أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

 
اخر عشرة مواضيع :         سؤاااااااااااال لو سمحتم !!!!!!! (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 6 - عددالزوار : 3870 )           »          ساعدوني - أريد طريقة لإزالة حرق الفلفل من اليدين (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 18 - عددالزوار : 144163 )           »          ارجودخول الكل اسهل علاج للصدفيه بايات الشفاء الست (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 18 - عددالزوار : 39022 )           »          صفحة الاستظهار* مجموعة سورة البقرة* (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 563 - عددالزوار : 29433 )           »          فوائد تمر عجوة المدينة لبعض الأمراض (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 13 - عددالزوار : 39680 )           »          مرهم ايلكوم (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 5 - عددالزوار : 2756 )           »          الوصل والفصل .. من "جامع الدروس العربية" للشيخ مصطفى الغلاييني (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 9 - عددالزوار : 10642 )           »          قضية" آخر العنقود سكر معقود " (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 25 - عددالزوار : 4629 )           »          اكياس الماء (اخر مشاركة : StevJend - عددالردود : 3 - عددالزوار : 2895 )           »          تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 324 - عددالزوار : 6206 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى اللغة العربية و آدابها

ملتقى اللغة العربية و آدابها ملتقى يختص باللغة العربية الفصحى والعلوم النحوية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-12-2019, 07:28 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 23,013
الدولة : Egypt
افتراضي أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية

أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية (1/6)
مبارك القحطاني

إن الحديث حول تاريخ الصحافة الإسلامية سيكون خِـداجاً ما لم يتطرّق إلى فارس هذا الميدان "محمد رشيد رضا"- رحمه الله- ومجلته العتيدة "المنار"، هذا الرجل الفاضل الفذّ الذي انعقد له لواء الريادة والأسبقية في مجال إرساء دعائم العمل الصحفي في سبيل الدعوة إلى الله تعالى في هذا العصر، وانتقاله بهذا الميدان نقلةً واسعةً ناضجةً، لا يملك المسلم المعاصر إزاءها إلا إزجاء أعطر آيات العرفان والشكر له ولجهوده الرائدة.
إذ كان رحمه الله رجلاً بـأمّة، حمل هموم العالم الإسلامي ووضعها نصب عينيه, وشخّص الأدواء التي تهدّ كيانها، وطفِـق بحثاً لها عن الحلول الناجعة، مجتهداً في اتخاذ الأساليب الإصلاحية السليمة المنسجمة مع منطلقات الشريعة وأصولها، فكان لهذه المجلّة وقعٌ طيب وصدى إيجابيّ في كل أصقاع العالم الإسلامي على مدى سبعة وثلاثين عاما هو عمر هذه المجلة.
من هنا، كانت هذه اللمحة السريعة في تعريف الإخوة القراء بهذه الشخصية الرائدة، ودورها البارز في مجال نشأة الصحافة الإسلامية، كجزء من العرفان والوفاء الذي يلزمنا تجاه روّاد الإصلاح والدعوة إلى الله تعالى في كلّ عصر ومِـصر.

