الأساس التقابلي في البلاغة العربية - مقاربة تأويلية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         الصدق منزلة القوم الأعظم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          ذكاء المسافة في الحياة الزوجية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          أفكار للطالب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          حدود العقل في الإلهيات والغيبيات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          حياة مؤجلة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          الإشاعة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          خطة عمل يومي (مقترحة) لكل مسلم ومسلمة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          شرح سنن أبي داود للعباد (عبد المحسن العباد) متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 66 - عددالزوار : 5398 )           »          قراءة فى كتاب إلى المتفكهين بالأعراض (اخر مشاركة : رضا البطاوى - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3417 - عددالزوار : 515090 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى الإنشاء

ملتقى الإنشاء ملتقى يختص بتلخيص الكتب الاسلامية للحث على القراءة بصورة محببة سهلة ومختصرة بالإضافة الى عرض سير واحداث تاريخية عربية وعالمية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-10-2021, 05:36 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,496
الدولة : Egypt
افتراضي الأساس التقابلي في البلاغة العربية - مقاربة تأويلية

الأساس التقابلي في البلاغة العربية - مقاربة تأويلية
محمد بازي






تمهيد:

نسعى في هذا المقال إلى تَبيُّن أسرار بلاغة التقابل التي تَضمَّنَتها علوم البلاغة العربية القديمة، عبر تَبْيين معالمها وتجلياتها في العوالم الداخلية المتقابلة للنصوص ثانيا، للتأكيد على بلاغة الخالق في خلقه، وفي تعليمه المخلوقين جمال التعبير عبر التقابل، والمعاني المتواجهة ظاهريا أو باطنيا. معتمدين في مقترحنا على دراسة استكشافية للكتابات البلاغية، للتدليل على حضور هذا البناء التقابلي الظاهر والخفي، ثم تمكين المتلقي من الوقوف عليه بنفسه في أنماط نصية وخطابية أخرى. وهذا جوهر منهجية التأويل التقابلي، ولذلك سنحاول أن نبين أن التقابل المتناسق للمعاني في النصوص، وما ينتج عنه من أثر جمالي مرجعه التناسق الجمالي ذي الأبعاد التقابلية الذي أودعه الله تعالى في الكون وظواهره أولا، ثم عُبِّر عنه في التواصل العادي أو الأدبي بمفردات ذات منحى بلاغي تقابلي، عبر الحقائق و المجازات (التراكيب الاستعارية والتشبيهية كما سنبين)، وهي تختزل بذلك تقابل العوالم المادية والمعنوية؛ فيحصل التواصل على هذا الأساس التقابلي المتواضَع عليه؛ حيث تتشكل النصوص والخطابات- تبعا لذلك- وفق ناموس التقابل الكوني، وهذا ما يستدعي اليوم التأسيس لتأويلية تقابلية تستمد بعض أسسها من الدراسات البلاغية، فتكون منطلقا للقراء والمؤولين لفهم النصوص المبنية أصلا على تقابلات ظاهرية وخفية.



تبسط هذه الدراسة تصورات أولية، نحن بصدد توسيع مجالها ومرجعياتها ومباحثها، ضمن اهتمامنا بالتأويليات العربية، وترتبط تحديدا بالتقابلات الجُملية والنصية والخطابية. لقد ظل للتقابل حضور ضمني قوي في كل الظواهر البلاغية القديمة بشكل أو بآخر، وسنوضح ذلك من خلال بعض التصورات البلاغية في "الصناعتين" لأبي هلال العسكري، و"المزهر" للسيوطي، و"أسرار البلاغة" للجرجاني، و"منهاج البلغاء" لحازم القرطاجني، و"مفتاح العلوم" للسكاكي وغيرها.



1- التصور المقترح والإشكالات المرتبطة به

ألا يمكن أن نؤسس اليوم للمؤولين بلاغة جديدة نسميها بلاغة التأويل التقابلي، انطلاقا من تراثنا التأويلي والأدبي البلاغي، تستند على الأنساق التقابلية الضمنية والظاهرة التي تنبني عليها النصوص والخطابات، وعلى أنساق تفاعلية في الفهم والتأويل؟



وهل من الضروري، ونحن نعود إلى هذا التراث، وما تضمنه من تصورات عالية القيمة حول المعنى وتشكلاته، أن نبقى أَسْرى التصورات والأطر المعرفية التي وضعها البلاغيون القدامى، بحيث نتبع بشكل حرفي ما رسموه من أسس وقواعد في كل مسألة بلاغية على حدة؟



لا ريب أن التطور المعرفي، وتوافر تصورات جديدة مرتبطة بعلم النص وتحليل الخطاب، والغنى الذي تعرفه نظريات القراءة والتأويل، يحتم إغناء أدوات الفهم والتأويل المعروفة. لكن ألا يمكن القول - من زاوية نظر أخرى - بأن الكثير من الأدوات البلاغية القديمة مثل التشطير، التقسيم، التعطف، التلطف، التطريز،المضاعفة، الأرداف والتوابع، وغيرها...أصبح خافت الحضور لدى محترفي الكتابة، و لدى المؤولين أثناء مقاربة الظواهر التواصلية المختلفة، وأنه من الأجدر باهتمامات البلاغة الجديدة، والبلاغيين الجدد، ومحللي الخطابات، وضع أنساق تصورية للتعامل مع الأشكال الثقافية والتواصلية الكثيرة التي نتفاعل معها اليوم، والتي تبني أنظمتها وبلاغتها في التأثير والإبلاغ على أنساق تواصلية تتجاوز بلاغة الجملة وبلاغة النص إلى بلاغة الصورة، والخطاب الرقمي المتشعب وغير المتشعب؟



2- مِلاك التأويل التقابلي

تحاول هذه الأبحاث مقاربة العديد من الظواهر البلاغية ذات الأساس التقابلي، سواء ما ارتبط منها بالتقابلات الظاهرة، أو ما تعلق بالمعاني الخفية فيها، للتأكيد على سر جمال الخلق في الأشياء والعوالم، والقائم بفضل الخالق عز وجل على التقابل في مستوياته الظاهرة أو الخفية، والتي علَّمَها الخلق، أو توصلوا إلى بلاغتها في التواصل وبناء النصوص والخطابات،وإبلاغ المعاني، فتشكلت وتشاكلت، وتتبعَتْ البلاغة والنقد الأدبي أشكالها وتشكُّلات المعنى فيها.



أسرار التقابل كثيرة، والوقوف عند معالمه ظل غير واضح في ثقافتنا وتراثنا البلاغي والنقدي؛ ولذلك نحاول في هذه المقاربات وضع أسس بلاغة التأويل التقابلي، وتوضيح معالمها وتجلياتها في الكون، وفي العوالم الداخلية المتقابلة للنصوص، للتأكيد على بلاغة الخالق، الذي أودع نفوس المخلوقين جمال التعبير عبر التقابل، والمعاني المتواجهة ظاهريا أو باطنيا.



يهدف الاشتغال على أنماط نصية متباينة إلى تأكيد حضور البناء التقابلي في النصوص والخطابات، من أجل إيقاف القارئ عليها، وتزويده بالأداة المنهجية لبناء المعاني واكتشاف أسرار الجمال التعبيري، ثم التعمق في ذلك للوصول إلى أن جمال التناسق التقابلي للمعاني مرجعه التناسق الجمالي الذي أودعه الله تعالى في الكون وظواهره، ثم عُبِّر عنه بمفردات ذات منحى تقابلي، وتراكيب استعارية وتشبيهية وكنائية... تختزل تقابل العوالم؛ تبعا لذلك يحصل التواصل على هذا الأساس التقابلي المتواضع عليه، والبناء المتقابل المبني حسب المقامات؛ فتشكلت المعاني النصية وفق هذا الناموس الكوني المتقابل، وهو ما يستدعي اليوم التأسيس لمنهجية تأويلية تقابلية،ينطلق منها القراء والمؤولون لفهم النصوص المبنية أصلا على تقابلات ظاهرية و خفية.



3- التقابل الخفي في البنيات التشبيهية

التشبيه إلحاق شيء بذي وصف في وصفه؛ والغرض منه كما ذكر السيوطي (ت911ه) في "الإتقان" تأنيس النفوس بإخراجها من خفي إلى جلي، وإدناء البعيد من القريب ليفيد بيانا، وقيل الكشف عن المعنى المقصود مع الاختصار[1].



يقوم البناء التشبيهي باعتباره تقابلا للعالم وللمعنى على مستويين: ظاهر عبر تشبيه شيء بشيء، يدل عليهما لفظا المشبه والمشبه به، وخفي وهو القوة العاملة على إحداث تقابل بين شيئين بينهما تشابه لقصد من المقاصد التعبيرية؛ فالباني للتشبيه يقابل بين أمرين بينهما جامع الشبه، ليقوم المتلقي بدوره بإحداث تقابل بين المشبه والمشبه به لمعرفة أوجه الشبه والوقوف على المعنى. ينبني التشبيه إذًا كغيره من الظواهر البلاغية على تقابل خفي ذي صبغة إنتاجية وصبغة تأويلية.



إن التقابل من الأسس التعبيرية الخفية التي تتحكم في مناحي التعبير، وليست الظواهر البلاغية المعروفة إلا تفريعات له، وتدقيقات ترصد التباينات الحاصلة بين لون تعبيري وآخر، أما الأساس المتحكم في إنشاء الخطاب فهو التقابل. قال ابن سيده: "مقابلة الشيء بالشيء أذهب في الصناعة"[2]؛ ولذلك نسعى إلى الوقوف على هذا الأساس التقابلي في التفكير البلاغي العربي، تبعا للتقابلات الخفية التي يتأسس عليها إنتاج المعنى، وسننتقي من علوم البلاغة الثلاثة: البيان والمعاني والبديع ما يفي بتبيين هذا الأساس التقابلي في إنتاج الخطاب بهدف بناء مبادئه وقواعده.



