أهمية المجاهدة وعلاقتها بالنصر - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         بين التطير والتفاؤل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          فضيلة الصدق وأهميته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          بداية العام الجديد وما يجب تجاهه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الانتماء إلى الأوطان في ظل الإسلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          عظَم الجزاء مع عظم البلاء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          التحلي بالذهب والفضة بين الرجل والمرأة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          توكل الأرزاق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أعباء الفقه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الحديث المضطرب وشروطه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          قواعد ومنطلقات في مواجهة الشبهات حول السنة النبوية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى الشباب المسلم

ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 25-10-2020, 12:54 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,136
الدولة : Egypt
افتراضي أهمية المجاهدة وعلاقتها بالنصر

أهمية المجاهدة وعلاقتها بالنصر (1)


فتحي حمادة




عناصر الموضوع:
أهمية المجاهدة وعلاقتها بالنصر.
أقوال العلماء في المجاهدة.
المجاهدة في القرآن.
المجاهدة في السنة.
أهمية المجاهدة وعلاقتها بالنصر.

تعتبر المجاهدة السلاحَ القوي للدفاع عن الدين كلِّه؛ من النفس الأمَّارة بالسوء، ومن وساوس الشيطان، ومن أعداء الدين، ومَن تسوِّل له نفسه أن يحارب دين الله -تعالى- ويُحَارب عباد الله - تعالى؛ فالمجاهدةُ تَشمَل كل العبادات، فلولا المجاهدةُ، وخاصة مجاهدة النفس، لَمَا أُقِيمت هذه العبادات، ولَمَا أقيم دين الله - تعالى.

وعلى ذلك، فإن المجاهدة هي استفراغُ الطاقة في كل العبادات، وإذا حققنا المجاهدة بحق، لانتصرنا على الصهاينة ومَن والاهم في عامين أو أقل - بإذن الله تعالى.

والمجاهدة تكون في الطاعات، والصبر عن المنهيات، ووقت الحرب والمُغِيرات، والمجاهدة تكون بالمال وبالنفس وباللسان؛ قال -تعالى-: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ﴾ [الحج: 78]؛ أي: جاهدوا بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، هو اصطفاكم واختاركم، وفضَّلكم وأكرَمكم على سائر الخَلْقِ.

وقال -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ [التحريم: 9]؛ أي: جاهدْهم بالسيف واللسان، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((قد أفلح المُزهِد المُجهِد)) قالها ثلاثًا؛ رواه أحمد، "المُزهِد في العيش، المُجهِد في العبادة".

والمجاهدة لها تعريفات كثيرة؛ منها:
"كفُّ النفس عن إرادتها من الشغل بغير العبادة.
"كفُّ النَّفس عن إرادتها من الشغل بغير العبادة... وقال ابن بطَّال: جهاد المرء نفسه هو الجهاد الأكمل، قال اللَّه -تعالى-: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى ﴾ الآيةَ، ويقع بمنع النفس عن المعاصي، وبمنعها من الشبهات، وبمنعها من الإكثار من الشهوات المباحة لتتوفر لها في الآخرة.

ونقل القشيري عن شيخه أبي علي الدقَّاق: مَن لم يكنْ في بدايته صاحبَ مجاهدة لم يجدْ من هذا الطريق شمةً.

وعن أبي عمرو بن بُجَيد: مَن كَرُم عليه دينُه هانت عليه نفسُه.

قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فَطْمُها عن المألوفات، وحملها على غير هواها.

قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فطمها عن المألوفات، وحملها على غير هواها، وللنفس صفتان: انهماك في الشهوات، وامتناع عن الطاعات، فالمجاهدة تقع بحسب ذلك.

قال القشيري: أصل مجاهدة النفس فطمُها عن المألوفات، وحملها على غير هواها.

وللنفس صفتان: انهماك في الشهوات، وامتناع عن الطاعات، فالمجاهدة تقع بحسب ذلك.

قال بعض الأئمة: جهاد النفس داخل في جهاد العدو؛ فإن الأعداء ثلاثة: رأسهم الشيطان، ثم النفس؛ لأنها تدعو إلى اللذَّات المفضية إلى الوقوع في الحرام الذي يُسخِط الرب، والشيطان هو المُعِين لها على ذلك، ويزينه لها، فمَن خالف هوى نفسِه قمع شيطانه، فمجاهدة نفسه حملُها على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه.

وإذا قوي العبد على ذلك سَهُل عليه جهاد أعداء الدين؛ فالأول: الجهاد الباطن، والثاني: الجهاد الظاهر، وجهاد النفس أربع مراتب: حملها على تعلم أمور الدين، ثم حملها على العمل بذلك، ثم حملها على تعليم مَن لا يَعلَم، ثم الدعاء إلى توحيد الله، وقتال مَن خالف دينه وجحد نعمه.

