صلاة الجماعة - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         نوفر لكم افضل العمالة المنزلية (اخر مشاركة : زينب محمدي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          سورة* ‬الكهف والمُرْتَكَز* ‬العَقَدِيّ بين الولِيّ والدَّعِيّ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          مهندس فحص الفلل والعقارات السكانيه بالرياض 0551988465 (اخر مشاركة : ندى ابراهيم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          انطلاق مبادرة "كلنا واحد" لتوفير الأغذية بأسعار مخفضة (اخر مشاركة : dsxmghehrAD149 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2831 - عددالزوار : 312715 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2222 - عددالزوار : 119698 )           »          شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 499 )           »          اللهم أنت ربي وأنا عبدك (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          التوازن... ودور الداعي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          كيف تجعلين طفلك يُقبل على الذهاب إلى الحضانة؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-06-2020, 04:44 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,252
الدولة : Egypt
افتراضي صلاة الجماعة

صلاة الجماعة
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل



فضل المشي إلى المسجد



الحمد لله؛ فتح لعباده أبواب الخيرات، ودلهم على طرق اكتساب الحسنات، وحذرهم من أسباب السيئات، نحمده على ما منَّ به علينا من أنواع المنن، ونشكره على ما اختصنا به من النعم، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ دلت آياته ومخلوقاته على عظمته، فهو العظيم الذي صمد الخلق كلهم إليه فقام بهم، وقضى حوائجهم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ [الروم: 25]. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ نصح لأمته أعظم النصح، فهداهم إلى ما ينفعهم، وحذرهم مما يضرهم؛ فجزاه الله تعالى عنا وعن المسلمين خير ما جزى نبيا عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه؛ أصلح هذه الأمة قلوبا، وأزكاهم أعمالا، وأهداهم سبيلا، رضي الله عنهم وأرضاهم رغم أنوف الكارهين لهم، الساخرين بهم، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، ولئن كان رمضان قد انتهى بما أودع العباد فيه من أعمالهم فإن الله تعالى يعبد في كل الأوقات، وليس بين العبد وبين عبادته إلا الموت، فبه ينقطع العمل، ويبتدئ الجزاء ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99].

أيها الناس: يكدح الناس في الدنيا كأنهم مخلدون فيها، وينسى كثير منهم أعمال الآخرة كأنهم لا ينقلون إليها، وينتج عن ذلك تضييعهم لأعمال صالحة واجبة عظيمة الأجور لمصلحة أعمال دنيوية قد يربحون فيها شيئا من مال وقد يخسرون، وكم ضيع من الصلوات المكتوبة، وكم فاتت تكبيرة الإحرام من أجل شيء يسير من الدنيا، ذلك فضلا عن تضييع النوافل.


والكيس الحازم الفطن من رتب مهمات أعماله، وبدأ بالأهم منها، فما كان للآخرة قدمه على ما كان للدنيا؛ لأن كل المسلمين يتفقون على أن الآخرة أهم من الدنيا، فمن فعل ذلك سلمت له آخرته، ولم تفته الدنيا.


إن الله عز وجل قد رتب أجورا كبيرة على أعمال يسيرة دائمة مع العبد في يومه وليلته، ولا يحافظ على هذه الأعمال- رغم أنها يسيرة- إلا المرابطون على طاعة الله تعالى، ومن تلكم الأعمال: الصلوات الخمس، ففيها من الأجور والمنافع والخير، ما لا يحصيه المحصون، ولا يعده العادون، ولا سيما إذا أتم المصلي شروطها وأركانها، وأتى بواجباتها وسننها، وسابق غيره إليها في المساجد مع جماعة المسلمين حيث ينادى بها؛ حتى إن مشيه إلى المسجد قَرُبَ المسجد أو بَعُد عبادة تقربه إلى الله تعالى، ورتب على ذلك من الثواب ما لا يفرط فيه إلا محروم خسران.


فالمشي إلى المساجد يكفر الخطايا، ويرفع الدرجات كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلممن تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة) وفي حديث آخر عنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط) روى الحديثين مسلم في صحيحه.


ولما أراد بعض الصحابة رضي الله عنهم الانتقال قرب المسجد أوصاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا في مساكنهم؛ ليكتب لهم ممشاهم إلى المسجد؛ كما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فقالخلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد، قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم) رواه الشيخان.


وكلما بعد المسجد عن المنزل طال الممشى، وكثرت الخطى، فزاد الأجر، وكثرت الحسنات؛ كما روى أبو موسى رضي الله عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمإن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام) رواه الشيخان.


قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وكلما شق عليك المشي إلى المساجد كان أفضل؛ ولهذا فضل المشي إلى صلاة العشاء وصلاة الصبح، وعدل بقيام الليل كله؛ كما في صحيح مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولمن صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله).


ولذلك كانت هاتان الصلاتان أثقل الصلاة على المنافقين؛ لأن المنافقين يريدون بصلاتهم في المسجد أن يراهم الناس، وهاتان الصلاتان ليليتان، فلا يحافظ عليهما، ويمشي إليهما إلا مؤمن.