التشبيه وصف بأن أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة تشبيه[3] أو بغيرها، و يهدف إلى إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة، نحو قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً ﴾[4]، فالتشبيه قائم على مقابلة ما هو معنوي (عمل الكافر) بما هو مادي (السراب). والوجه الآخر لبناء التشبيه هو إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة{إنما مثل الدنيا كماء أنزلناه من السماء}[5] إلى قوله ﴿ كأن لم تغن بالأمس ﴾، وفيه بيان لما جرت به العادة إلى ما لم تجر به، والمعنى هو الزينة والبهجة ثم الهلاك.



أما الوجه الدلالي التقابلي الثالث في التشبيه فهو إخراج مالا يُعلم بالبديهة إلى ما يُعلم بها، نحو قوله تعالى: ﴿ وجنة عرضها السموات والأرض ﴾[6]، والجامع بين العنصرين المتقابلين هو العِظم، والقصد التشويق إلى الجنة.والوجه الرابع هو إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها، نحو قوله عز وجل: ﴿ وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ﴾[7] والجامع بين الأمرين العِظم.



يقوم التشبيه، كغيره من الوجوه البلاغية عند مُنتجِه، على تصور المعاني بشكل تقابلي، انطلاقا من عالم تتقابل فيه الماديات والمعنويات: ما يُعرف بالحواس وما يُعرف بالفكر؛ وهكذا يتأسس التقابل في التشبيهات العربية على المعروفات المتماثلات، فشُبِّه الجواد بمقابله البحر، والحسن بمقابله الشمس، وشُبِّه الحليم الرزين بمقابل معروف وهو الجبل، والقاسي بمقابله المعروف عند الناس وهو الحديد،....



يُبنى التشبيه على استحضار المقابلات (المشبه به المناسب للمشبه)، والقصد من هذا الاستحضار التوضيح المعنوي والتأكيد. وهو أس من أُسس التعبير الإبلاغي في سائر اللغات والثقافات، وَفْق هذا البعد التقابلي الحاصل أصلا في الوجود المادي والمعنوي.وقد طال هذا البناء التقابلي خطاب الحكمة فانبنت كثير من الأمثال والحِكم على المقابلة بين الأشياء قصد التقريب والتفهيم والتوضيح والتأكيد،مثل قول ابن المقفع:" الدنيا كالماء المالح كلما ازددت منه شربا ازددت عطشا"، وقال بعض الحكماء: "الدنيا كالمنجل استواؤها في اعوجاجها"[8]. كما أن التواصل اليومي بين الناس ينبني على التقابل في الكثير من الأحوال والمقامات، ومن هنا ضرورة التفكير في دراسة الخطاب التواصلي اليومي من هذه المنطلقات التقابلية.



بسط البلاغيون الكلام في وجوه التشبيه وإمكانياته، كتشبيه الشيء بالشيء صورة، أو صورة ولونا، أو حركة، أو معنى. ووقفوا على بدائعه، حين يُوفَّق الشاعر في تشبيه أربعة أشياء بأربعة في بيت واحد، وتطرقوا لعيوب التشبيه مثل إخراج الظاهر إلى الخافي، والمكشوف إلى المستور، والصغير إلى الكبير[9]، والتشبيهات البعيدة... وغيرها من الاهتمامات التي اعتنت بصناعة الكلام، ودرجات البراعة أو الإخفاق فيه، ووجوه حصوله، مع الإتيان بالنماذج الشعرية، وإبراز حدود التعالق والتناص بينها. وكل ذلك مفيد في بابه، غير أن غرضنا من تتبعه هو الإشارة إلى البعد التقابلي الذي انبنت عليه الأساليب البلاغية القديمة، وقد كان بناء قاعديا متحكما في الكثير من الظواهر دون أن يتعمق البلاغيون في دراسته.



غير أن هذا الأمر ليس مقصدنا الوحيد من هذه المقاربات، وإنما الاستئناس بذلك النظام العميق الذي انبنت عليه الخطابات الأدبية، وتتبعتها الأبحاث البلاغية وخطاب الشرح والتفسير، بهدف تعزيز مقترحنا، والاستدلال على سداد المقاربة التقابلية التي تجد أساسها المشترك بين الخطابات، وتجد لها دعما قويا في الدراسات البلاغية القديمة، وقد وقفنا بتركيز شديد عند التشبيه، لنتناول البعد التقابلي في التمثيل و الاستعارة وغيرهما من الظواهر البيانية.



4- البعد التقابلي في التمثيل

التمثيل هو أن تمثل شيئا بشيء فيه إشارة؛ وسمي المثل مثلا لأنه ماثل لخاطر الإنسان أبدا يتأسى به[10]، والماثل الشاخص والمنتصب. قالوا:في المثل ثلاث خلال: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه[11]؛ كما روي في الأثر: "المؤمن في الدنيا ضيف، وما في يديه عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة، ونعم الصهر القبر".



ومن التمثيل التعبير عن معنى بلفظة موضوعة لمعنى آخر[12]، مثل " فلان نقي الثوب"والقصد أنه لا عيب فيه، والتقابل الحاصل فيه على المستوى الصناعي هو أن المتكلم أراد معنى (أ) وهو "أنَّ فلانا لا عيب فيه"، من خلال إيراد معنى (ب) وهو " نقي الثوب" على سبيل التمثيل. ونفهم من هذا أن التقابل ليس تام الحضور وظاهرا في البنية القولية دائما، وإنما يُستفاد بالفهم والتأويل، وإيجاد علائق رابطة بين البنية الظاهرية غير المرادة، وبين البنية المؤَوَّلة وهي المرادة، وهو قريب من الكناية. مقابل هذه البنية، يُقال: "فُلانٌ دَنِس الثوب" فليس المقصود هو تدنس الثوب، مع أنه يمكن أن يكون المقصود في سياق تعبيري معين، وإنما المراد به أنه "غادر وفاجر".



وللعرب استعمالات لغوية كثيرة على هذا النحو، مثل: "فلان طوى كشحه عن فلان"، إذا ترك صحبته ومودته، وقولهم:" أفلَ نجمُه"، و"ذهبت ريحه"، و"أطفئت جمرته"، و"انكسرت شوكته"، و"تضعضع ركنه"، و"رق جانبه"....وفي الحديث: "إياكم وخضراء الدمن"، فالقصد من خضراء الدمن المرأة الحسناء في المنبت السيء، فأتى بغير اللفظ الموضوع لها على سبيل التمثيل.



5- التقابل الخفي في البنيات الاستعارية والمجازية

يتقابل في البنيات الاستعارية المستعار له والمستعار منه، والاستعارة انتقال وتنقيل من الحقيقة المتروكة إلى الاستعارة لبلاغتها، فقولنا: "تضحك الأرض من بكاء السماء" يكشف عن التصور التقابلي الأولي الثاوي وراء بناء العبارة الاستعارية، وهو التقابل المستحضر ذهنيا عند المنتج: الإنسان يضحك أي يبدي عن الثغر، فالضحك يدل على الفرح والانشراح، ويقابله "الأرض تضحك" أي تبدي حَسَن النبات.بكاء السماء يقابل بكاء الإنسان (انهمار الدموع). ثم هذا التقابل بين ضحك الأرض وبكاء السماء، ومقابله إنبات الأرض وانفتاح الزهور بسبب المطر.



انشغل البلاغيون القدامى في تناولهم لمبحث الاستعارة بإيراد كثرة الشواهد والأمثلة من القرآن الكريم، والخطب، والأقوال، والشعر. وإذا تتبعنا مُنجز العسكري، مثلا، نجده يقوم على جمع المادة المتعلقة بالاستعارة مثل أي ظاهرة يدرسها، ثم يقدم شروحا قليلة؛ وكأن الكتاب مدونة نصية تمد الكُتاب ومُحترِفي الصناعتين (الكتابة والشعر) بالنماذج البلاغية الموفَّقة في كل باب من أبواب البلاغة على حدة. وهو عمل قيم، لأن حفظ هذه الآثار البلاغية وتصنيفها داخل أبواب البلاغة دليل معرفة بضروب القول البلاغي، وبالفروقات القائمة بينها؛ كما يتوجه بالنقد أحيانا إلى الشعراء والكتاب، مثل ما فعل مع أبي تمام حينما انتقد إكثاره من الاستعارات البعيدة. قال: "وقد جنى أبو تمام على نفسه بالإكثار من هذه الاستعارات، وأطلق لسان عائبه"[13].



يقوم بناء الصورة الشعرية على التقابل بين الأشياء والعناصر، فالتصوير تركيب تقابلي بين مكونين أو عنصرين أو أمرين، تبعا للعلاقات التي تتأسس عليها صور الانزياحات، وهي علاقة المجاورة، وتقوم على الإرداف والماثلة والكناية والتعريض، ثم علاقة المشابهة[14] وتقوم على الاستعارة والتشبيه التمثيلي والضمني، وكلها قائمة على استحضار عنصرين تتم المقابلة بينهما ذهنيا وبنائيا. و انطلاقا من ذلك يُبنى المعنى إنتاجا، كما يُفهم ويُؤَوَّل اعتمادا على العناصر الحاضرة أو الموحى بها.



إن علاقتي المشابهة والمجاورة ليستا - في تصورنا - إلا تنويعا عن العلاقة الأم وهي التقابل، فهو الأساس الذي تتفرع عنه العلائق البيانية الأخرى في صناعة المعنى، وليست التسميات الأخرى إلا تحديدا لملمح في تلك العلاقة. و باختصار، كل بناء للمعنى يتضمن جانبا من الأبعاد التقابلية الحاضرة أو الخفية التي يمكن الانطلاق منها لفهمه على أحسن الوجوه؛ ولذلك فالأبحاث البلاغية،وبالأخص تلك المتعلقة بالظواهر القائمة على البيان والإبانة، وعلى المعاني، تسمح بالانطلاق منها في التأويليات الحديثة، لتأسيس مقاربات جديدة للنص و الخطاب من منظورات تقابلية.



