العمد الخفية في بنى العربية: التعبيرات المجازية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين إضغط هنا / وبإمكانكم التواصل معنا مباشرة عبر خدمة واتس اب - Whats App / 009613654576

 
اخر عشرة مواضيع :         {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 42 - عددالزوار : 1556 )           »          حدوته اطفال قبل النوم حدوته الأسد والفأر (اخر مشاركة : asdwt - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          قصص أطفال قبل النوم عمر 3 سنوات قصه الثعلب المكار (اخر مشاركة : asdwt - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حواديت اطفال مكتوبه قصه القطه الحائره (اخر مشاركة : asdwt - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2605 - عددالزوار : 260554 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 1967 - عددالزوار : 96516 )           »          فتح المجيد ، شرح كتاب التوحيد شرح الشيخ احمد حطيبة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 96 )           »          الطبيب الداعية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          تعظيم قدر العلماء وخطورة تنقصهم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          عبد الله ناصح علوان الداعية والمربي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى الإنشاء

ملتقى الإنشاء ملتقى يختص بتلخيص الكتب الاسلامية للحث على القراءة بصورة محببة سهلة ومختصرة بالإضافة الى عرض سير واحداث تاريخية عربية وعالمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-09-2019, 07:09 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 19,133
الدولة : Egypt
افتراضي العمد الخفية في بنى العربية: التعبيرات المجازية

العمد الخفية في بنى العربية: التعبيرات المجازية
محمد صادق عبدالعال






انفتق لسان العرب على شطرين للكلام، وهما: حقيقةٌ ومجاز، فأما الحقيقي فهو ما تستخدم فيه الألفاظ لِتُعبِّر عن معانيها الحقيقية "مثل: الولد مطيع، والباب مغلق، وأما المجازي فهو الذي تستخدم فيه الألفاظ لِتُعَبِّر عن معنى غير الحقيقة، أو هو ما عُبِّر عن الحَدَث بمفردة ليست من بنيانه وكلمة ليست من قوامه، ليلفت انتباه الْمُطَّلع، فينتبه لروعة البيان، وسموِّ اللفظ العربي؛ كقولنا مثلًا: اشتعلت المعركة، وانفرط عقد العائلة أو كقولهم قديمًا: "أحيا رميم المكارم" لتحرك تلك الجملة في عقول ذوي الفكر والبلاغة مشاعرَ أدبيةً وإنسانيةً، أو قولهم في التشخيص: "حَمَام مسرول"، وكان يطلق على الحمَام الذي يكسو الريش جُلَّ قدميه حتى الأطراف، والكثير مما كان له بالغ الأثر في تراث العرب.

وعلى ذلك التقسيم اجتهد علماء البلاغة اجتهادًا محمودًا في تقسيم علومها إلى ثلاثة أنواع، هن خُلاصة الخلاصة في علم البلاغة:
علم البيان: وهي الرتبة الأعلى في البلاغة، وهو علم الخيال والصُّوَر، فمنها تنبع الكناية والاستعارة والتشبيه والخيال، ثم المجاز وهو بيت قصيد المقال.

علم البديع: وهو اللون البياني الذي يكشف عن ثقافة الكاتب، وحصيلته اللغوية، وكيفية التوظيف الجيِّد لعناصر البديع من حُسْن تقسيم، وتصريع، وازدواج، ومقابلة، وطباق.

علم المعاني: وهو العتبة الأولى للكاتب في التفريق بين أسلوبه الخبري والإنشائي، وكيف له أن يفرِّق بينهما حال الكتابة؟ وكيف يوجز ويطنب ويسترسل حسب حالة النص وما تقتضيه سنن البلاغة؟ وليس اقتصارنا فى تلك السطور على المجاز قلة إحاطة أو إماطة عن التعرض لباقي ألوان البيان والبديع؛ ولكنه قد استرعى كثيرًا من تفكيري في الفترة الأخيرة، وأتساءل: أية لغة بها من رقةِ وعذوبةِ ودقةِ وحُسْن تقسيم وترسيم واستهلال سوى العربية المكناة بلغة الضاد؟!

وكدَأْبنا دائمًا حينما نتعرَّض لمناقشة أدبية أو اجتماعية أن نمرَّ ولو مرور الكرام على المفردة محل الدراسة أو المناقشة من الناحية اللغوية والترادفية إضافة لرصيدنا اللغوي قبل القارئ نفسه؛ وإن لم نفعل ذلك فما نحن بالمنصفين للغتنا الجميلة أو هويتنا الثقافية، فمفردة المجاز من:
المجاز لغة: مأخوذ من جاز، يجوز، جوزًا، وجوازًا، يقال: جاز المكان: إذا سار فيه، وأجازه: قطَعه، يقال: جاز البحر: إذا سلَكه، وسار فيه حتى قطَعه وتعدَّاه، ويقال: أجاز الشيء؛ أي: أنفَذه، ومنه: إجازة العقد: إذا جعله جائزًا نافذًا ماضيًا على الصحة.

وجاوزتُ الشيء وتجاوزتُه: تعدَّيتُه، وتجاوزت عن المسيء: عفوتُ عنه وصفحت، قال ابن فارس: (جوز) الجيم والواو والزاء أصلانِ: أحدهما: قطعُ الشيء، والآخر: وسط الشيء؛ فأما الوسط، فجَوْز كل شيء وسَطه...، والأصل الآخر: جُزْت الموضع: سِرْت فيه، وأجزته: خلَّفته وقطعتُه، وأجزته: أنفذته[1].

والمجاز في اللغة العربية ليس بمستحدثٍ فيها، ولا غريب عن بنيانها؛ بل إنه أصيل فيها أصالة عنصري الماء فيه؛ حقيقٌ بألَّا يُترك الأخذ به والتشبُّع بمفرداته الثمينة الرائعة، يدرك ذلك أرباب اللغة ومحبُّوها، فالعربي القديم قد أشرب في قلبه محبة اللغة، فصاغ منها شعرًا ونثرًا وصَنَّع من يواقيتها دُرَرَ الحكمة، ونفيس العِظة، وتفنَّنَ في كتابتها ببديع وترصيع كأنه يصوغ من قطرات الندى الصافية عناقيدَ لؤلؤ تنال من وهج الشمس، فتُمِيِّز اللسان العربي عن غيره بما أوتي من لغة ثرية لها من وفرة الألفاظ ومصداقية المجاز، ما جعلها تسكن بين طيَّات الكتب والمعاجم، وتصبح على آثارها عديدة المناقب يُحتذى بها فى كل رَصْفٍ ووَصْفٍ حتى فى أُسس البلاغة ومعاجم الكلام.

ولعل جفاف البيئة العربية وطبيعتها القاسية من عوامل تَفنُّن العربي القديم في ديباجة مجازات لها حكمة بالغة تُخفِّف عنه من شدة الحرِّ وقسوة المناخ؛ فكنى الصحراء القاحلة بالمفازة، تيمُّنًا واستبشارًا.

