القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من احداث - الصفحة 13 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
معلومات عامة الرقية الشرعية والاذكار المكتبة الصوتية العلاج بالاعشاب والنباتات

مقالات طبية وعلمية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين / بإمكانكم التواصل معنا عبر خدمة واتس اب - 009613654576

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2924 - عددالزوار : 344988 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 2321 - عددالزوار : 140939 )           »          لكم الجنة! (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          شبهات حول عقوبة الردة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 135 )           »          تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 194 - عددالزوار : 3893 )           »          "فقه السنة" محقق للشيخ الألباني وغيره ....للقراءة ---------متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 84 - عددالزوار : 5548 )           »          رثاء الشعراء لأنفسهم (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 11 )           »          كيف تفتتح مقالك؟ (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          موقع الإعراب في اللغة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > ملتقى اخبار الشفاء والحدث والموضوعات المميزة > فلسطين والأقصى الجريح

فلسطين والأقصى الجريح ملتقى يختص بالقضية الفلسطينية واقصانا الجريح ( تابع آخر الأخبار في غزة )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #121  
قديم 18-04-2020, 04:40 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

صلاح الدين الأيوبي ومعركة حطين الفاصلة


علي الصلابي








ينتمي صلاح الدين إلى عائلة كردية، وتنتسب هذه العائلة إلى قبيلة كردية تعدُّ من أشراف الأكراد نسباً من عشيرة تعرف بالرَّوادية، وينتسب الأيوبيون إلى أيوب بن شادي، ويعتبرهم ابن الأثير أشرف الأكراد؛ لأنهم لم يجر على أحدٍ منهم رقٌّ أبداً، وقد ولد صلاح الدين الأيوبي عام 532هـ/1137م في قلعة تكريت، وهي بلدة قديمة أقرب إلى بغداد منها إلى الموصل.
نشأة صلاح الدين

هاجر الأخوان نجم الدين أيوب وشيركوه من بغداد إلى الموصل، حيث نزلا عند (عماد الدين زنكي) الذي رحَّب بالأخوين ترحيباً عظيماً، وما هذا الترحيب، والإكرام إلا مكافأة على موقفهما المخلص من إنقاذهما له من القتل، أو الأسر، فأقطعهما أرضاً ليعيشا عنده، معزَّزين مكرمين، وفي رحاب عماد الدِّين تطورَّت الأسرة الأيوبية، فقد أصبح نجم الدين، وأخوه شيركوه من خيرة القادة، وقتل عماد الدين بعد ذلك، وأصبح نور الدين صاحب اليد الطولى، وكان ذلك بمساعدة الأيوبيين، واستطاع أن يضمَّ دمشق لملكه، وفي دمشق ترعرع صلاح الدين، وتلَّقى علومه الإسلامية، ومارس فنون الفروسية، والصيد، والرَّمي بالسهام، وغيرهما من ضرورات البطولة.
ثم التحق صلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين شيركوه، وكان أسد الدين مرافقاً لنور الدين؛ الذي تولَّى قيادة الزنكيين بعد مقتل والده، ويبدو أنَّ نور الدين كان قد أدرك قدرات صلاح الدين العسكرية، والإدارية، فقد ذكر أبو شامة: أنَّ صلاح الدين تقدَّم بين يدي نور الدين فقبَّله، وأقطعه إقطاعاً حسناً، وعوَّل عليه، ونظر إليه، وقرَّبه، وخصَّصه، ولم يزل يتقدَّم تقدُّما تبدو منه أسباب تقضي تقديمه إلى ما هو أعلى. وكان نور الدين يكلِّفه بالذهاب إلى عمِّه لاستشارته في قضايا تخصُّ الدولة، والمكوس، والضَّمانات، فقد كان نور الدين يهتمُّ بمشاورة كبار قواده، وتسمى هذه الوظيفة لصلاح الدين في العصر الحديث: كاتم الأسرار وضابط الرُّكن الشخصي لنور الدين.
معركة حطين وفتح بيت المقدس

تمكَّن صلاح الدين من تكوين جبهة إسلامية موحَّدة، لكن سيطرة الصَّليبين على بعض مدن الساحل الشَّامي، فضلاً عن حصني الكرك، والشوبك، كلُّ ذلك يمثل عقبة كأداء في إمكانية الاتصال بين محوري دولته التي ضمت مصر، ومعظم بلاد الشام، وجزءاً من أرض العراق، يضاف إلى ذلك: أنَّ هـذه المدن، والموانئ الساحلية تمتَّعت بمكانةٍ استراتيجية هامَّة؛ لأنَّ سيطرة الصليبيين عليها جعلهم على اتِّصال دائمٍ بوطنهم الأم الغرب الأوربي، لذلك اهتمَّ صلاح الدين منذ بداية حكمه بالإغارة على هـذه المناطق، بل إنَّ اهتمامه بذلك يرجع أيضاً إلى أيَّام وزارته في الدولة الفاطمية.
وفي الواقع إنَّ صلاح الدين قد ألحق بالصليبيين خسائر جسيمة في الأرواح، والعتاد من جراء تلك الغارات التي نظَّمها على مدن الساحل الشامي، الأمر الذي دفع الصَّليبيين ـ على ما يبدو ـ إلى التفكير في تخفيف الضَّغط عن تلك المناطق بتحويل نظر صلاح الدين عنها، وذلك بالإغارة على منطقة ساحل البحر الأحمر، هـذا فضلاً عن استغلال وجوده في تلك المنطقة، وتهديد المقدَّسات الإسلاميَّة لطعن الإسلام في أقدس بقاعه إلا أن الأحداث كانت تجري بسرعة في مصلحة صلاح الدين.
مقدِّمات معركة حطين

