عظمة أخلاقه صلى الله عليه وسلم في التعليم ورفقه في الدعوة - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         كيف تدعم ثقتك بنفسك؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          استفد من أخطائك وفشلك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تحت العشرين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 122 )           »          "المذهب" في اصطلاح الفقهاء عامة وفي اصطلاح المالكية خاصة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          وقفات مع سورة الكهف (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 947 )           »          تاريخ الدولة الأموية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          حق المسلم على المسلم ست (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          شهر رجب.. بين الاتباع والابتداع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          التراث والتجديد من منظور السلفية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 82 )           »          نقد كتاب تهافت التحريفية الجديدة لا وجود لنبي اسمه محمد(ص) (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28-11-2022, 03:29 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 101,048
الدولة : Egypt
افتراضي عظمة أخلاقه صلى الله عليه وسلم في التعليم ورفقه في الدعوة

عظمة أخلاقه صلى الله عليه وسلم في التعليم ورفقه في الدعوة (1)


عبد المجيد أسعد البيانوني


لقد كانت حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم حياة تربية وتعليم، وتأديب وتهذيب، وحسبنا على ذلك شاهداً أنّه صلى الله عليه وسلم بعث في أمّةٍ أمّيّة، تعبد الأصنام، وتسفك الدماء، وتعتدي على الأعراض، ويظلم القويّ الضعيف، ويئدون البنات خشية العار، ويشربون الخمر، ويغشون الفواحش ما ظهر منها وما بطن، قد ارتهنت عقولهم للخرافات والأساطير.. فلم يزل صلى الله عليه وسلم يعلّمهم ويربّيهم، ويتعهّدهم بمبادئ الحقّ، وآداب الهدى، حتّى صار منهم أئمّة مهديّون، أتقياء موحّدون، علماء حكماء، حلماء رحماء، وكانوا من قبل أعداء متخاصمين، فأصبحوا إخواناً في الله متحابّين، متعاطفين متراحمين، يؤثر أحدهم أخاه على نفسه، ويؤثر دين الله على كلّ شيء في حياته، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، فكانوا بذلك خير أمّة أخرجت للناس، في عقيدتها وعبادتها، وعلمها وعملها، وأخلاقها وسلوكها، وعدلها بين الناس وحسن علاقاتها..
وإنّ من أبرز خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه نبيّ أمّيّ بعث في أمّة أمّيّة، ولكنّ هذا الأمّيّ الذي لم يقرأ كتاباً، ولم يتعلّم على يد أحد من البشر جاء بعلوم شتّى، شملت جميع جوانب الحياة، سبق بها العصر الذي كان فيه بقرون عديدة، وحارت بها ألباب العلماء والحكماء والفلاسفة، ممّا وضع الناس جميعاً أمام بيّنة عقليّة واضحة، وحُجّة ملموسة: أنّ العلوم التي جاء بها هذا النبيُّ الأمّيُّ: إن هي إلاّ وحي من الله تعالى، وفتح وعطاء من مالك الملك، عالم الغيب والشهادة..
ولقد أراد الله تعالى لأمّة الرسالة الخاتمة: أن تكون أمّة علم وتعليم، يبدأ تعليمها من نور الوحي، ويتّصل بالله تعالى، وتحمل رسالة الإنقاذ للإنسانيّة كلّها..
وإنّ البدء بالتعليم هو المنطلق الأوّل، الذي لا يستقيم أيّ جانب من جوانب الحياة الإنسانيّة إلاّ به، ولا ينحطّ الإنسان، ولا تنحطّ أمّة من الأمم، ولا تضلّ الإنسانيّة وتتخبّط إلاّ من التفريط في العلم الصحيح أو الانحراف عن سبيله: إمّا إلى جهل وتخلّف، أو إلى علم منقطع عن غايته المثلى وأهدافه، يضرّ الإنسان ولا ينفعه.
