سلسلة :: من مقامات النبوة - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2871 - عددالزوار : 323947 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2263 - عددالزوار : 126669 )           »          من مشاهير علماء المسلمين .. (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 55 - عددالزوار : 22353 )           »          معرفة الله فطرية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الرجل والمرأة في الإيمان سواء (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          لماذا لا نعيد ترتيب أشياءنا الصغيرة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          شرح كتاب الآجرومية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 9 )           »          "فقه السنة" محقق للشيخ الألباني وغيره ....للقراءة ---------متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 65 - عددالزوار : 3660 )           »          تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 540 - عددالزوار : 12386 )           »          طريقة عمل الكفتة بالجبنة الموتزاريلا (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-07-2020, 07:22 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,671
الدولة : Egypt
افتراضي سلسلة :: من مقامات النبوة

سلسلة :: من مقامات النبوة (1) بين يَـدي المقَـامَات



نايف بن محمد اليحيى





بين يَـدي المقَـامَات


لا يَزال المؤمن يجتَني أطَايب الحكَم، وجَوامع الكَلم، وكَرائم الأخْلاق، وفرَائد الآدَاب، كلمَا أعَاد النظَر في سِيرة الحبيْب صلى الله عليه وسلم وأمعَن القرَاءة فيها، فَهي بحَق مأدُبة فضَائل، ومَائدة شمَائل، ينهَل منها الكبَار، ويتَربى على مُثُلها الصِّغار، فليسَ لأحَدٍ الاستغنَاء عنهَا، عَالماً أو مُتعَلماً، صَغيراً أو كَبيراً، ذَكراً أو أُنثى، فَهي المعين الصَّافي، والسَّبيل الشَّافي، لكلِّ من أراد الأنسَ والسَّعادة والفَائدة . . .
لذَا فقَد عُني بها السَّلف والأئمَّة عنايةً شَديدة، فَهذا علي بن الحسَين -رحمَه الله- يقول " كنَّا نُعلَّم مغَازي النبي _عليه الصَّلاة والسَّلام_ كمَا نُعلَّم السُّورة من القُرآن " ويقُول إسماعيل بن محمَّد بن سَعد بن أبي وقَّاص " كان أبي يعَلمُنا مغَازي رسُول الله يعدُّها عَلينا، ويقول: هذه مآثر آبائكُم فلا تضيِّعوا ذكرَها ". ويقول الإمام ابن كَثير –رحمَه الله – :
" ولا يجمُل بأولي العِلم، إهمَال مَعرفة الأيام النبَويَّة، والتَّواريخ الإسْلامية" وبناءً على ذلك ورغبةً في الإسهَام في رشْفةٍ من رَحيق إمام هذه الأمة ونَبيهَا وقائدهَا، ذكَرت إشَاراتٍ وإلماحاتٍ، وإضَاءاتٍ وَوَمضَاتٍ، من عَبير تلك المقَامات، التي قامهَا - عليه الصَّلاة والسَّلام - ....
أسْأل الله أن ينفَع بها قارئهَا وكَاتبهَا . . . إنه جَوادٌ كريمٌ . . .
من مَقَامَاتِ النُّبُوَّة
لما أرَدت استِهْلال هذه المقَدمَة وكتَابتهَا، ووضَعت قَلمي على الورق، جَرى بسُرعةٍ ومضَى بخفَّة، يسَطر غَرامَه وأشوَاقه، وحُبه وموَدته، ولهفَتَه وحُرقَته وهو يلتَفت يَمنةً فيرى المحبِّين في لُهَاثهم، ويسْرة فإذا الغَارقون في شَهواتهم، وأمَامه فإذا اللاهُون في سُبَاتهم، فسَطر بمِداد الحُب حُروف الأشواق، وأخَذ يدبِّج العبَارات، ويصُوغ المقَامات، ويصْدح بهذه الكلمَات...
فمن شَاء فليَذكر جمَال بُثينَةٍ
ومن شَاء فليَغزل بحُب الرَّبائبِ
سَأذكُر حُبي للحَبيب محمَّدٍ
إذا وصَف العشَّاق حُب الحبَائبِ
