايَ, وَلَوْ رَبَطْتَنِي عَلَى بَعِيرٍ لَمْ أُطْلِقْ نَفْسِي حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ الَّذِي تُطْلِقُني! ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّبذة, فأَذِنَ لَهُ, فَأَتَاهَا؛ فَإِذَا عَبْدٌ يَؤُمَّهُمْ, فَقَالُوا: أَبُو ذرٍّ! فَنَكَصَ الْعَبْدُ, فَقِيلَ لَهُ: تقدَّم, فَقَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِثَلاثٍ: (أَنْ أَسْمَعَ وأُطيع وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ مُجَدَّعِ الأَطْرَافِ... ) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني).
وقد ذكر ابن خلدون -رحمه الله- في العِبَر أن أبا ذر استأذن عثمان -رضي الله عنه- في الخروج مِن المدينة، وقال إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرني أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعًا؛ فأذن له، ونزل الربذة وبنى بها مسجدًا، وأقطعه عثمان صرمة مِن الإبل وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه رزقًا، وكان يتعاهد المدينة، فعدَّ أولئك الرهط خروج أبي ذر فيما ينقمونه على عثمان -رضي الله عنه-.
وذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في البداية والنهاية عند كلامه عن خلافة عثمان -رضي الله عنه- ما نصه: "ثم لما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نزل الربذة فأقام بها حتى مات في ذي الحجة مِن هذه السَّنة، وليس عنده سوى امرأته وأولاده، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود مِن العراق في جماعة مِن أصحابه، فحضروا موته، وأوصاهم كيف يفعلون به، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة مِن غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله" اهـ.
وبهذا يتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه تهمة باطلة ولم تثبت.
ومِن التهم الباطلة أيضًا: أن عثمان -رضي الله عنه- أخرج أبا الدرداء -رضي الله عنه- مِن الشام.
قالوا: ووقع بيْن أبي الدرداء ومعاوية كلام، وكان أبو الدرداء زاهدًا فاضلاً قاضيًا لهم في دمشق، فلما اشتد في الحق، وأخرج طريقة عمر في قوم لم يحتملوها؛ عزلوه فخرج إلى المدينة.
والجواب:
قال ابن العربي -رحمه الله-: "وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد مِن المسلمين بحال، وأبو الدرداء وأبو ذر بريئان من عاب، وعثمان بريء أعظم براءة وأكثر نزاهة؛ فمن روى أنه نفى، وروى سببًا فهو كله باطل" اهـ.
وقال الشيخ محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "بل إن معاوية نفسه حاول السير على طريقة عمر، كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عن الزهري: أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه ثم إنه بعُد عن ذلك".
ثم قال الشيخ محب الدين معلقـًا: "وقد يظن مَن لا نظر له في حياة الشعوب وسياستها أن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون حيثما يكون، وهذا خطأ؛ فللبيئة مِن التأثير في الحاكم، وفي نظام الحكم أكثر مما للحاكم ونظام الحكم مِن التأثير على البيئة، وهذا مِن معاني قول الله -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)".
قلتُ: وقد ذكر أصحاب السير أن أبا الدرداء -رضي الله عنه- تُوفي بدمشق سنة إحدى وثلاثين، وقيل: اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان -رضي الله عنه-.
ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسق: مكيال للحبوب، ويقدر بستين صاعًا. (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ): أي ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة. (وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ): أي ليس في أقل مِن مائتي درهم صدقة.

المراجع:
- البداية والنهاية لابن كثير.
- تاريخ الرسل والملوك للطبري.
- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.
- منهاج السُّنة لابن تيمية.
- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.
- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 18-06-2020, 04:28 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد


صفحات مِن ذاكرة التاريخ (4)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


فما زلنا في ذكر التهم والشبهات التي ذكرها المجرمون الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، وتحليليها والرد عليها.

ومِن هذه التهم الباطلة: أنه رد الحَكَم بن أبي العاص بن أمية بعد أن نفاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قالوا: وَطَرَدَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ عَمَّ عُثْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ مَرْوَانُ، فَلَمْ يَزَلْ طَرِيدًا هُوَ وَابْنُهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ آوَاهُ وَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَعَلَ مَرْوَانَ كَاتِبَهُ وَصَاحِبَ تَدْبِيرِهِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- قَالَ: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ) (المجادلة:22).

وقصة النفي هذه لم تثبت بسند صحيح، وعلى فرض ثبوتها فهي لا تقدح في عثمان -رضي الله عنه- ولا تعد مأخذًا عليه.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ كَانَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَكَانُوا أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَمَرْوَانُ ابْنُهُ كَانَ صَغِيرًا إِذْ ذَاكَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَقْرَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عُمْرُهُ حِينَ الْفَتْحِ سِنَّ التَّمْيِيزِ: إِمَّا سَبْعُ سِنِينَ، أَوْ أَكْثَرُ بِقَلِيلٍ، أَوْ أَقَلُّ بِقَلِيلٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِمَرْوَانَ ذَنْبٌ يُطْرَدُ عَلَيْهِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَمْ تَكُنِ الطُّلَقَاءُ تَسْكُنُ بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

فَإِنْ كَانَ قَدْ طَرَدَهُ، فَإِنَّمَا طَرَدَهُ مِنْ مَكَّةَ لا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ طَرَدَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ لَكَانَ يُرْسِلُهُ إِلَى مَكَّةَ، وَقَدْ طَعَنَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي نَفْيِهِ، وَقَالُوا: هُوَ ذَهَبَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقِصَّةُ نَفْيِ الْحَكَمِ لَيْسَتْ فِي الصِّحَاحِ، وَلا لَهَا إِسْنَادٌ يُعْرَفُ بِهِ أَمْرُهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَرْوِي أَنَّهُ حَاكَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مِشْيَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ نَفَاهُ إِلَى الطَّائِفِ.وَالطُّلَقَاءُ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هَاجَرَ، وَالطَّرْدُ هُوَ النَّفْيُ، وَالنَّفْيُ قَدْ جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي الزَّانِي وَفِي الْمُخَنَّثِينَ، وَكَانُوا يُعَزَّرُونَ بِالنَّفْيِ.

وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ عَزَّرَ رَجُلاً بِالنَّفْيِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَبْقَى مَنْفِيًّا طُولَ الزَّمَانِ، فَإِنَّ هَذَا لا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ بِذَنْبٍ يَبْقَى صَاحِبُهُ مَنْفِيًّا دَائِمًا، بَلْ غَايَةُ النَّفْيِ الْمُقَدَّرِ سَنَةً، وَهُوَ نَفْيُ الزَّانِي وَالْمُخَنَّثِ حَتَّى يَتُوبَ مِنَ التَّخْنِيثِ، فَإِنْ كَانَ تَعْزِيرُ الْحَاكِمِ لِذَنْبٍ حَتَّى يَتُوبَ مِنْهُ، فَإِذَا تَابَ سَقَطَتِ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ فَهُوَ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ لَمْ يُقَدَّرْ فِيهِ قَدْرٌ، وَلَمْ يُوَقَّتْ فِيهِ وَقْتٌ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالنَّفْيُ كَانَ فِي آخِرِ الْهِجْرَةِ، فَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ طَالَتْ مُدَّتُهُ، وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ شَفَعَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَ كَاتِبًا لِلْوَحْيِ، وَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلامِ، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ فِيمَنْ أَهْدَرَ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ فَقَبِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَفَاعَتَهُ فِيهِ وَبَايَعَهُ، فَكَيْفَ لا يَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ فِي الْحَكَمِ؟!