والخطوة الواحدة من الخطى إلى المسجد تعدل صدقة كاملة كما قال النبي صلى الله عليه وسلموكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة) رواه مسلم.


ولأجل ذلك كان من السلف الصالح من يقارب بين الخطى في المشي إلى المساجد لتكثير الأجر قال أنس رضي الله عنه: (مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فقارب بين الخطى وقال: أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد) رواه ابن أبي شيبة.


ومن عظيم فضل الله تعالى على عباده، ورحمته بهم، وتوسيع مجالات الخير لهم: أن الرجوع من المسجد عقب الصلاة يحتسب كما يحتسب الذهاب، روى أبي بن كعب رضي الله عنه فقال: (كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد منه وكان لا تخطئه صلاة، قال: فقيل له أو قلت له: لو اشتريت حمارا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك ذلك كله) رواه مسلم.


قال العلماء: في هذا الحديث إثبات الثواب في الخطى في الرجوع كما يثبت في الذهاب.


ومن عظيم ما جاء في فضل المشي إلى المساجد لأداء الصلوات: ما جاء في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتبس عنهم ذات غداة فلما سألوه قال عليه الصلاة والسلام: أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت:لا أدري، قالها ثلاثا قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد، قلت: لبيك رب، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات، قال: ما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات) صححه البخاري والترمذي.


وفي رواية للإمام أحمد (قال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: في الكفارات، قال: وما الكفارات؟ قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المسجد خلاف الصلوات، وإبلاغ الوضوء في المكاره، قال: من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه).


والمشي إلى صلاتي العشاء والفجر سبب للنور يوم القيامة؛ كما جاء في حديث بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالبشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) رواه أبو داود والترمذي، وفي لفظ لابن خزيمة من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلمليبشر المشاؤن في الظلام إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة).


ويفرح الله تعالى بمشي عبده إلى المسجد لأداء الصلاة فإن الله تعالى يحب الطاعة لعباده، ويكره لهم المعصية ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7] قال الحافظ ابن خزيمة رحمه الله تعالى:باب ذكر فرح الرب تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضياً، ثم ساق تحته حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته).


ولأجل ذلك فإن الله تعالى يعد لزوار المساجد ضيافة في الجنة في كل غدوة يغدونها إلى المسجد، فالمشاءون إلى المساجد في ضيافة الله تعالى حتى يعودوا إلى منازلهم، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح ) رواه مسلم، والنزل:ما يهيأ للضيف عند قدومه.


ومن خرج إلى المسجد يريد الصلاة فهو في صلاة إلى أن يرجع؛ كما روى الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلمإذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع).


وإذا تأخر العبد عن صلاة الجماعة مع حرصه على إدراكها، ومشييه إليها، كتب له أجرها ولو فاتته؛ كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلممن توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها أو حضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا) رواه أحمد. وهذا يدل على عظيم أمر الخروج لصلاة الجماعة عند الله تعالى.


بل جاء ما هو أعظم من ذلك في حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالمن خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين) رواه أبو داود بإسناد حسن.


ومن خرج من بيته إلى الجماعة فهو في رعاية الله تعالى وحفظه، وله أن يعود إلى منزله سالما غانما، فإن توفاه الله تعالى أدخله الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل وذكر منهم: رجلا راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة) رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم.


فاحرصوا رحمكم الله تعالى على إدراك هذه الأجور العظيمة بالمشي إلى المساجد، وكثرة الخطى إليها، والمحافظة على الجماعات، وعودوا أبناءكم ومن ولاكم الله تعالى أمورهم على هذا الخير العظيم؛ ففي ذلك ثواب الدنيا والآخرة.


(من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصير) بارك الله لي ولكم...



الخطبة الثانية



الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا أمن إلا للمؤمنين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله- عباد الله- وراقبوه، والزموا طاعته ولا تعصوه ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [النور: 52].


أيها المسلمون: المحافظة على الجماعات، واعتياد المشي إلى المساجد يستطيعه المسلم إذا جاهد نفسه على ذلك، وروضها عليه، وقد رأينا كثيرا من الناس فعلوا ذلك في رمضان حتى إنهم كانوا يسابقون على الصف الأول، وعلى الدنو من الإمام، ومن استطاع ذلك في شهر كامل فإنه قادر على أن يستمر عليه العمر كله.


إن كثيرا من الناس يحجزهم عن المسابقة إلى ذلك كسلهم وتسلط الشياطين عليهم بالتسويف والتأجيل، فيسمع واحدهم النداء فيتعلل بعمل يعمله، أو يتأخر لأن الإقامة بقي عليها وقت، فما يزال الشيطان يتمادى به حتى تفوته الجماعة، أو التكبيرة الأولى.


ويظل كثير من الناس يمنون أنفسهم بأنه سيأتي اليوم الذي يحافظ فيه الواحد منهم على الجماعة، ويسابق على الصف الأول، ولا تفوته التكبيرة الأولى، ويعد نفسه بأن ذلك سيحصل إذا فرغ من شغله، وخف ارتباطه، وقلت مسؤولياته، وما هذا التسويف والعدة والأماني إلا حبائل الشيطان يصطاد بها العبد حتى يدركه الموت ولما يفرغ من شغله.