وأقوى المُعِين على جهاد النفس جهاد الشيطان بدفع ما يُلقِي إليه من الشبهة والشك، ثم تحسين ما نهي عنه من المحرَّمات، ثم ما يُفضِي الإكثار منه إلى الوقوع في الشبهات، وتمام المجاهدة أن يكون متيقظًا لنفسه في جميع أحواله، فإنه متى غَفَل عن ذلك استهواه شيطانه ونفسه إلى الوقوع في المنهيات، وبالله التوفيق.

"كمال النفس المطلوب ما تضمن أمرين:
أحدهما: أن يصير هيئة راسخة، وصفة لازمة له.
الثاني: أن يكون صفة كمال في نفسه.

فإذا لم يكن كذلك لم يكن كمالاً، فلا يليق بمَن يسعى في كمال نفسه المنافسةُ عليه، ولا الأسف على فوته، وذلك ليس إلا معرفة بارئها وفاطرها، ومعبودها وإلهها الحق، الذي لا صلاح لها، ولا نعيم، ولا لذة إلا بمعرفته، وإرادة وجهه، وسلوك الطريق الموصلة إليه وإلى رضاه وكرامته، وأن تعتاد ذلك فيصير لها هيئة راسخة لازمة، وما عدا ذلك من العلوم والإرادات والأعمال، فهي بين ما لا ينفعها ولا يكملها، وما يعود بضررها ونقصها وألمها، ولا سيما إذا صار هيئة راسخة لها؛ فإنها تعذب وتتألم به، بحسب لزومه لها.

وأما الفضائل المنفصلة عنها؛ كالملابس، والمراكب، والمساكن، والجاه، والمال، فتلك في الحقيقة عَوارٍ أُعِيرتْها مدة ثم يرجع فيها المُعِير، فتتألم وتتعذَّب برجوعه فيها بحسب تعلقها بها، ولا سيما إذا كانت هي غاية كمالها، فإذا سُلِبتْها أحضرت أعظم النقص والألم والحسرة.

فليتدبر مَن يريد سعادة نفسه ولذتها هذه النكتة، فأكثر هذا الخلق إنما يَسْعَون في حرمان نفوسهم، وألمها، وحسرتها، ونقصها، من حيث يظنون أنهم يريدون سعادتها ونعيمها؛ فلذَّتها بحسب ما حصل لها من تلك المعرفة والمحبة والسلوك، وألمها وحسرتها بحسب ما فاتها من ذلك، ومتى عدم ذلك وخلا منه، لم يبقَ فيه إلا القُوَى البدنية النفسانية، التي بها يأكل ويشرب، وينكح، ويغضب، وينال سائر لذاته ومرافق حياته، ولا يلحقه من جهتها شرف ولا فضيلة، بل خساسة ومنقصة؛ إذ كان إنما يناسب بتلك القوى البهائم، ويتصل بجنسها، ويدخل في جملتها، ويصير كأحدها، وربما زادت في تناولها عليه، واختصت دونه بسلامة عافيتها والأمن من جلب الضرر عليها، فكمالٌ تُشَاركك فيه البهائم، وتزيد عليك، وتختص عنك فيه بسلامة العاقبة - حقيقٌ أن تهجرَه إلى الكمال الحقيقي الذي لا كمال سواه، وبالله التوفيق"[1].

أقوال العلماء في المجاهدة:
جاء في شرح رياض الصالحين لابن عثيمين عن المجاهدة:
"المجاهدة تعني مجاهدة الإنسان نفسه ومجاهدة غيره، فأما مجاهدة الإنسان نفسه، فإنها من أشق الأشياء، ولا تتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولاً، ومجاهدة النفس تكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين: على فعل الطاعات، وعلى ترك المعاصي؛ لأن فعل الطاعات ثقيل على النفس إلا مَن خفَّفه الله عليه، وترك المعاصي كذلك ثقيل على النفس إلا مَن خفَّفه الله عليه، فتحتاج النفس إلى مجاهدة، لا سيما مع قلة الرغبة في الخير، فإن الإنسان يعاني من نفسه معاناةً شديدة؛ ليحملها على فعل الخير.

ومن أهم ما يكون من هذا مجاهدة النفس على الإخلاص لله - عز وجل - في العبادة؛ فإن الإخلاص أمره عظيم وشاقٌّ جدًّا، حتى إن بعض السلف يقول: ما جاهدت نفسي على شيءٍ مجاهدتَها على الإخلاص؛ ولهذا كان جزاء المخلصين أن مَن قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، حرَّمه الله على النار.

لكن متى يكون هذا الأمر؟ إن هذا الأمر شديد جدًّا؛ فالمجاهدة على الإخلاص لله من أشقِّ ما يكون على النفوس؛ لأن النفوس لها حظوظ، ولأن الإنسان يحب أن يكون مرموقًا عند الناس، ويحب أن يكون محترمًا بين الناس، ويحب أن يقال: إن هذا رجل عابدٌ، هذا رجل فيه كذا وكذا من خصال الخير، فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، ويحمله على مراءاة الناس، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن سمَّع سمَّع الله به، ومَن راءَى راءَى الله به)؛ يعني: أظهر أمرَه للناس حتى ينكشف، والعياذ بالله.

