جوانب من البلاغة النبوية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

اخر عشرة مواضيع :         مستشفي علاج ادمان (اخر مشاركة : منة حسام - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          كايرو بيزنس بلازا العاصمة الادارية (اخر مشاركة : اسلام عقارات - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          إعلان تفاصيل استكمال العام الدراسى (اخر مشاركة : هبةاللة - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          دورة اقتصاديات المطارات 2021 (اخر مشاركة : راشد وليد - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          تحميل الفوتشوب 2020 ودورة احترافية (اخر مشاركة : خمرية صالح - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3061 - عددالزوار : 394037 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2473 - عددالزوار : 171469 )           »          مطلوب كتابة مقالات حصرية (اخر مشاركة : النخل العايم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          قناة شاملة عن الصحة والتغذية والرياضة والموسيقى الهادئة (اخر مشاركة : ذكرى ماضى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          كتاب علم الساعة-نهاية العالم وذهاب الليل والنهار (اخر مشاركة : عبدالرحمن المعلوي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى الإنشاء

ملتقى الإنشاء ملتقى يختص بتلخيص الكتب الاسلامية للحث على القراءة بصورة محببة سهلة ومختصرة بالإضافة الى عرض سير واحداث تاريخية عربية وعالمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13-01-2021, 10:34 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 53,021
الدولة : Egypt
افتراضي جوانب من البلاغة النبوية

جوانب من البلاغة النبوية


سارة غريبان العتيبي


الحمد لله ربِّ البريَّة، والصَّلاة والسَّلام على معلِّم البشريَّة، أدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه، فكان أحسن الناس قولًا وأعذبهم منطقًا، وأفصحهم بيانًا.. وبعد؛
فإن أجلَّ الكلام بعد كلامِ الله كلامُ خاتم أنبيائه محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام، وسنَّته هي المصدر الثَّاني للتَّشريع، وقد جاءت مبيِّنة لما في القرآن الكريم من أحكام؛ ففصَّلت مجمله، وقيَّدت مطلقه، وخصَّصت عمومه، ووضَّحت مشكله. وليس غريبًا أن يوليها المسلمون عنايةً خاصةً، بدأت بتدوين الحديث الشَّريف، واستنباط الأحكام منه والآداب، إلى غير ذلك من جوانب العناية[1].

ومنها - أي جوانب العناية بالحديث الشَّريف - الوقوف على أسراره البلاغيَّة، وهو ما تحاول هذه الدراسة أن تحيط بشيءٍ منه، بدءًا من الحديث عن بلاغة الرَّسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأسباب هذه البلاغة، وما تهيَّأ له من صفات رسمت أسلوبه وطابع حديثه، إلى فنون قوله، وخصائص بلاغة ذلك القول.

والبلاغة في اللغة تعني الوصول والانتهاء، فقد جاء في لسان العرب: "بَلغَ الشيءُ يَبْلُغُ بُلُوغاً وبَلاغاً: وصَلَ وانْتَهَى"[2]، وجاء أيَضًا في لسان العرب: "وَرجل بَلِيغٌ وبِلْغٌ: حسَنُ الكلام فَصِيحُه يبلغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه"[3]. أمَّا بلاغة الكلام في الاصطلاح، فهي: "مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته"[4]. والرُّمَّاني ينفي أن تكون البلاغة في الإفهام، أو تحقيق الَّلفظ على المعنى، بل هي في "إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من الَّلفظ.[5]" والبليغ من النَّاس من يحسن وضع كل جملة وما يشببها من الكلام في موضعها، ويستخدمها حيث ينبغي استخدامها[6]. ولأنَّ البلاغة مرتبطة بالأحوال والمقامات، فلا يثبت للكلام بذاته بلاغة إلا حيث يُستعمل، وُجد بين النَّاس تفاوت في مقدار بلاغة كلٍّ منهم. والحديث عن البلاغة النبوية حديث عن أسمى درجات البلاغة الإنسانيَّة[7]، فقد زكَّى الله منطق رسوله –عليه الصَّلاة والسَّلام- في كتابه، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴾ [النجم: 3، 4]، وشهد له أساطين البلاغة وأرباب الفصاحة، فهذا الجاحظ رائد البيان العربيِّ، يصف كلامه –عليه الصَّلاة والسَّلام-، فيقول: "هو الكلام الذي قلَّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجَلَّ عن الصَّنعة، ونُزِّه عن التكلف، وكان كما قال اللّه تبارك وتعالى: قل يا محمد: ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾ [ص: 86]، فكيف وقد عابَ التشديق، وجانب أصحاب التعقيب، واستعمل المبسوطَ في موضع البسط، والمقصورَ في موضع القصر، وهَجَر الغريبَ الوحشيَّ، ورغِبَ عن الهجين السُّوقيّ، فلم ينطِقْ إلا عن مِيراثِ حكمَةٍ، ولم يتكلَّم إلا بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة، وشُيِّد بالتأييد، ويُسِّرَ بالتوفيق"[8].

