دروس مستفادة من صلح الحديبية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         استراتيجيات سيو (اخر مشاركة : دينا22 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          خطوات الحصول على خدمة بنشر متنقل من الخدمة السريعة (اخر مشاركة : amira1201 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          شركة نقل عفش جدة المرجان (اخر مشاركة : amira1201 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          شركة عزل خزانات بالرياض (اخر مشاركة : amira1201 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          شركات تخزين الأثاث بأفضل الأسعار (اخر مشاركة : amira1201 - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          لمعة الذهب وخدعة اللفظ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          فوائد من مصنفات الشيخ صالح آل الشيخ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 115 )           »          عروة بن الزبير.. مؤسس علم التاريخ عند المسلمين (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          الفكر المقاصدي عند الإمام الشافعي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          كيف يعدل الأب بين أولاده مع وجود الفوارق الفردية بينهم ؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 419 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 31-03-2021, 12:14 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية

- إذا أراد الله شيئاً هيأ له أسبابه



أحمد الشحات




لا يعلم الحكم والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية إلا الله -تبارك و-تعالى-؛ فهو الذي أحكم أسبابها، وقد سطر القرآن هذه الدروس والفوائد في ثنايا سورة الفتح، يقول ابن كثير:- « نزلت سورة الفتح لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ليقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابِل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فلما نحر هديه حيث أحصر، ورجع، أنزل الله -عز وجل- هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية».

تسرية لقلوب الصحابة

وقد نزلت سورة الفتح لكي تُسري عن قلوب الصحابة، وتخفف الألم الذي اعتصر قلوبهم من جراء التعنت القرشي، فقد انصرف جمهور الصحابة ممتثلين لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن ما زالت الغصة في حلوقهم لم تتحرك، وما زالت نفوسهم تراودهم أنهم أعطوا الدنية في دينهم، والشعور العام الذي يحيط بالموقف أنهم خرجوا منه دون تحقيق أهدافهم.

ردود على ما دار في أذهان الصحابة

ولم تترك السورة ما دار في أذهان الصحابة دون أن ترد عليه وتوضحه، بل قامت بالتعليق على خلجات النفوس وأزالت مخاوف القلوب، وصححت الكلمات التي تناثرت هنا وهناك، فبينت الحكمة من الصلح والغرض من كف الأيدي ومنع القتال، والسبب الذي من أجله منعوا من دخول مكة في هذا العام، كما أنها أشادت ببسالتهم وشجاعتهم ورغبتهم في مواجهة الكفر، ولكنها في الوقت نفسه أرادت أن تضبط مشاعرهم وتهذب عواطفهم، حتى يتمكنوا من النظر إلى الأمور نظرة شاملة،تتغلب فيها النظرة المصلحية العليا على المصالح المحدودة الآنية.

حققت كامل أهدافها

والسورة على وجازتها إلا أنها حققت كامل أهدافها، فقد مدحت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأفاضت في ذكر أخلاقه وكذلك أثنت على الصحابة وعددت جميل صفاتهم، وذكرت المؤهلات التي جعلتهم يستحقون النصر، كما أنها فضحت المنافقين وكشفت سرائرهم، وأظهرت حقيقة ما يضمرونه في قلوبهم، فضلا عن ذم الكفار، وتبشيع أخلاقهم وتوبيخهم على ما هم فيه من الكفر والضلال والعناد، ثم أجمل ما في السورة أنها حملت البشرى بانتصار الإسلام، فلم تتوقف السورة عند تبشير الصحابة بأنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالكعبة فقط، ولكنها حملت لهم البشارة بانتصار الإسلام وعلوه على غيره من الأديان، وقد تم ذلك بالفعل في غضون سنوات معدودة.

لذا كان من الضروري أن يمر الصحابة بتلك الفتنة، ويعيشوا تفاصيل ذلك البلاء حتى تنقدح في أذهانهم هذه المعاني، فالله -عز وجل- يعلم أنه عما قريب سيكون هؤلاء الصحابة هم قادة الدنيا وخلفاء الأرض، وسوف يكونون وقتها في أشد الاحتياج إلى فهم هذه القواعد الكلية وحسن الدراية بتطبيقها وكيفية إنزالها على أرض الواقع.

الدرس الأول

أن الله إذا أراد شيئاً هيأ له سببه

الله -عز وجل- يقدر المقادير ويسبب الأسباب، فيجعل الأسباب كالمقدمات بين يدى الأحداث، فقد كانت الحديبية مقدمة بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز الله به رسوله وجنده، ودخل الناس به في دين الله أفواجا، فكانت هذه الهدنة بابا له ومفتاحا ومؤذنا بين يديه، وهذه سنة الله -سبحانه- في الأمور العظام التي يقضيها قدرا وشرعا، أن يمهد لها بمقدمات وتوطئات تؤذن بها وتدل عليها، لذا قال -تعالى- تعبيراً عن هذا الحدث: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} (الفتح: ١ - ٣).

الفتح المبين

ومن لطيف الأمر أن يسمي القرآن هذا الصلح بالفتح المبين، أي الفتح الظاهر الجلي، رغم أن ملامح هذا الفتح لم تكن ظهرت بعد، فالسورة نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو عائد من الحديبية إلى المدينة، وقد لملم الصحابة شعث قلوبهم، وطووا آلامهم داخل صدورهم، وتركوا مكة وراء ظهورهم وهي أحب البقاع إليهم، وأشد ما تشتاق لها نفوسهم.

إذاً ما أمارات هذا الفتح وما دلائله؟

دلائل الفتح

دلائل هذا الفتح تجلت في أمور عدة منها:

حلاوة الرضا وبرد اليقين

ما أنعم الله به على قلوب الصحابة من حلاوة الرضا وبرد اليقين وكمال الامتثال والاتباع، فلقد ارتقت قلوب الصحابة وازداد إيمانهم وصقلت نفوسهم، وخرجوا من هذه التجربة أقوى عوداً وأشد صلابة، ولقد كان من الأهمية بمكان أن يتربى الصحابة على قوة كظم الغيظ وكف الأيدي، وضبط الانفعالات، كما تربوا على الشجاعة والإقدام والتصدي والصمود.

بيعة الرضوان

ومن ملامح هذا الفتح ما أنعم الله به على الصحابة من بيعة الرضوان، التي ترضى الله عنهم بسببها، وشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة لكل من بايعه تحت الشجرة، فأي فتح يعدل هذا الجزاء وهذا الفضل؟!

معرفة الدين الجديد

ومن ملامح هذا الفتح أن فتحت القلوب لمعرفة الدين الجديد والتأثر به والدخول تحت لوائه، فقد كان تعداد الصحابة في هذه الحادثة لا يزيد عن ألف وأربعمائة شخص، وبعد سنتين فقط قفز العدد إلى عشرة آلاف رجل في فتح مكة، ثم كان المسلمون في حجة الوداع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - زهاء مائة ألف رجل؛ وذلك لأن الله بيده مفاتيح القلوب، فإن شاء كتب لها الخير ووفقها للهداية، وإن شاء كتب عليها التعاسة والشقاء والضنك.

المسلمون أمنوا شر قريش

وقد كان الصلح أيضاً فتحا في الموقف بين المسلمين في المدينة وسائر المشركين حولها، فقد أمن المسلمون شر قريش، فاتجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تخليص الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي وكان هذا الخطر يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام، وقد فتحها الله على المسلمين، وغنموا منها غنائم ضخمة، جعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيمن حضر الحديبية دون سواهم.

فرح الرسول الله- صلى الله عليه وسلم

ولقد فرح رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بهذه السورة فرحاً عظيماً، فرح بالفتح المبين. وفرح بالمغفرة الشاملة، وفرح بالنعمة التامة، وفرح بالهداية إلى صراط الله المستقيم. وفرح بالنصر العزيز الكريم، وقال: «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس».