وقد أسس كثير من البلاغيين تصوراتهم على أساس تقابلي، ومن ذلك العلاقة بين العنصرين المتقابلين: المسند والمسند إليه، وهو عند السكاكي (ت626ه) وجه من وجود التقابل في البنية العميقة للخطاب بين مسند ومسند إليه، وقد أسس عليه دراسته البلاغية لكثير من الظواهر البلاغية مثل ربط مساق الحديث بمقتضى الحال عند المتكلم،مبينا أن الخبر يُوَجَّه إلى فئات متقابلة من المخاطبين، وهو تقابل ثلاثي المراتب اعتبارا لمقام المخاطب: (الخالي الذهن /السائل المتحير /الناكر). وتبعا لهذه الأوضاع الاعتبارية للمتلقي يأتي الخبر بدون مؤكد (زيد عارف) فيسمى ابتدائيا، أو خبر بمؤكد واحد (إن زيدا عارف) ويسمى خبرا طلبيا،أو خبرا بمؤكدين أو أكثر (إن زيدا لعارف) ويسمى خبرا إنكاريا، وتتأسس على كل نمط من الأخبار مقاصد ومعان.



إلى جانب الإسناد يقف المتأمل في "مفتاح العلوم" على تقابل آخر عميق هو الملزوم واللازم، واللزوم هو تصور بين شيئين، فإما أن يكون بين شيئين (الأمام/الخلف) بحكم العقل، أو بين طول القامة وطول النجاد بحكم الاعتقاد. ويرى السكاكي أن علم البيان يقوم على "اعتبار هاتين الجهتين: جهة الانتقال من ملزوم إلى لازم، وجهة الانتقال من لازم إلى ملزوم"[15]. ويبين هذا أن علم البيان بدوره قائم على تقابل ذي طبيعة تلازمية، أي بين ملزوم ولازم، وعليهما تتأسس المجازات باعتبارها انتقالا من ملزوم (رعينا الغيث) مثلا والمراد لازمه وهو النبت.أو الانتقال في الكناية من اللازم مثل "طويل النجاد" إلى الملزوم، وهو طول القامة. ومرادنا أن التفكير البلاغي العربي تأسس في شطر هام منه انطلاقا من هذا التقابل بين المسند والمسند إليه في علم المعاني، والملزوم واللازم في علم البيان. وهو ما يؤكد على أهمية هذا التقابل العميق الذي استند إليه البلاغيون العرب، منطلقين من حقيقة تقابل المعاني والمقاصد وآليات التعبير في الكلام العربي، وقد كانوا وهم يقاربون هذه القضايا من منظورات تقابلية عميقة يضعون آليات تأويلية تقابلية وجدت امتداداتها وتطبيقاتها في الشروح والتفاسير.



6- المقابلة بين الحقيقة والاستعارة وتبيان الأبلغ

تناول العسكري (ت395ه) الاستعارة والمجاز مبينا التقابل الحاصل بينهما وبين الحقيقة، انطلاقا مما درج عليه البلاغيون من كون الاستعارة نقلا للعبارة عن موضع استعمالها في أصل اللغة إلى غيره لغرض، وهذا الغرض إما الشرح أو التأكيد، أو الإشارة باللفظ القليل، أو تحسين طريقة العرض، وإلا لكانت الحقيقة أولى منها بالاستعمال[16]. غير أنه لا بد من استحضار مرجع الحقيقة لفهم كل استعارة أو مجاز؛ لأنها أصل الدلالة على المعنى في اللغة.قال تعالى: ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾[17]، حقيقته "على" و"طما".



قال العسكري مقارنا ومقابلا: "الاستعارة أبلغ، لأن فيها دلالة القهر، وذلك لأن الطغيان فيه غلبة وعلو"[18]، وعلى هذا المنوال يسير التحليل التقابلي للظاهرة البلاغية عنده، فكلما أورد مثالا فيه استعارة إلا ويقارن بينها وبين الحقيقة، مستخلصا أن الاستعارة أبلغ وأدق، ومستعملا اسم التفضيل لتبيان بلاغتها، وهو تناول ذو منحى تقابلي حاضر - كما ذكرنا - بقوة في الكتاب.



قال في قوله تعالى:" ﴿ واشتعل الرأس شيبا ﴾[19] حقيقته كَثُر الشيب في الرأس وظهر، والاستعارة أبلغ؛ لفضل ضياء النار على ضياء الشيب، فهو إخراج الظاهر إلى ما هو أظهر منه، ولأنه لا يتلافى انتشاره في الرأس، كما لا يتلافى اشتعال النار"[20].



أسس العسكري في خطابه البلاغي نظرية واسعة للمعنى في التراث العربي، ومن بين الآليات الخفية لهذه النظرية البعد التقابلي الحاضر، وقد مثلنا له هنا بالمقابلة بين الحقيقة والاستعارة، حيث يبين في كل مرة أفضلية التعبير الاستعاري وبلاغته وقوته.



7- التقابل الخفي في ظواهر بلاغية أخرى

7 - 1- التقابل في التشطير

ذكرنا أن الظواهر البلاغية انبنت على التقابل، وهي آلية ضمنية عميقة غير مصرح بها، ولكنها حاضرة في الكثير من الظواهر البلاغية مثل التشطير، وهو أن يتوازن المصراعان والجزآن، وتتعادل أقسامهما مع قيام كل واحد منهما بنفسه واستغنائه عن صاحبه[21]، كما في قول الشاعر:





فَقِفْ مُسْعِدًا فيهن إن كنتَ عاذِرا

وسِرْ مُبْعِدًا عنهن إن كُنْتَ عاذلا




فأنت تلاحظ أن البعد التقابلي حاضر بقوة في بناء البيت الشعري، (قف/سر)، (مسعدا/مبعدا)، (فيهن/ عنهن)، (إن كنت عاذرا/ إن كنت عاذلا)، وهي تقابلات مقصودة ومختارة من طرف الشاعر لوفائها بالمقصود.وقد انتبه إليها البلاغيون وسموها"التشطير"، وهو قائم على التوازن وتعادل الأقسام، واستغناء كل منها عن الآخر. ومرد ذلك انبناء الصناعة القولية على أساس تقابلي، وليست المقاربات البلاغية إلا تتبعا لأصل القول، مع تسمية الظواهر الجزئية للتقابل بتسميات تدل على الملمح المميز للظاهرة عن سواها، فلم يُشر هنا إلى الطباق ولا إلى المقابلة مع أن حضورهما واضح،ولكن تمت التسمية على أساس حُسن التقسيم بين الشطرين أو قسمي الكلام، فالتشطير إذًا ملمح إضافي متفرع عن الأصل التقابلي، مثلما هو الشأن في التضاد الذي يحصل بين كلمتين، أو المقابلة التي يحصل فيها التضاد بين مجموعة كلمات على ترتيب مخصوص.



7 - 2- التقابل في الاستشهاد

ومما نجده مؤسسا على أساس تقابلي ما سماه العسكري "الاستشهاد والاحتجاج"، ويقوم على الإتيان بمعنى، ثم تأكيده بمعنى آخر يجري مجرى الاستشهاد على الأول، والحجة على صحته[22]، نحو قول بشار:





فلا تجعل الشورى عليكَ غَضاضةً

فإنَّ الخوافي قوة للقوادم






إن تتبع الظواهر التي تقوم على خلفية تقابلية في كتاب "الصناعتين" مثلا، يوقفنا على هذه القدرة التصورية والتبَيُّنِية العالية التي تسمح بالتمييز بين ظاهرة بلاغية وأخرى قريبة منها، مع الاستشهاد لكل واحدة بالعدد الكافي من الأمثلة؛ وهو دليل نضج المباحث البلاغية العربية، وتشكيلها لتصورات واضحة داخل نظرية المعنى، وكيفيات تشكله وصناعته، ودليل تبصر البلاغيين القدامى بالمعنى والأساليب المتنوعة التي تنقله. وفيما يتعلق بالاستشهاد، فهو عندنا نوع تقابل، لأن المعنى الأول يقابله المعنى الثاني المستشهد به، وهو منطلق تقابلي في صناعة القول، طرفاه المعنى الجديد المستدل عليه بمعنى معروف، أو قوة استدلالية سابقة.



7 - 3 - التقابل في التَّعَطُّف

من الأساليب المتضمنة للتقابل، كذلك، ما سماه العسكري "التعطف"، وقد كنا أشرنا إليه بتقابل المشتركات اللفظية[23]، وهو أوضح. قال: "التعطف أن تذكر اللفظ ثم تكرره، والمعنى مختلف"[24]، مثل قول الشاعر:





السيف أصدق إِنْباءً من الكتب

في حَدِّه الحَدُّ بين الجِدِّ واللعب




وهذا من الألفاظ المشتركة، فالحد: حد السيف، والحد: الفصل.وهذا من التقابل اللفظي، ولكن الألفاظ حمالة للمعاني، وهي معان تتباين بتباين السياقات التي ترد فيها؛ فالتقابل البنائي تم أولا من قِبل الشاعر الذي قابل المعنيين بناء على التكرير اللفظي، وينطلق التقابل التأويلي من ذلك عند التفهم والتفهيم.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-10-2021, 05:37 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,496
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأساس التقابلي في البلاغة العربية - مقاربة تأويلية



7 - 4 - التقابل في المضاعفة

من الظواهر البلاغية ذات الملمح التقابلي "المضاعفة"، وتقوم على ملاحظة التقابل بين معنى مصرح به، ومعنى كالمشار إليه[25]، مثل قول أبي العيناء: "سألتُك حاجة فرددتَ بأقبح من وجهك"؛ يتضمن الكلام قبح الوجه مقابل قبح الرد؛ فالمتلقي ينتقل من معنى إلى معنى مشار إليه عبر إحداث التقابل بينهما، أو جعل الأول معبرا للثاني. وفي كل الأحوال هناك عبور من البنية الظاهرة إلى البنية العميقة.



7- 5 التقابل في التلطف

التلطف هو أن تتلطف للمعنى الحسن حتى تهجنه، وللمعنى الهجين حتى تحسنه[26]، ويحضر كثيرا في التواصل اليومي، ويقوم على قوة البديهة. وقد تضمنت منه كتب الأدب أمثلة كثيرة، مثل "الأغاني" و"العقد الفريد"، و"الشعر والشعراء"، وغيرها من كتب الموازنات والأخبار، وشروح الشعر.قال رجل لآخر كان يراه فيبغضه: ما اسمك؟ فقال: سعد. قال: على الأعداء.