والحديث عن بلاغته عليه الصَّلاة والسَّلام يبدأ من الحديث عن أسبابها، وأوَّلها: توفيق الله وإلهامه له، وقد علَّمه الله ما لم يكن يعلم، فلا يعيا بقومٍ إذا بادروه، ولا يحصر إن سألوه، ويحدِّثهم كما لو أنَّه منهم؛ لتقوم به الحجَّة، ويتضح برهان رسالته، وتكون بلاغته ميزة له عن سائر العرب[9].

فهذا سبب، وأما الثَّاني: فقوَّة فطرته واستمرارها وتمكُّنها، فقد كان - عليه الصلاة والسلام - يصرِّف الُّلغة ويديرها على أوضاعها ويشقُّ منها أساليبها ومفرداتها على نحو لم يكن للعرب منه إلَّا القليل، وهذه الصِّفات لا تكون في أهل الفطرة عن مزاولةٍ ومعاناةٍ بل تعين عليها النَّفس المجتمعة والذهن الوقَّاد، والبصيرة النَّافذة، وليس في العرب من جمع هذه الصفات غير رسول الله –صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقد اصطنعه الله لوحيه، وخصَّه برسالته، وأنزل عليه كتابه، فكان أهلًا لهذه الفطرة الخالصة[10].

وأما ثالث الأسباب: فعائد إلى نشأته، فقد تقلَّب - عليه الصَّلاة والسَّلام - في أفصح القبائل، "فكان مولده في بني هاشم، وأخواله في بني زهرة، ورضاعه في سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوَّجه في بني أسد، ومهاجرته إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار"[11]. وقد أقرَّ له بذلك فصحاؤهم، فما دخلتهم له حميَّة ولا تعاظمهم، ولو كان فيهم من هو أفصح منه لعارضوه به[12].

وهذه الأسباب التي سلفت هي تمييز لكلام الرَّسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- عن كلام غيره من البشر من وجوه عدة، أبرزها: بُعدُ كلامه - عليه الصَّلاة والسَّلام - عن آثار التكلف والصَّنعة، فقد كان للعرب في جاهليَّتهم حكم يظهر فها تقعُّر الصِّناعة أكثر من اجتماع المعنى وبروزه، ومن ذلك هذا الفرق الذي نلحظه بين قول العرب: "التَّوبة تمحو الحوبة"، وقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا"[13]، ففي المقولة العربيَّة يلفتنا الجناس الناقص بين (التوبة) و(الحوبة)، وتجاور الحائين في كلٍّ من (تمحو) و(الحوبة) أكثر من ولوجنا إلى عمق المعنى، بينما تجد في كلام الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام صياغة محكمة الألفاظ مسوقة عن عفو الخاطر، تيسِّر للذهن بلوغ شِغاف المعنى المراد دون جهد[14].