فالأمّة بلا علم متّصل بنور الحقّ، يوضّح لها جوانب سلوكها، وبلا تربية يعرف كلّ فرد من أفرادها واجبه ومسئوليّاته: الدنيويّة والأخرويّة، تصبح أمة فوضويّة تائهة، تصرفاتها غير متوقعة ولا منضبطة، ولكلّ فرد من أفرادها سلوك يخالف سلوك الآخر، وعادات وتصورات تختلف عن عاداته وتصوراته.. فكيف تفلح أمة، أو تستقيم حياتها إذا كانت على هذه الصورة.؟ أو كان على ذلك أيّ فرد من أفرادها.؟
وإنّ الظاهرة المتميّزة التي نجدها في حياة سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم: أنّه عليه الصلاة والسلام بدأ بتشكيل أمّة جديدة، كانت لها كلّ مقوماتها الفكريّة والسلوكيّة والأخلاقيّة والتشريعيّة والدستوريّة واللسانيّة، فكان الفرد فيها ينبتُّ عن صلته بأيّ عالم غير عالم هذه الأمّة، بعدما ينصهر انصهاراً تاماً في بوتقة الإسلام، وتتّضح له غايته ومصيره، ثمّ ينطلق في اتجاه واضح بيّن، لا يزيغ عنه ولا يحيد.
ولقد وضّح النبيّ صلى الله عليه وسلم لكلّ فرد مهمّته، وربّاه على أدائها، ووضّح للجميع المهمّة الكبرى لهم في حياتهم، ورسم لهم الطريق لبلوغها، وعرّفهم بكلّ شيء في كلّ جانب من جوانب الحياة، كيلا تلتبس عليهم السبل، ولا تزلّ بهم قدم، وقادهم في هذا الطريق بنفسه ورعايته مدّة، ثمّ تركهم على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها، ومضى إلى ربّه، فانطلقوا بعده لم يغيّروا، ولم يبدّلوا، فكان من آثارهم ما كان، مما لا يخفى على كلّ عاقل منصف..
ومن كان يظنّ أنّ معاقل الوثنيّة في الجزيرة العربيّة تدكّ خلال هذا الزمن القياسيّ، وتصبح معقل التوحيد الخالص، ومناره لأشعّة الهدى.؟!
ومن كان يظنّ أنّ العرب الذين كانوا أشدّ الناس تفاخراً بالأحساب والأنساب يصبحون أكثر الأمم اعترافاً بالمساواة وتطبيقاً لها.؟!
ومن كان يظنّ أنّ العرب الذين كانوا مولعين بالخمر أشدّ الولوع يتركونها بعد التحريم طواعية، ويتخلّون عنها حبّاً لله وتعبّداً.؟!
لقد حدث ذلك كلّه في مدّة وجيزة، كانت مثار عجب العلماء والمؤرّخين، ودهشة المفكّرين والباحثين.. وإنّها لمعجزة الرسالة الخاتمة، التي إعجازها في تغيير النفوس، لا يقلّ عَنْ إعجازها في خرق النواميس.
ولقد كان للنبيّ صلى الله عليه وسلم في تربية الأمّة أرقى الوسائل والأساليب، التي لا عهد للبشر بها في ذلك العصر، فقد كان يربّيهم تارة بالقدوة، وتارة بالقول، وتارة بالعمل، وتارة بهما معاً.. وكان ينمّي فيهم حبّ الله تعالى وخوفه، وخشيته ومراقبته، والإخلاص لوجهه، وابتغاء مرضاته. [السيرة النبويّة للشيخ محمّد محمّد أبو شهبة 2/630 بتصرّف وزيادة].
ولم تكن صلى الله عليه وسلم تربيته قاصرةً على فئةٍ دون أخرى في المجتمع، بل كان يتعهّد الرجال والنساء، والأطفال والأرقّاء، وأهل الحاضرة والبادية، وكان يترفّق بهم، ويتدرّج معهم، ولا يعنتهم، ولا يرضى لهم العنت، ويحثّهم على التعلّم والتعليم، ويضرب لهم الأمثال، ويسوق لهم المواعظ والحكم، ويقصّ عليهم أحسن القصص الحقّ، ويكثر لهم من إلقاء الأسئلة عليهم، ليشحذ أذهانهم، ويحفّز نفوسهم لتلقّي العلم، وحفظه ووعيه.
ولقد أخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بمبدأ التعليم الدائم المستمرّ، ووجّه طاقات المجتمع إلى التعلّم والتعليم، والتبليغ عنه صلى الله عليه وسلم ولو آية، ورفع مكانة طلب العلم إذ جعله فريضةً، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، ففي الحديث الشريف: عَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ المَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه وَهُوَ بِدِمَشْقَ، فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي ؟ فَقَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ ؟ قَالَ: لا، قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ ؟ قَالَ: لا، قَالَ: مَا جِئْتُ إِلاّ فِي طَلَبِ هَذَا الحَدِيثِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَبْتَغِي فِيهِ عِلْماً سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ.. وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ) [رواه الترمذيّ في كتاب العلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم /2606/، وأبو داود في كتاب العلم برقم /3657/].