وصف مستحق

يقول الأستاذ محمد عزت دروزة:- «ولا ريب في أن هذا الصلح الذي سماه القرآن بالفتح العظيم يستحق هذا الوصف كل الاستحقاق، بل إنه ليصح أن يعد من الأحداث الحاسمة العظمى في السيرة النبوية، وفي تاريخ الإسلام وقوته وتوطده، أو بالأحرى من أعظمها، فقد اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما، وعدت النبي والمسلمين أندادا لها، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن، في حين أنها غزت المدينة في سنتين مرتين، وكانت الغزوة الأخيرة قبل سنة من هذه الزيارة وبحشد عظيم مؤلف منها ومن أحزابها لتستأصل شأفتهم، وبعثت هذه الغزوة في نفوس المسلمين أشد الاضطراب والهلع لضعفهم وقلتهم إزاء الغزاة، ولهذا شأن عظيم في نفوس العرب، الذين كانوا يرون في قريش الإمام والقدوة، وكانوا متأثرين بموقفهم الجحودي كل التأثر. وإذا لوحظ أن الأعراب كانوا يقدرون أن النبي والمسلمين لن يعودوا سالمين من هذه الرحلة، وأن المنافقين كانوا يظنون أسوأ الظنون.

صدق إلهام النبي- صلى الله عليه وسلم

ولقد أثبتت الأحداث صدق إلهام النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما فعل، وأيده فيه القرآن، وأظهرت عظم الفوائد المادية والمعنوية والسياسية والحربية والدينية التي عادت على المسلمين منه، إذ قووا في عيون القبائل، وبادر المتخلفون من الأعراب إلى الاعتذار، وخفت صوت المنافقين في المدينة، وصار العرب يفدون على النبي- صلى الله عليه وسلم - من أنحاء قاصية، وتمكن من كسر شوكة اليهود في خيبر وغيرها من قراهم المتناثرة على طريق الشام، واستطاع أن يبعث بسراياه إلى أنحاء قاصية كنجد واليمن والبلقاء، واستطاع بعد سنتين أن يغزو مكة ويفتحها، وكان في ذلك النهاية الحاسمة، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-04-2021, 01:39 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية

قد يكون اليسر في العسر والضيق في الفرج (2)






أحمد الشحات




الحكم والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية أكبر وأجَّل من أن يحيط بها إلا الله الذي أحكم أسبابها، وقد سطَّر القرآن هذه الدروس والفوائد في ثنايا سورة الفتح؛ حيث أنزل الله -عز وجل- هذه السورة فيما كان من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر الكافرين، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، - رضي الله عنه -، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس الثاني وهو: قد يكون اليسر في العسر والضيق في الفرج.
وهذه حقيقة قائمة، يشهدها الناس في حياتهم ومعاشهم مرات ومرات، فالعسر يبشر باليسر، والضيق مفتاح الفرج، لكن القضية تتمثل في مدى توفر القدرة القلبية على الصبر والتحمل وقت العسر حتى يتمكن من أن يتذوق معنى اليسر والفرج بعد ألم الضيق والكرب، والمتأمل في هذه الهدنة يجد أنها كانت من أعظم الفتوح؛ فإن الناس أمن بعضهم بعضا، واختلط المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين، وظهر من كان مختفيا بالإسلام، ودخل فيه في مدة الهدنة من شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله فتحا مبينا.
حقيقة الأمر
وحقيقة الأمر أن الفتح - في اللغة - فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع المشركين في الحديبية كان مسدودا مغلقا حتى فتحه الله، وكان من أسباب فتحه صد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيم وهضم للمسلمين، وفي الباطن عز وفتح ونصر، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى ما وراءه من الفتح العظيم والعز والنصر من وراء ستر رقيق، وكان يعطي المشركين كل ما سألوه من الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه، كما قال -تعالى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: ٢١٦).
الوثوق بنصر الله -تعالى
فكان يدخل على تلك الشروط دخول واثق بنصر الله وتأييده له، وأن العاقبة له، وأن تلك الشروط واحتمالها هو عين النصر، وهو من أكبر الجند الذي أقامه المشترطون ونصبوه لحربهم وهم لا يشعرون، فذلوا من حيث طلبوا العز، وقهروا من حيث أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجنده من حيث انكسروا لله واحتملوا الضيم له وفيه، فدار الدور وانعكس الأمر وانقلب عز الباطل ذلا بحق، وانقلبت الكسرة لله عزا بالله، وظهرت حكمة الله وآياته وتصديق وعده ونصرة رسوله على أتم الوجوه وأكملها التي لا اقتراح للعقول وراءها.
أعظم الفتوح
يقول الزهري:- «لقد كان يوم الحديبية أعظم الفتوح، ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إليها في ألف وأربعمائة، فلما وقع صلح مشى الناس بعضهم في بعض، أي تفرقوا في البلاد فدخل بعضهم أرض بعض من أجل الأمن بينهم، وعلموا وسمعوا عن الله فما أراد أحد الإسلام إلا تمكن منه، فما مضت تلك السنتان إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف»، وقد كان، وولد من رحم هذه الأزمة فتوح قريبة وفتوح كثيرة وأفضال ومنن لا تعد كثرة، ولولا وقوع هذا الضيق واحتمال ما يستتبعه من آلام، لما حصل للمسلمين هذه العطايا العلوية والفتوحات الأرضية، ليبقى المؤمن في عافية قلبية مع أقدار الله -عز وجل- المحبوب منها والمكروه.
النصر سنة ثابتة للمؤمنين
ومن ذلك أن القرآن صرح بأن النصر سنة ثابتة للمؤمنين، والهزيمة سنة دائمة للكافرين، ورغم أنها سنة دائمة لا تتبدل ولا تتخلف إلا أنها قد تتأخر إلى أجل، ولأسباب قد تتعلق باستواء المؤمنين واستقامتهم، أو تتعلق بتهيئة الجو الذي يولد فيه النصر للمؤمنين والهزيمة للكافرين، لتكون له قيمته وأثره. أو لغير هذا وذاك مما يعلمه الله. {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (الفتح: ٢٢-٢٣)، فالله -سبحانه- يخبرنا بأن الكفار لو قاتلوا أولياءه، لولى الكفار الأدبار غير منصورين، وأن هذه سنته في عباده قبلهم، ولا تبديل لسنته، فإن قيل: فقد قاتلوهم يوم أحد وانتصروا عليهم ولم يولوا الأدبار؟ قيل: هذا وعد معلق بشرط مذكور في غير هذا الموضع، وهو الصبر والتقوى.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-05-2021, 03:22 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية

- المحن بوابة الانطلاق نحو المعالى (3)


أحمد الشحات




الحكم والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية أكبر وأجَّل من أن يحيط بها أحد إلا الله الذي أحكم أسبابها، وقد سطَّر القرآن هذه الدروس والفوائد في ثنايا سورة الفتح؛ حيث أنزل الله -عز وجل- هذه السورة فيما كان من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر الكافرين، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، - رضي الله عنه -، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس الثاني وهو: المحن بوابة الانطلاق نحو المعالى.

قد لا يبلغ الإنسان بعمله المراتب العالية، ويريد الله أن يكرم عبده المؤمن فيرفع درجته بالبلاء إلى منازل لم يكن ليبلغها بعمله المجرد، لذا فبعد أن جاء افتتاح سورة الفتح بالبشرى للرسول - صلى الله عليه وسلم -، جاء بعدها مباشرة الامتنان على المؤمنين بالسكينة وهى الطمأنينة، والاعتراف لهم بالإيمان السابق وتبشيرهم بالمغفرة والثواب، وعون السماء بجنود الله، {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا} (الفتح: ٤ - ٥).