1 ـ وفاة بلدوين الخامس وتأثيرها على أوضاع الصَّليبيين: توفي الملك بلدوين الخامس في شهر جمادى الآخرة عام 582 هـ/ بعد شهور من توليته، فبرزت من جديد مشاكل الصَّليبيين الدَّاخلية؛ إذ كانت وفاته إيذاناً بصراع حادٍّ بين الأمراء حول الفوز بعرش المملكة، وقد استفاد صلاح الدين من هذه الظروف التي مرت بها المملكة.
2 ـ وقعة صفورية: في الوقت الذي كان صلاح الدين فيه معسكراً بالقرب من حصن الكرك، والشوبك لحماية الحاجِّ من اعتداءات الصَّليبيين؛ عمد إلى إرسال قَّوةٍ استطلاعيةٍ، اتجهت إلى صفورية. وقد حرص قوَّادها على أن يكون مسيرها على قدر كبير من السرية، والخفاء، فكان سيرهم إليها في الجزء الأخير من الليل، على أن يكون هجومهم عليها في الصَّباح الباكر، وبالفعل فقد نُفِّذت تلك الخطة بدقَّة تامَّةٍ وصبحوا صفورية، وساء صباح المنذرين.
3 ـ الاستعدادات التي سبقت معركة حطِّين: استبشر صلاح الدين ـ الذي كان آنذاك يعسكر بالقرب من حصن الكرك ـ بذلك النَّصر الذي حقَّقته تلك السَّريَّة الإسلامية في معركة صفورية، فترك الكرك، والشُّوبك، وسار مسرعاً على رأس جيشه في اتجاه العدو، وعسكر في عشترا، واجتمعت حوله العساكر الإسلامية بإعدادٍ هائلة حتى «غطَّى بها الفضاء» على حدِّ قول ابن واصل وفي عشترا قام بعرض عسكره، فكان في اثني عشر ألف مقاتل. ثمَّ رتب جيشه طبقاً لنظام المعركة المعتاد، فجعل ابن أخيه تقي الدين عمر في الميمنة، ومظفر الدين كوكبوري في الميسرة، وكان هو في القلب، وبقيَّة الجيش فرَّقه على الجناحين استعداداً للحرب.
أحداث معركة حطين

1 ـ بداية الهجوم الإسلامي: وبدأ الهجوم الإسلامي على الصَّلبيين، فاستمات المسلمون في القتال، وشدَّدوا هجماتهم على الأعداء مدركين: أنَّ من ورائهم الأردن، ومن بين أيديهم بلاد الرُّوم، وأنهم لا ينجيهم إلا الله. وأمام ذلك الهجوم الإسلامي الرَّهيب أدرك الصليبيون: أنَّ نهايتهم قد حانت، وأنَّه لا ينجيهم من صلاح الدين سوى الفرار، أو الاستسلام، ولم يستطع النَّجاة سوى ريموند أمير طرابلس؛ الذي رأى عجز الصَّليبيين عن مقاومة الجيش الإسلامي، فاتفق مع جماعةٍ من أصحابه، وحملوا على من يليهم من المسلمين، ففتح المسلمون لهم طريقاً يخرجون منه، وبعد خروجهم التأم الصفُّ مرةً أخرى.
2 ـ الحرب النفسية عند صلاح الدين: ويبدو أنَّ صلاح الدين كان في تلك المعركة الحاسمة يعمد إلى القضاء على الصَّليبيين، وإدخال الوهن في نفوسهم بكل الوسائل، والدَّليل على ذلك: أنه بعد أن حصر الصليبيين في أعلى جبل حطين؛ ركز اهتمامه على الاستيلاء على صليبهم الأعظم الذي يسمونه: صليب الصلبوت، والذي يزعمون: أنَّ فيه قطعةً من الخشبة التي صلب عليها المسيح ـ عليه السلام ـ وبالفعل، فما أن تمكَّن من أخذه حتَّى حلَّ بالصَّليبيين البوار، وأيقنوا بالهلاك.
3 ـ صلاح الدين يصلِّى صلاة الشُّكر ويستقبل الملوك الأسرى: أمر صلاح الدين بأن تضرب له خيمة، فتمَّ له ذلك، فنزل فيها، وصلى لله تعالى شكراً على هـذه النِّعمة؛ التي درج الملوك من قبله على تمنِّي مثلها، وماتوا بحسرتها. ثم أحضر ملوك الصَّليبيين، ومقدَّميهم، واستقبلهم استقبالاً حسناً، وأجلس الملك جاي إلى جانبه، وأجلس البرنس أرناط صاحب الكرك إلى جانب الملك، وبادر صلاح الدِّين بتقديم إناء به ماء مثلَّج للملك جاي، فشرب منه، وأعطى ما تبقى لأرناط، فشرب، وعندئذ غضب صلاح الدين من ذلك، وخاطب الملك مؤكداً له بأن أرناط لم يشرب الماء بإذنه، فينال أمانه.
ثم التفت إليه، وذكره بجرائمه، وخيانته، وقال له: كم تحلف، وتنكث؟! فقال الترجمان عنه: إنه يقول: قد جرت عادة الملوك بذلك. فوقف السُّلطان صلاح الدين، وقال: هأنذا استنصر لمحمَّد. ثم عرض عليه الإسلام فأبى، فاستلَّ صلاح الدين سلاحه، وضربه، فحلَّ كتفه، وتمَّم عليه مَنْ حضر. ولمَّا رأى ملك بيت المقدس جاي لوزجنان ذلك المنظر؛ خاف، وظن: أنَّ صلاح الدين سوف يثنِّي به، ولكن السُّلطان استحضره، وطيب قلبه، وقال له: لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك، أمَّا هـذا فإنه تجاوز حدَّه، فجرى ما جرى.
نتائج معركة حطِّين

