اللغة العربية لسان وكيان - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين إضغط هنا / وبإمكانكم التواصل معنا مباشرة عبر خدمة واتس اب - Whats App / 009613654576

 
اخر عشرة مواضيع :         نحن أولى بسليمان عليه السلام منهم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 2 )           »          مولد المسيح وحكمة الله في مولده (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          فرق اليهود (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          دين المسيح كان التوحيد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          المبشرون النصارى (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حديث عن المعلم (اخر مشاركة : دلال عوض - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          عيسى عليه السلام في الإنجيل (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          حب الأنصار من الرسول عليه الصلاة والسلام (اخر مشاركة : دلال عوض - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          السلام عليكم ورجمة الله (اخر مشاركة : الجارح الليبي - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          المسيحية كما جاء بها المسيح (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها > ملتقى النقد اللغوي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 16-09-2019, 05:33 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 16,674
الدولة : Egypt
افتراضي اللغة العربية لسان وكيان

اللغة العربية لسان وكيان
أحمد محمد جمال




قبل أن نتحدث عن اللغة العربية كلسان للأمة العربية خاصة، وللعالم خاصة، وللعالم الإسلامي الأكبر بصفة عامة، وأثرها العميق الوثيق في تكوين كيان الأمة الإسلامية عقيدة وشريعة، وخلقا وتعاملا وارتباطا.
قبل ذلك لا بد من مقدمة وجيزة عن " اللغة " من حيث الاصطلاح الأدبي والاجتماعي:
اختلف الباحثون في نشوء اللغات: هل هو توقيفي؟ أم تواضعي؟ ويقول ابن فارس في كتابه " فقه اللغة ": أن لغة العرب توقيف، ودليل ذلك قوله - تعالى -: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [سورة البقرة الآية 31] أي الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض وجبل وسهل وأشباه ذلك.
ويوضح ابن فارس معنى أن اللغة توقيف بقوله: " وليس معنى ذلك أن اللغة كلها جاءت جملة واحدة، وإنما المعنى أن الله علم آدم ما شاء، ثم علم بني آدم بعده ما شاء أيضا حتى انتهى الأمر إلى نبينا " - صلى الله عليه وسلم - فآتاه الله ما لم يؤت أحداً من قبله ".
أما ابن جني فيقول: في كتابه " الخصائص ": إن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة، وذلك بأن يضع حكيمان أو ثلاثة لكل واحد من الأشياء سمة ولفظا ".
ويرى علماء الاجتماع أن اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كلا متراصا يخضع لقانون واحد، وأنها الرابطة الحقيقية الوحيدة بين عالم الأذهان وعالم الأبدان، وهي نظرية تصدق على لغتنا العربية.
كما يقول الدكتور عثمان أمين: أكثر مما تصدق على أية لغة أخرى، فاللغة العربية عظيمة الأثر في تكوين عقليتنا، وهداية سلوكنا، وتصريف أفعالنا، ذلك أنها تمتاز على اللغات الأخرى بمثالية عميقة صريحة، تحسب حساب الفكرة والمثال وتضعهما مكان الصدارة والاعتبار، أي: أن لغتنا العربية تفترض دائما أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس، ويكفي في التعبير بها إنشاء علاقة ذهنية بين المسند والمسند إليه، دون حاجة إلى فعل الكينونة الذي هو لازمة ضرورية في اللغات " الهندو - أوربية " ودون الحاجة إلى التصريح بضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب؛ لأن الذات متصلة دائما بالفعل في نفس تركيبه الأصلي.
ويقول ابن خلدون: الملكات الحاصلة للعرب أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات على كثير من المعاني، مثل الحركات التي تعين الفاعل من المفعول والمجرور - أي المضاف - ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال إلى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى، ولا يوجد ذلك إلا في لغة العرب، وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لا بد من ألفاظ تخصه بالدلالة، ولذلك نجد كلام العجم في مخاطبتهم أطول مما نقدره بكلام العرب.. ".
حقيقة التلازم بين الإسلام والعربية:
والآن نتحدث عن حقيقة الارتباط الوثيق بين اللغة العربية والإسلام، وأسراره وآثاره..