زيادة الإيمان والإذعان والانقياد

قال ابن القيم فى الزاد: «فما سببه -سبحانه- للمؤمنين من زيادة الإيمان والإذعان والانقياد على ما أحبوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضى بقضاء الله وتصديق موعوده، وانتظار ما وعدوا به، وشهود منة الله ونعمته عليهم بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تزعزع لها الجبال، فأنزل الله عليهم من سكينته ما اطمأنت به قلوبهم، وقويت به نفوسهم وازدادوا به إيمانا.

حكم الله لرسوله

وقد جعل الله -سبحانه- هذا الحكم الذي حكم به لرسوله وللمؤمنين سببا لما ذكره من المغفرة لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولإتمام نعمته عليه، ولهدايته الصراط المستقيم، ونصره النصر العزيز، ورضاه به، ودخوله تحته، وانشراح صدره به، مع ما فيه من الضيم وإعطاء ما سألوه، كان من الأسباب التي نال بها الرسول وأصحابه ذلك، ولهذا ذكره الله -سبحانه- جزاء وغاية، وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول والمؤمنين عند حكمه -تعالى- وفتحه، وتأمل كيف وصف -سبحانه - النصر بأنه عزيز في هذا الموطن ثم ذكر إنزال السكينة في قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب وقلقت أشد القلق، فهي أحوج ما كانت إلى السكينة، فازدادوا بها إيمانا إلى إيمانهم».

منة الله على المؤمنين

يقول الشيخ السعدى: «يخبر -تعالى- عن منته على المؤمنين بإنزال السكينة في قلوبهم، وهي السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة، التي تشوش القلوب، وتزعج الألباب، وتضعف النفوس، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه، فالصحابة -رضي الله عنهم- لما جرى ما جرى بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمشركين، من تلك الشروط التي ظاهرها أنها غضاضة عليهم، وحط من أقدارهم، وتلك لا تكاد تصبر عليها النفوس، فلما صبروا عليها ووطنوا أنفسهم لها، ازدادوا بذلك إيمانا مع إيمانهم».

إصلاح نفوس الصحابة

يقول الطاهر بن عاشور:- «ذكر الله عنايته بإصلاح نفوس الصحابة وإذهاب خواطر الشيطان عنهم وإلهامهم إلى الحق في ثبات عزمهم، وقرارة إيمانهم تكوين لأسباب نصر النبي - صلى الله عليه وسلم - والفتح الموعود به ليندفعوا حين يستنفرهم إلى العدو بقلوب ثابتة، ألا ترى أن المؤمنين تبلبلت نفوسهم من صلح الحديبية إذا انصرفوا عقبه عن دخول مكة بعد أن جاؤوا للعمرة بعدد عديد حسبوه لا يغلب، وأنهم إن أرادهم العدو بسوء أو صدهم عن قصدهم قابلوه فانتصروا عليه وأنهم يدخلون مكة قسرا.

اطمئنان النفوس بعد الاضطراب

وقد تكلموا في تسمية ما حل بهم يومئذ فتحا، فلما بين لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما فيه من الخير اطمأنت نفوسهم بعد الاضطراب، ورسخ يقينهم بعد خواطر الشك، فلولا ذلك الاطمئنان والرسوخ لبقوا كاسفي البال شديدي البلبال، فذلك الاطمئنان هو الذي سماه الله بالسكينة، وسمي إحداثه في نفوسهم إنزالا للسكينة في قلوبهم فكان النصر مشتملا على أشياء من أهمها إنزال السكينة، وإنزالها: إيقاعها في العقل والنفس وخلق أسبابها، وأطلق على ذلك الإيقاع فعل الإنزال تشريفا لذلك الوجدان بأنه كالشيء الذي هو مكان مرتفع فوق الناس فألقي إلى قلوب الناس، ولما كان من عواقب تلك السكينة أنها كانت سببا لزوال ما يلقيه الشيطان في نفوسهم من التأويل لوعد الله إياهم بالنصر على غير ظاهره، وحمله على النصر المعنوي لاستبعادهم أن يكون ذلك فتحا، فلما أنزل الله عليهم السكينة اطمأنت نفوسهم، فزال ما خامرها وأيقنوا أنه وعد الله وأنه واقع فانقشع عنهم ما يوشك أن يشكك بعضهم فيلتحق بالمنافقين الظانين بالله ظن السوء».

الرقى والعلو للقلوب

فلولا هذا الحادث لما نزلت هذه السكينة، ولما جاء هذا التكريم، ولما حصل هذا الرقى والعلو لقلوب هذه الثلة المباركة، وسكون النفس وطمأنينتها من أعظم أسباب السعادة في الدنيا والآخرة، وهى كذلك من أهم أسباب النصر والتمكين للمسلمين على أعدائهم من الكفار والمنافقين، وهي جند خفي من جنود الله ما دخل معركة إلا وحسمها، وتأمل في قول الله -تعالى- في حادثة الهجرة: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: ٤٠).

وفي حنين {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (التوبة: ٢٥ - ٢٦)، وفي الحديبية {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الفتح: ٢٦).

جنود الله الخفية

فأنى للمشركين مهما قويت عدتهم وكثر عددهم أن تتنعم قلوبهم بهذه السكينة؟! بل على العكس من ذلك، فهناك جندي آخر من جنود الله الخفية وهو الرعب، ففي بدر يقول الله -تعالى- {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } ( الأنفال: ١٢).

وفي المواجهة مع اليهود يقول الله -تعالى-:- {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (الحشر: ٢ )، هذه نماذج من جنود الله وغيرها كثير كقوله -تعالى-: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} (المدثر: ٣١)، وهذه الجنود مأمورة ومتأهبة لكي تنتقم من الظالمين ولكن الله يؤخرها ويمسكها لعلل وحكم عديدة، هذه الحكم التي من أجلها قدر الله أن يرجع المسلمون دون أن يدخلوا البيت الحرام بعدما عزموا على آداء العمرة وصاروا على مشارف الحرم.

والملاحظ هنا أن نزول السكينة جاء بعدما اطلع الله على ما في قلوبهم من إيمان، وبعد نزول السكينة ارتفعت درجتهم وارتقت قلوبهم وزاد إيمانهم، ومعلوم أن نزول السكينة على القلوب في أوقات الكرب والبلاء والشدة من أعظم ما تحتاج إليه النفوس، وكفى بهذه الطمأنينة نعمة وجزاء من الله.

كم تساوي هذه السكينة؟

ترى كم تساوي هذه السكينة؟! وما الذي يمكن أن يبذله الكفار والمنافقون من أجل أن يحصلوا على معشار هذه السكينة؟ إنها أمور لا يمكن أن تشترى بالمال، ولا علاقة لها بالموازين المادية، ولكن ما المتوقع إذا فرط المسلمون في الأسباب التي يستحقون بها أن تنزل السكينة على قلوبهم؟ ثم ماذا يتوقع إذا أضاف المسلمون إلى ذلك ضعفاً وتأخراً في الأسباب المادية؟ بلا شك أن الغلبة ستكون في جانب غير المسلمين، فالضعف في الأسباب المادية لدى المسلمين قد يجبره الله ويعوضه، أما التقصير في الأسباب الإيمانية فلا كفارة له إلا بتحصيل أسبابها والتمسك بوسائلها، وهذا هو أقصر طريق لتحقيق الظفر والنصر.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 20-06-2021, 06:03 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية (4)
الجزاء من جنس العمل