وما الذي يمنع المسلم أن يجعل المشي إلى المساجد، وحضور الجماعة من أهم مهماته، وأول أولوياته، حتى يعتاد ذلك، ويكون جزءا من حياته، ومن فعل ذلك في رمضان فهو قادر على أن يفعله العمر كله، ولن يفوته من الدنيا ما قد يدركه غيره ممن هجروا المساجد، وأضاعوا صلاة الجماعة، فخسروا كثيرا.


إن سلفنا الصالح قد أدركوا أهمية المشي إلى المساجد، وحضور الجماعة، وعلموا ما رتب على ذلك من عظيم الثواب والجزاء، فجعلوا ذلك من أهم أعمالهم، لا يقدمون عليه أمرا من أمور الدنيا مهما علا شأنه، وبعضهم قد عذرهم الله تعالى في ذلك لمرض مقعد، أو كبر معجز، وما تركوا المشي إلى المساجد، وحضور صلاة الجماعة يبتغون الأجر من الله تعالى على ذلك. منهم:محمد بن على الحفار الغرناطي رحمه الله تعالى، قال ابن الخطيب:قد بقى الحفار نحوا من عامين أو أزيد يخرج للصلوات الخمس يهادى بين رجلين لشيء كان برجله حتى كان بعض أصحابه يقول: الحفار حجة الله على من لم يحضر الجماعة.


وكان الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى يقاد إلى الصلاة، وكان به الفالج فقيل له: يا أبا يزيد، إنه قد رخص لك في ذلك، قال: إني أسمع حي على الصلاة،حي على الفلاح، فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبوا.


ومن عجز منهم عن المشي إلى المسجد كان يستأجر من يحمله إلى المسجد لحضور الجماعة يبتغي الأجر على ذلك كما وقع للعالم المالكي ابن خفيف رحمه الله تعالى إذ كان به وجع الخاصرة فكان إذا أصابه أقعده عن الحركة فكان إذا نودي بالصلاة يحمل على ظهر رجل، فقيل له: لو خففت على نفسك، فقال رحمه الله تعالى: إذا سمعتم حي على الصلاة ولم تروني في الصف فاطلبوني في المقبرة.


وربما أحس بعضهم بالموت قبل الصلاة فآثر أن يخرج إلى الجماعة ليشهدها، ويموت في المسجد كما وقع ذلك لعامر بن عبد الله بن الزبير رحمه الله تعالى إذ سمع المؤذن وهو يجود بنفسه ومنزله قريب من المسجد، فقال: خذوا بيدي، فقيل له:أنت عليل فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟! فأخذوا بيده فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات رحمه الله.


إن هؤلاء الصالحين كانوا بشرا مثلنا، ولهم أعمال وأولاد ومسئوليات، ولكنهم جعلوا من أهم مهماتهم المحافظة على الجماعة في المساجد، فما فاتتهم الدنيا، والله تعالى أعلم بما أعد لهم من الأجر في الآخرة، فسيروا يا عباد الله سيرتهم في المشي إلى المساجد، والمحافظة على الجماعة، والمسابقة على الصف الأول، وإدراك تكبيرة الإحرام؛ ففي ذلك الثواب الجزيل من الله تعالى، والفوز بخيري الدنيا والآخرة. وصلوا...





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 06-06-2020, 04:45 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,252
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صلاة الجماعة

صلاة الجماعة (2)
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


آداب الخروج إلى المسجد


الحمدلله الجواد الكريم؛ فتح لعباده أبواب خيراته، وأفاض عليهم من جزيل عطائه، نحمده على ما شرع لنا من دينه القويم، ونشكره فقد جعلنا من خير أمم العالمين ï´؟ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ï´¾ [آل عمران:110] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ فرض علينا من العبادات ما يرفع الدرجات، ويكفر السيئات، ويزيد الحسنات؛ تفضلا منه علينا، ورحمة بنا؛ ليجزينا بما عملنا ï´؟ هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ ï´¾ [الرَّحمن:60].


وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ لا خير إلا دلنا عليه وأمرنا به، ولا شر إلا حذرنا منه ونهانا عنه، وما فارق أمته إلا بعد أن تركها على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ أصلح هذه الأمة قلوبا، وأزكاهم نفوسا، وأخلصهم أعمالا، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وجعل دار الخلد مأواهم، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أنكم تفارقون بيوتكم إلى قبوركم، ولن تجدوا فيها إلا أعمالكم، فشمروا عن ساعد الجد فيما ينجيكم، واحذروا ما يكون سببا في هلاككم، فالفرصة واحدة.. فوزها كبير، وخسارتها عظيمة ï´؟ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ï´¾ [الأعراف: 8-9].


