محاسبة وذكرى - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3768 - عددالزوار : 611073 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 3247 - عددالزوار : 274163 )           »          هنا وضعت قوساً .. بقلمي .. متجدد (اخر مشاركة : القلب الحزين - عددالردود : 9 - عددالزوار : 16631 )           »          سجل حضورك بأجمل بيت شعر لديــك ... (اخر مشاركة : القلب الحزين - عددالردود : 97 - عددالزوار : 151338 )           »          قصة جريج العابد.. وأثرها في مجتمع اليوم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الوسطية في الإسلام.. معناها وتطبيقاتها (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          عمر بن عبدالعزيز ومظلمة أهل الأندلس (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          قراءة في حديث (أنت ومالك لأبيك) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          معالم شرعية في الصراعات الأوربية (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          خيريّة الزوجات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-08-2022, 10:00 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 94,113
الدولة : Egypt
افتراضي محاسبة وذكرى

محاسبة وذكرى
الشيخ عبدالله محمد الطوالة





الحمدُ للهِ رَبِّ البرياتِ، مُنزِّلِ الآيات، رفيعِ الدرجاتِ، عالمِ السِّرِ والخفِياتِ، تُسبِّحُ بحمدِه الأرضُ والسموات، وتُقِرُّ بوحدانيَّتهِ كلُّ الكائناتِ، ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ [غافر: 64].

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شرِيكَ لهُ، باسِطِ الخيراتِ، واسِعِ الرَّحماتِ، مُجِيبِ الدَّعواتِ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ [الشورى: 25].

وأشهدُ أن محمدًا عبدُ الله ورسولهُ، وصفيهُ وخليلهُ، نبيٌ متى ما سارَ سارَ النُّورُ معهُ، وإذا نامَ ضمَّخَ الطيبُ مضْجعهُ، وإذا تكلَّمَ أصغى لهُ الكونُ كلهُ يسْمعهُ، وإذا قاتلَ عدوًا نزلت الملائكةُ تنْصُرهُ وتمنعُهُ.. صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آله وأصحابهِ ومن بإحسانٍ تبِعهُ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، فلا عزَّ أرفعَ من التقوى، ولا زينَ أجملَ من العقل، ولا كنزَ أنفعَ من العلم، ولا عيبَ أسوءُ منَ الكَذِب، ولا حافظَ أسلم من الصمتِ، ولا غـائبَ أقـربَ من الـمـوت، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282].

معاشِرَ المؤمنين الكرام؛ ليس لآخرِ العَامِ أَحكَامٌ خَاصةٌ أو عِبادات، وإنما هي مواعظُ وذكرى وعِظات: قال جلَّ وعلا: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62]، فبين كلِّ فترةٍ وأخرى، يحسنُ بالمسلم أن يقفَ مع نفسهِ وقفةَ مُراجعةٍ ومحاسبة، حِفاظًا على ما حقَّقَ من المكاسِبِ، وتصحِيحًا لما وقع فيه من الأخطاء، وسعيًا للأفضلِ والأكمل، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـهَا ﴾ [الشمس: 9-10].

تأملوا يا عباد الله، عام كاملٌ مُترعٌ بالأحداثِ المروعِةِ، مُتخمٌ بالوقائع المتنوعةِ، حدثت فيها تغيُّراتٌ كبيرة، وابتلاءاتٌ شديدةٌ، عانت منها كثيرٌ من المجتمعات، ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [التوبة: 126].

فيا لها من عبرةٍ لو تأمَّلها عاقِل، ويا لها من ذكرى لو تنبَّه لها نبيه، سنةٌ كاملةٌ نقصَت من أعمارنا، أبعدتنا عن الدنيا، وقربتنا من الآخرة، سنةٌ كامِلةٌ، فيها من الساعاتِ ما يزيدُ على الثمانيةِ الألافِ ساعةٍ، ومن الدقائقِ ما يربو على النِّصفِ مليونِ دقيقةٍ، مرَّت كُلُّها تِباعًا، وتصرّمت جميعها سِراعًا، فما الذي أودعناه فيها، وهل ستشهدُ لنا أو علينا، ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 29]، فإلى متى الغفلةُ يا عباد الله، أوليسَ وراءنا حِسابًا وجزاءً، بلى والله: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 26].

