ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية

معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

للتسجيل في موقع الشفاء ومشاركتنا في كتابة المواضيع نرجوا تسجيل الدخول وبعدها يتم تفعيل الاشراف بالتواصل معنا

 

اخر عشرة مواضيع :         التذكرة بأسباب حسن الخاتمة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3054 - عددالزوار : 391391 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2465 - عددالزوار : 170116 )           »          لمع بشأن البدع (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 30 )           »          حديث تعجيل صلاة المغرب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          أول وقت صلاة الفجر (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          وساوس النفس المؤمنة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          القوي المتين جل جلاله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 31 )           »          الوثيقة النبوية في المدينة المنورة.. متى كتبت؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 29 )           »          تعريف الأجرة في الفقه (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الأسرة المسلمة > ملتقى الأخت المسلمة

ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-11-2020, 05:53 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,393
الدولة : Egypt
افتراضي ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

الثمرات الإيمانية (1)


هند بنت مصطفى شريفي







تحقيق العبودية لله:
إن أهم وأعظم ثمرات دعوة الطالبة في المرحلة الثانوية، هي الثمرات الإيمانية، فبها تتحقق سعادتها في الدارين، وبها يتحقق خير الإنسانية وصلاحها في الدنيا والآخرة، لأن الإيمان له أهمية كبيرة في حياة الأفراد والمجتمعات والأمم، فهو غذاء للروح، ومهذب للنفس، وبقدر عمقه في نفوس أفراد المجتمع، يرقى المجتمع ويسعد الأفراد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (والعبد كلما كان أذلّ لله، وأعظم افتقارا إليه، وخضوعا له؛ كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله)[1].

ولذلك كان الإيمان بالله وحده لا شريك له هو الهدف الأسمى والغاية العليا التي جاء جميع الرسل بتقريرها، من لدن نوح - صلى الله عليه وسلم إلى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم، فقد كان محور رسالاتهم ومرتكزها الأساس، قولهم بلسان واحد:﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾[2]، ولتقرير هذه الوحدانية لله عزّ وجل، دعا نبينا - صلى الله عليه وسلم قومه ثلاث عشرة سنة في مكة، ثم استمر بعد هجرته إلى المدينة في دعوته لترسيخها في قلوب المؤمنين، وبقيت هي أول ما يُدعى إليه، كما جاء في وصيته لمعاذ بن جبل[3]- رضي الله عنه - لما أرسله إلى اليمن، في قوله: ((إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى.))[4].

وبهذا يصبح الإيمان بالله هو المنطلق السليم لما بعده من عمل، فإذا صدقت فيه المؤمنة، صلحت أقوالها وأعمالها، وإذا ضعف أو مال عن الطريق السوي مالت وانحرفت تبعا له أفعالها، قال - صلى الله عليه وسلم: ((ألا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب))[5].

ومن هذه الثمرات الإيمانية الزكية للدعوة إلى الله، تحقيق العبودية لله تعالى وحده لا شريك له:
إن أساس كل خير وكل نشاط صالح هو: الإيمان بالله تعالى، والهدف النهائي لكل مسلم ومسلمة هو: الفوز برضوان الله تعالى ودخول جنته والنجاة من عذابه، ولذا فإن كل الأهداف الأخرى يجب أن تخدم هذا الهدف وتوصل إليه، على نحو مباشر أو غير مباشر.

وتعلق قلب المسلمة بالخالق عز وجل ليس تعلقا بالعلم به فقط، ولا تعلق إحساس بقوة عظمى تدير الكون فحسب، وإنما هي عبودية ومحبة، وخوف ورجاء، كما قال تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾[6] (فإذا كان كذلك؛ فهو المستحق لأن يُؤلّه ويُعبد بجميع أنواع العبادة ولا يُشرك به أحد من خلقه)[7]، كما قال عز وجل: ﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[8]، وهذا الإيمان هو الأساس الصلب الذي تبُنى عليه شخصية الطالبة المسلمة.

إن من آثار ثمرة الإيمان وتحقيق العبودية لله على شخصية المؤمنة؛ تحريرها من الخرافات والأوهام والأباطيل، والاتجاه بأهدافها وتفكيرها وعواطفها وسلوكها إلى تحقيق الخضوع الكامل لله وحده تبارك وتعالى بالإخلاص في عبادته، والاستعانة به في السراء والضراء، والالتجاء إليه بالتوبة والاستغفار، كما يغرس فيها حب الله عز وجل وحب رسوله - صلى الله عليه وسلم وحب المؤمنين وموالاتهم، لتصبح من حزب الله تعالى الذين قال فيهم:﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾[9].

والعبودية لله في الإسلام كما يوضحها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - هي: العبادة لله وهي الغاية المحبوبة له والمرضية له، التي خلق الخلق لها، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾[10]، وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح - صلى الله عليه وسلم لقومه:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾[11].


والدين الحق يقتضي تحقيق معنى العبودية، لأنه يتضمن معنى الخضوع أو الذل، والانقياد والاستسلام لله عزّ وجل، فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذلّ لله، بغاية المحبة له تعالى[12].

إن العبودية لله في الإسلام تعني: الحرية في أرقى صورها وأكمل مراتبها، وإذا صدقت فهي تعني التحرر من سلطان المخلوقات والتعبد لها، والمسلمة تنظر إلى مخلوقات الله نظرة الشاكر لنعمة الله، فالله تعالى سخّر ما في السموات والأرض (لمصالح بني آدم، وما هو من ضروراته)[13]،كما قال تعالى:﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾[14]، وما دام الأمر كذلك، فالمسلمة لن تخضع لهذه المخلوقات لو ساومتها في دينها وقيمه، ولن يستعبدها إنسان مثلها، فالناس جميعا عبيد لله.

وعندما تخلص المسلمة في عبوديتها لله، فإنها تتحرر من أهوائها وشهواتها، فالهوى شر وثن يعبد، قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾[15]، والإسلام يعتبر الخضوع لأهواء النفس التي تدعو إلى المحرمات والآثام، عبودية لهذا الهوى، كما يعتبر التسامي عنها- وإن كانت محبوبة للنفوس- هو الحرية الحقة[16]، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: ((تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة[17]، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعط لم يرض))[18]، (خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي لا يجد خلاصا...وسوّغ الدعاء عليه كونه قصر عمله على جمع الدنيا واشتغل بها عن الذي أُمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات)[19].


إن صدق يقين المسلمة بتوحيد الخالق؛ ليس قولا باللسان فقط، أو مفاهيم مجردة تقوم في النفس دون الجوارح، بل إن استشعارها لعبوديتها لله في كل جزئية من حياتها، يثمر خضوعها لأحكام دينها، فتحب ما يحبه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم، وتبغض ما يبغضانه، وتكون إسلاما يمشي على الأرض، يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -[20]: (ولهذا كان الإيمان الحقيقي هو الذي يحمل صاحبه على فعل ما ينفعه، وترك ما يضره، فإذا لم يفعل هذا، ولم يترك هذا؛ لم يكن إيمانه على الحقيقة، وإنما معه من الإيمان بحسب ذلك، فإن المؤمن بالنار حقيقة الإيمان، حتى كأنه يراها، لا يسلك طريقها الموصلة إليها، فضلا عن أن يسعى فيها بجهده، والمؤمن بالجنة حقيقة الإيمان، لا تطاوعه نفسه أن يقعد عن طلبها)[21].


[1] مجموع الفتاوى 1/39.


[2] سورة الأعراف: جزء من آية 59.