• من هو الشيخ محمد رشيد رضا؟
وُلِد الشيخ محمد رشيد رضا في في قرية قلمون بالقرب من طرابلس الشام عام 1282هـ الموافق 1865 م، وتلقّى تعليمه فيها. وكان في بداياته واعظاً متصوّفاً، ثم تأثر بمدرسة الأفغاني ومحمد عبده بعد قراءته لأحد أعداد مجلتهما العروة الوثقى، وارتحل إلى مصر عام 1315 هـ، وتنقّل من الإسكندرية إلى القاهرة التي استـقـرّ به النوى فيها عام 1315 هـ، والتقى بالأستاذ محمد عبده ولازمه، وأفصح له عن رغبته بإصدار مجلة تعتني بأحوال المسلمين، وطرق إصلاح واقعهم المتردّي، لكن الأستاذ محمد عبده لم يكن متحمساً لإنشاء مجلة لاقتناعه بعدم جدواها في مقاومة الصحف التي تهتم بأخبار الخديوي والإنجليز مثل " المؤيد " والمقطم " والأهرام "، إلا أن محمد رشيد رضا أقنعه بصحة رأيه وضرورة إنشاء المجلة للتصدي لمهمة الإصلاح المنشودة، وأنه في هذا السبيل على استعداد للمغامرة وتحمّل تبعات هذه المغامرة، وقال:" إن معالجة قضايا التربية والتعليم ونشر الأفكار الصحيحة لمقاومة الجهل والأفكار الفاسدة التي فشت في الأمة كالجبر والخرافات، هي الباعث لي على إنشاء هذه الجريدة، وإنني أسمح أن أنفق عليها سنة أو سنتين من غير أن أكسب شيئا".
• إنشاء المجلة وانتشارها :
ولما صحّ العزم من الشيخ محمد رشيد رضا قام بإنشاء المجلة، وأطلق عليها اسم : "المنار"، وطبعها في مطبعة التوفيق القبطية، فصدر أول أعدادها في تاريخ 22 من شوال عام 1315 هـ, الموافق 15 مارس من عام 1898 م. يتألف العدد منها من ثمان صفحات كبيرة، تتوسّطها كلمة المنار بخطّ كبير. وقوبلت المجلة حين إصدارها بالترحاب والاهتمام من شتى طبقات المجتمع المثقفة؛ إذ كان أكثر المشتركين فيها من الطبقة المتعلمة وعلى الأخصّ من فئة المحامين والقضاة الأهليين. وكانت في بداية صدورها أسبوعية، لكنها اضطرّت لظروف معينة إلى أن تكون نصف شهرية، ثم إلى شهرية شبه منتظمة. ومع ذلك كان انتشارها في إطار ضيق فلم يزِد المشتركون فيها عن الثلاثمائة، إذ كان من أسباب ضيق انتشارها منع السلطات العثمانية المجلة من الدخول إلى ولاياتها، بسبب مواقفها المعارضة للسياسة العثمانية آنذاك.
ولكن الناس في تلك الأقطار بدأوا في التسامع بها، وازداد الطلب عليها لا سيما على ما فاتهم من أعدادها السابقة، وفي عام 199 أُعيد طباعة مجموعة أعداد السنة الأولى، وبيعت بأربعة أمثال قيمتها. فطار ذكرها وانتشر في جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى وصلت إلى الهند وسومطرة. فكان لانتشار هذه المجلة في العالم الإسلامي آثار إيجابية في نشر الأفكار الإصلاحية التي طرحها الشيخ محمد رشيد رضا بين ظهراني المسلمين، إذ يقول المستشرق "هاملتون جب" في كتابه "وجهة الإسلام "," ولم يشرق (منار) الإسلام على المصريين وحدهم، ولكنه أشرق على العرب في بلادهم وخارجها وعلى المسلمين في أرخبيل الملايو الذين درسوا في الجامعة الأزهرية، وعلى الأندونيسي المنعزل الذي ظل محافظاً على علاقاته بقلب العالم الإسلامي بعد عودته لبلاده النائية على حدود دار الإسلام" ا هـ.
واستمرّت المجلة على هذا الحال من الإنتشار والذيوع في العالم الإسلامي رغم ما تعرّضت إليه من مصاعب جمة؛ فقد كانت المجلة تسدّ ثغوراً كثيرة من ثغور العمل الإسلامي، ويقوم الشيخ محمد رشيد رضا بتحرير أغلب موادّ المجلة بنفسه، ويقوم بتصحيحها وفهرسة مجلداتها مما يسبب له الكثير من الإرهاق والعنت.
ومن جملة العقبات التي جابهها إلى جانب ذلك العقبة المادية؛ فكان يعاني من مطل المشتركين في تسديد قيمة اشتراكاتهم، لأن المجلة لم تكن تتلقى أي مساعدات مالية من الخارج بسبب استقلاليتها الفكرية، وعدم انضوائها تحت راية حزب أو جهة حكومية أو أحد الأعيان القادرين. وكان كثيراً ما يطرح قضيّة مطل المشتركين في المجلّة تارةً بالتلميح، وأخرى بالتصريح، مما يدل على الحرج البالغ الذي كانت تتعرّض إليه المجلة بسبب هذه المشكلة، وتداعياتها على عمليّة نشر المجلة.
• الإتجاه السلفي في مجلة المنار:
كما رأينا في عرضنا السريع لسيرة الشيخ محمد رشيد رضا، أنه قد مرّ بعدة أطوار في حياته الفكرية، فكان في بداياته صوفياً، ثم متأثّراً بمدرسة الأستاذ محمد عبده العقلانية، ثم انتهى أخيراً إلى مرحلة اقترب فيها كثيراً من المدرسة السلفية، وهذه المرحلة الأخيرة - وهي الأهم - برزت في مادّة المجلة بشكل واضح، ونستطيع تحديد أهم ملامح هذا الإتجاه وفق ما يلي:
أولا: شنّت حرباً شعواءً على الشركيات والبدع المنتشرة بين المسلمين في مصر، وغيرها من دول العالم الإسلامي، كبدع البناء على القبور وتعظيم الأضرحة، والإستغاثة بالمخلوقين فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وحثت المسلمين على وجوب العودة إلى الكتاب والسنة وآثار السلف الصالح في فهم قضايا التوحيد والشريعة.
ثانيا : دفاعها عن أعلام الدعوة السلفية، وركّزت على عَـلَميـْن شامخين من أعلام هذه المدرسة هما: شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام المجدّد محمد بن عبدالوهاب رحمهما الله؛ فقد كان يهتبل كل فرصة مواتية لبيان مكانة هذين العلَـمَيـن ومآثرهما ودورهما في الإصلاح والتجديد، والدفاع عنهما ودحض الشبهات والمفتريات التي عادةً ما يثيرها أعداؤهما. وكذا نشرت المجلة العديد من فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية، وفصولاً من كتب ابن القيم رحمهما الله تعالى، للتنبيه على قيمة هذه الكنوز الـعـلمية.
ثالثا : حاربت المجلة التعصّب المذهبي ودعت إلى فتح باب الإجتهاد، وإلى التمسّك بنصوص الكتاب والسنة الصحيحة بدلاً من التعصّب لمقالات المشايخ والأئمة والجمود عليها، يقول محمد رشيد رضا رحمه الله:" ولا نعرف في ترك الإجتهاد منفعة ما. وأما مضارّه فكثيرة وكلها ترجع إلى إهمال العقل، وقطع طريق العلم، والحرمان من استقلال الفكر، وقد أهمل المسلمون كل علم بترك الاجتهاد فصاروا إلى ما نرى" ا هـ.