كذلك أيضًا مما يُجَاهِد الإنسان نفسه عليه، فعل الطاعات الشاقة مثل الصوم؛ فإن الصوم من أشق الطاعات على النفوس؛ لأن فيه ترك المألوف من طعام وشراب ونكاح، فتجده يكون شاقًّا على الناس إلا مَن يسَّره الله عليه وخفف عنه، تجد بعض الناس مثلاً إذا دخل رمضان كأنما وُضِع على ظهره جبل - والعياذ بالله - لأنه يستثقلُ الصوم ويرى أنه شاق، حتى إن بعضهم يجعل حظ يومه النوم، وحظ ليله السهر في أمرٍ لا خير له فيه، كل ذلك من أجل مشقة هذه العبادة عليه.

كذلك أيضًا من الأشياء التي تحتاج إلى مجاهدة، مجاهدة الإنسان نفسه على الصلاة مع الجماعة؛ كثير من الناس يَسهُل عليه أن يصلِّي في بيته، لكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة في المسجد، فتجده مع نفسه في جهاد، يقول: أَصبِر، أؤدِّي هذا الشغل، أو أفعل كذا، أو أفعل كذا، حتى.. سوف..، فتفوته صلاة الجماعة، وثِقلُ صلاة الجماعة على الإنسان يدلُّ على أن في قلب الإنسان نفاقًا، والدليل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا))، وهذا يحتاج إلى المجاهدة.

أما مجاهدة النفس على ترك المحرم، فما أكثر المحرمات التي يشق على بعض الناس تركها، فتجد البعضَ يعتاد على فعل المحرم، ويشق عليه تركه، ولنضرب لهذا مَثَلين:
المثل الأول: الدُّخَان، فإن كثيرًا من الناس ابتلي بشرب الدخان، وأول ما خرج الدخان اختلف العلماء فيه؛ منهم مَن قال: إنه حلال، ومنهم مَن قال: إنه حرام، ومنهم من قال: إنه مكروه، ومنهم من ألحقه بالخمر، حتى أوجب الحد على شاربه، ولكن بعد أن مضت الأيام تبيَّن تبينًا لا شك فيه أنه حرام؛ لأن الأطباء أجمعوا على أنه مضرٌّ بالصحة، وأنه سبب لأمراض مستعصية، تؤدِّي بالإنسان إلى الموت؛ ولهذا تجد بعض المدخِّنين يموت وهو يكلمك، ويموت وهو على الفراش، وإذا حَمَل أدنى شيء انقطع قلبه ومات، وهذا يدل على أنه ضار، والشيء الضار محرَّم على الإنسان؛ لأن الله يقول: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: 29]، ويشق على بعض المُبتَلين بهذا الدخان أن يَدَعه، مع أنه لو عوَّد نفسه على تركه شيئًا فشيئًا، وابتعد عن الذين يشربونه، لسَهُل عليه الأمر، وصار يكرهُ شمَّ رائحته، لكن المسألة تحتاج إلى عزيمة قوية وإيمان صادق.

المثل الثاني: مما يشق على كثير من الناس، وقد ابتُلِي به الكثير، حلق اللِّحَى، فإن حلق اللحية محرَّم؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: ((خالفوا المجوس، خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى، وأحفوا الشوارب))، كثير من الناس قد غلبتْه نفسه فصار يحلق لحيته، ولا أدري ماذا يجني من حلق اللحية؟! لا يجني إلا معاصي تتراكم عليه حتى تضعف إيمانه والعياذ بالله؛ لأن من مذهب أهل السنة والجماعة أن المعاصي تنقص الإيمان، فيكسب حالق اللحية معاصي تنقص إيمانه، مع أنه لا يزيد نشاطه ولا صحته، ولا تندفع عنه بذلك الأمراض، ولكن ابتلي بهذا الشيء، وصار شاقًّا عليه، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه على فعل الأوامر وعلى ترك النواهي، حتى يكون من المجاهدين في الله - عز وجل - وقد قال الله -تعالى- في جزائهم: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].

أما مجاهدة الغير، فإنها تنقسم إلى قسمين: قسم بالعلم والبيان، وقسم بالسلاح.

أما مَن مجاهدته بالعلم والبيان، فهو الذي يتسمَّى بالإسلام وليس من المسلمين؛ مثل المنافقين، وأهل البدع المكفِّرة، وما أشبه ذلك، فإن هؤلاء لا يمكن أن نجاهدهم بالسلاح؛ لأنهم يتظاهرون بالإسلام وأنهم معنا، ولكننا نجاهدُهم بالعلم والبيان، قال الله -تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة: 73]، فجِهاد الكفار يكون بالسلاح، وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان؛ ولهذا كان الرسول - عليه الصلاة والسلام - يعلم بأن في أصحابه منافقين، ويعلَمهم بأعيانهم، ولكنه لا يقتلهم، واستؤذن في قتلهم، فقال: ((لا يتحدَّث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه))، فكذلك الذين ينضوون تحت لواء الإسلام من أهل البدع، لا نقاتلهم بالسلاح، لكننا نقاتلهم بالعلم والبيان.