[3] معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، كان من خيرة قومه شهد المشاهد كلها، وأثنى عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه أعلم الناس بالحلال والحرام، ومناقبه كثيرة جدا، قدم من اليمن في خلافة أبي بكر وكانت وفاته - رضي الله عنه - بالطاعون في الشام سنة 17هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء 1/443-461، والإصابة 5/427.


[4] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، ح7372 (فتح الباري 13/347) واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام 1/50 ح 19.

[5] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ح52 (فتح الباري 1/126) واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات 3/1219 ح 1599.

[6] سورة البقرة: آية 163.

[7] تفسير الشيخ السعدي: الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ص 60، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان ط:7، 1418هـ/1997م .

[8] سورة غافر: آية 65.

[9] سورة المائدة: الآيتان 55-56.

[10] سورة الذاريات: آية 56.

[11] سورة الأعراف: جزء من آية 59.

[12] ينظر: العبودية: شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ص 39-44، المكتب الإسلامي، ط:5، 1399هـ

[13] تفسير الشيخ السعدي ص 721.

[14] سورة الجاثية: جزء من آية 13.

[15] سورة الجاثية :جزء من آية 23.

[16] ينظر: مقاصد المكلّفين: د. عمر الأشقر ص 372-373.

[17] القطيفة: هي الثوب الذي له خمل، والخميصة: هي الكساء المربع. فتح الباري 11/254.

[18] صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال، وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾، ح6435 ( فتح الباري 11/253).

[19] باختصار: فتح الباري 11/254.

[20] محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُرعي الدمشقي أبو عبد الله، من كبار العلماء، ولد بدمشق سنة 691هـ، وتتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان منتصرا له، سجن وعذب معه ونشر علمه وهذب كتبه، له تصانيف كثيرة توفي رحمه الله سنة 751هـ. ينظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب: المؤرخ أبي الفلاح عبد الحي ابن العماد الحنبلي 6/168، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط: بدون، ت: بدون، والأعلام: الزركلي 6/56.

[21] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: الإمام ابن قيم الجوزية 2/ 137، تحقيق وتصحيح وتعليق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان ط: 2، 1395هـ/1975م.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-11-2020, 05:54 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,393
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

الثمرات الإيمانية (2)


هند بنت مصطفى شريفي









غرس الإيمان العميق في قلوب الطالبات:

الإيمان في اللغة هو: (تصديق القلب وإقراره ومعرفته)[1]، وفي الشرع هو: (اعتقاد بالقلب وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وهو بضع وسبعون شعبة)[2].



وحقيقة الإيمان بالله عز وجل:

(الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، وأنه الذي يستحق وحده أن يفرد بالعبادة من صلاة وصوم ودعاء ورجاء وخوف وذل وخضوع، وأنه المتّصف بصفات الكمال كلها، المنزّه عن كل نقص)[3].



والإيمان الذي ينبغي أن يكون في قلب الطالبة المؤمنة له جانبان مهمان، يصدق كل منهما الآخر:

الأول: الجانب الاعتقادي.

الثاني: الجانب العملي.



أ- الجانب الاعتقادي:

ويشمل أول شيء الإقرار بأركان الإيمان التي وضحها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت..))[4]، وذلك في حديث جبريل عليه السلام لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان.



فتؤمن الطالبة المؤمنة بالله وتعتقد جازمة تفرده تعالى بالربوبية، فهو رب كل شيء ومليكه ومبدعه وخالقه، قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [5]، (له الخلق: الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، والأمر: المتضمن للشرائع والنبوات)[6]، كما تفرده بالألوهية، فهو إله كل شيء لا إله غيره، قال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾[7] (فتوحيد الله ودينه وجزاؤه قد ثبت ثبوتا لا ريب فيه، وهو أعظم الحقائق وأوضحها)[8]، وتفرده بصفات الكمال والأسماء الحسنى، فهو المتصف بصفات الكمال كلها، والمنزه عن كل نقص، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[9]، وهذه الأنواع الثلاثة من التوحيد تبين حقيقة معنى الإيمان بالله.



كما تؤمن بوجود الملائكة وأنهم من خلق الله، ولهم صفات ووظائف وأعمال كلّفوا بها، فيثمر هذا اليقين في نفسها العلم بعظمة الله وقوته وسلطانه، وشكره تعالى على عنايته ببني آدم، حيث وكّل من الملائكة من يقوم بحفظهم وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم، كما تحبهم على ما قاموا به من عبادة لله تعالى، وتستقيم على أمره تعالى حين يستشعر قلبها وجودهم ورقابتهم لها، وشهادتهم على ما يصدر منها من أقوال وأعمال.



وتؤمن بالكتب المنزلة من عند الله ، وتصدق ما صح من أخبارها، فيثمر ذلك علمها بحكمة الله وعنايته بعباده، حيث أنزل لكل قوم كتابا يهديهم به، وشرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم، كما تؤمن بأن القرآن العظيم هو آخر الكتب نزولا، وأنه مؤيد ومصدق لما جاء في الكتب السابقة عليه، كما قال تعالى:﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾[10]، فهو (تعالى الذي أنزل الذكر - وهو القرآن - وهو الحافظ له من التغيير والتبديل)[11] قال تعالى:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[12].



وتؤمن بالرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه كلهم من علمت منهم اسمه ومن لم تعلم، ولا تفرق بينهم، وتؤمن بأن رسالتهم حق من الله، وأنهم أكمل الخلق علما وعملا، وأصدقهم وأكملهم أخلاقا، فيثمر ذلك علمها برحمة الله بعباده حيث أرسل لهم الرسل لتهديهم إلى صراطه، وتبين لهم كيف يعبدونه تعالى، حيث إن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك، فتشكر الله تعالى على هذه النعمة الكبرى؛ وخاصة نعمة إرسال خاتم الأنبياء والمرسلين، وتحبهم كلهم وتثني عليهم بما يليق بهم، وتؤمن بأن خاتمهم هو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه مبعوث إلى الجن والإنس كافة، فتطيعه فيما أمر وتجتنب ما نهى عنه، قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا[13].



وتؤمن باليوم الآخر الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، وتوقن بعدل الله تعالى، وترجو رحمته وتخاف عقابه، وتستكثر من الحسنات التي تثقل ميزانها، قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾[14]، كما تؤمن بما يلحق باليوم الآخر من فتنة القبر وعذابه أو نعيمه، وعلامات وأهوال ذلك اليوم فيثمر في نفسها الرغبة في فعل الطاعات والحرص عليها رجاء ثواب ذلك اليوم والنجاة والفوز فيه، والرهبة من فعل المعصية خوفا من عقابه تعالى وعذابه.



كما تؤمن بتقدير الله عز وجل للكائنات حسبما سبق علمه واقتضت حكمته، فتؤمن بعلمه بكل شيء جملة وتفصيلا، وأنه كتبه في اللوح المحفوظ، إيمانا بقوله تعالى: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾[15]، (أي: ليست المشيئة موكولة إليكم؛ فمن شاء اهتدى ومن شاء ضلّ؛ بل ذلك كله تابع لمشيئة الله عز وجل رب العالمين)[16].



كما تعلم أن إيمانها بالقضاء والقدر لا يمنحها الحجة على ترك الواجبات وفعل المعاصي، فالله تعالى أعطاها المشيئة والقدرة على الفعل ومشيئته تعالى غالبة، لأن الكون كله ملك له عز وجل، ولا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته، فيثمر ذلك الاعتماد على الله وحده عند فعل الأسباب، وعدم التعلق بها أو العجب بالنفس عند حصول المراد، لأن حصوله نعمة من الله، فتطمئن نفسها وتستريح لما يجري عليها من أقدار الله، ولا تقلق لفوات محبوب أو حصول مكروه، إيمانا بقوله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾[17].[18].