واستقطبت المجلة أقلاماً عُرفت بسلفيتها أمثال العلامة محمود شكري الألوسي، والعلامة جمال الدين القاسمي-رحمهما الله-، وكانت له مراسلات مع علامة القصيم الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله. ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله قد وقعت بيده نسخة من هذه المجلة تحتوي بحثاً علمياً كتبه الشيخ محمد رشيد رضا عن كتاب " إحياء علوم الدين " لأبي حامد الغزالي، فأعجبه هذا البحث لما انطوى عليه من نقد علمي، وموازنة بين حسناته وسيئاته، فكان هذا المقال دافعاً له للإنصراف إلى طلب علم الحديث الذي كان فيما بعد فارسه الذي لا يُشقّ له غبار في هذا العصر!
• معارك المنار الفكرية :
لم يكن طريق الشيخ محمد رشيد رضا ومجلته نحو الصدارة ممهّـداً بالورود، خالياً من الأشواك؛ إذ كانت مجلته غرضاً للكثير من السهام بسبب مواقفها التي تبنّتها إزاء العديد من القضايا الشرعية والفكرية، فتعرّض الشيخ رشيد إلى أعداءٍ كُـثُر نازلهم على جبهات مختلفة، يقول الشيخ في هذا الصدد : " أُجـاهدُ البدع والمبتدعين، والدجالين والخرافيين والمعممين الجامدين، والملاحدة والجاحدين، والمستبدين الظالمين، وأفنّد شبهات الماديين، وضلالات دعاة النصرانية المغاوين من غير اعتماد على ملك أو حكومة، أو مظاهرة حزب أو جمعية، أو مساعدة غني بماله، أو كاتب بقلمه " ا هـ.
فتعرّضت مجلة المنار إلى هجوم شديد على صفحات مجلة الأزهر في مقالات كتبها الشيخ " يوسف الدجوي" حول قضايا التصوّف والتوسّل والشفاعة والإجتهاد، فردّ الشيخ محمد رشيد رضا عليه بمقالات في المنار وفي بعض الصحف المصرية اليومية، وجمعها أخيراً في كتاب واحد باسم "المنار والأزهر". وتعرّض أيضاً لهجوم من محسن العاملي وأحمد عارف الزين وعبدالحسين شرف الدين، وردّ عليهم بسلسلة مقالات في مجلة المنار، وفنّد شبهاتهم ونقضها بأسلوب علمي رصين. وكان للأقباط - بطبيعة الحال - نصيبٌ من الهجوم على الشيخ ومجلته، فقد هاجمته جريدة "مصر" القبطية، واتهمته بالهجوم على المسيحية وأهلها، وألـّبـت عليه الإنجليز والحكومة المصرية. فتعرّض الشيخ إلى مضايقات من الإنجليز الذين ضغطوا عليه بعدم نشر شيءٍ يمسّ السياسة على خلاف باقي الصحف، بحجة أن المنار مجلة أدبية. وتعرض كذلك إلى مضايقاتهم عند مغادرته إلى الشام، فحاولوا منعه من العودة إلى مصر.
موقف المنار من التغريب والغزو الفكري :
لم يكن الشيخ محمد رشيد رضا متقوقعاً في برجه العاجي، أو منكفئاً حول ذاته، بل كان يتفاعل مع قضايا مجتمعه وما يعانيه من أدواءٍ فكرية، وما يتعرّض إليه من هجمات مسعورة يشنّها الأعداء، فوقف من خلال مجلته المنار سدّاً منيعاً في وجه مدّ الغزو الفكري الذي بدأ ينفث سمومه في جسد الأمة الإسلامية عموما، ومصر خصوصا، وتناول بالفضح أساليب التغريب والغزو الفكري المتـتـرّسة بحِـراب الاستعمار الإنجليزي في مصر، وكشف النقاب عن وجهها الشائه القبيح في كل أعداد مجلة المنار إما تصريحاً أو تلميحاً، وفي هذا الصدد يلخّص الدكتور "سامي الكومي" موقفه إزاء الاستعمار وآثاره السلبية في العالم الإسلامي قائلاً:" إعلان حرب لا هوادة فيها على ما اقترن بدخول الأوروبيين إلى مصر وغيرها من البلاد الإسلامية من الانحلال الخلقي والعادات الضارة، ففي مقال بعنوان "الجيوش الغربية المعنوية في الفتوحات الشرقية"، يقول:" إن الغرض من الفتوح والاستعمار تكثير المال وتنمية الثروة، وإن الدول الأوروبية توفّر على نفسها القتال حتى لا اريق دماء أبنائها وتسلّط الأمم الشرقية جيوشاً معنوية أقوى من الجيوش المادية، فأن الأوروبيين ساقوا عليه – الشرق – خمسة فيالق هي الخمر والميسر والربا والبغاء والتجارة فنسفوا بذلك ثروته، وقتلوا غيرته وأضعفوا همته وأفسدوا ما كان له من بقايا أدب ودين ". ا هـ.
لهذا لم يكن مفاجئاً أن يقف الشيخ محمد رشيد رضا موقفاً مشرّفاً عندما أطلّت فتنة اللغة العامية برأسها ورفعت عقيرتها النشاز في محاولة خبيثة لطمس الهوية العربية الإسلامية للمجتمع المصري عن طريق محاربة اللغة العربية لقطع أوثق رباط يربط المسلمين في مصر بالقرآن الكريم الذي هو الركن الركين للهوية الإسلامية.
فتولّت بعض المجلات ذات النزعة التغريبية كِـبْـر هذه الخطة الهدّامة كمجلة "المقتطف"، و"المقطّم"، ومجلة "الأزهر" التي أصدرها الإنجليزي "ويليام كوكس" (وهي غير مجلة الأزهر الصادرة عن جامعة الأزهر)، وأخذت على عاتقها نشر هذه الفكرة تحت سمع وبصر الإنجليز. فوقعت في يد الشيخ رشيد كراسة مطبوعة تدعو إلى استخدام اللغة العامية بدل الفصحى، وكتابتها بحروف لاتينية، فتصدّى لها في مقالين طويلين بعنوان " صدمة جديدة على اللغة العربية "، وفنّد آراء مؤلف الكراسة بحجج قوية واضحة، أبان فيها عوار هذه الدعوة الضالة، وما يراد منها من أهداف خبيثة.
• نهاية المجلة :
توُفّي الشيخ محمد رشيد رضا في 23 من جمادى الأولى لعام 1354 هـ، الموافق 1935 م، بعد أن استكملت المنار مجلدها الرابع والثلاثين وشرعت في الخامس والثلاثين، فكان لوفاة الشيخ وانقطاع المجلة وقعاً محزناً في العالم الإسلامي، فطالب الكثيرون من العلماء والأدباء والمؤرخين بإعادة إصدارها مرة أخرى لسدّ الفراغ الكبير الذي أحدثه توقفها، فأصدر أخوه " محي الدين رضا " عددين فقط، ولكنه لم يستطع الاستمرار. توقّفت بعد هذا المجلة لمدة عامين، ثم تولّت جماعة الإخوان المسلمين زمام المجلة، برئاسة الشيخ "حسن البنا" رحمه الله، فصدرت ستة أعداد منها، ثم توقّفت نهائياً في شعبان 1359 هـ، الموافق سبتمبر عام 194 م، لينطفئ آخر إشعاع انبثق من هذا "المنار" الشامخ الباذخ، فرحم الله الشيخ وأجزل له المثوبة عنا وعن أمة الإسلام. والله ولي التوفيق.