وَقَدْ رَوَوْا أَنَّ عُثْمَانَ سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَرُدَّهُ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ذَنْبَهُ دُونَ ذَنْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَقِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ مَعْرُوفَةٌ بِالإِسْنَادِ الثَّابِتِ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْحَكَمِ فَعَامَّةُ مَنْ ذَكَرَهَا إِنَّمَا ذَكَرَهَا مُرْسَلَةً، وَالْمَعْلُومُ مِنْ فَضَائِلِ عُثْمَانَ، وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ، وَثَنَائِهِ عَلَيْهِ، وَتَخْصِيصِهِ بِابْنَتَيْهِ، وَشَهَادَتِهِ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَإِرْسَالِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَمُبَايَعَتِهِ لَهُ عَنْهُ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَتَقْدِيمِ الصَّحَابَةِ لَهُ بِاخْتِيَارِهِمْ فِي الْخِلافَةِ، وَشَهَادَةِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ لَهُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَاتَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ بِأَنَّهُ مِنْ كِبَارِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، فَلا يُدْفَعُ هَذَا بِنَقْلٍ لا يَثْبُتُ إِسْنَادُهُ، وَلا يُعْرَفُ كَيْفَ وَقَعَ، وَيُجْعَلُ لِعُثْمَانَ ذَنْبٌ بِأَمْرٍ لا يُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ، بَلْ مِثْلُ هَذَا مِثْلُ الَّذِينَ يُعَارِضُونَ الْمُحْكَمَ بِالْمُتَشَابِهِ، وَهَذَا مِنْ فِعْلِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْفِتْنَةَ.

وَبِالْجُمْلَةِ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ يَأْمُرُ بِنَفْيِ أَحَدٍ دَائِمًا ثُمَّ يَرُدُّهُ عُثْمَانُ مَعْصِيَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلا يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى مِثْلِ هَذَا، بَلْ هَذَا مِمَّا يَدْخُلُهُ الاجْتِهَادُ، فَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- لَمْ يَرُدَّاهُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَطَلَبَهُ مِنْ عُثْمَانَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، أَوْ لَعَلَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمَا تَوْبَتُهُ، وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ، وَغَايَةُ مَا يُقَدَّرُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خَطَأً مِنَ الاجْتِهَادِ أَوْ ذَنْبًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلامُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا اسْتِكْتَابُهُ مَرْوَانَ، فَمَرْوَانُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ ذَنْبٌ، لأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ الْقَلَمُ، وَمَاتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَرْوَانُ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَكَانَ مُسْلِمًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ الْفِتْنَةِ مَعْرُوفًا بِشَيْءٍ يُعَابُ بِهِ، فَلا ذَنْبَ لِعُثْمَانَ فِي اسْتِكْتَابِهِ" (بتصرف مِن منهاج السنة).

فهذا فيما يتعلق بالحكم بن أبي العاص وقصة نفيه، وعذر عثمان -رضي الله عنه- في رده إلى المدينة على تقدير ثبوت القصة.

ومِن المآخذ التي ذكروها أيضًا: أنه أبطل سُنة القصر في الصلوات في السفر!

وكان ذلك في مِنى في موسم الحج سنة 29هـ، وقد ذكر الطبري أن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- عاتب عثمان في إتمامه الصلاة وهم في منى، فاعتذر له عثمان بأن بعض مَن حج مِن أهل اليمن وجفاة الناس قالوا في العام الماضي: إن الصلاة للمقيم ركعتان، وهذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين: ثم قال عثمان لعبد الرحمن بن عوف: وقد اتخذتُ بمكة أهلاً "أي أنه صار في حكم المقيم، لا المسافر"، فرأيتُ أن أصلي أربعًا لخوف ما أخاف على الناس، ثم خرج عبد الرحمن بن عوف مِن عند عثمان؛ فلقي عبد الله بن مسعود وخاطبه في ذلك فقال ابن مسعود: "الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعًا فصليت بأصحابي أربعًا". فقال عبد الرحمن بن عوف: "قد بلغني أنه صلى أربعًا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول". يعني: نصلي معه أربعًا.

قال ابن العربي -رحمه الله-: "وأما ترك القصر فاجتهاد، إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السُّنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فتركها خوف الذريعة مع أن جماعة مِن العلماء قالوا: إن المسافر مخير بيْن القصر والإتمام، واختلف في ذلك الصحابة".

إذن القضية هنا قضية اجتهاد، فقد اجتهد عثمان -رضي الله عنه- في هذا الأمر، وإن كان الأولى هو القصر في السفر، كما ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يتم صلاة قط في سفر، إلا أن الأمر كان موضع اجتهاد، ووافقه الصحابة لتجنب الخلاف، ولو كان حرامًا لما وافقه الصحابة -رضي الله عنهم- جميعًا.

فإن كان عثمان -رضي الله عنه- قد أخطأ في اجتهاده هذا؛ فله أجر واحد، وإن كان أصاب فله أجران، وقد كان لعثمان -رضي الله عنه- تأويلات يستند إليها في رأيه كزواجه، وافتتان الناس بالقصر، وهذا الأمر لا يُحل دمه -رضي الله عنه- بأي حال مِن الأحوال، قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "لو كان فرض المسافر ركعتين لما أتم عثمان، ولا عائشة، ولا ابن مسعود، ولم يجز أن يتمها مسافر مع مقيم".

وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَكَانَ لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-" (متفق عليه). يعني في أول خلافة عثمان؛ وإلا فعثمان -رضي الله عنه- كان يتم في آخر خلافته، وما كان ذلك إلا لعلة رآها -رضي الله عنه-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.

- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-06-2020, 12:56 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (5)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنستكمل المآخذ التي وُجهت إلى أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبيِّن الرد عليها.

فمِن هذه المآخذ: أنه ولـَّى معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، وولى عبد الله بن عامر، وولى مروان بن الحكم، وهؤلاء مِن أقاربه.

إن شخصية معاوية -رضي الله عنه- قد نالها مِن الطعن والتشويه والافتراء والظلم الكثير، والطعن في الصحابة -رضي الله عنهم- طعن في الدين؛ لأن الدين أتانا عن طريقهم، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-.

وقد ذكرتْ بعض المصادر التاريخية الكثير مِن الروايات الضعيفة أو المكذوبة على معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-، أما عن ولاية معاوية فقد ولاه عمر -رضي الله عنه-، وجمع له الشامات كلها، وأقرّه عثمان، بل إنما ولاه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وجعله خليفة لأخيه يزيد بن أبي سفيان على الجيش الخارج لحرب الروم في الشام، وكان معاوية -رضي الله عنه- في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكتب له الوحي، فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يأتمنه على وحي السماء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والْجَوَابُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا وَلاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، لَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَلاهُ عُمَرُ مَكَانَ أَخِيهِ. وَاسْتَمَرَّ فِي وِلايَةِ عُثْمَانَ، وَزَادَهُ عُثْمَانُ فِي الْوِلايَةِ، وَكَانَتْ سِيرَةُ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَعِيَّتِهِ مِنْ خِيَارِ سِيَرِ الْوُلاةِ، وَكَانَتْ رَعِيَّتُهُ يُحِبُّونَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُم ْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُ مْ، وَتَلْعَنُونَهُ مْ وَيَلْعَنُونَكُ مْ) (رواه مسلم)، وَإِنَّمَا ظَهَرَ الإِحْدَاثُ مِنْ مُعَاوِيَةَ فِي الْفِتْنَةِ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ، وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ كَانْتِ الْفِتْنَةُ شَامِلَةً لأَكْثَرِ النَّاسِ، لَمْ يَخْتَصَّ بِهَا مُعَاوِيَةُ، بَلْ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَطْلَبَ لِلسَّلامَةِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَأَبْعَدَ عَنِ الشَّرِّ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ" (منهاج السنة).

وقد ورد الخبر بدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاوية -رضي الله عنه-، فعن عبد الرحمن بن أبي عُمَيْرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاوية: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقد ذكر ذلك عبد الرحمن بن أبي عميرة لما تولى معاوية -رضي الله عنه- أمر الناس وكانت نفوسهم لا تزال مشتعلة عليه؛ فقالوا: كيف يتولى معاوية وفي الناس مَن هو خير منه، مثل الحسن والحسين؟! فقال عبد الرحمن بن أبي عميرة: لا تذكروه إلا بخير، فذكره.

وروى الطبري مرفوعًا إلى عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "ما رأيتُ أحدًا أخلق للملك مِن معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رَحْب".

ويقول ابن تيمية -رحمه الله-: "فلم يكن مِن ملوك المسلمين ملك خيرًا مِن معاوية، إذا نُسِبَتْ أيامه إلى أيام مَن بعده، أما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل".

وكانت صلاته -رضي الله عنه- أشبه بصلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد روي عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال: "ما رأيت أشبه صلاة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن أميركم هذا -يعني معاوية-".

