كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         "أعطيت جوامع الكلم" (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تنزيل ايمو 2019 (اخر مشاركة : kero kero - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          السياقات الاجتهادية في فتاوى تعطيل المساجد بسبب "فيروس كورونا" (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          إعراب سورة النبأ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تخريج حديث: بني الإسلام على خمس (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تخريج حديث: (لما نزلت: ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تخريج حديث: الحجاج والعمار وفد الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          كمال خُلق النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          هل هناك أحد يستثنى من فتنة القبر فلا يسأل؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          تخريج حديث: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-02-2020, 03:57 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,736
الدولة : Egypt
افتراضي كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة

كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة
الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح






عن عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ. فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ، (وَهُوَ التَّعَبُّدُ) اللَّيَالِيَ أُولاَتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ" قَالَ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ. ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي" فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: "أَيْ خَدِيجَةُ! مَا لِي" وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. قَالَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلاَّ. أَبْشِرْ. فَوَاللّهِ لاَ يُخْزِيكَ الله أَبَدا. وَاللّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى. وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِيهَا. وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَكْتُبَ. وَكَانَ شَيْخا كَبِيرا قَدْ عَمِيَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. قَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَآهُ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى. يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعا. يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟" قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرا مُؤَزَّرا". وفي رواية للبخاري: "ثم لم يَنشَبْ ورقةُ أنْ تُوفيَ وَفَتَر الوحْي فتْرةً حتى حَزِن رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم".

وعن جَابِرِ بْنَ عَبْدِ اللّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوتا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسا عَلَى كُرْسِيَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقا فَرَجَعْتُ، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي. فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ [المدثر: 1 - 5] وَهِيَ الأَوْثَانُ قَالَ: ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْيُ.

ترجمة راويي الحديثين:
راوي الحديث الأول: هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وعن أبيها، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد موت خديجة رضي الله عنها، وفي الصحيحين عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي ابنة ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكث عندها تسعاً، وكانت أحب نسائه إليه، ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم فيها:" فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على باقي الطعام" وعند البخاري قال فيها لأم سلمة:" والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في يومها وفي بيتها وهي مسندته إلى صدرها، ولم تلد للنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً على الصحيح، وسألت النبي أن تكنى فقال صلى الله عليه وسلم:" اكتني بابن أختك" فاكتنت بأم عبد الله، وأخرج ابن حبان في صحيحه ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كناها بذلك، ولم ينكح بكراً غيرها، وأخبره جبريل عليه السلام أنها زوجته في الدنيا والآخرة، كانت على جانب كبير من العقل والفهم والعلم، ونشرت للأمة علماً كثيراً بروايتها لكثير من الأحاديث، روى عنها جمع من الصحابة -رضي الله عنهم- منهم عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وأبو هريرة، وأبو موسى، وزيد بن خالد -رضي الله عنهم- وغيرهم، وكبار التابعين كسعيد بن المسيب، وعمرو بن ميمون، وعلقمة بن قيس، والأسود بن زيد وكثيرون رحمهم الله، وكانت وفاتها في المدينة في رمضان سنة ثمان وخمسين، وأمرت أن تدفن بالبقيع فدفنت وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنه وكانت وفاتها ليلة الثلاثاء لسبع عشر خلت من رمضان رضي الله عنها وأرضاها. [انظر أسد الغابة (7 / 188) والإصابة (8 / 231) وفتح الباري (7 / 107)].
الحديث الثاني: راوي الحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما تقدمت ترجمته في الحديث الخامس من كتاب الإيمان.

تخريج الحديثين:
حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه مسلم حديث (160)، وأخرجه البخاري أيضاً مطولاً في عدة مواضع أولها في " كتاب بدء الوحي " " باب كتاب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم " حديث (3).
وحديث جابر رضي الله عنه أخرجه مسلم حديث (161)، وأخرجه البخاري في عدة مواضع، أولها في " كتاب كيف بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث (4)، وأخرجه الترمذي في " كتاب التفسير " " باب ومن سورة المدثر" حديث (3325).