أيها الناس: للصلاة شأن كبير عند الله تعالى، وهي الشعيرة التي كلم الله تعالى بها محمدا عليه الصلاة والسلام بلا واسطة، وهي عمود الإسلام، وركنه الأول بعد الشهادتين، وكثرت نصوص الكتاب والسنة في شروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها كثرة لا تقاربها فيها عبادة أخرى، وهي العبادة الوحيدة التي يؤذن في الناس بها كل يوم وليلة خمس مرات.


وصلاة الجماعة واجبة على الرجال، وفيها لهم من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية ما يعز على الحصر، ولها في دين الله عز وجل فضائل عظيمة، ورتب عليها أجور كثيرة، ومرتاد المساجد في ضيافة الرحمن جل جلاله فمن أعظم شرفا منه، ومن غدا إلى المسجد أو راح أعد الله تعالى له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح.


إن كل إنسان إذا دعي إلى ضيافة استعد لها بالغسل والطيب، واختار لها من اللباس بحسب نوعها ومنزلة صاحبها، وموقعه هو من الضيافة، ومن ضيفه ملوك الدنيا ليس كمن ضيفه سائر الناس، فما ظنكم بمن ضيفه ملك الملوك، ورب العالمين، وخالق الناس أجمعين؟!


ولما كان مرتاد المساجد لحضور الجماعة ضيفا على الله تعالى شرع له من الأعمال والآداب ما يلتزم به؛ لحق هذه الضيافة العظيمة، التي لا تقاربها ضيافة دنيوية مهما كانت، وللضيف فيها من الثواب الجزيل على قدر التزامه بما شرع الله تعالى له في هذه الشعيرة العظيمة.


ومن تلكم الأعمال والآداب:

أن يخلص النية لله تعالى قبل خروجه إلى الصلاة، وأن يستحضر عظمتها ومكانتها من الدين، ومنزلتها عند الله عز وجل؛ حتى تعظم في قلبه، فلا ينازعه فيها مخلوق مهما كان عظيما، ولا يصده عنها شغل دنيوي وإن كان كبيرا، ويعطيها ما تستحق من التهيئة والاستعداد وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أتى المسجد لشيء فهو حظه) رواه أبو داود. وما من شك في أن من أتاه للصلاة فحظه عظيم؛ لمنزلتها عند الله تعالى، ولمكانتها من دين الإسلام.

إن كثيرا من الناس يغيب عنهم هذا المعنى المهم قبل الخروج إلى المسجد، وهو استحضار عظمة الصلاة عند الخروج إليها؛ وذلك لاعتيادهم عليها، وبسببه تثقل عليهم، ويجاهدون أنفسهم فيها، ولو وطنوا أنفسهم وجاهدوها قبيل كل صلاة على استحضار مكانتها من الدين، ومنزلتها عند رب العالمين؛ لوجدوا فيها أعظم اللذة والراحة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستريح بها، وهي قرة عينه.


ومما يدل على عظمة الصلاة في الدين ما شرع لها من التطهر والوضوء رغم أنها تتكرر خمس مرات كل يوم، ورتب على هذا الوضوء أجور عظيمة من تكفير الخطايا مع كل عضو يغسله، وفتح أبواب الجنة للمتوضئ إذا أنهى وضوءه، وأتى بالذكر الوارد عقبه.


وهذا التطهر لها مما يليق بحق هذه الضيافة العظيمة؛ ولذا شرع لها التزين باللباس، والطيب له تبع، والسواك لتطهير الفم ï´؟ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ï´¾ [الأعراف:31] وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة) رواه الشيخان.


ومن الاستهانة بالمسجد وبالصلاة أن يحضرها المصلي بما لا يليق من لباس النوم أو الرياضة أو المهنة مع ما تعج به من روائح صنعته وحرفته أو نحوها من الألبسة التي لا يرضى أن يلبسها له ضيفه، ولا يلبسها هو إذا دعي إلى ضيافة؛ فكيف يرفضها في مجلس بيته، ويرضاها في مسجد ربه؟! وكيف لا يقبلها على نفسه في دعوة البشر، ويقبلها في دعوة رب البشر سبحانه وتعالى؟!


وجاء النهي الشديد عن حضور الجماعة بالروائح الكريهة؛ لأن ذلك ينافي عظمة الضيافة، ويتأذى به الملائكة والمؤمنون، روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا وليقعد في بيته) رواه الشيخان، وفي رواية لمسلم: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).


وبلغ من أهمية هذا الموضوع الذي استهان به كثير من الناس في هذا الزمن أن عمر رضي الله عنه لما علم قرب وفاته برؤيا رآها أوصى الناس، فكان من وصيته قوله رضي الله عنه: (ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع) رواه مسلم. ولولا شدة النهي عن ذلك لما أمر بإخراجه إلى البقيع.

فلا يحل لمسلم أن يحضر المسجد بروائح الثوم أو البصل أو الدخان أو نتن جواربه أو ملابسه إذا كان لا ينظفها، ومن أكل ثوما أو بصلا طبا أو طعاما فليصل في بيته، ولا يؤذي المصلين برائحته، ولو لم يكن في الدخان سيئة إلا أن المدخن يؤذي الملائكة والمصلين برائحته لكان ذلك رادعا للمبتلى به أن يسعى جهده في الإقلاع عنه.