أحمد الشحات




الحكم والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية أكبر وأجَّل من أن يحيط بها أحد إلا الله الذي أحكم أسبابها، وقد سطَّر القرآن هذه الدروس والفوائد في ثنايا سورة الفتح؛ حيث أنزل الله -عز وجل- هذه السورة فيما كان من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر الكافرين، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، -رضي الله عنه-، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس الرابع وهو: الجزاء من جنس العمل.
المؤمنون الذين تحملوا الضيم وصبروا عليه، فضبطوا أعصابهم من أن تندفع إلى أعمال غير محسوبة، وقيدوا أنفسهم بالإذعان والاتباع قبل أن تظهر لهم الحكم الجلية من الصلح، هؤلاء لا يمكن أن يتساووا مع من أساؤوا الظن بربهم وضنوا بأرواحهم، ولم يُتعبوا نفوسهم، فنأوا بها عن النصب والتعب والمشقة.
بين الصحابة والمنافقين
لذا فإن القرآن بعدما ذكر الصورة الوضيئة التي كان عليها الصحابة، ونالوا بها هذا الشرف والتكريم والرفعة، ذكر الصورة المضادة لها وما ينتظرها من مصير موحش، ما بين غضب ولعنة في الدنيا، وعذاب ونار في الآخرة، {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} الفتح: ٦.
المنافقون وسوء الظن بالله
وقد جمع القرآن بين المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات في صفة ظن السوء بالله وعدم الثقة بنصرته للمؤمنين، وفي أنهم جميعا {عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ} فهم محصورون فيها، وهي تدور عليهم وتقع بهم، ذلك أن النفاق صفة مرذولة لا تقل عن الشرك سوءا، بل إنها أحط؛ لأن أذى المنافقين والمنافقات للمسلمين لا يقل عن أذى المشركين والمشركات، وإن اختلف هذا الأذى وذاك في مظهره ونوعه.
خطر المنافقين
ومع أن النفاق لم يكن له دور بارز في هذه القصة، إلا أن السورة حذرت منهم بشدة، لأن خطرهم على المجتمع الإسلامي ربما يفوق خطر الكافرين الصرحاء الذين يعلنون الحرب ويظهرون العداوة، وما أقبح هذه المكانة التي وُضع فيها المنافقون جنباً إلى جنب مع الكافرين! ولكن سبحان الله! تشابهت القلوب فاتحد المصير.
سبب ذكر المنافقين في السورة
كما أن سبب ذكر المنافقين في السورة رغم خلو معسكر المسلمين من المنافقين في عمرة الحديبية، أنهم تصوروا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المسلمين ذاهبون إلى حتفهم، وأن قريشا سوف تفتك بهم وتقطع دابرهم، وبالتالي رفضوا أن يخرجوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الحديبية ليقينهم أن الإسلام سيضمحل، وأن الكفر سينتصر، وقد كشف الله سريرتهم وفضح باطنهم مع أنهم حاولوا أن يخفوه بأعذارهم الواهية.
أصل مرض المنافقين
وأصل مرض هؤلاء المنافقين هو ضعف ثقتهم في الله، بل سوء ظنهم به في أنه سيسلم أوليائه ويخذل جنده ويترك دينه، والأمر ليس كما ظنوا ولا كما أوحت لهم خيالاتهم المريضة فإن النصر والهزيمة سجال، فهي تدور على المسلمين وعلى غيرهم، ولكن المنافقين عليهم دائرة السوء فهي محكمة عليهم لا مجال للهرب منها أو الخروج عنها إلا أن يطهروا قلوبهم، ويخلصوها من سوء الظن والهزيمة النفسية، وإلا فستظل قلوبهم خرابا هالكة لا أمل في إصلاحها ولا خير يرجى منها.
حال المنافقين
لذلك وصف الله حال المنافقين في موطن آخر فقال:- {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} آل عمران: ١٥٤
جزاء الله للمنافقين
وتأمل كيف جازى الله المنافقين على حميتهم الجاهلية وعلى غطرستهم الكاذبة، فإنهم قد صدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المسلمين حتى لا يتحدث الناس بأن المسلمين دخلوا عليهم مكة عنوة، فكان جزاء ذلك أن دخلها المسلمون عليهم عنوة في أقل من عامين، ولما انتفش الباطل في قلوبهم وأصر سهيل بن عمرو على الشرط الجائر غير المعقول بوجوب تسليم المسلمين لمن فر من قريش إليهم، قدر الله عليهم أن يسارعوا بأنفسهم ليناشدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكف عنهم شر هؤلاء الخارجين عن قريش المرابطين في طريق تجارتهم وقوافلهم، وهذا من أعظم ما يطمئن قلوب المؤمنين حين يعلموا أن الله يدبر لهم ويهيئ لهم من أمرهم رشدا.

الغرور القرشي
وتأمل في رفض سهيل بن عمرو كتابة اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ديباجة الاتفاقية، وقال له لو نعلم أنك رسول الله حقاً ما قاتلناك، وكيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتشدد أمام هذا الغرور القرشي ومحا بيده اسمه الشريف رغبة في إتمام الصلح؟ ها هو ذا القرآن يثبت ما رفض سهيل بن عمرو أن يقر به، فقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}الفتح: ٢٩ شهادة علوية وتكريم خالد، وتشريف وسمو في أفضل كتاب أنزله الله على البشر، ذلك ليعلم الناس أن {اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29-06-2021, 02:20 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية (5)
عقيدة المنافقين الفاسدة



أحمد الشحات




الحكم والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية أكبر وأجَّل من أن يحيط بها أحد إلا الله الذي أحكم أسبابها، وقد سطَّر القرآن هذه الدروس والفوائد في ثنايا سورة الفتح؛ حيث أنزل الله -عز وجل- هذه السورة فيما كان من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر الكافرين، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، - رضي الله عنه -، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس الخامس من الدروس المستفادة من هذا الصلح وهو: أعذار المنافقين مفضوحة وقلوبهم ميتة

أبى المتقاعسون أن يخرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسوء ظنهم بالله، ولتوقعهم الشر والضرر بالمؤمنين الذاهبين إلى قريش في عقر دارها، ولكنَّ المتقاعسين لن يكشفوا عن حقيقة ما في قلوبهم، وسوف يتعللون بأعذار مختلفة، ويسوقون مسوغات واهية، وليس هناك أسهل من العذر الذى يوسوس به الشيطان لكل متقاعس عن نصرة دينه وأمته: {شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا} ولو صح هذا عذراً، لما قام لنصرة دين الله أحد، وإلا فمن من الناس ليس عنده مال وأهل؟!

فضحهم الله أمام أنفسهم

لذا فقد فضحهم الله أمام أنفسهم وأمام المؤمنين، وكشف حقيقة ما تضمره قلوبهم، قال -تعالى-: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (الفتح: ١١)، يقول الشيخ السعدى: «يذم -تعالى- المتخلفين عن رسوله، في الجهاد في سبيله، من الأعراب الذين ضعف إيمانهم، وكان في قلوبهم مرض، وسوء ظن بالله -تعالى-، وأنهم سيعتذرون بأن أموالهم وأهليهم شغلتهم عن الخروج في الجهاد، وأنهم طلبوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لهم.

إقرارهم على أنفسهم بالذنب

قال الله -تعالى-: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فإنَّ طلبهم الاستغفار من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدل على ندمهم وإقرارهم على أنفسهم بالذنب، وأنهم تخلفوا تخلفا يحتاج إلى توبة واستغفار، فلو كان هذا الذي في قلوبهم، لكان استغفار الرسول نافعا لهم؛ لأنهم قد تابوا وأنابوا، ولكن الذي في قلوبهم، أنهم إنما تخلفوا لأنهم ظنوا بالله ظن السوء.

فظنوا {أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا} أي: إنهم سيقتلون ويستأصلون، ولم يزل هذا الظن يزين في قلوبهم، ويطمئنون إليه، حتى استحكم، وسبب ذلك أمران: أحدها: أنهم كانوا {قَوْمًا بُورًا} أي: هلكى، لا خير فيهم، فلو كان فيهم خير لم يكن هذا في قلوبهم. والثاني: ضعف إيمانهم ويقينهم بوعد الله، ونصر دينه، وإعلاء كلمته، ولهذا قال: {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: فإنه كافر مستحق للعقاب، {فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا}».