ومما يميِّز كلام الرَّسول -عليه الصَّلاة والسَّلام-: أنَّه لا يدخله الباطل، ولا يتخلَّل الَّلغو معناه فقد "صاغ لسان النبوَّة ألفاظه وتنزَّل وحيًا من السَّماء معناه"[15]، وهذا سرٌّ من أسرار سموِّه وشرف مكانته.

ومنها: أن الرَّسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - أبدع جملًا لم يسبقه العرب إليها، ولم يتَّفق لأحدٍ مثلها في براعتها وحسن بيانها، ومن ذلك قوله - عليه الصَّلاة والسَّلام -: "مات حتف أنفه"، "وقوله في الحرب: "الآن حميَ الوَطِيس"، وقوله "بعثت في نفس السَّاعة"[16].

ويعضِّد هذه السِّمات الكلاميَّة ما تميَّز به الرَّسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- من سمات في أدائه الكلاميِّ، وهي نوعان: سمات خَلْقِيَّة، وأخرى خُلُقيَّة. فالأولى منها: أنَّه كان -عليه الصَّلاة والسَّلام- ضليع الفم؛ أي يستعمل جميع فمه إذا تكلَّم، ولا يكتفي بتحريك الشَّفتين، ويفتح الكلام ويختمه بأشداقه، و"كانت العرب تتمادح بسعة الفم وتذم بصغره، لأن السعة أدلّ على امتلاء الكلام، وتحقيق الحروف وجهارة الأداء وإشباع ذلك في الجملة"[17]. وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - خاليًا من عيوب النطق الخَلْقيَّة، كالتمتمة والفأفأة وغيرها[18]. ومن صفاته الخَلْقيَّة: حُسْن صوته، ولا ريب أن الُّلغة العربيَّة -خاصة- تحسُن بالصوت على نحو لا تحسن به سائر الُّلغات؛ نظرًا لطبيعتها الموسيقيَّة التي تقتضي خفَّة الوزن، وتساوي الكلام واعتداله[19].

أما السِّمات الخُلُقيَّة، فمنها ما قالته عائشة -رضي الله عنها: "مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ سرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إليه"[20]، وقولها: "كَانَ رُسُولُ الله -صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يحدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عدَّهُ العَادُّ لَأَحْصَاهُ"[21]. ومنها أنَّه كان لا يتكلَّم بغير حاجة، طويل السُّكوت، ويتكلَّم بجوامع الكلم فضلًا لا فضول فيه ولا تقصير[22].

ومن أجلى صفاته الخُلُقيَّة التي هي من صميم بلاغته -عليه الصَّلاة والسَّلام- مراعاته لمقتضى الحال. وقد "عَرَّف بعض البلاغيِّين (الحال) بأنه: "الأمر الذي يدعو إلى التكلُّم على وجه مخصوص، بحيث يكون للكلام خصوصيَّة زائدة على أصل المراد، وهذه الخصوصيَّة هي (مقتضى الحال)"[23]. ومن مظاهر مراعاته -عليه الصَّلاة والسَّلام- لمقتضى الحال: تخيُّر الوقت المناسب للموعظة دفعًا للسَّآمة والملل عن نفوس أصحابه، ويدلُّ على ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه لرجل طلب إليه أن يذكِّرهم كلَّ يوم: "أما إنه يمنعني من ذلك أنِّي أكره أن أُمِلَّكُم وإنِّي أتخوَّلكم بالموعظة كما كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتخوَّلُنا بها مخافة السآمة علينا"[24].

ومنها: أنه كان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يوصي كلَّ مخاطَبٍ بما يصلح لحاله، "إذ ليس من الحكمة أن توصي بحسن الخلق من يتحلَّى به، أو بطلب العلم من هو حريص عليه"[25]، ويظهر هذا في وصايا الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام لأصحابه بما يحتاجه كلُّ واحدٍ منهم، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَوْصِنِى، قَالَ: "لاَ تَغْضَبْ"، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: "لاَ تَغْضَبْ"[26]. وذكر ابن حجر في شرح هذا الحديث قول بعض أهل العلم: "لعل السائل كان غضوبًا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر كل أحد بما هو أولى به، فلهذا اقتصر في وصيته له على ترك الغضب"[27].

