ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         خديجة بنت خويلد أم المؤمنين سيدة نساء العالمين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          للنساء فقط .. 7 أمور تنهي الحب بين الزوجين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الابتزاز الإلكتروني (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 371 - عددالزوار : 12304 )           »          ضيِّع وقتك! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          قضايا الانحراف في السرد العربي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          المبدع: الدور والرسالة والشخصية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          في حزام الفقر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          التبيان في قواعد إعراب القرآن (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          أزمة قراءة ... أزمة نقد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 11 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > ملتقى الحج والعمرة

ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-07-2022, 08:08 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,413
الدولة : Egypt
افتراضي ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة

ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة (1)
محمد السيد حسن محمد
هذا وقد أنف الكلامُ حول خطبته صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، وبين أيدينا هذه الخطبة الجامعة الأخرى، وإذ تقوم على أساسها أممٌ، وتنهض من عرفها دول!

وإذ شملت أصولًا عدة من أصول شريعتنا، وحين كان العض على هذه الأصول زعيمًا، وضامنًا وكافلًا لتنشئة أمة قائدة رائدة، وحين تتلمس هذا الهدي كله، ولما كانت تترسم هذا المعين أجمعه، وإذ بك تراها في الآفاق محلقة، وقد تسربلت المجد، وقد كان رداؤها السؤدد، والسلطان والأبهة، والتقلد لزمام عالم أمواجه متلاطمة، ومن حيرته من أمره، ولما ابتغى العزة في غير هذا الدين والصراط المستقيم.

وإذ بك تراه مترنحًا شرقًا مرة، وإذ بك تلفاه متمايلًا متهافتًا غربًا كرة!

وآهٍ لو جاء عند الوسط - الإسلام - أبدًا، لاستراح الدارين، ولسعد الحياتين!

وأبينه في اثنتي عشرة مسألة:
المسألة الأولى: مشروعية الخطبة راكبًا:
ولكنه صلى الله عليه وسلم كان قد خطب الناس راكبًا بعيرًا قائمًا في الركابين؛ أي: إن رجليه كانتا في ركابي البعير، والركاب: هو الحلقة التي يدخل الفارس رجله فيها، فعن خالد بن العداء بن هوذة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائم في الركابين[1].

وفيه دلالة على جواز الخطبة راكبًا.

المسألة الثانية: القياس الصحيح والاستدلال الصريح:
وإلا أن تحريم الدماء والأموال والأعراض، وإنما قيس على حرمة الشهر الحرام، وتقريبًا للأفهام، ولأن قريشًا كانت تعتقد حرمته، ولأن المسلمين يعتقدون حرمته أيضًا، وإلا أن هذه الحرمة باقية، قياسًا على شهر الله الحرام، تقريبًا للأذهان، وعلى غير قياس على شهر الله الحرام هذا، أو غيره من الأشهر الحرم الأخرى، أو يوم الناس هذا أو بلدهم هذا، ولاتحاد العلة ها هنا، ولأن هذه هي الضرورات الخمس في ديننا، ولأن هذا هو نداء الفطرة الرفيع، وحين تكبح جماح نفوس، وألا تتعدى على غيرها، من دين، أو نفس، أو مال، أو عرض، أو عقلٍ.

وسبحان الله وتعالى، وما أجمل قياسه صلى الله عليه وسلم! ويوم أن قال لأحدهم: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم.

فعن أبي أمامة الباهلي إن فتى شابًّا أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه! مه! فقال: ادنه، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتُحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء[2].

وقس عليه غيره من المحرمات.

وهذ مدرسة الإسلام الأولى، ولتخريج أمة يغمرها عفافُها، ويحوطها طهرُها، ويعبقها اتباعها، وحين تقرب إليها القياسات، فتعمل فيها عملها، وهذه مائدة التربية الإيمانية العملية، وحين استشعار خطر داهم يهز البنيان الاجتماعي للأمة بأسرها.

ولكن مسألة قياس نبينا صلى الله عليه وسلم ليس بحثًا محلُّها الآن، وإنما تعريج، ولما كان من عمدتهم استدلالًا، وحين قال رجل: يا نبي الله، إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق[3].

المسألة الثالثة: تيسير الملة برفع الحرج عن الأمة:
وإلا أنه صلى الله عليه وسلم قد وسع، ورفع الحرج، ويسَّر على غير القادرين، أو الذين لا يجدون إلا جهدهم، ومن حيث جواز لبس الخفين بدلًا عن النعلين للمحرم، وكذا لبس السراويل، ولمن لم يجد إزارًا، وللمحرم أيضًا.

وهذا من باب رفع الحرج عن الأمة، وهذا موجب التيسير عليها، وكما أنف، ولأن الله تعالى قال: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة:185]، وكما قال تعالى أيضًا: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج:78].


فعن عبدالله بن عباس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل للمحرم[4].

والنعل والنعلة: ما وقيت به القدم من الأرض، مؤنثة، وفي الحديث: أن رجلًا شكا إليه رجلًا من الأنصار، فقال: يا خير من يمشي بنعل فرد، قال ابن الأثير: النعل مؤنثة وهي التي تلبس في المشي تسمى الآن تاسومة، ووصفها بالفرد وهو مذكر؛ لأن تأنيثها غير حقيقي[5].
والغالب فيه أنه لا يستر القدم.
والخُف: هو ما يلبس في الرجل من جلد رقيق[6].

والخف في الأرض أغلظ من النعل... وخف الإنسان: ما أصاب الأرض من باطن قدمه... والخف: الذي يلبس، والجمع من كل ذلك أخفاف وخفاف[7].

ويكون ساترًا للكعبين فأكثر، ويلبسه المحرم بعد أن يقطع أسفل من الكعبين، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم.

والإزار: ما يتَّزر به الإنسان، لتغطية العورة، وهو لباس يلفه الإنسان عادة أكثر ما بين السرة والركبة، لستر العورة، والإزار في باب تكفين الميت يقصد به: ما يغطي تمام جسد الميت، قال في الجواهر: بلا خلاف أجده[8].

وقيل: الإزار كل ما واراك وسترك[9].

المسألة الرابعة: معالم السعادة وروافد الريادة:
وثمة بيان آخر من بيانات يوم عرفة المتلاحقة، ويكأننا أمام هذا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أراد أن يسلم الأمانة، وموجزًا أحكامها، وأصولها، وأركانها، ونظامها، وأبوابها، وفروعها! وإذا جاز قول إن هنالك فروعًا! ولأن الأصل أن ديننا كل حميد، وأصل مجيد، وإذ ليس قد هون من سلطانه في القلوب إلا قول: إن هذا أصل، وإن هذا فرع.

وإنما نقول: وإنه وإن كان هذا الكل هو منهج الله تعالى، ومن ثم تكون النظرة إليه، ومن هذا الجانب، وأنه قد صدر من السلطة العليا في التشريع، وعند النظر إليه، ومن باب العبودية هذا، فإن النفوس تتلقاه، وبهذا المستوى العالي من التلقي، والقبول، والإذعان، والتسليم، والانقياد، والمتابعة عليه قدرًا قدرًا!

