استقبال الأرواح في بلاد الأفراح - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

 

اخر عشرة مواضيع :         نصائح التنظيف الأساسية التي يمكن لأي شخص استخدامها (اخر مشاركة : لامييس - عددالردود : 5 - عددالزوار : 518 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3003 - عددالزوار : 373644 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2408 - عددالزوار : 159794 )           »          طريقة عمل الجمبرى بصوص الكريمة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          طريقة عمل استيك اللحم والبطاطس (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          طريقة عمل الكشرى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          طريقة عمل محشى ورق العنب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          طريقة عمل مكرونة مع كور اللحم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          أخاف من الزواج ومسؤولياته (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          كيف أتخلص من ترسبات الماضي؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-10-2020, 02:18 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,285
الدولة : Egypt
افتراضي استقبال الأرواح في بلاد الأفراح

استقبال الأرواح في بلاد الأفراح


الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد




إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ [الأحزاب:70، 71].
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أعاذنا الله وإياكم وسائر المسلمين من النار، ومن كل عمل يقرب إلى النار، اللهم آمين.

عباد الله؛ عنوان هذه الخطبة: استقبال الأرواح في بلاد الأفراح، أرواحنا خلقها مقدم وسابق على وجود الأجساد، فالأرواح خلقت منذ آدم عليه السلام، ثم تأتي إلى الأجساد في الوقت والمكان والزمان المناسب، عن طريق الزواج وما شابه ذلك، لذلك ورد في مسند أحمد، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ" -يَعْنِي في جبل عَرَفَةَ- "فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ"، -يعني كالنمل الصغير- "ثُمَّ كَلَّمَهُمْ" -سبحانه- "قُبُلًا فَقَالَ: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [1].

فأرواحنا خلقت منذ آدم عليه السلام.

وإذا آن الأوان تدخل الروح جسد صاحبها، إذا آن الأوان، متى؟ بعد أن يتزوج الرجل المرأة، وتكون النطفة في الرحم، وهذا ما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم، فمتى تأتي الروح إلى جسد الإنسان؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا"، -وهو ماء نطفة- "ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ"، -أربعين أخرى- "ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ"، -مائة وعشرون يوما يتحرك الجنين، أصبح خلقا آخر- "فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ". [2]

وهذا سؤال يا عباد الله! والجواب واضح: هل لنا من خيرة في خلق الأرواح، روحك أنت؛ هل لك اختيار في إيجادها؟ هذا الجسد؛ هل لك في اختياره ووجوده يا عبد الله؟ ليس لنا اختيارُ جنْسِنا ولا جنسيتِنا؛ فلا نختار أن نكون ذكورا أو إناثا، ولا نختار صفاتِنا الخَلقية، ولا ألوانَنا سودا أو بيضا، ما اخترنا هذا، وليس في أيدينا، ولا أن نختار وجوها صبيحة أو وجوها قبيحة، هذه كلها ليست بأيدينا، وولادتنا ليس في أيدينا، وليست باختيارنا، ولفائفها وقماطها لا نختاره نحن، حتى اللفافة والقماطة التي توضع على الطفل الصغير يلبسونه إياها غيرنا، أهلونا وليس لنا أن نختار من ذلك شيئا.
وملابسنا لا اختيار لنا فيها إلا عند الإدراك، وعند العقل والتمييز، عندها نعيش في حياتنا الدنيا، فنختار ما نشاء من لباس، وما نشتهي من طعام أو شراب، ونعمل ما نريد للدنيا والآخرة، من حسنات أو سيئات.

ثم إذا آن أوان خروج الروح، وحان رحيلُها، سُلب هذا الاختيار منا مرة أخرى، وصار ما يجري له لا إرادة للمتوفى فيه ولا مشيئة. فتُنزع ثيابه، فلا يمانع، ويجرّدُ من لباسه، فلا يعترض، ويغسّل ويكفّن بقطع من القماش الأبيض، لا اختيار له فيها، كما نزل من بطن أمِّه مجردٌ فلفَّفوه بقماطه.

يصلوُن عليه، يحملونه على الأكتاف، ويتوجهون به محمولا إلى آخر منزل من منازل الدنيا، وأوّلِ منزل من منازل الآخرة؛ إلى القبر.

أما رُوح المؤمن إذا خرجت من هذا الذي الجسد الذي دخلت فيه، فتحفُّها الملائكة، ويضعونها بكفن، في أقمشة الحرير، ولونه أبيض، وتفوح منها الروائح الطيبة.