ومن كمال نفسه -عليه الصَّلاة والسَّلام- كان كمال حديثه وفصاحته وأسلوبه؛ "لأنَّ مجرى الأسلوب على الطَّبع، والطَّبع غالب مهما تشدَّد المرءُ وارتاض ومهما تثبَّت وبالغ في التحفُّظ"[28]. وكان حديثه -عليه الصَّلاة والسَّلام- متعدِّد الفنون "فمنه الحكم الجامعة القصيرة وهي التي تسمَّى جوامع الكلم، ومنه التَّمثيل والتَّقريب، ومنه الوصايا والأحكام، ومنه الخطب والكتب"[29].

أما حكمه الجامعة، أو جوامع كلمه، فهي "المقاطع القصيرة من الكلام المتَّسعة لمعانٍ كليَّة جامعة، تنبسط على جزئيات وأحداث كثيرة، في صياغة متينة من التَّعبير المشرق الأخَّاذ"[30]. ومن جوامع كلمه، ما رواه ابن عبَّاس -رضي الله عنه-: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: "يا غلام، إني أُعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمّة لو اجتمعت على أَن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلَّا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء، لم يضرُّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصُّحف"[31]. وقال: فهذه العبارات النَّبويَّة مطبوعةٌ بطابع الإيجاز "الذي يعده العرب سمة البلاغة وعنوان الفصاحة"[32].

وأما أمثلته المقرِّبة، فهي في الأصل معانٍ توجيهيَّة مجرَّدة عرض لها الرَّسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- صورًا من المحسوسات تقرِّبها إلى الأذهان، وتحفرها في أعماق الوجدان[33]. ومن أمثلتها، قوله عليه الصلاة والسلام:" إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"[34].إن تمثيل هذه المعاني المجرَّدة في صورة حسية كان أوفى بالغرض، وأكثر استمالة للنفس[35].

وأما وصاياه وحكمه - عليه الصَّلاة والسَّلام -، فهي "فصول قصيرة من الكلام البليغ، يغلب أن تأتي في ثنايا الحوار، أو جوابًا عن سؤال"[36]. وقد شرَّع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - للمسلمين - جميعًا - الأسلوب الأمثل في كافَّة مناحي حياتهم بوحي من العليم الخبير[37]. ومن أحاديثه في هذا الباب قوله - عليه الصلاة والسلام -: "اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسو الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات"[38].

ومن فنون قوله - عليه الصَّلاة والسَّلام- خطبه، وكانت مرتجلة كلَّها، ومنها الطِّوال والقصار، وبعضها وسط بين ذلك على حسب ما تقتضيه المواقف والمناسبات، وكانت متعددة الأغراض مستوعبة لجوانب الدَّعوة الإسلاميَّة، موجَّهة للمسلمين فيما يصلح أمور دينهم ودنياهم، وقد تميَّزت - أيضًا- بالأسلوب المحكم الرَّصين، وكانت مركَّزة على الغرض، مطبوعة بالإيجاز[39]. ومن خطبه –عليه الصَّلاة والسَّلام- قوله: "لا تكونوا ممن اختدعته العاجلة، وغرَّته الأمنية، واستهوته الخدعة، فركن إلى دار سريعة الزَّوال، وشيكة الانتقال، إنه لم يبقَ من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب، أو صرِّ حالب، فعلام تفرحون، وماذا تنتظرون؟..."[40]. ومن يتأمل هذه الخطبة يجد أن كل لفظة فيها إنما اتخذت موقعها من الكلام لخدمة غرض واحد لا تحيد عنه، فـ"أي بليغ يستطيع أن يحكم مثل القول في عقد بياني واحد، لا يخرج فيه عن الغرض الذي أنشئ لأجله؟ ولا يستعين على نسجه بصناعة غيره"[41].