وإذ كان من هذا البيان الضافي ما يلي:
المسألة الخامسة: لا وصية لوارث:
وهذا مقتضاه ألا يأخذ وارث ومن فوق نصيبه المقدر شرعًا نصيبًا آخر، ومن مقتضى هذه الوصية، وإذ تعتبر ها هنا مخالفة لنصوص الشرع في توزيع الأنصباء من التركة التي تركها المورث.

وفي هذا قضاء على ما قد تتلبَّسه النفوس من ظلم، حماية لها من شررها، وسدًّا لباب بطرها، والذي سيتطاير شررُه على الورثة من بعد، وبما يمكن أن يفتح عليهم بابًا يلج عليهم منه ما هم في غنى عنه، ولما يمكن أن يتولد بينهم من حنق وبغضاء، ومن سببه، ومن موجبه.

وها هو الدين، الإسلام الحنيف الخالد، قد جاء سدًّا لكل ذريعة يُمكنها أن تكون سببًا في شحناء بين المتوارثين، والأصل أنهم يحكمهم نسب وقرابة وصهر ودم! وها هو ديننا، وقد أعلى من قيمة هذه العلائق علية خفاقة سامية سامقة رفيعة أبية على اختلاف، عصية على تفرُّق، حريصة للجماعة والألفة والمحبة والمودة والصلة.

وليس يقال: قال الله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة:180].

ولأن هذه الآية الكريمة نُسخت بقول نبينا صلى الله عليه وسلم: إن الله أعطى كل ذي حق حقَّه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر[10].

ولأن الله تعالى قسم المواريث، وبحيث يقطع قولًا آخر، وباستدلال من آية البقرة الآنفة الذكر، وكما قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء:11].

هذا، و(إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصيةَ لوارثٍ): دليلٌ واضح على أن الناسخ لآية الوصية هي آية المواريث المشار إليها بقوله: (إن الله قد آتى كل ذي حقٍّ حقَّه)، والحديث إنما هو بيان لما دل عليه القرآن في هذا، فكأن قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد آتى كل ذي حقٍّ حقَّه): من باب ذكر الملزوم على سبيل الاستدلال، ثم عقَّبه بقوله: (فلا وصية لوارث) بيانًا للازم؛ أي: قد ثبت إيتاء الله كلَّ ذي حق حقَّه، فلَزِم منه أنْ لا وصية لوارث، وذلك أن الوصية للوارث إنما شُرعت أولًا لأجل أداء ما لَه من الحق، ثم علم الله تعالى أن ابن آدم لا يمكنه الوفاء بمقتضى الحق لعدم علمه، قال تعالى: ﴿ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾ [النساء: 11]، ففرض المواريث بحكمه كما قال تعالى عقب ذلك: (وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: 12]؛ أي حالَّة محل الوصية التي أُمرتم بها.

والآية واضحة في نسخ آية الوصية، وبيَّنَها الحديث، فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: إن الوصية للوارث إنما شُرعت لأداء ما له من الحق، ثم إن الله تعالى فرض لكل ذي حق حقَّه، فلم يبقَ للوصية معنى؛ لأنها إنْ وقعت بمقدار ميراثه كانت تحصيل حاصل، وإن وقعت بأكثر، كان فيها زيادة عن حقه الذي علمه الله له وفرضه مِن عنده، مع ما في ذلك من ظلم غيرِه بنقصان أنْصِبائهم، وإن وقعت بأقل، كان فيها زيادةُ غيره وظلمُه[11].

ولكنه، وعلى قول بأن الحديث مخصص لا ناسخ لآية البقرة، فإنه لا تعارض أيضًا، ويبقى القول بأن الوصية ليست للوارثين، وإنما ما جاءت به الشريعة من جوازها للأقربين بالمعروف حقًّا على المتقين، وهذا أولًا.

وأما ثانيًا: ومن باب جواز الوصية في حدود الثلث، وكما جاء من حديث سعد بن أبي وقاص: عادني النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فأتصدق بشطره؟ قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير، إنك أن تذر ذريتك أغنياءَ، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولست بنافق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا آجرك الله بها، حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك، قلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي بها وجه الله، إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توفي بمكة، [وفي رواية]: أن تذر ورثتك[12].

والملاحظ أن حديث سعد بن أبي وقاص هذا كان عام حجة الوداع، وكذا خطبة حجة الوداع التي بين أيدينا، وهما من آخر ما عهد به النبي إلى هذه الأمة المرحومة، وبالتالي فيكون هذا هو التشريع والمستقر، وبه يكون عليه العمل، والأخذ، والاستنان، والهدي، والرشد، والحجة، والبرهان، والدليل، والمحجة.

وهذا هو قول جماهير أهل العلم، وهو الذي يتبدى به طريقًا للجمع بين الأدلة تخصيصًا، وإخراجًا للورثة، وللقضاء على ما قد يترتب عليه من وقيعة وشحناء وبغضاء، ومن شعور أحدهم بالغبن، وغير ذلك.

وفي نفس الوقت إتاحة الفرصة أمام المورث، ليوصي في حدود الثلث، وصية عامة أو خاصة للأقربين غير الوارثين، وهذه أيضًا طريقة أخرى للجمع بين الآية وحديث الوصية في حدود الثلث.

وأما قول الإمام مالك - رحمه الله تعالى -: إن الوصية جائزة، وليس للوارث أن ينتزعه منه، فخطأ فاحش، وقول لا نعلم أحدًا قاله قبله، وقول لا برهان على صحته[13].

ولكنَّ فصلًا آخر في المسألة، وحين نعلم تقدم آية البقرة والمبينة للوصية على آية النساء والمحددة للمواريث وأنصبائها قدرًا مقدورًا، وبه أيضًا يحل النزاع.

واشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصيةٍ، ولا تحمل منه الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: "إن الله قد أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، فلا وصية لوارثٍ"، وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ [البقرة: 180]، فقال: نسخت هذه الآية، وكذا رواه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس به ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما، وقال: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "الوصية للوالدين والأقربين"، قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث، فبيَّن ميراث الوالدين وأقرَّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت، وقال: ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في قوله: "الوصية للوالدين والأقربين"، نسختها هذه الآية: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ [النساء: 7]، ثم قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري - أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الميراث، والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر الرازي رحمه الله كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11].

قال: وهو قول أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء.

قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة، فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاووس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد "قلت"، وبه قال أيضًا سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية المواريث إنما رُفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية؛ لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لا يرث، فرفع حكم من يرث بما عين له وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يأتي على قول بعضهم أن الوصاية في ابتداء الإسلام، إنما كانت ندبًا حتى نُسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة، وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعيَّن أن تكون منسوخة بآية الميراث، كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقَّه فلا وصية لوارثٍ".

فآيةُ الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، يرفع بها حكم هذه بالكلية.

بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثُّلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده"، قال ابن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي[14].