المراجع :
1 – " رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب "، للدكتور : محمد بن عبدالله السلمان، من منشورات نادي القصيم الأدبي ببريدة. الطبعة الأولى 1988.
2 – " الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر "، للدكتور : سامي الكومي، دار الوفاء، القاهرة، الطبعة الأولى، 1992.
3 – " الأعلام "، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة التاسعة،1990.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-12-2019, 07:15 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 23,013
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية

أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية (2/6)

مبارك القحطاني


دعوة الإمام المجدّد" محمد بن عبدالوهاب" شجرةٌ مباركةٌ آتت أُكـُلها ثماراً يانعة في كل بقعة مدّت إليها ظلالها الوارفة؛ فلا توجد حركة إصلاحية معاصرة في عالمنا الإسلامي إلا ولها قِـسـطٌ من التأثّر بهذه الدعوة المباركة يتفاوت بمقدار ما يسـّرته الظروف من إمكانية الإتّصال بها، سواءً كان ذلك عن طريق التلقي المباشر، أو السماع والقراءة عنها من خلال مصادر موضوعية ومنصفة.
وإذا يمّمنا شطر المغرب العربي سنجد في طليعة المتأثّرين بها في هذا العصر الشيخ المجاهد الداعية "عبدالحميد بن باديس" رحمه الله رحمة واسعة، ومِن ورائه جمعية العلماء التي أنشأها علماء الجزائر أثناء الإستعمار الفرنسي، فقد كان لهذه الجمعية - وعلى رأسها الشيخ عبدالحميد - دورٌ بارز وحاسم في مسيرة المعركة الجهادية ضد الغزو الفرنسي، إذ بذلت جهوداً عظيمة في سبيل إنشاء قاعدة جماهيرية جهادية، تقوم على أسسٍ تربويةٍ سليمةٍ، وركائزَ عقائدية راسخةٍ، تصمد أمام زمجرة الأعاصير وعتوّها.
من هنا، كانت هذه اللمحة السريعة للوقوف على دور المجاهد عبدالحميد بن باديس رحمه الله في هذه المعركة، عن طريق تسليط الضوء على مجلة "الشهاب" الجزائرية، وتأثيرها الإعلامي الفاعل في مسيرة النضال ضد الغزو الفرنسي في الجزائر.
الإستعمار الفرنسي للجزائر:
اقتنصت فرنسا حالة الضعف والتشرذم التي مرّت بها الجزائر فاجتاحتها عسكرياً في عام 183 م، وأقامت فيها حكومة استعمارية تحكم هذا الشعب المسلم بقوة الحديد والنار، وعـملت في الوقت ذاته على جعـْل الجزائر قطعةً من فرنسا، فأصدرت في عام 1834 أمراً عاماً بتحويل الجزائر من أرض محتلّة إلى ملكية فرنسية. وبذلت في سبيل ذلك كل وسعها في عملية منظمة لمسخ هويّة هذا الشعب العربي المسلم عن طريق"فَـرْنـَسَï؟½ ï؟½تـه"، وتحويله إلى تابعٍ ذليلٍ للثقافة الفرنسية يدور في فلكها، ويقتات على الفتات المتساقط على موائد تلك الثقافة.
ولما كان تباين الناس وتفاوتهم في كل بلد أمر منطقي وطبيعي، فقد وُجِـد في هذا البلد خـَوَنة باعوا دينهم وبلادهم بعَـرَضٍ من الدنيا قليل، وآخرون مصابون بداء الهزيمة الفكرية ويحملون بين جوانحهم نفسيات ممسوخة قابلة للإنسلاخ عن هويتها الحضارية، هذا إلى جانب الطرق الصوفية التي كانت تنفث في الغالب روح اليأس والتخاذل بين ظهراني المسلمين. فاستمالت فرنسا هذه الفئات، وجعلتهم يؤدّون أدواراً خبيثة ومشبوهة لخدمتها وخدمة مخططاتها في الجزائر.
فأبحرت الجزائر في لجة معتمة من الضياع والتمزّق والإستلاب الإقتصادي والثقافي، الأمر الذي دمّر كيان هذه الدولة المسلمة، وجذبها إلى حافّـة الهلاك واليأس.
ولكن سنّة الله تعالى في الكون قد اقتضت أن يتسلّل نور الأمل من ظلمة اليأس، وأن يولد الرجاء من رحم القنوط، ففي مثل هذه العتمات الحالكة يظهر دور العلماء والدعاة الصادقين، وتسطع مواقفهم المشهودة حينما تهتدي الأمة بأنوارهم، فتهوي نحوهم الأفئدة، وتتطلّع إليهم الأنظار، إذ وهب الله تعالى هذا البلد رجالاً صادقين من أهل الشريعة، حمـلوا أمانة العلم، وقاموا بما يُمـليه عليهم دينهم وعلمهم في مثل هذه الظروف الصعبة السوداوية.
وكان الشيخ" عبدالحميد بن محمد بن مصطفى بن مكي بن باديس" أحد أولئك الأبطال العاملين، الذين شمّروا عن ساعد الجد، وأدّوا دوراً نضاليّاً مشرّفاً في هذه المعركة، يـختال به تاريخ الجزائر فخراً ما تعاقب الليل والنهار.
الشيخ عبدالحميد بن باديس وثقافته:
وُلِد الشيخ الجليل عبدالحميد بن باديس في مدينة" قسنطينة" في شرق الجزائر عام 1889 م، لأسرة ذات وجاهة وعلم، فحفظ القرآن الكريم، وتلقى العلم على يد علماء مدينته قسنطينة، ثم ارتحل إلى تونس عام 198 لاستكمال دراسته في جامعة الزيتونة. وهناك تلقّى العلم على يد ثـلّـة من المشايخ الفضلاء.
ثم شدّ الرحال إلى الحجاز في عام 1913 لأداء فريضة الحج، وعرج في رحلته تلك على مصر والتقى بالعديد من علمائها ورجالاتها، فكان لهذه الرحلات أثر كبير في صياغة شخصيته وعقله، فقد تعرّف على السلفية عن كثب، وعاين بنفسه نقاء هذه الدعوة وصفاءها.
من خلال التحصيل العلمي الطيّب الذي حازه الشيخ، والرحلات المفيدة التي قام بها إلى الحجاز ومصر وتونس، انقدح في ذهنه أن ما يجري في الجزائر كان بسبب عزوف أهلها عن النهج الأصيل المنبثق من مشكاة القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، واستسلام غالبية الناس للخرافات والبدع التي لم ينزل الله بها من سلطان، فأورث هذا الإنحراف في جسد الجزائر الداء العضال، الذي انتهى بوقوعها غنيمة باردة في يد فرنسا. وعلى ضوء هذا الفهم يكون الإستعمار الفرنسي للجزائر نتيجةً حتمية لحالة الضعف والإنحطاط الذي هو مكمن الداء، فكان لزاماً أن يشرع بعملية الإصلاح، ولكن انطلاقاً من مستوى الجذور والأسس.

فعاد الشيخ ابن باديس إلى الجزائر، يحمل في ذهنه مشروعاً إصلاحياً طـمـوحاً، ورأى أن هذا المشروع يتطلّب وسيلةً تحقّـق له الإنتشار، وتضمن له الوصول إلى كافة شرائح المجتمع، وفي نفس الوقت لا تتعرّض إلى طائلة المستعمر الفرنسي وبطشه، فوجد أن أفضل وسيلة متاحة هي: الصحافة، فاتّجه إليها.
وشارك الشيخ في جريدة اسمها"النجاح" صدرت في عام 1919، ساهم فيها تأسيساً وتحريراً، وكانت مقالاته تُـمهر باسم مستعار هو" القسنطيني" أو" العبسي".
ولكنه رأى أن هذه الجريدة لم تكن على مستوى تطلّعاته ومشروعه الفكري الإصلاحي، فتركها ليؤسّس صحيفته الخاصة، وأنشأ جريدة اسمها" المنتقد".
غير أن السلطات الفرنسية أغلقتها بعد صدور 18 عدد منها، بسبب تبنّيها خطاً ثوريّاً يستفزّ المستعمر، ويثير حفيظته. فاستفاد الشيخ من هذا الدرس، وقام بإنشاء جريدة أخرى اسمها:" الشهاب" مستغلاً الخبرات التي حصل عليها هو وإخوانه في المجال التحريري والفنّي في جريدة" المنتقد". فصدر أوّل عدد منها في عام 1926م، واستمرّت حتى أغلقتها السلطات الفرنسية بسبب بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 م.
الأساليب الإصلاحية في مجلة" الشهاب":
ومن خلال استقراء موادّ مجلة" الشهاب"، نستطيع أن نحدّد أهمّ الأساليب الإصلاحية التي سارت عليها المجلة، وأن نحصرها في محوريْن اثنين، هما:
1 — تصحيح عقائد الناس وأعمالهم.
2 — الإهتمام بالتعليم.