ولو شئنا أن نتبع هذا النمط من التلطف في الخطابات اليومية من وجهة تقابلية لطال بنا المقام، لأن أغلب التخاطبات تتأسس على التقابل في المواقف، والتقاول، والآراء، وعلى قلب المعاني، كما حصل في قول الرجل الذي جعل اسم "سعد" قدحا في مخاطبه، فهو سعد على الأعداء أي يسعد العدو، لأنه يحقق لهم ما يبغون من النصر لجبنه أو ضعفه أو خيانته.



دخل سعيد بن مُرَّة على معاوية، فقال له: أَ أَنتَ سعيد؟ فقال: أنا ابن مُرَّة، وأمير المؤمنين السعيد. يحمل هذا الحوار الموجز كل مظاهر التقابل الحواري من حضور الطرفين المتخاطبين، وتقابل مقاميهما، ثم التقابل الدلالي في اسم المخاطَب، السعادة والمرارة، وقد استغلها المخَاطَب خير استغلال، فحوَّل الخطاب لصالحه، ليربح مقصد التواصل، انطلاقا من استحضار البعد الصناعي في مقابلة المعاني والمقاصد والغايات.



ويروى أن الحجاج بن يوسف الثقفي، قال لـسعيد بن جُبير رضي الله عنه، وقد أحضره بين يديه ليقتله: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جُبير. قال: بل أنت شقي بن كُسير! وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين، وقد تضمن كلامه هذا أسلوباً من أساليب العرب وهو التلطف التهجيني، فنقل الاسمين إلى ضديهما، فقابل (سعيد) بـ (شقي)، وقابل (جبير) بـ (كسير) حسب ما يريده من المقاصد في ذلك المقام. فإذا كانت لقوله بلاغة التقابل وتداولها الناس على ذلك الأساس، فهل لفعله بالمقتول بلاغة الفعل؟ تلك بلاغة أخرى لابد من الـتأسيس لها تحت مسمى: "بلاغة الأفعال"، أو "بلاغة الأعمال" وهي التي تُبَلِّغ صاحبها أقصى درجات الإنسانية التي خُلق من أجلها[27].



روي أن أبا بكر مر برجل فقال له: أتبيع كذا؟ فقال: لا عافاك الله! فقال أبو بكر: علمتم لو تعلمون؛ قل: لا، وعافاك الله.كما أن التقابل حاصل في المقامات الاعتبارية للمتخاطبَين، فإن التقابل المقصدي حاضر بقوة في هذا المقام، إما أن الرجل عالم بقوله ومريد له، وإما أنه جاهل بنظام الخطاب، فحمل جوابُه دعاءً على أبي بكر: لا عافاك الله!، قد يكون مريدا له، وقد لا يكون، وقد تم أخذ كلامه على قصدية سوء التلطف، فتم تصحيح نظام الخطاب، وإحداث الفصل بين "لا" و"عافاك الله". وقد قيل البلاغة معرفة الفصل من الوصل.و قال المأمون:" البليغ من كان كلامه في مقدار حاجته، لا يجيل الفكرة في اختلاس ما صعب من الألفاظ، ولا يُكرِه المعاني على إنزالها في غير منازلها.."[28].



7 - 6 - الأخذ و وجوه التقابل

من وجوه الاشتغال بالتقابل في الخطاب النقدي القديم مقاربة البلاغيين بين المعاني والموازنة بينها، وهو نوع من الدراسات يبين حدود التفاعل المعنوي بين الأبيات، ومدى أخذ الشاعر عن غيره، وقد تناولت الظاهرة من هذا المنظور التقابلي غير الصريح كتب كثيرة، ونقف عند بعض الملامح من مقاربة العسكري، إذ ليس هدفنا تناول ظاهرة السرقات، وإنما التأكيد على هذا الملمح التقابلي الخفي الذي كان حاضرا في دراسة الأشعار، والحُكم على الشعراء بالأخذ أو عدمه..

قال ابن الرومي:





يُقتِّر عيسى على نفسه

وليس بِباقٍ ولا خالِد



ولو يستطيع لتقتيره

تنفس من مَنخر واحد






قال العسكري: "والناس يظنون أن ابن الرومي ابتكر هذا المعنى، وإنما أخذه ممن حكاه أبو عثمان أن بعضهم قبَر إحدى عينيه وقال: إن النظر بهما في زمان واحد من الإسراف"[29].



يقوم هذا النوع من التتبع على المقابلة بين المعاني، راصدا الأصل و الفرع، المبتدئ والتابع، وهي خطة ضمنية تحكمت في تتبع المعاني، والغاية من الوقوف عليها، الإشارة إلى بنيوية الفكر التقابلي في الدراسات البلاغية، ثم الإفادة من كل ذلك بهدف بناء تصور عميق، وجودي وقوي في مقاربة النصوص والخطابات يجد دعمه في ممارسة تأويلية ما فتئت تتشكل في ثقافة تأسست على المعنى، تحفل به وبخصوصياته وبمنتجه ومؤوله. ولذلك لا بد من توضيح معالم هذا الاهتمام، ثم توسيع مبادئه وخاصة ما قام على التقابل من أجل بناء أنساقه، وإعطائها القوة الإجرائية اللائقة به، لتحليل الخطابات انطلاقا منه.



تطرق العسكري إلى ما يتعلق بـ"الأخذ" - أو التناص بالمفهوم النقدي الحديث - من منظور إنتاجي، أي ما يتعلق بتحديد وسائل الكتابة، وهي موجهة إلى الكُتَّاب والشعراء ليأخذوا المعاني ممن قبلهم، ويحسنوا التصرف فيها، إذ ليس "لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعاني ممن تقدمهم والصب على قوالب من سبقهم..ولولا أن القائل يؤدي ما سمع لما كان في طاقته أن يقول.."[30].



على أن الذي يعنينا في تناول العسكري كغيره من الذين عالجوا مسألة "السرقات الشعرية" أو "الأخذ" ليس محتواها، أو الأحكام الصادرة في حق الشعراء، والمعاني، والتطورات التي عرفتها صناعة المعاني، وغيرها، وإنما البعد التقابلي في تناول المعنى، ورصده عبر المقارنة وعرض النماذج الشعرية.ومن ذلك: قال أعرابي "إن الندى حيث ترى الضِّغاط" أي الزحام.

قال: فأخذه بشار وشرحه وبيَّنه:





يسقط الطير حيث ينتثر ال

حَبُّ وتُغشى منازل الكُرماء






ومثله قول الآخر:





يَزْدحِم الناس على بابه

والمَنْهَل الَعذبُ كثير الزِّحام






توقف العسكري عند الأخذ القبيح راصدا مظاهره، ومقدما الأمثلة والنماذج، من منظور تقابلي سار فيه على منوال الأخذ الجيد. وإن كان هدفه التنبيه على محاسن القول وإمداد الكُتاب والشعراء بما يلزم من أدوات الكتابة، غير أن خطواته في العرض والتقديم تسمح باكتشاف آليات تقابلية عميقة بإمكانها أن تخصب الخطاب النقدي اليوم.ومن الصيغ الدالة على هذا قوله:"بيت عبد الصمد أبين معنى مع شدة الاختصار، وبيت البحتري كالعويص لا يُقام إعرابه إلا بعد نظر طويل"[31]، "قد يتفق مبتدئ المعنى والآخذ منه في الإساءة؛ قال...فأتى بعبارة غير مُرضية ونسج غير حسن، وأخذه أبو نواس فقال...فأتى أيضا برصف مرذول ونظم مردود. وقد يستوي الآخذ والمأخوذ منه في الإجادة؛ في التعبير عن المعنى الواحد..."[32].



كان العسكري مدركا للإضافات التي قدمها في تناول مسألة السرقات، إذ توقف الذين تطرقوا للموضوع عند تبيان مواطن السرق، في حين أنه بَيَّن بالمثال قول المبتدئ وقول التابع، وبَيَّن فضل الأول على الآخر، أو الآخر على الأول. وكل هذا يقوم على الموازنات والمفاضلات، وأساسهما النووي التقابل بين الأقوال والمعاني، والأبيات والبنيات، الإجادة والإساءة. وقد اتخذ التقابل بين المعاني في بعض الأحيان مظاهر تقويمية حاضرة بقوة من قبيل: قال الشاعر...والجيد قول الآخر:...ثم يورده، أو" ومن الرديء قول امرئ القيس: "ومن الأبيات العارية الخَرِبة"، "ومن المتناقض"، "ومن المعيب قول الشاعر"[33]، " ومن المعاني البشعة.."، " وقد تبع في هذا القول حسان بن ثابت"، " ومن الخطأ"، والجيد في ذكر الوشاح قول ذي الرمة"... وهو في مثل هذه الأحكام يتحرك بمنظار تقابلي يقوم على الموازنات، والمقارنات، والمفاضلات بين المعاني، ويستند إلى معايير في المعنى الجيد والمعنى الرديء. كلما تم اللجوء إلى معيار، أو نموذج، أو مثال، فثمة اشتغال بالتقابلات، وهو ما يدعو إلى النفاذ إلى هذا البعد التأويلي العميق الذي ظل يحرك الدراسات البلاغية القديمة، والشروح الشعرية، وكتب النقد القديم، من أجل وضع نظريات تأويلية عربية جديدة، تقوم على تلك الأسس القوية التي وجدت مقوماتها وأدواتها في التراث البلاغي والنقدي العربي.