إن الطالبة المؤمنة حين تستشعر وتوقن بوحدانية الله، لا تستسلم إلا له تعالى، ولا تعظم أو ترجو إلا إياه، ولا تكاد تعلم المؤمنة وتوقن بأن الملائكة تسجل أعمالها وتحصيها في كتاب ينشر يوم الحساب، وتعلم أنها ستقف يوم العرض بين يدي الله كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرّره بذنوبه ورأى أنه قد هلك؛ قال: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين))[19] إلا وعملت جاهدة لسلوك سبيل النجاة في ذلك اليوم.



ب- الجانب العملي:

وهو نتيجة وثمرة لصدق الإيمان والاعتقاد (فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام) [20]، وقد تضافرت آيات القرآن التي تعد بالفوز لمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى[21].



والعمل الصالح هو (الإحسان، وهو فعل الحسنات، والحسنات: هي ما أحبه الله ورسوله، وهو ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب)[22]، وعلى رأسه أركان الإسلام التي أجاب بها النبي - صلى الله عليه وسلم - جبريل عليه السلام في الحديث المعروف فقال: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت))[23].



كما تشمل الأعمال الصالحة ذات النفع المتعدي كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والقيام بفروض الكفاية والنوافل وغيرها.



وأهم هذه الأعمال بعد الشهادتين؛ إقام الصلاة وخاصة الفروض الخمسة، فتحرص الطالبة المؤمنة على المحافظة عليها وأدائها على الوجه المطلوب طاعة لله، قال تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾[24]، وتستحضر عظمة الله حين تقف بين يديه، وتتحلى بالخشوع والخضوع طمعا في وعده تعالى وثنائه في قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾[25].



وأداء الطالبة لصلاتها على الوجه الصحيح له أثر عظيم في تقوية إيمانها، ومجاهدة نفسها ونوازع هواها، لتحقيق المقصد والغاية السامية من مشروعيتها كما قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾[26]، فتكون أبعد ما يكون عن المنكرات والفواحش والمعاصي.



وثانيها: أداء حق المال: (الزكاة) الذي تطهر به نفسها من آفة الشح والبخل والتعلق الشديد بمتاع الدنيا، وتزكو روحها، كما قال تعالى:﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾[27]، فتبادر بإخراج زكاة مالها لتنجو من الوعيد الذي جاء في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾[28].



وثالثها: صيام شهر رمضان وترك شهوات نفسها وجسدها، محتسبة ما عند الله من الأجر والمغفرة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))[29]، ومجاهدة لنفسها حيث تتعلم في مدرسة الصوم تقوى الله وضبط النفس والتخلص من آفات القلب واللسان والجوارح، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة إلى أن يدع طعامه وشرابه))[30]، فالصوم ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب والشهوات، بل أساسه التقوى والمراقبة.




وتقيم الركن الخامس: الحج، وهو أفضل الجهاد لها، تلبية لنداء ربها عز وجل فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور))[31]، فتؤدي فريضتها محتسبة عند الله عظيم المثوبة وغفران الذنوب كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه))[32].



وتقيم الطالبة عبادتها لله على أركان العلم الصالح المقبول، وهما: الإخلاص والمتابعة، فهما مناط قبول العمل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (والعبادة والطاعة والاستقامة ولزوم الصراط المستقيم، ونحو ذلك من الأسماء مقصودها واحد، ولها أصلان:

أحدهما: أن لا يعبد إلا الله.



الثاني: أن لا يعبده إلا بما أمر وشرع، لا يعبده بغير ذلك من الأهواء والظنون والبدع، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾[33]... وكان عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا. وقال الفضيل بن عياض[34] - رحمه الله- في قوله تعالى:﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾[35] قال: أخلصه وأصوبه... إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة)[36].





[1] جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم: الإمام الحافظ أبو الفرج عبدالرحمن بن شهاب الدين البغدادي، الشهير بابن رجب الحنبلي 1/60، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، مكتبة العبيكان، الرياض، ط: بدون 1418هـ/1997م.




[2] شرح ثلاثة الأصول: الشيخ محمد بن صالح العثيمين ص 79، دار الثريا للنشر، الرياض ط:3 1417هـ/1997م.



[3] الإيمان أركانه حقيقته نواقضه: د. محمد نعيم ياسين ص6، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، ط: 3 1402هـ/1982م.



[4] صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، وإثبات قدر الله سبحانه وتعالى 1/36 ح8.



[5] سورة الأعراف: جزء من آية 54.



[6] تفسير الشيخ السعدي ص 254.



[7] سورة آل عمران: آية 18.



[8] تفسير الشيخ السعدي ص 103.



[9] سورة الأعراف: آية 180.



[10] سورة المائدة: جزء من آية 48.



[11] تفسير ابن كثير 4/445.



[12] سورة الحجر: آية 9.



[13] سورة النساء: آية 80.



[14] سورة الأنبياء: آية 47.



[15] سورة التكوير: الآيتان 28-29.



[16] تفسير ابن كثير 8/362.



[17] سورة الحديد: الآيتان 22-23.



[18] ينظر: الإيمان: د. محمد نعيم ياسين من ص 5-145، وشرح ثلاثة الأصول: الشيخ محمد العثيمين من ص 79-118.



[19] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب قوله تعالى: ﴿ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾، ح2441 (فتح الباري 5/96) واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب التوبة باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله 4/2120 ح 2768.



[20] جامع العلوم والحكم ص 61.



[21] سورة طه: الآيتان 75-76.



[22] العبودية: شيخ الإسلام ابن تيمية ص 75.



[23] صحيح مسلم: سبق تخريجه ص 42.



[24] سورة البقرة: آية 238.



[25] سورة المؤمنون: الآيتان 1-2.



[26] سورة العنكبوت: جزء من آية 45.



[27] سورة التوبة: جزء من آية 103.



[28] سورة التوبة: الآيتان 34-35.



[29] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان، ح38 (فتح الباري1/92) واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح 1/524 ح760.



[30] صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من لم يدع قول الزور ومن يعمل به في الصوم، ح1903 (فتح الباري 4/116).



[31] صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، ح2784 (فتح الباري 6/4).



[32] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، ح1521 (فتح الباري 3/382) واللفظ له ، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة 2/983 ح 1350.



[33] سورة الكهف: جزء من آية 111.



[34] الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي، أبو علي شيخ الحرم المكي، من أكابر العلماء والعباد، ولد بسمرقند سنة 105هـ وكان ثقة في الحديث، أخذ عنه خلق كثيرمنهم الإمام الشافعي، توفي رحمه الله بمكة سنة 187هـ. ينظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الأصبهاني، دار الفكر بيروت ط: بدون، ت: بدون، وسير أعلام النبلاء 8/421.



[35] سورة الملك: جزء من آية 2.



[36] باختصار: العبودية ص 74-76.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-11-2020, 05:55 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,393
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

الثمرات الإيمانية (3)


هند بنت مصطفى شريفي








عناية الطالبة بالعبادات القلبية











إن صلاح القلب وصحته وسلامته هو مناط الفوز والنجاة في الآخرة، كما قال تعالى:﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾[1]، قال الحافظ ابن كثير[2] - رحمه الله -: لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهبا، ولو افتدى بمن في الأرض جميعا، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله وإخلاص الدين له، والتبرؤ من الشرك والدنس[3].





قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - في تعريفه للقلب السليم:


أنه الذي (سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله)[4].





ومن الثمار الزكية لدعوة الطالبة في المرحلة الثانوية، عنايتها ورعايتها لأعمال قلبها وعباداته التي تقوي إيمانها وتزيده في قلبها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:


(والدين القائم بالقلب من الإيمان علما وحالا هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع، وهي كمال الإيمان، فالدين أول ما يُبنى من أصوله ويُكمل بفروعه)[5].





وأساس عبادات القلب وأعماله عند الطالبة المؤمنة؛ تقوى الله، وأعلى مراتبها استحضار قربها منه تعالى، ورؤيته لها، وقد عبّر النبي - صلى الله عليه وسلم عن ذلك بالإحسان في الحديث المعروف، لما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))[6].





وإذا قامت الطالبة المؤمنة بعبادة الله؛ فإنها تشعر بأن الله مطلع على أحوالها الظاهرة والباطنة، وأنها بين يديه كأنها تراه وهو يراها، فيوجب في قلبها الخشية والخوف والهيبة والتعظيم له عز وجل، كما يوجب لها النصح في العبادات وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وتكميلها[7].





وعبادة الله تعالى بأعمال القلوب التي تكمل بها الطالبة إيمانها كثيرة متنوعة، منها: (حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضى بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله)[8]؛ لأن العبادة بمفهومها الواسع الشامل هي: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)[9].





ومن أهم أعمال القلوب وأعظمها أثرا: الإخلاص لله تعالى، وهو (أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله تعالى، والتوصل إلى دار كرامته، بأن يكون العبد مخلصا لله تعالى في قصده، مخلصا لله تعالى في محبته، مخلصا لله تعالى في تعظيمه، مخلصا لله تعالى في ظاهره وباطنه، لا يبتغي بعبادته إلا وجه الله والوصول إلى دار كرامته) [10]، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [11].





فتخلص الطالبة ولا تبتغي إلا وجه الله في طلبها للعلم، تصديقا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (( من تعلّم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) يعني ريحها [12].





ومن أعمال القلوب التي تثمرها دعوة طالبة الثانوية: التوكل، وهو اعتماد القلب على الله، واستناده إليه وسكونه إليه، واستمداد العون والتأييد منه، وقطع العلائق بغيره تعالى.





وتوكل الطالبة المؤمنة على الله وحده، علامة على حسن ظنها به ورجائها له، إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنها به، أو التوكل على من لا ترجوه[13]، ويتبع هذا التوكل استسلام القلب له تعالى، وتفويض أمورها كلها له طاعة له واستجابة لأمره، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [14].





كما أن توكلها على الله يقوم ويتعلق بإيمانها بالله وبأسمائه وصفاته، فمعرفتها بأنه تعالى الخالق الرزاق، المانع المعطي، المعزّ المذلّ؛ يجعلها تتوكل عليه في طلبها للمعاش والرزق، وفي سائر أحوالها في سعيها في حياتها، فلا تذلّ نفسها لمخلوق، أو تبذل كرامتها لأحد، فالله وكيلها وهو تعالى حسبها، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾[15]، والمؤمن (كلما كان بالله أعرف، كان توكله عليه أقوى)[16].





ومن العبادات المحاسبة والتوبة: وهي من أعمال القلوب التي ترتقي بإيمان الطالبة، فتحاسب نفسها على ما قدّمت من خير وشر، وعلى سلامة نيتها في الأعمال كلها، وعلى إتقانها لعملها، وعلى تحقيقها لأهدافها ومقاصدها، كما تحاسب نفسها على ما فاتها من الطاعات، وما ضيعت من الأوقات، كما تنظر في شكرها الله على ما أنعمه عليها، ثم تُعدّ لغدها ما يعينها على سلوك طريق النجاة، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾[17]، أي: (حاسبوا أنفسكم قبل إن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم... واعلموا أنه عالم بجميع أحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير)[18]، والطالبة حين تحاسب نفسها تتدارك ما قصرت فيه وتستزيد مما أحسنت فيه، فتقف بهذه المحاسبة على مواطن الضعف في شخصيتها، لتتمكن من علاجها وتقويتها.





وقد قدم السلف نموذجا عن كيفية محاسبة النفس جاء فيه: (ثم عليه أن يتصفح في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن الليل أخطر للخاطر، وأجمع للفكر، فإن كان محمودا أمضاه، وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموما استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل)[19].





وأعظم ثمرة تجنيها الطالبة من هذه المحاسبة هي توبتها إلى الله العفو الرحيم توبة نصوحا تجبُّ ما اقترفت يداها من السيئات والمعاصي، ويوضح الإمام ابن القيم - رحمه الله - الارتباط المتين والعلاقة الوثيقة بين المحاسبة والتوبة بقوله: (ومن منزلة المحاسبة يصحّ له النزول منزلة التوبة، لأنه إذا حاسب نفسه عرف ما عليه من الحق، فخرج منه وتنصل منه إلى صاحبه، وهي حقيقة التوبة، فكان تقديم المحاسبة عليها لذلك أولى، ولتأخيرها عنها وجه أيضا، وهو أن المحاسبة لا تكون إلا بعد تصحيح التوبة، والتحقيق أن التوبة بين محاسبتين، محاسبة قبلها تقتضي وجوبها، ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها، فالتوبة محفوفة بمحاسبتين)[20].





وطالبة الثانوية بشر، من طبيعتها الخطأ والنسيان والتقصير، ومعظم الطلاب يمرون في هذه المرحلة بفترة المراهقة، التي تتميز بعدم الاستقرار النفسي والعاطفي، مما يجعلهم مظنة الوقوع في الزلل والخطأ، لذا جاء في الشرع الحث والثناء على الطاعات في سن الشباب، كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم القيامة، وفيه: ((شاب نشأ في عبادة الله))[21].






وقد علم الله تعالى الوقوع في الخطأ والذنب من عباده، فشرع لهم الإنابة إليه والتوبة والاستغفار، وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم))[22]،كما وعدهم بالمغفرة ومحو السيئات والفلاح عند حدوث التوبة النصوح، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾[23]، قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - عن التوبة النصوح: (أي توبة صادقة جازمة، تمحو ما قبلها من السيئات، وتلم شعث التائب وتجمعه، وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات...هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على ألا يفعل ذلك في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقة)[24]، وهذه هي حقيقة التوبة[25].





وهذا نبينا خليل الرحمن - صلى الله عليه وسلم يضرب المثل المقتدى لأمته في التوبة إلى الله، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول - صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة))[26].






[1] سورة الشعراء: الآيتان 88-89.




[2] إسماعيل بن عمر بن ضوّ القرشي البصروي ثم الدمشقي، أبو الفداء حافظ مؤرخ فقيه، ولد في قرية من أعمال بصرى بالشام ورحل في طلب العلم، توفي رحمه الله بدمشق سنة 774هـ. ينظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن العماد الحنبلي 6/231، والأعلام: الزركلي ص1/320.



[3] ينظر: تفسير ابن كثير 6/159.



[4] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان 1/7.



[5] مجموع الفتاوى 10/355.



[6] صحيح مسلم، سبق تخريجه ص 42.



[7] ينظر: جامع العلوم والحكم ص 126.



[8] العبودية: شيخ الإسلام ابن تيمية ص 38.



[9] المرجع السابق ص 38.