ومن ابتلي برائحة كريهة في جسده أو بخر في فمه فليسع قبل حضوره إلى المسجد إلى إزالتها بأنواع المطهرات والروائح الطيبة، فإن كانت لا تزول أبدا، فلا جماعة عليه، وليصل في بيته.


وإذا أكمل المسلم ما يلزم لصلاته، وأراد الخروج إلى المسجد قدم رجله اليسرى في خروجه من منزله، وأتى بالأذكار الواردة في ذلك؛ فإنها تدحر شيطانه، وتعينه على الخشوع في صلاته.


ومشيه إلى المسجد أفضل من ركوبه؛ لما رتب على الخطو إلى المساجد من رفع الدرجات، وزيادة الحسنات، وتكفير الخطيئات، ويقرب بين رجليه في خطواته؛ لتكثيرها وتحصيل ما رتب عليها من عظيم الثواب. عن أنس رضي الله عنه قال: (وضع زيد بن ثابت يده علي وهو يريد الصلاة فجعل يقارب خطوه) وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (إن كنا لنقارب في الخطا).


وهذا الخير العظيم لا يتأتى إلا لمن استعد للصلاة قبل دخول وقتها، أو في أوله، وخرج إلى المسجد مبكرا، والتبكير إلى الصلاة سبب لتحصيل عبادات كثيرة تفوت على المتأخرين عن الصلاة إلى قرب الإقامة أو بعدها.


فإذا أقيمت الصلاة وهو يمشي فلا يسرع في مشيه لإدراك تكبيرة الإحرام أو الركعة أو الصلاة، لا خارج المسجد ولا داخله؛ لأنه لا يزال في صلاة ما أخرجته الصلاة، روى أبو هريرة رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) رواه الشيخان، وفي رواية لمسلم: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة).


وما يفعله كثير من الناس من الجري وتسريع الخطا والجلبة والنحنحة ورفع الصوت والضرب بالأرجل لإدراك الركوع مما ينافي الوقار والسكينة، وفيه مخالفة للأحاديث الصحيحة، مع ما فيه من إزعاج للمصلين وتشويش عليهم، فحري بالمصلي أن يجتنب ذلك، وأن يبكر للصلاة ما استطاع؛ لئلا يقع في هذه المخالفات.


ومن كبير الخطأ: تشويش كثير من الناس على إخوانهم المصلين بهواتفهم قبل الصلاة وأثناءها وبعدها، بما يصدر عنها من أصوات متنوعة، تزعج المصلين، وتذهب خشوعهم، سواء كانت قرآنا أم أذانا أم دعاء أم غير ذلك. فإذا كانت تصدر غناء أو موسيقى فالجرم أكبر، والأذية أشد؛ إذ كيف يرضى مسلم بمحرمات يجلبها إلى بيوت الله تعالى، مع ما في ذلك من أذية الملائكة والمصلين، فليتق الله تعالى من يتساهلون في ذلك.


فإذا أراد دخول المسجد قدم رجله اليمنى، وأتى بذكر دخول المسجد،قال أنس رضي الله عنه: (من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى) رواه الحاكم وصححه.


ويحرص على الصف الأول، وعلى القرب من الإمام ما استطاع، وعلى أن يكون في يمين الصف؛ لما رتب على ذلك من الأجور العظيمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه


وفي حديث أبي مسعود رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) رواه مسلم.


وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) رواه أبو داود وصححه ابن حبان.


وإذا أخذ مكانه في المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لحديث أبي قتادة بن ربعي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) رواه البخاري.


وهو لا يزال في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، فإن شاء تنفل أو قرأ القرآن أو اشتغل بالذكر أو بالدعاء، ولا يشتغل بأمور الدنيا أو بالحديث مع غيره في شئونها وهو منتظر صلاته، ولا يعبث في المسجد بثوبه أو يديه أو ساعته أو جواله، ولا يشبك بين أصابعه؛ لحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن يديه فإنه في صلاة) رواه أبو داود وصححه ابن حبان.


ولا يرفع صوته بقرآن أو ذكر فيشوش على غيره؛ لما جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: (اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة والحاكم.


وإذا أقيمت الصلاة فلا يصلي إلا المكتوبة؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأنها هي المقصود من مجيئه للمسجد.


فإذا صلى أتى بالأذكار عقب الصلاة، والسنة أن يجهر بها لما روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم).


فإن كان للصلاة راتبة بعدية أتى بها في المسجد، وإن صلاها في بيته فذلك أفضل؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) رواه الشيخان عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا).


أسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا العمل بما علمنا، وأن يقبل منا ومن المسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين، وأقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم....




الخطبة الثانية



الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.


أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ï´؟ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ï´¾ [البقرة:281].



أيها الناس: للمساجد حرمتها عند الله تعالى، وواجب على مرتاديها أن يراعوا تلك الحرمة، وأن يلتزموا فيها بآداب الشريعة، ومن فقد شيئا فلا يسأل عنه في المسجد رجاء أن يجده؛ فإن ذلك من انتهاك حرمة المساجد وابتذالها، وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم.