وكان -رضي الله عنه- فقيهًا يعتد الصحابة بفقهه واجتهاده؛ فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب المناقب عن أبي مليكة قال: "أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس؛ فأتى ابن عباس فأخبره، فقال: "دعه؛ فإنه قد صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وفي رواية أخرى قيل لابن عباس: "هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة"، قال: "أصاب، إنه فقيه".

وقد كان لمعاوية -رضي الله عنه- شرف قيادة أول حملة بحرية، وهي التي شبهها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالملوك على الأَسِرَّة؛ فقد روى البخاري في صحيحه مِن طريق أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان قالتْ: نَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَتَبَسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: (أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ هَذَا البَحْرَ الأَخْضَرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ) قَالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: (أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)، فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ، فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ. (متفق عليه).

قال ابن حجر -رحمه الله- معلـِّقـًا على رؤيا رسول الله -صلى الله عليه سلم-: "قوله: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً... يشعر بأن ضحكه كان إعجابًا بهم؛ فرحًا لما رأى لهم مِن المنزلة الرفيعة" (فتح الباري).

وعن أم حرام بنت ملحان -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا)، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: (أَنْتِ فِيهِمْ)، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ)، فَقُلْتُ: أَنَا فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لاَ) (رواه البخاري). (مَدِينَة قَيْصَرَ): أي القسطنطينية. (قَدْ أَوْجَبُوا): أي فعلوا فعلاً وجبتْ لهم به الجنة.

قال ابن حجر -رحمه لله-: "ومِن المتفق عليه بيْن المؤرخين أن غزو البحر وفتح جزيرة قبرص كان في سنة 27هـ في إمارة معاوية -رضي الله عنه- على الشام أثناء خلافة عثمان -رضي الله عنه-" (فتح الباري).

وكان معاوية -رضي الله عنه- أهلاً للإمارة والخلافة معًا، ومِن أجل هذه الأهلية ظلَّ أميرًا على الشام عشرين سنة، وخليفة للمسلمين ما يقرب مِن عشرين سنة؛ فلم يهجه أحد في دولته، بل دانت له الأمم، وحكم على العرب والعجم، وكان ملكه على الحرمين، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، وفارس، والجزيرة، واليمن، والمغرب، وغير ذلك.

وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال بعد رجوعه مِن صفين: "أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنكم لو فقدتموها رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل".

وقد حزن معاوية -رضي الله عنه- لمقتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حزنًا شديدًا؛ فيروى أنه عندما جاءه خبر قتله بكى بكاءً شديدًا، فقالت له امرأته: "أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس مِن الفضل والفقه والعلم!".

وذُكِر عمر بن عبد العزيز عند الأعمش فقال: "فكيف لو أدركتم معاوية؟! قالوا: في حلمه، قال: لا والله، في عدله".

وإليك شهادة الذهبي -رحمه الله- له حيث يقول: "وحَسْبُك بمن يؤمِّره عمر ثم عثمان على إقليم فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويُرضي الناس بسخائه وحلمه، فهذا الرجل ساد وساس العالم بكمال عقله وفَرْط حلمه وسعة نفسه، وقوه دهائه ورأيه" اهـ.

وما أكثر الفتوحات التي تمت في عهد عثمان بن عفان على يد معاوية -رضي الله عنهما-، ثم ما أكثر الفتوحات التي كانت في خلافته، فبعد أن أستقر الأمر لمعاوية بن أبي سفيان سنة 41هـ خليفة للمسلمين باشر في تطوير الأسطول البحري ليكون قادرًا على دك معاقل القسطنطينية عاصمة الروم ومبعث العدوان والخطر الدائم ضد المسلمين، وأنشأ أول دار صناعة للأساطيل لإنتاج السفن الحربية المختلفة بمصر سنة 54هـ.

يقول محب الدين الخطيب معلـِّقـًا على أثر ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ما رأيتُ رجلاً أخلق بالمُلك مِن معاوية": وهل يكون الرجل أخلق الناس بالملك إلا أن يكون عادلاً حكيمًا، يحسن الدفاع عن ملكه، ويستعين بالله في نشر دعوة الله في الممالك الأخرى، ويقوم بالأمانة في الأمة التي ائتمنه الله عليها؟! والذي يكون أخلق الناس بالملك هل يُلام عثمان على توليته؟ ويا عجبًا كيف يُلام عثمان على توليته، وقد ولاه مِن قبْله عمر، وتولى لأبي بكر مِن قبْل عمر، وتولى بعض عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبْل أن تصير الخلافة إلى أبي بكر وعمر وعثمان! إن المخ الذي يَعبث به الشيطان فيسول له مثل هذه الوساوس لا شك أنه مخ فاسد، يفسد على الناس عقولهم ومنطقهم قبْل أن يفسد عليهم دينهم وتاريخهم" اهـ.

وأما توليته لعبد الله بن عامر فهو مِن بني أمية مِن جهة الأب، ومِن بني هاشم مِن جهة الأم، فأم جدته الكبرى عمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن أم أبيه أروى بنت كريز أمها البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولما ولد عبد الله بن عامر بن قريظ أُتي به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال لأهله: "هَذَا أَشْبَهُ بِنَا مِنْهُ بِكُمْ"، ثم تفل في فيه فازدرده، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَسْقِيًّا" (دلائل النبوة للبيهقي)، فكان -رضي الله عنه- لا يعالج أرضًا إلا ظهر منها الماء، ذكره ابن حجر العسقلاني في الإصابة.

ويُعد عبد الله بن عامر مِن أشهر الفاتحين في الإسلام، فقد فتح خراسان كلها، وأطراف فارس، وسجستان، وأعاد فتح كرمان بعد نقضها للعهد، وكان هذا الجهاد سببًا في تقويض آمال المجوس في استعادة مُلكهم، ومِن ثَمَّ يكنّون له هذا الحقد العظيم في نفوسهم، وعندما انطلق الشيعة مِن تلك الأراضي أخذوا يطعنون فيمن قوضوا ملك فارس مِن أمثال المجاهد عبد الله بن عامر بن قريظ الذي فعل هذا، ولم يكن يبلغ مِن العمر سوى خمسة وعشرين سنة.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "هو أول مَن اتخذ الحياض بعرفة لحجاج بيت الله الحرام، وأجرى إليها الماء المعين" (البداية والنهاية).

وقال ابن تيمية -رحمه الله-: "إن له مِن الحسنات، والمحبة في قلوب الناس ما لا يُنكر" (منهاج السنة).

- وأما توليته مروان بن الحكم....

فمَن هو مروان بن الحكم؟

هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية، والحديث في صحيح البخاري عن مروان والمسور بن مخرمة، كما روى مروان عن عمر وعثمان، وكان كاتبَه -أي كان كاتب عثمان- وروى عن علي وزيد بن ثابت، وروى عنه ابنه عبد الملك وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين "زين العابدين"، ومجاهد، وغيرهم.

وكان مروان بن الحكم مِن سادات قريش وفضلائها، وقد قاتل مروان يوم الدار قتالاً شديدًا، وقَتَلَ بعض الخارجين على عثمان، وكان على الميسرة يوم الجمل، وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يكثر السؤال عن مروان حين انهزم الناس يوم الجمل، يَخشى عليه مِن القتل، فلما سُئِلَ عن ذلك قال: إنه يعطفني عليه رحم ماسة، وهو سيد مِن شباب قريش، وكان مروان -رضي الله عنه- قارئًا لكتاب الله، فقيهًا في دين الله، شديدًا في حدود الله، ومِن أجل ذلك ولاه معاوية المدينة غير مرة، والواقع أن مروان بن الحكم لم يُولَّ، وإنما كان عثمان -رضي الله عنه- يستشيره في كثير مِن الأمور، وكان يقربه إليه، ولم يولِّه إمارةً مِن الإمارات.

قال القاضي ابن العربي -رحمه الله-: "مروان رجل عدل مِن كبار الأمة عند الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين" (العواصم مِن القواصم).