[10] شرح الأصول الستة: الشيخ محمد بن عثيمين ص 144، دار الثريا للنشر، الرياض ط:3، 1418هـ/1997م.



[11] سورة الأنعام: الآيتان 162-163.



[12] مسند الإمام أحمد 2/338، واللفظ له، والمستدرك على الصحيحين كتاب العلم 1/85، وقال: صحيح سنده ثقات رواته على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.



[13] ينظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: الإمام ابن قيم الجوزية 2/120-121، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: بدون، 1392هـ/1972م.



[14] سورة التغابن: آية 13.



[15] سورة الطلاق: جزء من آية 3.



[16] مدارج السالكين 2/125.



[17] سورة الحشر: آية 18.



[18] باختصار: تفسير ابن كثير 8/102.



[19] أدب الدنيا والدين: أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي ص 342، حققه وعلق عليه: مصطفى السقا، دار الكتب العلمية، بيروت ط:4، 1398هـ/1978م.



[20] مدارج السالكين 1/169-170.



[21] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، ح1423 (فتح الباري 3/293)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة 2/715 ح 1031.



[22] صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة 4/2106 .



[23] سورة التحريم: جزء من آية 8.



[24] باختصار: تفسير ابن كثير 8/195-196.



[25] مدارج السالكين 1/182.



[26] صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه 4/2076 ح 2702.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27-11-2020, 05:56 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,393
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

الثمرات الإيمانية (4)


هند بنت مصطفى شريفي



رابعًا: الاستقامة على دين الله:
من ثمرات دعوة الطالبة: الاستقامة التي توصل الطالبة المؤمنة إلى أعلى الدرجات التي تحفها الملائكة، وتبشرها فيها بخيري الدنيا والآخرة، واستقامة الطالبة تكون بلزومها واستمرارها على الطريق المستقيم، قال تعالى:﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾[1]، استقاموا أي: (أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى، على ما شرع الله لهم)[2].

والاستقامة هي: الثبات على قوله: ربنا الله، بحقّها وحقيقتها، والاستقامة عليها شعورا في الضمير، وسلوكا في الحياة، والصبر على تكاليفها، وهذا أمر كبير وعسير، ومن ثم استحق عند الله هذا الإنعام الكبير.[3]

و(مرجع الاستقامة إلى أمرين: صحة الإيمان بالله، واتباع ما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ظاهرا وباطنا)[4].

وهي من أهم الثمرات الإيمانية الإيجابية في قلب الطالبة، حيث تستقيم ذاتيا على أوامر الله ونواهيه، وتراعي حدوده، وتستشعر مراقبته في كل زمان ومكان، وتحرص على ابتغاء مرضاته وحده تعالى في كل أعمالها، وتتوجه له وحده بنواياها، وبذلك تكون استقامتها منهجا سلوكيا ذاتيا، تسير عليه طيلة حياتها، وتستمده من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم ، اللذين تلتزم بهما في السر والعلن، وفي النية والعمل، وفي الغاية والوسيلة، وفي الدنيا والدين.[5]

إن الطالبة المستقيمة على أمر الله، تكون أبعد ما يكون المؤمن عن نزغات الشياطين التي تؤدي بها إلى تجاوز الحدود وإلى الوقوع في الإفراط أو التفريط، فلا تتهاون وتفتر عن القيام بما هو مطلوب منها، ولا تميل أو تنحرف في أقوالها وأفعالها ونياتها وسائر شئونها، لأن حقيقة الاستقامة (تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها: وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله)[6].

والمسلمة اليوم تعيش عصرا مليئا بالمغريات والملهيات والفتن، مما قد يلهيها عن طاعة الله، ويدفعها إلى مخالفة شرعه، وهذا يؤكد ضرورة تحليها بالاستقامة، وهذا يكون بمجاهدة نفسها لامتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى عنه، قال تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ[7] والمقصود: جاهدوا أنفسكم في طاعة الله، وردّوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم.[8]

وقد قرن الله عز وجل الهداية إلى سبيله بالمجاهدة فيه، وجعلها سببا لحصولها، كما قال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾[9]، (علّق سبحانه الهداية بالجهاد، وأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا، وأفرض الجهاد: جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد، فاته من الهدى بحسب ما عطّل من الجهاد)[10].

خامسا: محبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -:
من الثمرات الإيمانية المهمة لدعوة طالبة الثانوية، محبتها لله ورسوله- صلى الله عليه وسلم -، (ومحبة الله سبحانه هي أصل دين الإسلام الذي يدور عليه قطب رحاها، فبكمالها يكمل الإيمان، وبنقصانها ينقص توحيد الإنسان)[11].

وكيف لا تحبه تعالى وهي تعلم أن صدق عبوديتها له لا يتحقق إلا بهذه المحبة، فالله تعالى خلقها لعبادته، و العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل والحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى، بغاية المحبة له، وكلما ازداد قلبها حبا له، ازدادت عبودية، فيكون الله أحب إليها من كل شيء، وأعظم عندها من كل شيء[12].

ومن علامات صدقها في المحبة إفرادها له تعالى بكمال التذلل والخضوع، وكمال الطاعة، فلا تساوي به غيره، أو تشركه معه[13]، قال الله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾[14].

وكيف لا تحب الرسول - صلى الله عليه وسلم وهو الذي بعثه الله رحمة للعالمين؟ وكل مسلم إذا (تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب؛ علم أنه سبب بقاء نفسه...وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره)[15]، فتحبه وتقدم محبته على كل من تحب حتى نفسها، اتباعا لأمره - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين))[16].

وقد أعطى جيل الصحابيات في صدر الإسلام نماذج مضيئة لهذه المحبة، فهذه إحداهنّ تتقبل مصيبتها في زوجها وأخيها وأبيها في غزوة أحد، ولا تهدأ نفسها إلا بعد الاطمئنان على سلامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقول: كل مصيبة بعدك جلل - أي صغيرة - يا رسول الله[17]، وأخرى تجمع عرقه وتجعله مع طيبها لتتطيب به[18].

ومن أهم ما يميز الطالبة المُحبة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ اقتداؤها بسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾[19] (فلا تُنال محبة الله ورضوانه وثوابه إلا بتصديق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة، وامتثال أمرهما واجتناب نهيهما)[20].

كما تتميز بإيثار وتقديم حبهما على جميع ما تحبه من متاع الدنيا، وما فيها من المال والزوج والولد والمتاع، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾[21].


ومتى امتلأ قلب الطالبة بمحبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ ذاقت حلاوة الإيمان، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله..))[22]، ثم إنها إذا أحبها الله تعالى سعدت بمحبة الملأ الأعلى ومحبة أهل الأرض لها، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال ثم يوضع له القبول في الأرض..))[23].

وهذه المحبة سوف تثمر موالاة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وتُشعر الطالبة بأنها من حزب الله، فيثبت فؤادها على الحق، وتحب دينها وتعتز به ، وتتمسك به وتضحي من أجله بالغالي والنفيس، وقد قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [24].


[1] سورة فصلت: آية 30.




[2] تفسير ابن كثير 7/146.



[3] ينظر: في ظلال القرآن 5/3121.



[4] دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين: محمد بن علان الصديقي الشافعي الأشعري المالكي 1/282 دار الفكر، بيروت، الطبعة الأخيرة، 1394هـ/1974م.



[5] ينظر: أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية: د. عبد الحميد الصيد الزنتاني ص 404، الدار العربية للكتاب، ليبيا /وتونس ط:2، 1993م.



[6] مدارج السالكين 2/105.