وجاء في حديث بريدة رضي الله عنه: (أن رجلا نشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا وَجَدْتَ إنما بنيت المساجد لما بنيت له) رواه مسلم.


ومن تعظيم المساجد تحريم البيع والشراء فيها وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك..) رواه الترمذي وصححه ابن خزيمة.



وكثير من الناس لا يحلو لهم الحديث عن الدنيا والبيع والشراء والتجارة والعقار والأسهم إلا في المساجد، وأثناء انتظار الصلاة، ولا سيما إذا جلس بجوار شريكه أو قرينه، وذلك من تزيين الشيطان لهم؛ لينقص من أجرهم، ويزيد في إثمهم، فالحذر الحذر من ذلك، فإن المساجد ما بنيت لهذا.



ويدخل في معنى ذلك: التسول في المساجد إذا كان فيه تشويش على الناس، وإشغال لهم عن الذكر، وإلحاح في المسألة، كما هو واقع في هذا الزمن؛ إذ لا يهنأ الواحد منهم حتى يصيح في الناس يفصل حاجته، ويستدر عواطفهم، وكل ذلك مما ينهى عنه في المساجد، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يسب المتسولين ويقول: لا تشهدون جمعة ولا عيدا إلا للمسألة والأذى...قال الذهبي رحمه الله تعالى: فكيف إذا انضاف إلى ذلك غنى ما عن السؤال، وقوة على التكسب.



أيها المسلمون: تلك آداب عظيمة شرعت لمن أراد الخروج إلى الصلاة، وكان من رواد المساجد؛ ليكتمل أجره، ويعظم جزاؤه، فحري بنا وبكل مسلم أن يتعلمها ويعمل بها؛ التزاما بالسنة، وطلبا للأجر من الله تعالى ï´؟ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ï´¾ [البقرة:110].



وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم....



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 06-06-2020, 04:45 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 35,252
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صلاة الجماعة

صلاة الجماعة (3)
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل


فوائد التهجير إلى الجماعة


الحمد لله الجواد الكريم؛ أفاض من جوده على عباده في الدنيا فخلقهم ورزقهم وهداهم، واختص المؤمنين منهم بوافر كرمه وجوده في الآخرة؛ فلهم في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ï´؟ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ï´¾ [السجدة: 17] نحمده ونشكره ونتوب إليه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ يجزي الجزاء الكبير على العمل القليل، ويغفر الذنب العظيم، ويعطي العطاء الجزيل؛ فلا ينقطع عطاؤه لعباده، ولا تنفد خزائنه من كثرة عطائه ï´؟ وَلله خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ï´¾ [المنافقون: 7] ï´؟ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ الله بَاقٍ ï´¾ [النحل: 96] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ لا خير إلا دلَّ الأمة عليه، ولا شرَّ إلا حذرها منه، تركنا على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.


أما بعد: فاتقوا الله ربكم، وأقيموا له دينكم، وأخلصوا له عملكم، واتبعوا فيه هدي نبيكم محمدصلى الله عليه وسلم؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا صوابا ï´؟ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ï´¾ [هود: 7] وفي الآية الأخرى ï´؟ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ï´¾ [البيِّنة: 5].


أيها الناس: للصلاة في دين الإسلام شأن عظيم، ومقام كبير، فهي عموده الذي لا قوام له إلا به، وركنه الثاني بعد الشهادتين، وهي من أظهر الشعائر وأبينها، وهي أكثرها تكرارا في حياة المسلم.


ولصلاة الجماعة فضلها ومنزلتها، وما بُنيت المساجد إلا لأجلها، ولم يُرخص لقادر عليها في التخلف عنها.


والتبكير للجماعة فيه من الفوائد الجمة، والأجور العظيمة ما يحفز المؤمنين إلى الاستباق إلى المساجد، والتهجير إلى الصلوات، والمنافسة على الصف الأول، وترك متاع الدنيا وإن عَظُم لأجل ذلك.


فوائد ومنافع عدة لصلاح القلب وطمأنينته، وراحة النفس وتهذيبها، وتحصيل الخشوع الذي يشتكي أكثر المصلين من فقده.


فوائد ومنافع يجنيها المبكر إلى صلاته قبل الصلاة وأثناءها وبعدها، وليس بينه وبين من تأخروا إلى أن أقيمت الصلاة أو صلى الناس إلا زمنا يسيرا لا يجاوز ثلث ساعة أو نصفها.


فمن تلكم الفوائد: أن من عوَّد نفسه على التهيؤ للصلاة قبل الأذان تيسر له أن يحسن الوضوء؛ لأنه لا يخشى فوات الصلاة أو إقامتها، ولا شيء يُعجله عن إحسان وضوئه، وإحسانُ الوضوء مع أداء الصلاة سبب لمغفرة الذنوب، فإذا خرج إلى المسجد أتى بدعاء الخروج ولم يسرع إلى الصلاة، بل يمشي لها بسكينة ووقار، فيكون ممتثلا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ويتأتى له دخول المسجد برجله اليمنى وقول ما ورد من أذكار، لا كمن أسرع ليدرك الركوع أو الصلاة فيفوته ذلك.