والناس اليوم في عصرنا محتاجون إلى هذا النوع من العلم؛ لأن البدع بدأ يفشو ظلامها في بلدنا هذه؛ بعد أن كانت نزيهةً منها، لكن نظرًا لانفتاحِنا على الناس، وانفتاح الناس علينا، وذهاب بعضنا إلى بلاد أخرى، ومجيء آخرين إلى بلادنا، ليسوا على عقيدة سليمة، بدأت البدع تظهر ويفشو ظلامها، وهذه البدع تحتاج إلى نورٍ من العلم يضيء الطريق، حتى لا يصيب بلادَنا ما أصاب غيرَها من البدع المنكرة العظيمة، التي قد تصل إلى الكفر - والعياذ بالله - فلا بدَّ من مجاهدة أهل البدع وأهل النفاق بالعلم والبيان، وبيان بطلان ما هم عليه؛ بالأدلة المُقنِعة من كتاب الله، وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الهدى من بعدهم.

أما النوع الثاني من جهاد الغير، فهو الجهاد بالسلاح، وهذا في جهاد الأعداء الذين يظهرون العداوة للإسلام ويصرِّحون بذلك؛ مثل اليهود، والنصارى الذين يسمَّون بالمسيحيين والمسيح منهم بريء - عليه الصلاة والسلام - المسيح لو أنه خرج لقاتلهم وهم ينتسبون إليه، يقول الله - عز وجل -:﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [المائدة: 116]؟ فماذا كان جواب عيسى؟ ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المائدة: 116، 117]؛ فعيسى ابن مريم قال لهم ما أمرهم الله به: اعبدوا الله ربي وربكم، ولكنهم كانوا يعبدون عيسى، ويعبدون مريم، ويعبدون الله ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة، إذًا كيف يصح أن ينتسب هؤلاء إلى عيسى وهو يتبرأ منهم أمام الله - عز وجل.

فاليهود والنصارى والمشركون من البوذيين وغيرهم، والشيوعيون، كل هؤلاء أعداء للمسلمين، يجب على المسلمين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولكن مع الأسف، فالمسلمون اليوم في ضعف شديد، وفي هوانٍ وذلٍّ، يقاتل بعضُهم بعضًا أكثرَ مما يقاتلون أعداءهم، هم فيما بينهم يتقاتلون أكثر مما يتقاتلون مع أعدائهم؛ ولهذا سلِّط الأعداءُ علينا، وصرنا كالكرةِ بأيديهم، يتقاذفونها حيث يشاؤون"؛ انتهى.

"لا تبذل نفسك إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله - عز وجل - في دعاء إلى حق، وفي حماية الحريم، وفي دفع هوان لم يوجبْه عليك خالقك -تعالى- وفي نصر مظلوم.

وباذلُ نفسه في عرض دنيا كبائع الياقوت بالحصى... العاقل لا يرى لنفسه ثمنًا إلا الجنة.

ينبغي للعاقل ألاَّ يحكم بما يبدو له من استرحام الباكي المتظلم وتشكِّيه، وشدة تلويه وتقلبه وبكائه، فقد وقفتُ من بعض مَن يفعل هذا على يقين أنه الظالم المعتدي المفرط الظلم، ورأيت بعض المظلومين ساكن الكلام، معدوم التشكي، مظهرًا لقلة المبالاة، فيسبق إلى نفس مَن لا يحقق النظر أنه ظالم، وهذا مكان ينبغي التثبت فيه، ومغالبة ميل النفس جملة، وألاَّ يميل المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها، ولكن يقصدُ الإنصاف بما يوجبه الحق على السواء.

من عجائب الأخلاق أن الغفلة مذمومة، وإن استعمالها محمود، وإنما ذلك لأن مَن هو مطبوع على الغفلة يستعملها في غير موضعها، وفي حيث يجب التحفظ، وهو مغيب عن فهم الحقيقة، فدخلت تحت الجهل فذمت لذلك، وأما المتيقظ الطبع، فإنه لا يضع الغفلة إلا في موضعها الذي يذم فيه البحث والتقصي والتغافل؛ فهمًا للحقيقة، وإضرابًا عن الطيش، واستعمالاً للحِلم، وتسكينًا للمكروه، فلذلك حمدت حالة التغافل، وذمت الغفلة.

وكذلك القول في إظهار الجزع وإبطانه، وفي إظهار الصبر وإبطانه، فإن إظهار الجزع عند حلول المصائب مذموم؛ لأنه عجز مظهره عن ملك نفسه، فأظهر أمرًا لا فائدة فيه، بل هو مذموم في الشريعة، وقاطع عمَّا يلزم من الأعمال، وعن التأهب لما يتوقع حلوله مما لعله أشنع من الأمر الواقع الذي عنه حدث الجزع، فلما كان إظهار الجزع مذمومًا، كان إظهار ضده محمودًا، وهو إظهار الصبر؛ لأنه ملك للنفس، وإطراح لما لا فائدة فيه، وإقبال على ما يعود وينتفع به في الحال، وفي المستأنف، وأما استبطان الصبر فمذموم؛ لأنه ضعف في الحس، وقسوة في النفس، وقلة رحمة، وهذه أخلاق سوءٍ، لا تكون إلا في أهل الشر، وخبث الطبيعة، وفي النفوس السبعية الرديئة.