إن المجاز الذي يقع في المرتبة الأولى من مراتب البلاغة بعد الكناية والتشبيه والاستعارتين ليصبح واجهةً رسوميةً إبداعيةً خلَّاقةً لما سبقه وما تلاه من ألوان للبديع، فبه تتراكب العبارات؛ لتبني الصور التي تُواكِب كلَّ الحقب والعصور.

وقد عجز العرب عن الإتيان بمثل فصاحة لغة القرآن العظيم، ولهم ألسن ما عَجمت أعجميًّا، ولا اعتزت، ولا افتخرت، إلا بكل ما هو فصيح صريح.

ولقد تعَلَّل فريقٌ من كُتَّابنا الأدباء بأن ما آلت إليه العربية اليوم من نَبْذ وإقصاء هو "مجازية" الكثير من كلماتها وسياق المعاجم القديمة لأمثلة من الشعر الذي هو في الأساس لغة مجازية، وعلى سبيل الذكر ممن ذهبوا للقول بذلك هو د. إبراهيم عبدالرحمن محمد في مقاله - بعنوان "من مشكلات اللغة العربية"[2]- تكلم فيه أستاذنا الفاضل عن كُنْه المشكلة؛ حيث أرجع ما آلت إليه اللغة العربية الفصحى في اعتبارها لم تعد "لغةً متحدثةً"، بمعنى أن المٌثقفين وغير المٌثقفين يتحدثون العامية بمستويات ولهجات تختلف باختلاف البيئات، ولن أنقل عن الكاتب نقل ناسخ ومنسوخ؛ لكن ما يعنينا من تصريحاته هي تلك الجزئية: (قال بأن الاعتماد في صناعة المعاجم التي تضبط دلالات اللغة قامت على الشعر الجاهلي، والذي استمدوا من لغته مادة لتلك المعاجم، ويبرر بأن لغة الشعر بطبيعتها "لغة مجازية" تُحمَل الألفاظ فيها على وجوه مختلفة حسب ما تطرحه السياقات الشعرية فضلًا عن معانٍ تفتقر إلى الترتيب التاريخي.

وليس د/ إبراهيم عبدالرحمن أول ولا آخر مَنْ قال بذلك، وما علينا إلا أن نُقَدِّم ردًّا يقتضي الحسم لمن سبق، وقال من هو قادم بمثل ذلك، نقول بعد الحمد لله والصلاة والسلام على نبيِّه ومُصطفاه:
إن مجازية اللغة تُعَدُّ من مسبِّبات انتعاشها، وليست من معوقات انتشارها ومعاصرتها، فليس على الذي يعتدُّ بالقواعد والمعايير النحوية والصرفية من جناح ولا مشقَّة في ذلك؛ إذ إن له قاموسًا عربيًّا ذاخرًا تعدَّدت فيه اللفظة، واختلف معناها، وتعدَّد المعنى مع ثبوت اللفظة نفسها! وما دامت قواعد النحو على منهج قائم ثابت دائم، فلا يضرُّ الدارس تعدُّد المفردات ولا خروجها عن معناها الحقيقي، وإن محاولة استئصال المجاز من اللغة إرضاءً لأقلام العصر كمَنْ يحاول انتشال العسل من الماء ليعود كلٌّ منهما إلى الأصل، فأنى له ذلك؟ فهذا شفاءٌ وذاك سرُّ حياة! ولك أن تسوق بالأمثلة من كل ما يستحيل فصله عن أصله لتُعبِّر عن توأمة المجاز مع حرف الضاد.

وكيف للمجاز أن ينسلخ عن اللغة وهو في كل شيء منها حتى الأسماء والكُنى! فكم من أشياء سميت بأسماء مجازية لها كناية عن غرضها وجودها.

إن المجاز الذي يعدونه مانعًا من موانع سيادة اللغة العربية ومسايرتها لروح العصر، وإن كانت ذات سيادة منذ أن انفتق بها لسان العرب قديمًا لهو نَهْرُها العَذْب المتدفِّق بما اشتهت نفوس المحبِّين.

وللمقال بقية بإذن الله


[1] المجاز/ د. سامح عبدالسلام محمد، منشور في شبكة الألوكة.

[2] نشر في مجلة العربي الشهرية - الكويت.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15-09-2019, 02:10 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 19,133
الدولة : Egypt
افتراضي رد: العمد الخفية في بنى العربية: التعبيرات المجازية

العمد الخفية في بنى العربية: التعبيرات المجازية (2)
محمد صادق عبدالعال








لَمَّا كانت الدراسات الأدبية تعتمد كمثيلاتها من الدراسات الأخرى على ما أنجزه السابقون، أو تمحو ما سبقها؛ لتسطِّر من جديد سياقات ومسارات متغيرة عنها، أو بديلة مواكبة - فإن علماء البلاغة منذ أن وضعوا لها الخطوط الرئيسية الخاصة بها؛ كعبدالقاهر الجرجاني، والسكاكي، والإمام السيوطي، والإمام القزويني محمد بن عبدالرحمن الخطيب، والإمام ابن مالك، والزمخشري في كتبه أساس البلاغة، والكشاف في تفسير القرآن الكريم، الذي عُني فيه عناية بتطبيق القرآن على قواعد البلاغة والتشبيه، وما حوى من فصاحة وبيان، وغيرهم ممن كانت لهم بصمات عميقة في هذا الفن الجميل الذي رسم الخطوط العريضة لمن رام أن يستكشف جماليات اللغة بشتى ألوانها وبمعايير الأدب الموضوعة والمصنوعة على أعيُن أربابها، فمنهم من اقتدى بالسلف، ومنهم انحرف عن مسار غيره؛ لينضح كل إناءِ بما فيه، وليغترف المشتهي بما رنت إليه عينُه!



ولَمَّا تطلَّعت بعين قارئ مبتدئ لكتب البلاغة المنشورة وغيرها التقنية المرفوعة على الشبكة العنكبوتية، استشرفت مجهودات عظيمة لعلمائنا الأجلاء، رحِم الله الراحلين منهم، وحفِظ من لا زالت بصدورهم قلوب تطمئن بذكره، ولقد تحيَّرت كثيرًا وفرَّت من رأسي أفكارٌ شتى في كيفية التناول لسلسلة "العمد الخفية في بنى العربية: المجاز"، وكان انبعاث الحيرة من مخافة التشتت بين اختلاف الرؤى لعلماء علوم البلاغة وبخاصة المجاز الذي هو بيت قصيدي في المقال، وبين آلية التناول التي أود ألا تسير على نمطية التعريف والأقسام والأنواع والعلاقات المجازية والأمثلة وفقط، فلقد أسهب الراحلون في ذلك إسهابًا وتلاهم اللاحقون استظهارًا وإطنابًا ونقلًا ونسخًا، لدرجة أن الأمثلة التي ساقها السابقون يأتي بها المتأخرون، إلا من حاد عمن سبقوه، واستنبط أو أوجز علاقات أخرى كلها تَصُبُّ في معين المجاز وإشكاليته.