وقال: وصفوة القول: إن الآية غير منسوخة بآية المواريث؛ لأنها لا تعارضها بل تؤيدها، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث; لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهي محكمة وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصًّا بمن لا يرث من الوالدين والأقربين، كما رُوي عن بعض الصحابة، وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ، فتنبذ ما كتبه الله عليك بغير عذرٍ، ولا سيما بعدما أكده بقوله: ﴿ حقًّا على المتقين ﴾؛ أي: حق ذلك الذي كتب عليكم من الوصية أو حقَّقته حقًّا على المتقين لي، المطيعين لكتابي، والمتبادر أن معنى المكتوب: المفروض، وبه قال بعضهم هنا، وقال آخرون: إنه للندب، ويؤيد الفرضية قوله تعالى في وعيد المبدلين له: ﴿ فمن بدله ﴾؛ أي: بدل ما أوصى به الموصي ﴿ بعدما سمعه ﴾ من الموصي أو علم به علمًا صحيحًا من كتابة الوصية وهو مشروع كما سيأتي، ومن الحكم بها: ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ [البقرة: 181]، من ولي ووصي وشاهد، وقد بَرئت منه ذمة الموصي وثبت أجره عند الله تعالى، ﴿ إن الله سميع ﴾ لما يقوله المبدلون في ذلك، ﴿ عليم ﴾ بأعمالهم فيه، فيجازيهم عليها، وهو يتضمَّن تأكيد الوعيد، والضمير في المواضع الثلاثة راجع إلى الحق أو الإيصاء; أي: أثره ومتعلقه[15].

وعلى كل حال، فإن الخلاف في مسألة النسخ من عدمه، وعلى مدى حمله على التخصيص أيضًا، ليس يخرجنا عن اتفاق الفرقاء على الإيصاء للأقربين غير الوارثين، ومنه يخرج الوارثون عن هذه الوصية، ولورود الدليل على تفصيل أنصبائهم مستقلًّا، وبه يحل الإشكال.

وليس من شأننا بحث آخر أن حديث الوصية ليس موجبًا وإنما مجيزٌ، ولأنه مفرغ منه لمعناه!


[1] [صحيح أبي داود، الألباني: 1917].

[2] [الصحيح المسند، الوادعي: 501]، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

[3] [حجة الوداع، ابن حزم: 464]، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

[4] [صحيح البخاري: 1841].

[5] [لسان العرب، ابن منظور: ج ١١ / ٦٦٧].


[6] [الدر المختار، الحصكفي: 1/281].

[7] [لسان العرب، ابن منظور: ج ٩ / ٨١].

[8] [المعاني الجامع، مادة: أزر].

[9] [لسان العرب - ابن منظور - ج ٤ - الصفحة ١٧].

[10] [صحيح الجامع الألباني: 1720].

[11] [كتاب آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني: 24/172].

[12] [صحيح البخاري: 3936].

[13] [المحلى، ابن حزم: ج ٩ / ٣٣٠].

[14] [تفسير ابن كثير: ج ١ / ٢١٧و218].

[15] [تفسير المنار، محمد رشيد رضا، سورة البقرة، الآية: 180].





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-07-2022, 10:40 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,413
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة

ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة (2)
محمد السيد حسن محمد



المسألة السادسة: الولد للفِراش وللعاهِرِ الحَجَرُ وحسابُهم على الله تعالى:
وهذا من حقوق الطفل في الإسلام الحنيف الخالد، وهذا هو الأصل في قاعدة النَّسَب، وأنه حقٌّ للطفل المولود أن ينتسب إلى أبيه، وهو صاحب الحق الأول والأخير في هذا الفراش، وهذا جانبٌ عالٍ سامق رفيع؛ إذ أقام هذا الدين سياجًا لحقوق الأطفال في شريعته، حين يأمنون أنهم في كنف فراش الزوجية، الهانئ، الحني، اللطيف، الرقيق، الدفيء.

وأن ما يمكن أن يتلوَّث به هذا الفراش لا شأن للأطفال به، وإنما علاجه- وعلى وجه شرعي آخر- في إقامة الحدود على هذا التعدِّي على حدود الله تعالى.

ومن ذلك ما أفاد به النص، أن للعاهِر الحَجَر؛ أي: الرجم بالحجارة، أو أنه الخيبة والخسران والحرمان، وحين توافرت شروط إقامة حدِّ الزنا، إذ ليس يعدُّ ذلك مانعًا من إيقاف أو التعدي على حقوق هذا الفراش، ومن ثم الأطفال بالدرجة الأولى؛ لأنهم أصحاب الحق الأصيل في الانتساب إلى هذا الفراش بداهة.

وإن القول بغير ذلكم هو الذي سيفتح باب فتنة على مصراعيه، والذي يكون من موجبه امتلاء ساحات المحاكم من قضايا تعجُّ بها، وإذ ولربما كشفت عن ساقي جرح غائر في المجتمع، والأصل أنه مجتمع ذو لحمة واحدة.

وثمة ما يقلق حين القول بغير ذلكم أيضًا، وهو احتمال أن يكون أولاء الأطفال المساكين، والذين لا ذنب لهم في اقتراف ما قد حدث، أن يكونوا مُثْلَةً مُهَلْهَلَةً، تضربها أحداثُ الزمان من كل صَوْبٍ وحَدَبٍ!

وإن من كل ذلك، ومن موجبه، أن حساب الناس على الله تعالى، ولئن حدث مثل هذا التعدي على حدوده تعالى، فإنما يكون الحساب عنده تعالى، يكون في الدنيا حدًّا، وفي الآخرة عذابًا، وحين لم تقم شرائط إقامة الحد، والفرض أنه قد تعدَّى على حدوده تعالى، ومن ستر! والفرض أيضًا أنه لم يتب الناس من جراء فعلهم هذا.

ولكنَّ هذا فتح لأبواب التوبة على مصراعيها أبدًا أبدًا؛ ليستشرف الناس فضل ربهم الحق المبين، حين أرخى سدول الستر دنيا، ولما فتح أبواب التوبة آخرةً!

المسألة السابعة: ومن ادَّعَى إلى غير أبيه أو انْتَمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة.
وهذه مقدمة مفضية إلى نتيجتها.

وأما المقدمة: فإنها ادِّعاء دَعِيٍّ ما أنه منتسب إلى غير أبيه، أو إلى غير مواليه، وهذان أمران يقوِّضان البنيان الاجتماعي، حال انتشارهما، أحدهما، أو كليهما، وبهما معًا، أو أحدهما، لا يكون ثمة مجتمع ناضج متماسك، بل فاسد متهالك! حين لا تُعرَف فيه الأنساب؛ ولذلك فقد كان هذا العلم أصليًّا لدى الناس يومهم ذاك؛ ويوم الناس هذا أيضًا، حين قد أُنشئت المصالح المدنية؛ لتوثيق المواليد، في كل زقاق من أزقَّة المجتمعات الناضجة؛ لعظم شأن الأنساب.

وعلى كل حال، حين ينشأ مجتمع ما على أساس سليم، ومن هذه النسبة، فلا تسل عن ائتلافه، ولا تسل عن تضامُنه، وارتباطه، والتحامه، واتحاده، ولئن نشبت فيه ناشبة يومًا، فإنه سرعان ما تعود الرياح أدراجها!