إن الواقع التاريخي للغة العربية وللدين الإسلامي - خلال أربعة عشر قرنا - يثبت حقيقة التلازم والارتباط بين انتشار كل منهما وازدهاره بمساعدة الآخر.
هذا إلى جانب حقيقة أخرى واضحة وثابتة هي: أن في كل من الدين الإسلامي واللغة العربية من القوة الذاتية والاستعداد الأصيل ما يكفل له الغلبة والانتصار.
فاللغة العربية - ذاتها - لغة حية أدت رسالتها في الحياة خير أداء، وعبرت في عصورها الأولى عن حاجات المجتمعات التي تتخذها لغة لها تعبر بها عن مطالبها وآلامها وعلومها وآدابها وفنونها، وما زالت مستعدة للتعبير عن الحياة وما جد فيها، ومستعدة لأن تتسع أكثر من ذي قبل لكل جديد مبتكر ومخترع حديث كما يقول الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار في كتابه " الفصحي والعامية ".
واللغة العربية أيضًا - من أغنى لغات البشر ثروة لفظية تستوعب حاجات الأمة الحسية والمعنوية - كما يقول الأستاذ مصطفى السقا في مقدمة كتاب " المعجم العربي " للدكتور حسين نصار.
والعرب منذ أواخر العصر الجاهلي مهتمون بلغتهم معتزون بتراثها الأدبي، وقد قيل: " الشعر ديوان
العرب " ولكن اهتمامهم واعتزازهم بها ازداد مع ظهور الإسلام؛ لأن الله - عز وجل - اختارها لغة لدينه قرآنا وسنة وعبادة وتشريعا، وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد، ثم تضاعف الاهتمام والاعتزاز باللغة العربية وحفظ التراث اللغوي وتنقيته من الدخيل الأعجمي أثناء الفتوحات الإسلامية وبعدها، وعلى الرغم من أن الاستعمار الغربي كان يعمل لهدم اللغة العربية لأنها لسان الدين الإسلامي الذي ما يزال يحاول هدمه بالدعوة إلى استخدام اللهجات العامية لغة للتأليف والكتابة كما فعل اللورد " دفرين " السياسي البريطاني حين طالب بتدوين العلوم باللغة العامية المصرية، وكما حاول المستعمرون الفرنسيون في الجزائر، إلا أن هذه الدعوات والمحاولات الاستعمارية قد باءت بالخيبة والفشل والخسران المبين.
وننتقل الآن إلى الحديث عن أثر الإسلام في انتشار اللغة العربية، وسنروي أقوال بعض أئمة اللغة والأدب مختصرة عن حقيقة التلازم القوي بين انتشار الإسلام بالعربية وانتشار العربية بالإسلام.
ونبدأ بالأزهري الإمام اللغوي المشهور، فهو يقول في مقدمة كتابه " تهذيب اللغة ":
" الحمد لله، على ما أسبغ علينا من نعمه الظاهرة والباطنة، وهدانا إلى تدبر تنزيله، والتفكر في آياته والإيمان بمحكمه ومتشابه، والبحث عن معانيه، والفحص عن اللغة العربية التي نزل بها الكتاب والاهتداء بما شرع فيه، ودعا الخلق إليه وأوضح الصراط المستقيم به، وهداهم إلى ما فضلنا به على كثير من أهل هذا العصر في معرفة لغة العرب التي نزل بها القرآن ووردت سنة المصطفى النبي المرتضى - عليه الصلاة والسلام -.
هذا النص من مقدمة " التهذيب " لأحد أئمة اللغة الإعلام كافٍ لأن نتبين الباعث الأساسي على الاهتمام باللغة العربية، وتدوينها وتصحيحها ونشرها ألا وهو الإسلام قرآنا وسنة وعبادة وتشريعا.