والحمد لله رب العالمين، فقد هداني من بيده الهدى والرشاد إلى تناول القضية بهيئة غير التي قدمت لها، مع الأخذ في الاعتبار أن حضور الأمثلة دلالات إقناع على مصداقية القلم وقراءة صاحبه، وهذا لا يعني أننا سوف نسرد بعون الله تعالى العلاقات التي يقوم عليها المجاز، التي تبيح للكاتب المشابهة بين المعنى المتجوز عنه والمتَجوز إليه، وسبب الاتصال بينهما وفقط، ولكن سيكون لنا دورنا الحاضر حتى ولو كان ضئيلًا في أعين مَن حباهم الله قرائحَ العلوم البلاغية والبيانية.



ونقول بعون الله تعالى:إن المجاز الذي هو الكلمة التي لم تستعمل فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب لمعناه الحقيقي لهو شعبة عليا مِن شعب البيان، قد تشبَّعت به العربية، تشبُّعًا لدرجة منعتْ وحجَبت المريدين بالعربية إقصاءً أن يُخرجوه منها، وأني لهم ذلك وهي مبنية أصلًا عليه، بل إن عمد العربية تقوم على مجازية الكلام، تشهد بذلك نصوص العربية القديمة والجديدة، ومن يبحث وينقِّب في كتابات السابقين وأهل التراث، يجد مراتع كثيرة ومغانمَ وفيرة حتى في الدراسات والكتابات العلمية نفسها، وسوف نسوق لذلك الأمثلة بعونه تعالى وجليل فضله.



وحتى لا نفر مما وكَّلنا به أنفسنا في صدر المقال الثاني في نسخ ولصق علاقات المجاز لكتابنا الكرام، وما كان لي أن أخرج من رواق الألوكة الطيبة، حتى ارتاد حدائقها المثمرة وكتاباتها المسفرة وفيها لكل "من يبتغي التبيان تبيان"، حتى أسرد العلاقات التي وردت إلينا من بين أُهُب الكتب القديمة لعلماء البلاغة الأجِلَّاء، فقد ذخرت مكتبة الألوكة الطيبة بدراسات عديدة وأقلام كثيرة، لها باع في هذا اللون البياني الجميل؛ منهم على سبيل الذكر لا الحصر: الفاضل الكريم د. سامح عبدالسلام في كتاباته في مسألة البيان والمجاز، والأستاذ أبو أنس أشرف بن يوسف بن حسن، وقد أجادا وأفاضا فيضًا له أن ينهمر في مسألة المجاز بما ساقا من أمثلة عَملية وتدريبات فِعلية على العلاقات والمكاشفة بين أنواعها التسع، منشورة على شبكة الألوكة، وهي:

1- علاقة السببية: وتتمثل في إطلاقِ اسم السبب؛ أي: العلَّة على المعلول؛ كالتعبير عن القدرة أو النعمة باليد التي هي سببٌ فيهما.



2- المسببية: وهو إطلاقُ اسم المسبب على السبب؛ كتسمية المرض المهلِك بالموت، وقولهم: رعَيْنا الغيثَ؛ أي: الكلأَ المسبَّب عن الغيث.



3- المشابهة: وتتمثل في تسمية الشيء باسم ما يُشبهه في الصفة؛ كإطلاق الأسدِ على الإنسان الشُّجَاع.



4- المضادة: كتسميةِ الصحراء المهلكة: المَفَازَة، والذي لدَغه عقرب بـالسَّلِيم، وتتطلب تلك العلاقة بعضًا من القرائن حتى لا يحدث الخلط!



5- الكلِّية: وهي إطلاق اسمِ الكل على الجزء؛ كما في قوله تعالى: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ ﴾ [البقرة: 19]؛ أي: أناملَهم.



6- الجزئية: وهي إطلاقُ الجزء على الكل؛ كإطلاق الرَّقَبة على العبد؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء: 92]، وكإطلاق القِيام على الصلاة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ﴾ [التوبة: 108].



7- تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه: كتسميةِ العتيق عبدًا، ويدخل فيه المشتقُّ بعد زوال المصدر؛ كإطلاق الضاربِ على مَن فرَغ مِن الضرب.



8- اعتبار ما سيكون: كتسميتهم العنبَ بالخمر؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: 36]؛ أي: عنبًا، فسمى العنب خمرًا باعتبار ما سيؤول إليه بعد عَصْرِه.



9- التعلُّق بين المصدر واسم المفعول واسم الفاعل: فاستعمال أحدِهما بمعنى الآخر نوعٌ من المجاز؛ فالأول كإطلاقِ اسم الفاعل على اسم المفعول؛ كقوله تعالى: ﴿ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ [الطارق: 6]؛ أي: مدفوق، ومنه قولهم: سرٌّ كاتم؛ أي: مكتوم، وعكسه؛ كقوله تعالى: ﴿ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾ [الإسراء: 45]؛ أي: ساترًا المجاز.



وتلك تسع علاقات قيمات لكل طالب علم أو فهم لعلاقات ومشروعية تمرير المجاز، وكما يقولون: المجاز من الطريق والمسلك المشروع ما دامت هناك مشابهة أو قرينة تصنعان العلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي.



وعلى الرغم من أن تلك العلاقات التسع جامعات لعلاقات المجاز لكل دارس وسالك، فإن المرحوم الشيخ علي عبدالرازق في كتابه "أمالي علم البيان وتاريخه"، قد زاد عشرة علاقات للمجاز، وباطلاعي على ترسيم المجاز عنده وأقسامه، وجدت أن الكثيرين ممن يكتبون عن المجاز اليوم ليَعزون إليه وإلى مراجع ثمينة من تراثنا العربي استشهادًا بها واقتفاءً، ولا نقول بأن الشيخ علي عبدالرازق قد تجاوز بعلاقاته في المجاز من تسع إلى تسع عشرة، ولكنهم أقصد المتأخرين على حد قوله هم من أجازوها إلى هذا العدد اختصارًا، ومن بين صفحات الكتاب القديم، وقد وشت أحباره بما اكتنف وضمَّ جمهورًا من البلاغيين من حدث بينهم اضطراب ونزاعات على حد قوله بسبب ذهاب كل واحد منهم إلى كَم من العلاقات تختلف عن غيرها في العدد والكيفية، فيقول: "متحققًا: فبينما يحقق بعضهم أنها تسع عشرة علاقة يحقق الثاني أنها دون ذلك - يقصد الإمام عبدالقاهر الجرجاني، والإمام السكاكي وغيرهما، ممن ذكرت بعاليه، ثم يقول: الثالث أنها فوق ذلك، ولو أنصف القوم لكفاهم أن يذكروا أنواع العلاقات التي ذكروها على سبيل التمثيل والتفصيل، لا على سبيل التحديد والحصر.