فهاتان القضيتان كانتا أهم الملامح التي تشكّل سمة الخطاب الإسلامي في هذه المجلة الرائدة، فعلى صعيد إصلاح عقائد الناس وأعمالهم أفصح الشيخ عن المنهج الذي تبنّاه فيها، إذ يقول:" قمنا بالدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح من التمسك بالقرآن الشريف والصحيح من السنة الشريفة وقد عرف القائمون بتلك الدعوة ما يلاقونه من مصاعب وقحم في طريقهم من وضع الذين شبّوا على ما وجدوا عليه آباءهم من خلق التساهل في الزيادات والذيول التي ألصقها بالدين المغرضون أو أعداء الإسلام الألداء والغافلون من أبناء الإسلام" ا هـ.
أما على صعيد التعليم، فقد كان يرى فيه أمضى سلاح لمقاومة المعتدي وطرده من أرض الجزائر، لذلك اهتمّ به اهتماما عظيماً وأولاه كل عنايته ووقته ومَـلَـكاته، حتى وصفه الأستاذ أنور الجندي رحمه الله بقوله:"وهو الذي ينشئ المدارس والمعاهد في طول البلاد وعرضها ثم هو الذي يمضي يومه كاملاً في حلقة الدرس يفتتح الدروس بعد صلاة الصبح حتى ساعة الزوال بعد الظهيرة، ومن بعد المغرب إلى صلاة العشاء.
وإذا خرج من المعهد ذهب رأساً إلى إدارة جريدته" الشهاب" يكتب ويراسل" البصائر" ويجيب على الرسائل فيقضي موهناً من الليل، حتى إذا نودي لصلاة الصبح كان في الصف الأول" ا هـ.
واهتمّ الشيخ كذلك بتعليم المرأة الجزائرية المسلمة اهتماماً خاصّاً؛ لأنه يرى أن دور المرأة المتعلمة المتديّنة مهم جدا في تنشئة جيل مجاهد يحمل تبعات العقيدة ويضحّي في سبيلها، وكان يرى أيضاً أن جهل الأم من أهمّ أسباب الهزيمة التي حاقت بمجتمعاتنا الإسلامية، يقول:"إن البيت هو المدرسة الأولى، والمصنع الأصلي لتكوين الرجال، وتديّن الأم هو أساس حفظ الدين والخلق، والضعف الذي نجده من ناحيتها في رجالنا معظمه نشأ من عدم التربية الإسلامية في البيوت وقلة تدينهن" ا هـ.
وألْـحَـقَ الشيخ القول بالعمل، فـلـما تأسّست جمعية التربية والتعليم، حرص الشيخ- رحمه الله تعالى- أن يكون تعليم البنات مجاناً، وذلك تشجيعاً لهن على طلب العلم، والإغتراف من مناهله.

أما عن الأساليب التربوية التي انتهجها الشيخ في المجلة، فقد اتّخذ الشيخ ابن باديس رحمه الله في مقالاته في المجلة أسلوباً تربويّاً تعليمياً يربط المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم، ويوثّق صِـلاتهم بها؛ فقام بتفسير القرآن الكريم، وشرح السنة النبوية شرحاً علمياً منهجياً في سلسلة اسمها" مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير"، تناول فيها أيضا الكثير من القضايا المعاصرة التي طُرحت في الساحة الفكرية كإحدى تبعات الهزيمة الفكرية للمسلمين، وانقلاب الكثير من المفاهيم واختلالها في العالم الإسلامي المُستضعف، مثل مفهوم:" الحضارة"، فقد تناوله في معـرض تفسير قوله تعالى (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) (الأنبياء 15)، فقال الشيخ:"رأى بعض الناس أن المدنية الغربية المسيطرة اليوم على الأرض، وهي مدنية مادية في نهجها وغايتها ونتائجها. فالقوة عندها فوق الحق والعدل والرحمة والإحسان، فقالوا إن رجال هذه المدنية هم الصالحون الذين وعدهم الله بإرث الأرض وزعموا أن المراد بـ"الصالحون" في الآية الصالحون لعمارة الأرض، فيا لله للقرآن والإنسان من هذا التحريف السخيف كأن عمارة الأرض هي كل شيء ولو ضلت العقائد وفسدت الأخلاق واعوجت الأعمال وساءت الأحوال وعذبت والإنسانية بالأزمات الخانقة وروّعت بالفتن والحروب المخرّبة الجارفة، وهدّدت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها والمدنية من أساسها". ا هـ.
مجلة الشهاب وقضايا الأمة الإسلامية:
بالرغم مما كانت تتعرّض له الجزائر المسلمة من محن وتحديات عصيبة، كان بالإمكان أن تفرض على أهلها طوقاً من العزلة والإنكفاء على الذات والانشغال عن قضايا المسلمين خارج البلاد، غير أن هذا لم يحصل مع الشيخ ابن باديس الذي كان يمدّ ناظريه خارج حدود بلاده متابعاً وراصداً الكثير من القضايا التي تمسّ الأمة الإسلامية، ومنها قضية فلسطين وتطوّراتها، وقد كانت هذه القضية من أهم القضايا التي تطرّق إليها وتناولها بالنقاش والتحليل، يقول رحمه الله في مجلة"الشهاب":"تزا وج الإستعمار الإنكليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة فأنتجا لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى الذي أنساهم كل ذلك الجميل وقذف بهم على فلسطين الآمنة والرحاب المقدسة فأحالوها جحيما لا يُطاق وجرحوا قلب الإسلام والعرب جرحاً لا يندمل". ا هـ.
بل إن الشيخ رحمه الله أبان عن متابعة طيبة لأدوار اليهود الخبيثة، وأساليبهم في إذكاء الفتن، وزرع القلاقل بين الشعوب والدول عندما تعرّض إلى "البلاشفة" في روسيا وعلاقاتهم الخفية باليهود، إذ يقول:"إنهم لا يفرّقون بين دين ودين بل يضطهدون أهل الأديان جميعاً إلا أن اليهود سالمون من هذا الاضطهاد ومتمتّعون بحقوق لا تتسنّى لأحدٍ سواهم، بل الحكومة كلها في أيديهم".
ويقول أيضا:"النفاق والدهاء فاليهود بلشفية في الظاهر، وهم في الباطن لا يفرطون في مثقال ذرة من يهوديتهم، وبهذا المكر الكبّار نجحوا دون سائر أهل الأديان"ا هـ.

وفي الوقت الذي كان يهتمّ فيه بقضايا المسلمين في المشرق، كان ينعى على المشارقة، ويتألّم من تجاهلهم لأحوال إخوانهم في المغرب العربي، الأمر الذي لا يجد له تفسيراً سوى ضعف الرابطة الإيمانية، وانحلال عراها في قلوب الكثير من أبناء الأمة الإسلامية! لهذا أطلقها زفرةً حرّى على صفحات المجلة قائلاً:"مضت حقبة من التاريخ كاد المشرق العربي أن ينسى هذا المغرب، وإلى عهد قريب كانت صحافة الشرق - غالبا - لا تذكره إلا كما تذكر قطعة من أواسط أفريقية ومجاهيلها.. ولكن هذا المغرب العربي - رغم التجاهل من إخوانه المشارقة- كان يبعث من أبنائه من رجال السيف والقلم من يذكّرون به ويشيدون باسمه ويلفتون نظر إخوانه المشارقة إلى ما فيه من معادن العلم والفضيلة ومنابت للعزّ والرجولة ومعاقل للعروبة والإسلام". ا هـ.
وهكذا، كانت مجلة"الشهاب" في مسيرتها المباركة مشعل نور، ونبراس هداية يضيء للجزائريين الطريق ليتلمّسوا نحو الخلاص، في تلك الظلمات الحالكة والظروف العصيبة التي مرت بها تلك البلاد المسلمة. إلا أن الشيخ بسبب هذا التأثير الإعلامي القوي والفاعل لهذه المجلة، واجه الكثير من المصاعب والعقبات التي وقفت في سبيله، حتى أنه كاد أن يدفع حياته ثمناً لمبادئه وثباته عليها؛ حينما قام أحد أفراد الطرق الصوفية بمحاولة اغتيال الشيخ في عام 1927 م، ولكن الله تعالى لطف وسلّم.
نهاية المجلة:
توقفت المجلة غداة اندلاع الحرب الحرب العالمية الثانية في شهر سبتمبر من عام 1939 م، على يد السلطات الفرنسية، وتوفّي الشيخ عام 194 م بعد حياة حافلة بالعطاء والجهاد والدعوة مخلّفاً وراءه ذكراً عاطراً وثناءً وافرً. ولا نجد وصفاً لأثره الكبير في الجزائر المسلمة أدقّ من كلمات يسيرات قالها عنه المفكر الجزائري"مالك بن نبي" رحمه الله:" لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس فكانت ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدر يتحرك، ويالها من يقظة جميلة مباركة". وقال عنه أخوه الأديب الشاعر الجزائري"محمد العيد آل خليفة" رحمه الله، أبياتاً صادقة، منها قوله:
بمثلك تعـتزّ الــبلاد وتفخر *** وتزهر بالعلم المنير وتزخر
طبعت على العلم النفوس نواشئا *** بمخبر صدقٍ لا يـدانيه مخبر

رحم الله الشيخ عبدالحميد بن باديس رحمة واسعة على ما قدّم للإسلام والمسلمين، وأعلى منزلته في عليّين، والله تعالى ولي التوفيق.