كشف الله سترهم

ما أصعب أن يكشف الله ستره عن عبده فيفضح سريرته، ويُظهر باطنه، ويتركه كالعريان لا ثوب يستره، ولا رداء يخفي سوأته! فالمنافقون أضمروا سوء الظن بالله، وامتلأت قلوبهم بالباطل المهلك، فتصوروا أن المسلمين لن يعودوا إلى أهليهم بالمدينة مرة أخرى، وقالوا قولتهم المشؤومة: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه فيقاتلهم!

قلوبهم خربة كالأرض البور

لقد ظنوا ظنهم، وزين هذا الظن في قلوبهم، حتى لم يروا غيره، ولم يفكروا في سواه، فهو عندهم يقين جازم وعقيدة راسخة لا تحتمل أن تتخلف أو تتبدل، وهذا الظن السيء ناشئ من أن قلوبهم خربة كالأرض البور التي لا حياة فيها، وماذا يُنتظر من الأرض البور إلا الهلاك والفقر والجدب، وهكذا كانت قلوبهم خالية من الإيمان بالله ومن ثمراته ولوازمه.

بين قلوب الصحابة وقلوب المنافقين

وسبحان الله الحكم العدل! ففي الوقت الذي امتلأ فيه قلب الصحابة سكينة وطمأنينة ورضى ويقينا وثقة، كانت قلوب المنافقين خالية من أسباب الحياة، بل هي بالفعل ميتة وعطبة وهالكة، وهكذا يظن المنافقون وأشباههم في كل زمان ومكان أن المؤمنين لا ينقلبون إلى أهليهم أبدا إذا هم واجهوا الباطل المنتفش بقوته الظاهرة، ومن ثم يتجنبون المؤمنين حبا للسلامة، ويتوقعون في كل لحظة أن يستأصلوا وأن تنتهي دعوتهم فيأخذون هم بالأحوط ويبعدون عن طريقهم المحفوف بالمهالك، ولكن الله يخيب ظنهم ويبدل المواقف والأحوال بتدبيره -سبحانه-، وبحسب ميزان القوى الحقيقية.

ما الذي يخشى منه المنافقون؟

ثم ما الذي يخشى منه المنافقون؟ إنهم بلا شك يخشون القتل، ويخشون أن يصيبهم أذى، وهم قد غفلوا عن أن الله يملك النفع والضر، وأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه لو أراد أن يصيبهم بأذى فمن الذي يعصمه منهم، ومن الذي يحول بينهم وبين حصول النفع إذا كتب الله لهم النصر أو الظفر، أما الموت فهو أجل مقدر محتوم لن يقدمه القتال ولن يؤخره التخلف والقعود، كما قال الله في موطن آخر { ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (آل عمران: ١٥٤).

عقيدة المنافقين

وكما أن يقين المؤمنين أن الإسلام سينتصر، فالمنافقون عقيدتهم أن الاسلام سيضمحل، وهذه العقيدة الفاسدة دفعتهم للتخلف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ظناً منهم أن الاسلام سيزول وأن الكفر سيظهر، ومع ذلك ورغم أنهم في أسوأ حال، وأقبح منظر فإنهم يرون أنفسهم في نعمة عظيمة يحسدهم الناس عليها، لأنهم يظنون أن دوافعهم الخبيثة ونواياهم السيئة موجودة عند كل الناس كما هي عندهم، وأن مقاييسهم الفاسدة الكاسدة هي المقاييس التي يتعامل بها البشر جميعهم.

كشف المنافقين وفضحهم

ومزيد من الكشف والفضح لهؤلاء المتخلفين يقول -تعالى-: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (الفتح: ١٥)، يقول ابن كثير: “ يقول -تعالى- مخبرا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الحديبية؛ إذ ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها، أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ألا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم. فإن الله -تعالى- قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعا وقدرا؛ ولهذا قال: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}».

قلوبهم مريضة

وتأمل في دنو نفوس هؤلاء القوم كيف أنهم رضوا بأن يخرجوا مع المسلمين في مؤخرة الجيش في مقام الأتباع، لمعرفتهم أن في هذا الخروج نفعا عائدا عليهم، فهم راضون متقبلون لذلك في نظير أن ينالوا شيئاً من المغنم، فقلوبهم المريضة لا تفهم إلا اللغة المادية، ولا تهتم إلا بالزينة والمتاع، وليس عندهم مسحة خجل أو حياء تزجرهم عن إظهار هذا التناقض الفج، فهم بالأمس القريب امتنعوا من الخروج خشية أن يصابوا بمكروه أو أذى، بينما هم اليوم لا يتورعون عن طلب الخروج عندما أمنوا على أنفسهم وقوع الضرر.


النفوس الضعيفة

والحقيقة أن النفوس الضعيفة لا تقوى على التكاليف الشاقة، كما قال -تعالى-: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: ١٦)، فالجاهلون بحكمة الله -عز وجل- في تقديره للأمور، وأنه -عز وجل- لا يظلم مثقال ذرة، لا يُسعفهم ذكاؤهم في فهم ما يدور حولهم، فالله -عز وجل- قدر أن يكون جزاء المتخلفين الطامعين أن يحرموا، وأن يكون جزاء الطائعين المتجردين أن يعطوا من فضل الله، وأن يختصوا بالمغنم حين يقدره الله، ولكنهم يريدون المغنم بلا بذل جهد، ويطلبون الجزاء الوفير مع الاستمرار في الراحة والسكون والدعة.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 07-07-2021, 05:33 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية (6)

تعظيم الشريعة للدماء



أحمد الشحات



سطَّر القرآن الكريم الدروس والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية في ثنايا سورة الفتح؛ وقد جعل -الله -تعالى-- ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، - رضي الله عنه -، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس السادس وهو تعظيم الشريعة للدماء

واسى الله -عز وجل- النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الصحابة، فأخبرهم بأن كفر قريش حقيقة واقعة لا مجال لإنكارها، بل قد جمعوا إلى الكفر جريمة الصد عن البيت، فهم مستحقون للذم والعقوبة من كل وجه، والله -عز وجل- يعلم ذلك، ولكن قدر الله كف الأيدي ومنع القتال اتقاءً للمفاسد المتوقع حدوثها من جراء وقوع القتال، ومن أظهر هذه المفاسد أن يسفك المسلمون دم إخوانهم دون أن يعلموا.

حرص الشرع على تعظيم أمر الدماء

فهناك داخل مكة مؤمنون مستضعفون يسرون إيمانهم، لا يعلم أحد حقيقتهم، فلو قدر الله وقوع القتال، واجتيحت مكة من جانب الجيش المسلم، ربما وقع منهم قتل لهؤلاء المؤمنين دون أن يعلموا حقيقتهم، ومن ثم يلحق بالمسلمين الإثم والأذى بسبب قتلهم والاعتداء عليهم، وهنا يظهر مدى حرص الشرع على تعظيم أمر الدماء وعدم الاستهانة بها حتى لو ستسفك من قبيل الخطأ والجهل، فلم يقل أحد وماذا على المسلمين من إثم إذا قتلوهم دون أن يعلموا؟ وماذا يصيب المستضعفين من أذى إذا قتلوا بالخطأ؟ فهم عند الله من الشهداء.

ذلك لأن الشريعة لا تتعامل مع أمر الدماء بهذه الطريقة المستهترة التي يترتب عليها سفك الدماء المحرمة، والتعدي على حياة الناس دون إخبارهم، والادعاء بأنهم بذلك يقدمونهم شهداء، وهذا من السفه والجهل، فإنه لا يجوز لأحد أن يعرض حياة غيره للخطر لهدف في نفسه لا يعلمه ذلك المسكين المغرر به.