وبالرغم من تلك التقريرية التي أفاض به شيخنا الراحل علي عبدالرازق رحمه الله، فإنه استطرد العلاقات التسع عشرة، وسوف نوجزها إيجازًا، وهي تتفق مع ما سجله أستاذنا د. سامح عبدالسلام من كُتَّاب الألوكة الكرام في مقاله "المجاز" في غالبية ما اتفق عليه المحدثون بشأن العلاقات المجازية، فضلًا عن بعض الاختلاف.



1- علاقة السببية: حيث إن المعنى الأول سبب ناشئ عن شيء آخر، فينقل اللفظ إلى ذلك المعنى الجديد، وذكر مثالًا بالغيث للمطر النازل من السماء، فيستعمل في النبات، ولأن الغيث سبب في طلوع النبات، وأفرد تراثيات عربية كقولهم: "رعينا الغيث، كما قالوا: رعينا السماء"، وكلاهما سبب في إنبات الزرع والخضر.



2- علاقة المسببية: ومن نفس الحقل النصي الذي اقتبس منه المثال الأول، يثبت الشيخ رحمه الله مثالًا تطبيقيًّا، فيقول: أمطرت السماء نباتًا؛ حيث نقل النبات من معناه الوضعي إلى المطر؛ لأن النبات نتاجٌ لسقوط المطر، وأفاد مثالًا آخر أكثر دقة بكلمة: "الوغى"، وهي اختلاط الأصوات، ثم استعملها في معنى الحرب لاختلاط وتداخل الأصوات كالصخب مثلًا، وهو الناشئ عن الحرب عادة.



3- علاقة الكلية: وذكر مثالًا من القرآن الكريم، ومعين القرآن ذاخر وافر بما فيه من الأمثلة لتلك العلاقة.



4- علاقة الجزئية: وتلك العلاقة قد ساق لها مثالًا بقوله الرقبة في التحرير والعتق للإنسان كليةً في حين رفض القول كالمعاصرين باعتبار الأذن مجازًا ذا علاقة جزئية عن المتصنت أو مسترق السمع.



5- علاقة الآلية: ويعني بأن يكون المعنى الثاني آلة للمعنى الوضعي وواسطة فيه؛ كقول الله عز وجل: ﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84]؛ أي: ذكرًا حسنًا وبيَّن أن المناسبة بين الذكر الحَسن واللسان أن اللسان آلة الذكر والكلام.



6- علاقة الملزومية: بمعنى أن يكون المنقول عنه ملزومًا للمعنى المنقول إليه؛ أي: يلزم عند وجوده وجود الثاني، وساق مثالًا بالشمس تستعمل في الضوء، فيجب عند وجودها وجوده.



7- علاقة اللازمية وهي عكس ما قبلها كما في الشمس تطلق على ضوئها.



8- علاقة الإطلاق: ويشترط فيه أن يكون الأول مجردًا عما قُيِّد به الثاني، وذكر مثال الرقبة المؤمنة إذا كان المعنى الحقيقي للرقبة مطلقًا عن قيد الإيمان المراد في المعنى المجازي؛ كقوله تعالى في كفارة الظِهار: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ﴾ [المجادلة: 3]، قالت الشافعية: المراد بالرقبة هنا رقبة المؤمن فقط، فلا نجزئ الكافرة والعلاقة الإطلاق.



9- علاقة التقييد: وهي عكس ما سبقتها من الإطلاق، وذكر مثال الشَّفَة في الأصل شَفة الإنسان خاصته، واستُعملت للفرس بدلًا عن الجحفلة.



10- علاقة العموم: وهي تعني أن يكون المعنى الحقيقي شاملًا لأفراد منها المعنى المجازي.



11- علاقة الخصوص وهي عكس التي سبقتها.



12- علاقة استعمال الدال على صفة فيما ليست قائمة به الأن اعتبارًا؛ لأن الوصف قام به سابقًا، وذكر قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾ [النساء: 2]؛ حيث استعمل اليتامى في البالغين، ولا يتم بعد بلوغ وإنما اليتيم طفل مات أبوه، وذلك اعتبار ما كان.



13- علاقة أن يستعمل الوصف في الذات التي سيقوم بها ذلك الوصف، وذكر قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر: 30]؛ لأن الكل سوف يؤول للموت، حتى أشرف الخلق سيدنا "محمد"، وذكر آخر بقوله: ﴿ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾ [يوسف: 36]، وإنما يُعصر العنب؛ ليؤخذ منه الخمر، وعلة استعمال الخمر في العنب مجازًا: علاقة الأَوْلِ.



14- علاقة الحالية وهي استعمال الحال في محله؛ مثل قوله تعالى: ﴿ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 39]؛ أي: في الجنة خلودهم الدائم.



15- علاقة استعمال اسم المحل في حاله، وذكر سال الميزاب؛ يقصد ماءه، ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ [يوسف: 82]؛ أي: أهلها.



16- علاقة المجاورة: وهي إطلاق اسم الشيء على ما يجاوره، وذكر مثالًا وهو "الراوية"، وهو اسمٌ للدابة التي تحمل قربة الماء، وأيضًا الثياب على نفسِ الإنسان وساق شعرًا:

فشككتُ بالرمح الأصم ثيابَه *** ليس الكريم على القنا بمحرمِ



17- علاقة البدلية: وهي كما يقال: قضينا الصلاة؛ بمعنى أدَّيناها؛ إذ القضاء بدل عن الأداء.



18- علاقة المبدلية: وهي كإطلاق الدم على الدِّية، وذكر قولهم: أكلتُ دمَ فلان؛ يقصد دِيَتَه.



19- علاقة التعلق الاشتقاقي: ويعني به أن يكون بين اسم الأول والثاني مناسبة في الاشتقاق، كما بين اسم الفاعل واسم المفعول مع المصدر، وبين الصفات وبعضها البعض، حتى أجاز أن يوضع موضع الآخر، ويستعمل فيه؛ كقوله تعالى: ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾ [لقمان: 11]، ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ ﴾ [البقرة: 255]؛ أي معلومة، وقوله: ﴿ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾ [الإسراء: 45]؛ أي: ساترًا، وذكر من قوله: ﴿ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ [الطارق: 6]؛ أي: مدفوق، واستعملها أستاذنا د. سامح عبدالسلام في مقاله المجاز الذي به استعنَّا بعد الله عز وجل[1].