ويبْدو محيَّاه لعَيني في الكَرى
لنفْسِي أفديْهِ إذاً والأقَاربِ
وتُدركُني في ذكرِه قَشعَريرةٌ
من الوَجد لا يحوِيه عِلم الأجَانبِ
إن لكِل رسَالة من الرسَالات وأمةٍ من الأمم أمجَاداً وحضَارات، ومزَايا ومآثر تتَشَرف بها وتتَبنى فضَائلها، وإن لهذه الأمَّـة مقَاماً خَاصاً، وشَرفاً رَفيعاً، ومنَاقب متَميزة؛ فلكُل فرد من أفرادها وسَام شَرف، وعلى جَبينه شَامة عِز، وفي طَريقه نُور يتلألأ ومِشعَل يُضئ، وآية تَهدي، وسُنةٌ تَشفي؛ ذاك أنها "تُوفِي وتُتِم سبَعين أمة يوم القيَامة، هي خيرها وأكرمُها على الله عز وجل" [1] .. بل جَعلها الله شَاهدةً وشهيدةً على الأمم قبلها، فعَلى كل مؤمن أن يسبِّح من أعمَاق قلبه، مغتبطاً مجتذلاً رافعاً أسمَى آيات الثنَاء والمدْح والتمجِيد، مبتهلاً إلى المالك الأحَد، قائلاً في صِدق وحب ووفَاء:
وممَّا زَادني شَرفاً وتيهَاً
وكدتُ بأخمُصِي أطَؤ الثُّريَّا
دخُولي تحْت قولك يا عبَادي
وأن صَيَّرت أحمَد لي نبيَّا
إذا أرَدت أن تجعَل يومَك عيداً، ولحظَاتك أنسَاً، وحَياتك سعادةً فلتكن مع محمد صلى الله عليه وسلم.
"عَزَفت الأقلام بسِيرته فكَانت أروَع ما كتبَت، وهتَفَت الشِّفَاه بصدقه فكانت أجمَل ما نطَقَت، وتنَاقل الأجيَال أخبَاره فكان أمتَع ما سمعَتْ؛ أُذن الخَير الذي استَقبل آخرَ رسَائل السَّماء لهدَاية الأرض، خير من مشَى على قدَم، وخَير من أُرسِل للأمَم، وخير من حَكم وعَدل، سبَّح الحصَى في يديه، وسَلم الحجَر عليه، وشَكا الجمَل إليه، وبكَى الجذع على فرَاقه، ونبع الماء بين أصَابعه، وشَهد الذئب لرسَالته، وكثُر الطعَام ببرَكته، وكلَّمَه ذرَاع الشَّاة، وظَلله الغَمَام، وحَدثه الطَّير" [2].
وله كمَال الدِّين أعلَى همَّةً
يعْلو ويسْمُو أن يقَاس بثَانِ
لما أضَاء على البَريَّة زانهَا
وعَلا بهَا في طاعة الرحمنِ
فَوجَدت كل الصَّيد في جَوف الفِرا
ولقِيتُ كُل النَّاس في إنسَانِ
مهمَا أوتي الأدَباء من أعنَّة الفَصَاحَة، وأزِمَّة البَلاغة، وجَوامع الكَلم، وبَديع النَّثر، وجَزيل الشِّعر، ورَوائع النَّظم، ومهمَا تبَارت القَرائح تشْدو أناشِيْد عَظمَته، فسَتَظل خَجْلى أمَام زكَاء سِيرته وصَفَاء سَريرته.
يَروحُ بأروَاحِ المحَامدِ حُسنهَا
فَيرْقى بهَا في سَاميَاتِ المفَاخِرِ
وإن فُضَّ في الأكْوان مِسْك ختَامهَا
تعَطرَ منهَا كُل نجْدٍ وغَائرِ
ما من نَبي من الأنبيَاء ولا مَبعُوث من الرُّسل إلا وأُيِّد بآية ثم ذَهبَت، ومعْجزَة ثم انصَرمت، وشَريعةٍ ثم نُسخَت؛ لكِن آيتَه ومعجِزته خَالدَةً تَالـدَةً باقيـةً ما بقي النيِّران، وما وجد في الأرضِ إنسَان.
جَاء النَّبيون بالآيات فانصَرمَت
وجِئتنَا بحَكيمٍ غَير مُنصَرمِ
آياتُه كلمَا طالَ المدَى جُددٌ
يزينهُن جَلالُ العِتق والقِدمِ
"جَاءت أخْلاقه بنَسَق متَكَافئ فَزهْده كَجُوده، وكرَمُه كصَبره، وشُكره كَحِلمِه، وهَكذا أرسَله الله- سُبحَانه وتَعَالى - ليصِيغَ منظُومَة الأخْلاق الأبَدية بأقْلام من نُور الهدَاية، ثم أسَّس أول مدرسَة لتَواضُع العظَمَاء، وقَف على جُثمَان كبريَاء النَّفس يوَدعه، وغَزَا الأفئِدة بتوَاضُعه، وأخَذ مكَانه بين البُسطاء والضُّعفَاء" [3].
كان يخصِف نعله، ويَحلب شَاتَه، ويكون في مهنَة أهْله، ويلبَس الصُّوف، ويركَب الحمَار بل ويُردف عليه..، ومع هذا فقد ميَّزه الله بكريم الخِلال وشَريف الخصَال، وشَرح صَدرَه، وأعْلى ذِكرَه.
وضَم الإله اسْم النَّبي إلى اسمِه
إذا قال في الخَمس المؤَذن أشهَدُ
وشَق له من اسمِه ليُجلَّهُ
فذو العَرش مَحمُودٌ وهذا محمَّدُ