شرح ألفاظ الحديثين:
( كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ ): الوحي هو الإعلام بالشرع قال القرطبي رحمه الله:" إعلام الله تعالى لأنبيائه بما شاء من أحكامه أو أخباره " [المفهم (1 / 374)]؛ وقد يطلق ويراد به الموحى به وهو كلام الله تعالى، وقد يطلق ويراد به حامل الوحي وهو جبريل عليه السلام و(مِنَ) في قوله -(الْوَحْي) تبعيضية أي من أقسام الوحي الرؤيا الصادقة، ويحتمل أن تكون بيانية.
(الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ ): الرؤية بالهاء: ما يراه الشخص بحاسة البصر وهي النظر بالعين، تطلق أيضاً على الوهم والتخيل نحو أُرى أن زيداً منطلق، وعلى التفكير نحو "إني أرى ما لا ترون"، وعلى العقل نحو " ما كذب الفؤاد ما رأى"
والرؤيا بالقصر: ما يراه الشخص في منامة والجمع رؤى [انظر بصائر ذوي التمييز (1 / 835-836)].
جاء في رواية البخاري (الرُّؤْيِا الصَالحة) قال النووي رحمه الله:" وهما بمعنى واحد " [شرح مسلم (2 / 374)].
قال ابن حجر: "وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما في الرؤيا يوم أحد" [الفتح (12 / 355)].
وقال في موضع آخر:" قوله (فِي النَّوْمِ) الزيادة بالإيضاح أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة؛ لجواز إطلاقها مجازاً " [الفتح (1/ 24].
( مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ): قال النووي رحمه الله:" قال أهل اللغة: فلق الصبح وفرق الصبح، بفتح الفاء و اللام والراء، هو ضياؤه، وإنما يقال هذا في الشيء الواضح البيّن" [شرح مسلم (2/ 374)].
( ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ ): قال النووي رحمه الله:" أما الخلاء فممدود وهو الخلوة وهي شأن الصالحين وعباد الله العارفين" [المرجع السابق].
قوله (ثم) إشارة إلى أن تحبيب الخلوة جاء متأخر عن الرؤيا الصادقة، وقيل جيئ ب (ثم) لترتيب الأخبار وإلا فحبه صلى الله عليه وسلم للخلوة قبل الرؤيا الصالحة.
(فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ ): قال النووي رحمه الله:" وأما الغار فهو الكهف والنقب في الجبل... وحراء جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى" [شرح مسلم (2/ 374/ 375)] وأما اليوم فوصله البنيان بمكة.
( يَتَحَنَّثُ فِيهِ، (وَهُوَ التَّعَبُّدُ) اللَّيَالِيَ أُولاَتِ الْعَدَدِ ): التحنث التعبد كما فُسرت في الحديث وهو تفسير الزهري رحمه الله، (أُولاَتِ) صفة لليالي، وأولات العدد أي الليالي الكثيرة.
( حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ ): قال النووي رحمه الله:" أي جاءه الوحي بغتة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متوقعاً للوحي، ويقال فجئه بكسر الجيم وبعدها همزة مفتوحة، ويقال فجأه بفتح الجيم والهمزة لغتان مشهورتان حكاهما الجوهري وغيره" [شرح مسلم (2/ 375)].
( مَا أَنَا بِقَارِئٍ ): (مَا) نافية والمعنى لا أحسن القراءة، ومنهم من جعل( مَا) استفهامية فيكون المعنى: ماذا أقرأ؟ ويضعفه دخول الباء على الخبر، فالصواب الأول وأنها نافية.
(فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ): (غَطَّنِي) بفتح الغين وتشديد الطاء أي ضمني وعصرني، وأصل الغط حبس النفس،( الْجَهْدَ) بفتح الجيم وضمها لغتان الغاية والمشقة، بالفتح بلغ الغاية في الغط، وبالضم بلغ مني الجهد مبلغه.
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ): أي اقرأ لا بقوتك وقدرتك وإنما بحول الله وقوته فكما خلقك سيعلمك.
(فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ): أي رجع بالآيات الخمس أو بالقصة كاملة.
( تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ ): البوادر جمع بادرة وهي اللحمة بين المنكب والعنق، جرت العادة أنها تضطرب عند الفزع.
( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ): أي غطوني بالثياب ولفوني بها.
( الرَّوْعُ ): بفتح الراء الفزع.
( أَيْ خَدِيجَةُ! مَا لِي ): استفهام والمعنى: ما الذي حصل لي؟
( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ): قال ابن حجر رحمه الله:" والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولاً" [الفتح (1/ 24)] ذكرها ابن حجر ثم ذكر أقواها أنه خشي على نفسه من الموت أو المرض أو دوام المرض وما عداها فمعترض عليه.
( وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ): بفتح الكاف وأصله الثقل ومنه قوله تعالى ﴿ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ ﴾ (النحل:76) ويدخل في حمل الكل عن الغير الإنفاق على الضعيف واليتيم والمحتاج والعيال ونحو ذلك مما هو من مكارم الأخلاق.
( وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ): أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من المال والنفع والفوائد في حمل المشقة عن الغير.
( وَتَقْرِي الضَّيْفَ ): أي تكرمه.
( وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ): النوائب جمع نائبة وهي الحادثة أو النازلة.
(وكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ ): أي صار نصرانياً قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
( وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ ): وفي رواية عند البخاري" وكان يكتب الكتاب العبراني ويكتب من الإنجيل بالعبرانية)
قال النووي رحمه الله:" وكلاهما صحيح وحاصلهما أنه تمكن من معرفة دين النصارى بحيث إنه صار يتصرف في الإنجيل، فيكتب أي موضع شاء منه، بالعبرانية إن شاء وبالعربية إن شاء" [شرح مسلم (2/ 378)].
( فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ ): وتقدم أنه ابن عمها حقيقة لا عمها، وأجاب النووي بأن هذا من باب التوقير. [المرجع السابق].
وردّ ابن حجر رحمه الله ذلك وحمله أنه وهم من الراوي فقال:" قولها رضي الله عنها (يا ابن عم) هذا النداء حقيقة ووقع في مسلم (يا عم) وهو وهم، لأنه وإن كان صحيحاً لجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد فلا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين فتعين الحمل على الحقيقة" [الفتح (1/ 25)].
( اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ ): لأن والد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد المطلب، وورقة يلتقيان في النسب ب (ابن كلاب) فكان من هذه الحيثية في درجة أخوته، أو قالته على سبيل التوقير لسنه. [الفتح (1/ 25)].
( هٰذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ): الناموس صاحب السر كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء، وعليه الجمهور كما نقل ابن حجر وقال:" والمراد بالناموس هنا جبريل -عليه السلام -، وقوله (عَلَى مُوسَى) ولم يقل (على عيسى) مع كونه نصرانياً؛ لأن كتاب موسى -عليه السلام - مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أو لأن موسى بُعث بالنقمة على فرعون ومن معه بخلاف عيسى، كذلك وقعت النقمة على يد النبي صلى الله عليه وسلم بفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل بن هشام ومن معه ببدر" [انظر المرجع السابق].
والأظهر والله أعلم التعليل الأول فهو أعم وأقرب للصواب، لاسيما والكلام عن الوحي وهو متعلق بالكتاب الذي يحتاج في تبليغه إلى الوحي.
( يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعا ): الضمير في (فيها) يعود إلى أيام النبوة ومدتها، و( جَذَعا) بفتح الجيم والذال أي شاباً قوياً حتى أبالغ في نصرتك، وتمنى أن يكون شاباً لأنه أمكن في النصرة وأنشط لها.
( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ): بفتح الواو وتشديد الياء ويجوز تخفيف الياء على وجه، والصحيح المشهور تشديدها واستفهام النبي صلى الله عليه وسلم الإنكاري على إخراجه لعدم وجود سبب ذلك مع ما كان عليه من مكارم الأخلاق التي وصفته بها خديجة رضي الله عنها.
(وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ ): أي يوم بعثك ودعوتك.
( أَنْصُرْكَ نَصْرا مُؤَزَّرا ): أي بالغاً قوياً.
( ثم لم يَنشَبْ ورقةُ أنْ تُوفيَ ): أي لم يلبث أن توفي وذلك قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
(فَتَر الوحْي ): يقصد به احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول.
(فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي ): أي سرت في باطن الوادي.
( فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ ): المراد بالعرش الكرسي كما في الرواية الأخرى (جَالِسا عَلَى كُرْسِيَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ).
( فَأَخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ ): رجفة بالراء، وقيل بالواو وجفة وكلاهما بمعنى واحد وهو الاضطراب، قال تعالى: ﴿ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴾ (النازعات:8)، وقال جل شأنه: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾ (النازعات:6) [شرح النووي لمسلم (2 / 383)].
( فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقا ): جئثت بضم الجيم وكسر الهمز وإسكان الثاء، أي رعبت وفزعت، وجاء في رواية البخاري (فزعت )، والفَرَق الفزع، فيكون ذكر المفعول المطلق (المصدر) للتأكيد وتقوية المعنى أي ففزعت فزعاً أو رعبت رعباً.
(زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَدَثَّرُونِي ): تقدم معنى (زَمِّلُونِي) أي غطوني بالثياب ولفوني بها، والدثار بكسر الراء هو ما فوق القميص الذي يلي البدن أي غطوني بثياب فوق ثيابي ومعناها متقارب، قال النووي رحمه الله: " ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ (المدثر:1) قال العلماء المدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بمعنى واحد" [شرح مسلم (2/ 383].