وإبداء الرأي من الأمانة أيضًا، وغاية القول في ذلك أن الإسهاب الذي أسهبه د/ علي عبدالرازق في تقسيمات علاقات المجاز هو ومَن سبقه إلى تسع عشرة علاقة، لا أقول أن المحدَثين قد أَجهزوا عليها لتُبنى من جديد، بل إنهم قاموا بعملية تصفية واختصار لتلك العلاقات؛ لئلا يجهد الدارس والمتمرس والمبدع في الاستخدام والاستعمال، فلو تتبع المقارن على سبيل النقاش لا الجدال أسباب الاختصار، لوجد أن علاقة "المضادة" لم يفنِّدها الشيخ علي عبدالرازق في كتابه "علم البيان وتاريخه"، في حين أنها علاقة لازمة واجبة الحضور في شأن تقسيمات المجاز، وأيضًا التعددية لعلاقة الحال، وذِكْره مثال الشمس عوضًا عن الضوءِ، وكذلك الضوء عوضًا عنها، فإنها قد تَؤول لمساءلة التراث لما قد وصل إليه العلم الحديث من تقنيات عالية في مجال علم الضوء والفيزياء، وأيضًا علاقة المجاورة التي تعني المشابهة في تقسيمات المعاصرين، وفيها من النسبية والخصوصية ما يجعلها محل قراءة وتتبُّع، وكذلك علاقة المبدلية التي جاء بها الشيخ علي عبدالرازق في تصنيفه لم يذكرها المحدثون، أو ربما هي المشابهة، لكن الأمثلة التي سيقت مع العلاقتين قد تختلف ومن وجهة نظري المتواضعة؛ فإن المجاز في تلك الحالة نسبي مالم يقترن بقرينة تكشف الغموض عنه واللبس فيه، فلو استشهدنا بقوله تعالى في سورة "ق": ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴾ [ق: 36]، وقوله: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ﴾ [مريم: 98].




نجد استبدال القومَ بالقرونِ؛ أي: السنوات التي قضيت مع أنبيائهم وعمر الدعوة فيهم.



وخلاصة القول في الحبة الثانية من حبات المجاز الذي هو واسطة العقد في علم البيان - أن العلاقات التي وضعها القدامى واختصرها المحدثون والمعاصرون بما لا يدع مجالًا لتعثُّر الدارس والمتمرس، لا يعني المفاضلة بين كليهما، ولكن مسألة التراث والمواكبة لها دور في ذلك اختلفنا أو اتفقنا، وسوف نتعرض في الجزء الأخير بإذن الله تعالى إن شاء وقدر إلى المجاز بين الأصالة والمعاصرة، وتشبُّع الكتابات القديمة به، ومسألة الندرة والوفرة في كتابات العرب وعلاقة المجاز بالتراث، فضلًا عن مشروعية المجاز كوجهة نظر خاصة، وما أفاض به الله من فهم وعلم، والله من وراء القصد.






[1] أمالِي علم البيان وتاريخه؛ علي عبدالرازق، علم البيان وتاريخه، ص 88/ 89/ 90/ 91/ 92/ 93؛ مطبعة مقداد، مصر، 1912م.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15-09-2019, 11:35 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 19,133
الدولة : Egypt
افتراضي رد: العمد الخفية في بنى العربية: التعبيرات المجازية

العمد الخفية في بنى العربية: المجاز (3)