وكان مروان جوادًا كريمًا، فقد روى المدائني عن إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد أن مروان أسلف علي بن الحسين -رضي الله عنهما- حين رجع إلى المدينة بعد مقتل الحسين -رضي الله عنه- ستة آلاف دينار، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع مِن علي بن الحسين شيئًا، فبعث إليه عبد الملك بذلك فامتنع مِن قبولها، فألح عليه فقبلها، وكان الحسن والحسين يصليان خلف مروان ولا يعيدان, وكان إذا وقعت معضلة أثناء ولايته على المدينة جمع مَن عنده مِن الصحابة فاستشارهم فيها, وهو الذي جمع الصيعان فأخذ بأعدلها, فنسب إليه فقيل صاع مروان, وكان ذا شهامةٍ وشجاعةٍ، ومكرٍ ودهاء.

وبعد وفاة معاوية بن يزيد اضطرب أمر بني أمية اضطرابًا شديدًا، وكادت دولتهم أن تذهب لولا أن تداركوا أمرهم فيما بينهم، وفي هذا التوقيت أخذ عبد الله بن الزبير البيعة لنفسه في مكة، وبدأت البيعة تأتيه مِن سائر الأقاليم حتى مِن بلاد الشام ذاتها مركز ثقل الأمويين، فقد انقسم أهلها إلى فريقين: فريق مال إلى ابن الزبير، والفريق الآخر ظل على ولائه للأمويين.

وكان مروان وبنوه في المدينة عند وفاة يزيد بن معاوية، ثم رحلوا إلى الشام، فلما وصلوها وجدوا الأمر مضطربًا والانقسامات على أشدها، مما جعل مروان يفكر في العودة إلى الحجاز ومبايعة ابن الزبير، فهناك روايات تذكر أن مروان بن الحكم كان قد عزم على مبايعة ابن الزبير لولا أن تدخل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير السكوني وغيرهما في آخر لحظة وأثنوه عن عزمه.

وفي النهاية نقول: إن عثمان -رضي الله عنه- لم يولِّ مروان كما يدَّعي الكذابون، وإنما كان عثمان -رضي الله عنه- يستشيره في كثير مِن الأمور، وكان يقربه إليه.

ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.


- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.

- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 03-07-2020, 02:51 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (6)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛



فنستكمل المآخذ التي وُجهت إلى أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبيِّن الرد عليها، وقد ذكرنا في المقال السابق أن مِن التهم التي وٌجهت إلى أمير المؤمنين عثمان أنه ولَّى معاوية بن أبي سفيان، وولّى عبد الله بن عامر، وولّى مروان بن الحكم، وهؤلاء مِن أقاربه، وهذا المقال تتمة لما ذكرناه في ردنا على هذه التهمة في المقال السابق.

لا شك أن بني أمية كانت مِن أكبر القبائل العربية آنذاك، وكان فيهم الكثير ممن يصلح للحكم والولاية، وكانوا مِن أشراف العرب، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوليهم في كثير مِن الأمور، فنجد أنه في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبعد أن فُتحت مكة ولّى عليها عتَّاب بن أسيد من بني أمية، بينما كان عمره لا يتجاوز العشرين سنة، فولّاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أفضل بقاع الأرض على مكة.


قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في مجموع الفتاوى وهو يتحدث عن الطلقاء: "بل ظهر منهم مِن حسن الإسلام وطاعة الله ورسوله، وحب الله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وحفظ حدود الله ما دلَّ على حسن إيمانهم الباطن وحسن إسلامهم، ومنهم مَن أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- واستعمله نائبًا له كما استعمل عتاب بن أسيد أميرًا على مكة نائبًا عنه، وكان مِن خيار المسلمين.

وقد استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا سفيان بن حرب -أبا معاوية- على نجران نائبًا له، وتوفي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو سفيان عامله على نجران، وكان معاوية أحسن إسلامًا مِن أبيه باتفاق أهل العلم، كما أن أخاه "يزيد بن أبي سفيان" كان أفضل منه ومِن أبيه؛ ولهذا استعمله أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- على قتال النصارى حين فتح الشام، وكان هو أحد الأمراء الذين استعملهم أبو بكر الصديق" اهـ.

وقال أيضًا في "منهاج السُّنة": "وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الشِّيعَةَ يُنْكِرُونَ عَلَى عُثْمَانَ مَا يَدَّعُونَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَبْلَغَ فِيهِ مِنْ عُثْمَانَ. فَيَقُولُونَ: إِنَّ عُثْمَانَ وَلَّى أَقَارِبَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَلِيًّا وَلَّى أَقَارِبَهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، كَعَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ ابْنَيِ الْعَبَّاسِ. فَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ. وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَقِيلَ: إِنَّهُ وَلَّى عَلَيْهَا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ. وَقِيلَ: ثُمَامَةَ بْنَ الْعَبَّاسِ. وَأَمَّا الْبَصْرَةُ فَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ. وَوَلَّى عَلَى مِصْرَ رَبِيبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي رَبَّاهُ فِي حِجْرِهِ.

ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامِيَّةَ تَدَّعِي أَنَّ عَلِيًّا نَصَّ عَلَى أَوْلَادِهِ فِي الْخِلَافَةِ، أَوْ عَلَى وَلَدِهِ، وَوَلَدِهِ عَلَى وَلَدِهِ الْآخَرِ، وَهَلُمَّ جَرًّا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ تَوْلِيَةُ الْأَقْرَبِينَ مُنْكَرًا، فَتَوْلِيَةُ الْخِلَافَةِ الْعُظْمَى أَعْظَمُ مِنْ إِمَارَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ، وَتَوْلِيَةُ الْأَوْلَادِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِنْكَارِ مِنْ تَوْلِيَةِ بَنِي الْعَمِّ" اهـ.

وقد ولَّى الرسول -صلى الله عليه وسلم- على صنعاء، واليمن، وصدقات بني مذحج خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وولّى على تيماء، وخيبر، وقُرى عرينة عثمان بن سعيد بن العاص الأموي، وولّى على البحرين إبان بن سعيد بن العاص، واستعملهم بعد ذلك أيضًا أبو بكر الصديق عمر -رضي الله عنهما-، وزاد عمر -رضي الله عنه- يزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان.

إذن لا يستطيع أحدٌ أن ينكِر منزلة بني أمية في التاريخ، فهم الذين ثبَّتوا دعائم الدولة الإسلامية، ونشروا الإسلام في بقاع كثيرة، ثم نطرح سؤالاً: هل كان معظم ولاة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- مِن أقاربه بالفعل؟!

والإجابة: لا؛ فلقد كانت المناصب العليا في عهد عثمان -رضي الله عنه-، وتحديدًا في الوقت الذي جاء فيه المجرمون المنافقون يطلبون عزله -رضي الله عنه- كانت هذه المناصب على هذا النحو التالي، كان على القضاء زيد بن ثابت الأنصاري، وكان على بيت المال عقبة بن عامر الجهني، وكان على إمارة الحج عبد الله بن عباس الهاشمي، وعلى الخراج جابر بن فلان المزني، وسماك الأنصاري، وعلى إمارة الحرب القعقاع بن عمرو التميمي، وعلى الشرطة عبد الله بن قنفذ من بني تيّم.

فهذه المناصب الستة العليا في الدولة لم يكن فيها أحدٌ مِن بني أمية.

أما ولاة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- على البلاد المختلفة، فكانوا على هذا النحو التالي: كان على اليمن: يعلى بن أمية التميمي، وكان على مكة: عبد الله بن عمرو الحضرمي. وعلى همذان: جرير بن عبد الله البجلي. وعلى الطائف: القاسم بن ربيعة الثقفي. وعلى الكوفة: أبو موسى الأشعري. وعلى البصرة: عبد الله بن عامر بن قريظ. وعلى مصر: عبد الله بن سعد بن أبي سرح. وعلى الشام: معاوية بن أبي سفيان. وعلى حمص: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي. وعلى قنسرين: حبيب بن مسلمة القرشي الهاشمي. وعلى الأردن: أبو الأعور السلمي. وعلى فلسطين: علقمة بن حكم الكنعاني. وعلى أذربيجان: الأشعث بن قيس الكندي. وعلى حلوان -في أرض فارس-: عتيبة بن النهاس العجلي. وعلى أصفهان في عمق فارس: السائب بن الأقرع الثقفي.