[7] سورة الحج: جزء من آية 78.



[8] ينظر: الجامع لأحكام القرآن 12/99.



[9] سورة العنكبوت: آية 69.



[10] الفوائد: الإمام ابن قيم الجوزية ص 87، تحقيق: د. ماهر عبدالرزاق، وكمال علي الجمل، دار اليقين المنصورة، مصر، ط:1، 1417هـ/1996م.



[11] تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: الشيخ سليمان بن عبدالله محمد بن عبدالوهاب ص 466، المكتب الإسلامي، بيروت/ دمشق ط:4، 1400هـ.



[12] ينظر: العبودية: شيخ الإسلام ابن تيمية ص 44.



[13] ينظر: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص 468.



[14] سورة البقرة: جزء من آية 165.



[15] باختصار: فتح الباري 1/59-60.



[16] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حب الرسول من الإيمان، ح15 (فتح الباري 1/58)، واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله أكثر من الأهل والولد والناس أجمعين، وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة 1/67 ح 44.



[17] ينظر: سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبو محمد عبدالملك بن هشام 3/51، تحقيق: الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض ط: بدون.



[18] الحديث في صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب طيب عرق النبي - صلى الله عليه وسلم -والتبرك به 4/1815 ح 2331.



[19] سورة آل عمران: جزء من آية 31.



[20] تفسير الشيخ السعدي ص 105.



[21] سورة التوبة: جزء من آية 24.



[22] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، ح16 (فتح الباري 1/60) واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهنّ وجد حلاوة الإيمان 1/66 ح 43.



[23] صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده 4/2030 ح 2637.



[24] سورة المائدة: الآية 56.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27-11-2020, 05:56 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,393
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

الثمرات الإيمانية (5)


هند بنت مصطفى شريفي



سادساً: تزكية النفس بالطاعات والمداومة عليها، وكراهية المعاصي والنفور منها:
فالإيمان بالله وتحقيق العبودية له - عز وجل - والقيام بأنواع العبادات والطاعات المفروضة والمندوبة، والبعد عن المعاصي والمخالفات الشرعية؛ يزكي النفس البشرية، ويطهرها من الذنوب والآثام، ويسهّل عليها قبول الحق والانقياد للشرع، (ولا شيء مثل العبادات بأنواعها المختلفة يزكي النفس ويهيئها لاكتساب الأخلاق الطيبة والتخلص من الأخلاق الرديئة)[1].

والواجب على الطالبة المبادرة إلى فعل الواجبات، و الإكثار من الطاعات والنوافل التي تقربها من الله تعالى، وتسمو بروحها إلى مراتب الكمال، وتكسبها حب الرحمن وتأييده وحفظه، لأن (من تولى الله بالطاعة والتقوى؛ تولاه الله بالحفظ والنصرة)[2]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه))[3].

فتؤدي نوافل الصلاة والصيام وتكثر من تلاوة القرآن وحفظه وفقه معانيه، كما تحافظ على أورادها من الذكر والدعاء، وتغتنم الأوقات الفاضلة التي تضاعف فيها الأجور، وتغفر فيها الذنوب، وتجود بنفسها وتسخو بمالها في دروب الخير، فتبني لها قصورا في الجنة بفضل الله وتوفيقه لها.

إن مداومة الطالبة على أداء العبادات- فروضها ونوافلها- يعظم في نفسها أمر الإخلاص لله، والشعور بعظمته، والانقياد لأمره تعالى، كما يكسبها الطمأنينة والسكينة، فلا تستثقل شرائع الدين، أو يضيق بها صدرها، بل تعيش معاني العبادة لله بمعناها الواسع، الذي يشمل جميع جوانب حياتها، فتتوجه بجميع أعمالها لله، بتحسين نيتها في سائر أمور معاشها، وتبتغي وجه الله في ذلك، فتصبح عابدة لله حيثما توجهت، وتصبح العبادة هي صلتها الدائمة الوثيقة بينها وبين ربها، فتعيش في معية الله تعالى، وتتقلب في رحمته وتوفيقه وإعانته، وهو أعظم ما تظفر به[4]، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يقول الله - عز وجل -: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب مني شبرا، تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة))[5].

إن الطالبة المؤمنة الصادقة في محافظتها على الطاعات، تتميز بامتلاك حاسة إيمانية دقيقة مرهفة، تنبسط وتنشرح لفعل الطاعات التي تصلها بربها، وتنقبض وتضيق لفعل المعاصي والسيئات التي تقطعها عن ربها، وقد وضح النبي - صلى الله عليه وسلم امتلاك المؤمن لهذه الحاسة والميزان الدقيق بقوله: ((من سرّته حسنته، وساءته سيئته فذلك المؤمن))[6]، وهذا الميزان لا يكون إلا لصادق الإيمان، المخلص البعيد عن صفات النفاق، (لأن المنافق حيث لا يؤمن بيوم القيامة استوت عنده الحسنة والسيئة)[7]، فلا يبالي هل اكتسب السيئات أم خسر الحسنات.

والطالبة المؤمنة تكره المعاصي وتنفر منها، فتحفظ جوارحها من الحرام، فلا تنظر أو تتحدث أو تسمع إلى ما يغضب الرحمن، وتكون أبعد ما تكون عن مواطن الريبة والشبهة، وتربأ بنفسها أن تتخلق أو تتشبه بأهل الفسق والفجور، وتحفظ عرضها أن يُمس، وتستبرئ لدينها أن يُثلم، فتتقي الشبهات بأنواعها، فحالها كمن (برأ دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه، لأن من لم يُعرف باجتناب الشبهات لم يسلم لقول من يطعن فيه... ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على ارتكاب المنهي في الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم إذا كان من جنسه)[8]، وتجعل بينها وبين الحرام حاجزا عظيما من تقوى الله ومراقبته، وهذا كله لا يكون إلا بصلاح قلبها ونقائه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشتبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))[9].

إن تزكية الطالبة لنفسها بالمداومة على الطاعات وتجنب المعاصي؛ يغرس فيها تعظيم الله تعالى والخشية منه والخوف من عذابه، فلا تحتقر المعاصي، ولا تغفل عن أثرها وشؤمها على قلبها وحياتها، وهذا حال المؤمن، كما وصفه ابن مسعود[10]- رضي الله عنه - قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه؛ وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا، قال أبو شهاب بيده فوق أنفه)[11].

والسبب في ذلك (أن المؤمن يغلب عليه الخوف، لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيئ... وإنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته، لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله، فلذلك قلّ خوفه واستهان بالمعصية)[12].

سابعا: التوجه للدار الآخرة:
إن الإيمان باليوم الآخر والحساب والجزاء، وما أعده الله للمؤمنين من النعيم، وللكافرين من العذاب، يشكل دافعا قويا للعبد في هذه الحياة، لأن مناط الفوز والنجاة يوم القيامة -بعد فضل الله ومنته- هو الحسنات والسيئات، ومنه يتوجه الإنسان إلى الجنة أو النار، فمن حسُن عمله في الدنيا زاد توجهه إلى الله والدار الآخرة؛ ومن ساء عمله انقطع عن الله وخاب وخسر، لذلك ينبغي توجيه الطالبة المسلمة إلى هذا الأمر، حيث إن هذه الثمرة تنبع من عميق إيمانها بالله واليوم لآخر وحبها للقائه تعالى، قال - عز وجل -: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾[13].

كما توقن بالحكمة الإلهية من خلقها وتشعر بالمسؤولية، كما قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾[14].