1 ـ معركة فاصلة وحاسمة: توصف معركة حطِّين بأنها معركةٌ فاصلةٌ، وحاسمة؛ لأننا نلاحظ: أنها غيَّرت خريطة التوزيعات السياسية في المنطقة، ففي أعقابها اتَّجه ذلك السُّلطان المجاهد إلى فتح مدن السَّاحل الشامي، وتساقطت الواحدة تلو الأخرى باستثناء صور ذات المنعة، والحصانة، وهكذا تمَّ حل مشكلة السَّاحل الشامي؛ الذي طرد منه المسلمون منذ أعوام طوال، ولم يعد المسلمون أصحاب وجود بريٍّ حبيس، وهكذا تساقطت مدن عكَّا، ويافا، وصيدا، وبيروت، وجبيل، وعسقلان، وغيرها.
2 ـ بداية النهاية للوجود الصليبي: كانت معركة حطين أعظم من مجرَّد كارثة عسكريَّة حلَّت بالصليبيين، لقد كانت في حقيقة أمرها بشيراً بنجاح المسلمين في القضاء على أكبر حركة استعمارية، شهدها العالم في العصور الوسطى، كما شكَّلت حدَّاً تراجع عنده المدُّ الصَّليبي باتجاه الشرق الأدنى الإسلامي، وبداية النهاية للوجود الصليبي، وقد أنهت المعركة زهاء تسعة عقود من الاضمحلال، والتدهور، والتشرذم في المنطقة الإسلامية في الشرق الأدنى؛ لتؤكد أهمية الوحدة بين أقطار هذه المنطقة الجغرافية في جنوب غرب آسيا، وفي مصر في مواجهة كلِّ الأخطار.
3 ـ معركة حطين مفتاح بيت المقدس: كانت معركة حطين معركة تحرير فلسطين؛ لأنَّها هي التي فتحت طريق النصر إلى بيت المقدس، وباقي فلسطين، وقد وصف ابن واصل هذه المعركة بقوله: كانت وقعة حطِّين مفتاح الفتوح الإسلامية، وبها تيسَّر فتح بيت المقدس، وعدَّها حلقةً وسط بين فتوحات نور الدين محمود، وركن الدِّين بيبرس البندقاري. فمنذ وفد ملوك الفرنج إلى البلاد الساحلية، واستولوا عليها؛ لم يقع للمسلمين معهم يومٌ كيوم حطين، فرحم الله الملك الناصر، وقدَّس روحه، فلم يؤيَّد الإسلام بعد الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ برجل مثله، ومثل نور الدين محمود بن زنكي، رحمة الله عليهما، فهما جدَّدا الإسلام بعد دروسه، وشيَّدا بنيان التوحيد بعد طموسه، ثمَّ أيد الله الإسلام بعدهما بالملك المظفَّر ركن الدين بيبرس، وكان أمره أعجب؛ إذ جاء بعد أن استولى التتار على معظم البلاد الإسلاميَّة، وأيس الناس أن لا انتعاش للملَّة، فبدَّد شمل التتار، وحفظ البلاد الإسلامية.
1- محمد محمد الصلابي، صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس، ص.ص (183-187)، ص. ص (298-422).

2- عبد الله علوان، صلاح الدين، دار السلام مصر. ص21.

3- د. أحمد شلبي، التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية: (ج5/187).

4- بهاء الدين بن شدَّاد، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية تحقيق: أحمد إيبيش، دار الأوائل سوريا، الطبعة الأولى 2003 م، ص6.

5- تقي الدين أحمد بن قاضي شهبة، الكواكب الدرية في السيرة النورية، تحقيق: محمود زايد، طبعة أولى، بيروت 1971 م، ص43.

6- أبو شامة، شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان المقدسي الدمشقي الشافعي كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1418 هـ/1997م، (2/75).


7- ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد، وفيات الأعيان وأنباء الزمان، تحقيق إحسان عباس، دار صارد بيروت. (7/174).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #122  
قديم 27-06-2020, 08:02 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

غارات إسرائيلية على مواقع في قطاع غزة.
شن الجيش الإسرائيلي قصفا جويا ومدفعيا على مواقع تابعة للفصائل الفلسطينية غرب دير البلح ومنطقة غرب خان يونس في قطاع غزة.