ولا نلحظ في كل هذه الولايات إلا اثنين فقط مِن أقارب عثمان -رضي الله عنهما-: عبد الله بن السائب بن قريظ، ومعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما-، ثم نقول: إن الولاية أمر يجتهد فيه أمير المؤمنين أو الخليفة حسب ما يرى، وحسب مَن يصلح أن يكون أهلاً للإمارة، سواء أكان قريبًا له، أو غير قريب، بل إن له أن يعزل الفاضل، ويولِّي المفضول إن رأى في ذلك مصلحة للمسلمين، أو دفع فتنة عنهم، كما فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما عزل سعد بن أبي وقاص، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وخال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والوحيد الذي افتداه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأبيه وأمه، وولّى بعده مَن هو أقل منه درجة عبد الله بن عبد الله بن عتبان، ثم زياد بن حنظلة، ثم عمار بن ياسر، ولم ينكر عليه أحد ذلك.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وَقَدْ وَلَّى عَلِيٌّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ قَاتِلَ الْحُسَيْنِ، وَوَلَّى الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، وَوَلَّى مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأَمْثَالَ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَ خَيْرًا مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ" اهـ.

ومِن التهم التي وُجهت إلى أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-: قالوا: أنه ولَّى الوليد بن عقبة وهو فاسق ليس مِن أهل الولاية.

قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وأما تولية الوليد بن عقبة فإن الناس -على فساد النيات- أسرعوا إلى السيئات قبْل الحسنات، فذكر الافترائيون أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به. قال عثمان: ما وليت الوليد؛ لأنه أخي -هو أخوه لأمه أروى بنت كريز-، وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتوأمة أبيه".

قال محب الدين الخطيب -رحمه الله- معلِّقًا على هذه التهمة: "قد يظن مَن لا يعرف صدر هذه الأمة أن أمير المؤمنين عثمان جاء بالوليد بن عقبة مِن عرض الطريق فولاه الكوفة، أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة الأنس بأحوال ذلك العصر وأهله فيعلمون أن دولة الإسلام الأولى في خلافة أبي بكر تلقفت هذا الشاب الماضي العزيمة الرضيّ الخلق الصادق الإيمان فاستعملت مواهبه في سبيل الله إلى أن توفي أبو بكر، وأول عمل له في خلافة أبي بكر أنه كان موضع السر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة 12هـ، ثم وجهه مددًا إلى قائده عياض بن غنم الفهري، وفي سنة 13هـ كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة، فكتب إلى عمرو بن العاص وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد، فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين، وسار الوليد بن عقبة قائدًا إلى شرق الأردن، ثم رأينا الوليد في سنة 15هـ أميرًا على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة يحمي ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا مِن خلفهم، فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ مسلمهم وكافرهم.

وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايته وقيادته على هذه الجهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية، فكان مع جهاده الحربي وعمله الإداري داعيًا إلى الله يستعمل جميع أساليب الحكمة والموعظة الحسنة لحمل نصارى إياد وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب، وهربت منه إياد إلى الأناضول وهو تحت حكم البيزنطيين، فحمل الوليدُ خليفته عمرَ على كتابة كتاب تهديد إلى قيصر القسطنطينية بأن يردهم إلى حدود الدولة الإسلامية، وحاولت تغلب أن تتمرد على الوليد في نشره الدعوة الإسلامية بين شبانها وأطفالها، فغضب غضبته المضرية المؤيدة بالإيمان الإسلامي، وقال فيهم كلمته المشهورة:

إذا ما عصبتُ الرأسَ مني بمشوذ فـغيّــكِ مـنـي تـغـلب ابـنــة وائــل

وبلغت هذه الكلمة عمر، فخاف أن يبطش قائده الشاب بنصارى تغلب فيفلت مِن يده زمامهم في الوقت الذي يحاربون فيه مع المسلمين حمية للعروبة، فكف عنهم يد الوليد ونحاه عن منطقتهم، وبهذا الماضي المجيد جاء الوليد في خلافة عثمان فتولى الكوفة له، وكان مِن خير ولاتها عدلاً ورفقًا وإحسانًا، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة" (انظر تاريخ الطبري).

وبهذا تبيَّن أنها تهمة باطلة كسابقها مِن التهم.

والله المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.

- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16-07-2020, 08:13 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (7)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا ونحن نتأمل حال الثورات عبْر مراحل التاريخ الإسلامي نعرض المآخذ التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبين الرد عليها.

ومِن هذه المآخذ:

- أنهم قالوا: إن عثمان -رضي الله عنه- أعطى مروان بن الحكم خمس إفريقية! وهذا لم يصح، والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده المشكور، ثم عاد فاسترده منه.

جاء في حوادث سنة 27 مِن تاريخ الطبري أن عثمان -رضي الله عنه- لما أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالزحف مِن مصر على تونس لفتحها قال له: "إن فتحَ الله عليك غدًا إفريقية؛ فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس مِن الغنيمة نفلاً". فخرج بجيشه حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في أرض إفريقية وفتحوها؛ سهلها وجبلها، وقسَّم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم، وأخذ خمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع وثيمة النصري. فشكا وفد ممن معه إلى عثمان ما أخذه عبد الله بن سعد، فقال لهم عثمان: أنا أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو رد. قالوا: إنا نسخطه. فأمر عثمان عبد الله بن سعد بأن يرده فرده. ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح إفريقية".

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وقد ثبت في السُّنة تنفيل أهل الغناء والبأس في الجهاد، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكافأة سلمة بن الأكوع في إغارة عبد الرحمن الفزاري على سرح النبي -صلى الله عليه وسلم-" اهـ.

- وقال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وقد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن إعطاءه لواحد جائز" اهـ.

إذن فهذا الأمر جائز شرعًا، وفعله مَن هو خير مِن عثمان -رضي الله عنه-؛ فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفعله أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، وفعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأقطعوا القطائع والأعطيات لبعض الناس، إما ترغيبًا لهم، وتأليفًا لقلوبهم، وإما جزاءً لهم على حسن البلاء، وقد ذكر أبو يوسف الكثير مِن هذه الأمثلة في كتابه "الخراج".

- وقالوا: كان عمر -رضي الله عنه- يضرب بالدرة، وضرب هو بالعصا.

والدرة: "عصا صغيرة يحملها السلطان يزع بها"، وهذه مِن المآخذ التي أخذوها على عثمان -رضي الله عنه-، وهذا الأمر ليس له أصل، ولا سند، ولا يصح فيه خبر واحد، ولو صح ذلك؛ فللإمام أن يؤدب ويعزر بما يراه مناسبًا للأحوال.

- وقالوا: إن عثمان علا على درجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد نزل عنها أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-.

- قال القاضي ابن العربي -رحمه الله- في العواصم مِن القواصم: "لا يصح لهذه الرواية إسناد، ولو صح إسنادها فلم ينكر عليه أحدٌ مِن الصحابة هذا الأمر، ولو كانوا أنكروه فلا يحل ذلك دمه بحال مِن الأحوال".

- وقال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "كان مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضيق المساحة في عصر النبوة، وخلافة أبي بكر، وكان مِن مناقب عثمان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما زاد عدد الصحابة أن اشترى مِن ماله مساحة مِن الأرض وسع بها المسجد النبوي، ثم وسعه أمير المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب، ثم ازداد عدد المصلين بازدياد عدد سكان المدينة وقاصديها؛ فوسعه أمير المؤمنين عثمان مرة أخرى، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجدد بناءه. فاتساع المسجد وازدياد غاشيته وبُعد أمكنة بعضهم عن منبر الخطابة يجوز أن يكون مِن ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه" اهـ. هذا إن صحت الرواية القائلة بأنه علا على الدرجة التي كان يقف عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي لا تصح -كما ذكرنا آنفًا-.

- قالوا: ولم يحضر بدرًا، وانهزم يوم أحد، وانهزم يوم حنين، وغاب عن بيعة الرضوان.

والرد على هذه التهم هو ما أخرجه البخاري مِن حديث عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ البَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلاَءِ القَوْمُ؟ فَقَالُوا: هَؤُلاَءِ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَسَهْمَهُ) وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِهِ اليُمْنَى: (هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ). فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: (هَذِهِ لِعُثْمَانَ) فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ".

- وفي تاريخ الطبري: "وقد بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- ببشرى النصر في بدر مع زيد بن حارثة إلى عثمان في المدينة، قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي كانت عند عثمان بن عفان، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلفني عليها مع عثمان" اهـ.