المراجع:
1 — كتاب"آثار ابن باديس"، عمّار الطالبي، مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، الطبعة الأولى، 1966.

2 — كتاب"عبدالحميد بن باديس، العالم الرباني، والزعيم السياسي"، الدكتور: مازن مطبقاني، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1989.
3 — كتاب"عبدالحميد بن باديس، وبناء قاعدة الثورة الجزائرية"، بسّام العسلي، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية، 1986.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16-12-2019, 01:01 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 23,013
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية

أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية (3/6)
مبارك القحطاني


عندما تسمو الهمم، وترتقي النفوس، وتهفو الأفئدة إلى معانقة ذُرى القمم، فإن العقبات ما تملك إلا أن تتضاءل، والمصاعب ما تلبث إلا أن تتلاشى وتذهبَ جُـفاءً، وما أصدق القائل:
إذا صحّ عزم المرء فالبحر ضحضح *** وإن خـار، فالنـضح اليسيـر عـباب
وإذا ما أجال الإنسان بصره ذات اليمين وذات الشمال، ارتدّ إليه طـرْفه بِـصُـوَرٍ مشرقةٍ من الإنجازات الكبيرة التي كان وقودها ومحرّكها الأوّل: علو الهمم، وسموّ النفوس.
وما نحن بصدده من الحديث حول الشيخ المصلح الكويتي الكبير"عبدالعزيز الرشيد" رحمه الله ليس إلاّ أنموذجٌ واضحٌ، وبرهانٌ لائحٌ لهذا الصنف النادر من الرجال؛ فقد طمح هذا الشيخ الجليل إلى إنشاء مجلة في وقت كان الجهل ضارباً بأطنابه بين ظهراني دولته"الكويت"وبقية دول الخليج العربي، حتى كان من يعرف القراءة والكتابة يُعدّ أستاذاً جليلاً وصدراً مقدّماً في ذاك المجتمع البسيط الذي شَغَــلته قسوة الحياة، ومعركة الصراع من أجل البقاء عن الإشتغال بطلب العلم وتحصيله، وإنزاله منزلته الحقّة.
لكن الشيخ عبدالعزيز الرشيد صاحب الهمة العالية، والنفس الأبيّة التوّاقة والمتطلّعة لنهضة بلده ومجتمعه، لم تفتّ في عضده تلك العقبات، بل استصغرها واعتصم بحبل الله تعالى، وبذل ما لديه من أسباب متاحة، حتى كـلـّل الله جهوده بالنجاح فأنشأ أول مجلّة في الخليج العربي، وهي مجلّة:"الكويت"، مشيّداً بذلك حجر الأساس في البنيان الثقافي في دولة الكويت.

من هو الشيخ عبدالعزيز الرشيد ؟
وُلِد الشيخ الجليل عبدالعزيز الرشيد في الكويت عام 1887 م، الموافق 1305 هـ، في مِهاد أسرة متديّنة متوسّطة الحال، ولما كبرأدخله والده الكتّاب فحفظ كتاب الله تعالى.
وكان مشغوفاً منذ نعومة أظفاره بالعلم والإطلاع، فسمح لها والده بحضور حلقة علاّمة الكويت الشيخ"عبدالله خلف الدحيّان"رحمه الله العامرة بدروس الفقه الحنبلي والنحو وغيرها، فاعتنى الشيخ به غاية الإعتناء، ذلك لما رآه عليه من أمارات النجابة ومخايل الذكاء، فمكث الولد عبدالعزيز معه سنتين يغترف من هذا النمير العذب حتى اشتدّ عوده، ثم شرع في رحلته الطويلة في طلب العلم فشدّ الرحال إلى مدينة"الزبير"و"الأحساء"، ثم إلى بغداد وتلقّى العلم على يد علاّمة العراق"محمود شكري الآلوسي"وأخيه"علاء الدين"رحمهما الله، ثم إلى الشام ومصر والحجاز.
إنشاء المجلة:
من خلال هذه الرحلات اتّسعت مدارك الشيخ، واطّلع على الكثير من الأمور المستجدّة؛ وأدرك أهمية الصحافة ودورها الخطير في عملية الإصلاح والرقيّ بأحوال المسلمين، فكتب الشيخ في العديد من المجلات والصحف. ثم رأى إنشاء مجلة في الكويت تساهم في نهضة هذا البلد الذي كان حينذاك في مسيس الحاجة إلى وسائل الإصلاح وأساليب الرقيّ الحضاري.
ولكن العقبات الحائلة دون ذلك كانت كثيرة ومثبـّطة، بيد أنها بفضل من الله تعالى تبدّدت عندما عرض هذا المشروع على الشيخ الفاضل"يوسف بن عيسى القناعي"رحمه الله الذي شجّعه وشدّ من أزره، فنفخ بتشجيعه هذا روح الإصرار وقبول التحدّي في نفس الشيخ عبدالعزيز الرشيد، فبادر الأخير بعرض هذا الأمر على أمير الكويت آنذاك الشيخ"أحمد الجابر الصباح"رحمه الله، فقابله بالموافقة والتشجيع شريطة أن يُطـِلعه على أوّل عدد من هذه المجلة قبل السماح له بطباعتها، وبعد الموافقة أصدر أمراً بتعيين الشيخ الفاضل يوسف القناعي مراقباً على المجلة، وانحلّت بهذا أولى العقبات.
أما العقبة المادية فقد تجاوزها الشيخ عندما وفّـر بعض المال من تجارته الخاصة، تكفي لطباعة العدد الأوّل من المجلة، فطبع الشيخ مجلته التي أطلق عليها اسم"الكويت"في المطبعة العربية التي يملكها الأستاذ"خير الدين الزركلي"في مصر، وشُحِنت المجلة، وبعد أسبوعين وصل العدد الأول إلى الكويت عن طريق البحر، وكان ذلك في رمضان من عام 1246 هـ، الموافق مارس 1928 م.
ولم تكن المجلة تُباع أعداداً متفرّقة في السوق، بل تعتمد على نظام الإشتراكات السنوية السائد آنذاك.
موضوعات المجلة:
صدر العدد الأول من مجلة"الكويت"، وتحت عنوانها كُتِبت عبارة:"مجلة دينية تاريخية أدبية أخلاقية — شهرية"، وأفصح الشيخ في ديباجة هذا العدد عن منهجها الإصلاحي، وعن فحوى أبوابها في تعريف مختصر بكل باب وهي: الدين، وردّ الشبهات على الدين، والأخلاق، والقديم والجديد، والأدب، والتاريخ، والتراجم، والفتوى، واللغة، ومتفرقات الفوائد، والتقريظ والإنتقاد.
فاتخّذت المجلة في موضوعاتها طابعاً متنوّعاً وضارباً في كل غنيمة معرفية بسهم، حتى وصفها الدكتور محمد حسن عبدالله بقوله:"يمكن تصنيفها كمجلة ثقافية تعني بقضايا العصر بصفة عامة، فهي من نوع مجلة الهلال في مصر مثلاً، وإن كانت صلتها بالدين والتراث أكثر أصالة ووضوحاً". ا هـ.