جمَع في شَخصِه وبين جنبَيه أجَلَّ المقَامَات وأسمَى المرَاتب وأكمَل المنَاقِب، فإذا ذُكِرَ العُبَّاد وتهجُّدهم فهو إمامُهم، وإذا أشِير إلى العُلمَاء وفقههم فهو أستَاذُهم، وإذا امتُدح الشُّجعان وبسَالتهم فهو قَائدهم، وإذا تميَّز الدُّعاة بأسْلوبهم فهو قُدوتهم، فله في كُل منقُبةٍ أوفَر حَظ وأكمَل نَصيْب..
فلقَدسَرَت مسرَى النجُوم هُمومه
ومَضَت مُضي البَاترات عَزائمه
"ألقَى الله على كَلامه المحبَّة، وغَشَّاه بالقَبول، وجمَع له بين المهَابَة والحكمَة، فلم تَسقُط له كَلمة، ولا زَلت به قدَم، ولا بارَت له حُجة، ولم يقُم له خصْم، ولا أفحَمَه خَطيب، بل يبُذ الخُطب الطِّوال بالكَلام القصِير، ولا يلتَمس إسكَات الخَصْم إلا بما يعْرفه الخَصْم، ولا يحتَج إلا بالصِّدق، ثم لم يسمَع الناس بكَلامٍ قَط أعمّ نَفعاً، ولا أصْدق لفْظَاً، ولا أعدَل وزناً من كَلامه".
يا أيُّها الأُمي حَسبُك رُتبَةً
في العِلم أن دانَت لك العُلمَاء
وُلِدَ فلمَّا ظهَر للدُّنيا أضَاء الكَون، واستَبشر التَّاريخ، وسَعِدت البشَرية كُلها بمَولده، ورَأت أمه نُوراً خَرَج منها فأضَاء مَدَائن بُصْرى والشَّام، فللَّه ما أجمَل تلك اللحَظَات، وما أسعَد تلك البقعَة، وما أجَل ذلك اليَوم الذي ولدَ فيه.
يومٌ يتيه على الزَّمان صَبَاحُه
ومسَاؤه بمحمَّدٍ وضَّـاءُ
كانت لحَظَاتُ حيَاته وأيام ولادَته مِلأها البرَكَات والنفَحَات، فلم تَعرف البشَرية أكمَل خَلْقاً، ولا أنبَل خُلُقاً، ولا أكرَم نسَباً، ولا أشرَف حسَباً، ولا أعظَم برَكةً وصَفَاءً وطهراً وصِدقاً منه - عليه الصَّلاة والسَّلام- فقد كانَت سيرَته نبرَاسَاً وضَّاءً في طَريق كُل مؤمن، ونورَاً وهَّاجاً في درب كل مسْلم، فقَد نُقلت بأدق تفصِيل وأكمَل بيَان، وأوضَح حَال؛ كما قال أحَد النُّقاد الغَربيين:"إن محَمداً ( عليه الصَّلاة والسَّلام ) هو الوحيْد الذي ولد على ضَوء الشَّمس"؛ وقد شَهد بكمَال أخْلاقه وسُمو روحِه وصِدق لهجَته، القَريب والبَعيد، والموَالي والمعَادي، والموَافق والمخَالف، فدُونك صُورٌ من أقوال بعضِ المستَشرقين الذين ما ملكُوا أنفسَهم أمام تلك العظَمَة التي بهَرتهم إلا أن يسَطروهَا بأقلامهِم:
يقول أحَدهم وهو أديْب أيرلَنْدا (برنَارْدشُو):"ما أحوَجَنا اليوم إلى رجُل كمُحَمَّد يحُل مشَاكل العَالم وهو يحتَسي فنَجاناً من القَهوة".
ويقول السِّير مُوير:"لم يكُن الإصْلاح أعسَر ولا أبعَد منه منَالاً وقت ظهُور محمَّد، ولا نعْلم نجَاحاً وإصْلاحَاً تم كالذي تركَه عند وفَاته".
وقال ليونَارد: "إن كان رجُل على هذه الأرض قد عَرَف الله، وإن كان رجُل على هذه الأرض قد أخلَص له، وفَني في خدمَته بقصْدٍ شَريف، ودافع عَظيم فإن هذا الرجُل بلا ريْب هو محمَّد نبي العَرَب".
وفي دائرة المعَارف البريطَانية: "لقَد صَادف محمد النجَاح الذي لم ينل مثْله نبي ولا مصْلح ديني في زَمن من الأزمنَة".
وقال بوزَورث سميث:"إن محَمداً بلا نزَاع هو أعظَم المصْلحين".
فمحَمدٌ صلى الله عليه وسلم الذي هو في نظَر المسْلمين خَاتم الأنبياء والرُّسل ومعَلم الأبطَال، هو في نظَر المفَكرين من الملل الأخرَى، أكبَر المصْلحين على الإطلاق، فلا يحِق لنا أن نتحَدث عن سِيرة رجُل دون أن نشَرف حديثَنا به أولاً؛ فتَنَقل في بسَاتين هذا الكتاب لتَستَنْشِق من عَبيْر مقَامَاتِه، ولتَقطِف من زَهر أخْلاقه وحيَاته، ولتَتَذوق من مَعِين شمَائله وصفَاته
-صلى الله عليه وسلم- ؛ ولا يسَعني إلا أن أرَدد قَول مَن قَال:
ولئن مَدَحْت محمَّداً بمقَالتي
فلقَد مَدَحت مقَالتي بمحمَّدِ