من فوائد الحديثين:
في حديث عائشة رضي الله عنها جملة من الفوائد منها:
الفائدة الأولى: الحديث فيه بيان لقسم من أقسام مجيء الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الرؤيا الصادقة، وللوحي عدة مراتب، ذكرها ابن القيم رحمه الله حيث قال: " وكمل الله له من مراتب الوحي مراتبَ عديدة:
إحداها: الرُّؤيا الصادقة، وكانت مبدأَ وحيه صلى الله عليه وسلم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
الثانية: ما كان يُلقيه الملَكُ في رُوْعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، وَلاَ يَحْمِلَنّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَن تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ".
الثالثة: أَنّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتمثَّلُ له المَلَكُ رجلاً، فيُخاطبه حتى يَعِيَ عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحياناً.
الرَّابعة: أَنّه كان يأتيه في مثل صَلْصَلَةِ الجرس، وكان أَشدَّه عليه فَيَتَلَبَّسُ به الملكُ حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد وحتى إن راحلته لتَبْرُكُ به إلى الأرض إذا كان راكبها ولقد جاءه الوحيُ مرةً كذلك، وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضُّها.
الخامسة: أنه يَرَى المَلَكَ في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يُوحِيَه، وهذا وقع له مرتين.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-02-2020, 03:58 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 30,736
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة


السادسة: ما أوحاه الله وهو فوق السماواتِ ليلَة المعراج مِن فرض الصلاة وغيرها.
السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة مَلَكٍ، كما كلّم اللهُ موسى بن عِمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعاً بنص القرآن، وثبوتها لنبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو في حديث الإِسراء." [زاد المعاد 1/ 78-80].


فإن قيل لماذا كان البدء بالوحي بالرؤيا الصادقة مناماً، لما لم يأته من أول الأمر؟
فالجواب: قال النووي رحمه الله:" قال القاضي رحمه الله وغيره من العلماء: إنما ابتدئ صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك، ويأتيه صريح النبوة بغتة، فلا يحتملها قوى البشرية، فبدئ بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا، وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة" [شرح مسلم (2/ 374) وبنحوه ذكر القرطبي في المفهم (1/ 374)].

الفائدة الثانية: في الحديث الخلوة وأهميتها للعبد ليتفرغ للعبادة،وهذا ماكان يفعله صلى الله عليه وسلم قبل نزول الوحي وبعد مبعثه حتى صار من الخلوة عبادات مشروعة يومية كقيام الليل وسنوية كالاعتكاف في رمضان، وما ذاك إلا لأهميتها وأثرها على قلب العبد كونها رابطاً وثيقاً بين العبد وربه جل وعلا، وتختلف أهميته الخلوة والعزلة باختلاف الزمان والمكان والحال، وسيأتي مزيد بيان لأحوالها، والحاجة لها في وقت الفتنة أشد، قال الخطابي رحمه الله:" والعزلة عند الفتنة أنبياء وعصمة الأولياء وسيرة الحكماء الألباء، والأولياء فلا أعلم لمن عابها عذراً" [العزلة للخطابي ص(8)].
والمقصود وجود العزلة والخلوة في حياة العبد وأما التزامها فهو يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص فقد تكون الخلطة للداعية أفضل على ما سيأتي بيانه وتفصيله، إلا أن الخلوة في الجملة لابد من وجودها في حياة من يرجو إصلاح القلب ومحاسبة النفس والتفرغ للعبادة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله:" لابد للعبد من أوقات ينفرد بها بنفسه في دعائه وذكره وصلاته وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه" [مجموع الفتاوى (10/ 426)] ولقد امتثل ابن تيمية رحمه الله ما قاله.
قال ابن القيم رحمه الله:" كان ابن تيمية في بداية أمره يخرج أحياناً إلى الصحراء، ويطلب الأنس بالله والشوق للقائه ويتمثل قول الشاعر: وأخرج من بين البيوت لعلّني أحدث عنك النفس بالسر خالياً" [مدارج السالكين (3/ 59)].

وتأمل كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب بعيداً وفي مكان يصعب الوصول إليه ليكون أبعد عن الناس وأضمن في حصول التفرغ والخلوة.
قال شيخنا ابن عثيمين:" فاختار صلى الله عليه وسلم مكاناً هو أبعد ما يكون عن الناس، وأصعب ما يكون في الصعود إليه وهو غار حراء، وهو غار في الجبل المعروف على يمين الداخل إلى مكة من الناحية الشرقية، وهو بعيد في قمة الجبل، ومسلكه صعب، ولكن الله يؤيد رسوله صلى الله عليه وسلم ليمهده للوحي بالقوة البدنية والشجاعة القلبية، وإلا فمن ينام في رؤس هذه الجبال وهذه في الليالي المقمرة والمظلمة لولا أن الله أيده بما أيده به" [شرح البخاري (1/ 26)].
وكان الأمر محبباً للنبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر الحديث، قال النووي رحمه الله:" قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: حببت العزلة إليه صلى الله عليه وسلم لأن معها فراغ القلب، وهي معينة على التفكر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويتشجع قلبه" [شرح مسلم (2/ 374)].
واخُتلف في كيفية عبادته صلى الله عليه وسلم فقيل كان يتعبد بشريعة نبي قبله، فقيل:نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل غير ذلك، والجمهور على أنه لم يتعبد بشريعة نبي قبله لأنه لو كان ذلك لنقل، وهو الأظهر والله أعلم وقوّى ابن حجر رحمه الله أنه يتعبد بشريعة إبراهيم. [الفتح (8/ 717)].
وقال القرطبي رحمه الله:" كل هذه الأقوال متعارضة لا دليل قاطع على صحة شيء منها، والأصح القول الأول، لأنه لو كان متعبداً بشيء من تلك الشرائع لعُلم انتماؤه لتلك الشريعة، ومحافظته على أحكامها وأصولها وفروعها ولو عُلم شيء من ذلك لنقل إذ تقتضي ذلك" [المفهم (1/ 375)].