ومن بكر إلى المسجد وجد مكانا في الصف الأول، وظفر بيمين الصف، وفاز بالقرب من الإمام، وفي ذلك فضل عظيم وثواب كبير؛ كما روى أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يَعْلَمُ الناس ما في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لم يَجِدُوا إلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عليه لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إليه)) متفق عليه.


وفي حديث الْبَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنه أنَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ على الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ)) رواه النسائي وأحمد.


وقال الْعِرْبَاضُ بن سَارِيَةَ رضي الله عنه: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ ثَلاَثاً وَعَلَى الثاني وَاحِدَةً)) رواه أحمد.


فإذا أذن المؤذن تهيأ للمبكِّر إلى المسجد متابعة الأذان والإتيان بالأذكار الواردة عقبه؛ لأنه متفرغ فلا شيء يشغله عنه، وفي ذلك من الفضل ما لا يخفى: منه نيل شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن دعا بين الأذان والإقامة فهو حري بالإجابة؛ كما في حديث أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الدُّعَاءَ لاَ يُرَدُّ بين الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ فَادْعُوا)) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح.


ويتأتى للمبكِّر إلى الصلاة أن يأتيَ بالرواتب القبلية كما في صلاتي الفجر والظهر، أو الصلاة بين الأذان والإقامة الواردة في قول النبي صلى الله عليه وسلم ((بين كلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ قَالَهَا ثَلَاثًا قال في الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ)) رواه الشيخان من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه.


وأثناء انتظاره للصلاة يقرأ القرآن فلا يهجره، وأغلب الذين يتأخرون عن المسجد يهجرون القرآن؛ لأنه لا يتأتى للمسلم قراءة إلا وهو ينتظر الصلاة؛ لكثرة الصوارف والأشغال.


وقد يتنفل المبكِّر إلى المسجد بالصلاة فيزداد ثوابا إلى ثوابه، أو يشتغل بأنواع الذكر من تسبيح وحمد وتهليل وتكبير واستغفار ونحوه، وفي ذلك من الأجور ما لا يحصى، وهو في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تدعو له ما دام منتظرا الصلاة؛ كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ((الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي على أَحَدِكُمْ ما دَامَ في مُصَلَّاهُ ما لم يُحْدِثْ: اللهم اغْفِرْ له اللهم ارْحَمْهُ، لَا يَزَالُ أحدُكم في صَلَاةٍ ما دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلى أَهْلِهِ إلا الصَّلَاةُ)) رواه الشيخان.


ومعنى مصلاه: أي المسجد الذي صلى فيه، فمن انتظر الصلاة في المسجد فغيَّر موقعه إلى كرسي يجلس عليه، أو عمود يستند إليه فإن الحديث يتناوله ما دام في المسجد لم يخرج منه، قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: ((ومصلاه موضع صلاته، وذلك عندي في المسجد؛ لأنَّ هناك يَحصُلُ منتظرا للصلاة في الجماعة وهذا هو الأغلب في معنى انتظار الصلاة، ولو قعدت المرأة في مصلى بيتها تنتظر وقت الصلاة الأخرى فتقوم إليها لم يبعد أن تدخل في معنى الحديث؛ لأنها حبست نفسها عن التصرف رغبة في الصلاة وخوفا من أن تكون في شغل يَفُوتُها معه الصلاة)) اهـ.


ومن بكر إلى الصلاة ضمن إدراك الجماعة التي تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، ويدرك تكبيرة الإحرام خلف الإمام، وقد جاء في حديث أنس رضي الله عنه موقوفا:

((من صلى لله أَرْبَعِينَ يَوْمًا في جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كُتِبَتْ له بَرَاءَتَانِ بَرَاءَةٌ من النَّارِ وَبَرَاءَةٌ من النِّفَاقِ)) رواه الترمذي، وكان إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى يقول: ((إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه)).

كما أن المبكر إلى الصلاة الجهرية يدرك التأمين خلف الإمام، وفي ذلك مغفرة الذنوب؛ كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إذا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فإنه من وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ، قال الزهري: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمِينَ)) رواه الشيخان.


ومن كان دائم التهجير إلى الصلاة فإنه يصدق عليه أن قلبه معلق في المساجد؛ لأنه يأتيه مبكرا، ولا يخرج منه إلا متأخرا، وإذا خرج منه عاد إليه في الصلاة الأخرى، وهذا دأبه وشغله في حياته كلِّها، ومن السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: رجل قلبه معلق في المساجد.


فحري بالمسلم أن لا يفوت على نفسه هذه الأجور العظيمة، التي ثبتت في أحاديث كثيرة، وتحصيلها يحتاج إلى صبر ومصابرة ومرابطة، ولا ينال ذلك إلا من أعانه الله تعالى على نفسه وهداه ووفقه، واستفاد من حياته الدنيا، وعمر أوقاته بما ينفعه، وجانب ما يضره ويوبقه؛ فإن الطاعة تقود إلى الطاعة، كما أن المعصية تهوِّن أختها.