فلما كان ما ذكرنا يقبح، كان ضده محمودًا، وهو استبطان الجزع لما في ذلك من الرحمة والشفقة والفهم، بقدر الرزية، فصح بهذا أن الاعتدال هو أن يكون المرء جزوع النفس، صبور الجسد، بمعنى أنه لا يظهر في وجهه ولا في جوارحه شيء من دلائل الجزع، ولو علم ذو الرأي الفاسد ما استضرَّ به من فساد تدبيره في السالف، لأنجح بتركه استعماله فيما يستأنف، وبالله التوفيق"[2].

جاء في إحياء علوم الدين للغزالي:
"فالخُلُق الحسن صفة سيِّد المرسلين وأفضل أعمال الصدِّيقين، وهو على التحقيق شطر الدين، وثمرة مجاهدة المتقين، ورياضة المتعبِّدين، والأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله -تعالى- المُوقَدة التي تطَّلِع على الأفئدة، كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان، وجوار الرحمن، والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس، إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد، وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد؟

ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان، وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية، فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب، وفي مرضها فوت حياة باقية أَوْلَى، وهذا النوع من الطب واجبٌ تعلُّمه على كل ذي لبٍّ؛ إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام، لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت، فيحتاج العبد إلى تأنُّق في معرفة علمها وأسبابها، ثم إلى تشميرٍ في علاجها وإصلاحها، فمعالجتُها هو المراد بقوله -تعالى-: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]، وإهمالها هو المراد بقوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 10]...، فإذًا أمهات الأخلاق وأصولها أربعة: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل.

ونعني بالحكمة: حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية.

ونعني بالعدل: حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة، وتحملُهما على مقتضى الحكمة، وتضبطهما في الاسترسال والانقباض، على حسب مقتضاها.

ونعني بالشجاعة: كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها.

ونعني بالعفة: تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع.

فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة، تصدُر الأخلاقُ الجميلة كلها؛ إذ من اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير، وجودة الذهن، وثقابة الرأي، وإصابة الظن، والتفطن لدقائق الأعمال، وخفايا آفات النفوس.

ومن إفراطها: تصدُّر الجَرْبَزة والمكر والخداع والدهاء.

ومن تفريطها: يصدر البَلَهُ والغمارة والحمق والجنون، وأعني بالغمارة: قلة التجربة في الأمور مع سلامة التخيل؛ فقد يكون الإنسان غمرًا في شيء دون شيء، والفرق بين الحمق والجنون: أن الأحمق مقصوده صحيح، ولكن سلوكه الطريق فاسد، فلا تكون له رؤية صحيحة في سلوك الطريق الموصل إلى الغرض، وأما المجنون، فإنه يختار ما لا ينبغي أن يختار، فيكون أصل اختياره وإيثاره فاسدًا.

وأما خُلُق الشجاعة: فيصدر منه الكرم، والنَّجدة، والشهامة، وكسر النفس، والاحتمال، والحِلم، والثبات، وكظم الغيظ، والوقار، والتودد، وأمثالها، وهي أخلاق محمودة.

وأما إفراطها، وهو التهور، فيصدر منه الصَّلَف، والبذخ، والاستشاطة، والتكبُّر، والعُجب.

وأما تفريطها، فيصدر منه المهانة، والذلة، والجزع، والخساسة، وصغر النفس، والانقباض عن تناول الحق الواجب.

وأما خُلق العفة، فيصدر منه السخاء والحياء والصبر والمسامحة والقناعة والورع واللطافة والمساعدة والظرف وقلة الطمع. وأما ميلها إلى الإفراط أو التفريط: فيحصل منه الحرص والشَّرَهُ والوقاحة والخُبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمَجَانة والعَبَث والمَلَق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك.

فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربع: وهي الحكمة، والشجاعة، والعفَّة، والعدل، والباقي فروعها، وقد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين، فقال -تعالى-: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15].



[1] الفوائد لابن القيم.

[2] الأخلاق والسير لابن حزم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-10-2020, 12:55 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,136
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أهمية المجاهدة وعلاقتها بالنصر

أهمية المجاهدة وعلاقتها بالنصر (2)


فتحي حمادة






الإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هو قوة اليقين، وهو ثمرة العقل، ومنتهى الحكمة، والمجاهدةُ بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة، والمجاهدةُ بالنفس هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحدِّ الاعتدال؛ فقد وصف الله - تعالى - الصحابة، فقال: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29]؛ إشارة إلى أن للشدة موضعًا وللرحمة موضعًا، فليس الكمال في الشدة بكل حال، ولا في الرحمة بكل حال، فهذا بيان معنى الخَلْق وحسنه وقبحه، وبيان أركانه وثمراته وفروعه.