وأما رسائله النبويَّة، فكانت مشاكلة لخطابته -عليه الصَّلاة والسَّلام- في كونهما بلا وزن ولا قافية، وقد يتشابهان في الألفاظ من جهة السُّهولة والعذوبة، وفي الفواصل، إذ لا فرق بينهما إلا أنَّ الخطبة تؤدَّى بصورة شفهيَّة، وتؤدَّى الرِّسالة بصورة مكتوبة. ويمكن أن تؤدَّى إحداهما بالأخرى بأيسر تكلفة؛ لما بينهما من التَّشابه في الغرض والموضوع؛ فكلاهما يتناول أمر الدِّين والسلطان[42].

ولذا كانت موضوعات الرَّسائل النبويَّة في مدار الدَّعوة إلى الله، وما يدخل تحتها من العهود والمواثيق المبرمة بينه وبين فردٍ أو جماعة أو أمَّة كالفرس والروم ممن دُعوا إلى الإسلام فأبوا إلا دفع الجزية[43]. ومن أبرز ما يميز مكاتباته - عليه الصَّلاة والسلام- استخدامه للأسلوب السهل في موضع السُّهولة، وذلك أن تكون الرِّسالة مرسلة إلى قومٍ من غير العرب، فيفهمها من يكون له أدنى معرفة بالعربيَّة، ومن ذلك مراسلته لعظيم الرِّوم هرقل[44].

ويختلف الأسلوب حين تكون مراسلته -عليه الصَّلاة والسَّلام- لقومٍ من العرب تقتضي لغتهم الفخامة، "فمن علَّم الرَّسول الأمِّي ذلك الِّلسان الذي لم يقف على معرفته بواسطة كتاب أو معلم؟"[45].

هذا، وقد تميَّز البيان النَّبوي بخصائص عدة، منها: الإيجاز، وهي سمة ظاهرة في بيان الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، والشواهد عليها كثيرة، منها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "البرُّ حُسنُ الخُلُقِ، والإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكرِهْتَ أنْ يطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ"[46].

ومن خصائص بيانه -عليه الصَّلاة والسَّلام- جزالته ورقَّته، وهما خصيصتان مرتبطتان بالموضوع والغرض الذي يُساق من أجله الكلام. فمن جزالته، قوله - عليه الصلاة والسلام: "من ظَلَم من الأرضِ شيئًا طُوِّقَهُ من سبعِ أرَضِين"[47] فهنا تظهر القوَّة والإحكام؛ للتحذير من الظُّلم، وبيان شدَّة ما يُعاقب به الظالم[48]. وأما رقَّته فما أكثر الأحاديث المشتملة عليها، ومنها قوله –عليه الصَّلاة والسَّلام-: "إنَّ الله -عزَّ وجلَّ- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِـيءُ اللَّيْلِ حَتَى تَطْلُـعَ الشَّمْسُ مِـنْ مَغْرِبِهَا"[49]. وهنا "شاركت الاستعارة في الحديث في إبراز هذه الرِّقة، فبسط اليد عبارة عن التوسُّع في الجود والمنع عند اقتضاء الحكمة"[50].

ومما يتَّسم به البيان النبوي سهولته، وقصده، وبعده عن المبالغة والتكلُّف[51]، أو كما يقول الرافعي: "كأن الجملة تخلق في منطقه -صلى الله عليه وسلم- خلقًا سويًّا، أو هي تنزع من نفسه انتزاعًا"[52]، ولذا كان بيانه -عليه الصَّلاة والسَّلام- خالٍ من الزَّخارف والصِّناعة الَّلفظيَّة التي يتعمَّدها البلغاء بأنواع من البديع كالسَّجع والطباق وغيرها، إلا ما كان عفو البديهة، من وحي الفطرة دون تكلُّف أو تعمُّل[53]. وهذا شاهدٌ من بديع طباقه في قوله -عليه الصَّلاة والسَّلام: " اللهمَّ اغفر لحيِّـنا وميِّتـنا، وشـاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا"[54].