اجتمع في كتاب "الصناعتين" التنظير البلاغي والنقد الشعري وخطاب الموازنات، وأدبيات الاستدلال، والتنظير لصناعة الشعر والنثر، وتأويل الشعر وشرح المعاني؛ وقد ظل- كما يبين عنوانه "الصناعتين" - وَفِيًّا لمنطلقاته وأهدافه الكامنة في توجيه الكُتاب والشعراء إلى ما ينبغي التزامه في صناعة القول عبر تحديد ما يحتاجه الكاتب والشاعر في صناعة الكلام، وعبر اختيار الأمثلة الشعرية والنثرية الفائقة الصياغة قصد احتذائها، والتنبيه على الأخطاء والعيوب ومراعاة الأحوال والمقامات، بغية الرقي بهذه الصناعة، وهو ما يشكل نظرية قائمة المعالم للكتابة الشعرية والنثرية (الرسائل والخطب..) قديما، وما يتعلق بها من حسن التأليف ووضوح المعنى. قال: "فهذه جملة إذا تدبرها صانع الكلام استغنى بها عن غيرها"[34].



كتاب "الصناعتين" مُؤَلّف متعدد المداخل، غزير المادة، غير أننا قاربنا بعض الظواهر البلاغية الواردة فيه من منظور تقابلي وتأويلي، هادفين إلى إيجاد السند التراثي لمنهاجية التقابل: التقابل في الكون، وفي الخطابات الدارسة، وفي التناول البلاغي، ونظريات المعنى، بهدف تحيين الآليات العميقة الخفية في العلوم الآلية، وبنائها بناء جديدا.



7 - 7 - التقابل في ظاهرتي المطابقة والمقابلة

من الظواهر البلاغية ذات الخلفية التقابلية المطابقة (الطباق)، وهي الجمع بين الشيء وضده في جزء من أجزاء الكلام، في مثل قوله تعالى: ﴿ يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل ﴾[35]. وقال عليه الصلاة والسلام: "خير المال عين ساهرة لعين نائمة"، أي أن عين الماء ينام صاحبها وهي تسقي أرضه. وقول القائل: "لا تتكل على عُذر مني، فقد اتَّكَلْتُ على كفاية منك". حاولت المباحث البلاغية القديمة رصد الطباقات الجيدة، وتبيان المطابقات المعيبة، منبهة إلى جودة التطبيق. والذي يعنينا من الوقوف عند هذه الظاهرة كذلك - هو التقابل الحاصل بين الطرفين.



المقابلة من الظواهر البلاغية التي تنبني لفظا ومعنى على تقابل ما، وهي إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى أو اللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة، وهي إما مقابلة في المعاني كما في قوله تعالى: ﴿ ومكروا مكْرًا ومَكَرْنا مَكْرا ﴾[36]، أو مقابلة اللفظ والمعنى، مثل: لو رآه صاديا لسقاه، بين "صاديا" و"سقى".



قيل للرشيد: إن عبد الملك بن صالح يُعِدُّ كلامه؛ فأنكر ذلك الرشيد، وقال: إذا دخل فقولوا له: وُلِد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابنٌ ومات له ابنٌ، ففعلوا.فقال:سَرَّك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءَكَ، ولا ساءَكَ فيما سَرَّك، وجعلَ واحدةً بواحدة، ثواب الشاكر، وأجر الصابر. فعرفوا أن بلاغته طبع"[37]. ورصد البلاغيون الجيد من المقابلات والرديء منها والمختار، ونقف عندها مرة أخرى لرصد انتظامات الخطاب وفق نسق تقابلي، وتشكله وفق ألوان مختلفة انطلاقا من قانون واحد تتأسس عليه الخطابات.



7 - 8 - التقابل في التقسيم

من الألوان البلاغية التي رصدها القدماء ما يسمى بالتقسيم الصحيح، ويعني تقسيم الكلام قسمة متساوية، تحتوي جميع أجناسه، مثل قوله تعالى: ﴿ هو الذي يُريكُم البَرْقَ خَوْفا وطَمَعًا ﴾[38]، لأن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع لا ثالث لهما.



ووقف أعرابي على مجلس الحسن، فقال: "رحم الله عَبْدا أعطى من سَعَةٍ، أو آسى من كَفاف، أو آثَر من قِلَّة. فقال الحسن: ما ترك لأَحَد عُذرا، فانصرف الأعرابي بخير كثير"[39].



إن التقسيم وصحته مبنيان بشكل تقابلي، أي إن المنتج تصوَّرَ المعاني تصورا ذهنيا تقابليا ثنائيا أو ثلاثيا أو غير ذلك، بحيث تتقابل العناصر بأي شكل من أشكال التقابل (التراتب، التتابع، التعالق، التناقض، التخالف، تقابل الذوات، تقابل الأزمنة...)، وتتواجه في البنية الذهنية للمتكلم، وتبعا لذلك فهي تتواجه (وجها لوجه) في بنية الخطاب، ثم تتواجه بعديا في ذهن المتلقي، إذ ستفهم وفق المسار التقابلي الذي بُنيت به أَوَّلا.



أشار العسكري كذلك إلى عيوب التقسيم، مثلما أشار إلى المعيب من الظواهر البلاغية الأخرى، وظل مقصده من تناول الظواهر البلاغية تحسين الصناعتين الكتابة والشعر، وتجنيب الكُتاب والشعراء مزالق الوقوع في الأخطاء، والرُّقي بمُنْتَجِهم الإبداعي عبر الإشارة إلى النماذج الجيدة، والتحذير من الوقوع في النماذج التي يراها معيبة. لا يتجه وقوفنا عند هذه الظواهر إلى المنحى البلاغي، وإنما لرصد خاصية التقابل الضمني الحاضر في إنتاج المعنى، وفي التشكلات البلاغية المختلفة، وكأننا نعود بالمعنى إلى أوليات صناعته، إذ منطلقه مبدأ تقابلي، يتكون بأشكال تعبيرية مختلفة، و تأخذ هذه الأشكال أسامٍ متنوعة حسب الملمح الغالب عليها، لكنها تنطلق في العمق من أساس تقابلي خطابي وتداولي ثم بنيوي ودلالي.



وتعين العودة إلى الدراسات البلاغية القديمة على التوقف عند مظاهره، دون التقيد بالأطر الدقيقة التي رسمها علم البلاغة لنفسه، ودون أن يعني ذلك أننا نقوض أسس هذا العلم؛ فالمفاهيم تبقى كما هي لمن أراد أن يعمل بها في مقاربة النصوص، والآليات المتوصل إليها من تحليل النصوص كذلك، وإنما هدفنا التأسيس لتأويلية تقابلية بليغة انطلاقا من هذا العلم، ومن غيره، أو لبلاغة جديدة، عبر استكشاف آليات بناء الخطاب إنتاجا، ثم البناء عليها في مقاربة الخطابات والنصوص، باعتماد ما توصل إليه البلاغيون من أدوات قرائية، وما تمدنا به العلوم الأخرى من أدوات ومفاهيم.



7 - 9 - التقابل في الأَرْداف والتَّوابع

ومن التقابل الخفي ما سماه العسكري: الأرداف والتوابع، في مثل قوله تعالى: ﴿ فيهن قاصرات الطرف ﴾[40]، لأن قصر الطرف دال على العفاف على جهة التوابع والأرداف، فقصور الطرف ردف للعفاف، والعفاف ردف وتابع لقصر الطرف[41].



ويهمنا في هذا المقام أن المعنى الحاضر يدل على معنى غير حاضر، ولكن المتلقي يبنيه، فالكلام لا يُدفع إلينا دائما على جهة التمام، وإنما يفسح لنا مجال التتميم وإكمال المعنى الضمني.ومثله قوله تعالى: ﴿ ولكم في القِصاص حياة ﴾ [42]، لأن الناس يتكافون عن القتل من أجل القِصاص، فيحيون، فكأن الحياة ردف للقصاص الذي يتجنبون القتل من أجله.



وهذا من الأبنية التي يخفى فيها التقابل ظاهريا، لكن التأمل التأويلي يستكشف بنية غائبة مكملة فيبنيها، ويستحضرها على أساس أنها المكمل المقابل المضمِر لغرض بلاغي.



7 - 10 - التقابل في الكناية

تتضمن الكناية بدورها هذا البناء القاعدي الخفي للتقابل، انطلاقا مما هو مصرح به مقابل غير المصرح به. ومثل ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿ أو جاء أحدكم من الغائط أو لامستم النساء ﴾[43]، فكنى عن قضاء الحاجة بالغائط، وجمعه غوط وغياط. قيل للمطْمَئنّ من اَلأَرض غائطٌ، ولموضع قَضاء الحاجة غائط، لأَنَّ العادة أَن يَقْضِيَ في المُنْخَفِض من الأَرض حيث هو أَستر له، ثم اتُّسَعَ فيه حتى صار يطلق على النجْوِ نفْسِه[44]. وبالملامسة عن الجماع، وهو نوع تقابل - مثل الذي في المماثلة - بين معنى مصرح به، ومعنى مكنى عنه لغاية لطيفة وبليغة، وهو تجنب التصريح والاكتفاء بالتلميح، صونا للخطاب.وتبعا لهذا المسار الحاصل في بناء القول القائم على الكناية والتعريض يفهم باستحضار المتقابلات على المستوى الذهني.وفي مثل قول رؤبة:



يا ابن هشامٍ أَهْلَكَ الناسَ اللبن

فكلهم يعدو بقوسٍ وقَرَنْ






وهي كنايات عن القتال بينهم أيام الربيع.



7 - 11 - التقابل في التعاكس

من الأبنية البلاغية التي تحضر فيها التقابلات الظاهرة بشكل حضوري، ما سماه العسكري ب" العكس"، ونسميه التقابل العكسي، وهو: "أن تعكس الكلام فتجعل في الجزء الأخير ما جعلته في الجزء الأول"[45]. وهو إجراء في صناعة الكَلِم يقوم على إعادة البنية القولية بشكل عكسي، مع إضافة معنى جديد، وهذا في الحقيقة تقابل ذو مظهر لفظي بنائي، يحمل تقابلا في معنيين (أ) و (ب) بحيث يتمم أحدهما الآخر. مثل: "أسأل الله الذي رحمني بك أن يرحمك بي". وقول القائل: "اللهم أَغْنِني بالفقر إليك، ولا تُفْقِرني بالغنى عنك". وقولهم: "كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه".