والذي حدث في بيعة الرضوان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبْل أن يبعث عثمان -رضي الله عنه- دعا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال عمر: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، ولكني أدلك على رجل هو أعز مني فيها: عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش.

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وحينئذٍ كان لعثمان الشرف المضاعف بأن يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نابت عن يده في عقد البيعة عنه؛ فبيعة الرضوان كانت انتصارًا لعثمان، وجميع الصحابة بايعوا بأيدي أنفسهم إلا عثمان -رضي الله عنه- فإن أشرف يد بالوجود نابت عن يده في إعطاء بيعته، ولو لم يكن لعثمان مِن الشرف في حياته كلها إلا هذا لكفاه" اهـ.

وأما عن يوم "حنين": فلم يبقَ إلا نفر يسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد عفا الله عنه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

- قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "فلا يحل ذكرُ ما أسقطه الله ورسوله والمؤمنون".

وأود أن أشير إلى خطورة نشر الأخبار الكاذبة والإشاعات المغرضة بيْن الناس، وخطورة ذلك على المجتمع؛ فنشر الأخبار الكاذبة واستقرارها في نفوس البعض وتصديقها بلا دليل ولا برهان يؤدي إلى وقوع البغضاء والكره؛ فالإعلام الذي كان في عهد أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- والذي كان يحركه السبئية وغيرهم مِن المنافقين نجح في تهييج مشاعر بعض أفراد المجتمع ضد أمير المؤمنين -رضي الله عنه- حتى وصل الأمر إلى صعوبة قبول الحق لو كان مع عثمان -رضي الله عنه-، جاء في صحيح البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ، قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، -أي ألصقه بالرغام وهو التراب وهو كناية عن الذل والإهانة- ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ، قَالَ: هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ، أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أي يشير بذلك إلى منزلته عند النبي -صلى الله عليه وسلم-"، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ". أي: اذهب مِن عندي واعمل في حقي ما تستطيعه وتقدر عليه؛ فإني لا أبالي بعد قولي بالحق.

فهذه التهم والمظالم والمناكير التي وقعت في نفوس بعض أفراد المجتمع واستقرت؛ كان لها أثر واضح في كراهية البعض لعثمان -رضي الله عنه- والخروج عليه وقتله؛ فوجب علينا أن نحذر مِن ذلك، وأن نحذر الناس.

والله المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.


- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 23-07-2020, 04:39 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد


صفحات مِن ذاكرة التاريخ (8)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا ونحن نتأمل حال الثورات عبْر مراحل التاريخ الإسلامي نعرض المآخذ التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبيِّن الرد عليها.

فمِن هذه المآخذ:

قالوا: ولم يَقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان "الذي أعطى السكين إلى أبي لؤلؤة، وحرضه على عمر حتى قتله".

فقد طٌعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على يد أبي لؤلؤة المجوسي، ثم قَتل أبو لؤلؤة نفسه بعدها، ولم يمت عمر -رضي الله عنه- في اليوم الذي طعن فيه، وقبْل موت عمر أتى عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وقال إنه رأى الهرمزان (وهو رجل فارسي)، يتناجى في السر مع أبي لؤلؤة المجوسي، فارتاب في أمرهما، فاقترب منهما، ثم هجم عليهما فجأة، فسقط منهما خنجر له رأسان، ثم ذهبوا فالتمسوا الخنجر الذي طعن به عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فوجدوه بنفس مواصفات الخنجر الذي ذكره عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فتيقن القوم أن الهرمزان مشارك لأبي لؤلؤة المجوسي في التخطيط لقتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فسمع بذلك عبيد الله بن عمر بن الخطاب، فأمسك -أي لم يتصرف- حتى مات عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فحمل سيفه وخرج، فقتل الهرمزان، فلما تولى عثمان بن عفان الخلافة نظر في القضية.

- يقول الطبري -رحمه الله-: "جلس عثمان في جانب المسجد ودعا عبيد الله، وكان محبوسًا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف مِن يده. فقال عثمان لجماعةٍ مِن المهاجرين والأنصار: أشيروا عليَّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق. فقال علي بن أبي طالب: أرى أن تقتله.

فقال بعض المهاجرين: قٌتل عمر أمس، ويٌقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي".

- قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وأما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان؛ فإن ذلك باطل، فإن كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في أوله، وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه، وكان قتل عبيد الله له وعثمان لم يلِ بعد، ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقـًّا؛ لما ثبت عنده مِن حال الهرمزان وفعله، وأيضًا فإن أحدًا لم يقم بطلبه" اهـ.

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السُّنة: "فالجواب الأول: أن عبيد الله كان متأولًا أن الهرمزان أعان على قتل أبيه، فكانت هذه شبهة مانعة مِن وجوب القصاص، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَعْصُومُ الدَّمِ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، لَكِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُتَأَوِّلًا يَعْتَقِدُ حِلَّ قَتْلِهِ لِشُبْهَةٍ ظَاهِرَةٍ، صَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْقَتْلَ عَنِ الْقَاتِلِ، كَمَا أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ لَمَّا قَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَعْصِمُهُ، عَزَّرَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْكَلَامِ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا، لَكِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ أُسَامَةُ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ الْقَتْلِ، فَشَكَّ فِي الْعَاصِمِ، وَإِذَا كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُتَأَوِّلًا يَعْتَقِدُ أَنَّ الْهُرْمُزَانَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ، صَارَتْ هَذِهِ شُبْهَةً يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهَا الْمُجْتَهِدُ مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّ مَسَائِلَ الْقِصَاصِ فِيهَا مَسَائِلٌ كَثِيرَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ".

وقد قال عبد الله بن عباس لما طعن عمر -وقال له عمر: كنت أنتَ وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة-: "إن شئت أن نقتلهم". فقال عمر: "كذبت، أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم؟!".

- قال ابن تيمية -رحمه الله-: "فهذا ابن عباس -وهو أفقه مِن عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير- يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقـًا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، اعتقد جواز مثل هذا، وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان مِن المفسدين في الأرض المحاربين فيجب قتله لذلك. ولو قُدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن كان القاتل متأولاً ويعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة؛ صار ذلك شبهة تدرأ عن القاتل -يعني عن عبيد الله بن عمر-.

وأما الجواب الثاني: فهو أن الْهُرْمُزَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَوْلِيَاءٌ يَطْلُبُونَ دَمَهُ، وَإِنَّمَا وَلِيُّهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ، وَمِثْلُ هَذَا إِذَا قَتَلَهُ قَاتِلٌ كَانَ لِلْإِمَامِ قَتْلُ قَاتِلِهِ؛ لِأَنَّهُ وَلَيُّهُ، وَكَانَ لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ؛ لِئَلَّا تَضِيعَ حُقُوقُ الْمُسْلِمِينَ" اهـ.

- وقال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وإلى هذا ذهب عثمان في اكتفائه بالدية واحتملها مِن ماله الخاص. ولو أن حادث مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -بجميع ظروفه- وقع مثله في أي بلد آخر مهما بلغ في ذروة الحضارة لما كان منهم مثل الذي كان مِن الصحابة في تسامحهم إلى حد المطالبة حتى بقتل ابن أمير المؤمنين المقتول بيد الغدر والنذالة والبغي الذميم".

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "وأما أول حكومة حكم عثمان فيها: فَقَضِيَّةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ غَدَا عَلَى ابْنَةِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ قَاتِلِ عُمَرَ فَقَتَلَهَا، وَضَرَبَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا يُقَالُ لَهُ جُفَيْنَةُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَضَرَبَ الْهُرْمُزَانَ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ تستر فقتله، وكان قد قيل إنهما مالآ أَبَا لُؤْلُؤَةَ عَلَى قَتْلِ عُمَرَ -فَاللَّهُ أَعْلَمُ-، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَرَ بِسَجْنِهِ لِيَحْكُمَ فِيهِ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ وَجَلَسَ لِلنَّاسِ كَانَ أَوَّلَ مَا تُحُوكِمَ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا مِنَ الْعَدْلِ تَرْكُهُ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ: أَيُقْتَلُ أَبُوهُ بِالْأَمْسِ وَيُقْتَلُ هُوَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ بَرَّأَكَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، قَضِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ فِي أَيَّامِكَ فَدَعْهَا عَنْكَ، فَوَدَى عُثْمَانُ -رضي الله عنه- أُولَئِكَ الْقَتْلَى مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ لَا وَارِثَ لَهُمْ إِلَّا بَيْتُ الْمَالِ، وَالْإِمَامُ يَرَى الْأَصْلَحَ فِي ذَلِكَ، وَخَلَّى سَبِيلَ عُبَيْدِ اللَّهِ" اهـ.