منقول

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #123  
قديم 14-07-2020, 01:28 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح



صلاح الدين والدنيا

د. حمدي طنطاوي محمد


إننا حينما نتحدث عن صلاح الدين فإننا نتحدث عن صلاح دين ودنيا، نتحدث عن رجل قاد أمة إلى بر الأمان بعدما عاشت سنين تركض في بحر الهزيمة والعصيان، فباتت تسطر في سجل الانتصارات فخراً بعد فخر، وانتصاراً بعد انتصار، إلى أن منَّ الله عليها بتحرير القدس وتحرير الأقصى الشريف، لقد كان حرياً بسيرة هذا الرجل الصالح أن يكلل الله حياته بهذا النصر، يقول ابن شداد: كان رحمة الله عليه حسن العقيدة، كثير الذكر لله تعالى، قد أخذ عقيدته من مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء، وكان إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولاً حسناً وإن لم يكن بعبارة الفقهاء فتحصل من ذلك سلامة عقيدته عن كدر التشبيه.. وكان لشدة حرصه عليها يعلمها الصغار من أولاده حتى ترسخ في أذهانهم في الصغر[1].

وأما الصلاة فإنه كان رحمه الله تعالى شديد المواظبة عليها بالجماعة وكان يواظب على السنن الرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه، وأما الزكاة فإنه مات رحمه الله تعالى ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة، وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال؛ فإنه ملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهماً ناصرية وجرماً واحداً ذهباً ولم يخلف ملكاً ولا داراً ولا عقاراً ولا بستاناً ولا قريةً ولا مزرعةً ولا شيئاً من أنواع الأملاك[2].
أما صوم رمضان فإنه كان عليه منه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام وشرع رحمه الله في قضاء تلك الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها[3].
وأما الحج فإنه كان لم يزل عازماً عليه وناوياً له لاسيما في العام الذي توفي فيه فإنه صمم العزم عليه وأمر بالتأهب وعملنا الرفادة ولم يبق إلا المسير فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد عما يليق بأمثاله فأخر إلى العام المستقبل فقضى الله ما قضى[4].
كان رحمه الله تعالى يحب سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه، ويشترط أن يكون عالماً بعلم القرآن العظيم متقناً لحفظه. وكان يستقرئ من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزءين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك، ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته فقربه وجعل له حظاً من خاص طعامه ووقف عليه وعلى أبيه جزأً من مزرعة.
وكان رحمه الله تعالى خاشع القلب رقيقه غزير الدمعة إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان رحمه الله شديد الرغبة في سماع الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية حرسها الله تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة[5].
ولقد كان رحمه الله عادلاً رؤوفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي. وكان يجلس للعدل كل يوم إثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفراً وحضراً[6].
ولقد كان رؤوفاً بالرعية ناصراً للدين مواظباً على تلاوة القرآن العزيز عالماً بما فيه عاملاً به ولم يرد قاصداً أبداً أو منتحلاً ولا طالب حاجة.
يقول ابن شداد: «لقد رأيته رحمه الله بمرج عكا وهو على غاية من مرض اعتراه بسبب كثرة دماميل كانت ظهرت عليه من وسطه إلى ركبتيه بحيث لا يستطيع الجلوس وإنما يكون منكباً على جانبه إن كان بالخيمة، وكان مع ذلك قد نزل بخيمة الحرب قريباً من العدو وقد رتب الناس ميمنة وميسرة وقلباً تعبية القتال وكان مع ذلك كله يركب من بكرة النهار إلى صلاة المغرب يطوف على الأطلاب صابراً على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل وأنا أتعجب من ذلك فيقول إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل وهذه عناية ربانية[7].
يروي ابن الأثير أنَّ داراً بمصر كانت تسمى دار المعونة يحبس فيها من يراد حبسه هدمها صلاح الدين، وأزال ما كان فيها من الظلم وبنى فيها داراً للعدل، هكذا العظماء، وعزل القضاة المصريين - وكانوا شيعة - وأقام قاضياً شافعياً، وجعل القضاة الشافعية في كل البلاد.