وأمثلة هذا كثيرة نصادفها في الكتابات الأدبية وفي الأمثال، وفي التخاطب اليومي، ولا تقتصر على الكلام الأدبي، وهي دليل على تأسس القول ذهنيا على بعد تقابلي سواء من حيث المعاني المراد التعبير عنها، أو كذلك في هيأت التعبير عنها لفظيا وتركيبا.



7 - 12 - التقابل في الالتفات

في جل الظواهر البلاغية نجد نوعا أو أكثر من أنواع التقابل، كما بيَّنا، وفي الالتفات نوع تقابل؛ قال جرير:





طرب الحمام بذي الأراك فشاقني

لا زِلْتَ في غللٍ وأَيْكٍ ناضِر




حيث التفت إلى الحمام فدعا له، وفي هذا الالتفات تقابل الذوات (الشاعر / الحمام)، وينبئ عنه حضور ضمير المتكلم في (شاقني) وضمير الخطاب في (لا زلتَ). هذا النوع من التقابل يسمح للمتلقي بتحديد ذوات التخاطب أو الذوات موضوع الخطاب، وتمييزها فيتضح المعنى ومقصدية التواصل من خلال ذلك.



9-13-تقابل السلب والإيجاب

وإذا تتبعنا الظواهر البلاغية واللغوية سنجد في كل منها نوعا من التقابل الظاهر أو الخفي كذلك، ومن ذلك ما سماه البلاغيون "السلب والإيجاب"، وهو نفي الشيء من جهة وإثباته من جهة أخرى، أو الأمر به من جهة، والنهي عنه من جهة أخرى". قال تعالى: ﴿ فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما ﴾[46]. ومثل هذا الأسلوب كثير في كلامنا، وفي مخاطباتنا اليومية، وهو يُظهر السمة التقابلية في التواصل، وفي بناء المعنى وإرساله، والتأكيد عليه.



كما أن التقابل حاصل في البنيات الاستثنائية، وفي التصدير، والتشطير (توازن المصراعين مع قيام كل منهما بنفسه)، مثل قول الشاعر:



فأما الذي يحصيهم فمُكثِر

وأما الذي يُطريهم فمُقلل






7- 14-تقابل المجاورة

وهي نوع تقابل لفظي، حيث تتردد في البيت لفظتان، وتقع كل واحدة منهما بجنب الأخرى، دون أن تكون لغوا[47]؛ كقول علقمة:



ومُطعَم الغُنم يوم الغُنم مُطمعه

أنىَّ توجَّه والمحروم محروم






فـ"الغُنم يوم الغُنم" مجاورة، وفهم البيت يقتضي التقابل بينهما، "والمحروم محروم" مجاورة. على أن محلل البيت يمكنه أن لا يقف عند نوع واحد من أنواع التقابل المذكورة، وإنما ينطلق من التقابل باعتباره خلفية منهاجية وتأويلية، فيقف عند كل الظواهر اللغوية والنحوية والبلاغية التي تبني المعنى فيه.



إن التقابل يؤسس لهذه الخلفية التأويلية ولا يلغي التحليل بالآليات الذي ذكرنا، وإنما يُنَظِّم عملَها، ويسهم في إبرازها والوقوف عليها، إذ يحتاج الخطاب الـتأويلي إلى نسق ناظم ليعمل بدقة ورؤية واضحة، وتبعا لذلك فهو لا يستغني عن آليات التحليل النحوي أو البلاغي، أو الموضوعي التيماتي، أو الدلالي، أو السميائي، وإنما يستوعب كل ما يسمح البناء النصي بحضوره، وله جدوى في المقاربة التأويلية.



7-15-المقارنة والتقابل

يشير القرطاجني إلى جانب من صناعة المعاني، وهو المقارنة بينها لإثبات التماثل أو التناسب أو التضاد والمقابلة أو المخالفة، أو قران الحقيقة والمجاز. وهذه الإمكانيات إنما تختلف في منظور العرض وأداته، وأما الجوهري فيها فهو التقابل، غير أن التقابل عام ولا يسمح بإظهار الفروق والسمات المميزة للأساليب، لكنه النسق المتحكم في تلك الآليات كلها، لأن التناسب بين المعاني تقابل، والتخالف تقابل، والتضاد تقابل، والاستعارة والمجاز قائمان على التقابل، وقد بينا هذا في تناولنا لأهم أبواب البلاغة العريبة القائمة أساسا على آلية التقابل.



وقد يحصل هذا التقابل بأن يكون المعنى (أ) عمدة في الكلام، وبقية المعاني (ب) و (ج) و (د).. تتميمات، وتوسيعات أو تحقق صحة مفهوم.



تتحصل المعاني في الأذهان عن الأمور الموجودة في الأعيان[48]، بأعلام من العبارة؛ وقد ذكرنا هذا، و وضحناه في المقدمات، وبَيَّنا كيف تتفرع التقابلات النصية عن التقابلات الوجودية، غير أن من المعاني ما ليس له وجود خارج الذهن أصلا، وإنما تتحصل بالتأليف بين المعاني والألفاظ الدالة عليها، "والتقاذف بها إلى جهات من الترتيب والإسناد". هذا البناء الجديد للمعاني يتم داخل الذهن. " فإذا أردت أن تقارن بين المعاني وتجعل بعضها بإزاء بعض وتناظر بينها، فانظر مأخذا يمكنك معه أن تُكَوِّن المعنى الواحد وتوقعه في حيزين، فيكون له في كليهما فائدة، فتناظر بين موقع المعنى في الحيز وموقعه في الحيز الآخر"[49]، فينتج عن ذلك اقتران التماثل، أو التناسب عند قرن المعنى بما يناسبه أو التطابق أو التقابل عند قرن المعنى بما يطابقه، أو تشافع الحقيقة والمجاز عندما يقترن الشيء بما يشبهه.



وهذه الإشارات التي تتجه إلى المنحى التقابلي في تأسيس المعنى وبناء الخطاب، تبين أن القرطاجني سعى في "المنهاج" إلى إنضاج صناعة الكلام، والوصول بها إلى درجات البلاغة الكاملة، مبينا آلات ذلك وكيفياته، ومشيرا إلى ما يجب أن يكون عليه التأليف والكتابة.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14-10-2021, 05:38 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 74,496
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأساس التقابلي في البلاغة العربية - مقاربة تأويلية




7-16-التقابل في الاحتباك والحذف

من الظواهر البلاغية التي تتطلب مشاركة تأويلية لبناء المعنى واستحضار عناصر خفية في التركيب "الاحتباك" و"الحذف": وهما ظاهرتان بلاغيتان مثل الاستعارة والمجاز الكناية التي سبق أن تكلمنا عنها فيما يتعلق بمشاركة القارئ المؤول في بناء المعنى. فأما الاحتباك فمن الحَبْك، وهو الشد والإحكام، وتحسين الصنعة في الثوب مع الحسن والرونق، شبهت مواضع الحذف بين الكلام[50] بالفُرج بين الخيوط، وعبر مشاركة المؤول البليغ البصير بصوغ الكلام، يوضع المحذوف في أماكنه ليسد بذلك الخلل، ويكسب الكلام رونقا وجمالا.



تطرق إلى هذه الظاهرة الزركشي في "البرهان" وسماها "الحذف المقابلي"، وهي ظاهرة يمكن النظر إليها كغيرها من الظواهر النحوية أو البلاغية من زاوية إنتاجية، فيكون تسميتها بالحذف المقابلي أدل على معناها لأن منتج النص يحذف في كل جهة من جهات الخطاب جزءا لدلالة المذكور عليه. وأما "الاحتباك" فيتم من جهة المتلقي البليغ الذي يعيد الخفي من الأجزاء إلى الإظهار عبر التأويل، وكأنه يحبك ثوب النص، ويسد الفجوات بين الخيوط الدلالية، عبر الملء وذكر الخفي.



ومن الحذف المقابلي قوله تعالى: ﴿ وأَدخِل يدكَ في جيبك تخرج بيضاء ﴾[51]، التقدير: (وأَدْخِل يَدَك - تدخل غير بيضاء/ وأَخْرِجْها- تخرج بيضاء)، فحُذف من كل جزء ما أمكن التدليل عليه بالمذكور، وهو من ألطف البلاغات.



ومن ذلك ﴿ وخلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ﴾[52] أي عملا صالحا بسيء، وآخر سيئا بصالح. واعتبر الزركشي (794هـ) أن الحذف التقابلي، يحصل باجتماع متقابلين فيُحذف من كل واحد منها عنصر لدلالة الآخر عليه، فقال هو: "إسقاط جزء من الكلام، أو كله لدليل"[53]، وهو من المجازات العقلية التي تتطلب إعادة الكلام إلى حقيقته عبر أفعال التأويل.



وأما ارتباط التأويل بالحذوف اللفظية، فيتمثل في التقدير والافتراض الذي ينجزه المؤَوِّل للوقوف على الدلالة الخفية عبر تقديرها. كما أن الحذف على المستوى الصناعي، يحقق في التصور البلاغي القديم للنص تفخيما وإعظاما للمعنى[54]، بسبب ذهاب التأويل كل مذهب بحثا عن القصدية، وهو ما يزيد في لذة التأويل بسبب كد الذهن؛ إضافة إلى ما يحققه من اختصار، عبر تحصيل المعنى الكثير في ألفاظ قليلة، وما يحققه ذلك من وقع في النفس.