ولعل قول الشاعر يومًا كان برهانًا ما للأساس النَّسَبِيِّ من قيمة، حين قال:
بلادي وإنْ جارَتْ عليَّ عزيزةٌ
وأهْلِي وإنْ ضَنُّوا عليَّ كِرامُ




حيث يقوم مجتمع ما على غير أصل نسبي معروف، وإلا أنك لا تسل أيضًا عن فرقته، وتشتُّته، وتصرُّمه، وتفكُّكه.

وأما النتيجة: وبه وضحت النتيجة التي أفضَتْ إليها المقدمة، حين التأم مجتمع تحكمه النسبة، لمَّا انفرط عِقْدُ أُمَّةٍ، وإذ ها هي قد تصرَّمت من نسبة.

المسألة الثامنة: لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها.

وهذا أصل في المسألة، وهو موجب التئام الأسر، وهو سبب انسجام الأواصر، وداعية التحام الروابط.

لكنه قد يجري العرف والعادة، أن تعرف الزوجة من سيرة زوجها تغاضيه، أو رضاه، حين تنفق أو تتصدَّق ما كان بالمعروف، وأكرِّر ومن خلال السيرة بينهما، والعهد، والعرف، والعادة الأسرية السارية في هذا الشأن، أو العادة المجتمعية أيضًا؛ لأن العادة حاكمة؛ وكيما لا يوغر صدر، وحتى يذوب، وينصهر، ويتلاشى موجب ذلك.

ولكن التصريح قد يكون بالقول، أو قد يكون بما جرت به العادة والعرف أيضًا.

وبه يظل الاستئذان أصلًا، وما عداه يُعَدُّ فرعًا، وحسبما جرت به العادات والأعراف في هذا الشأن.

وعليه يحمل حديث عائشة أم المؤمنين: إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا[1].

ولكن إنفاق الزوجة على ذي بيتها أفضلُ شرعًا، وأقْوَمُ دينًا؛ ولهذا السبب كانت واقعة الصحابي الكريم عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مع زوجه نصًّا في الباب، حين: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وسَلمَ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، تَصَدَّقُوا))، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ))، فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ، أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ))، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ، جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ: ((أَيُّ الزَّيَانِبِ؟)) فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: ((نَعَمْ، ائْذَنُوا لَهَا))، فَأُذِنَ لَهَا، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلى الله عَلَيهِ وسَلمَ: ((صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ))[2].

وأقول: ويحمل أمره صلى الله عليه وسلم للنساء بالتصدُّق، وعلى استئذانهن أزواجهن.

المسألة التاسعة: العارية مُؤدَّاة.
والعارية: الشيء الذي يتداوله القوم بينهم، وهي منسوبة إلى العارة وهو اسم من الإعارة، يقال: أعرْتُه الشيء أعير إعارة وعارة، كما تقول: أطعته إطاعة، وأجبته إجابة وجابة، وهي من ذوات الواو، وأصلها عورية، فقلبت الواو ألفًا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، تقول: هم يتعاورون العواري بينهم بالواو، وهي المعاورة والتعاور، شبه المداولة والتداول في الشيء يكون بين اثنين، قال ذو الرُّمَّة:
وسِقْطٍ كعَيْنِ الدِّيك عاورْتُ صُحْبَتي
أباها وهيَّأنا لموقِعِها وَكْرا[3]




وهذا مقتضاه أن من استعار شيئًا فعليه ردُّه لصاحبه حين انتهاء موعد كان بينهما مضروبًا، يوم هذه العارية! ولأن الناس قد تساهلوا في هذا الجانب كثيرًا، فإذ بك ترى شيئًا قد أُعِيرَ، ولربما ليس يعود!

ولكنك ترى فريقًا أخذ العارية، وقد تحولت من لسان حاله أنها منحة! ولهذا كان مجيء رد المنحة؛ لاحتيال قد يرد؛ ولتحويل هذه العارية إلى منحة، ومن ذات الهوى، ومن غير برهان؛ ولأن العارية غير المنحة بنص الحديث أيضًا.

ولكن العارية والمنحة والهبة، كلُّها مرادفاتٌ متقاربةٌ، وعلى كل حال، وإذ تتفتح آفاق العمل الحسن المشروع، والقائم على سد حاجات الناس، وبسُبُل أكثر ضمانة لتنشئة مجتمع التكافل والعون والمساعدة.

وهذا فيه قضٌّ لمضاجع الربا والمرابين، حين ضيقت عليهم منافذهم التي منها يُصاب هذا المجتمع المسلم بالشَّلَل الاقتصادي التام، حين تستحوذ طبقة المرابين هذه على مُقدَّرات الأمم والمجتمعات!

ومنه صار الناس يسمعون مصطلحات أغرب، حين قد تسمعت آذانهم منظومات أعجب، فهذا تضخُّم، وهذا رأسمالي، وهذا اشتراكي، وهلم جرًّا، في منظومة كئيبة، ذاقت من ويلاتها المجتمعات المرّ العَلْقَم!

ولكن حاجة الناس إلى العارية؛ من باب التيسير على العباد، ورفع الحرج عنهم، ومن جهة مشروعيتها شرعًا، ومن جهة أنها سببٌ للتيسير على العباد بينهم البين؛ ولذا كان منه الوقوف على عهدها، فترد، وكان منه الحفاظ على وقتها، فتعود إلى صاحبها إلى مدتها.

ومنه فليس مقبولًا أن يجيزها الشارع الحكيم؛ تيسيرًا على العباد، ثم يأتي أناسٌ فلا يردونها!

ولكن هذا المعير، لما كان ذا فضل؛ لإعارته أخاه، ومن ثم فالفضل هو شكره، والمروءة هي جزاؤه، وليس أقل من أن يردها المستعير، وقد قضى بها نهمته، ومنها بغيته!

وإنما للمستعير أن ينتفع بما اتفق عليه، وبقدره، في عقد العارية هذا، وليس له أن يتعدَّاه إلى غيره!

وهذا ابتلاء آخر للمستعير حين كان مؤتمنًا، فجمع بين ابتلاءات ثلاثة هي:
الابتلاء الأول: المحافظة على هذه العارية؛ لأنه لها ضامن.
الابتلاء الثاني: ثم إنه مبتلى أيضًا حين كان مؤتمنًا على القدر المتفق عليه.
ولعل الثالث: وهو ذلكم الشكر والثناء الحسن للمعير؛ وقد كان ذا فضل!

وعلى كل حال ينبغي الاتفاق على المنافع، وقدرها، ومدتها، من عقد العارية هذا.

وكفى أنها عقد ليس معاوضة؛ بل هذا من عقود التبرُّعات النافعة نفعًا محضًا.

ويحسن عدم رجوع المعير عن إعارته؛ لأن المستعير قد رتَّب أوضاعه على عقدها هذا؛ لتستقر المعاملات، ولا يشق على هذا المستعير، والحال أنه ما استعار إلا لحاجته؛ ولأنه ما أعير إلا من عجزه وقصوره؛ ولتوفير ما استعاره، وإن جاز للمعير الرجوع عنها.