وكان الشيخ عبدالعزيز الرشيد رحمه الله يمتاز بثقافة موسوعية، علاوةً على تمكّنه من الأساليب الكتابية الرفيعة سواء كان ذلك نثراً أم شعراً، فـيـرفد موادّ المجلة بهذا المواهب التي ظهرت آثارها جليّة على صفحاتها، لكونه هو الذي يقوم بنفسه بتحرير جميع أبواب المجلة في أعدادها الأولى، ثم ساهم معه بعض الكُتّاب لاحقاً ممن استقطبهم من العلماء والدعاة والأدباء من جميع أنحاء العالم العربي، منهم على سبيل المثال: محمد رشيد رضا، ومحمود شكري الآلوسي، وعبدالقادر المغربي، وعبدالعزيز الثعالبي، ومحمد الخضر حسين، رحمهم الله تعالى، وغيرهم كثير.
المجلّة وقضيّة الإلحاد:
تناولت المجلة الكثير من القضايا وذلك لتنوّع أبوابها واهتماماتها كما رأينا، وهنا سنركّز على أبرز القضايا التي اهتمّت بها المجلة لا سيّما تلك التي تندرج أساليب معالجتها داخل الإطار الشرعي، وعلى رأسها قضية:"الإلحاد"؛ فقد انشغلت المجلة بهذه القضية وأوْلتها أهميةً بالغةً، وهذا في واقع الأمر يعكس درجة الوعي التي كان يتمتّع بها الشيخ رحمه الله؛ إذ كان الإلحاد في ذلك الوقت في بداية سريان سمومه في جسد الأمة، عن طريق الكثير ممن طُمس على قلوبهم وأبصارهم من أبناء المسلمين، فجعلوا يشيعون هذه الجرثومة الخبيثة وينشرونها بما أوتوا من مواهب بيانية وعقلية، فكان لزاماً على المخلصين من أبناء الإسلام التصدّي لهذا المدّ الجارف بكل وسيلةٍ متاحة، وكشف عواقبها الوخيمة على الدين والأخلاق.
فنجد هنا أن الشيخ قد خصّص أوّل موضوع في المجلة لهذه القضية، وكان بعنوان:"الدين، مزاياه وكونه ضروريّاً"، ثم دأب على نشر كتاب علامة الشام جمال الدين القاسمي رحمه الله الموسوم بـ"دلائل التوحيد"في المجلّة منجّماً على حلقات، وقد تولّى القاسمي في هذا الكتاب الردّ على شبهات الملحدين وتفنيدها بأدلة كلامية جدلية.
وإلى جانب هذا خصّص موضوعاً للنقاش بعنوان:"أي العقيدتين ستنتصر في هذا العصر أعقيدة التديّن أو الإلحاد؟"فكانت الردود القيّمة من الكُتّاب والمفكّرين والعلماء تنهال عليه بما يشفي الغـليل، ويكشف زيف الإلحاد، وهشاشة مبادئه.
وفي باب رد الشبهات على الدين تطرّق الشيخ رحمه الله إلى الدفاع عن السنة النبوية ضد مطاعن المستشرقين وأذنابهم، وبخاصة ما يثيرونه حول حجّـية الحديث النبوي والتشكيك في صحّته، فناقش هذه القضية وفنّد شبهات أصحابها منبّهاً على خطورة هذه القضية ومجافاتها لروح البحث العلمي، إذ يقول:"الحديث أو السنة هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، وقد أجمع علماء الإسلام على وجوب العمل بما صحّ منها، والأخذ بما ترمي إليه في كل أمر ولم يخالف في ذلك إلا من لا يُـعتدّ به من المنتسبين إلى الإسلام ظاهراً، وقد أضمر في باطنه له البغض والعداء، وما زال أمثال أولئك الشذّاذ يظهرون في كل عصر ومصر، ويجاهرون بمثل هذا الرأي السمج بدون خجل ولا حياء". ا هـ.
ثم يسوق رحمه الله شبهاتهم، ويكرّ عليها بالإبطال بحجج قوية ومتينة مستنداً على ثقافته الشرعية الثريّة، ومنهجه السلفي الواضح البيّن.
قضيّة تغريب المرأة وإفسادها:
ومن القضايا المهمّة التي تناولها الشيخ بالتحليل والمتابعة في مجلّته قضيّة:الحجاب والدعوة إلى السفور، فقد وقف بالمرصاد لمحاولات نزع حجاب المرأة المسلمة، وإخراجها من فطرتها لتزاحم الرجال فيما اختصّهم الله تعالى به، ونبذ ما قد خلقها الله تعالى لأجله من رعايةٍ للأولاد وتنشئةٍ للأجيال المسلمة.
واهتمامه بهذه القضية كان دليلاً آخر على وعيه وإحاطته بما يجري في العالم الإسلامي من مكائد ودسائس، رغم أن بلده الكويت كانت بعيدة آنذاك عن حبائل هذه الدعوة الخبيثة، إلا أن الشيخ كان يحمل همّ الأمّة بأسرها ولم ينكفئ على قضايا بلده.
ومن جهة أخرى يُحسب له هذا النذير كإحراز قصب السبق في دقّ ناقوس الخطر من بوادر تغريب المرأة الكويتية خصوصاً، والخليجية عموماً.

وهو في نقاشه لدعاة السفور ونزع الحجاب لم تكن تأخذه غُـلواء الردود وفرْط الحماس للرأي، فيفقد رجاحة العقل ومعايير الإنصاف والعدل، بل كان يُقرّر حقّ المرأة في التعلّم والتهذيب ولكن بما يتوافق مع فطرتها، وخصوصيّـتها الأنثوية، يقول:"وبعد، فنحن وإن كنا من خصوم سفور المرأة وكشف الحجاب، فلسنا من خصوم تعليمها وتهذيبها، كيف ونحن نرى العلم في الشرع الإسلامي فرضاً على كل مسلم ومسلمة، ونراه فوق هذا زينة لكلا الجنسين ؟ نعم نراه كذلك إلا أن للرجل نصيباً منه لا يسوغ للمرأة مشاركته فيه، وللمرأة منه نصيباً منه لا يسوغ لها تعدّيه. يجب عليها قبل كلّ شيء الإشتغال بما يصلح دينها وعقيدتها وما ينعم بيتها وأولادها، وما يهذّب آدابها وأخلاقها مما لا يخرجها عن طبيعتها ولا يبعدها عما خُلِقت له أو يشغلها عن واجبتها الضرورية."أ هـ.
وفي باب التقريظ والإنتقاد كان يتابع أحدث الكتب المتعلّقة بهذه القضية، ومنها على سبيل المثال كتاب"المرأة بين الماضي والحاضر"، لمحمود افندي خيرت، وكتاب"المدنية والحجاب"، لسليم افندي حمدان.
ويورد أحياناً مقالاتٍ مترجمةً لبعض رجال الفكر الغربيين وشهاداتهم في قضايا المرأة وانحرافها وما آل إليه أمرها في مجتمعاتهم.