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ï´¾ [آل عمران: 200].


بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..



الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله ربكم، ونافسوا في طاعته أهل الطاعة منكم؛ فإنكم مفارقون دنياكم إلى قبوركم، ولا أنيس لكم إلا أعمالكم ï´؟ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ï´¾ [البقرة: 148].


أيها المسلمون: من جاء قبل الأذان وانتظر الصلاة كان مرابطا عليها، وهكذا لو جلس في المسجد بين الصلاتين فهو من المرابطين كما في حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أَدُلُّكُمْ على ما يَمْحُو الله بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قالوا: بَلَى يا رَسُولَ الله، قال: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ على الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إلى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ)) رواه مسلم.


وفي حديث عبدالله بن عَمْرٍو رضي الله عنهما قال: ((صَلَّيْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَغْرِبَ فَرَجَعَ من رَجَعَ وَعَقَّبَ من عَقَّبَ فَجَاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْرِعًا قد حَفَزَهُ النَّفَسُ وقد حَسَرَ عن رُكْبَتَيْهِ فقال: أَبْشِرُوا هذا رَبُّكُمْ قد فَتَحَ بَابًا من أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ يقول: انْظُرُوا إلى عِبَادِي قد قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى)) رواه أحمد وابن ماجه.


ومن فاتته الصلاة مع الجماعة فصلاها في المسجد ثم انتظر الصلاة التي تليها فهو في رباط، سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن رجل صلى في غير جماعة ثم قعد بموضعه ينتظر صلاة أخرى أتراه في صلاةٍ بمنزلة من كان في المسجد كما جاء في الحديث؟ قال: ((نعم إن شاء الله تعالى، أرجو أن يكون كذلك ما لم يحدث فيبطل ذلك ولو استمر جالساً)).


ومن أعظم ما يكسبه المؤمن من التبكير إلى صلاة الجماعة تعويد نفسه ورياضتها على التؤدة والسكينة في أداء العبادات، وإعطاؤها ما تستحق من الوقت والجهد والعناية، واستكمال شروطها وأركانها وواجباتها ومندوباتها؛ فليست صلاةُ من جاء إلى المسجد عقب الإقامة مسرعا قد فاتته التكبيرة الأولى كصلاة من مكث في المسجد ما بين الأذان والإقامة، ومن روَّض نفسه على التبكير إلى الجماعة كان من أكمل الناس صلاة؛ فإن الناس يتفاوتون تفاوتا عظيما في صلاتهم؛ كما جاء في حديث عَمَّارِ بن يَاسِرٍ رضي الله عنهما قال سمعت رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وما كُتِبَ له إلا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا)) رواه أبو داود وصححه ابن حبان.


والمانع للناس من التبكير إلى الجمع والجماعات: الكسل أو الانشغال بالدنيا، وعلاج الكسل التعوذ بالله تعالى منه، ومجاهدة الشيطان عليه؛ فإنه الداعي إليه.


وأما الانشغال بالدنيا فليعلم صاحبه أن تبكيره إلى الجماعة خير من الدنيا وما عليها، ومهما بلغ شغله وأرباحه فلن تكون إلا جزء يسيرا لا يكاد يُذكر من الدنيا كلها، فكيف يفرط فيما هو خير من الدنيا وما عليها لأجل جزء يسير منها؟!


ثم إننا ما رأينا من بكَّروا إلى الجمع والجماعات قد فاتتهم الدنيا بسبب تبكيرهم إليها، ولا أبصرنا من شُغلوا بالدنيا عنها قد أتتهم دون غيرهم، وطاعة الله تعالى سبب للتوفيق والفلاح في الدنيا والآخرة، كما أن معصيته سبب للفشل والإخفاق في الأمور كلها. ومن طالع سير السلف الصالح عجب من شدة حرصهم على أجور التبكير إلى المساجد، ومرابطتهم على طاعة الله تعالى، وإفناء أعمارهم في ذلك:

قال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: ((ما سمعت تأذينا في أهلي منذ ثلاثين سنة)).

وقال نعيم بن حماد رحمه الله تعالى: ((جاء ضمام بن إسماعيل رحمه الله تعالى إلى المسجد وقد صلى الناس وقد فاتته الصلاة فجعل على نفسه ألا يخرج من المسجد حتى يلقى الله عز وجل، قال: فجعله بيتَه حتى مات)).


وقال محمد بن المبارك الصوري: ((كان سعيد بن عبد العزيز التنوخي مفتي دمشق إذا فاتته صلاة الجماعة بكى)).


ألا فاتقوا الله ربكم، واعتبروا بمن مضوا قبلكم، واقتدوا بالصالحين من سلفكم، ولا تفرطوا في الأجور العظيمة المرتبة على التبكير إلى الجمع والجماعات؛ فإن التفريط فيها من الحرمان والخذلان، نعوذ بالله تعالى من ذلك.


وصلوا وسلموا على نبيكم....





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 112.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 110.12 كيلو بايت... تم توفير 2.75 كيلو بايت...بمعدل (2.44%)]