وإنما تختلف الإعارة عن الإجارة، حين كانت المنفعة للعين المؤجرة ملكًا للمستأجر، ومن طبيعة عقد الإيجار هذا، ولكنه في عقد العارية ليس مالكًا لهذه المنفعة؛ لأنه عقد تبرُّع محض؛ ولذا كان هذا هو أساس جواز رجوع المعير عنها، وإن قلنا بأفضلية تصبُّره حتى ينقضي أمدها؛ لأن المستعير قد رتَّب أوضاعه بِناءً عليها.

والفرق بينها وبين الإجارة- بِناءً على ما هو المشهور من تعريف الإجارة بأنّها: تمليك منفعة معلومة بعوض معلوم- من جهتين:
إحداهما: أنَّ الإجارة تمليك المنفعة، والعارية صرف تسليط للانتفاع، لا أن تكون المنفعة ملكًا للمستعير، يترتَّب عليه آثار مذكورة في محلِّه.

الثانية: أنَّ جواز الانتفاع واستيفاء المنافع في العارية مجَّاني وبلا عِوَض، وفي الإجارة يكون بعوض معلوم[4].

ولما كان الموت قد انقضت به ملكية المالك لملكه، وانتقال هذه الملكية لورثته شرعًا؛ وبه فإن عقد العارية مُنْقَضٍ حكمًا وواقعًا، بمجرد موت المعير؛ وهذا احترامًا لحق الورثة أيضًا، وإن حسن إمراره إلى أجله؛ ولشأن أوضاع رتَّبها المستعير، فلا يضار، ومن ثم يخلف الله تعالى على الورثة؛ لصبرهم حين أمكن توزيع الأنصباء، وبه دخلت العارية في ذمة أحدهم، وهذه أخلاق شريعتنا.

وإنما يقاس على الموت غيره؛ لنفس الأساس، وهو انقضاء الملكية، ومنه بيع المعير للعين المعارة، أو الحَجْر عليها لأي سبب شرعي آخر في هذا الشأن الذي به تزول ملكية العين عن المعير؛ لأنه حينئذٍ ليس صاحب سُلطة، وليس ذا ولاية، وعلى ما انقضى ملكه لأي سبب من أسباب انقضاء الملك.

ولكنه عند رجوع المعير عن عاريته؛ لسلطته على ملكه، وإنما ليس يضار المستعير أيضًا.

ولكنه وحين تساوى الأمران، ولما كانت للمعير سلطته على ملكه؛ ومنه فلا يضار بالعارية، ولكن المستعير، وقد كان زرع أو غرس مثلًا، ويكأنه لا أجرة له مقابل ما غرس أو زرع، وهذا هو أساس التسوية، فالمعير لايضار؛ لأنه ملكه، والمستعير لا يضار؛ لأنه وإن قلنا لا أجرة؛ لأن العقد تبرُّع.

ولما كان الحال كذلك، فإنما له الأَرْش شرعًا أيضًا، وجبرًا للخواطر، ولا سيما أن المالك قد عاد إليه ملكه، وإنما سوف يعود عليه نفع ما غرسه أو زرعه المستعير؛ ومن صفته الأولى، وقبل فسخ عقد العارية هذا.

وهذه كلية قمنة درسًا لأهميتها.

والأرْشُ: هو ما يُدفَع بدلًا عن ضرر، وليس محددًا في الشرع له قدر سلفًا.

وإنما حسن ألا يخرج عن الحد المعتاد، كيما لا يضارَّ أحد المتعاقدين.

وهذه روح تعاقداتنا في إسلامنا!

وإنما كان الأرْش تعويضًا عن ضرر لحق بالمستعير، حين رتَّب أوضاعه زرعًا أو غرسًا أو ما سواهما، وبالتالي فرفع الضرر دين، ومقابلة هذه السلطة للمعير على ملكه، ولكنه ليس له إضرار غيره، وإلا فقد فتحنا بابًا واسعًا للإضرار، وجعل الشيطان صاحب سلطة في هذا! وحينها يتحوَّل عقد العارية، ومن أصله، وحين كان مواساة أصلًا وفرعًا، إلى سبيل آخر للوقيعة والتناحُر والفساد بين علاقات الناس، وهو ما عناه الشرع الكريم؛ ضبطًا للمعاملات، ومحافظة على العلائق والرحمات.

وإنما كان هذا الأرْشُ شرعًا للمستعير الغارس أو الزارع؛ لأن الأصل أنه فعل فعله هذا من إذن سابق للمعير، أو من مقتضى عقد العارية الواضح المحدد سلفًا.

ولكنه حين فعل ذلك من تَعَدٍّ على نصوص العقد المبرم بينهما؛ ومن ثم فلا أرْشَ ولا معاوضة؛ بل هو مُتَعدٍّ ههنا، ولقاعدة: ((لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ))، التي كان أصلها الوحي المطَهَّر حين قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ))[5].

وإنما كان للمعير الرجوع عليه في ذلك، وهذا باب آخر.

ولكن المنافع الحرام ليست محلًّا للعارية، بل الحلال وحسب، فليس لأحد إعارة وطء لأحد! وحينه فالعقد باطل بطلانًا مطلقًا، وليس منعقدًا، ولا أثر له؛ ومنه فإنه لا تصح إعارة المصحف للكافر أيضًا؛ لأنه ليس أهلًا لقبوله، وعلاوة على أنه لدينا أصل عام في ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة: 79]، وكذا، لا تجوز إعارة الأواني لشرب الخمر، ولا الأجهزة لسماع الغناء، ولا الدور للبغاء، ولا الجواري للاستمتاع، ولا المحل لبيع المحرمات؛ وإذ كان أصل تحريم ذلك من قوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2].

وإنما وجب تعيين العين المعارة تحديدًا؛ نفيًا للجهالة وسدًّا لذرائع خلاف مُفْضٍ إلى شحناء، والأصل أننا أمة إخوة، والأصل أن العارية إنما هي عقد تبرُّع محض، فليس يليق جعله سببًا لإفساده للعلائق، والحال كذلكم، وكما أنف.

ولكن المعير، وإذ كان الأصل أنه مالك العين؛ وعليه فلو أعار غصبًا، أو ما ليس ملكًا له بوجه ما، فإنه يكون ضامنًا ههنا؛ لقاعدة: ((عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ))؛ لأن الأصل فيها الحديث عن سمُرة بن جُنْدب: ((عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ))[6].

وليس يجوز للمستعير إعارة العارية لغيره، إلا بإذن من المعير، وإلا عُدَّ ضامِنًا بالوفاء بها، لو أصابها تَلَفٌ أو تَعَدٍّ أو غصب من المستعير الثاني، وإنما له الرجوع عليهما معًا بالوفاء؛ لأن الأول ضامن ومُتَعدٍّ.

ولكنه حين يخلو عقد العارية من حدود الانتفاع بمقتضاه، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف، والعادة في هذا حاكمة.

ولكنه إذا حصل وجحد المستعير العارية! فإنه يكون ضامنًا للعين، من وقت إنكاره هذا، بقطع النظر عن كونه قد خالف قواعد الإحسان!

وخلاصة أركان عقد العارية: المعير، والمستعير، والعين المعارة، وعلى شروط كل مما هو بابه ليس ها هنا.