والقرآن نفسه قبل كلام الأزهري وأمثاله من علماء اللغة يؤكد حقيقة هذا الباعث الأساسي للاهتمام باللغة العربية والاعتزاز بتراثها العلمي والأدبي، فقد من الله -تبارك وتعالى- على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعلى العرب الذين بعث فيهم ومنهم بقوله - عز وجل -:
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [سورة يوسف الآية 2]
(لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [سورة الأنبياء الآية 10]
(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [سورة الزخرف الآية 44]
(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [سورة النحل الآية 44] ...إلخ
فنزول القرآن الكريم بالعربية - كما يتضح من آيات القرآن نفسه - دليل أهميتها وأفضليتها وباعث نهضتها، وصاحب الفضل الأكبر والأثر الأظهر في نشرها وخلودها، وهي - أيضا - لأنها أغنى اللغات بيانا وأقواها برهانا كانت ولا تزال عاملا مساعدا لنشر الإسلام، والإقبال عليه، ويكفي تدليلا على ذلك اختيار الله لها لسانا لدينه العام والأخير، وهو الإسلام ومنه بذلك على العرب خاصة والمسلمين عامة.
وقد قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: (لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنن عند أهل الفقه).
كما نقل عن الإمام ابن تيمية قوله: " إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ".
ويقول الأزهري في مقدمته: إن تعلم العربية التي يتوصل بها إلى تعلم ما تجزئ به الصلاة من تنزيل وذكر فرض على عامة المسلمين، وإن على الخاصة التي تقوم بكفاية العامة فيما يحتاجون إليه لدينهم الاجتهاد في تعلم لسان العرب ولغاتها التي بها التوصل إلى معرفة ما في الكتاب (القرآن) ثم في السنة والآثار وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين من الألفاظ الغربية، فإن الجهل بذلك جهل بجملة علم الكتاب إلخ.
ثم يذكر الأزهري أن من أسباب قيامه بتأليف كتابه: النصيحة الواجبة على أهل العلم لجماعة المسلمين كما جاء بها التوجيه النبوي: ((الدين النصيحة)) [سنن الترمذي البر والصلة (1926)، سنن النسائي البيعة (4199)]. أي أن دينه حمله على أن يضع كتابه في اللغة العربية لإفادة الناس ما يحتاجون إليه، والدفاع عن لغة العرب التي جاء بها القرآن، وجاءت بها السنن والآثار.
ويقول الأستاذ العقاد - رحمه الله - في مقدمة كتاب " الصحاح " للأستاذ العطار: (ولقد قيل كثيرا: إن اللغة العربية بقيت لأنها لغة القرآن. وهو قول صحيح لا ريب فيه، ولكن القرآن الكريم إنما أبقى اللغة لأن الإسلام دين الإنسانية قاطبة وليس بالدين المقصور على شعب أو قبيل، وقد ماتت العبرية وهي لغة دينية أو لغة كتاب يدين به قومه، ولم تمت العبرية إلا لأنها فقدت المرونة التي تجعلها لغة إنسانية، وتخرجها من حظيرة العصبية الضيقة بحيث وضعها أبناؤها منذ قرون).
ثم يضيف الأستاذ العقاد: " إن هذه الفضيلة الإنسانية التي لا تفرق بين العربي والأعجمي ولا بين القرشي والحبشي لهي التي أنهضت لخدمة اللغة أناسا من الأعاجم غاروا عليها من حيف الأعجمية - أي أنهم غاروا عليها من لغة أمهاتهم وآبائهم، لأنها لغتهم على المساواة بينهم وبين جميع المؤمنين بالقرآن الكريم كتاب الإسلام- ".
ويقول العقاد أيضا: " وستبقى اللغة العربية ما دام لها أنصار يريدون لها البقاء، ولم ينقطع أنصارها في عصرنا الحاضر بل نراهم بحمد الله يزدادون ويتعاونون، ويتلاقى أبناء البلاد المختلفة على خدمتها ودعمها؛ لأنهم مختلفون بمواقع البلاد متفقون بمقاصد الضمائر والألسنة والأفكار ".
إن العقاد يعني بما قدم أن إنسانية الإسلام وعالمية تشريعه الحكيم هي التي ساعدت على انتشار اللغة العربية التي هي لغة كتابه " القرآن " الذي وحد في المؤمنين به " مقاصد " الضمائر والألسنة والأفكار، على الرغم من اختلافهم في مواقع البلاد..