اعلم أن بعض مَن غلبت البطالةُ عليه استثقل المجاهدةَ والرياضة، والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق، فلم تسمحْ نفسه بأن يكون ذلك؛ لقصوره ونقصه وخُبث دخلته، فزعم أن الأخلاق لا يُتصوَّر تغييرها، فإن الطباع لا تتغير.

واستدلَّ فيه بأمرين:
أحدهما: أن الخُلُق هو صورة الباطن، كما أن الخَلْق هو صورة الظاهر؛ فالخِلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها، فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلاً، ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرًا، ولا القبيح يقدر على تحسين صورته، فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى.

والثاني: أنهم قالوا: حسن الخُلُق يقمع الشهوة والغضب، وقد جرَّبنا ذلك بطول المجاهدة، وعَرَفنا أن ذلك مِن مقتضى المزاج والطبع، فإنه قطُّ لا ينقطعُ عن الآدمي، فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة، فإن المطلوب هو قطعُ التفاتِ القلب إلى الحظوظ العاجلة، وذلك محالٌ وجوده.

فكذلك الغضب والشهوة، لو أردنا قمعَهما وقهرَهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر، لم نقدر عليه أصلاً، ولو أردنا سلاستَهما وقودَهما بالرياضة والمجاهدة، قدرنا عليه، وقد أُمِرنا بذلك، وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله - تعالى.

وأما الخيال الآخر الذي استدلوا به، وهو قولهم: إن الآدمي ما دام حيًّا، فلا تنقطع عنه الشهوة والغضب وحب الدنيا وسائر هذه الأخلاق - فهذا غلطٌ وقع لطائفة ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمعُ هذه الصفات بالكلية ومحوها وهيهات! فإن الشهوة خلقت لفائدة، وهي ضرورية في الجِبلَّة، فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النَّسل، ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك، ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة، حتى يحمله ذلك على إمساك المال، وليس المطلوبُ إماطة ذلك بالكلية، بل المطلوب ردُّها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط، والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية، وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعًا، وبالجملة أن يكون في نفسه قويًّا، ومع قوته منقادًا للعقل؛ ولذلك قال الله - تعالى -: ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29]، وصَفهم بالشِّدة، وإنما تَصدُر الشدة عن الغضب، ولو بطل الغضب لبطل الجهاد.

قد عَرَفت أن حسن الخُلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة، وإلى اعتدال قوة الغضب والشهوة، وكونها للعقل مطيعة، وللشرع أيضًا، وهذا الاعتدال يحصل على وجهين:
أحدهما: بجُود إلهي، وكمال فطري؛ بحيث يُخلَق الإنسان ويولد كاملَ العقل، حَسَنَ الخلق، قد كُفِيَ سلطانَ الشهوة والغضب، بل خُلقتا معتدلتينِ منقادتين للعقل والشرع، فيصير عالمًا بغير تعليم، ومؤدَّبًا بغير تأديب؛ كعيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا - عليهما السلام - وكذا سائر الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين.

ولا يبعد أن يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب، فرُبَّ صبي خُلق صادقَ اللهجة سخيًّا جريًّا، وربما يُخلَق بخلافِه، فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطة المتخلِّقين بهذه الأخلاق، وربما يحصل بالتعلم.

والوجه الثاني: اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة؛ وأعني به: حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب، فمَن أراد مثلاً أن يحصل لنفسه خُلق الجُود، فطريقه أن يتكلَّف تعاطي فعل الجواد، وهو بذل المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفًا مجاهدًا نفسه فيه، حتى يصير ذلك طبعًا له ويتيسر عليه، فيصير به جوادًا، وكذا مَن أراد أن يحصل لنفسه خُلق التواضع، وقد غلب عليه الكِبْر؛ فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدَّة مديدة، وهو فيها مجاهد نفسه، ومتكلف إلى أن يصير ذلك خُلقًا له وطبعًا، فيتيسر عليه.

وجميع الأخلاق المحمودة شرعًا تحصل بهذا الطريق، وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذًا، فالسخي هو الذي يستلذُّ بذلَ المال الذي يبذلُه، دون الذي يبذله عن كراهة، والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع، ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ما لم تتعوَّد النفس جميع العادات الحسنة، وما لم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبةَ مَن يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((وجُعِلت قرَّة عيني في الصلاة))، ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهة واستثقال، فهو النقصان، ولا ينال كمال السعادة به.

نعم المواظبة عليه بالمجاهدة خير، ولكن بالإضافة إلى تركها، لا بالإضافة إلى فعلها عن طوع؛ ولذلك قال الله - تعالى -: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((اعبُدِ الله في الرضا، فإن لم تستطِعْ، ففي الصبرِ على ما تكره خيرٌ كثيرٌ))، ثم لا يكن في نَيْل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية، في زمان دون زمان، بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام وفي جملة العمر.