[1] أخرجه أحمد (33/219)، وقال ابن تيمية: حديث جيد. الجواب الصحيح (2/232).
[2] الزهاد مائة (ص7)، وانظر هذه المعجزات في كتابي: دلائل النبوة لأبي نعيم والبيهقي.

[3] الزهاد مائة (ص14).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-07-2020, 04:16 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,671
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة :: من مقامات النبوة

سلسلة :: من مقامات النبوة (2) مِيْلادُ الحَيَاة




الكاتب : نايف بن محمد اليحيى









مِيْلادُ الحَيَاة

مَضتْ الأَيام وانْصرَمت الأشهُر والَليالَي فأحَست آمنةُ بنت وهَب أنْ شَيئاً يتَحرك في دَاخلها وكأن مَولوداً يَعيش في أحشائِها، إلا أن آلام الحمل ومواجعَه لم يظهَر منها شيء، ولم يبد منها ما يدلُ على ذلك!!، ومع تَقدُم الشُهور ظَهر وكَبر الحمل في بطنِها حتى أتمْ التِسعة أشَهُر، وعِندها وضعت ذلك الطهر وتلك الشَمائل، بل وُلدت الحياة بأسرِها في أحضَان ذلك الطِفل الصَغير، الذي كانت الدُنيا تَنتظرهُ ليُغير مَسارها، ويُنير طَريقها، ويخرج مَن فيها مِن غَياهب الظُلمات إلى مَشاَعِل النُور والهِداية، كُل ذلك بإذن الحَكيم الخبير .
وعِندَما وضعَته وولدته رأت نوراً ساطعاً عظيماً ظَهر مِنها حَتى أنار قصور بُصرى والشَام، ولَقد كان لهذا الَنور فيما بعد حَقائِق سَطرها التَاريخ وشهدتْ عليها أطباق السماوات وبِقاع الأرضْ!!
دبّ هذا الطفل الصَغير على الأرضْ وجَعل يَبحث عن ثَدي يَلتقِمه كَغيره من الصِبية ليسكِن جُوعه ويُذهِب ظمأه .. ولكن تِلك الأُم التي يَملؤها الحَنان ويُحِيط بها البِشْر لم يكن فيها ما يسُد رَمق هذا الطِفل الصَغير، وفي هذه الأثَناء جَاء نِسوة من بني سَعد يلتمِسن الرُّضعاء يرضعنهم ومن بَينهن امرأةٌ تسمى حَليمة، فَلندَع القلم بيدِها لتُسطِر لنا حِكايتها وقصَتها مع ذلك الغُلام فتقول: خَرجت من بلدي مع زَوجي وابن لي صغير أرضِعُه مع نِسوة من بني سَعد نلتمس الرضعاء، وذلك في سَنةٍ شهباء لم تُبقِ لنا شيئا، فخرجت على أتان لي قَمراء، معنا شارفٌ لنا والله ما تَبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمعَ من صبينا الذي معنا من بُكائه من الجوع، ما في ثدييِ ما يُغنيه، وما في شَارفنا ما يُغذيه، ولكنا كنا نَرجو الغيَث والفَرج، فخرجت على أتاني وقد أدْمَت بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قَدِمنا مكة فوالله ما علمتُ منا امرأة إلا عُرِض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قِيل لها إنه يتَيم، وذلك أنا إنما كُنا نَرجو المَعروف من أبي الصبي، فكُنا نقول: يَتيم! وما عَسى أن تَصنع أمه وجَده! فَكُنا نكرهه لذلك.
فما بَقيت امرأةٌ كانت معي إلا أخَذت رضيعاً غيري، فلما أجمَعنا الانطِلاق قُلت لصَاحبي: والله إني لأكره أن أرجَع من بين صواحِبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهَبن إلى ذلك اليَتيم فآخذنّه! قال: لا عليك أن تَفعلي، عسى الله أن يَجعل لنا فيه بَركة!!
قالت: فذهَبت إليه فأخَذته، فو الله ما هو إلا أن جَعلته في حِجري فأقبل عليه ثَديي بما شَاء من اللبن، فشَرب وشَرب أخوه حتى رويا، وقام زوجي إلى شارفنا من الليل، فإذا بها حَافل، فحلبَ وشَربنا حتى رَوينا، فبتنا شباعاً رواء وقد نام صِبيانُنا، قال أبوه: والله يا حَليمة ما أراك إلا قد أصَبت نسَمَةً مُباركة!! ثم خَرجنا، فوالله لقد خرجَت أتاني أمام الركب قد قَطعتهن حتى ما يتَعلق بها أحد، فقدِمنا مَنازلنا من حَاضرة بني سعد بن بكر، فقدمنا على أَجدب أرض الله، فوالذي نفسي بِيده إن كانوا لَيسرحون أغنامُهم ويَسرح راعي غنمي، فَتروح غنمي بطاناً لُبَّناً حُفَّلاً، وتَروح أغنامهم جياعاً، فيقولون لِرعاتهم: ويلكم ألا تَسرحون حيث يَسرح راعي حليمة؟! فَيسرحون في الشِّعب الذي يَسرح فيه راعينا، فتروح أغنامهم جياعاً ما بها من لَبن، وتروح غنمي لُبَّناً حُفَّلاً.