محمد صادق عبدالعال







لم تمُه أنهار العربية بالمجاز اعتباطًا ولا افتقارًا للمسة جمال تحلَّى بها فرائد الضاد؛ إِذ الضاد ذاتها واسطة عقد لكل لغات الدنيا، ولما ظن العرب بأنفسهم براعة وبلاغة لا يضاهيهم بها بليغ ولا لسان فتيق، وكان ذلك حينها حقًّا حقيقًا؛ نزل القرآن الكريم، ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ﴾ [الإسراء: 105]، وكانت الصدمة المذهلة لبُلغائهم وشُعرائهم؛ إن الكلام المقدَّس الذي نزل ليس بشِعْرٍ حتى يُقارنوا به مُعَلَّقاتهم ورائعات أبياتهم، ولا سحر حتى يجمعوا كيدهم أو يحسموا أمرهم؛ بل هو نبأ عظيم، فيه ذكرهم وذكر مَنْ قبلهم، لم ولن يُخالط آياتِه شكٌّ أو ريبٌ، نزل به الروح الأمين على أشرف الخَلْق صلى الله عليه وسلم.
وليس هذا وحسب؛ بل إن من مَذَاهِل حيرة العرب "أن القرآن الكريم قد كشف عن معانٍ جديدة لمفردات اقتصر تداولهم لها على ما اعتادَتْ عليه ألسنتُهم وأقلامُهم، وهم البُلغاء الذين يتبارون بالبيان مباراةً، ويتساجلون سجالًا، وينثرون الشعر والسرد ارتجالًا، وكما ذكر الشيخ علي عبدالرازق في كتابه "أمالي علم البيان وتاريخه" 1912م" حين تعَرَّض لمفردة "الربا"؛ حيث كان "العرب" يعدونها الزيادة والنماء، ذَكر قوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [البقرة: 276]، وعليها فقد اصطلح علماء الفقه والشرع على استعماله خاصة في معنى "فضل المال من غير عِوض عند مبادلة مال بمال"، وهو معنى شرعي جديد غير ذلك اللغوي الذى اعتادوا عليه، ومن يقرأ، يجد كثيرًا من الألفاظ والكلمات التي وظَّفَها القرآن الكريم في مواضع لم تبن لأجلها؛ كمفردة "الصوم" مثلًا فقد عَينها القرآن الكريم في موضع الصمت عن الكلام في قوله تعالى عن السيدة مريم: ﴿ فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾ [مريم: 26]، وكذلك الحديث النبوي الشريف حين وظَّفها بمعنى "العِفَّة والعفاف"، و"الامتناع عن إتيان الشهوات بدون رخصة الشرع"؛ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاء))؛ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
ومن كتاب أساس البلاغة "للزمخشري" حين تعرَّض لمفردة مادة الفعل "ركع" نجده كتب عنها: "منحنٍ من الكِبر، وشيوخ ركَّع... وكانت العرب تسمي مَنْ آمن بالله تعالى ولم يعبد الأوثان "راكعًا" مجازًا، فلما نزل الذكر الحكيم العظيم أضاف للمفردة معنًى شرعيًّا حين أصبح الركوع جزءًا من موجبات قضاء وتأدية الصلاة.
ولما كان المجاز قرين اللغة العربية وملتصقًا بها إلى حدٍّ أعيا الكثيرين أن يفصلوه عنها، إلا في النواحي الرياضية البحتة، وبالرغم من ذلك سرى على ألسنة القدامى والأوائل سريانًا، ودُوِّن تدوينًا لا زلنا نتنفَّس عبير الأصالة والوفرة اللغوية فيه، ومع تداعيات الحروب الضروس والباردة التي تهبُّ على سماوات العربية، طمرت مجازات عالية البيان، وخفتَتْ علاقات رائعة التمثيل، وصار كثيرٌ من الكُتَّاب على نحوٍ من البساطة التي تُجنِّبهم التعثُّر في البحث عن أصول المفردات ومناحي الإبداع اللفظي والتعبيري لها؛ ثم جاءت العامية لتكمل المسيرة، وتُجهِز على ما تبقَّى لنا من مجازات جليلة، وعن المجاز في لغة العرب يقول ابنرشيقالقيرواني: "العربكثيرًاماتستعملالمجاز،وتعدُّهمنمفاخركلامها، فإنه دليلالفصاحة،ورأسالبلاغة،وبهبانَتْلغتُهاعن سائراللغات"،ويقولابنالأثير) ت٦٣٧ه): "المجازأولىبالاستعمالمنالحقيقةفي بابالفصاحةوالبلاغة".
ويذكر كتاب "المهذب في علم أصول الفقه المعاصر" أن عدول المتكلم في التعبير عن الحقيقة إلى المجاز، له أسباب إليك أهمها: السبب الأول: الحرص على بلاغة الكلام؛ فقد نقل بعض العلماء عن أرباب البلاغة قولهم: إن المجاز في الاستعمال أبلغ من الحقيقة، وأنه يلطف الكلام، ويكسبه حلاوة، ويكسوه رشاقة؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾ [الحجر: 94]، وقوله: ﴿ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ [الأحزاب: 46]، لو استعملت الحقائق في هذه المواضع لم تُعْطِ ما أعطى المجاز من البلاغة[1].
وهناك من الوفرة المجازية لاستخدامات المترادفات الكثيرة، لنمسي ونصبح على قناعة بأن المجاز هو القناة التي تتيح للاستعارات والكنايات المرور والتمرير دون اعتراض أو انتقاد، إلا إذا تباينت الصورة مع مادة الفعل نفسه، فيصبح التمثيل فجًّا غير مقبول، أو بمعنى أصح تطبيق شروط المجاز.
وليس المجاز كلأً مُباحًا يرتع فيه مَنْ يشاء ووقتما شاء، إلا بشروط نقلها أبو أنس أشرف بن يوسف من كُتَّاب شبكة الألوكة الكِرام عن شرح دروس الإمام الراحل محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: تحقيق أشرف بن يوسف؛ حيث قال: "ولذلك صار ارتكاب المجاز ركيزة يرتكز عليها المعطِّلة، ومشوا على هذا، المهم أن الشروط الآن ثلاثة:
الأول: أن يكون مستعملًا في غير ما وضع له.
والثاني: أن يكون هناك علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي.
الثالث: أن يوجد قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي"[2].
ولنا أن نرجع الآن لذلك العَلَم البياني أو عمدة البيانيِّين كما وصف آنفًا؛ "الزمخشري"، فضلًا عن بعض مقتطفات من كتب متنوعة، ومن المجازات التي ألحقها الزمخشري بمعجمه، وعلى سبيل المثال قوله:
ركد كالريح الراكدة؛ أي: الساكنة، والماء الراكد، والسفينة ركدت، وأيضًا للشمس ركود؛ وهو أن تدوم حيال رأسك كأنها لا تريد أن تبرح، وركد الميزان؛ أي: استوى، وركد القوم في مكانهم: هدؤوا، وهذه مراكدهم ومراكزهم[3].
وعلى ذلك النحو صار الإمام الزمخشري في المعجم العربي يأتي بالفعل مجردًا، ثم يبين علاقاته التي تُؤهِّله للاستخدام مع كثير من المفردات والجمل، ثم يُتوِّج ذلك الفيض بإلحاق المجاز بنوعيه: المرسل، والاستعارة من الفعل نفسه، فيقول: "ومن المجاز: ركدت ريحهم: إذا زالت دولتهم، وأخذ أمرهم يتراجع، وطفقت ريحهم تتراكد، وجَفنة ركود: بمعنى ثقيلة"، وهنا قد أتى الإمام الزمخشري بتلك الاستعارة على سبيل المجاز، ولقد استعان بها المحدثون مجازًا اقتصاديًّا: ركود اقتصادي: حالة اقتصادية تتميَّز بانخفاض الناتج القومي نتيجة التراجع في النشاط الاقتصادي، وأيضًا مصطلح جغرافي بمسمى "منطقة ركود الخيل"، وسوف نركز على المجازات المستقاة من تلك الأفعال، وكيف أن العربية العظمى قادرة على محاكاة كل عَصر ومَصر، ومن يَقُلْ بغير ذلك، فهو ظلوم جاحد بعظمة تلك السامية، ومعنا من القدماء الزمخشري ومن المعاصرين الكاتب عبدالرحمن الميداني من موقع تقني.
استلم أركان البيت، وجبل ركين: يقصد عزيز ذو أركان، وشيء مركن؛ أي: له أركان، وركن إليه ركونًا: أي ساكن إليه، ثم ألحق بالفعل مجازية استخدامه في قوله على سبيل المجاز: فلان يأوي إلى عِزِّ قومه: يقصد منعتهم وقوتهم، ورجل ركين، يقصد به: ثابت مهاب الركن؛ كما وصف الجبل الأشمِّ أنفًا[4].
ونجد في موضعين من القرآن الكريم هما ما نمى إليهما فكري الآن؛ وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [هود: 113]، وجاء عن ابن عباس قوله: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾؛ يعني: الركون إلى الشرك، والمثال الثاني في قوله تعالى على لسان نبيه الكريم لوط: ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ [هود: 80]، وفي تفسير القرطبي: "ومراد لوط بالركن: العشيرة، والمنعة بالكثرة؛ لكن عناية الله هي ما منعتهم عن الاقتراب من ضيفه الكرام؛ وهم ملائك الرحمن.
"غدا إلى الرمس، كأن لم يغن بالأمس": مقولة كانت عامة على ألسنة الناس في زمان كانت العربية فيه سائدةً قويةً، يُعتزُّ بها في المجالس والميادين والساحات، فيقول: "وهو القبر وما يحثى عليه من التراب، وأصله الدفن، ويُقال: رَمَسه بالتراب؛ أي: غطَّاه[5].
الريح تَرمس بالآثار بما تثيره، وعفتها الروامس والرامسات، ورمَس الخبر؛ أي: غطَّى عليه وكتمه.
وعيش راهِ: سكن، وقيل جوبة بين ماءين قائمين، ومن المجاز: وجاءت الخيل رهوًا: متتابعة، وأتاه بالشيء رَهْوًا سهوًا؛ أي: عفوًا سهلًا، لا احتباس فيه، وقد قدم بيت شعر كمثال: وقد ابتدرها بقوله تعالى: ﴿ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ﴾ [الدخان: 24].
يمشين رهوًا فلا الأعجاز خاذلة *** ولا الصدور على ا لأعجاز تتكل[6]
وكما قلنا، لو تَتَبَّعْنا هجائية الزمخشري في أسس البلاغة التي أعدَّها رحمه الله لتكون كمثيلاتها نبراسًا لمن أراد أن يتعلم أو يزداد ثقافة، لأنجزت صفحات وصفحات؛ لكننا قد قدمنا أمثلةً على سبيل الحصر؛ لا الترتيب والتجميع، ومنها: سرج الله وجهه؛ أي: حسنه وبهجه، والشمس سراج النهار.
سَرَّب عليَّ الخيلَ والأبل؛ أي: أرسلها سربًا، وسربت إليه الأشياء: أعطيتها له، ومنه التسريب؛ وهو الإخراج والتصدير، وأخضلت مسارب عينيه؛ وهي مجاري الدمع.
فلان يسرح في أعراض الناس: يغتابهم، وهو منسرح أثواب الكرم؛ أي: منسلخ منها، وفى المثل: "السَّراح من النجاح".
وكذلك بعض المجازات التي استخدمها العرب قديمًا، وصارت مضرب المثل مثل قولهم: "دابة شكور؛ ويعنون بها: الدابة يكفيها قليل الطعام، فضلًا عن إنجازها للمهام التي تُسنَد إليها.