إن لفت نظر الطالبة إلى هذا الأمر، يثمر عندها معرفة حقيقة الحياة الدنيا، وزوال نعيمها، وكبدها ومشاقها، فلا تفرح بها، وتطمع في النعيم الخالد في الآخرة، وقد قال تعالى: ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾[15]، فلا تركن إليها أو تنشغل بها عن الآخرة، حيث حذر الله من ذلك في قوله:﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[16].

والطالبة المؤمنة تسعى للفلاح والنجاة والسعادة في ذلك اليوم بتقديم الأعمال الصالحة خالصة لوجهه الكريم، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾[17]، قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله -: (فمن كان يرجو لقاء ربه: أي ثوابه وجزاءه الصالح فليعمل عملا صالحا، وهو ما كان موافقا لشرع الله، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا: وهو الذي أراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المُتقبل)[18].

وإن توجُه الطالبة للآخرة وتصديقها بذلك اليوم، يعكس آثارا إيجابية على سلوكها، فلا تكاد تسمع أمرا لله أو لرسوله - صلى الله عليه وسلم يذكرها بالآخرة ويعدها بحسن الثواب، إلا أصغت له سمعها، وبادرت بامتثاله، فتراها توالي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وتعادي أعداءه وتتبرأ منهم، اتباعا لقوله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ[19]، وتحسن خلقها وتتحلى بآداب الإسلام الرفيعة في تعاملها مع جيرانها وأهلها وضيوفها، اتباعا لأمره - صلى الله عليه وسلم - في قوله: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت))[20].


وتضبط سلوكها وتلتزم بأوامر الإسلام في بعض الأمور الخاصة بالنساء، كأمرها بالاحتجاب عن الرجال في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾ [21] وحثها على غض البصر في قوله: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾[22].

(إن ارتباط السلوك البشري في الحياة الدنيا باليوم الآخر ثوابا وعقابا؛ يعد من أعظم وسائل تقوية الإيمان بيوم القيامة، فإذا علم المكلّف أنه ُمجازى بعمله في الآخرة، كان ذلك حافزا له لاستحضار ذلك اليوم في نفسه، ومساعدا له على تحسين العمل وموافقة الشرع)[23].

إن الطالبة المؤمنة المتوجهة بقلبها للآخرة، والتي ترجو لقاء ربها، تسعى جاهدة في تسخير ما أنعم الله عليها لطاعة ربها، وتجعل هموم الدنيا همّا واحدا: همّ الفوز والنجاة في ذلك اليوم، فتستحق البشارة التي وعد بها النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من كانت الآخرة همّه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له))[24].


[1] أصول الدعوة: د. عبدالكريم زيدان ص 99، مؤسسة الرسالة ومكتبة القدس، بيروت ط:2، 1407هـ/1987م.




[2] فتح الباري 11/343.



[3] صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب التواضع، ح6502 ( فتح الباري 11/340).



[4] ينظر: منهج الإسلام في تزكية النفوس: د. أنس أحمد كرزون 1/ 321 دار نور المكتبات، جدة، ودار ابن حزم، لبنان ط:2، 1418هـ/1997م، والدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة في مرحلة المراهقة: حنان عطية الطوري الجهنّي 2/28-40، المنتدى الإسلامي، ط:1، 1322هـ/2001م.



[5] صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى 4/2061 ح 2675.



[6] سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة 4/466 ح 2165، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ومستدرك الحاكم، كتاب الإيمان 1/13 وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي.



[7] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: الإمام الحافظ أبو العلى محمد بن عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري 6/385، مطبعة المعرفة، القاهرة، ط:2، 1383هـ/1963م.



[8] باختصار: فتح الباري 11/127.



[9] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، ح52 ( فتح الباري 1/126) واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب البيوع، باب أخذ الحلال وترك الشبهات 3/1219 ح 1599.



[10] عبدالله بن مسعود الهذلي حليف بني زهرة،من السابقين الأولين ومن النجباء العالمين، هاجر الحهرتين، وشهد بدرا، أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان يشبه النبي - صلى الله عليه وسلم - في هديه وسمته وقال عنه - صلى الله عليه وسلم -: ((من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد)) مات بالمدينة سنة 33هـ رحمه الله. ينظر: سير أعلام النبلاء 1/461، الإصابة في أسماء الصحابة 2/368.



[11] صحيح البخاري، كتاب الدعوات، باب التوبة، ح6308 ( فتح الباري 11/102).



[12] باختصار: فتح الباري 11/105.



[13] سورة النساء: آية 87.



[14] سورة المؤمنون: آية 115.



[15] سورة الرعد: جزء من آية 26.



[16] سورة هود: الآيتان 15-16.



[17] سورة الكهف: جزء من آية 110.



[18] تفسير ابن كثير 5/200.



[19] سورة المجادلة: جزء من آية 22.



[20] متفق عليه: صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ح6018 (فتح الباري 10/445) واللفظ له، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان 1/68 ح 47.



[21] سورة الأحزاب: جزء من آية 59.



[22] سورة النور: جزء من آية 31.



[23] أسس تربية الفتاة في الإسلام: عدنان باحارث ص 115.




[24] سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب الهمّ بالدنيا 2/1375 ح 4105، وسنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب 30، 4/642 ح 2465، وسكت عنه الإمام الترمذي، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/300 ح 2005.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27-11-2020, 05:57 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 52,393
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

ثمرات الدعوة إلى الله تعالى في المرحلة الثانوية

الثمرات الإيمانية (6)


هند بنت مصطفى شريفي



ثامنا: بناء التصور الإيماني الصحيح للكون والحياة:
يعدّ بناء التصور الإيماني الصحيح للكون والحياة من الثمرات المهمة لدعوة الطالبة، حيث يتم رفع مستوى الوعي عند الطالبة في جميع نواحي حياتها، وتأسيس بنائها الثقافي والمعرفي بشكل يتلاءم مع ما حباها الله به من قدرات، وما كلّفها به من واجبات، لتبني تصورات سليمة عن نفسها وعن الكون الذي يحيط بها، فيقوم تفكيرها على أسس سليمة، تتخذ مواقفها وتقوم بأعمالها بناء عليها، وتقوم بمسؤوليتها المناطة بها كمسلمة ومربية أجيال، ولتكون على بينة من المستجدات المعاصرة، فتحافظ على استقلال شخصيتها وهويتها المتميزة، ولا تقع في التقليد أو الابتداع، أو تكون مطية لتيارات مضللة، تستغل ضعفها كأنثى، حين تخاطب غرائزها، أو تميل بشهواتها عن طريق الخير، فتخرجها من خدرها، وتفقدها طهارتها وسموها.

إن التصور الصحيح للكون والحياة عند طالبة المرحلة الثانوية يجب أن يُستمد من الكتاب والسنة، فهما عميقا وتطبيقا واقعيا وربطا بالواقع المعاصر، وهذا يولد لديها رؤية واضحة، وبصيرة تعينها على مواجهة التحديات الماثلة أمامها، وتحصنها بسياج قوي من قيم الإسلام، وهذا يتطلب إحاطة الطالبة بالجوانب الأساسية التي تحيط بها، ومن أهمها جانب صلتها بخالقها وإلهها الذي تعبده، وأخلاقها الاجتماعية التي تتعامل بها مع الناس حولها، والنظم التشريعية التي شرعها دينها[1].