هذا، وبلاغة الرسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- مما لا يحدُّه حدٌّ، ولا يحيط به من البشر أحد، "أما اللغة فهي لغة الواضع بالفطرة القوية المستحكمة، والمنصرف معها بالإحاطة والاستيعاب، وأما البيان فبيان أفصح الناس نشأة، وأقواهم مذهبًا، وأبلغهم من الذكاء والإلهام، وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة، وتبصير الوحي وتأديب الله، وأمرٌ في الإنسان من فوق الإنسانية"[55].

المراجع والمصادر:
الألباني، محمد ناصر الدين (1419هـ)، صحيح سنن أبي داود، الرياض، مكتبة المعارف.
ابن حجر، أحمد بن علي أبو الفضل العسقلاني (1379هـ)، فتح الباري، بيروت، دار المعرفة.
ابن منظور، لسان العرب، بيروت، دار صادر، د.ت.
البخاري، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل (1432هـ)، صحيح البخاري، بيروت، المكتبة العصريَّة.
البوطي، محمد (1432هـ)، في الحديث الشريف والبلاغة النبويَّة، دمشق، دار الفكر.
الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة، الشمائل المحمدية، تحقيق: عبده كوشك، المنامة، مكتبة نظام يعقوبي الخاصة، د.ت. الجامع الكبير، تحقيق: بشار عواد معروف، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1996م.
الجاحظ، عمرو بن بحر الكناني (1423هـ)، البيان والتبيين، بيروت، دار ومكتبة الهلال.
الحمزاوي، محمد (1428هـ)، الخصائص البلاغية للبيان النبوي، د.م، مكتبة الرشد.
الدبل، محمد، الخصائص الفنية في الأدب النبوي، الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، د.ت.
الرافعي، مصطفى صادق (1393هـ)، إعجاز القرآن والبلاغة النبويَّة، ط9، بيروت، دار الكتاب العربي، 1393هـ.
الرماني، علي بن عيسى بن علي (1976م)، النكت في إعجاز القرآن، ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ط3 مصر، دار المعارف.
الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، فتح القدير، تحقيق: عبدالرحمن عميرة، د.م، دار الوفاء، د.ت.
العسكري، أبو هلال الحسن بن عبدالله (1419هـ)، الصناعتين، تحقيق: علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، المكتبة العصرية.
العلوي، يحيى بن حمزة (1333هـ)، الطراز، مصر، دار المقتطف.
العليوي، يوسف عبدالله محمد (1428هـ)، رعاية حال المخاطب في أحاديث الصحيحين دراسة بلاغية تحليلية، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض.
القزويني، محمد بن عبدالرحمن بن عمر (1430هـ)، الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق: محمد عبدالقادر الفاضلي، بيروت، المكتبة العصرية.
القشيري النيسابوري، مسلم بن الحجاج (1431هـ)، الجامع الصحيح، بيروت، المكتبة العصريَّة.


[1] يُنظر: محمد الدبل، الخصائص الفنية في الأدب النبوي، (الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، د.ت)، 10، 11.

[2] ابن منظور، لسان العرب، مادة (بَلَغ)، (بيروت: دار صادر، د. ت.)، 8/ 419.

[3] المرجع السابق، 8 /420.

[4] القزويني، الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق: محمد عبدالقادر الفاضلي، (بيروت: المكتبة العصرية، 1430هـ)، 16.

[5] الرماني، النكت في إعجاز القرآن، ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، ط3 (مصر: دار المعارف، 1976م)، 75، 76.

[6] يُنظر: محمد البوطي، في الحديث الشريف والبلاغة النبويَّة، (دمشق: درار الفكر، 1432هـ)، 45.

[7] يُنظر: البوطي، مرجع سابق، 46.

[8] الجاحظ، البيان والتبيين، (بيروت: دار ومكتبة الهلال، 1423هـ)، 2/ 13.

[9] يُنظر: الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبويَّة، ط9 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1393هـ)، 284.

[10] يُنظر: الرافعي، مرجع سابق، 285.