فالناس يحملون جسد الميت إلى قبره، والملائكة يحملون روحه إلى بارئها سبحانه وتعالى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ"؛ -هذا في النزاع الأخير- "أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ، حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا" -هذه الروح التي ماتت قبل قليل، ذهبوا بها إلى أرواح المؤمنين، فيفرح المؤمنون الذين سبقونا في الممات- "بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ -أرواح الذين ماتوا يسألون الروح القريبة التي جاءت- "مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا"، -الرجال تعبان، وقادم من سفر بعيد، من دنيا إلى آخرة دعوه- "فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟!" -يسألونه عن فلان- "قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ"، -ما دام غير موجود مع المؤمنين إذًا ذُهِب به إلى النار، نسأل الله العافية.-

"وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ" -يعني بخِرَقٍ خشنة- "فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الْأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ". [3]

إذا احتُضر المؤمن يا عباد الله! وعلمنا نحن أنه سيفارق هذه الحياة، استمعنا عن إنسان وهو يحتضر، هل يشرع أن نبعث معه سلاما إلى من سبقنا من الأموات، وإلى من توفي قبلنا؟! إلى أم افتقدناها، أو إلى أب افتقدناه، أو إلى زوجة أو زوج أو ما شابه ذلك، نقول لهذا المحتضر وهو حي، سلّم على فلان، هل يشرع ذلك؟

الجواب في هذا الحديث وهذا الأثر، الذي رواه ابن ماجة والإمام أحمد والنسائي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عن كعب بن مالك، ورحم الله عبد الرحمن- قَالَ: (لَمَّا حَضَرَتْ كَعْبًا رضي الله عنه الْوَفَاةُ، أَتَتْهُ أُمُّ بِشْرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ رضي الله عنهم)، -أمُّ بشر صحابية، وابنها صحابي، وأبوها صحابي فرضي الله عنهم، حضرت إلى أبيّ بن كعب- فَقَالَتْ: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِنْ لَقِيتَ ابْنِي -تَعْنِي مُبَشِّرًا-) -فابناها بشرا ومبشرا، فمبشر هذا توفي قبلها- (فَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلَامَ)، فَقَالَ: (غَفَرَ اللهُ لَكِ يَا أُمَّ بِشْرٍ! نَحْنُ أَشْغَلُ مِنْ ذَلِكَ)، -سيكون هناك شغل مع كل إنسان، ربما لا نستطيع أن نبلِّغ هذه الرسالة أو نحملها- فَقَالَتْ: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ!) أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ، تَعَلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ عز وجل إِلَى أَجْسَادِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ")؟! قَالَ: (بَلَى!) قَالَتْ: (فَهُوَ ذَاكَ). [4]

قال أبو عمر: [مَنْ رَوَى تَعْلَقُ، بِفَتْحِ اللَّامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَسْرَحُ، وَمَنْ رَوَى تَعْلُقُ، بِضَمِّ اللَّامِ؛ فَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: تَأْكُلُ وَتَرْعَى...]. [5]

فلا مانع إذن إذا رأينا إنسانا يحتضر أن نقول له: سلم على فلان أو فلانة، هذا فعلهم.

وإذا سألت يا عبد الله! عن تزاور الأموات؛ هل يتزاورون فيما بينهم؟ هل يزور بعضهم بعضا أم لا؟ الحديث الصحيح يؤكد ذلك التزاور، وأن هناك تزاور بين الأموات، لكنه ليس بالأجساد كما في الدنيا؛ بل بالأرواح، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه على هذا السؤال، فأم هانئ رضي الله عنها قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مِتْنَا؟ وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟) -لماذا هي تسأل هذا السؤال؟ لأن هذا من علم الغيب يا عباد الله! الذي لا يعلم إلا عن طريق الوحي من الله، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغيب لم يكشف لنا نسأل عنه ونبحث عنه فهي تسأل رسول الله عن هذا العلم الذي لم يكشف لنا-: (أَنَتَزَاوَرُ إِذَا مِتْنَا؟ وَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا؟) فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تَكُونُ النَّسَمُ"، -والنسم جمع نسمة أي الأرواح؛ أرواح المؤمنين وأرواح الناس- "تَكُونُ النَّسَمُ طَيْرًا تَعَلَقُ" -ومعنى تعلُق تأكل وترعى، ومعنى تعلق بفتح اللام تسرح وتمرح في الجنة- "بِالشَّجَرِ"، حَتَّى إِذَا كَانُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، دَخَلَتْ كُلُّ نَفْسٍ فِي جَسَدِهَا". [6]