[1] [صحيح البخاري: 1425].

[2] [صحيح البخاري: 1462].

[3] [شرح أدب الكاتب، الجواليقي: 1 /29].

[4] [كتاب الفقه الإسلامي وأدلته، وهبة الزحيلي: 6/ 4552].

[5] [صحيح أبي داود، الألباني: 3073].

[6] [الدراري المضية، الشوكاني: 278]، خلاصة حكم المحدث: فيه الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه كلام مشهور.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-07-2022, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 93,413
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة

ركائز الحماية المجتمعية في الإسلام من خلال خطبة يوم عرفة (3)
محمد السيد حسن محمد





المنحة؛ يعني: المنيحة التي يُعطيها الإنسانُ لفقيرٍ، مثل شاة ليحلبها، وليستفيد من حليبها ودرِّها، فإنه يردُّها إلى صاحبها؛ لأنه أعطاه المنفعة، ولم يعطه العَيْن، فالعَيْنُ للمالك، والمنفعةُ للممنوح، فهو يستفيد منها في حال وجود المنفعة، ثم يردُّها إلى صاحبها[1].

والمنحة والمنيحة مؤدَّاة، والعارية مُؤدَّاة، قيل: يا نبي الله، فعهد الله عز وجل؟ قال: ((عهدُ اللهِ أحَقُّ ما أُدِّيَ))[2].

والمنحة نوعٌ من العارية، ولكن فيها معنى العطية، فإن من أعار غيره شاةً أو ناقةً ليشرب لبنها يسمى ذلك منحة؛ ولهذا قلنا: إن من منح غيره شيئًا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه؛ كالدار والدابة والثوب يكون عاريةً، ولا يكون منحةً، وإن منحه شيئًا لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يكون هِبةً لا عاريةً، والإعارة في مثله تكون قرضًا، وفيه دليلٌ أن ردَّ العارية على المستعير، وردَّ المنحة على الممنوح له؛ لأن منفعة النقل حصلت له[3].

ومنح: منحه الشاة والناقة يمنَحه، ويمنِحه: أعاره إياها، الفراء: مَنَحْتُه أَمْنَحُه وأَمْنِحُه فِي بَابِ يَفْعَلُ ويَفْعِلُ، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: مَنَحَه الناقةَ: جَعَلَ لَهُ وَبَرَها ووَلدَها وَلَبَنَهَا، وَهِيَ المِنْحة والمَنِيحة[4].

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: والمَنِيحة مِنْحةُ اللَّبَنِ؛ كَالنَّاقَةِ أَو الشَّاةِ تُعْطِيهَا غَيْرَكَ يَحْتَلِبُهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا عَلَيْكَ، وَفِي الْحَدِيثِ: ((هَلْ مِنْ أَحد يَمْنَحُ مِنْ إِبله نَاقَةً أَهلَ بيتٍ لَا دَرَّ لَهُمْ؟))، وَفِي الْحَدِيثِ: ((ويَرْعَى عَلَيْهِمَا مِنْحةً مِنْ لَبَنٍ))؛ أَي: غَنَمٍ فِيهَا لَبَنٌ؛ وَقَدْ تَقَعُ المِنْحةُ عَلَى الْهِبَةِ مُطْلَقًا لَا قَرْضًا وَلَا عَارِيَةً، وَفِي الْحَدِيثِ: ((أَفضلُ الصَّدَقَةِ المَنِيحةُ تَغْدُو بعِشاء وَتَرُوحُ بعِشاء))، وَفِي الْحَدِيثِ: (( مَنْ مَنَحه الْمُشْرِكُونَ أَرضًا فَلَا أَرض لَهُ))؛ لأَن مَنْ أَعاره مُشْرِكٌ أَرضًا لِيَزْرَعَهَا فإِن خَراجها عَلَى صَاحِبِهَا الْمُشْرِكِ، لَا يُسْقِطُ الخَراجَ عَنْهُ مِنْحَتُه إِياها المسلمَ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُسْلِمِ خَراجُها؛ وَقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ تَقْصِد بِهِ قَصْدَ شَيْءٍ فَقَدْ مَنَحْتَه إِياه كَمَا تَمْنَحُ المرأَةُ وجهَها المرأَةَ[5].

وَفِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الأَثير: ((كَانَ لَهُ كعَدْلِ رَقَبَةٍ))، قَالَ أَحمد بْنُ حَنْبَلٍ: مِنْحةُ الوَرِق: القَرْضُ، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: المِنْحَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَحدهما: أَن يُعْطِيَ الرجلُ صَاحِبَهُ الْمَالَ هِبَةً أَو صِلَةً فَيَكُونُ لَهُ.

وأَما المِنْحةُ الأُخرى: فأَن يَمْنَح الرجلُ أَخاه نَاقَةً أَو شَاةً يَحْلُبها زَمَانًا وأَيامًا ثُمَّ يَرُدُّهَا، وَهُوَ تأْويل قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: ((المِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ)).

والمِنْحة أَيضًا تَكُونُ فِي الأَرض، يَمْنَحُ الرجلُ آخَرَ أَرضًا لِيَزْرَعَهَا؛ وَمِنْهُ حَدِيث النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرضٌ فليزرعْها))؛ أَي يَمْنَحها أَخاه أَو يَدْفَعهَا إِليه حَتَّى يزرعَها، فإِذا رَفَع زَرْعَها ردَّها إِلى صاحبها، وَرَجُلٌ مَنَّاح فَيَّاح: إِذا كَانَ كَثِيرَ الْعَطَايَا، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: وآكُلُ فأَتَمَنَّحُ؛ أَي: أُطْعِمُ غَيْرِي، وَهُوَ تَفَعُّل مِنَ المَنْحِ الْعَطِيَّةِ، قَالَ: والأَصلُ فِي المَنِيحة أَن يَجْعَلَ الرجلُ لبنَ شَاتِهِ أَو نَاقَتِهِ لِآخِرِ سَنَةٍ، ثُمَّ جُعِلَتْ كُلُّ عَطِيَّةٍ مَنِيحَةً.

الْجَوْهَرِيُّ: المَنْحُ: الْعَطَاءُ، قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: لِلْعَرَبِ أَربعة أَسماء تَضَعُهَا مَوَاضِعَ الْعَارِيَةِ: المَنِيحةُ والعَرِيَّةُ والإِفْقارُ والإِخْبال[6].

وتعرف المنحة: بأنها تمليك منفعة عقار أو غيره لشخص بغير عوض مدة حياته، فإذا مات المعمر له رجع الشيء المعمر لمن أعمره له، إن كان حيًّا، ولورثته إن كان ميتًا.

ومثال الإيجاب المقترن بالمنفعة (المنحة): أن يقول: (هذه الدار لك سكنى)، أو (هذه الشاة، أو هذه الأرض لك منحة) فهي عارية باتفاق الحنفية؛ لأنه لما ذكر (السكنى) دلَّ على أنه أراد تمليك المنافع، ولأن المنحة عبارة عن بذل المنافع، فإذا أضاف ذلك إلى عين ينتفع بها مع بقائها، عمل بحقيقته، أما إذا أضاف إلى شيء لا ينتفع به إلا باستهلاكه، كما إذا منحه طعامًا، أو لبنًا، فإنه يكون هِبةً؛ لأنه لا منفعة له مع قيام عينه.