وكان عليه الصلاة والسلام يَشِب في يومه شَباب الصبي في الشهر، ويَشب في الشهر شَباب الصبي في سنة، قالت: فقَدمنا على أمه فقلنا لها: ردي علينا ابنَنا فإنا نخَشى عليه وباء مكة، قالت: ونحن أضَن شيء به مما رَأينا من بَركته، قالت: فَرجعنا به فَمكثْ عِندنا شَهرين، فبينا يَلعب وأخوه جَاءه رَجُلان فشَقا بطنه، فخَرجنا نشتْد فأتينَاه وهو قائم مُنتقِع اللون، فاعتَنقهُ أبوه وأنا، ثم قال: مَالك يا بُني؟ قال: أتاني رجُلان فأضجَعاني ثم شقَا بطني فو الله ما أدري ما صنعَا، فرجعنا به، قالت: فقال أبوه: يا حَليمة ما أرى هذا الغُلام إلا قد أُصيِب، فانطلقي فلنرُده إلى أهلِه!!، فرَجعنا به إليها فقالت: ما ردكما به؟ فقلت كَفلناه وأدينَا الحق ثم تخَوفنا عليه الأحدَاث، فقالت: والله ما ذاك بكما فأَخبِراني خَبركُما!!، فما زَالت بنا حتى أخبرناهَا، قالت: فَتخوفتم عليه؟ كلا والله إن لابني هذا شأناً! إني حَمَلت به فلم أحْمل حملاً قط كان أخَف مِنه ولا أعظَم بركة، ثم رأيت نوراً كأنه شهَاب خَرج مني حين وَضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببُصرى! ثم وضَعته فما وقع كما يَقعُ الصُبيان، وقع واضعاً يديه بالأرض رافعاً رأسه إلى السَماء!! اترُكاه والحقَا بشأنِكما.
بأبي هو وأمُي فلَقد كان حمَله خيراً ووِلادته نوراً، وصِباه بَركة، وشبابُه أَمانة وصِدقاً، ورِسالتهُ هُدىً ورَحمة، فما من لحظة مِن لحظات حَياته وسِني عمُره إلا وَهي النُّور والخيْر والبَركَة، ثم هو مع ذلك وهو في أحشاء أُمه يموت والده فَيخرُج إلى الحياة يَتيماً، ويَرضع اليتم منذ الولادة، ثم لم يُكمل السَادسة حتى فَقد أمه، ثم يَتبع ذلك جده في الثَامنة، لَكن رعاية الله ولطفه به كانت أعظَم من عِناية ورِعاية الأُم والأب والجد!!
يا يَتيمَاً واليُتْم ضَعْفٌ وعَجْزٌ
كَيفَ ذلّت لضَعفِك الأقويَاء
إن اليُتم ليس صِفة نَقص إذا كان الرجل عَظيماً، وليس جَانب ضَعف إذا كانت النَفس سامِقة تواقة، وليس إشارة عجز إذا كانت عِناية الله قد لَفته واحتَضنته ونَسجت عليه خِيوطها، فقد كان كَثير من الأنْبياء أيتام، وكذلك الكثير من الأئِمة والأعلام، كأمثال الشَافعي ومَالك وأحمد؛ فهذا اليُتم لم يَكُن حائِلاً بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين تَطلعَاته وهِمتِه، فها هو ابن الثَمان سنين يأتي إلى جده عبد المطلب في الحِجر وهو جَالس على مِفرش لا يجَلس عليه غَيره ولا يجَرؤ أحد على ذلك! فيَجلس على ذلك المِفرش فينتهره أعَمامه ليقيموه منه فيأتي فيقول جَده: دعوه فوالله ليكونن لابني هَذا شأناً!
وفي أحَد الأيَام وعندما كَان في صِباه في الرابعة من عُمره أَصاب قُريشاً جدبٌ وقحطٌ حتى هَزلت مواشيهم وسَغبت بطونهم، فخَرجوا يستَسقون فقال بعضهم: اِعتَمدوا اللات والعزى!، وقال آخرون: اعتمدوا لمناة الثَالثة الأُخرى!، فبينا هُم كذلك إذ أقبَل أبو طالب معه ابن أخيه ذاك الصبي فالتَزم به الكعبة، وألصَق ظَهره بها، ثم أخَذ بأصبعه فأشار به إلى السماء وما فيها قَزعة، فأقَبل السَحاب من ها هُنا وهاهُنا وأغدق واغدودَق، وانفجَر له الوادي، وأخصَب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيضُ يُستَسقَى الغَمَام بوَجهه
ثُمال اليتَامى عِصمةٌ للأرَامِلِ
يلوذُُ به الهُلاَّك من آل هَاشِمٍ
فهم عندَه في نِعمةٍ وفضَائلِ
ولما نَاهز الحلم وبَلغ ثنتي عَشرة سنة خرَج مع عمِّه أبي طالب في تجِارة إلى الشَام، فلما بلغ بُصرى ونَزلوا بها، وكان فيها رَاهب من أَعلم النصارى في صَومعة له يُقال له "بُحيرا"، فصَنع بحيرا لهم طعاماً ودَعاهم ولم يكن من عَادته ذلك، فقال له أحدُهم في تَعجُب! يا بحيرا ما كُنت تَصنع هذا فما شأنك؟ فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لأجل هذا سيدِ العَالمين ورسولُ ربِ العالمين! فقالوا له: وما عِلمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أقبلتم من العَقبة لم يبقَ شجرة ولا حَجر إلا خَر ساجداً، ولا يسَجدون إلا لنبي، وإنا نجَده في كتبنا؛ وسأل أبا طالب فرَده خوفاً عليه من اليهود؛ فتأمل خَطرهم على الإسلاَم حتى قبل قيَامه وقَبل الرسالة.
ثم شبَّ وكَبر وتَزوج بخديجة، وكان لا يأتي ما يأتيه قَومه من الأصنام وعِبادتها والخمر وشُربها، ثم حَصل شيء غريب وحَادث عجيب وهو!!