فدعونا أحبتي في الله نتساءلُ عن عامنا الذي انتهى كيفَ أمضيناه، وهيا لنتأمل في سجل أعمالنا كيف ماذا أودعناه، وتعالوا بنا كي نحاسب أنفسنا على ما فعلناه وما قدَّمناه، فإن كان خيرًا حمدنا الله كثيرًا وشكرناه، وإن كان غير ذلك تُبنا إلى الله واستغفرناه، نعم يا عباد الله، لا بدَّ من وقفةِ محاسبة جادة، فالله جلَّ جلاله يقول: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1]، وقال أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه: أيها الناس، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله، ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1]، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18].

وكتبَ رضي الله عنه إلى بعضِ عمُّالِهِ: "حاسِب نفسكَ في الرخاء قبلَ حسابِ الشِدَّة، فإن من حاسبَ نفسهُ في الرخاءِ قبلَ حساب الشدة، عادَ أمرُه إلى الرضا والغِبطة، ومن ألهتهُ حياتهُ وشغلتْـهُ أهواؤه عادَ أمرُه إلى النَّدامةٍ والخسارة"، وقال الحسن البصري رحمه الله: "إن المؤمنَ لا تراهُ إلا وهو يلومُ نفسهُ على كلِّ حالاته ويندمُ، وإن الفاجرَ يمضي قُدُمـًا لا يعاتبُ نفسَه"، وقال الإمام الماوردي: "محاسبةُ النفسِ أن يتصفَحَ الإنسانُ في ليله ما صدرَ من أفعال نهارَه، فإن كان محمودًا أمضاه، وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل".

وقال الإمام ابن القيم: "حقٌّ على المؤمن الحازم ألا يغفَلَ عن محاسبة نفسهِ والتضييقِ عليها، فكل نفَسٍ من أنفاسهِ جوهرةٌ نفيسة، يمكن أن يُشترى بها كنزٌ لا يتناهى نعيمُه، فإضاعة هذه الأنفاس خُسرانٌ عظيمٌ لا يسمحُ بمثله إلا أجهلُ الناس، وإنما يظهرُ لهُ حقيقةُ هذا الخسران يومُ التغابن، ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30].

ووالله إِنَّهُ لتَوفِيقٌ عظيم أن يهبَ اللهِ تعالى لعبده المؤمن أُذُنًا تعي وتَسمَعُ، وَقَلبًا يَخشَى وَيَخشَعُ، وعقلًا يرعوي ويُقلِع؛ قَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿ إِنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لِمَن يَخشَى ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37].

فذاك الَّذِيَ سيَنتَفِعُ بِالأَحدَاثِ والمواعظ، وَتُحَرِّكُ قُلبَهُ القَوَارِعُ والفواجع، وَأَمَّا مَنِ طالت نَومَتُهُ، وَاستَحكَمَت غَفلَتُهُ، وَأَحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ، فأنَّا له أن يعتَبَر: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ [فاطر: 37]...

فلنَتَذكَّر في آخرِ العامِ ونَحنُ نَرى دقةَ الحِسابِ في بيانات الشَّرِكاتِ، دِقةَ حِساب الآخرة، ﴿ فَمَنْ ‌يَعْمَلْ ‌مِثْقالَ ‌ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ ‌يَعْمَلْ ‌مِثْقالَ ‌ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8].

نتذكرُ كِتابَ أعمالنا الذي سُجِلَ فيه كُلَّ شيءٍ، ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف: 49]، يوم يقال لنا: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 14].

ونَتَذكَّرُ في آخرِ العامِ ونَحنُ نرى تَقييمَ الموظفينَ السَّنويَّ، فَمنهُم مُحسنٌ ومُسيء، وسعيدٌ وحزين، كَيفَ سيتَفاوتُ تقييمُ النَّاسِ يومَ القِيامةِ، ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴾ [الحاقة: 19-27].

نَتَذكَّرُ في آخرِ العامِ ونَحنُ نرى تَصفيَّةَ التُّجارِ للبَضائعِ القَديمةِ، تَصفيةَ القُلوبِ مِن الشَّحناءِ والخِلافاتِ الأثيمةِ، يَقولُ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحديث الصحيح: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَاّ رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى ‌يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى ‌يَصْطَلِحَا"... نَتَذكَّرُ ونَحنُ في آخر العَامِ، نِهايةَ الدُّنيا وكأنَّها حِلمٌ مِن الأحلامِ، وأنها مَتَاعُ الْغُرُورِ، متاعٌ مؤقتٌ زائل؛ جَدِيدُهَا يبلي، وَجَمِيلُهَا يذوي، وقَوِيُّهَا يضَعُف، وَشَبَابُهَا يهَرم، وعامِرُها يخرب: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].