إذن يتزاورن على الشجر، هناك تَتَزاور الأرواح؛ أرواح المؤمنين وتتقابل، ويستقبلون الأموات الجدد والأرواح الجدد، وربما أنت إذا نمت، والنائم متوفى، والله عز وجل يقول: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الزمر: 42]، فلذلك عندما تصعد روح النائم وهو متوفى الآن، فتصعد إلى الله ويرجعها الله سبحانه وتعالى إذا شاء، فربما إذا صعدت روح النائم أن تلتقي مع أرواح الموتى، لكن لا مباشرة، ولا يكون هناك كلام، ولا يحدث شيء؛ لأن الأرواح لا تعلم عن الدنيا شيئا، لكن ربما التفَّت حولها بعض الأرواح، فتشعر أنت أنك رأيت في منامك الليلة كذا وكذا، وأنه في حالة كذا وكذا من الصحة والعافية، أو من الرفاهية، أو في حالة كذا وكذا من الضيق والضنك والشدة، وكل بحسبه عند المعبرين له رؤياه وتعبيره، لكن ليس هناك مباشرة ولا محادثة، بين الأموات والأحياء.
لأن هذه روح من كان في حال الحياة، وهذه روح من أصبح في حال الموت، ليس بينها خطاب مباشر.
فهذه الأرواح وهذه استقبالها في بلاد الأفراح، وتوبوا إلى الله واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الآخرة
الحمد لله، حمد الشاكرين الصابرين ولا عدوان إلا على الظالمين، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
ألا واعلموا عباد الله! أن الملائكة يشمّون روح الميت المؤمن الموحِّد؛ لأن الإيمان والتوحيد واتِّباع السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم يبعث في الروح المؤمنة روائح تستجذب الملائكة؛ لذلك يشمون هذه الروح إذا خرجت إلى بارئها استمتاعا بطيب رائحته، نسأل الله أن يميتنا على الإيمان والتوحيد والسنة، اللهم آمين يا رب العالمين، نحن والسامعين وجميع المؤمنين، اللهم آمين.
الروح إذا صعدت إلى بارئها، يأخذها ملك الموت، وتخرج منها رائحة طيبة جدًّا، رائحة عجيبة، ليس في قدرة البشر شمها، وإنما تشمها الملائكة، تشبه رائحة المسك، فتتجمع حولها الملائكة، ويأخذونها من يد ملك الموت، والكلّ من هؤلاء الملائكة يريد أن يشتم من هذه الرائحة، ويستمتع بها، واستمعوا إلى حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله تعالى عنه-، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قال-: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قُبِضَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ"، -هذا كفنه عند الملائكة حريرة بيضاء، كما كفناه في الدنيا بالكفن الأبيض-، "فَتَقُولُ" -تقول الملائكة-: "اخْرُجِي إِلَى رَوْحِ اللَّهِ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ حَتَّى إِنَّهُمْ لِيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَشُمُّونَهُ"، -كلّ واحد يحمل الروح من الملائكة يقدمها للذي يليه، الكلُّ يشمُّ هذه الريح الطيبة، أنت يا عبد الله! كذلك إن شاء الله، أحسِنْ ظنَّك بالله سبحانه وتعالى، تخرج هذه الروح تشتمها الملائكة- "حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ" -أي أهل السماء وملائكة السماء يقولون-: "مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي جَاءَتْ مِنَ الْأَرْضِ؟ وَلَا يَأْتُونَ سَمَاءً إِلَّا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ"،
وفي رواية: ("فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ")، -إذن بعد الملائكة أن تأتيه وتشمّ روحه، تعرض روحُ المؤمن المتوفَّى حديثا على أرواح المؤمنين- "حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ" -الذين ماتوا قبلنا-، "فَلَهُمْ" -أي المؤمنون والموتى قبلنا،- "فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَهْلِ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ، فَيَقُولُونَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ، أَمَا أَمَاتَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْتِيهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمُسْحٍ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي إِلَى غَضِبِ اللَّهِ، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ فَتَذْهَبُ بِهِ إِلَى بَابِ الْأَرْضِ". [7]