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-08-2020, 04:34 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 37,671
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة :: من مقامات النبوة


سلسلة :: من مقامات النبوة (3)
مَقَامُ الرِّسَالَة


نايف بن محمد اليحيى







مَقَامُ الرِّسَالَة

في إِحدَى ليالي الصَيف القائظة شديدة الحَر حيثُ كانت تُسيطَر على فجاج مَكة وسُهولهَا رَمضاء شديدة التوهج والحَرارة، وكان رجال مكة في هذه اللحظَات كلٌّ مُنهمِك في عَمله وشُغلِه، وأما النِساء في تلك القَرية الصَغيرة المحُاطة بالجِبال والتِلال والحِجارة فَبعضهن يخَبزن ويعجِن، والبعض قد أشغَلت يديها في الخِياطة وغَزل الصوف، ومنهن من هي في صراخ وضَجيج مع صِبيانهَا وأطفالهَا، كان ذلك اليوم كما سبقه من الأيَام معتاداً على نمط المعيَشة المعَروفة، ونهْج الحيَاة السَابق، بالنسبة لأهَل مكة ورجالها فلا جَديد ولا غَريب في هذه الأَثناء!! ولكن البَشرية كُلها، والتَاريخ بأكملِه، والكَون بأَسرِه يتطلع إلى ذلك الجَبل الشَاهق الطَويل، الذي سَينعقد فيه ويحَدث عِنده أعَظم لِقاء وأجَل حَدث مَر على الحياة الدنيا بأطوارها، أتدريْ من المؤسس لهذا اللِقاء؟ وهل تَعرف تلك الشخصيات التي ستَلتقي فيه؟ وهل تَعلم شئياً عن المادة والسبَب الذي عُقِد من أجْله؟ إنها أسئلةٌ كَثيرة تتهَافت إلى الذِهن، وتتَسابق إلى الفؤاد لتبَحث لها عن إجابة في واقع الحِس المُشاهد!!
لقد كان المؤسس لهذا اللِقاء والآمر به في ذلك الزمان وفي تلك البُقعة من المكان هو " الله " خَالق الأكوان ومُصرِف الشَهور والأَعوام، وأما شَخصيات اللِقاء فهي بين أَزكى وأشرف رَجل من البشر، وأكرم وأجل مخلوق من الملائكة!! إنه بين روح القُدس جِبريل الوسِيط بين الله ورسله وأَعظم الملائكة خَلقَاً وأقربهم من الله، وبين محمد بن عبدالله سيد الثقلين وخَير المرسلين وخاتمهم.
كان النبي صلى الله عليه وسلم مُتحنثاً في غَار حِراء في جَبل النور المجاور لمِكة فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال له: اقرأ . فقال: ما أنا بقارئ! فأخَذه فَغطه وضَمه ضَمة شديدة ثم قال: اقرأ ثلاثاً .. ثم قال: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } [1] فعندَ ذلك خَرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسرعاً إلى بيته يَرجف فؤاده، فلقي زوجهُ خديجة فحاورته ثم انطلَقت به لورقة بن نوفل ابن عَمها فكلمته في ما حَدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شَيخاً كبيراً قد كتب الإنجيل وعرفه، فأخبرها أن هذا هو النَاموس الذي أُنزل على موسى، وأعلمه أن ذلك علماً على نُبوته، وجلّى له ما يحَصل لأهل هذه المَقامات من البلاء، وأنهم يُضطَهدون ويخُرجون من دِيارهم، وتحُارب هذه الدَعوة وهذه القيم التي يحَملون، ثم تمثل وَرقة بعد ذلك بأبيات يخُاطب بها خديجة فيقول:
إن يكُ حَقاً يا خَديجة فاعلَمي
حَديثَك إيانَا فأحمَد مُرسَلُ