ومن محاسن صلاح الدين، بعد أن ثبت قدمه بمصر وأزال المخالفين، إلزام نفسه بما ألزمه به نور الدين من قطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية، بعد أن استشار أمراءه فمنهم من أشار عليه به ومنهم من خافه، فما أمكنه إلا أن يمتثل لأمر نور الدين بعد أن ألزمه إلزاماً لا فسحة فيه، وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر ففعلوا ذلك ولم ينتطح فيه عنزان[8]. ولما وصلت البشارة إلى بغداد بذلك ضربت البشائر بها عدة أيام وزينت بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا حد عليه.
ومن محاسنه أنَّه كان سيفاً يخوف به بلاد الفرنج، وذلك لما مات نور الدين محمود صاحب الشام اجتمع الفرنج وساروا إلى قلعة بانياس من أعمال دمشق فحصروها فجمع شمس الدين محمد بن عبد الملك ابن المقدم العسكر عنده بدمشق فخرج عنها فراسلهم ولاطفهم ثم أغلظ لهم في القول وقال لهم إن أنتم صالحتمونا وعدتم عن بانياس فنحن على ما كنا عليه وإلا فنرسل إلى سيف الدين صاحب الموصل ونعلمه ونصالحه ونستنجده ونرسل إلى صلاح الدين بمصر فنستنجده ونقصد بلادكم من جهاتها كلها ولا تقومون لنا وأنتم تعلمون أن صلاح الدين كان يخاف أن يجتمع بنور الدين والآن فقد زال ذلك الخوف وإذا طلبناه إلى بلادكم فلا يمتنع، فعلموا صدقه فصالحوه على شيء من المال أخذوه وأسرى لهم كانوا عند المسلمين وتقررت الهدنة، فلما سمع صلاح الدين بذلك أنكره واستعظمه وكتب إلى الملك الصالح والأمراء الذين معه يقبح لهم ما فعلوه ويبذل من نفسه قصد بلاد الفرنج ومقارعتهم وإزعاجهم عن قصد شيء من بلاد الملك الصالح[9].
وسيرته كانت تهابها الأعداء ويطمئن لها الأولياء، ففي سنة 570هـ هاجم أسطول من الفرنج مدينة الإسكندرية وكان سبب ذلك إرسال بعض أهل مصر إلى ملك الفرنج بساحل الشام وإلى صاحب صقلية ليقصدوا ديار مصر ليثوروا بصلاح الدين ويخرجوه من مصر، فجهز صاحب صقلية أسطولاً عدة وعتاداً فخرج أهل الإسكندرية بسلاحهم وعدتهم ليمنعوهم من النزول وأبعدوا عن البلد فمنعهم الوالي عليهم من ذلك وأمرهم بملازمة السور، ونزل الفرنج إلى البر مما يلي البحر والمنارة وتقدموا إلى المدينة ونصبوا عليها الدبابات والمنجنيقات وقاتلوا أشد قتال وصبر لهم أهل البلد ولم يكن عندهم من العسكر إلا القليل، ورأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية وحسن سلاحهم ما راعهم، وسيرت الكتب بالحال إلى صلاح الدين يستدعونه لدفع العدو عنهم، ودام القتال أول يوم إلى آخر النهار ثم عاود الفرنج القتال اليوم الثاني وجدوا ولازموا الزحف حتى وصلت الدبابات إلى قريب السور، ووصل ذلك اليوم من العساكر الإسلامية كل من كان في إقطاعه وهو قريب من الإسكندرية فقويت بهم نفوس أهلها وأحسنوا القتال والصبر وكثر الصياح من كل الجهات فارتاع الفرنج واشتد القتال فوصل المسلمون إلى الدبابات فأحرقوها وصبروا للقتال فأنزل الله نصره عليهم وظهرت أماراته، ولم يزل القتال إلى آخر النهار ودخل أهل البلد إليه وهم فرحون مستبشرون بما رأوا من تباشير الظفر وقوتهم وفشل الفرنج وفتور حربهم وكثرة القتل والجراح في رجالتهم.
وأما صلاح الدين فإنه لما وصله الخبر سار بعساكره وسير مملوكاً له ومعه ثلاثة جنائب ليجد السير عليها إلى الإسكندرية يبشر بوصوله وسير طائفة من العسكر إلى دمياط خوفاً عليها واحتياطاً لها، فسار ذلك المملوك فوصل الإسكندرية من يومه وقت العصر والناس قد رجعوا من القتال فنادى في البلد بمجيء صلاح الدين والعساكر مسرعين، فلما سمع الناس ذلك عادوا إلى القتال وقد زال ما بهم من تعب وألم الجراح وكل منهم يظن أن صلاح الدين معه فهو يقاتل قتال من يريد أن يشاهد قتاله.
وسمع الفرنج بقرب صلاح الدين في عساكره فسقط في أيديهم وزادوا تعباً وفتوراً فهاجم المسلمون عند اختلاط الظلام ووصلوا إلى خيامهم فغنموها بما فيها من الأسلحة الكثيرة والتحملات العظيمة، وكثر القتل في رجالة الفرنج فهرب كثير منهم إلى البحر وقربوا شوانيهم إلى الساحل ليركبوا فيها فسلم بعضهم وركب وغرق بعضهم وغلبهم أهل البلد وقهروهم فصاروا بين قتيل وأسير وكفى الله المسلمين شرهم[10].
فتح الكرك:

في سنة 580هـ رأى صلاح الدين أنَّ فتح الكرك لزاماً عليه، وأنَّ فتحها أنفع للمسلمين من غيرها، فإن أهلها يقطعون الطريق على الحجاج، فبينما هو كذلك إذ بلغه أنَّ الفرنج قد اجتمعوا له كلهم فارسهم وراجلهم، ليمنعوا منه الكرك، فانشمر عنها وقصدهم فانهزمت الفرنج فأرسل وراءهم من قتل منهم مقتلة عظيمة، وفي هذه السنة مرض صلاح الدين مرضاً شديداً حتى لقد أشار عليه أخوه العادل بأن يوصي بعد أن قصده بالأطباء والأدوية من حلب، ثم نذر لئن شفاه الله من مرضه هذا ليصرفن همته كلها إلى قتال الفرنج ولا يقاتل بعد ذلك مسلماً، وليجعل أكبر همه فتح بيت المقدس، ولو صرف في سبيل الله جميع ما يملكه من الأموال والذخائر، وليقتلن البرنس صاحب الكرك بيده، لأنَّه نقض العهد وتنقص الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه أخذ قافلة ذاهبة من مصر إلى الشام فأخذ أموالهم وضرب رقابهم وهو يقول: أين محمدكم؟ دعوه ينصركم، فعند ذلك شفاه الله وعافاه من ذلك المرض الذي كان فيه، كفارة لذنوبه، وجاءت البشارات بذلك من كل ناحية، فدقت البشائر وزينت البلاد؛ فرحاً بإتمام الشفاء. ثم ركب السلطان من حران بعد العافية فدخل حلب، ثم ركب فدخل دمشق، وقد تكاملت عافيته، وقد كان يوماً مشهوداً[11].
واقعة حطين:

لقد كان يوم حطين يوماً عظيماً في تاريخ البشرية، وكانت معركته فاصلة قصمت ظهور النصارى، وكانت هي الممهدة لفتح بيت المقدس.
يقول ابن كثير: «جاء السلطان بجحافله فالتفت عليه جميع العساكر، فرتب الجيوش وسار قاصداً بلاد الساحل، وكان جملة من معه من المقاتلة اثني عشر ألفاً غير المتطوعة، فتسامعت الفرنج بقدومه فاجتمعوا كلهم وتصالحوا فيما بينهم، وصالح قومس طرابلس وبرنس الكرك الفاجر، وجاؤوا بحدهم وحديدهم واستصحبوا معهم صليب الصلبوت يحمله منهم عباد الطاغوت، وضلال الناسوت، في خلق لا يعلم عدتهم إلا الله عز وجل، يقال كانوا خمسين ألفاً وقيل ثلاثاً وستين ألفاً، وقد خوفهم صاحب طرابلس من المسلمين فاعترض عليه البرنس صاحب الكرك فقال له لا أشك أنك تحب المسلمين وتخوفنا كثرتهم، وستري غب ما أقول لك، فتقدموا نحو المسلمين وأقبل السلطان، ففتح طبرية وتقوى بما فيها من الأطعمة والأمتعة وغير ذلك، وتحصنت منه القلعة، فلم يعبأ بها، وحاز البحيرة في حوزته ومنع الله الكفرة أن يصلوا منها إلى قطرة، حتى صاروا من عطش عظيم، فبرز السلطان إلى سطح الجبل الغربي من طبرية عند قرية يقال لها حطين، التي يقال إنَّ فيها قبر شعيب عليه الصلاة والسلام، وجاء العدو المخذول، وكان فيهم صاحب عكا وكفرنكا وصاحب الناصرة وصاحب صور وغير ذلك من جميع ملوكهم، فتواجه الفريقان وتقابل الجيشان، وأسفر وجه الإيمان وأغبر وأقتم وأظلم وجه الكفر والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان، وذلك عشية يوم الجمعة، فبات الناس على مصافهم وأصبح صباح يوم السبت الذي كان يوماً عسيراً على أهل الأحد وذلك لخمس بقين من ربيع الآخر، فطلعت الشمس على وجوه الفرنج واشتد الحر وقوي بهم العطش، وكان تحت أقدام خيولهم حشيش قد صار هشيماً، وكان ذلك عليهم مشؤوماً، فأمر السلطان النفاطة أن يرموه بالنفط، فرموه فتأجج ناراً تحت سنابك خيولهم، فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال، وتبارز الشجعان، ثم أمر السلطان بالتكبير والحملة الصادقة فحملوا وكان النصر من الله عز وجل، فمنحهم الله أكتافهم فقتل منهم ثلاثون ألفاً في ذلك اليوم، وأسر ثلاثون ألفاً من شجعانهم وفرسانهم[12]، وكان في جملة من أسر جميع ملوكهم سوى قومس طرابلس فإنه انهزم في أول المعركة، واستلبهم السلطان صليبهم الأعظم، وهو الذين يزعمون أنه صلب عليه المصلوب، وقد غلفوه بالذهب واللآلئ والجواهر النفيسة، ولم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله ودمغ الباطل وأهله، حتى ذكر أن بعض الفلاحين رآه بعضهم يقود نيفاً وثلاثين أسيراً من الفرنج قد ربطهم بطنب خيمة، وباع بعضهم أسيراً بنعل ليلبسها في رجله، وجرت أمور لم يسمع بمثلها إلا في زمن الصحابة والتابعين، فلله الحمد دائماً كثيراً طيباً مباركاً.
فلما تمت هذه الوقعة ووضعت الحرب أوزارها أمر السلطان بضرب مخيم عظيم، وجلس فيه على سرير المملكة وعن يمينه أسرة وعن يساره مثلها، وجيء بالأسارى تتهادى بقيودها، فأمر بضرب أعناق جماعة من مقدمي الداوية - والأسارى بين يديه - صبراً، ولم يترك أحداً منهم ممن كان يذكر الناس عنه شراً، ثم جيء بملوكهم فأجلسوا عن يمينه ويساره على مراتبهم، فأجلس ملكهم الكبير عن يمينه، وأجلس أرياط برنس الكرك وبقيتهم عن شماله، ثم جيء إلى السلطان بشراب من الجلاب مثلوجاً، فشرب ثم ناول الملك فشرب، ثم ناول أرياط صاحب الكرك فغضب السلطان وقال له: إنما ناولتك ولم آذن لك أن تسقيه، هذا لا عهد له عندي، يقول ابن شداد: «فقصد رحمه الله أن من أكل من طعامي فالمروءة تقتضي أن لا أؤذيه»[13]. ثم تحول السلطان إلى خيمة داخل تلك الخيمة واستدعى أرياط صاحب الكرك، فلما أوقف بين يده قام إليه بالسيف ودعاه إلى الإسلام فامتنع، فقال له: نعم أنا أنوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الانتصار لأمته، ثم قتله وأرسل برأسه إلى الملوك وهم في الخيمة، وقال: إن هذا تعرض لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قتل السلطان جميع من كان من الأسارى من الداوية والإسبتارية صبراً وأراح المسلمين من هذين الجنسين الخبيثين، ولم يسلم ممن عرض عليه الإسلام إلا القليل، فيقال إنه بلغت القتلى ثلاثين ألفاً، والأسارى كذلك كانوا ثلاثين ألفاً، وكان جملة جيشهم ثلاثة وستين ألفاً، وكان من سلم مع قلتهم قد هرب أكثرهم جرحى، فماتوا ببلادهم، وكان يوماً مشهوداً[14]، فلله الحمد والمنة.
ثم اتجه إلى عكا فأخذها وأخرج الأسرى كلهم من ضيق الأسر وكانوا زهاء أربعة آلاف أسير وأعطى كل واحد منهم نفقة يصل بها إلى بلده وأهله.
يقول ابن شداد: «كان حسن العشرة لطيف الأخلاق طيب الفكاهة حافظاً لأنساب العرب ووقائعهم عارفاً بسيرهم وأحوالهم حافظاً لأنساب خيلهم عالماً بعجائب الدنيا ونوادرها بحيث كان يستفيد محاضره منه ما لا يسمع من غيره.
وكان حسن الخلق يسأل الواحد منا عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله.
وكان طاهر المجلس، لا يذكر بين يديه أحد إلا بخير السمع، فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير وطاهر اللسان فما رأيته ولع بشتم قط، وكان حسن العهد والوفاء، فما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحّم على مخلفيه وجبر قلبه، وأعطاه وجبر مصابه، وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه سلمه إياه وإلا أبقى له من الخير ما يكف حاجته وسلمه إلى من يعتني بتربيته ويكفلها.
وكان لا يرى شيخاً إلا ويرق له ويعطيه ويحسن إليه ولم يزل على هذه الأخلاق إلى أن توفاه الله إلى مقر رحمته ومكان رضوانه[15].
يقول القاضي ابن شداد: «ولقد كنت راكباً في خدمته، في بعض الأيام قبالة الإفرنج، وقد وصل بعض اليزكية ومعه امرأة شديدة التخوف، كثيرة البكاء، متواترة الدق على صدرها قال اليزكي: إنَّ هذه خرجت من عند الإفرنج فسألت الحضور بين يديك وقد أتينا بها، فأمر الترجمان أن يسألها عن قصتها فقالت اللصوص المسلمون دخلوا البارحة إلى خيمتي وسرقوا ابنتي وبت البارحة أستغيث إلى بكرة النهار، فقال لي المملوك: السلطان هو أرحم ونحن نخرجك إليه تطلبين ابنتك منه، فأخرجوني إليك وما أعرف ابنتي إلا منك. فرق لها ودمعت عينه وحركته مروءته وأمر من ذهب إلى سوق العسكر يسأل عن الصغيرة من اشتراها ويدفع له ثمنها ويحضرها وكان قد عرف قضيتها من بكرة يومه فما مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه، فما كان إلا أن وقع نظرها عليها فخرت إلى الأرض تعفر وجهها في التراب والناس يبكون على ما نالها وهي ترفع طرفها إلى السماء ولا نعلم ما تقول فسلمت ابنتها إليها وحملت حتى أعيدت إلى عسكرهم.
وكان مغرماً بالإنفاق في سبيل الله، وكان لا يرى الإساءة إلى من صحبه وإن أفرط في الخيانة ولقد أبدل في خزائنه كيسان من الذهب المصري بكيسين من الفلوس فما عمل بالنواب شيئاً سوى أن صرفهم من عملهم لا غير[16].