ورفع صلى الله عليه وسلم من شأن الدعاة المصلحين، والهداة المربّين، إذ قال لعليّ رضي الله عنه: (.. فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) [رواه البخاريّ في كتاب المناقب برقم /3425/، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة برقم /4423/].
وإنّ أعظم أسلوب جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم لنشر العلم بين فئات الأمّة على اختلاف مستوياتها: هو تحويل التعليم إلى مسئوليّة دينيّة اجتماعيّة، تُطالب بها كلّ فئة متعلّمة، مهما تكن درجة تعليمها، تجاه من يجاورها أوْ تختلط به،، وقد جاء ذلك في حديث واضح كلّ الوضوح، يقرّر هذه الحقيقة ويؤكّدها: عَنْ عبْد الرحمنِ بنِ أبْزى رضي الله عنه قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فحمد الله واثنى عليه، ثم ذكر طوائف من الناس، وأثنى عليهم خيراً، ثم قال: ( ما بالُ أقوامٍ لا يُفقِّهون جيرانهم ؟! ولا يُعلِّمونهم ؟! ولا يُفطّنُونهم ؟! ولا يأمُرونهم ؟! ولا ينهونهم ؟!
وما بالُ أقوامٍ لا يتعلَّمُون من جيرانهم ؟! ولا يتفقَّهُون ؟! ولا يتفطَّنون ؟!.
والله ليُعَلِّمَنَّ قومٌ جيرانهم، ويفقهونهم، ويُفطنونهم، ويأمرونهم، وينهونهم، وليتعلمن قومٌ من جيرانهم، ويتفقهون، ويتفطنون، أو لأعاجلنَّهم العقوبة في الدنيا.
ثم نزل فدخل بيته، فقال قومٌ: من ترونه عنى بهؤلاء ؟ قالوا: نراه عنى الأشعريِّين، هم قومٌ فقهاء، ولهم جيرانٌ جُفاةٌ من أهل المياه والأعراب.
فبلغ ذلك الأشعريَّين، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يارسول الله، ذكرت قوماً بخيرٍ، وذكرتنا بشرٍّ، فما بالُنا ؟
فقال: ليُفقهُنَّ قومٌ جيرانهم، وليفطّنُنَّهم، وليأمرونَّهم، ولينهوُنَّهم، وليتعلّمَنَّ قومٌ من جيرانهم، ويتفطنون، ويتفقهون، أو لأعاجلنَّهم العقوبة في الدُّنيا.
فقالوا: يارسول الله أنُفطّن غيرنا ؟ فأعاد قوله عليهم، فأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا ؟ فقال ذلك أيضاً. فقالوا: أمهلنا سنةً، فأمهلهم سنة ليفقهوهم، ويعلمونهم، ويفطنونهم.
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُون * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُون}[المائدة:78 ــ79]، [رواه المنذري في الترغيب والترهيب 1/86 و " مجمع الزوائد " 1/164 ورواه الطبرانيّ في الكبير، وقال الحافظ ابن السكن: " إسناد هذا الحديث صالح " ورجّح أستاذنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة رحمه الله أنّه حسن أو يقاربه، ينظر: " الرسول المعلّم وأساليبه في التعليم " ص/17/].
يقول الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله في كتابه: " المدخل الفقهيّ العامّ " تعليقاً على هذا الحديث: " إنّ هذا الموقف العظيم في اعتبار التقصير في التعليم والتعلّم جريمة اجتماعيّة يستحقّ مرتكبها العقوبة الدنيويّة، موقف لم يرو التاريخ له مثيلاً في تقديس العلم قبل النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا بعده، ويدخل في ارتكاب المنكر، واستحقاق العقوبة التعزيريّة عليه: إهمال الواجبات الدينيّة، ومن جملتها: التعليم والتعلّم، فإذا قصّر العالم في واجب التعليم، أو قصّر الجاهل في تعلّم القدر الواجبِ شرعاً من العلم: استحقّا عقوبةَ التعزير على التقصير، فإنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: ( طَلَبُ العلمِ فَريضةٌ على كُلّ مُسلمٍ ) [روي بطرق كثيرة، وقد حسّنها الحافظ المزّيّ، وحكم السيوطيّ رحمه الله بصحّته، وقد جمع في طرقه جزءاً كما في " فيض القدير " للمناوي 4/267]، ولفظ: " المسلم " هنا يشمل الرجل والمرأة، لأنّ الحكم منوط بصفة مشتركة هي الإسلام " [الرسول المعلّم وأساليبه في التعليم ص/18/ للشيخ عبد الفتّاح أبو غدّة].