وجبريل يأتيه ومِيكَال معهُمَا
من الله وحْي يَشرحُ الصَّدر مُنزلُ
يَفوز بها من فَاز فيهَا بتوبةٍ
ويَشقَى به العَاني الغَوي المظَللُ
فسُبحان من تهوي الرِّياح بأمرِه
ومن هو في الأيَّام ما شَاء يفعَلُ
ومن عَرشُه فوق السَّماوات كلهَا
وأقضَاؤه في خَلقِه لا تُبدَّلُ
وذَهبت الأيام بعد ذلك اللقاء، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في غَار حراء قد تحَنث فيه شهراً، فلما قَضى تعبُده ونَزل من الغار واستَبطن الوادي ونَزل فيه سمِع صوتاً يُناديه، فالتفت يمنةً ويسرةً فلم يَر شيئاً!! ثم نَظر أمَامه وخلفه فلم يرَ شيئاً!! ثم رفعَ رأَسه إلى السماء فإذا جبريل على عَرش في الهواء، بين الأرض والسماء، فَخاف ورُعب من ذلك الموقف وهَلع من ذلك الجسم العظيم فأتى تَرجِفُ بوادِرهُ إلى بيته فدَخل على زوجه وهو يقول: دَثِّروني دَثِّروني!! فغَطوه بِلحَاف وصَبوا عليه ماءً، [2] وفي تلك اللحظة في ذلك الخوف نزل الوَحي السَماوي، والأمر الرباني من الله – عز وجل – بتبَليغ الرِسالة وتحَمُّل أعبَاء الدعوة:{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1 قُمْ فَأَنذِرْ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ 4} "إنه النِداء العلوي الجَليل، للأمر العظيم الثَقيل، نذارة هذه البَشرية وإيقَاظها، وتخَليِصها من الشَر في الدُنيا، ومن النَار في الآخرة، وتوجيههَا إلى الخَلاص قبل فوات الأوان.
إنه واجبٌ ثقيلٌ شاقٌ، حين يُناط بفردٍ من البشر، مهما يكن نبياً ورسولاً، فالبشرية من التَمرد والعصيان والضَلال والعتو والعِناد من هذا الأمر ما يجَعل من الدَعوة أصعب وأثقل ما يُكلّفَهُ إنسانٌ من المهامِ في هذا الوجود، لاسيمَا وأنها مهمَّةٌ تمتَد إلى قيَام السَّاعة، وتتكَفل بعلاج مشَاكل البشَرية كُلهَا في كل زمَان ومكَان إلى حين زوال الدُّنيا وفنَاء البشَرية.
ربـَّاه أي مقَامٍ هذا؟!! من يُطيـقه؟!ومن يَقدر عَليـه؟!
ولكن: " الله أعْـلم حَيث يجْـعَل رسَالتَـه "
إن كلَّ أحدٍ، وكل شيءٍ، وكل قيمةٍ، وكل حقيقةٍ صغيرٌ!! والله وحده هو الكبير.
وتتوارَى الأجَرام والأحجَام، والقُوى والقيم، والأحدَاث والأحَوال، والمعَاني والأشكَال، وتنَمحي وتَزول في ظِلالِ الجلالِ والكمالِ لله الواحد الكبير المتعال.
إنّ هذه الآيات توجيهٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ليوَاجه نذارة البَشرية، ومتاعبها وأهوالها وأثقَالها، بهذا التَصور، وبهذا الشعور فيستَصغر كلَّ كَيد، وكل قوة، وكُل عَقبة، وهو يستَشعر أن ربه هو الذي دعاه ليقوم بهذه النذارة" [3].
لقد قام صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر خيرَ قيام، فبدأ بِزوجه فكانت أول من آمن به وصدّق، وفي هذا بيان تأثير المرأة في الإسلام، وذلك أن أول من صدق بالرسالة، وتابع وواسى الرسول صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها.