أَمَّا الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا، فَإن شَبَابهَا يبقى ولَا يَبْلَى، وَحَسَنُهَا يزيد لَا ينقصُ، ونعيمها يتجدَّدُ ولا ينفد.. وأهلها لَا يَمْرَضُونَ وَلَا يَهْرَمُونَ ولا يسأمونَ وَلَا يَمُوتُونَ، ﴿ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴾ [الأنبياء: 102]، ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق: 35].

فَـ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، و﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18].
بارك الله..


الخطبة الثانية:
الحمد لله كما ينبغي لجلاله وجماله وكماله، أَمَّا بَعدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 18].

معاشر المؤمنين الكرام؛ سيقف كلٌّ منا أمام ربه عاريًا حافيًا، يُختَمُ على فيهِ، وتتكلمُ جوارحهُ، فتهيأ يا عبدالله لهذا الموقفِ الرهيب، اجلس مع نفسك وحاسِبها، فقد قال جلَّ وعلا عن الخاسرين: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾ [النبأ: 27]، ولمن يسأل، وعلى ماذا أحاسِبُ نفسي، فيقال: حاسِبها على فروضك وصلواتك، هل أديتها كما ينبغي، أم قصَّرت فيها، فأول ما يحاسب المرء على صلاته، حاسِبها على وِردِكَ من القرآن هل تعاهدته أم هجرته، فالقرآنُ حجةٌ لك أو عليك.

حاسِبها على أرحامِك وأقاربِك هل واصلتهم وجدَّدت العهد بهم، أم قطعتهم وهجرتهم، فـ"ما مِن ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدنيا مع ما يَدَّخرُ لهُ في الآخرةِ من البَغي وقطيعةِ الرحمِ"..

حاسِبها على أموالك ونفقاتِك هل اكتسبتها من حلال، وهل أنفقتها فيما يرضي الله تعالى، فكل جِسمٍ نبت من سحتٍ فالنار أَولى به، ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟!

حاسِبها على لسانِك وكلماتِك وأحاديثك، فلا يكُبُّ الناسَ في النار إلا حصائِدُ ألسنتهم.
حاسِبها على تربية أبنائك وبناتك ومَن هم تحت يدك، هل تابعتهم وصدقت النصيحة لهم، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.

حاسِبها على جوالِك وأجهزة حواسيِبك هل كُلُّ ما فيها سليمٌ من المحاذير الشرعية، فالعين تزني وزناها النظر، وفي محكم التنزيل: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8].

حاسِبها على أوقاتِك وساعاتِك فيما تمضي وكيف تمرُّ، فالفراغ نعمةٌ كبيرةٌ وأكثر الناس لا يحسنُ استثماره.

حاسِبها على غفلاتِك وبعدك عن مولاك، فما ضرب القلوب شرٌّ من الغفلة؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].

حاسِبها على الغيبة والنميمة، فهذا عبدالله بن وهب رحمه الله يقول: نذرت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا فأجهدني، أي طال الأمر علي، فنويت أني كلما اغتبتُ إنسانًا أن أتصدقَ بدرهم، فمن حُبِّ الدَّراهم تركتُ الغيبة.

هكذا يحاسِبُ المسلم نفسهُ، يسألها عن حقوقِ الناس، هل أداها أم ضيَّعها، عن الولائم التي أقامها، والأماكن التي زارها، والمناسبات التي حضرها، والرسائل التي أرسلها، ونحو ذلك من الأسئلة، وإذا علم الله تعالى من عبده حُسن النيةِ، وصدقَ الرغبةِ في التوبة والتَّحسن، ومحبةَ القيام بما أوجب الله عليه، أعانهُ اللهُ وسددهُ، وهيأ له الأسباب ووفَّقه، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]، ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17].

ثم اعلموا يا عباد الله أنَّ شهر الله المحرم شهرٌ عظيم مبارك، يستحبُّ فيه الإكثارُ من صيام النافلة، ففي الحديث الصحيح: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ"، وفي صحيح البخاري: "مَن صامَ يَوْمًا في سَبيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".

فيا بن آدم عش ما شئت فإنك ميِّت، وأحبِب من شئت فإنك مفارقه، واعمَل ما شئت فإنك مَجزي به، البر لا يَبلى والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.

اللهم صلِّ على محمد...


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 65.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 63.22 كيلو بايت... تم توفير 1.83 كيلو بايت...بمعدل (2.81%)]