بئر شطون: يقصد بها بئر عميقة، والشَّطَن هو الحبل الطويل يُسدَل في البئر العميقة؛ لاستخراج الماء، وهنا نجد مجازًا مرسلًا علاقته التعلُّق بين المصدر واسم المفعول واسم الفاعل.

اِمْرَأَة رَكود:اِمْرَأَة يَدومُ لَبَنُها وَلا يَنْقَطِعُ؛ (قاموس المعاني، معجم تقني).
ناقة شغَّابة: إذا لم تعتدل في المشي وتحَيَّدت، وطلبت منه كذا، فتشاغب وامتنع: إذا تعاصى، وهنا وقفة سريعة نحن نقول اليوم طالب مشاغب أو عضو مشاغب؛ أي: كثير القلاقل في موقعه، والاستخدام ما زال قائمًا.

دابة شموس وخيل شموس: لا تكاد تستقر، دائمة الحركة مستمرة، وهذا المجاز إن دلَّ فإنما يكشف عن ثقافة عربية باعتقاد أن مفردات الطبيعة لها التبجيل، وسياق الأمثلة بما يشابهها في الانتظام والحركة، ألم يقل ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [إبراهيم: 33].

ليل الشوامت، ليال نابغية: وفصاحة العرب وإحاطتهم بلغة الضاد ومفرداتها قد أطلقت لألسنتهم فرصة السياحة والديباجة وصناعة المفردات بما يواكب المواقف، ويثبت أصالة التراث عندهم، فنجدهم يقولون عن الليل الذي يبيت المرء فيه مُكبَّلًا بالهموم مضرجًا بالأسى لهزيمة أو هموم أحاطت به: بات بليلة الشوامت، أو ليلة نابغية؛ تأثرًا بما اعترى النابغة الذبياني أيام جفاء النعمان بن المنذر له واستعطافه.

وكانت العرب تقول: "بأرض فلان شجر قد صاح"؛ أي: طال لما يتبين للناظر أن طول الشجر يدل على نفسه كأنه رجل يصيح بصوته.
والمثال الثاني لكاتب معاصر نشر في موقع تقني "المرجع الإلكتروني للمعلوماتية مقالًا بعنوان: الحقيقة والمجاز[7]، وقد وَثَّق مقاله بالإسناد إلى مصدر المعلومة من كتاب "البلاغة العربية: أسسها وعلومها"، ص628-635؛ حيث جاء بأمثلة سهلة التداول ما زالت على ألسنة الكثيرين، وتحدث عن المجازات الشرعية، وبخاصة أركان الاسلام الخمسة، وكيف آلت من مجرد استخدام محدود للمعنى الشرعي والديني، فضلًا عن تقسيم المجاز لأربعة معانٍ، منها المعنى المفرد، والمعنى المركب:
القسم الأول: "المجاز في المفرد" وهو اللفظ المفرد المستعمل في غير ما وُضِع له؛ كالأسد في الرجل الشجاع، وكاليد بمعنى الإِنعام.