يلجأ المتكلمون باللغة إلى الحذف لتجنب الزيادات العبثية في القول، نحو: الهلال والله، أي هذا الهلال والله. و تقاصر الزمان عن ذكر المحذوف، مثل حالات الإغراء و التحذير: ﴿ ناقةَ الله وسقياها[55]، احذروا ناقة الله والزموا سُقياها. وذكر القرطاجني أن الحذف حسن ما لم يَشْكُل به المعنى[56]، ومن محاسنه أنه يدع النفوس المؤَوِّلة تستقصي الأحوال الدلالية المختلفة. وضرب لذلك مثلا وهو قوله تعالى: ﴿ حتى إذا جاؤوها وفُتِحت أبوابها ﴾[57]، حيث حذف الجواب، لضيق الكلام عن وصف ما ينتظرهم من الفضل والخير وما يشاهدونه. فالجواب لا يصف ما لا يتناهى، وما لا يحده الوصف.ترك إكمال المعنى لجولان المؤول في أبعاد شتى من المعنى. ومن فوائد الحذف التخفيف مثل حذف حرف النداء، مثل:



خليليَّ فيما عشتما هل رأيتُما

قتيلا بكى من حب قاتله قبلي






وتقول العرب في المتداول من كلامها على سبيل التخفيف: لا أدر (بحذف الياءولم تَكُ (بحذف النون)، وعند مراعاة الفواصل، مثل ﴿ ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى ﴾[58] أي قلاك. وفي مثل: بسم الله، لأن حرف الجر لا بد له من متعلق، فحٌذف "أقرأ" أو "أسافر"...



واشترطوا أن يكون في ما أُبْقِيَ دليل على ما أُلْقِي. وذكروا أن من القرائن الدلالية ما هو مثالي: فالمنصوب يدل على أن المحذوف ناصب، نحو أهلاً وسهلاً ومرحبا، أي حللتَ أهلاً ووطئتَ سهلا وصادفتَ رَحْبا.



وأما الحل، ففي مثل قولنا: فلان يحل ويربط، أي يحل الأمور ويربطها، أي ذو تصرف.ومنها ما تدل عليه الصناعة النحوية، مثل قوله تعالى: ﴿ تفتأ تذكر يوسف ﴾[59]، أي لا تفتأ تذكر يوسف. ومثل قوله تعالى: ﴿ قال سلام عليكم قوم منكرون ﴾[60]، أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون. ولا إله إلا الله، وتقدير الحذف: موجود أو كائن.



وإجمالا، فإن الحذف بمستوياته الكثيرة وأقسامه وفوائده يمكن أن يرجع إليه في علم البلاغة والنحو لمن أراد التوسع، وحسبنا أن نشير إلى أن هذا المدخل من أقوى المستويات أدعى للتأويل، وتوليد الفروض الاستكشافية والدلالية عند التعامل مع أي بنية لغوية مكتوبة أو شفهية، فيكون فعل التلقي مجالا خصبا لاستكمال البنية الناقصة دلاليا عن قصد أو عن عادة في الاستعمال. وليس هذا خاصا باللغة القديمة، بل يمكن توسيعه ليشمل أنماط التواصل الإلكتروني الذي يقوم على حذف الكلمات وحذف الجمل، وحذف حروف الكلمات، اختزالا واختصارا وربحا للجهد والوقت والمساحة.



غير أن التواصل يحصل مع ذلك لأن أنظمة التواصل تعتمد على الاختصارات والحذوف المتواضع عليها، بحيث أصبحت بمثابة لغة قائمة، ويظهر هذا بوضوح في التخاطبات اليومية عبر الهواتف المحمولة، والرسائل القصيرة، والبريد الإلكتروني، وكل أنماط التواصل الرقمي في المواقع والمنتديات.فتغيرت صورة الكثير من الكلمات في اللغات الحية عبر الاختزال والبتر.ويعنينا أن نشير إلى قدرة المتكلمين على التواصل بهذه اللغة وهي لا تحمل في التواصل الرقمي غالبا أية قيمة بلاغية، غير الاختصار والاختزال والتقليص من الجهد والوقت، خلافا لدلالته في النص الأدبي، حيث يدل كل حذف على بلاغة في القول، ويحمل فائدة للخطاب.



سنركز الاهتمام على الحذف المقابلي الذي أشار إليه الزركشي، لأنه يعين على رفد التصور الذي نحن بصدده. قال: "هو أن يجتمع في الكلام متقابلات، فيحذف من واحد منهما مقابله؛ لدلالة الآخر عليه"[61]، في مثل قوله تعالى: ﴿ فليأتنا بآية كما أُرسل الأوَّلون ﴾، تقديره: إن أُرسِل فليأتنا بآية كما أُرْسِل الأولون فأَتَوا بآية.

ولو تأملنا كثيرا مما نقول، وما نقرأ، وخاصة النصوص الأدبية التي فيها صناعة ونسج واقتصاد لغوي وإيحاء، لوجدنا أن تحويلها إلى مجال التلقي من منظور التأويلي التقابلي يسمح بإيجاد تخريجات ثنائية، أو رباعية أو سداسية، عبر تخريجات تأويلية تعتمد الفهم التقابلي، فمثلا في قوله تعالى: ﴿ أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمَّنْ يمشي سويا على صراط مستقيم ﴾[62]، فعن طريق تقدير حذف المفضل عليه بعد اسم التفضيل يكون التقدير هو: "أفمن يمشي مُكِبا على وجهه أهدى ممن يمشي سويا على صراط مستقيم، أمَّنْ يَمْشي سَويا على صراط مستقيم أهدى ممن يمشي مُكِبَّا".



ويستفاد بشكل قوي من التحليل التقابلي في الممارسة التعليمية، بل هو واقعها، فلا شك أن أي محلل لهذه الآية إلا وسيذكر أوجهها التقابلية، وإمكانياتها المعنوية، دون وعي منه بإستراتيجية التقابل، ولكننا نعمل به ضمنيا في الأقوال والأفعال وقراءتنا للنصوص وتلقينا للكون المتقابل، وتفاعلنا مع سائر الظواهر من حولنا، وهو ما يعني ضرورة تحديد مبادئه وآلاته ومفاهيمه الإجرائية، ثم العمل به. ومنه الحذوف التي تحصل في العناوين قصد الاختصار، وتترك المجال واسعا للتأويل والتخمين وإثارة الفضول....



تقوم اللغة على الاقتصاد والاختزال، ويسمح التأويل التقابلي بالتوسيع وإعادة العناصر الغائبة أو المغيبة إلى الواجهة، ومن أمثلة ذلك: حذف الأسماء كالمبتدأ، نحو: ﴿ بل عبادٌ مُكْرمون ﴾[63]، أي هم عباد مكرمون.أو حذف الخبر، نحو: ﴿ أُكْلُها دائم وظِلها ﴾[64]، أي ظلها دائم.أو ما يحتمل حذف أي منهما، نحو ﴿ فَصَبْرٌ جميل ﴾[65]، أي صبر جميل أجمل، أمري صبر جميل. ويُحذف الفاعل كذلك ويتم تقديره عبر الفهم والتأويل، وهو كثير الوقوع في الكلام، نحو ﴿ فلما جاءَ سليمانَ ﴾[66]أي جاء الرسولُ سليمانَ، ولذلك أغراض دلالية تختلف من مقام إلى آخر، مثل العلم به ﴿ خُلق الإنسانُ من عجل ﴾[67]، ومن ذلك تعظيمه، أو مناسبة الفواصل، ومناسبة ما تقدم.ويطول الحذف المضافَ ويُقام المضاف إليه مقامه، نحو: ﴿ وجاء رَبُّك والملك ﴾[68]، أي أمر رَبك.أو حذف المضاف والمضاف إليه، نحو: ﴿ وتَجْعَلون رزقَكم ﴾[69]، أي بدل شكر رزقكم. ويحذف الجار والمجرور، نحو: ﴿ خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ﴾[70]، أي صالحا بسيء، وآخر سَيِّئا بصالح. وتوقف البلاغيون عند حذوف أخرى تطول الموصوف، مثل: ﴿ ودانية عليهم ظلالها ﴾[71]، أي جنة دانية.والموصوف، نحو ﴿ يأخذ كل سفينة غَصْبا ﴾[72]، أي سفينة صالحة. وغير ذلك من المكونات الجملية التي يطولها الحذف لغرض الاختصار. وكثيرا ما يعتري الحذف في القرآن الكريم رؤوس الآيات، نحو ﴿ لو كانوا يعلمون ﴾[73]. ويُحذف الحال، في نحو قوله تعالى: ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ﴾[74]، أي قائلين سلام عليكم.



ويكثر حذف الأجوبة وهو دليل بلاغة النص القرآني، في نحو قوله تعالى: ﴿ ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم ﴾[75]، أي لرأيت عجبا، أو أمرا عظيما.وبلاغة الحذف في مثل هذه المواضع الدلالة على التعظيم، أو للمبالغة، أو لعلم المخاطب به، كما فيه فسح المجال لإنشاء المعنى وتصور أبعاده.



والحال أن من لا يعلم أن النصوص القرآنية تُبنى على مثل هذه الحذوف والاختزالات المقرونة بما يدل عليها، لا يصل إلى المعنى مكتملا، ولذلك لابد من العلم بهذا، وكثيرا ما نقرأ آيات من القرآن الكريم حذف منها جواب القسم مثلا، فلا يكتمل عندنا المعنى، في مثل قوله تعالى: ﴿ والنازعات غَرْقا * والنَّاشِطات نَشْطا * والسَّابِحات سَبْحا * فالسابقات سَبْقا * فالمدبرات أمرا * يوم ترجف الراجفة ﴾[76]، والتقدير هو لتُبعَثُنَّ ولتحاسبُن للمنكرين البعث.



وذكر علماء القرآن أنواعا أخرى من الحذف منها: حذف الجملة، وحذف القول، وحذف الفعل، وحذف الحروف. وكل هذا يجده المهتم مفصلا في كتبهم، والغرض من وقوفنا عليه والإتيان بالأمثلة التدليل على هذه الخاصيات البنائية التي جاء عليها الأسلوب القرآني، ونجدها كذلك في الشعر والنثر، إذ يتأسس نظام القول لدى الشعراء والكُتَّاب على الأبنية والأنساق التعبيرية العربية وسُنن العرب في كلامها، وكلها تحتمل هذه الأنماط من الحذف، إما بشكل قصدي بغية الإيجاز، أو التفخيم، أو الإيحاء، و فسح المجال للتخمين التأويلي. أو بسبب من التناسب الإيقاعي (البديعي)، أو الجملي، أو بشكل عفوي تبعا لأشكال التعبير المتداولة وأبنيتها.