وبِناءً على هذه التفرقة قالوا: إن عارية الأعيان تمليك المنافع، وعارية المكيل والموزون ومنها الدراهم والدنانير قرض، ويكون تمليك العين، فالعارية: هي عارية استعمال، والقرض: هو عارية استهلاك.

وكذا لو قال: هذه الدار لك سكنى عمري، أو عمري سكنى، فهي عارية؛ لأنه لما ذكر السكنى دلَّ على أنه أراد تمليك المنافع[7].

وعلى كل حال فإنه قد يطلق على العارية المنحة، من باب اللغة أصالة كما أنف قوله: منح: مَنَحَه الشاةَ والناقَةَ يَمْنَحه ويَمْنِحُه: أَعاره إِيَّاها، ولكن المنحة هي الهبة تمامًا.

وقال: واعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هبةً، ويكون هديةً، ويكون صدقةً، فما قصد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة، وما قصد به التودُّد والتأليف فهو هدية، وما قصد به نفع المعطَى فهو هبة، فهذا هو الفرق بينها، والتودُّد والتأليف من الأمور المقصودة شرعًا، ويقصد بها ثواب الآخرة، لكن ثواب الآخرة لم يقصد فيها قصدًا أوليًّا؛ ولهذا يخصها بشخص معين، أما الصدقة فلا يخصها بشخص معين؛ بل أي فقير يواجهه يُعطيه، وكلها تتفق في أنها تبرُّع محض، لا يطلب الباذل عليها شيئًا.

والعطية معطوفة على الهبة من باب عطف الخاص على العام؛ لأن العطية هي التبرُّع بالمال في مرض الموت المخوف، فهي أخص من الهبة، والهبة أن يتبرع بالمال في حال الصحة، أو في مرضٍ غير مخوف، أو في مخوف لم يمت به[8].

المسألة الحادية عشرة: الدَّيْنُ مَقْضِيٌّ:
وقد عدَّها الناسُ قاعدةً أصوليةً شرعيةً؛ لما لها من أهمية في ضبط سلوك الناس، وطمأنتهم أن دَيْنًا أقرضوه، فإنه مقضي، لا أن يتلف الناس بعضهم أموال بعض، فتهتز الثقة؛ ومن ثَمَّ فإنه لا قرض حسن، ومنه يتَّجِه الناس مُرْغمين، أو غير مرغمين إلى القرض الربوي، بما يحمله من شروط تقضُّ المضاجع، وبما ينتابه من همٍّ يحرم الناسَ نومَهم، ويُنغِّص عليهم حياتهم.

ولكن هذا الأخبار عمومًا، ولئن جاءت في صورتها كأخبار، إلا أنها تحمل معنى الإنشاء، ومنه دل على وجوب ردِّ العارية، وضمان الهبة، والمنيحة، وقضاء الدين.

هذا وقد ثبت في أصول الناس أن الجمل الخبرية حين تحمل إنشاءها، فإن ذلك أبلغ، وإنه لأقطع، وإنه لأولى، ومقدم دلالة واعتبارًا أصالة! ومن حيث دلت القرائن على ذلك.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة: 233]، ومعناها: ليرضع الوالدات أولادهن، ومنه قوله تعالى:﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، ومعناها: الأمر بوجوب ولاية المؤمنين بعضهم لبعض، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: ليتربَّصْنَ المطلقات.

وقد بلغ من عظم هذا الدين مبلغه، حين يُغفَر للشهيد كل ذنب قد فعله، إلا هذا الدَّيْن؛ لأنه حق للدائن، وهذا من جانب آخر، وكيف يتبدَّى منه تقدير هذا الدين للملكية الشخصية، وعدم التعدي عليها، وبإلزامها ما لم يلزم، وهو التنازل عن حقها دون موجب شرعي، أو نفس راضية!

فعن عبدالله بن عمرو: يُغْفَر للشهيد كُلُّ ذنْبٍ إلا الدَّيْن[9].

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى اللهُ عنه، ومن أخذ يريد إتلافَها أتلفَه اللهُ))[10].

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((نَفْسُ المؤمنِ مُعلَّقةٌ بدَيْنه حتَّى يُقضى عنه))[11].

وكل هذا مقيدٌ بالنية الحسنة أو عدمها، فإن من أخذ أموال الناس، وعزيمته ماضية في الأداء، وعلى ما اتفق، وإحسانًا أيضًا، فإن الله تعالى يُعينه على ذلك، وإن قدر أنه ابتُلي، ولم يستطع الأداء مع حرصه على ذلك، وقلبه وضميره هما اللذان يقودانه في ذلك، ودليله، فإن الله تعالى يؤدي عنه، وهذه رحمةُ ربِّنا بعبيده المساكين.

وشرط ذلك بداهة، هو العقد والقصد الحسنان، والنية العازمة على الأداء، ودعاء الله تعالى العون على هذا القضاء.

وأما حين يكون أحدٌ سيئًا قصدُه، وهو إذ يأخذ أموال الناس لا يريد أداءها، بل عازمٌ على إتلافها، وحرمان ذوي الحقوق من حقوقهم، وأن ترد عليهم، وعلى الأقل أصولها، وإذ حسن ردها، وجائزتها معها؛ إحسانًا، وشكرًا، وفضلًا، فإنه والحال هكذا، فإن الله تعالى يتلفه! ليس بعضه، بل كله؛ وبنظم الحديث، وبما يحمل من ترهيب، يقطع دابر الإتلاف، أو الانتواء به، وإنما يفتح بابًا مشرعًا، واسعًا، فضفاضًا، ينتوي منه أداء حقوق الناس، ولتشيع الطمأنينة والثقة بين الناس.

ومنه فليس يحمل همًّا ذو حاجة؛ إذ سيجد الناس يتسابقون لإقراضه؛ ولمعاملته الحسنة، ورده أموال الناس، وبه ينتعش اقتصاد الأمة، حين يقضي الناس بعضهم حوائج بعض، وعلى العكس من ذلك، حين يأخذ بعضهم أموال بعض متلفين، ولأنه والحال هكذا، فلا تسل عن كساد، ولا تسل عن تضخُّم، ولا تسل عن ربا، ولا تسل عن انتهاز الأغنياء فرصتهم للنيل من الفقراء المعوزين، حين قدموا بين أيديهم وبأنفسهم عدم الثقة فيهم!

وهذا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ((لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ)) قال ابن المبارك: يُحِلُّ عِرْضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ، وَعُقُوبَتَهُ: يُحْبَسُ لَهُ[12].

واستحلال عرض المدين مشاهد! لأنك تجده محلًّا ومناطًا للقيل والقال، والسيرة المنبوذة، والأخلاق الرديئة، واهتزاز ثقة الناس فيه؛ من جراء مَطْلِه هذا! لأن الأصل أنه واجد؛ أي: قادر على الأداء!