يقول " كارليل " في بيان حال العرب، ومدى تأثير النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم: " هم قوم يضربون في الصحراء، لا يؤبه لهم عدّة قرون، فلمّا جاءهم النبيّ العربيّ أصبحوا قبلة الأنظار في العلوم والعرفان، وكثروا بعد القلّة، وعزّوا بعد الذلّة، ولم يمض قرن حتّى استضاءت أطراف الأرض بعقولهم وعلومهم " [نقلاً عن كتاب " الرسول المعلّم وأساليبه في التعليم ص/11/ للشيخ عبد الفتّاح أبو غدّة].
لقد أثبت التاريخُ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معلّماً وأيّ معلّم، ونظْرةٌ يسيرة إلى ما كانت عليه البشريّة قبل رسولِ الله، وإلى ما آلت إليه البشريّة بعد رسالتِه تعطينا أوضح شاهد ودليل على ثبوت ذلك.
وإذا لاحظنا النماذج المعلّمة الهادية من النوع الإنسانيّ، التي شاهدتها البشريَّة بعد الرسولِ المعلّمِ صلى الله عليه وسلم رأيناها تدلّ أقوى الدلالة على عظم هذا المعلّم المربّي الكبير، الذي تتقاصر أمامه أسماء كلّ الكبار الذين عرفوا وذكروا في عالم التعليم والتربية وتاريخهما.
فأيّ معلّم من المربّين تخرّج على يديه عدد أوفر وأهدى من هذا الرسول الكريم، الذي تخرّج به هؤلاء الأصحاب والأتباع ؟ فكيف كانوا قبله ؟ وكيف صاروا بعده ؟ إنّ كلّ واحد من هؤلاء الأصحاب دليل ناطق على عظم هذا المعلّم المربّي الفريد الأوحد، وهذا يذكّرُنا بكلمة طيّبة جدّاً لبعض الجهابذة الأصوليّين، يقول فيها: " لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزةٌ إلاّ أصحابَه لكفوه لإثبات نبوّته " [ذكرها الإمام القرافيّ في كتابه الفروق 4/170 في آخر الفرق 242].
وإذا كانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّها علم وتعليم، وتربية وتزكية، فلن نستطيع أن نقدّم هنا إلاّ شذرات معبّرة، وقطوفاً مثمرة.. وإلاّ ففي كلّ حركة من حركات السيرة العطرة بصمة تعليميّة، ولمسة تربويّة، وصلّى الله على معلّم الخير، القائل: ( إنّما بعثت معلّماً ) [رواه ابن ماجة في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص في المقدّمة 1/83/، والدارميّ في سننه، في حديث طويل، وفي سنده ضعف، ويشهد له حديث مسلم التالي].
فعندما خيّر النبيّ صلى الله عليه وسلم نساءه ".. فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْراً أُحِبُّ أَنْ لا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ.؟! فَتَلا عَلَيْهَا الآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ.؟ بَلْ أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: ( لا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلاّ أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتاً وَلا مُتَعَنِّتاً، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّماً مُيَسِّراً ) [رواه الإمام مسلم في كتاب الطلاق برقم /2703/.].
ويستفاد من هذا الحديث أنّ التعليم الحقّ والتيسير قرينان، ويقول الإمام الغزاليّ رحمه الله تعليقاً على هذا الحديث: " وفي إبهامه صلى الله عليه وسلم، وعدم مصارحته ومواجهته لعائشة بالزجر إشعارٌ بأنّ من دقائق صناعة التعليم أن يزجرَ المعلّم المتعلّم عن سوء الأخلاق باللطفِ والتعريض ما أمكن، من غير تصريح، وبطَريقِ الرحْمةِ من غير توبيخ، فإنّ التصريحَ يهتكُ حجاب الهيبة، ويورث الجُرأةَ على الهجوم بالخلاف، ويُهيّج الحرصَ على الإصرار " [نقلاً عن كتاب " الرسول المعلّم وأساليبه في التعليم ص/11/ للشيخ عبد الفتّاح أبو غدّة].
وممّا يؤكّد رفقه صلى الله عليه وسلم في التعليم، ورحمته بالمتعلّمين ما جاء في الحديث عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَحِيماً رَقِيقاً، فَظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِنْ أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ ، فَقَالَ: ( ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ) [رواه البخاري في كتاب الأذان برقم /595/ ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم /108/ وهذا لفظ مسلم].