ويقول الدكتور حسين نصار في " المعجم العربي " لم تنهر اللغة العربية بانهيار الدولة الأموية وذلك بفضل القرآن الذي أحاط اللغة العربية بهالة من القداسة والجلال غمرت كل مسلم مهما كان جنسه ومهما كانت لغته، فاستمرت حية تتوارثها ألسنة جيل بعد جيل، وإن السبب المباشر الذي أظهر الدراسات اللغوية هو ارتباطها بالدراسات الدينية، واتحادها في النشأة... فقد أنزل القرآن كتاب العربية الأعظم على الرسول العربي الكريم ليدعو قومه إلى سبيل الرشاد فكان بلغتهم وعلى أساليب كلامهم.
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم الصحابة من بعده المرجع في تفسير القرآن، ثم جاءت الحركة العلمية الأولى عند المسلمين التي شملت في مدة وجيزة جميع العلوم التي عرفها العالم القديم، فما اتصل بالقرآن كان أولها ظهورا حيث ظهرت كتب (غريب الحديث) وكان آخر الظواهر التي أمدت الدراسات اللغوية بالروافد ظاهرة التدوين العلمي حيث وضعت معظم العلوم العربية في أواخر العصر الأموي وأوائل العهد العباسي كعلوم القرآن والحديث والفقه والنحو والرياضة والمنطق والكلام والفلسفة إلخ.. ".
ويقول الأستاذ سيد قطب في كتابه " المستقبل لهذا الدين ": إن انتصار الصليبين في الأندلس وانتصار اليهود في فلسطين.. أعظم شاهد على أنه حين يطرد الإسلام من أرض، فإنه لا تبقى لغته ولا قوميته بعد اقتلاع الجذر الأصيل).
ويقول أيضا: " إن المماليك - وهم من جنس التتار - حموا من التتار بلاد العرب، مع أنهم ليسوا من جنس العرب، فصمدوا في وجه بني جنسهم المهاجمين دفاعا عن الإسلام؛ لأنهم كانوا مسلمين.. صمدوا بإيحاء من العقيدة الإسلامية، وبقيادة روحية إسلامية من الإمام المسلم (ابن تيمية) الذي قاد التعبئة الروحية وقاتل في مقدمة الصفوف.. وكذلك حمى صلاح الدين الأيوبي هذه البقعة من اندثار العروبة والعرب واللغة العربية وهو كردي لا عربي.. وهو إنما حفظ لها عروبتها ولغتها حين حفظ لها إسلامها من غارة الصليبيين، لقد كان الإسلام في ضمير صلاح الدين هو الذي كافح الصليبيين، كما كان الإسلام في ضمير المظفر قطز والظاهر بيبرس والملك الناصر هو الذي كافح التتار المتبربرين ".
ولغير العرب وغير المسلمين شهادات مماثلة:
يؤكد جورجي زيدان في كتابه (آداب اللغة العربية) تأثير القرآن في أخلاق أهله وعقولهم وقرائحهم ومعاملاتهم، فالصبغة القرآنية أو الإسلامية - كما يقول - تظهر في مؤلفات المسلمين، ولو كانت في موضوعات علمية.. كالفلسفة والفلك والحساب، فضلا عن العلوم أو الآداب الشرعية.
وبعد أن يشير جورجي زيدان إلى تأثير القرآن في حياة المسلمين المعاشية والاجتماعية يقول: ".. وهذا ما لا نراه في الأناجيل - مثلا - فإنها كتب تعليمية لمصلحة الآخرة فقط، ولا نجد فيها شرعا، ولا حكومة ولا أحوالا شخصية.. أو نحو ذلك ". ثم يضيف: " وبالجملة فإن للقرآن تأثيرا في آداب اللغة العربية ليس لكتاب ديني مثله في اللغات الأخرى ". وجورجي زيدان هذا - كما نعلم - كاتب مسيحي معروف، فاعترافه بتأثير القرآن على المسلمين خلقا وأدبا ولغة وثقافة، وخلو الكتب الأخرى -ومنها الأناجيل- من هذا التأثير له قيمته الكبيرة، ودلالته الخاصة.
وفي كتاب " اللغات السامية " لأرنست رينان تأكيد آخر لأثر الإسلام في انتشار اللغة العربية، فهو يقول: " إن من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، وصعب حل سره: انتشار اللغة العربية.. حيث بدت فجأة في غاية السلامة والغنى والكمال، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم إلى اللغة العربية ليفهمها النصارى ".