ويحمل الحديث همَّين: هما: هم استحلال عرض المدين المماطل، والحال أنه القادر على الوفاء، وكذا هم عقوبته، وحال رفع أمره إلى القضاء الإسلامي؛ ليقول فيه كلمته، وليُبْرم فيه حُكْمَه، وهذا هو الهمُّ الثاني.

المسألة الثانية عشرة: والزعيم غارم
والزعيم هو الكفيل الضامن لأداء الدين، حين لم يؤدِّه المدين، فأصبح إذًا بمثابة المدين الأصلي، وإن للدائن حقَّ الرجوع عليه، ومطالبته بما كفل فيه أخاه المدين الغارم.

وهذه فسحة ربانية أخرى؛ إذ جعلت الناس مطمئنين إلى تحصيل أموالهم، إما بطريق الرجوع على المدين الأصلي، وإما بسبيل مطالبة هذا الكفيل الضامن، وبه تزداد ثقة الناس بعضهم ببعض، ومنه يتداول رأس المال، حين كان قرضًا حسنًا، وعلى وجه حسن، فشجَّعْنا الموسرين أن يُقرِضوا، ويسَّرنا على المعسرين وأقرضناهم، وبقيت حقوق الدائن محفوظةً، لما كانت أصالة بالرجوع على المدين المقترض، أو فرعًا على الكفيل الضامن.

فعن عبدالله بن عباس: أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيكَهُ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، فَجَرَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَمْ تَسْتَنْظِرُهُ؟))، فَقَالَ: شَهْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ))، فَجَاءَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا؟))، قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ، قَالَ: ((لَا خَيْرَ فِيهَا))، وَقَضَاهَا عَنْهُ[13].

وقد ذهبوا إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه ذَهَبَه؛ لأنه لم يعطه صلى الله عليه وسلم ذهبًا خالصًا بل مخلوطًا، وهذا توجيه القائلين على سبب أنه قال قوله هذا: ((لا خير فيها)).

قال بعض أهل العلم: إن المنع لم يكن من أجل أنها مَعْدِن، وإنما من أجل أمور أخرى، قيل: إنه لم يعطه ذهبًا، وإنما أعطاه ذهبًا مخلوطًا بترابه، ولم يكن متميزًا، ومعلوم أنه اتفق معه على دنانير، والدنانير معروفة المقدار والوزن، ولم تكن مخلوطة بالتراب، فهو لم يأتِ بالشيء الذي يكون مطابقًا لحقه حتى يكون موفيًا له، وإنما أعطاه ذهبًا مع ترابه، فهو ذهب غير معروف المقدار، وليس مساويًا لما يطالبه به، وهو عشرة دنانير، وليس المقصود من المنع كونه من مَعْدِن؛ لأن الذهب مثل غيره من المعادن أودعها الله في الأرض[14].

والحميل: هو الكفيل الضامن، وهو الزعيم المنوط به التحمل عمن كفله؛ ولمصلحة الغريم الدائن.

والحميل من: حمَلَ به حَمَالةً بالفتح؛ أي: كفل[15].

وإنما كان من مقتضى هذه الكفالة، سلطة الدائن في الرجوع على هذا الكفيل الزعيم الضامن، وحين لم يوفِ بالتزامه في مواجهة الدائن الغريم، إما لهروب أو مماطلة أو إفلاس أو ما سوى ذلك. والذي لولاه، لما أقدم على إعطاء المدين الغارم ما أعطى.

وقد جعل الناس قوله صلى الله عليه وسلم: ((الزعيمُ غارمٌ)) قاعدةً أصوليةً أيضًا، والأصل في هذه القاعدة، هو حديث الباب، وكما قال تعالى أيضًا: ﴿ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ [يوسف: 72].

وليس يقال: إن هذا شرع من قبلنا؛ لأن شرع من قبلنا شرْعٌ لنا، ما لم ينسخه شرعُنا، بل إنه في حالتنا جاء النصُّ على الكفالة صريحًا، من قوله صلى الله عليه وسلم: ((والزعيمُ غارمٌ)).

ولا يُقال: إن الذي جعل الكفالة هو نبي الله تعالى يوسف عليه السلام، من تلقاء نفسه؛ ومنه فإنها ليست ملزمة؛ لأن حديث الباب ردَّ على ذلك أيضًا، علاوة على حديث الإمام الحَبْر الترجمان آنف الذكر، كما رواه الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى أيضًا.

وعلى كل حال، فإن شأن الدين عظيم، لو يعلمون! وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يصلِّ على مدين بدينارين!

وإنه، ولئن كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد ضمن، حين وسَّع ربُّه تعالى عليه، فإن هذا جانبٌ للمسألة آخر؛ إذ ليس بيننا الآن نبينا صلى الله عليه وسلم، وإذ ليست بيوت أموال المسلمين قد أعلنت أنها ضامنةٌ وفاء ديون الناس.

ومنه فجملت، وحسنت، بل وجبت تقواه تعالى في شأن هذه الديون أجمعها.

فعن جابر بن عبد الله: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأُتِيَ بِمَيْتٍ، فَسَأَلَ: ((أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، عَلَيْهِ دِينَارَانِ، قَالَ: ((صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ))[16].

ودلَّك على صحة مذهبنا هذا ما رواه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه: سمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته عام حجة الوداع: ((إنَّ الله تبارك وتعالى قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارثٍ، الولَدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَر، وحسابُهم على الله تعالى، ومن ادَّعَى إلى غير أبيه أو انْتَمى إلى غير مواليه، فعليه لعنةُ الله التابعةُ إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها))، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: ((ذاكَ أفضلُ أموالنا))، وقال: ((العاريةُ مُؤدَّاةٌ، والمنْحةُ مردودةٌ، والدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، والزعيمُ غارمٌ))[17].


[1] [شرح سنن أبي داود، العباد: 404/10].

[2] [كنز العمال، المتقي الهندي: ج 10 /60]، و[سنن الدارقطني: ج 3 / 36].

[3] [المبسوط، السرخسي: ج 20 / 28].

[4] [لسان العرب، ابن منظور: ج 2 / 607].

[5] [لسان العرب، ابن منظور: ج 2 / 607].

[6] [لسان العرب، ابن منظور: ج 2 / 607].

[7] [كتاب الفقه الإسلامي، وهبة الزحيلي: 5/ 3986].

[8] [كتاب الشرح الممتع على زاد المستقنع، ابن عثيمين: 11 /65].

[9] [صحيح مسلم: 1886].

[10] [صحيح البخاري: 2387].

[11] [صحيح الترمذي، الألباني: 1078].

[12] [صحيح أبي داود، الألباني: 3628].

[13] [صحيح ابن ماجه، الألباني: 1965].

[14] [كتاب شرح سنن أبي داود، عبد المحسن العباد: 8/255].

[15] [مختار الصحاح، زين الدين الرازي: 1 / 82].

[16] [صحيح النسائي، الألباني: 1961].

[17] [سنن الترمذي: 2120]، خلاصة حكم المحدث: حسن صحيح.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 120.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 117.81 كيلو بايت... تم توفير 2.75 كيلو بايت...بمعدل (2.28%)]