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-12-2022, 03:39 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 101,048
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عظمة أخلاقه صلى الله عليه وسلم في التعليم ورفقه في الدعوة

عظمة أخلاقه صلى الله عليه وسلم في التعليم ورفقه في الدعوة (2)


عبد المجيد أسعد البيانوني


من أروع الأمثلة والنماذج الدالّة على رفقه صلى الله عليه وسلم في التعليم، والدعوة إلى الله تعالى ما جاء في الحديث عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ.؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي [أي: ما نهرني]، وَلا ضَرَبَنِي، وَلا شَتَمَنِي، قَالَ: ( إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ )، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإِسْلامِ وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: فَلا تَأْتِهِمْ، قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلا يَصُدَّنَّهُمْ، قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنْ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ، قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَماً لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلا أُعْتِقُهَا.؟ قَالَ: ائْتِنِي بِهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ اللهُ ؟ قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: مَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) [رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة برقم /836/].


وعلّق الإمام النوويّ رحمه الله على هذا الحديث بقوله: " وفيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق، الذي شهد الله تعالى له به، ومن رفقه بالجاهل، ورأفته بأمّته، وشفقته عليهم، وفيه التخلّق بخلقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إليه ".

ويشبه هذا الحديث ما جاء من رفقه صلى الله عليه وسلم ولطفه في تعليم الجاهل، وتحمّل أذاه: ما رواه أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَهْ مَهْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ، فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: ( إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلاً مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ ) [رواه مسلم في كتاب الطهارة برقم/429/].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ المَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّداً، وَلا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَداً، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:

لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعاً، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ دَلْواً مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ ) [رواه أحمد في المسند برقم /6957/].

والتعليم الحقّ هو الذي يكون مبعثه ودافعه: الرحمة والرفق بعباد الله، والاجتهاد في نصحهم، ونشر دين الله وتبليغ رسالته: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين}[الشعراء:214]، دَعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُرَيْشاً، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ، فَإِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللهِ شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً، سَأَبُلُّهَا بِبَلالِهَا ) [رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم /303/].

زاد في رواية الترمذيّ في كلّ مرّة: (.. فَإِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللهِ ضَرّاً وَلا نَفْعاً ) [في كتاب تفسير القرآن عن رسول الله برقم/3109/].

وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ، قَالَ: نَعَمْ، لَمَّا بَلَغَنِي خُرُوجُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَرِهْتُ خُرُوجَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، خَرَجْتُ حَتَّى وَقَعْتُ نَاحِيَةَ الرُّومِ، وَقَالَ يَعْنِي يَزِيدَ: بِبَغْدَادَ، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى قَيْصَرَ، قَالَ: فَكَرِهْتُ مَكَانِي ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ كَرَاهِيَتِي لِخُرُوجِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ لَوْلا أَتَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنْ كَانَ كَاذِباً لَمْ يَضُرَّنِي، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَلِمْتُ، قَالَ: فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ قَالَ النَّاسُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي: يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، ثَلاثًا، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ، فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي ؟! قَالَ: نَعَمْ، أَلَسْتَ مِنْ الرَّكُوسِيَّةِ، وَأَنْتَ تَأْكُلُ مِرْبَاعَ قَوْمِكَ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا لا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ، قَالَ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا، فَتَوَاضَعْتُ لَهَا، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنْ الإِسْلامِ، تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ، وَمَنْ لا قُوَّةَ لَهُ، وَقَدْ رَمَتْهُمْ الْعَرَبُ، أَتَعْرِفُ الحِيرَةَ ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ سَمِعْتُ بِهَا، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ مِنْ الحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَيَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، قَالَ: قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَيُبْذَلَنَّ المَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنْ الحِيرَةِ فَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَنْ فَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ، لأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَهَا " [رواه أحمد في أوّل مسند الكوفيّين برقم /17548/].

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (سَيَأْتِيكُمْ أَقْوَامٌ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَقُولُوا لَهُمْ: مَرْحَباً مَرْحَباً بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاقْنُوهُمْ ) قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا اقْنُوهُمْ ؟ قَالَ: عَلِّمُوهُمْ " [رواه ابن ماجة في كتاب المقدّمة برقم/243/].