كما يقول المستشرق برنارد لويس في كتابه " العرب في التاريخ ": " إن موجات الفتح الكبرى التي تلت موت محمد -صلى الله عليه وسلم- وإقامة الخلافة على رأس الأمة الإسلامية الناشئة قد سطرت بحروف كبرى كلمة " عرب " على خريطة القارات الثلاث: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وجعلت منها عنوانا لفصل حاسم رغم قصره، في تاريخ الفكر والأعمال البشرية ".
نكتفي بهذه الآراء والنظريات الحاسمة لبعض أئمة اللغة والأدب والتاريخ - في القديم والحديث - مسلمين وغير مسلمين.. كحجة ساطعة قاطعة على مدى التلازم الوثيق والارتباط الشامل بين انتشار الإسلام بالعربية، وانتشار العربية بالإسلام؛ لأنها لسانه المبين، ولغته الساحرة، ولأنه هو روحها النافذ وعقلها الرشيد.
تآمر الأعداء على اللغة العربية:
الذين كادوا اللغة العربية كثيرون، من مستشرقين ومستغربين، وغايتهم من ذلك القضاء على وحدة المسلمين التي هي ثمرة التقائهم على لغة واحدة هي لغة " القرآن " ولغة " السنة النبوية " ولغة التراث الحضاري الإسلامي المجيد..
من المستشرقين المتآمرين على اللغة العربية:
القاضي الإنجليزي " دلمور " الذي عاش في مصر وألَّف سنة 1902م كتابا سماه (لغة القاهرة) ووضع فيه قواعد اقترح اتخاذها لغة للعلم والأدب، كما اقترح كتابتها بالحروف اللاتينية، وفي سنة 1926م دعا " وليم ويلكوكس " مهندس بالري حينذاك في مصر إلى هجر اللغة العربية، وخطا باقتراحه خطوة عملية، فترجم الإنجيل إلى ما سماه باللغة المصرية.
وممن أعلنوا آراءهم في أهمية اللغة وأثرها في وحدة المسلمين وقوتهم: القس زويمر " 1906 " الذي دعا أيضا إلى القضاء عليها تمهيدا للقضاء على الإسلام ووحدة المسلمين، ومثله "وليم جيفورد بالجراف" الذي يقول: " متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في قبول الحضارة المسيحية التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه ".
ويزعم " أرنولد توينبي ": أن اللغة العربية لغة دينية لا تصلح إلا للطقوس والشعائر كالصلاة، وتلاوة القرآن والدعاء.
وهناك المستشرق الألماني " سبيتا " الذي بدأ الدعوة إلى استعمال اللغة العامية لتحل محل العربية سنة 1880م.
أما العرب المستغربون:
الذين حطبوا في حبل أعداء الإسلام، وكالوا بصاعهم فمنهم:
عبد العزيز فهمي عضو المجمع العلمي المصري الذي تقدم سنة 1943م باقتراح لاستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وشغل المجمع ببحث اقتراحه ثلاث سنوات حتى خصص المجمع جائزة مالية لمن يتقدم بأحسن اقتراح لتيسير الكتابة العربية.
وسلامة موسى الكاتب المصري المسيحي المعروف بعدائه للإسلام، الذي أيد اقتراح " ولكوكس " أن تكون هناك لغة مصرية للكتابة والتأليف، وقال: "إن اللغة العربية لغة بدوية، وإنها لغة رجعية متخلفة".
ورفاعة الطهطاوي الذي دعا بعد عودته من فرنسا سنة 1285هـ إلى استعمال اللغة العامية وتصنيف الكتب بها. ومثله الدكتور لويس عوض الكاتب المصري.
وكذلك سعيد عقل الكاتب اللبناني.. دعا إلى استخدام اللغة العامية، وكتابتها بالحروف اللاتينية قائلا في وقاحة عجيبة: " من أراد لغة القرآن فليذهب إلى أرض القرآن ".
وأحمد لطفي السيد - من مصر - دعا إلى التسامح في قبول المسميات الأجنبية، وإدخالها في اللغة العربية، زاعما أن استعمال المفردات العامية وتراكيبها إحياء للغة الكلام والخطاب، وأننا بذلك نجعل العامة يتابعون كتابة الخاصة، وخطبهم وأحاديثهم.