[11] المرجع السابق، 285.

[12] يُنظر: المرجع السابق، 286.

[13] الشوكاني، فتح القدير، تحقيق: عبدالرحمن عميرة، (د.م، دار الوفاء، د.ت)، 2/ 443.

[14] يُنظر: البوطي، مرجع سابق، 51.

[15] البوطي، مرجع سابق، 51.

[16] يُنظر: الرافعي، مرجع سابق، 315، 316.

[17] المرجع السابق، 295.

[18] يُنظر: المرجع السابق، 296.

[19] يُنظر: المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[20] الترمذي، الشمائل المحمدية، تحقيق: عبده كوشك، (المنامة: مكتبة نظام يعقوبي الخاصة، د.ت)، 146.

[21] صحيح البخاري، ح 3567، كتاب المناقب، باب صفة النبي عليه الصَّلاة والسَّلام، (بيروت: المكتبة العصريَّة، 1432هـ)، 627.

[22] (الرافعي 290).

[23] يوسف عبدالله محمد العليوي، رعاية حال المخاطب في أحاديث الصحيحين دراسة بلاغية تحليلية، رسالة دكتوراه، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض (1428هـ)، 14.

[24] صحيح البخاري، ح70، كتاب العلم، باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة، 32.

[25] العليوي، مرجع سابق، 37.

[26] صحيح البخاري، ح6116، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، 1099.

[27] ابن حجر، فتح الباري، (بيروت: دار المعرفة، 1379هـ)، 10/ 520.

[28] الرافعي، مرجع سابق، 300.

[29] البوطي، مرجع سابق، 57.

[30] المرجع السابق، الصفحة نفسها.

[31] الترمذي، الجامع الكبير، تحقيق: بشار عواد معروف، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996م)، 4/ 284، 285.

[32] الدبل، مرجع سابق، 57.

[33] يُنظر: البوطي، مرجع سابق، 59.

[34] مسلم، الجامع الصحيح، ح2282، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النَّبي صلَّى الله عليه وسلَم من الهدى والعلم، (بيروت: المكتبة العصريَّة، 1431هـ)، 874.

[35] يُنظر: كمال عزالدين، مرجع سابق، 68.

[36] البوطي، مرجع سابق، 60.

[37] يُنظر: الدبل، مرجع سابق، 41.

[38] البخاري، مرجع سابق، ح6758، كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، 1218.

[39] الدبل، مرجع سابق، 56، 57.

[40] يحيى حمزة العلوي، الطراز، (مصر: دار المقتطف، 1333هـ)، 160، 161.

[41] الدبل، مرجع سابق، 57، 58.

[42] يُنظر: أبو هلال العسكري، الصناعتين، تحقيق: علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، (بيروت: المكتبة العصرية، 1419هـ)، 136.

[43] يُنظر: الدبل، مرجع سابق، 60.

[44] صحيح البخاري، ح7، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، 17.

[45] الدبل، مرجع سابق، 61.

[46] صحيح مسلم، ح 2553، كتاب البر والصلة والآداب، باب تفسير البرِّ والإثم، 965.

[47] صحيح البخاري، ح2452، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض، 321.

[48] يُنظر: محمد الحمزاوي، الخصائص البلاغية للبيان النبوي، (د.م، مكتبة الرشد، 1428هـ)، 77.

[49] صحيح مسلم، ح2759، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة، 1030.

[50] الحمزاوي، مرجع سابق، 81.

[51] يُنظر: الدبل، مرجع سابق، 144.

[52] الرافعي، مرجع سابق، 339.

[53] يُنظر: الدبل، مرجع سابق، 144.

[54] الألباني، صحيح سنن أبي داود، ح3201، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت، (الرياض: مكتبة المعارف، 1419هـ)، 2/ 299، 300.

[55] الرافعي، مرجع سابق، 326.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 91.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 89.17 كيلو بايت... تم توفير 2.00 كيلو بايت...بمعدل (2.20%)]