الفائدة الثالثة: الحديث دليل على أن أول ما نزل من القرآن ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾ وبه قال جمهور العلماء، وسيأتي ذكر الخلاف عند الكلام على حديث جابر رضي الله عنه الذي يليه.

الفائدة الرابعة: قوله صلى الله عليه وسلم " فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ " فيه استخدام المعلم حين تعليمه ما يكون أدعى في تنبيه المتعلم وإحضار قلبه، وفعل جبريل عليه السلام لذلك بهذه الصورة وثلاث مرات للمبالغة وإشارة إلى ما سيحصل للنبي صلى الله عليه وسلم لاحقاً من الشدة عند نزول القرآن، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما:" كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة" متفق عليه وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ï´؟ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ï´¾ (المزمل:5).
قال القرطبي رحمه الله:" وهذا الغط من جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم تفريغ له وإيقاظ حتى يقبل على ما يُلقى إليه، وتكراره ثلاثة مبالغة في هذا المعنى، وقال الخطابي رحمه الله: كان ذلك ليبلو صبره، ويحسن أدبه، فيرتاض لتحمل ما كلّفه من أعباء الرسالة" [المفهم (1/ 376)].

الفائدة الخامسة: الحديث فيه عِظَم الآيات التي هي أول ما نزل من القرآن، حيث اشتملت على مقاصد القرآن وهي التوحيد والأحكام والأخبار.
قال ابن حجر رحمه الله:" والحكمة في هذه الأولية أن هذه الآيات الخمس اشتملت على مقاصد القرآن ففيها براعة الاستهلال، وهي جديرة أن تسمى عنوان القرآن؛ لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوله... وبيان كونها اشتملت على مقاصد القرآن أنها تنحصر في علوم التوحيد والأحكام والأخبار، وقد اشتملت على الأمر بالقراءة والبداءة فيها باسم الله، وفي هذه إشارة إلى الأحكام، وفيها ما يتعلق بتوحيد الرب وإثبات ذاته وصفاته، وصفة فعل، وفي هذا إشارة إلى أصول الدين، وفيها ما يتعلق بالأخبار من قوله تعالى: ï´؟ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ï´¾ (العلق:5)" [الفتح (8/ 718-719)].
وفي البداءة بـï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾ (العلق:1) دلالة على أن البسملة ليست من السورة إذ لو كانت منها لذُكرت، وفي الحديث بيان سبب نزول قوله تعالى: ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾.

الفائدة السادسة: الحديث فيه فضل خديجة رضي الله عنها، وحسن وقوف الزوجة مع زوجها فيما يُلمُّ به وتثبيته وتأنيسه من المخاوف التي وقعت له، وذكائها حيث استدلت بحسن صنيعه وخُلقه على أن الله تعالى لن يخيّبه، أخذته فزملته فردّت المخاوف بقولها (كلا) ثم بشّرت ثم أقسمت على ما نفته ثم استدلت بحسن صنيعه وكريم خصاله، وبعدما انتهت من التثبيت القولي شرعت بالتثبيت الفعلي فذهب به لابن عمها ورقة ليسمع منه وليكتمل حسن قيامها على ما ألمّ بزوجها رضي الله عنها وأرضاها، ولا عجب فقد شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم بالكمال من النساء.
قال النووي رحمه الله:" وفيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمره وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له، وفيه أعظم دليل، وأبلغ حجة على كمال خديجة رضي الله عنها، وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها " [شرح مسلم (2/ 377].