وكلما كان العمر أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل؛ ولذلك لما سئل - صلى الله عليه وسلم - عن السعادة، فقال: ((طول العمر في طاعة الله تعالى))، ولذلك كَرِه الأنبياء والأولياء الموتَ، فإن الدنيا مزرعة الآخرة، وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر، كان الثواب أجزل، والنفس أزكى وأطهر، والأخلاق أقوى وأرسخ، وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب، وإنما يتأكَّد تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات.

وغاية هذه الأخلاق أن ينقطع عن النفس حب الدنيا، ويرسخ فيها حب الله - تعالى - فلا يكون شيء أحب إليه من لقاء الله - تعالى عز وجل - فلا يستعمل جميع ماله إلا على الوجه الذي يوصله إليه، وغضبه وشهوته من المسخَّرات له، فلا يستعملهما إلا على الوجه الذي يوصله إلى الله - تعالى - وذلك بأن يكون موزونًا بميزان الشرع والعقل، ثم يكون بعد ذلك فرحًا به مستلذًّا له، ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد تصير هي قرة العين، ومصير العبادات لذيذة؛ فإن العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك؛ فإنَّا قد نرى الملوك والمنعَّمين في أحزان دائمة، ونرى المُقامِر قد يغلب عليه من الفرح واللذة بقِمارِه وما هو فيه ما يستثقل معه فرح الناس بغير قمار، مع أن القمار ربما سلَبه ماله، وخرب بيته، وتركه مفلسًا، ومع ذلك فهو يحبه ويلتذ به، وذلك لطول إِلْفِه له وصرف نفسه إليه مدة.

وكذلك اللاعب بالحَمَام قد يقف طول النهار في حر الشمس قائمًا على رجليه، وهو لا يحس بألمها؛ لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها، وتحليقها في جو السماء، بل نرى الفاجر العيَّار يفتخر بنفسه وبقوته في الصبر على ذلك، حتى يرى ذلك فخرًا لنفسه، ويقطع الواحد منهم إرْبًا إرْبًا على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطاه غيره، فيُصِر على الإنكار ولا يبالي بالعقوبات؛ فرحًا بما يعتقده كمالاً وشجاعة ورجولية، فقد صارت أحوالها مع ما فيها من النكال قرة عينه، وسبب افتخاره، بل لا حال أخس وأقبح من حال المخنث في تشبُّهه بالإناث في نتف الشعر ووشم الوجه ومخالطة النساء، فترى المخنث في فرح بحاله وافتخار بكمال في تخنثه يتباهى به مع المخنثين، حتى يجري بين الحجَّامين والكناسين التفاخر والمباهاة؛ كما يجري بين الملوك والعلماء.

فكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة، ومشاهدة ذلك في المخالطين والمعارف، فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إليه وإلى المقابح، فكيف لا تستلذ الحق لو رُدَّت إليه مدة، والتزمت المواظبة عليه؟!

بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع، يضاهي الميل إلى أكل الطين؛ فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة، فأما ميله إلى الحكمة وحب الله - تعالى - ومعرفته وعبادته، فهو كالميل إلى الطعام والشراب، فإنه مقتضى طبع القلب، فإنه أمر رباني، وميله إلى مقتضيات الشهوة غريبٌ من ذاته، وعارض على طبعه، وإنما غذاء القلب الحكمةُ والمعرفة، وحب الله - عز وجل - ولكن انصرَف عن مقتضى طبعه لِمَرض قد حلَّ به، كما قد يحل المرض بالمعدة، فلا تشتهي الطعام والشراب، وهما سببان لحياتها، فكل قلب مال إلى حب شيء سوى الله - تعالى - فلا ينفك عن مرض بقدر ميله، إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معينًا له على حب الله - تعالى - وعلى دينه، فعند ذلك لا يدل على ذلك المرض.

وكما أن لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء، وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة، فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة، والصبر لمداواة مرض القلب، بل أولى؛ فإن مرض البدن يخلص منه بالموت، ومرض القلب - والعياذ بالله - مرضٌ يدوم بعد الموت أبد الآباد.

وكما أن كل مبرد لا يصلح لعلَّةٍ سببها الحرارة إلا إذا كانت على حد مخصوص - ويختلف ذلك بالشدة والضعف، والدوام وعدمه، بالكثرة والقلة، ولا بدَّ له من معيار يعرف به مقدار النافع منه، فإنه إن لم يحفظ معياره زاد الفساد - فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من معيار، وكما أن معيار الدواء مأخوذ من معيار العلة، حتى إن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة، فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها: أهي ضعيفة أم قوية؟ فإذا عَرَف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان، وصناعة المريض، وسنِّه، وسائر أحواله، ثم يعالج بحسبها.

قال بعض الحكماء: مَن استولتْ عليه النفس صار أسيرًا في حبِّ شهواتها، محصورًا في سجن هواها، مقهورًا مغلولاً، زمامه في يدها، تجره حيث شاءت، فتمنع قلبه من الفوائد.

وقال جعفر بن حميد: أجمعت العلماء والحكماء على أن النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم.