القسم الثاني: "المجاز في المركب" وهو اللفظ المركب المستعمل بهيئته المركبة في غير المعنى الذي وُضِع له، لعلاقة ما، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي؛ مثل:
أراك تُقدِّم رِجْلًا وتُؤخِّر أخرى؛ أي: حالُكَ كحال المتردِّد.
أنت تنفخ في رماد؛ أي: حالُكَ كحال من ينفخ في رماد، في ضياع الجهد.
ومثل: استعمال الْجُمَل الخبرية بمعنى الإِنشاء.
استعمال الجمل الإِنشائية بمعنى الخبر.
الحقيقة الشرعية، ويقابلها المجاز الشرعي.
إذا استعمل اللفظ في مجالات استعمال الألفاظ الشرعية بمعناه الاصطلاحي الشرعي، كان حقيقة شرعية.
وإذا استعمل للدلالة به على معنًى آخر، ولو كان معناه اللُّغوي الأصلي كان بالنسبة إلى المفهوم الاصطلاحي الشرعي مجازًا شرعيًّا.
أمثلة: * لفظ "الصلاة" إذا اسْتُعْمِل في مجالات الدراسة الشرعية للدلالة به على الركن الثاني من أركان الإِسلام والنوافل التي على شاكلته، فهو حقيقة شرعية، وإذا استُعمِل بمعنى الدعاء الذي هو الحقيقة اللغوية، كان مجازًا شرعيًّا[8].
المجاز وعلاقته بالتراث:
وما زال الحديث موصولًا عن المجاز الكائن بين الأصالة والمعاصرة، وجنده المؤيدين الناصرة، وأنداده المخاصمين الهاجرة، ولو ضربنا له الأمثال ما استطعنا له حصرًا ولا نصرًا؛ لكننا قد وكلنا بأمر يبحث في شئونه وما تعاور على محبيه من أمر شجونه، فما زال فريق من الكتاب يألفه ويستوحش البيان من غيره ويستشرفه، وفريق يرى أنه لم يعد من الجد الأخذ به والسير على منواله، وأن المجاز رهين التراث عتيق الميراث، قد واكب زمانه الذي انقضى وعصره الذي مضى، وأن مدخلات العصر الحديث تتطلب التبسيط والحداثة؛ لكن مفردات لغة الضاد الأنيقة فيها لمن يبتغي التبيان تبيان، وأنها خضراء غضة كأنها الياقوت والفضة، فمال هؤلاء القوم عن بديع اللفظ منفضة؟!
وفي قاموس المعاني بخصوص لفظة التراث هو "تُرَاثُ الأُمَّةِ: كل مَا لَهُ قِيمَة بَاقِيَة مِنْ عَادَاتٍ وَآدَابٍ وَعُلُومٍ وَفُنُونٍ ويَنْتَقِلُ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ؛ كالتُّرَاث الإنْسَانِي والتُّرَاث الإِسْلامِي والتُّرَاث الأَدَبِي"، وتلك العادات والآداب والعلوم كان لها صُنَّاع وصَاغة، أفنوا أعمارهم مع أحبارهم في التدوين والتسجيل؛ إذ يستنكف الواحد منهم أن يتنصَّل من عربية الضاد؛ بل إنه يتقنها إتقانًا، ويُزركشها زركشةً، وكأنها ثوب جديد يُحاذر أن يقطع شوطًا في التدوين، وقد عثر له على خطأ لغوي واحد؛ بل يمتدُّ به الإتقان إلى درجة من البلاغة اللغوية والحبكة التعبيرية التي تجذب المطلعين عليها كتوافد النحل على كأس الزهرة منتقيًا الأريج البهيج، لينتج هو الثاني مما علم علمًا في شفاء ودواء، وليس ذلك في الأدبيات والإنسانيات وفقط؛ بل في العلوم الطبيعية والكتابات ذات الصبغة العلمية أيضًا.
ومن الجميل بحق ألا يترك دون المرور عليه وهو ما لفت انتباهي من تقسيم رائع لليوم والليلة كما فنَّدها العرب، ومن بعض تلك المجازات هو قولهم عن الساعة التي ينتصف فيها النهار، ويشتدُّ الحر "بالهاجرة"، وجمعها هواجر، وقولهم عن الساعة التي تشرع فيها الشمس بالزوال إلى الليل "بالرواحة"، ومن مجازاتهم: راحت الإبل؛ أي: رجعت بعد الغروب، وعن ساعة الغسق وهو وقت الظلمة"الغَسَقُ"؛ شيء مما يخالط الطعامَ والبُرَّ من حَبٍّ أَسود، ولقد قرن القرآن الكريم بتلك المفردة حال أهل النار في طعامهم بقوله تعالى: ﴿ فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ [ص: 57] (ما يسيل من جلود أهل النار من صديد وغيره: ﴿ هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ ﴾ [ص: 57]، وقبل أن نغادر تلك المرافئ الأصيلة للغة والمجاز يتردَّد على آذان القراء طرف من "المثنيات المتلازمة" التي تستدعي البحث في مواقع البحث، وكتب اللغة، ولعل العلم بها ثقافة ووجاء لكل خطيب ومحب للغة العربية، ومنها ذكرًا وليس حصرًا من "فقه اللغة للثعالبي":
"الجديدان: الليل والنهار، وأيضًا يطلق عليهما الملوان، وأيضًا الحدثان: اللَّيل والنَّهار.
الأحمدان: الأمن والسلامة، الأبيضان: الملح والسكر، الأسودان: التمر والماء، الأخبثان: السهر والضجر"؛ من فقه اللغة؛ للثعالبي.
الأزهران: الشمس والقمر، واصطلح علماء الشرع على إطلاق اسم "الزهراوين" على سورتي البقرة وآل عمران في القرآن الكريم مجازًا، واصطلاح البردين على الفجر والعصر مجازًا.
من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لا نستطيع القول بأن الغالب من تلك المجازات الآن دائم على ألسنة العرب إلا القليل منها، ومن هو مدرك لمعانيها ومستظهر لها في تخصصه أو عمله، ويظل المكنون منها بين طيَّات الكتب ينتظر من المحبين ارتشاف عبق الأصالة فيه.
فلو عَرَّجْنا بمركبة الزمن، وأقلعنا من عصورنا الوسطى وأيامنا الخوالي لنقف على عتبة العصر الحاضر لنجد أن المجاز يفرض نفسه فرض القوي على المستجير، وفرض الطالب على المطلوب، فمثلًا استخدام مصطلح "الشبكة العنكبوتية" الإنترنت مجازية قوية تتسع لتشمل خصائص ذلك المسمَّى المعاصر في هيكله وفي وظائفه من ربط رقيق بين عديد من الأماكن فضلًا عن روعة التمثيل، حتى إن الأدبيين قد أعادوا النظر في استخدام مفردة العنكبوت وخيوطه الرقيقة في إشكالية العولمة وفرض ثقافة الآخر.
وقبل أن نطوي صفحات تلك السلسلة الطيبة للمجاز كأحد عناصر البلاغة الرئيسة، فهناك قول لابد من تسجيله وهو شهادة للعربية والتاريخ، فلقد وقعت عيناي على قول البعض أن الالتجاء إلى المجاز لا يكون إلا بضعف في اللغة أو قلة المفردات المواكبات للغرض البلاغي إنشائيًّا كان أو خبريًّا! وأتعجَّب أكثر أن تخرج تلك الكلمات أو تنبعث تلك الأحبار من أقلام عربية، وشواهد الفضل على جمال العربية بالمجاز واضحة عيان وضوح الشمس في كبد السماء، فكيف لهم أن يقولوا ذلك أو أن يُصدِّقُوا به؟! أولم يروا كم للمفردة الواحدة في العربية من معانٍ متعددة! فضلًا عن الجناس بنوعية التام والناقص، ولك أن تتصوَّر أيها المدعي بالقول المذكور أن المجاز ملاذٌ لضعف في اللغة أو ندرة مفردات، فهب أنك كجامع لباقة ورد وزهر فيها من كل لون بهيج، تَغَشَّى صاحبها بستانًا ماتعًا ذا نهر راتع، فهل تراه يرجع صفر الكف واليد؟! بالطبع لا.
والله المستعان والحمد لله في بدءٍ وفي مختتمٍ.

[1] المهذب في علم أصول الفقه المعاصر، ج 3، ص1170، الكتاب: الْمُهَذَّبُ في عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ الْمُقَارَنِ، تحرير لمسائِلِه ودراستها دراسةً نظريَّةً تطبيقيَّةً، المؤلف: د. عبدالكريم بن علي بن محمد النملة، دار النشر: مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى: 1420هـ، 1999م.

[2] شبكة الألوكة، حضارة الكلمة، اللغة ... القلم، الوعي اللغوي، من فنون علم البيان: المجاز: أبو أنس أشرف بن يوسف بن حسن.

[3] أساس البلاغة؛ للزمخشري، كتاب الشعب، ع 112، ص 366، مطابع الشعب.

[4] أساس البلاغة؛ للزمخشري، كتاب الشعب، ع 112، ص 366، مطابع الشعب.

[5] أساس البلاغة؛ للزمخشري، كتاب الشعب، ع 112، ص 366، مطابع الشعب.

[6] أساس البلاغة؛ للزمخشري، كتاب الشعب، ع 112، ص 366، مطابع الشعب.

[7] د. رشيد الجراح - جامعة اليرموك، قسم اللغة الإنجليزية ومركز اللغات/ جدلية الحقيقة والمجاز في القران الكريم.

[8] المرجع الإلكتروني للمعلوماتية، "الحقيقة والمجاز، كتاب البلاغة العربية أسسها وعلومها، ص628-635.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 116.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 113.84 كيلو بايت... تم توفير 3.08 كيلو بايت...بمعدل (2.64%)]