الفائدة السابعة: الحديث دليل على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من كريم الأخلاق من قبل النبوة.
الفائدة الثامنة: فيه دليل على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب للسلامة من مصارع السوء وألوان المكاره، وفيه فضل أعمال الخير المتعدية النفع فإن أغلب ما ذكرته خديجة رضي الله عنها واستدلت به من ذلك، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً:" والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

الفائدة التاسعة: الحديث دليل على جواز مدح الإنسان في وجهه لمصلحة كما فعلت خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مع المصلحة وأمن الفتنة ولهذا شواهد وتفصيل سيأتي في مظانه في " كتاب الزهد والرقائق" " باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط".

الفائدة العاشرة: الحديث فيه أن من نزل به أمر يتضمن خوفاً أو اضطراباً أو يحتاج إلى استشارة أن يطلع عليه من يثق بنصحه وصحة رأيه وتوجيهه ومن ذلك الزوجة إن كانت كذلك.

الفائدة الحادية عشرة: الحديث دليل على فضل العلم وذلك لما اشتملت عليه الآيات التي نزل بها جبريل عليه السلام من الأمر بالقراءة وأهمية العلم.
قال ابن القيم رحمه الله:" أول سورة أنزلها الله تعالى في كتابه سورة القلم، فذكر فيها ما مَنَّ به على الإنسان من تعليمه مالم يعلم، فذكر فيها فضله بتعليمه وتفضيله الإنسان بما علمه إياه، وذلك يدل على شرف التعليم والعلم" [مفتاح دار السعادة (1/ 58)]
الفائدة الثانية عشرة: في الحديث فضل ورقة بن نوفل وحسن جوابه بما عنده من العلم، وإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل إدراكه رسالته، وتمنيه إدراكه رسالته لينصره نصراً مؤزراً.
قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله:" قال بعض العلماء فورقة بن نوفل أول من آمن به صلى الله عليه وسلم من الرجال، وهذا صحيح، لكنه أول من آمن به من الرجال قبل الرسالة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وقت نزول سورة (إقرأ) لم يكن رسولاً، ولكنه كان نبياً، فأما من آمن به بعد الرسالة فهو أبو بكر رضي الله عنه " [شرح البخاري (1/ 33)].
وقال رحمه الله:" إلا أنه يعتبر صحابياً، لأن حد الصحبة ينطلق عليه، فإن الصحابي: من اجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك " [التعليق على مسلم (1/ 529)].

الفائدة الثالثة عشر: في ذهاب خديجة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة وسؤاله بيان أهمية الرجوع إلى أهل العلم والذكر والاختصاص وسؤالهم.
الفائدة الرابعة عشر: في قول ورقة رضي الله عنه (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعا) جواز تمني المستحيل في فعل الخير، لأن ورقة تمنى أن يعود شاباً وهو مستحيل عادة.
قال ابن حجر رحمه الله:" ويظهر لي أن التمني ليس مقصوداً على بابه بل المراد من هذا التنبيه على صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به" [الفتح (1/ 26)].

الفائدة الخامسة عشر: الحديث دليل على أن الابتلاء على الدعوة والإخراج من الأوطان سنة الأنبياء.
الفائدة السادسة عشر: في قول ورقة بن نوفل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم حين سأله" أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ " قَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ" أمران:
الأول: أن سنة الله واحدة في عداء أهل الباطل لأهل الحق على مر الزمان.
الثاني: أن المجيب على السؤال عليه أن يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضى المقام ذلك [انظر الفتح (1/ 26)].