فهي تعلم أن هذا الكون الفسيح المتقن الصنع، قد سخّره الله لنفع الإنسان، كما قال تعالى:﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾[2]، وترى ما فيه من بديع المخلوقات والإتقان مما يدل على قدرته تعالى وعظمته، ويبعث على التفكر والتدبر، ويثمر توحيده تعالى وخشيته واليقين بحكمته، كما قال عزّ وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [آل عمران: 90، 91] [3].

وهذا الكون له سنن إلهية نافذة، تظهر من خلاله حكمته وسنته تعالى في معاملته للبشر والمجتمعات بناء على سلوكهم وأفعالهم، وموقفهم من شرعه وأنبيائه[4]، وهي سنن مطردة ثابتة لا تتغير، يسري حكمها على الخلق كلهم دون محاباة أو تمييز، كما قال تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾[5].

ومن خلال هذه السنن تستقرئ سنن الأولين، وتعرف عوامل البناء والتقدم، وعوامل الهدم والانحطاط، وبإيمانها بها تقوّم سلوكها، وتستشعر الاطمئنان والرضا بقضاء الله وقدره، وتشعر بالأمن النفسي، فلا تتحسر على الماضي ولا تخاف من المستقبل، فهي آمنة على رزقها لأن الله ضمنه لها، قال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [6].

وآمنة على حياتها لعلمها بأن الآجال مكتوبة وأن لها أجلا مسمى، والموت سنة الله في عباده، قال تعالى:﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾ [7].

أما تصوراتها عن الحياة، فالحياة الدنيا دار عمل وكدح، والآخرة دار حساب وجزاء، والدنيا دار لعب ولهو وفناء، أما الآخرة فهي (الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد)[8]، لذلك تسخر الدنيا للبناء للآخرة لأن فيها الجزاء والخلود، وقد قال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾[9].

وحياة الإنسان في هذه الدنيا تدور حول ركيزتين:
الركيزة الأولى: المسؤولية: وهي تكليف للإنسان بما أعطاه الله من عقل وإرادة وحواس، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[10].

وبما آتاه من قدرة على تحمل الأمانة، قال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾ [11].

وهي صفة تلازم الإنسان في فترة ممتدة ذات طرفين:
بداية: حين يُطالب بأداء الواجب، ويناديه منادي العمل، وهي هنا مسؤولية تمكن واقتدار ومطالبة.

ونهاية: بعد أن يؤدي المطلوب، ويقدم ما صنعه لإجابة ذلك النداء، فتكون هنا مسؤولية محاسبة واستجواب وتقدير[12]، قال تعالى:﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾[13].

الركيزة الثانية: الجزاء: عن السيئات والحسنات بعدل الله وحكمته وإحسانه، قال تعالى:﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾[14].

وقد يُجازى الإنسان في الدنيا قبل الآخرة، وهذا ( وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا- وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله... بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة)[15]، قال تعالى:﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[16].

وأما من خالف أمر الله وما أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه، فلا طمأنينة له ولا انشراح صدر في الدنيا، بل صدره حرج لضلاله، وإن تنعّم ظاهره، ويوم القيامة يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة، قد عُمّي عليه كل شيء إلا جهنّم[17]، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾[18].

تاسعا: بناء التصور السليم عن المعارف والعلوم الحديثة ووظائفها في حياة الإنسان:
تعلم المسلمة أن الإسلام دين حضارة وتقدم، وقوة ورقي، دين يحث الإنسان على اكتشاف العالم وقوانينه وأسراره، ويوجه الأبصار والعقول إلى آيات الله في الأرض، (فإن في كل مخلوقاته عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتفكرين، سواء كانت من جلائل مصنوعاته كملكوت السموات والأرض، أو من دقائقها من سائر مخلوقاته)[19]، قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [20].


وهذه العلوم والمعارف المكتشفة والمخترعة إن لم ينتفع بها الإنسان، ولم تسخر لخدمة الدين فقد تكون ضررا ووبالا عليه وعلى المجتمع (وعلوم البشر السابقة واللاحقة وما يترتب عليها من المعارف والأعمال والنتائج والثمرات نوعان: علوم دينية وعلوم دنيوية، وكل رُقي ديني ودنيوي وأخلاقي وجسدي، فإنه من ثمرات العلوم، ولكن الرقي يتفاوت تفاوتا عظيما، فأعظم أنواع الرقي وأعلاه وأصلحه وأكمله إذا اتفق العلمان المذكوران واتفقت آثارهما وتعاونا على الخيرات كلها، وعلى زوال الشرور كلها... وأن كل علم ومعرفة وآثار ونتائج مهما عظمت وترقَّت، إذا لم تكن مبنية على الدين فإنها ناقصة نقصا عظيما، وأن شرّها أعظم من خيرها)[21].

ومهما بلغت المعارف والعلوم من الرقي والتطور، فإن التصور الإسلامي لنفعها مرتبط بمحافظة الأمة الإسلامية على هويتها المبنية على قاعدة راسخة من تعاليم القرآن الكريم والسنة المطهرة، والتي تتميز بأنها بيّنة، ثابتة، فعّالة.

بيّنة: لوضوح تلك التعاليم في مبادئها العقدية وفي أحكامها الشرعية وقيمها الخلقية.

ثابتة: لقيامها على تلك المبادئ والأحكام المقررة في الوحي، وهي قيم مطلقة أنزلها الله لتكون شرعة دينية إلى قيام الساعة.

فعّالة: متفاعلة مع الزمن عطاءً واكتسابًا، فالمسلم يسير في ضوء الوحي مصححًا مسار الحياة نحو الحق، ومستثمرا في ضوئه ما ينتجه الجهد البشري من خير وصلاح - سواء أنتجه المسلم نفسه أو أنتجه الآخرون - ولهذا يمتاز المسلم الواعي المتبصر بالثبات أمام ما يعترضه من قضايا ومستجدات، فلا يستعجل بالرفض لكونه لم يألفها، ولا ينبهر بها فينساق معها دون روية[22].


[1] ينظر: ثقافة المسلمة بناء وأداء: د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي ص 12.




[2] سورة الجاثية: جزء من آية 13.



[3] سورة آل عمران: الآيتان 190-191.



[4] ينظر: السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد في الشريعة الإسلامية: د. عبدالكريم زيدان ص 13, مؤسسة الرسالة، بيروت، ط:2، 1414هـ/1993م.



[5] سورة فاطر: جزء من آية 43.



[6] سورة هود: آية 6.



[7] سورة المنافقون: جزء من آية 11.



[8] تفسير ابن كثير 6/301.



[9] سورة العنكبوت: آية 64.



[10] سورة النحل: آية 78.



[11] سورة الأحزاب: جزء من آية 72.



[12] ينظر: دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية: د.محمد عبدالله دراز ص 43-59، دار القلم، الكويت ط:4، 1414هـ/1994م.



[13] سورة التوبة: آية 105.



[14] سورة الزلزلة: الآيتان 7-8.



[15] باختصار: تفسير ابن كثير 4/520.



[16] سورة النحل: آية 97.



[17] ينظر: تفسير ابن كثير 5/316-317.



[18] سورة طه: آية 124.



[19] فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني 2/271، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت- لبنان، ط:بدون، ت: بدون.



[20] سورة الأعراف: جزء من آية 185.



[21] الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة في العقائد والفنون المتنوعة الفاخرة: الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي ص 125-126، مكتبة المعارف، الرياض ط:3، 1400هـ/1980م.



[22] ينظر: العولمة الغربية والصحوة الإسلامية: د. عبدالرحمن الزنيدي ص 113.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 193.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 189.47 كيلو بايت... تم توفير 4.30 كيلو بايت...بمعدل (2.22%)]