ومن المواقف الدالّة على عظمة أخلاقه صلى الله عليه وسلم في التعليم، ورفقه في الدعوة إلى الله: حسن استقباله لوفد عبد القيس، وتعليمهم وحسن ضيافتهم: عَن شِهَابِ بْنِ عَبَّادٍ: أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَهُوَ يَقُولُ: قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاشْتَدَّ فَرَحُهُمْ بِنَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، أَوْسَعُوا لَنَا فَقَعَدْنَا، فَرَحَّبَ بِنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَدَعَا لَنَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَنْ سَيِّدُكُمْ وَزَعِيمُكُمْ ؟ فَأَشَرْنَا جَمِيعاً إِلَى المُنْذِرِ بْنِ عَائِذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَهَذَا الأَشَجُّ ؟ فَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ وُضِعَ عَلَيْهِ هَذَا الاسْمُ، لِضَرْبَةٍ بِوَجْهِهِ بِحَافِرِ حِمَارٍ، فَقُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَتَخَلَّفَ بَعْدَ الْقَوْمِ، فَعَقَلَ رَوَاحِلَهُمْ، وَضَمَّ مَتَاعَهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَ عَيْبَتَهُ، فَأَلْقَى عَنْهُ ثِيَابَ السَّفَرِ، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ بَسَطَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رِجْلَهُ وَاتَّكَأَ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ الأَشَجُّ أَوْسَعَ الْقَوْمُ لَهُ، وَقَالُوا: هَاهُنَا يَا أَشَجُّ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَاسْتَوَى قَاعِداً، وَقَبَضَ رِجْلَهُ: هَاهُنَا يَا أَشَجُّ، فَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَوَى قَاعِداً، فَرَحَّبَ بِهِ، وَأَلْطَفَهُ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ بِلادِهِ، وَسَمَّى لَهُ قَرْيَةَ الصَّفَا، وَالمُشَقَّرِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قُرَى هَجَرَ، فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ لأَنْتَ أَعْلَمُ بِأَسْمَاءِ قُرَانَا مِنَّا، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ وَطِئْتُ بِلادَكُمْ، وَفُسِحَ لِي فِيهَا، قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَكْرِمُوا إِخْوَانَكُمْ، فَإِنَّهُمْ أَشْبَاهُكُمْ فِي الإِسْلامِ، وَأَشْبَهُ شَيْءٍ بِكُمْ شِعَاراً وَأَبْشَارًا، أَسْلَمُوا طَائِعِينَ، غَيْرَ مُكْرَهِينَ، وَلا مَوْتُورِينَ، إِذْ أَبَى قَوْمٌ أَنْ يُسْلِمُوا، حَتَّى قُتِلُوا، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتُمْ كَرَامَةَ إِخْوَانِكُمْ لَكُمْ، وَضِيَافَتَهُمْ إِيَّاكُمْ ؟ قَالُوا: خَيْرَ إِخْوَانٍ، أَلانُوا فَرْشَنَا، وَأَطَابُوا مَطْعَمَنَا، وَبَاتُوا، وَأَصْبَحُوا يُعَلِّمُونَنَا كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا، فَأُعْجِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَفَرِحَ بِهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَجُلاً رَجُلاً، يَعْرِضُنَا عَلَى مَا تَعَلَّمْنَا وَعَلِمْنَا، فَمِنَّا مَنْ تَعَلَّمَ التَّحِيَّاتِ وَأُمَّ الْكِتَابِ، وَالسُّورَةَ، وَالسُّورَتَيْنِ، وَالسُّنَّةَ، وَالسُّنَّتَيْنِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ أَزْوَادِكُمْ شَيْءٌ ؟ فَفَرِحَ الْقَوْمُ بِذَلِكَ، وَابْتَدَرُوا رِحَالَهُمْ، فَأَقْبَلَ كُلُّ رَجُلٍ مَعَهُ صُبْرَةٌ مِنْ تَمْرٍ، فَوَضَعَهَا عَلَى نِطْعٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَوْمَأَ بِجَرِيدَةٍ فِي يَدِهِ كَانَ يَخْتَصِرُ بِهَا، فَوْقَ الذِّرَاعِ وَدُونَ الذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ: أَتُسَمُّونَ هَذَا التَّعْضُوضَ ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى صُبْرَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: أَتُسَمُّونَ هَذَا الصَّرَفَانَ ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى صُبْرَةٍ فَقَالَ: أَتُسَمُّونَ هَذَا الْبَرْنِيَّ ؟ فَقُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ خَيْرُ تَمْرِكُمْ، وَأَنْفَعُهُ لَكُمْ، قَالَ: فَرَجَعْنَا مِنْ وِفَادَتِنَا تِلْكَ فَأَكْثَرْنَا الْغَرْزَ مِنْهُ، وَعَظُمَتْ رَغْبَتُنَا فِيهِ، حَتَّى صَارَ عُظْمَ نَخْلِنَا وَتَمْرِنَا الْبَرْنِيُّ قَالَ: فَقَالَ الأَشَجُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَرْضَنَا أَرْضٌ ثَقِيلَةٌ وَخِمَةٌ، وَإِنَّا إِذَا لَمْ نَشْرَبْ هَذِهِ الأَشْرِبَةَ، هِيجَتْ أَلْوَانُنَا، وَعَظُمَتْ بُطُونُنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا تَشْرَبُوا فِي الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ، وَلْيَشْرَبْ أَحَدُكُمْ فِي سِقَائِهِ، يُلاثُ عَلَى فِيهِ، فَقَالَ لَهُ الأَشَجُّ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، رَخِّصْ لَنَا فِي هَذِهِ، فَأَوْمَأَ بِكَفَّيْهِ، وَقَالَ: يَا أَشَجُّ إِنْ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ، وَقَالَ بِكَفَّيْهِ هَكَذَا، شَرِبْتَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ، وَفَرَّجَ يَدَيْهِ وَبَسَطَهَا، يَعْنِي أَعْظَمَ مِنْهَا، حَتَّى إِذَا ثَمِلَ أَحَدُكُمْ مِنْ شَرَابِهِ، قَامَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ فَهَزَرَ سَاقَهُ بِالسَّيْفِ، وَكَانَ فِي الْوَفْدِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَصَرٍ، يُقَالُ لَهُ: الحَارِثُ، قَدْ هُزِرَتْ سَاقُهُ فِي شُرْبٍ لَهُمْ، فِي بَيْتٍ تَمَثَّلَهُ مِنْ الشِّعْرِ، فِي امْرَأَةٍ مِنْهُمْ، فَقَامَ بَعْضُ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ فَهَزَرَ سَاقَهُ بِالسَّيْفِ، قَالَ: فَقَالَ الحَارِثُ: لَمَّا سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلْتُ أُسْدِلُ ثَوْبِي، لأُغَطِّيَ الضَّرْبَةَ بِسَاقِي، وَقَدْ أَبْدَاهَا اللهُ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم ) [رواه أحمد في المسند برقم /17162/ وقال المنذريّ: إسناده صحيح، وقال الهيثميّ (8/178): ورجاله ثقات].