وفي رواية: "فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ"، -ماذا نستفيد من هذه الروايات؟ هناك استقبال حاشد من الملائكة أوَّلاً، ثم من المؤمنين ثانيا، تجتمع أرواح المؤمنين على هذا الزائر الجديد، لهذا المؤمن الذي جاء إليهم؛ ليكون له مستقر في الجنة، وودَّع الدنيا بما فيها من تعب ونكد- "فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟" - يسألونه عن أحوال أقاربهم الأحياء؛ كيف حالهم؟ وكيف تركوهم؟ هل هم يعبدون الله يصلون ويصومون، أو تركوا عبادة الله سبحانه وتعالى؟ - "فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَنْظِرُوا" -هذا الميت الذي جاء، أي أخِّروا وأجِّلوا- "أَخَاكُمْ حَتَّى يَسْتَرِيحَ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي كَرْبٍ، فَيُقْبِلُونَ عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ" -أي بعد أن يستريح-: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَا فَعَلَتْ فُلَانَةُ؟ هَلْ تَزَوَّجَتْ؟" -هكذا نص الحديث عند ابن حبان رحمه الله، بعض الناس يموت، وخلفَه أختٌ أو بنتٌ لم تتزوج، فيسأل عنها أقاربها الموتى، هل تزوجت؟! يريد أن يطمئن عليها، ماذا فعل فلان؟ ماذا فعلت فلانة؟ هل تزوجت؟- "فَإِذَا سَألُوا عَنِ الرَّجُلِ قَدْ مَاتَ قَبْلَهُ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ هَلَكَ". -يسألونه عن فلان، فيكون مات قبله- "أَمَا أَتَاكُمْ؟! قَالُوا: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ، فَبِئْسَتِ الْأُمُّ، وَبِئْسَتِ الْمُرَبِيَّةُ، قَالَ: فَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالُهُمْ"، -أي أعمال الأحياء، أي روح هذا الرجل الذي مات حديثا، كأَنَّ هذا الميت الآن يأخذ تقريرا كاملا عمَّن حوله، الكل يريد أن يعرف ماذا حدث مع أقاربه الأحياء، يبلّغ به الأموات قبله، فيعرض عليهم أعمالهم، فيجلسون حوله يحدثهم بما خلف في الدنيا- "فَإِذَا رَأَوْا حَسَنًا"، -حسنات وخيرات- "فَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا"، -فلان صار يصلي، فلان ترك المحرمات، فلان اتبع طريق الحق، فلان فعل كذا فيفرحون- "وَقَالُوا: اللَّهُمَّ هَذِهِ نِعْمَتُكَ عَلَى عَبْدِكَ فَأَتِمَّهَا"، -يدعون للأحياء- "وَإِنْ رَأَوْا سُوءًا قَالُوا: اللَّهُمَّ رَاجِعْ بِعَبْدِكِ". [8]

ومعنى (اللَّهُمَّ رَاجِعْ بِعَبْدِكِ) أَيْ: رُدَّهُ إِلَى دِينِكَ وَطَاعَتِك.

(راجع بعبدك)، لاحظ! يدعون له بأن يهديه الله، وأن يرجعه إلى الدين والإسلام، وإلى الأعمال الصالحة، وورد أن أبا الدرداء -رضي الله تعالى عنه- كان يقول: (إن أعمالكم) -أيها الأحياء- (تعرض على موتاكم؛ فيسرون ويساؤون). [9]

فإن أردت يا عبد الله! أن تسرَّ قريبك أو صاحبك، أو حبيبك الميت فاعمل الصالحات، وحذار أن تسوءه بمخالفة دين الله سبحانه وتعالى.

عباد الله! هذه أعمالنا، وهذا الحال الذي يمر علينا جميعا، ويتكرَّر ونراه، وسيأتينا يوم من الأيام سنقف فيه بين يدي أرحم الراحمين! فماذا نحن قائلون لربنا سبحانه وتعالى؟ ماذا نقول للملائكة ولملك الموت؟ ماذا نقول للأرواح التي تستقبلنا إذا متنا؟ اليوم أنا على المنبر واقف!! غدا لا يدري الإنسان أين يكون؟!!

عباد الله! توبوا إلى الله توبة نصوحا، واستغفروه ليلا ونهارا، وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة مهداة للعالمين كافة، كما أمرنا الله جل جلاله، فقد قال جلّ من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات يا رب العالمين.
اللهم فك أسر المأسورين، وسجن المسجونين، واقض الدين عن المدينين، وفرج هم المهمومين.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم وحد صفوفنا، وألف بين قلوبنا، وأزل الغلّ والحقد والحسد والبغضاء من صدورنا، وانصرنا على عدوك وعدونا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وأقم الصلاة؛ ﴿ ... إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾. [العنكبوت: 45].


[1] (حم) (2455)، (ن) (11191)، (ك) (75)، انظر صَحِيح الْجَامِع (1701)، الصحيحة (1623).

[2] (خ) (3208).

[3] (س) (1833).

[4] (س) (2073)، (جة) (1449)، (4271)، (حم) (15814)، وقال الأرناءوط: إسناده صحيح، انظر صَحِيح الْجَامِع (1560)، الصَّحِيحَة (995).

[5] الاستذكار (3/ 91).

[6] (حم) (27427)، انظر الصَّحِيحَة (679).

[7] (حب) (3014)، الصحيحة (1309).

[8] (س) (1833)، ابن المبارك في الزهد (149/ 443)، انظر الصَّحِيحَة (2758).

[9] أخرجه نعيم بن حماد في (زوائد الزهد)، انظر الصحيحة تحت ح (2758).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 78.55 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 76.42 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (2.71%)]