وتأسيسًا على وجود هذه الحذوف في أي بناء نصي، يقتضي فهمها وإدراكها التعامل معها وفق منظور تقابلي، ينطلق من تحديد المذكور من البنيات النحوية، ثم مقابلتها تأويليا بالعناصر المحذوفة، ليكتمل النسيج الدلالي، وتظهر معالم المعنى، وخاصة كلما تعلق الأمر بالمقامات التفهيمية التي يكون لزاما على المؤول تمديد الخطاب، وتوسيعه وملء البياضات الدلالية فيه.



الأمر الثاني المُستنتَج من هذه الوقفات التقابلية في تحليل الخطاب القرآني، هو أن اللغويين والنحويين القدماء كانوا يؤسسون لأدوات التأويل المختلفة من خلال العلوم المعروفة لديهم: علم النحو، والبلاغة، والصرف والاشتقاق، وعلم اللغة، بهدف التأسيس لعلوم جديدة مثل علوم القرآن، وهي علوم في غاية الأهمية بالنسبة للمفسرين والأصوليين، إذا بغير هذه الأدوات الدقيقة يكون تفسير النص القرآني مجازفة حقيقية للانحراف بالنص عن مقاصده ومعانيه.



ليس هدفنا فقط إعادة التفكير في قضايا المعنى والتأويل الخاصة بالنص القرآني، وإنما توسيع مجال الاشتغال على كل النصوص القابلة للتأويل، أو المتطلبة له، وقد سمحت لنا هذه الإطلالة على ظاهرة الحذف في اللغة العربية بتأكيد ما نسعى إلى تأكيده، وهو أن النص مليء بمواطن التقدير، تبعا لبنائه وصناعته، والمقاصد الخفية الكامنة وراء ذلك، وتسمح إستراتيجية التأويل التقابلي بتحديد البنيات التعبيرية وأنماطها، ثم استخراج المعنى بناء على المقاربة بالتقابلات، ثم أخير تحديد بلاغة ذلك.



خلاصات:

أ- بيَّنت مقاربة الظواهر البلاغية السابقة أن المعنى يتأسس على أرضية ذهنية تقابلية، سواء بشكل حضوري ظاهر: (أ) يقابل (ب)، أو (أ) يقابل (ب) يقابل (ج)...أو بشكل ظاهر وخفي: (أ) عنصر ظاهر يقابل (ب) عنصر خفي، ويتحقق ذلك عبر أدوات إبلاغية مختلفة: الترادف، التضاد، التشبيه، التقسيم، الاستعارة، المماثلة، المجاز، الخ...، لاعتبارات بلاغية وجمالية، القصد منها تحسين القول، أو اختصاره أو غير ذلك...وتُستحضر فيها عناصر السياق الإنتاجي عند الفهم والتفهيم.



ب- إن موضوع علم البلاغة هو البحث في المبادئ التي تقوم عليها الظواهر التعبيرية، وقد قام على أساس مقاربة النصوص وفهمها،كما توجه بالخطاب إلى الشعراء والكُتاب من أجل الرقي بصناعة القول الأدبي لديهم، فقدم نماذج عالية وبديعة في كل ظاهرة من الظواهر البلاغية، إضافة إلى تتبع الإخفاقات التي يقع فيها الكتاب والشعراء محذرا من الوقوع فيها.



ج- يعنينا من هذه الدراسات البلاغية اهتمامها بهيآت القول البليغ، غير أننا نحاول الاستفادة من البنية العميقة المؤسسة لضروب القول وبناء المعنى وإنتاجه، قصد تنميط أنواع التقابلات المتحكمة فيه ضمنيا، وإبرازها، لجعلها أداة للتأويل وبناء المعنى. ولأن علم البلاغة يرصد أنماط القول الأدبي وهيأته، فقد تبين لنا من خلال البنيات الخفية للظواهر التعبيرية المدروسة أنها تقوم بشكل أو بآخر على أساس تقابلي، وتبعا لذلك نسعى انطلاقا من علم التأويل ونظريات القراءة تأسيس منهاجية تقابلية وتأويلية، وتحديد الأنساق المعرفية الكفيلة بجعلها آلة من آلات الفهم.




المصادر والمراجع المعتمدة:





القرآن الكريم

بازي محمد، التأويلية العربية: نحو نموذج تساندي في فهم النصوص والخطابات، الدار العربية للعلوم/بيروت، ومنشورات الاختلاف/ الجزائر، 2010.

بازي محمد، تقابلات النص وبلاغة الخطاب، نحو تأويل تقابلي، الدار العربية للعلوم/بيروت، 2010.

الزركشي بدر الدين، البرهان في علوم القرآن، دار الفكر، بيروت،ط.1، 1988.

السجلماسي أبو محمد القاسم، المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، تحقيق: علال الغازي، مكتبة المعارف، الرباط، ط.1، 1980.

(ابن) سيده، شرح المشكل من شعر المتنبي، تحقيق: مصطفى السقا وحامد عبد المجيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة، (د.ط)،1976.

السيوطي جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.2،1991.

السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق: محمد علي البجاوي وآخرون، دار الفكر، بيروت، (د.ط)، (د.ت).

القرطاجني حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب بلخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط.3، 1996.

القيرواني ابن رشيق، العمدة، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية، بيروت،2007.

(ابن) القيم الجوزية، الفوائد: المُشَوِّق إلى علوم القرآن وعلم البيان، دار الكتب العلمية، بيروت، (د.ط)، (د. ت).

(ابن) عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، تحقيق محمد سعيد العريان، دار الفكر، بيروت،1940.



العسكري أبو هلال، كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، تحقيق: مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت.

العمري محمد، البلاغة العربية أصولها وامتداداتها، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1999.

(ابن منظور) جمال الدين، لسان العرب، دار صادر بيروت، ط. 3، 1994.





[1] -السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.2،1991،ج.1،ص.90.




[2] - ابن سيده، م.م،ص.217.




[3] - السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق: محمد علي البجاوي وآخرون، دار الفكر، بيروت، (د.ط)، (د.ت)، ص245.




[4] -سورة النور.29.




[5] - يونس. 24.




[6] -آل عمران، 133.




[7] -الرحمان، 24.




[8] -أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين الكتابة والشعر، تحقيق: مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط.1 1981، ص.251.




[9] - العسكري،ص.263.




[10] -ابن رشيق القيرواني، العمدة، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية، بيروت،2007،ج.1،ص.247.




[11] -نفسه، ص.247.




[12] - العسكري، ص364.




[13] -العسكري، ص.315.




[14] -محمد العمري، البلاغة العربية أصولها وامتداداتها، دار أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1999، ص.295.




[15] - السكاكي، م.م، ص.141.




[16] - العسكري،م.م، ص. 274.




[17] -الحاقة11.




[18] - العسكري،م.م،ص.277.




[19] -نفسه، ص.278.




[20] -مريم4.




[21] -العسكري،م.م، ص.428.،




[22] - العسكري،م.م، ص.434.




[23] -انظر للتوسع محمد بازي "التأويلية العربية"م.م.الفصل الخاص بالتقابل والتساند.




[24] - العسكري، ص.438.




[25] - نفسه، ص.441.




[26] - العسكري، ص.445.




[27] -ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، تحقيق محمد سعيد العريان، دار الفكر، بيروت، 1940، ج.2،ص42. وسياق الخطاب أن الحَجَّاج أتى بأسرى الجماجم، و فيهم بعامر الشعبي، ومطرف بن عبدالله الشِّخير وسعيد بن جبير، وكان الشعبي ومطرف يريان التقية، وكان سعيد بن جبير لا يراها، وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف.فمن أقر منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلي سبيله....قال لسعيد بن جبير: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: ما كفرت منذ آمنت بالله، فضرب عنقه...




[28] - العسكري،م.م، ص.458.




[29] -العسكري،ص.112.




[30] - نفسه، ص.202.




[31] - العسكري، ص.240.




[32] -نفسه،ص.241.




[33] - نفسه، انظر ص.115 و ما بعدها.




[34] -نفسه،ص.138.




[35] - سورة الحج، 61.




[36] -النمل 50.




[37] -العسكري، ص.347.




[38] - الرعد 12.




[39] -العسكري، ص.350.




[40] - الرحمان، 56.




[41] -العسكري، ص360.




[42] -البقرة، 179.




[43] -النساء، 43.




[44] - ابن منظور، لسان العرب،م.م، مادة:غ.و.ط.




[45] - العسكري، ص.385.




[46] -الإسراء، 23.




[47] - العسكري، ص.431.




[48] -القرطاجني، م.م، ص.1.




[49] -نفسه، ص.ص.14-15.




[50] -المزهر، م.م،ج.2،ص.133. وتطرق إلى الظاهرة الزركشي في " البرهان " وسماها الحذف المقابلي، وأفرده بالتصنيف برهان الدين البقاعي.




[51] - النمل.12.




[52] - التوبة، 102.




[53] -الزركشي، البرهان في علوم القرآن، دار الفكر، بيروت،ط.1، 1988، ج.3، ص.115.




[54] - نفسه، ج.3،ص.120.




[55] - الشمس، آية 13.




[56] -الزركشي، ج.3، ص121.




[57] -الزمر، آية 73.




[58] -الضحى، 3.




[59] -يوسف، 85.




[60] -الذاريات، 25.




[61] -الزركشي، البرهان، ج.3،ص.144.




[62] -الملك.22.




[63] - الأنبياء، 26.




[64] -الرعد،35.




[65] -يوسف، 18.




[66] -النمل، 36.




[67] -النساء، 28.




[68] -الفجر، 22.




[69] -الواقعة،82.




[70] -التوبة،102.




[71] -الإنسان،14.




[72] -الكهف، 79.




[73] -البقرة، 102.




[74] -الرعد، 32.




[75] -سبأ،31.




[76] -النازعات،1-6.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 140.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 138.11 كيلو بايت... تم توفير 2.75 كيلو بايت...بمعدل (1.95%)]