وقد كان الشيخ رحمه الله يتبنى أسلوباً معيّناً في الردّ على المخالف المكابر، فلا يذكر في مناقشته شيئاً من النصوص الشرعية التي لا ينقاد لها المكابرون، بل يورد أقوال من هم في موضع التوقير والإحترام عند المخالف، حتى تكون الحجة أبلغ، وتقطع على الخصم سُبـُل الإلتفاف والمناورة، إذ يقول:"ولو كان من نخاطبهم اليوم في شأنهم من الإنصاف في شيء لاكتفينا معهم بسرد ما قال الله ورسوله عليه السلام وما قاله علماء الإسلام في أمرها، ولكنهم وهم لا يحترمون إلا آراء أمثال أولئك الحكماء والفلاسفة فقد رأينا من الحكمة برّاً بوعدنا السابق أن نخاطبهم بلسانهم وأن نعرض عليهم آراءهم فيما ننعـيه من آثار سيئة في الفرد والمجتمع وما تجرّه من مصائب على عشّاقها". ا هـ.
الصراع بين القديم والجديد في الأدب:
ومن القضايا التي شغلت المجلّة قضيّة: الصراع بين القديم والجديد في الأدب, وفي واقع الأمر كان الإهتمام بتلك القضية رجْعَ صدى للمعركة الدائرة في مصر، والتي انقسم حولها الأدباء إلى فريقين:
الأول: بزعامة الأديب"مصطفى صادق الرافعي"رحمه الله
والثاني: بزعامة"سلامة موسى"

فانحاز الشيخ - بطبيعة- الحال إلى صفّ مصطفى صادق الرافعي الذي يمثّل أصالة الأدب العربي والمحافظة على تراثه وعراقته، ووقف في وجه سلامة موسى ومحاولاته انتقاص الأدب العربي والحطّ من قيمته، وناقش الشيخ رحمه الله بعضاً من أدلة سلامة موسى مناقشةً موضوعيةً تنمّ عن علوّ كَعـْبٍ في قضايا الأدب والفكر مع إلمامٍ بالمتغيّرات، فمثلاً عالج قضية الحرية التي طرحها موسى كحجة في تبرير الخروج على قوانين الأدب ورسومه، فقال معقّباً على كلام سلامة موسى:"إذا كانت الحرية التي يتطلّبها للأدب هي أن يأخذ أبناؤه من كل أدب قديماً أو حديثاً وأن لا يجمد على استعمال قوانينه القديمة التي استبان عوارها لأهل البصر والفكر، وأن يتدرّجوا فيه كما يتدرّجون في شئونهم الحيوية، وأن يقتبسوا من أدب مجاوريهم ما يزيده بهاءً وجمالاً… إذا كان سلامة يريد هذا فإنا نعاهده على الدعوة إليه وعلى السير في سبيله … ولكن الذي يحزننا و(ياللأسف) أن (حضرته) يريد بالحرية للأدب ما هو أوسع مما سمعت، يريد أن يكون أدب البشر أحطّ من أدب الحيوانات العُجْم، وأن يرجع إلى الوراء خطوات واسعة لا تُحصى، يريد أن يجري الأديب لمسافة في كل موضوع بحريّة لا قيد فيها ولا شرط، فيصوّر ما يخالج ضميره من إلحاده وزندقته وآرائه المتطرّفة وأفكاره السقيمة كما يهوى ويشاء، وأن يرسم بريشة قلمه من المهازل والصور والأوصاف ما يندى له حتى جبين المعتوه عرَقاً". انتهى بتصرّف.
وإلى جانب هذا الجدل حول القديم والحديث زخرت المجلة بإبداعات شُعراء شتىّ من الكويت والخليج العربي والجزيرة العربية، نشروا الكثير من إنتاجهم الأدبيّ خلال هذا النافذة التي أشرعها لهم الشيخ عبدالعزيز الرشيد ليتعرّف العرب على الإنتاج الأدبي والعلمي لإخوانهم في هذه البلاد التي تكاد تكون معزولة عنهم، ونذكر منهم: صقر الشبيب، وخالد الفرج، محمود شوقي الأيوبي، ومحمد بن عثيمين، وعبدالله العبدالقادر الإحسائي، ومحمد الفراتي، وعبدالمحسن أبا بطين، وغيرهم الكثير ممن كانت المجلّة توثيقاً وتخليداً لأعمالهم الأدبية.
نهاية المجلة:
توقّفت المجلة بعد عامين من صدورها، وبعد أن أكملت عشرين عدداً في مجلّدين، وكان هذا التوقّف المفاجيء والمؤلم لمحبّي المجلة ومتابعيها بسبب سفر الشيخ عبدالعزيز الرشيد إلى أندونيسيا من أجل الدعوة والتدريس في تلك البلاد، ولبث الشيخ فيها يمارس أنشطة الدعوة والتدريس والصحافة حتى توفّاه الله تعالى عام 1937 م، بعد حياة حافلة وزاخرة بالعطاء الدعويّ السخيّ.
وبالرغم من قِصَرِ عُمر مجلته الكويت إلا أنها كانت ذا أثرٍ كبيرٍ وملموسٍ في مسيرة الصحافة الكويتية خصوصاً، والصحافة الإسلامية عموماً. والمُطالع لتقاريظ كبار رجال العلم والفكر والأدب المنشورة في المجلة سيلمس حقيقة حجمها الكبير، وأثرها الفاعل في العالم العربي.
فرحم الله تعالى الشيخ رحمة واسعة ورفع مكانته في عليين على ما قدّم من نصرةٍ للدين، وخدمةٍ لبلده ومجتمعه، والله تعالى وليّ التوفيق.


المراجع:
1 — أعداد"مجلة الكويت"مارس 1928 — مارس 193 م، أصدرها الشيخ عبدالعزيز الرشيد، تصوير ونشر دار قرطاس.
2 —"الشيخ عبدالعزيز الرشيد، سيرة حياته"، د. يعقوب الحجي, مركز البحوث والدراسات الكويتية، 1993 م.
3 —"صحافة الكويت، رؤية عامة بين الدوافع والنتائج"، د. محمد حسن عبدالله، منشورت مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، 1985 م.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 106.88 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 104.13 كيلو بايت... تم توفير 2.75 كيلو بايت...بمعدل (2.57%)]