الفائدة السابعة عشر: حديث جابر رضي الله عنه وجوابه حين سأله أبو سلمة رضي الله عنه: "أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ "استدل به من قال إن أول ما نزل من القرآن " ï´؟ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ï´¾.
وجمهور العلماء على أن أول ما نزل من القرآن ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾ استدلالاً بحديث عائشة رضي الله عنها وهو الصواب.
ويدل على ذلك:
أن حديث عائشة رضي الله عنها صريح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ قبل (إقرأ) شيء من القرآن حيث قال له" مَا أَنَا بِقَارِىءٍ".
أن عائشة رضي الله عنها نقلت قول النبي صلى الله عليه وسلم وتصريحه في أول نزول لجبريل عليه السلام عليه ب (إقرأ) بينما جابر رضي الله عنه أجاب من علمه، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على جواب غيره.
أن جابر رضي الله عنه كان يحدث عن فترة الوحي، أي انقطاعه ثم مجيئه بـ ï´؟ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ï´¾ بينما عائشة رضي الله عنها تحدث عن أول لقاء في الوحي وكان ب (إقرأ).
أن في حديث جابر رضي الله عنه ما يدل على حادثة غار حراء حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:"فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ " فَأَنْزَلَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ï´¾.
أن الأمر بالقراءة في الترتيب قبل الأمر بالإنذار.
قال ابن القيم رحمه الله:" هذا قول عائشة والجمهور والصحيح قول عائشة رضي الله عنها ثم ذكر بعض الأدلة السابقة" [ انظر زاد المعاد (1/ 82)].
وقال النووي رحمه الله:" والصواب أن أول ما أنُزل على الإطلاق كما صرح به ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾ كما صرح به في حديث عائشة رضي الله عنها... وأن أول ما نزل بعد فترة الوحي ï´؟ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ï´¾، وأما قول من قال من المفسرين أول ما نزل الفاتحة، فبطلانه أظهر من أن يذكر" [شرح مسلم (2/ 382)] وذكر بعض ما تقدم من الأدلة على ترجيح قول الجمهور.
وأما الجواب عن الأولية التي ذكرها جابر رضي الله عنه فالمراد بها أولية نسبية
قيل: إن مراد جابر رضي الله عنه بالأولية أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي لا أولية مطلقة وهو ما ذكره النووي رحمه الله كما تقدم.
وقيل: المراد أولية مخصوصة بالأمر بالإنذار فأول ما نزل للنبوة (إقرأ) وأول ما نزل للرسالة ï´؟ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ï´¾.
وقيل: أولية بالنسبة لنزول سورة كاملة، فبيّن أن المدثر نزلت بكمالها قبل تمام سورة (إقرأ) التي أول ما نزل منها صدرها. [انظر فتح المنعم، موسى شاهين (1/ 532)].

الفائدة الثامنة عشر: حديث جابر رضي الله عنه فيه بيان ما اشتملت عليه سورة المدثر من أهمية الدعوة والإنذار وتعظيم الله جل وعلا في النفس ونفوس الخلق وتطهير النفس من النجاسات وسائر الذنوب والنقائص، ومجانبة الشرك.
قال النووي رحمه الله: " ï´؟ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ï´¾ معناها حذر العذاب من لم يؤمن، ï´؟ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ï´¾ أي عظمه ونزهه عما لا يليق به، ï´؟ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ï´¾ قيل: معناها طهرها من النجاسة، وقيل: قصرها، وقيل: المراد بالثياب النفس أي طهرها من الذنب وسائر النقائص، ï´؟ وَالرُّجْزَ ï´¾ بكسر الراء في قراءة الأكثرين وقرأ حفص بضمها، وفسره في الكتاب بالأوثان، وكذا قاله جماعة من المفسرين والرجز في اللغة: العذاب، وقيل المراد بالرجز في الآية الشرك، وقيل الذنب وقيل الظلم" [شرح مسلم (2/ 383)].
الفائدة التاسعة عشر: اختلف في المدة التي فتر فيها الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم وانقطع عنه وحزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فقيل: ثلاث سنين، وقيل: سنتين ونصف، وقيل ستة أشهر وقيل أربعين يوماً وقيل غير ذلك.

الفائدة العشرون: قول النبي صلى الله عليه وسلم:" فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً"
قال النووي رحمه الله:" فيه أنه ينبغي أن يُصبَّ على الفَزِع الماء ليسكن فزعه".

مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الإيمان)



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 103.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 100.79 كيلو بايت... تم توفير 2.29 كيلو بايت...بمعدل (2.23%)]