ولئلا نطيل نحيل القارئ إلى كتاب " الاتجاهات الوطنية " للدكتور محمد حسين - وكتاب " أباطيل وأسمار " للأستاذ محمد محمود شاكر - وكتاب " تاريخ الدعوة إلى اللغة العامية " للدكتورة نفوسة زكريا سعيد - وكتاب " التبشير والاستعمار " للأستاذين عمر فروخ، ومصطفى الخالدي.
لغة عربية جديدة:
وفي عام 1393هـ " 1973م " انعقد في برمانا في لبنان مؤتمر ضم عددا من أساتذة الجامعات في أمريكا وأوروبا والبلاد العربية، وبُحث فيه اقتراح فرنسي قدمه جاك بيول، وأندريه رومان، ورولان مانيه.. بإيجاد لغة عربية جديدة تكون مفرداتها هي المفردات الأكثر تداولا بين الناطقين بالضاد، أي استعمال اللهجات العامية الدارجة، وذلك بحجة أن " الاستعمال هو السيد الذي يفرض نفسه ".
وهكذا يتكرر الزعم الفاسق بأن الفصحى لا تستجيب للحضارة الحديثة، ولا تستوعبها، وأنها عسيرة على الذين يتعلمونها، ولا بد من استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وكتابتها باللهجات العامية الدارجة، وقد قام فريق من الأدباء العرب بتأليف الكتب، ونظم الأشعار، وكتابة القصص باللهجات العامية تطبيقا لهذه الدعوة الماكرة، ومظاهرة لدعاتها الكائدين للإسلام والعربية، ومحاولة لإقناع الجماهير بأن اصطناع اللغة العامية في الأدب العربي والصحافة العربية، إنما هو اعتراف بحقها - أي الجماهير - في العلم والفهم، وفي التأثر بالرأي العام والتأثير فيه.
والدعاة الآخرون إلى الشعر الحر، والشعر المرسل.. المنتقدون لقواعد القصيد العربي ونظام الوزن والقافية ليسوا بعيدين عن ميدان التآمر على اللغة العربية وبلاغتها المؤثرة، وأدبها الممتع.
وليس أدل على خطأ هذه الدعوات والمحاولات، وخداع حملتها وافترائهم وزورهم، من الحقائق والتجارب العلمية والتربوية التالية:
أولا: أن ما تتهم به العربية من تقصير ليس في ذاتها، وإنما التقصير الحقيقي هو في نفر من المدرسين الذين يتولون تدريسها للطلاب في المعاهد والكليات، ويؤلفون فيها كتبهم ومراجعهم، (كما يقول الدكتور عمر فروخ).
ثانيا: أن أحد أسباب الصعوبة التي يجدها الأطفال في تعلم اللغة العربية هو فرض لغة أجنبية عليه في المدرسة في سن مبكرة، وأن ازدواجية اللغة في هذه السن الباكرة هي الخطر الحقيقي الذي تتجنبه كل دول العالم، فاللغة الأجنبية يمكن تعلمها عند الحاجة إليها في ثلاثة شهور، كما يقول أحد رجال التربية في لبنان " في مجلة الحوادث عام 1973 م ".
ثالثا: أن اللغة العربية حفظت التراث العالمي، والعلمي بالذات، واستوعبتهما قرونا طويلة من الزمن، فكيف تعجز الآن عن القيام بنفس الدور؟.
رابعا: أن ثمة مصاعب تواجه كل لغة في العالم، وثمة طرق وأساليب للتغلب على تلك المصاعب، أهمها: بالتأكيد تطوير طرق تدريس اللغة وتعلمها.
خامسا: يقول الكاتب الإنجليزي " هكسلي ": إن كتابة العلوم والآداب باللغة العامية يضعف المواهب العلمية، ويقضي على ملكة الإنشاء الفصحى، لذلك ينبغي أن نرتقي بعقول العامة إلى فهم لغة العلم والأدب العالية.. لا أن ننزل بالعلماء والأدباء إلى مستوى العامة.