وقال أبو يحيى الورَّاق: مَن أرضى الجوارح بالشهوات، فقد غرس في قلبه شجر الندامات.

وقال وهيب بن الورد: ما زاد على الخبز، فهو شهوة، وقال أيضًا: مَن أحب شهوات الدنيا فليتهيأ للذلِّ.

وقال الجنيد: أرِقتُ ليلة، فقمتُ إلى وِرْدي فلم أجد الحلاوة التي كنت أجدها، فأردت أن أنام فلم أقدر، فجلست فلم أُطِق الجلوس، فخرجت فإذا رجل ملتفٌّ في عباءة مطروح على الطريق، فلما أحس بي قال: يا أبا القاسم، إليَّ الساعة، فقلت: يا سيدي، من غير موعد؟ قال: بلى سألت الله - عز وجل - أن يحرك إليَّ قلبك، فقلت: قد فعل، فما حاجتك؟ قال: فمتى يصير داء النفس دواءها؟ فقلت: إذا خالفت النفس هواها، فأقبل على نفسه، فقال: اسمعي فقد أجبتك بهذا سبع مرات، فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيد، ها قد سمعتِه، ثم انصرف وما عرفته.

وقال يزيد الرقاشي: إليكم عني الماء البارد في الدنيا، لعلي لا أُحرَمه في الآخرة.

وقال رجل لعمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى -: متى أتكلَّم؟ قال: إذا اشتهيت الصمت، قال: متى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت الكلام.

وقال علي - رضي الله عنه -: مَن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا.

وكان مالكُ بن دينار يطوفُ، فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه: اصبري، فوالله ما أمنعك إلا من كرامتِك عليَّ.

اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه، فإذا جاهد نفسَه أدنى مجاهدة - حتى تَرَك فواحشَ المعاصي - ربما يظن بنفسه أنه هذَّب نفسه، وحسَّن خلقه، واستغنَى عن المجاهدة، فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق، فإن حسن الخلق هو الإيمان، وسوء الخلق هو النفاق.

ويحكى أن إبراهيم بن أدهم خرج يومًا إلى بعض البراري، فاستقبله رجل جندي، فقال: أنت عبد؟ قال: نعم، فقال له: أين العمران؟ فأشار إلى المقبرة، فقال الجندي: إنما أردت العمران؟ فقال: هو المقبرة، فغاظه ذلك، فضرب رأسه بالسوط فشجه وردَّه إلى البلد، فاستقبله أصحابه، فقالوا ما الخبر؟ فأخبرهم الجندي ما قال له، فقالوا: هذا إبراهيم بن أدهم! فنزل الجندي عن فرسه وقبَّل يديه ورجليه، وجعل يعتذر إليه، فقيل بعد ذلك له: لم قلتَ له أنا عبد؟ فقال: إنه لم يسألني: عبدُ مَن أنت؟ بل قال: أنت عبد؟ فقلت: نعم، لأني عبد الله، فلما ضرب رأسي سألتُ الله له الجنة، قيل: كيف، وقد ظلمك؟ فقال: علمت أنني أؤجر على ما نالني منه، فلم أُرِدْ أن يكون نصيبي منه الخير، ونصيبه مني الشر.

وقيل للأحنف بن قيس: ممَّن تعلمتَ الحِلم؟ فقال: من قيس بن عاصم، قيل: ما وبلغ من حلمه؟ قال: بينما هو جالس في داره؛ إذ أتتْه جارية له بسفُّود، عليه شواء، فسقط من يدِها فوقع على ابن له صغير فمات، فدُهشت الجارية، فقال لها: لا روعَ عليك، أنت حرَّة لوجه الله تعالى.

وقيل: إن أُوَيسًا القرنيَّ كان إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة، فكان يقول لهم: يا إخوتاه، إن كان ولا بد فارموني بالصغار حتى لا تدموا ساقي فتمنعوني عن الصلاة.

وشتم رجلٌ الأحنف بن قيس، وهو لا يجيبه، وكان يتبعه، فلما قرب من الحي وقف، وقال: إن كان قد بقي في نفسك شيء فقُلْهُ؛ كيلا يسمعَك بعض سفهاء الحي فيؤذوك.

وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوءٍ، فقيل له: لِمَ تُمسكُه؟ فقال: لأتعلم الحِلْم عليه.


فهذه نفوس قد ذلِّلت بالرياضة؛ فاعتدلت أخلاقُها، ونقِّيت من الغش والغل والحقد بواطنُها؛ فأثمرت الرضا بكل ما قدَّره الله - تعالى - وهو منتهى حسن الخلق، فإن مَن يكره فعل الله - تعالى - ولا يرضى به، فهو غاية سوء خلقه، فهؤلاء ظهرت العلامات على ظواهرهم كما ذكرناه، فمَن لم يصادف من نفسه هذه العلامات، فلا ينبغي أن يغترَّ بنفسه فيظن بها حسن الخُلق، بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن الخُلق، فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون"؛ انتهى كلام الإمام الغزالي.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 102.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 100.36 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (2.51%)]