وأخرجه عبد الرزّاق عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه، قال: كنّا جلوساً عند النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: ( جاءكم وفد عبد القيس، ولا نرى شيئاً، فمكثنا ساعةً، فإذا قد جاءوا، فسلّموا على النبيّ صلى الله عليه وسلم.. ثمّ أمر بكلّ رجل منهم رجلاً من المسلمين، ينزله عنده، ويقرئه، ويعلّمه الصلاة، فمكثوا جمعةً، ثمّ دعاهُم فوجدهم قد كادوا أن يتعلّموا، وأن يفهموا، فحوّلَهم إلى غيرهم، ثمّ تركهم جمعةً أخرى، ثمّ دعاهم فوجدهم قد قرأوا وتفهّموا، فقالوا: يا رسول الله قد اشتقنا إلى بلادنا، وقد علّم الله خيراً وفقهنا، فقال: ارجعوا إلى بلادكم.. ) [انظر حياة الصحابة 3/184/].

وفي الصحيح عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: ( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ ) [رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم /24/، والترمذيّ في كتاب البرّ والصلة عن رسول الله برقم /1934/ وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ].

وروى أبو داود بسنده، قال: حَدَّثَتْنِي أُمُّ أَبَانَ بِنْتُ الْوَازِعِ بْنِ زَارِعٍ عَنْ جِدِّهَا زَارِعٍ، وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا فَنُقَبِّلُ يَدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرِجْلَهُ قَالَ: وَانْتَظَرَ المُنْذِرُ الأَشَجُّ حَتَّى أَتَى عَيْبَتَهُ فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ: ( إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلْمُ وَالأَنَاةُ )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمْ اللهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا ؟ قَالَ: ( بَلْ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا ) قَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ ) [ رواه أبو داود، في كتاب الأدب برقم/4548/.].