ومع يقيننا الثابت بخسران هذه المحاولة اللئيمة في معركتها الفاشلة ضد اللغة العربية -لغة القرآن ولغة الدين الإسلامي- خسرانها اليوم وغدًا كما خسرت بالأمس القريب والبعيد، إلا أننا لا نجد بدا من وقفة قصيرة، نرد فيها الشبهة التي يختلقها الدعاة المتآمرون، حول مقدرة اللغة العربية وكفايتها وبلاغتها، وتفضح - إلى جانب ذلك - ما تقتضيه دعوتهم المنكرة من تخريب للمجد الأدبي العربي، وتذويب للشخصية العربية الأصيلة لغة وأدبا وتاريخا وحضارة.
إن الدفاع عن اللغة العربية الفصحى: هو دفاع عن القرآن، وعن الدين الإسلامي: قرآنه، وحديث رسوله، وتاريخه، وتراثه الفقهي، وذخائره الفكرية والأدبية الخالدة الماجدة.
واللغة العربية التي حملت هذا الميراث الضخم الفخم المتطاول على الزمن من حضارة الإسلام الدينية والفكرية والعلمية منذ أربعة عشر قرنا - لا يعجزها بل لم يعجزها فعلا أن تمضي في رسالتها البيانية والتاريخية وإلى الأبد الأبيد.
أما أنها عسيرة على الذين يتعلمونها فهذا شأن كل لغة أجنبية يتعلمها من هو من غير أهلها، فاللغة الإنجليزية أو الفرنسية - مثلا - عسيرة على الذين يتعلمونها من العرب لكثرة ما فيها من شواذ في القاعدة، والنطق، والكتابة.. وهو ما لا يوجد في العربية مثيله أو نظيره.
أما عواقب التذويب والتخريب، التي يقتضيها استعمال اللغة العامية في كل قطر عربي بديلا عن اللغة الفصحى، فيأتي في مقدمتها الانفصال التام بين شعوب البلاد العربية؛ لأن كل شعب منها سيقتصر على لغته المحلية تفاهما وتعاملا، وتعليما وصحافة وتأليفا، فيتعذر اللقاء بين الشعوب العربية على علم أو أدب أو تعامل أو فكر أو عمل، وهذا ما تريده الصليبية الاستعمارية فصمًا للوحدة العربية التي وسيلتها اللسان العربي، وقوامها الدين الإسلامي.
ونقول: إن قوام الوحدة العربية هو الدين الإسلامي؛ لأنه لا يمكن فصل الإسلام عن اللغة العربية، ولا عن الأمة العربية التي أعزها الله بالإسلام، التي لا يمكن أن تحيا مجيدة سعيدة إلا في ظله الكريم العزيز.
ومن عواقب التخريب والتذويب، لهذه المؤامرة الماكرة الخاسرة: إهمال جميع الكتب العربية القديمة والحديثة المؤلفة بالفصحى بما في ذلك مراجع العقيدة والشريعة، وعلى رأسها القرآن والسنة، والقيام - من جديد - بوضع كتب باللغة العامية أو بالحرف اللاتيني، والتدريس في المدارس والمعاهد والكليات، على الطريقة الجديدة، بعد إلغاء المناهج الحالية، وتخريج معلمين ومدرسين على النظام العامي أو النظام اللاتيني!.
وبعدُ فإن اللغة العربية التي وسعت كتاب الله (لفظا وغايةً) كما قال حافظ إبراهيم، ووسعت أيضا حضارة الإسلام خلال أربعة عشر قرناً علماً، وأدباً، وفكرًا، وتاريخًا، واستطاع علماء العرب ومفكروهم ومترجموهم -قديماً- أن يستولدوها كلمات ومعاني جديدة من لغات أخرى، عن طريق التعريب والاشتقاق...
هذه اللغة الولود الودود، الغنية السخية ليست عاجزة عن مسايرة ركب العلم الحديث، وإنما أبناؤها العاقون هم العاجزون، وهم الذين يخربون بيوتهم بأيديهم، ويطفئون نور حضارتهم بأفواههم، ويطمسون معالم شخصيتهم العربية الإسلامية الأصلية بآرائهم المنحرفة.
إلا أن المتآمرين على الإسلام، ولغته، وتراثه الحضاري المجيد الرشيد: هم الخاسرون.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 81.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 78.85 كيلو بايت... تم توفير 2.15 كيلو بايت...بمعدل (2.66%)]