ليس كل قتال جهادا

كما لا يجوز لأحد أن يزهق روحه دون وجه شرعي، ويظن أنه بذلك يضحي من أجل العقيدة ونصرة الدين، فليس كل قتال أو مواجهة تكون جهاداً في سبيل الله، يفوز من يُقتل تحت رايته بالشهادة؛ فإن الجهاد هو استفراغ الوسع، وبذل الجهد، وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته، أما غير ذلك من فليس من باب الجهاد المعروف.

قال -تعالى-: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الفتح: ٢٥).

قال الشيخ السعدى:- «ذكر -تعالى- الأمور المهيجة على قتال المشركين، وهي كفرهم بالله ورسوله، وصدهم رسول الله ومن معه من المؤمنين، أن يأتوا للبيت الحرام زائرين معظمين له بالحج والعمرة، وهم الذين أيضا صدوا {الهدي مَعْكُوفًا} أي: محبوسا {أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} وهو محل ذبحه وهو مكة، فمنعوه من الوصول إليه ظلما وعدوانا، وكل هذه أمور موجبة وداعية إلى قتالهم.

مانع القتال

ولكن ثم مانع، وهو: وجود رجال ونساء من أهل الإيمان بين أظهر المشركين، وليسوا متميزين بمحلة أو مكان يمكن ألا ينالهم أذى، فلولا هؤلاء الرجال المؤمنون، والنساء المؤمنات، الذين لا يعلمهم المسلمون أن تطؤوهم، أي: خشية أن تطؤوهم {فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ} والمعرة: ما يدخل تحت قتالهم، من نيلهم بالأذى والمكروه، وفائدة أخروية، وهو: أنه ليدخل في رحمته من يشاء ممن آمن بعد الكفر، وبالهدى بعد الضلال، فيمنعكم من قتالهم لهذا السبب.{لَوْ تَزَيَّلُوا} أي: لو زالوا من بين أظهرهم {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} بأن نبيح لكم قتالهم، ونأذن فيه، وننصركم عليهم».

حكمة يتلطف الله -تعالى بها على المؤمنين

فلم يكن إذًا كف الله للمؤمنين عنهم إبقاءً عليهم لأن جرمهم صغير، كلا! إنما كان ذلك لحكمة أخرى يتلطف الله -سبحانه- فيكشف عنها للمؤمنين: «وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ، أَنْ تَطَؤُهُمْ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ»، فلقد كان هنالك بعض المستضعفين من المسلمين في مكة لم يهاجروا، ولم يعلنوا إسلامهم تقية في وسط المشركين. ولو دارت الحرب، وهاجم المسلمون مكة، وهم لا يعرفون أشخاصهم، فربما وطؤوهم وداسوهم وقتلوهم. فيقال: إن المسلمين يقتلون المسلمين! ويلزمون بدياتهم حين يتبين أنهم قتلوا خطأ وهم مسلمون.

حكمة هداية الكافرين

ثم هنالك حكمة أخرى، وهي أن الله يعلم أن من بين الكافرين الذين صدوهم عن المسجد الحرام، من قسمت له الهداية، ومن قدر له الله الدخول في رحمته، بما يعلمه من طبيعته وحقيقته ولو تميز هؤلاء وهؤلاء لأذن الله للمسلمين في القتال، ولعذب الكافرين العذاب الأليم: {لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.. وهكذا يكشف الله للجماعة المختارة الفريدة السعيدة عن جانب من حكمته المغيبة وراء تقديره وتدبيره.

فقه الموازنات وفقه المآلات

وقد دل الموقف على اعتبار النبي - صلى الله عليه وسلم - لفقه الموازنات وفقه المآلات وفقه المصالح والمفاسد، «فبين رغبتين جامحتين: رغبة لقريش ألا يدخل عليهم مكة هذا العام أبدا، ورغبة المسلمين أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت الحرام، ورجوعهم هزيمة عسكرية لهم، بين هاتين الرغبتين الجامحتين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوازن بآفاق أبعد وآماد أرحب، وهل من هزيمة أعظم من قبول قريش المصالحة وبعثه وفد بذلك، قريش قبل عام واحد تحاصر المسلمين مع من جيشت من العرب، وتأتيهم من فوقهم ومن أسفل منهم وهي اليوم تبعث وفدا للمصالحة مع المسلمين على مشارف مكة.

نصر كبير ولا شك

إنه نصر كبير ولا شك، والنصر الآخر هو أن تقف مكة على الحياد، وتقف الحرب في جزيرة العرب، وتفتح أبواب الجزيرة أمام المد الإسلامي. إنه نصر ساحق ولا شك، وأن يعود المسلمون في العام القادم ويدخلوا مكة باعتراف رسمي وحماية رسمية دون أن يتعرض لهم أحد بسوء، إنه نصر كبير ولا شك، وأن تفتح قريش صفحة جديدة مع المسلمين وتعترف بكيانهم ودولتهم، ويسود الأمن والود بين الفريقين. ويفتح باب الحوار الجديد مع قادة مكة من موقع القوة.


الرغبة في إسلام أهل مكة


هذا من جهة، ومن جهة ثانية: ماذا يعني إصرار المسلمين على دخول مكة عنوة؟ إن أول معانيه، أن يكون الحقد والثأر هو الذي يطبع نفوس أهل مكة جميعا، وهذا يسد إلى فترة غير قليلة باب الدخول في الإسلام أو التفكير به، وما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغيب عن قلبه أبدا رغبته في إسلام أهل مكة. وهذه خسارة فادحة، وأن تقع معركة غير متكافئة يسقط فيها مئات الشهداء من المسلمين لدخول مكة، وهم قرة عينه وخيرة جنده، فهذه خسارة فادحة ثانية، وأمام هذه التوازنات جميعا وبتسديد الوحي، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماضيا في خطته، لا يراوده فيها أدنى شك، نلحظ ذلك من خلال إجابته الواضحة الصارمة لعمر بن الخطاب: «أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني».



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29-07-2021, 10:20 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية


(7) ضبط النفس وكظم الغيظ


أحمد الشحات




سطَّر القرآن الكريم الدروس والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية في ثنايا سورة الفتح، وقد جعل الله -تعالى- ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، - رضي الله عنه -، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس السابع وهو جرائم الكفر لا تمنع المؤمنين من ضبط النفس وكظم الغيظ.
كيف تعامل المؤمنون مع حمية الجاهلية التي وصفها الله بقوله:- {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} (الفتح: ٢٦)، تلك الحمية النابعة من الكبر والغرور والغطرسة، التي جعلتهم يقفون في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه يمنعونهم من المسجد الحرام، ويحبسون الهدي الذي ساقوه، في سابقة لم تعرفها العرب، وذلك حتى لا تقول العرب إنه دخلها عليهم عنوة، تلك الحمية التي تبدت في رد سهيل بن عمرو لاسم الرحمن الرحيم، ولإنكاره لصفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثناء كتابة الاتفاقية.
الحمية من خلق أهل الجاهلية
وقد أضاف القرآن الحمية إلى الجاهلية لبيان تحقيرها وتشنيعها؛ فإنها من خلق أهل الجاهلية الذي استحقوا به الذم، ولحق بهم بسببها العار والشنار، فهم لا يدافعون عن قضية عادلة، أو حق ظاهر، وإنما امتلأت قلوبهم بالعقائد الفاسدة والتصورات الكاسدة.
حفظ الله للصحابة من الغضب
أما المؤمنون فقد ودوا أن يقاتلوا المشركين وأن يدخلوا مكة عنوة غضبا من صدهم عنها، ولكن الله صرف عن قلوبهم هذا الغضب؛ إذ لو ترك هذا الغضب المشتعل في القلوب لأقام حربًا لا نهاية لها، ولكن الله أراد أمرًا آخر، فأنزل عليهم السكينة، أي جعل في قلوبهم الثبات والطمأنينة، فعصمهم من مقابلة الحمية بالغضب والانتقام، فقابلوا الحمية بالتعقل والتثبت فكان في ذلك خير كثير.
أهداف النبي - صلى الله عليه وسلم
وما أسهل أن ينقاد الإنسان لعواطفه، ويطلق لها العنان! وما أسهل من أن يستجيب القائد لضغط جنوده المتحمسين، فيوردهم مواطن الردى تحت شعار الشجاعة والإقدام وصدق البذل! لذا لم يكن موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين سهلا في أثناء مفاوضات الهدنة وبعدها حتى عودتهم إلى المدينة المنورة، فقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعرف أهدافه القريبة والبعيدة ويعمل على تحقيقها بصبر وأناة وإصرار، ولكن كيف السبيل الى إفهام كل تلك الأهداف للمسلمين في مثل تلك الظروف؟
ما أصعب موقف المسلمين!
أما المسلمون، فما أصعب موقفهم! لم يكن أحد منهم يشك في دخول مكة، فانهارت آمالهم في أثناء المفاوضات، ولم يكن أحد يفهم ما يسوغ الهدنة، فشاهدوا هذه الهدنة أمرا مفروغا منه، وكانت عقيدتهم تطغى على كل شيء سواها، فوجدوا إخوانهم المستضعفين من المسلمين يردّون إلى المشركين ليفتنوهم عن دينهم، ولو كان المسلمون ضعفاء أو يشعرون بالضعف لهان الخطب، ولكنهم كانوا أقوياء ماديا ومعنويا، فكيف يقتنعون بالهدنة في شكلها وأسلوبها الذي كان؟
إن حسن إدارة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتلك المفاوضات وبعدها، على الرغم من تذمر بعض المسلمين، وضبط المسلمين لانفعالاتهم في مثل ذلك الموقف على الرغم من حنق بعضهم على المفاوضات والهدنة، كل ذلك يدل على تحلي المسلمين حينذاك بالضبط المتين بشكل يدعو الى الإعجاب الشديد.
الحكمة من العفو
وقد أشار القرآن إلى الحكمة من العفو وحبس النفس عن الانتقام، فقال -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} (الفتح: ٢٤)، فإنه لما كان المسلمون مرابطين في الحديبية، هبط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح، من قبل جبل التنعيم، يريدون غرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد أسرهم سلمة بن الأكوع حين جاؤوا بأولئك السبعين الأسارى فأوثقوهم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إليهم وقال: «أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه». وفي ذلك أنزل الله هذه الآية.

كف الأيدي عن القتال
وهذه الآية أشارت إلى أن كف الأيدي عن القتال يسره الله رفقا بالمسلمين وإبقاء على قوتهم، والمراد أنه لم يكفهم عنكم ولا كفكم عنهم إلا الله -تعالى-، فإنهم كانوا يريدون الشر بكم، وأنتم حين أحطتم بهم كنتم تريدون قتلهم أو أسرهم فإن دواعي امتداد أيديهم إليكم وامتداد أيديكم إليهم متوفرة، فلولا أن الله قدر موانع لهم ولكم لاشتبكتم في القتال، فكف أيديهم عنكم بأن نبهكم إليهم قبل أن يفاجئوكم، وكف أيديكم عنهم حين أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يعفو عنهم ويطلقهم.
قال ابن كثير: «هذا امتنان من الله على عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكف أيدي المؤمنين من المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلا الفريقين، وأوجد بينهم صلحا فيه خير للمؤمنين، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة».

كف الله الأعداء عن المسلمين
في المقابل يتعجب الإنسان كيف يكف الله يد الأعداء عن المسلمين في كل زمان ومكان رغم امتلاكهم لأنواع من القوة الهائلة؟ وكيف ألجمهم عن إبادة المسلمين عن بكرة أبيهم؟ قدَّر الله ذلك ليعلم المؤمنون أن الله على كل شيء قدير، وأن الأسباب المادية لا تكفي وحدها لتحقيق النصر والتمكين، بل إن تأجج الإيمان في قلوب المؤمنين كفيل بأن يقلب الموازين، وأن يغير النتائج.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21-08-2021, 10:29 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية (9)
- الصحابة هم الأساس الذي قام عليه صرح الإسلام


أحمد الشحات




سطَّر القرآن الكريم الدروس والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية في ثنايا سورة الفتح، وقد جعل -الله -تعالى- ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، -رضي الله عنه-، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس التاسع وهو الصحابة هم الأساس الذي قام عليه صرح الإسلام.

يكافئ القرآن الصحابة الذين بايعوا على الموت فيقول: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (الفتح: ١٨ - ١٩)، فالله -عز وجل- قد رضي عن المؤمنين من أجل مبايعتهم على الموت، فلما بايعوا وتحفزوا لقتال المشركين ووقع الصلح حصل لهم حزن في نفوسهم؛ فأعلمهم الله أنه اطلع على ما في قلوبهم من الحزن، وأثنى على حبهم نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقول والفعل؛ ولذلك رتب على هذه الرغبة نزول الطمأنينة والثقة بتحقيق ما وعدهم الله من الفتح القريب.

فتح خيبر

وهذا الفتح هو فتح خيبر فإنه كان خاصا بأهل الحديبية وكان قريبا من يوم البيعة بنحو شهر ونصف، والمغانم الكثيرة المذكورة هنا هي: مغانم أرض خيبر، وفائدة وصف المغانم بجملة (يأخذونها) هو تحقيق حصول فائدة هذا الوعد لجميع أهل البيعة قبل أن يقع بالفعل، ففيه زيادة تحقيق لكون الفتح قريبا وبشارة لهم بأنهم لا يهلك منهم أحد قبل رؤية هذا الفتح.

ثناء الوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته

وقد أثنى الوحى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى صحابته ثناءً راقياً في قرآن يُتلى إلى يوم الدين، فقال -تعالى-: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}(الفتح: ٢٩).

أحوال عجيبة

إنها أحوال عجيبة يسطرها القرآن الكريم بأسلوبه البديع، لجماعة المسلمين، فحال مع أنفسهم ومع الكفار: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» وحال يبين هيئتهم في عبادتهم: «تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً»، وحال يخبر عما يشغل قلوبهم ويجيش بها: «يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً»، وحال يوضح أثر العبادة والتوجه إلى الله في سمتهم وسحنتهم وسماتهم: «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ»، «ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ».. وهذه صفتهم فيها، وأحوال متتابعة لهم كما هم في الإنجيل.. «كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ» «فَآزَرَهُ».. «فَاسْتَغْلَظَ» «فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ». «يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ»..: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ»..

مشاهد شتى للمؤمنين

وقد وصفت الآية مشاهد شتى للمؤمنين، تلك اللقطات التي تتناول الحالات الثابتة في حياتهم، ونقط الارتكاز الأصيلة في هذه الحياة. وتبرزها وتصوغ منها الخطوط العريضة في الصور الوضيئة، وإرادة التكريم واضحة في اختيار هذه اللقطات، وتثبيت الملامح والسمات التي تصورها. التكريم الإلهي لهذه الجماعة السعيدة.

أشداء على الكفار

إرادة التكريم واضحة، وهو يسجل لهم في المشهد الأول أنهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ».. أشداء على الكفار وفيهم آباؤهم وإخوتهم وذوو قرابتهم وصحابتهم، ولكنهم قطعوا هذه الوشائج جميعا. رحماء بينهم وهم فقط إخوة دين. فهي الشدة لله والرحمة لله. وهي الحمية للعقيدة، والسماحة للعقيدة، فليس لهم في أنفسهم شيء، ولا لأنفسهم فيهم شيء. وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم، كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها، يشتدون على أعدائهم فيها، ويلينون لإخوتهم فيها، قد تجردوا من الأنانية ومن الهوى، ومن الانفعال لغير الله، والوشيجة التي تربطهم بالله.