ولقد أجمع المربّون على أنّ أهدى سبل التربية والتعليم، وأقوم مناهج الحكمة ألاّ يقنع المربّي باقتلاع رذيلة، حتّى يغرس مكانها فضيلة، وألاّ يرضى بهدم منكر حتّى يبني على أنقاضه معروفاً، وأن يكون تعليمه بسيرته وسلوكه، قبل أن يكون تعليمه بكلامه، وأن يتدرّج في تعليم المتعلّم، فلا يلقي عليه بالمسائل الكثيرة في المجلس الواحد، كما لا يحمّله من مسائل العلم ما لا يناسب سنّه أو قدرة عقله.. وكلّ ذلك كان من أسلوب سيّد المرسلين والمربّين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وكان شأنه في تربيته وتعليمه، ودعوته إلى الحقّ، وهدايته إلى الرشد، وما جاء به من منهج ربّانيّ شامل، منذ بعثه الله ليتمّم مكارم الأخلاق.

وتمتزج التربية بالتعليم في رسالة الإسلام، وفي سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وهديه حتّى لا يكاد المرء يميّز بينهما، كما تمتزج الدعوة إلى الله تعالى بالتربية التعليم، حتّى يصحّ أن يقال عنهما: إنّهما وجهان لعملة واحدة.

فمن أساليبه صلى الله عليه وسلم الرفيقة في التعليم: التعليم بالقدوة والسلوك العملي: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ( مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ.؟! أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ ؟! فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا: وَوَصَفَ الْقَاسِمُ: فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ).

وَزَادَ فِي رواية: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ) [رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم /855/].

وَزَادَ فِي رواية: ( فَقَالَ: أَرُونِي عَبِيراً، فَقَامَ فَتًى مِنْ الحَيِّ يَشْتَدُّ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ، فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمْ الخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُمْ.. )

وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم بأصحابه وأمّته: التدرّج في التعليم، فكان يقدّم الأهمّ فالأهمّ، ويعلّم شيئاً بعد شيء، ليكون العلم أقرب تناولاً، وأثبت على الفؤاد علماً وفهماً، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: ( إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ ) [رواه البخاري في كتاب الزكاة برقم /1401/، ومسلم في كتاب الإيمان برقم /27/].

وقد كان التدرّج منهج الصحابة في التلقّي، حتّى في تلقّي القرآن الكريم، مع ما عرف عنهم من شدّة حرصهم، وعظيم رغبتهم في تلقّي القرآن، فعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلميّ المقرئ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ آيَاتٍ، فَلا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الأُخْرَى، حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالُوا: فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ ) [رواه أحمد في المسند برقم /22384/].

ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالمتعلّمين: تعهدهم بين الحين والآخر، كيلا يملّوا أو يسأموا، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ بَابِ عَبْدِ اللهِ نَنْتَظِرُهُ، فَمَرَّ بِنَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، فَقُلْنَا: أَعْلِمْهُ بِمَكَانِنَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: إِنِّي أُخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ إِلاّ كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا ) [رواه مسلم في كتاب صفة القيامة والجنّة والنار برقم /5047/].

ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بالمتعلّمين: التلطّف بهم في القول، والتشويق قبل إلقاء العلم أو الموعظة؛ والتشويق يكون بأساليب كثيرة، لعلّ أهمّها الجذب العاطفيّ نحو المعلّم، ليكون تلقّي المتعلّم منه أوثق وأتمّ: عَنْ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيُّ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: ( يَا مُعَاذُ وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ )، وَأَوْصَى بِذَلِكَ مُعَاذٌ الصُّنَابِحِيَّ، وَأَوْصَى بِهِ الصُّنَابِحِيُّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ [رواه أبو داود في كتاب الصلاة برقم /1301/، والترمذيّ برقم /2393/ وابن حبّان برقم /2514/ وأحمد].


وزاد أحمد في روايته: قَالَ: ( يَا مُعَاذُ إِنِّي لأُحِبُّكَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ.. وفي آخره: وَأَوْصَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ [رواه أحمد في المسند برقم /21103/].

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد معلم الناس الخير، وعلى آله وصحبه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 92.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 90.63 كيلو بايت... تم توفير 2.29 كيلو بايت...بمعدل (2.46%)]