- وفي رواية عند الطبري عن شعيب، عن سيف، عن أبي منصور، قال: "سمعت القماذبان -هو ابن الهرمزان- يحدث عن قتل أبيه قال: فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه -أي مِن عبيد الله بن عمر بن الخطاب- ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك، وأنتَ أولى به منا؛ فاذهب فاقتله. فخرجتُ به وما في الأرض أحدٌ إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبوه. فتركته لله ولهم. فاحتملوني. فوالله ما بلغت المنزل إلا على رءوس الرجال وأكفهم!".

وبهذا يتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- لم يَترك عبيد الله بن عمر، ولم يغفل هذه القضية، وبهذا يتبين كذب مَن ادعى هذا الادعاء على ذي النورين -رضي الله عنه-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.


- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.


- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29-07-2020, 05:50 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد




صفحات مِن ذاكرة التاريخ (9)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا ونحن نتأمل حال الثورات عبْر مراحل التاريخ الإسلامي نعرض المآخذ التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبيِّن الرد عليها.

فمِن هذه المآخذ:

قالوا: وكتب مع عبده على جمله كتابًا إلى ابن أبي سرح في قتل مَن ذُكر فيه!

وهذا أيضًا مِن المناكير والأباطيل!

لقد ثار أهل الكوفة على سعيد بن العاص والي عثمان -رضي الله عنه- على الكوفة، فذهب سعيد بن العاص إلى عثمان -رضي الله عنه- وأخبره خبر القوم، فقال له عثمان: ماذا يريدون؟ هل خلعوا يدًا مِن طاعة؟ وهل خرجوا على الخليفة وأعلنوا عدم طاعتهم له؟ قال له سعيد: لا، لقد أظهروا أنهم لا يريدونني واليًا عليهم، ويريدون واليًا آخر مكاني. قال له عثمان: مَن يريدون واليًا؟ قال سعيد بن العاص: يريدون أبا موسى الأشعري. قال عثمان: قد عينا وأثبتنا أبا موسى واليًا عليهم، والله لن نجعل لأحدٍ عذرًا، ولن نترك لأحدٍ حجة، ولنصبرن عليهم كما هو مطلوب منا، حتى نعرف حقيقة ما يريدون. وكتب عثمان إلى أبي موسى بتعيينه واليًا على الكوفة.

قام أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- بتهدئة الأمور، ونهى الناس عن العصيان، وقال لهم: أيها الناس، لا تخرجوا في مثل هذه المخالفة، ولا تعودوا لمثل هذا العصيان؛ الزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة، اصبروا فكأنكم بأمير. فقالوا: فصلِّ بنا، قال: لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان، قالوا: على السمع والطاعة لعثمان.

وكتب عثمان بن عفان إلى الخارجين مِن أهل الكوفة كتابًا يبين فيه الحكمة مِن استجابته لطلبهم في عزل سعيد وتعيين أبي موسى بدله، وهي رسالة ذات دلالاتٍ هامة، وتبيِّن طريقة عثمان -رضي الله عنه- في مواجهة هذه الفتن، ومحاولته تأجيل اشتعالها ما استطاع، مع علمه اليقيني أنها قادمة، وأنه عاجز عن مواجهتها، فهذا ما علمه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال لهم عثمان في رسالته: "أما بعد، فقد أمَّرت عليكم مَن اخترتم، وأعفيتكم مِن سعيد، والله لأفرشن لكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، واسألوني كل ما أحببتم مما لا يُعصى الله فيه، فسأعطيه لكم، ولا شيئًا كرهتموه لا يُعصى الله فيه إلا استعفيتم منه، أنزل فيه عند ما أحببتم حتى لا يكون لكم عليَّ حجة"، وكتب بمثل ذلك في الأمصار -رضي الله عن أمير المؤمنين عثمان-، ما أصلحه، وأوسع صدره، وكم ظلمه السبئيون والخارجون والحاقدون، وكذبوا وافتروا عليه، ثم جاءت فرق المصريين، فقالوا لعثمان: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس بالسابعة، فقرأ حتى أتى هذه الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59).

فقالوا له: قف أرأيت ما حميت مِن الحمى؟ الله أذن لكَ أم على الله تفتري؟ فقال: نزلتْ في كذا وكذا؛ فأما الحمى، فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليتُ زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد مِن إبل الصدقة، ثم فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: نزلتْ في كذا فما يزيدون، فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه شرطـًا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين، وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعًا راضين تبين لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلتْ، وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق؛ لذا خططوا تخطيطـًا آخر يشعل الفتنة ويحييها، وزوروا كتابًا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-.

ففي أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكبًا على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم يُظهر أنه هارب منهم ، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر عبد الله بن أبي السرح، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان -رضي الله عنه- وعليه خاتمه إلى عامله، ففتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها، ونفى عثمان -رضي الله عنه- أن يكون كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين مِن المسلمين أو يمين بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمللتُ، ولا علمتُ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم، فلم يصدقوه، وقد أقسم لهم عثمان بأنه ما كتب هذا الكتاب!

- قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وأما تعلقهم بأن الكتاب وُجد مع راكب، أو مع غلامه -ولم يقل أحدٌ قط إنه كان غلامه- إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره بقتل حامليه، فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين على ذلك، وإلا فيميني أني ما كتبتُ ولا أمرتُ، وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه".

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله- في مسألة الغلام: "وإنما قالوا إنه غلام الصدقة، أي أحد رعاة إبل الصدقة، وإبل الصدقة ألوف كثيرة لها مئات مِن الرعاة، وإن صح أنه مِن رعاة إبل الصدقة؛ فهؤلاء لكثرتهم وتبدلهم دائمًا بغيرهم لا يكاد يعرفهم رؤساؤهم فضلاً عن أن يعرفهم أمير المؤمنين وكبار عماله وأعوانه، ومع افتراض أنه مِن رعاة إبل الصدقة فما أيسر أن يستأجره هؤلاء البغاة لغرضٍ مِن أغراضهم، وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة ويعلم أنه خرج مِن مصر، وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة، ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه، بل لقد ذكروا عن محمد بن أبي حذيفة ربيب عثمان الآبق مِن نعمته أنه كان في نفس ذلك الوقت موجودًا في مصر يؤلب الناس على أمير المؤمنين ويزور الكتب على لسان أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويأخذ الرواحل فيضمرها ويجعل رجالاً على ظهور البيوت في الفسطاط ووجوههم إلى وجه الشمس لتلوح وجوههم تلويح المسافر ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق الحجاز بمصر ثم يرسلوا رسلاً يخبرون عنهم الناس ليستقبلوهم، فإذا لقوهم قالوا إنهم يحملون كتبًا مِن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشكوى مِن حكم عثمان، وتُتلى هذه الكتب في جامع عمرو بالفسطاط على ملأ الناس وهي مكذوبة مزورة، وحملتها كانوا في مصر ولم يذهبوا إلى الحجاز!".

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السُّنة: "كل ذي علم بحال عثمان يَعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر، ولا أمثاله، ولا عُرف منه قط أنه قتل أحدًا مِن هذا الضرب، وقد سعوا في قتله -أي في قتل أمير المؤمنين عثمان-، ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعًا عن نفسه؛ فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم" اهـ.


هذا وقد زور المجرمون كتبًا أخرى على وعائشة وطلحة والزبير -رضي الله عنهم-، وهذا الكتاب الذي زعم هؤلاء المتمردون البغاة المنحرفون أنه مِن عثمان، وعليه خاتمه إلى عامله بمصر ابن أبي السرح، يأمر فيه بقتل هؤلاء الخارجين هو كتاب مزور مكذوب على لسان عثمان -رضي الله عنه-، وبهذا نكون قد استعرضنا التهم والمطاعن والمناكير التي ذكرها الثوار المجرمون، وكانت النهاية خروج ثورة ظالمة على ذي النورين -رضي الله عنه-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.


- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-08-2020, 03:52 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 44,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صفحات مِن ذاكرة التاريخ _____ متجدد



صفحات مِن ذاكرة التاريخ (10)
أسباب اشتعال الفتنة في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-










كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نتأمل أحوال المعارضين الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وقد عرضنا جميع المآخذ والمناكير التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، وقد بيَّنا الرد عليها، وذكرنا أقوال العلماء في ذلك، وتبين بما لا يدع مجالاً للشك كذب مَن ادعى هذا الادعاءات على ذي النورين -رضي الله عنه-، وظهر كذلك جهلهم وعدم فهمهم للواقع فهمًا صحيحًا، وظهر كذلك حقدهم، وهذا الحقد تمثل في السبئية والمنافقين.

وإن المتأمل في تلك الثورة الفاسدة الظالمة يعلم أنها بداية الفتنة التي حدثت بيْن علي بن أبي طالب وبيْن وطلحة والزبير ومعاوية -رضي الله عنهم-، وتسببت في موقعتي الجمل وصفين، وتسببت في انتشار الفتنة كانتشار النار في الهشيم، وقُتل في تلك المعارك عشرات الآلاف مِن الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم أجمعين-، وقُتل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-؛ فهذه كانت إحدى الثورات التي سجلها التاريخ، وخرج فيها مَن يسمون بالثوار وما جنى المسلمون منها إلا الضعف والفرقة والقتل والتشريد، ثم نريد أن نلقي الضوء على بعض الأسباب الأخرى التي أدت أو ساعدت في اشتعال الفتنة ومقتل عثمان -رضي الله عنه-.

تعدد الثقافات في المجتمع وموت كثير مِن جيل كبار الصحابة الكرام:

لما توسعت الدولة الإسلامية عبْر حركة الفتوحات حدث تغير في تركيبة المجتمع؛ لأن هذه الدولة بتوسعها المكاني والبشري ورثت ما على هذه الرقعة الواسعة مِن ألوان، ولغات، وثقافات، وعادات، وأفكار، وظهرت على سطح هذا النسيج ألوان مضطربة وخروقات كثيرة، ولا شك أن الصحابة كانوا يقلون رويدًا رويدًا، فمنهم مَن يموت على فراشه، ومنهم مَن يموت في أرض الجهاد، وهناك جمع غفير جدًّا منهم قد مات في طاعون عمواس، وتستقبل الأرض بدلاً عنهم أعدادًا وفيرة مِن أبناء المناطق المفتوحة "فرس، وترك، وروم، وقبط، وكرد، وبربر"، وكان أكثرهم مِن الفرس أو مِن النصارى العرب أو غيرهم؛ فنشأ أفراد مسلمون لم يتخرجوا مِن المدرسة التي تخرج منها الصحابة -رضي الله عنهم-، ولم يتلقَ هؤلاء التعليم مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مباشرة كالصحابة -رضي الله عنهم-.

ولم يغتنم هؤلاء وجود الصحابة -رضي الله عنهم- بينهم، ولم يحرص هؤلاء على تلقي العلوم المختلفة مِن الصحابة -رضي الله عنهم-، ومِن ثَمَّ ساعد ذلك على ظهور بعض الانحرافات الفكرية والسلوكية كنشر الشائعات مِن جهة، وتصديقها مِن جهة أخرى.

وهذا بلا شك ساعد على وقوع الفتن المتنوعة، وهذه هي خطورة العولمة التي نحياها الآن، فالصحابة كالنجوم في السماء، وهىم يقلون رويدًا رويدًا، ومِن ثَمَّ تزداد الظُلمة في المجتمع، وليس معنى هذا أن عدم وجود الجيل الأول هو السبب الرئيسي، لا، ولكن عدم التمسك بمنهج الجيل الأول هو السبب في وقوع الضعف والفرقة والاختلاف، وهذا المنهج هو محفوظ، ولم يفنَ بعد، بل هو بيْن أيدينا، وهو يتمثل في القرآن والسُّنة بفهم السلف -رضي الله عنهم-.

عدم التعامل الحسن مِن الناس تجاه رأفة عثمان -رضي الله عنه- وحلمه:

لا شك أن هناك تباينًا ملحوظـًا بيْن أسلوبي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما-، في كيفية إدارة الدولة وسياسة التعامل مع الرعية؛ فبينما كان عمر قوي الشكيمة، شديد المحاسبة لنفسه, ولمن تحت يديه، كان عثمان ألين طبعًا، وأرق في المعاملة، ولم يكن يأخذ نفسه أو يأخذ الناس بما يأخذهم به عمر -رضي الله عنه- حتى قال عثمان -رضي الله عنه- نفسه: "يرحم الله عمر، ومَن يطيق ما كان عمر يطيق!"، لكن الناس وإن رغبوا في الشوط الأول مِن خلافته؛ لأنه لان معهم -وكان عمر شديدًا عليهم- حتى أصبحت محبته مضرب المثل، فكان عثمان -رضي الله عنه- يتحلى بالرأفة والرحمة واللين مع الرعية، وللأسف قابل كثير مِن الناس هذه المعاملة الطيبة بالإساءة، وهذا اللين وهذه الرأفة مِن مميزات عثمان -رضي الله عنه-، لكن بعض الناس لم يحسنوا أن يقابلوا ذلك بالإحسان والطاعة!

وقد أدرك عثمان ذلك حين قال لأقوام سجنهم: "أتدرون ما جرأكم عليَّ؟! ما جرأكم عليَّ إلا حلمي!".

وروى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان -رضي الله عنه- أن يكلِّم الناس على المنبر ويشاورهم في أمر توسعة المسجد، قال له مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم، فقال: ويحك! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور، قال مروان: فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال: اسكت، إن عمر اشتد عليهم فخافوه، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، وإني لنت لهم حتى أصبحت أخشاهم، قال مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك.

وحين بدت نوايا الخارجين وقد ألزمهم عثمان الحجة في رده على المآخذ التي أخذوها عليه أمام الملأ مِن الصحابة والناس؛ أبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى عثمان إلا تركهم لحلمه ووداعته قائلاً: بل نعفو ونقبل، ولنبصرهم بجهدها، ولا نحادّ أحدًا حتى يرتكب حدًّا أو يبدي كفرًا.

يقول محب الدين الخطيب -رحمه الله- عن هؤلاء الذين قابلوا الإحسان بالإساءة: "وفيهم مَن أصابهم مِن عثمان شيء مِن التعزير لبوادر بدرت منهم تخالِف أدب الإسلام؛ فأغضبهم التعزير الشرعي مِن عثمان -رضي الله عنه-، ولو أنهم قد نالهم مِن عمر -رضي الله عنه- أشد منه لرضوا به طائعين".

العودة إلى العصبية الجاهلية:

لقد حذر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن العصبية، وقال: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه)، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه).

وقد ظهرت هذه العصبية عند بعض الأفراد أثناء الفتنة، وساعدت هذه العصبية على اشتعال الفتنة.

إن جوهر رسالة أمة الإسلام وحدتها واجتماعها على تعظيم الخالق وعبادته -سبحانه-، يقول الله -تعالى-: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون:52)، ويقول -سبحانه-: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92).

وقد كان مِن أول أعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة النبوية: تأسيس المجتمع الجديد على المؤاخاة بيْن المهاجرين والأنصار، وإرساء دعائم المحبة والإخوة والائتلاف بيْن جميع المسلمين، ونَبْذ كل ألوان العصبية الجاهلية التي تفرِّق الناس، وتثير نعرات العصبية والاختلاف؛ فآصرة الاجتماع والولاء في المجتمع الإسلامي تقوم على الإيمان بالله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة:71).

وفي فتح مكة خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس، وأعلن للناس ركيزة تأسيس هذه الأمة، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ)، قال الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). العُبِّيَّةَ: الكبر والفخر.

فلا بد مِن إحياء عوامل الوحدة في الأمة، وجمع الصفوف على كلمة التوحيد الجامعة؛ امتثالاً لقول الحق -تبارك وتعالى-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153)، وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية مِن العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، وكلها مِن الجاهلية، وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها، ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة، راية الله وحده لا سواه.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن العصبية الجاهلية: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.

- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 218.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 212.36 كيلو بايت... تم توفير 6.19 كيلو بايت...بمعدل (2.83%)]