هيئاتهم وحالاتهم

وإرادة التكريم واضحة وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم، هيئة الركوع والسجود وحالة العبادة: «تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً»، والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيثما رآهم. ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة، وهي الحالة الأصلية لهم في حقيقة نفوسهم فعبر عنها تعبيرا يثبتها كذلك في زمانهم، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركعا سجدا.

بواطن نفوسهم

والمشهد الثالث مثله، ولكنه مشهد لبواطن نفوسهم وأعماق سرائرهم: «يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً».. فهذه هي صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة. كل ما يشغل بالهم، وكل ما تتطلع إليه أشواقهم، هو فضل الله ورضوانه. ولا شيء وراء الفضل والرضوان يتطلعون إليه ويشتغلون به.

أثر العبادة الظاهرة

والمشهد الرابع يثبت أثر العبادة الظاهرة والتطلع المضمر في ملامحهم، ونضحها على سماتهم: «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ»، سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف، وليست هذه السيما هي النكتة المعروفة في الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله: «مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ».. فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة، واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية لله في أكمل صورها. فهو أثر هذا الخشوع. أثره في ملامح الوجه، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة. ويحل مكانها التواضع النبيل، والشفافية الصافية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلا.

مشاهد ثابتة

وهذه الصورة الوضيئة التي تمثلها هذه المشاهد ليست مستحدثة، إنما هي ثابتة لهم في لوحة القدر ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة: «ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ».. وصفتهم التي عرفهم الله بها في كتاب موسى، وبشر الأرض بها قبل أن يجيئوا إليها. «وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ».. وصفتهم في بشارته بمحمد ومن معه، أنهم: «كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ».. فهو زرع نام قوي، يخرج فرخه من قوته وخصوبته. ولكن هذا الفرخ لا يضعف العود بل يشده. «فَآزَرَهُ». أو أن العود آزر فرخه فشده. «فَاسْتَغْلَظَ» الزرع وضخمت ساقة وامتلأت. «فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ» لا معوجا ومحنيا. ولكن مستقيما قويا سويا.

هذه صورته في ذاته. فأما وقعه في نفوس أهل الخبرة في الزرع، العارفين بالنامي منه والذابل، المثمر منه والبائر. فهو وقع البهجة والإعجاب: «يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ». وفي قراءة يعجب «الزارع».. وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحب هذا الزرع النامي القوي المخصب البهيج.. وأما وقعه في نفوس الكفار فعلى العكس. فهو وقع الغيظ والكمد: «لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ».. وتعمد إغاظة الكفار يوحي بأن هذه الزرعة هي زرعة الله، أو زرعة رسوله، وأنهم ستار للقدرة وأداة لإغاظة أعداء الله! وهذا المثل كذلك ليس مستحدثا، فهو ثابت في صفحة القدر، ومن ثم ورد ذكره قبل أن يجيء محمد ومن معه إلى هذه الأرض، ثابت في الإنجيل في بشارته بمحمد ومن معه حين يجيئون.

صفة هذه الجماعة المختارة

وهكذا يثبت الله في كتابه الخالد صفة هذه الجماعة المختارة، صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. فتثبت في صلب الوجود كله، وتتجاوب بها أرجاؤه، وهو يتسمع إليها من بارئ الوجود، وتبقى نموذجا للأجيال، تحاول أن تحققها، لتحقق معنى الإيمان في أعلى الدرجات، وفوق هذا التكريم كله، وعد الله بالمغفرة والأجر العظيم: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً».. وهو وعد يجيء في هذه الصيغة العامة بعد ما تقدم من صفتهم، التي تجعلهم أول الداخلين في هذه الصيغة العامة. مغفرة وأجر عظيم.. وذلك التكريم وحده حسبهم، وذلك الرضى وحده أجر عظيم، ولكنه الفيض الإلهي بلا حدود ولا قيود، والعطاء الإلهي عطاء غير مجذوذ».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 28-08-2021, 03:33 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 70,799
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس مستفادة من صلح الحديبية

دروس مستفادة من صلح الحديبية (10)
مقاومة اليأس والإحباط وبث الأمل


أحمد الشحات


سطَّر القرآن الكريم الدروس والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية في ثنايا سورة الفتح، وقد جعل -الله -تعالى- ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود، -رضي الله عنه-، وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، واليوم مع الدرس التاسع وهو الصحابة هم الأساس الذي قام عليه صرح الإسلام.

سطَّر القرآن الكريم الدروس والفوائد التي تضمنها صلح الحديبية في ثنايا سورة الفتح، وقد جعل الله -تعالى- ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية. واليوم مع الدرس العاشر وهو مقاومة اليأس والإحباط وبث الأمل.


ختمت سورة الفتح بخاتمة عظيمة، تفتح آفاق الأمل وأبواب الرجاء لهذا الجيل العظيم من الصحابة ولمن جاء بعدهم، ولترسخ الحقيقة الثابتة التي لا تتخلف من أن وعد الله صادق، وأن النصر لأوليائه من المؤمنين وإن طال بهم الزمان، {لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (الفتح: ٢٧ - ٢٨).

يقين الصحابة -رضوان الله عليهم

قال ابن كثير:- «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أري في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت؛ فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح ورجعوا عامهم ذلك على أن يعودوا من قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟» قال: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به». وبهذا أجاب الصديق - رضي الله عنه -، أيضا حذو القذة بالقذة؛ ولهذا قال -تعالى-: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله}، وهذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء.


إثبات الأمن وعدم الخوف

وقوله: {آمنين} أي: في حال دخولكم، وقوله: {لا تخافون}: حال مؤكدة في المعنى، فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفي عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد. وقوله: {فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} أي: فعلم الله -تعالى- من الخيرة والمصلحة في صرفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموا أنتم، {فجعل من دون ذلك} أي: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، {فتحا قريبا}: وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين.

تبشير المؤمنين بالنصر

ثم قال -تعالى-، مبشرا للمؤمنين بنصرة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- على عدوه وعلى سائر أهل الأرض: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} أي: بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فإن الشريعة تشتمل على أمرين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل، {ليظهره على الدين كله} أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم ومليين ومشركين، {وكفي بالله شهيدا} أي: أنه رسوله، وهو ناصره»، فوعد الله صادق وإن تأخرت معالمه أو أماراته، وينبغي للمسلم أن يوقن أن إرادة الله غالبة ومشيئته نافذة كما قال تعالى:- {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (الفتح: ٧). فالله -عز وجل- قدر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أن يرجعوا عن البيت، وهم أحق الناس به، وليس هذا الأمر مرده إلى العجز أو الضعف أو الجبن، فلله في السماوات والأرض جنود لا يعلمها إلا هو -عز وجل-، ولو سلطها على أعداء أوليائه ورسله لأبادوهم عن بكرة أبيهم في لحظات معدودة.

وقد هلكت أقوام قبل ذلك بحشرات ضعيفة حقيرة مثل الضفادع والقمل وغيرها، ولكن الله عليم فيما يقدره، حكيم في أفعاله، يقول ابن كثير: - «لو أرسل الله عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه -تعالى- شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة، ثم قال مؤكدا لقدرته على الانتقام من الأعداء (أعداء الإسلام من الكفرة والمنافقين): {ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما}».

النهاية القوية والبشارة الرائعة

بهذه النهاية القوية وتلك البشارة الرائعة خُتمت السورة، لتبقى النفوس مستبشرة، والقلوب مطمئنة بنصر الله وبصدق وعده، وأنه مهما صال الباطل وجال، ومهما طالت به حياة، فإنه إلى زوال ونهاية، فالله -عز وجل- وعد أن النصر النهائي والجولة الأخيرة للمؤمنين، وهذا أمر تكرر كثيراً قبل ذلك كما حكى الله عن بني إسرائيل في صراعهم مع فرعون:- {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} (الأعراف: ١٣٧).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 166.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 160.69 كيلو بايت... تم توفير 5.53 كيلو بايت...بمعدل (3.33%)]