ثم عَرض ذلك على أبي بكر فما تَردد ولا تَلكأ، بل سُرعان ما آمن وصدّق وآزر النبي صلى الله عليه وسلم، وقام معه يَدعو إلى الله، فما ذَهب على إسلامه بِضعة أيام حتى أسَلم على يديه ستة من العشرة المبشرين بالجنة، ثم أسلَم علي وزيد وبلال، ثم أتى الأمر الإلهي {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} فقَام – صَلوات الله وسَلامه عَليه – على الصَفا وهتَف بأعلى صوته ليوصِل دعوة الله ورسَالته إلى كُل إنسان، يا صَباحاه!! يا صَباحاه!! فتَجمعت حوله قَبائل قريش ورِجالها ونِساؤها، فجعل يناديهم قبيلةً قبيلة، حتى وَصل إلى قبيَلته فجعل يُنادي بأسماء أعمَامه ليرى الناس أنه لا محاباة في دين الله فيقول: يا عباس عم رسول الله، ويا صفية عمة رسول الله، بل هتف باسم ابنته ومهجة فؤاده فقال: يا فاطمة بنت محمد أنَقذي نفَسك من النار لا أُغني عنك من الله شيئا، [4] وفي هذه الأثنَاء وفي أول مَقام يَقومه النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أول خِطاب يُعلنه على الملأ، وهو يَقوم أمام البَشرية كُلها وهي تتخبط في ظُلمات الشِرك والأصنَام والعِصيان، ليدعُوها إلى تَوحيد العبادة لله، وأنه لاَ معبود ولا مألوه ولا مُطاع بحقٍّ إلا الله!! في هذه اللَحظات الحَرجة التي ينَتظر فيها رسَول الله ردّ الجماهير التي تِقف أمامه وتسَمع كَلامه، يقَوم عَمه وأَقرب النَاس إليه، الذي كَان من فرَحه بولاَدته أن أعَتق أمته عندما بَشرته بمولده، فماذا تَظن موقفه في هذه اللحظات وأمام هذه الكَلمات؟!! هل تظن أنه مؤيدٌ لذلك؟ أم مُصدق ومُناصر لهذه الدعوة الجديدة؟! لقد قام وهو ينفض الترَاب من يديه ويقول: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا!! فكَان لمقَام عَمه صَدمة مُفاجئة! ولكنّ عُمق الإيمان، ورسُوخ المبدأ، وصِدق الهَم الذي كان يحَمله جعَلته لا يعبؤ بمثل هذه المواقف التي تعترضه وتقف له في طريقه.
ولك أن تتَأمل وتتَفكر في حَاله بهذا المَقام الذي قَامه على الصَفا، وما حَدث له، وكيف أنه قَام وحيداً بلا أتباعٍ ولا أنصارٍ ولا أعوانٍ، وبحالِه بعد ثلاثٍ وعشرين سنة حِينما قَام في نفس ذلك الموطن وفي ذات البُقعة ولكنه هذه المَرة أمام ناظِرَيْه وبين يَديه مائة ألف رَجل كُلهم يلهجون بالتَلبية والوحدَانية لله!! وكل فَرد منهم يستنُّ بفعله ويأتم بتصرفاته!! فكيف تحَقق ذلك؟! وكيف وَصل إلى هذه الحال؟! وماذا كان بين هذا المَقام وذاك المَقام من الأحدَاث الجِسام والمَقامات العِظام!! هذا ما سَنُترجم بعضه في هذه الصَفحات التي صورت شيئاً من مقاماته، وبَذله، وتَضحِيته، وتَعبُده، ودَعوته، وشفَاعته، ورَحمَته، وتَربيَته، وشَجاعَته، وعنَاية الله به...!!



[1] أخرجه البخاري (6581) مسلم (160).
[2] أخرجه البخاري (464) مسلم (2570).
[3] في ظلال القرآن (6 / 3754).
[4] أخرجه البخاري (3335) مسلم (348).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 92.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 89.77 كيلو بايت... تم توفير 2.75 كيلو بايت...بمعدل (2.98%)]