فتح القدس الشريف:

طار في الناس أن السلطان عزم على فتح بيت المقدس، فقصده العلماء والصالحون تطوعاً، وجاؤوا إليه، ووصل أخاه العادل بعد وقعة حطين وفتح عكا ففتح بنفسه حصوناً كثيرةً، فاجتمع من عباد الله ومن الجيوش شيء كثيرٌ جداً، فعند ذلك قصد السلطان القدس[17].
وكان صاحب القدس يومئذ رجلاً يقال له بالبان بن بازران، ومعه من سلم من وقعة حطين يوم التقى الجمعان، من الداوية والإسبتارية أتباع الشيطان وعبدة الصلبان وقاتل الفرنج دون البلد قتالاً هائلاً، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في نصرة دينهم وقمامتهم، واستشهد في الحصار بعض أمراء المسلمين(3)، فحنق عند ذلك كثير من الأمراء والصالحين، واجتهدوا في القتال، والعيون تنظر إلى الصلبان منصوبةً فوق الجدران، وفوق قبة الصخرة صليب كبير، فزاد ذلك أهل الإيمان حنقاً وشدةً، وكان ذلك يوماً عسيراً على الكافرين غير يسير، فبادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور فنقبها وحشاها وأحرقها، فسقط ذلك الجانب وخر البرج برمته، فلما شاهد الفرنج ذلك الحادث الفظيع، والخطب المؤلم الوجيع، قصد أكابرهم السلطان وتشفعوا إليه أن يعطيهم الأمان، فامتنع من ذلك وقال: لا أفتحها إلا عنوة، كما افتتحتموها أنتم عنوة، ولا أترك بها أحداً من النصارى إلا قتلته، كما قتلتم أنتم من كان بها من المسلمين، فطلب صاحبها بالبان بن بازران الأمان؛ ليحضر عنده فأمنه، فلما حضر ترقق للسلطان وذل ذلاً عظيماً، وتشفع إليه بكل ما أمكنه فلم يجبه إلى الأمان لهم، فقالوا إن لم تعطنا الأمان رجعنا فقتلنا كل أسير بأيدينا - وكانوا قريباً من أربعة آلاف - وقتلنا ذرارينا وأولادنا ونساءنا وخربنا الدور والأماكن الحسنة، وأحرقنا المتاع وأتلفنا ما بأيدينا من الأموال، وهدمنا قبة الصخرة وحرقنا ما نقدر عليه، ولا نبقي ممكناً في إتلاف ما نقدر عليه، وبعد ذلك نخرج فنقاتل قتال الموت، ولا خير في حياتنا بعد ذلك، فلا يقتل واحد منا حتى يقتل أعداداً منكم، فماذا ترتجي بعد هذا من الخير؟ فلما سمع السلطان ذلك أجاب إلى الصلح وأناب، على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير، وعن المرأة خمسة دنانير، وعن كل صغير وصغيرة دينارين، ومن عجز عن ذلك كان أسيراً للمسلمين، وأن تكون الغلات والأسلحة والدور للمسلمين، وأنهم يتحولون منها إلى مأمنهم وهي مدينة صور.
فكتب الصلح بذلك، وأن من لم يبذل ما شرط عليه إلى أربعين يوماً فهو أسير، فكان جملة من أسر بهذا الشرط ستة عشر ألف أسير من رجال ونساء وولدان، ودخل السلطان والمسلمون البلد يوم الجمعة قبل وقت الصلاة بقليل، وذلك يوم السابع والعشرين من رجب.
قال العماد: وهي ليلة الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى[18].
قال ابن شداد: «لما قصد صلاح الدين القدس، اجتمعت عليه العساكر التي كانت متفرقة، ورأى أعداء الله ما نزل بهم من الأمر الذي لا يندفع عنهم وظهرت لهم أمارات نصرة الحق على الباطل وكان قد ألقى في قلوبهم الرعب مما جرى على أبطالهم ورجالهم من السبي والقتل والأسر، وما جرى على حصونهم من الاستيلاء والأخذ علموا أنهم إلى ما صاروا إليه صائرون. وبالسيف الذي قتل به إخوانهم مقتولون، فاستكانوا وأخلدوا إلى طلب الأمان، واستقرت القاعدة بالمراسلة بين الطائفتين، وكان تسلمه القدس قدس الله روحه ليلة الإسراء والمعراج. فانظر إلى هذا الاتفاق العجيب كيف يسّر الله عوده إلى أيدي المسلمين في مثل زمان الإسراء بنبيهم صلى الله عليه وسلم وهذه علامة قبول هذه الطاعة من الله تعالى، وارتفعت الأصوات بالضجيج والدعاء والتهليل والتكبير، وخطب فيه، وصليت فيه الجمعة يوم فتحه. وحطّ الصليب الذي كان على قبة الصخرة نصر الله الإسلام نصر عزيز مقتدر[19].
هذه بعض محاسن صلاح الدين سقناها للعبر، علها تجد في سوق الرجال رجالاً هم للراية السند وللشهادة الطلب وبهم ينتفع وعلى مثلهم يعتمد، والله المستعان.
[1] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد، تحقيق: الدكتور جمال الدين الشيال، ص33، ط2، 1415هـ - 1994م، مكتبة الخانجي، القاهرة.
[2] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص34.
[3] المرجع نفسه ص35.
[4] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص35.
[5] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص36.
[6] المرجع نفسه، ص41.
[7] المرجع نفسه، ص57.
[8] الكامل في التاريخ لابن الأثير، تحقيق عبد الله القاضي، 10/33-34، ط1415هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
[9] الكامل في التاريخ، 10/60.
[10] الكامل في التاريخ، 10/63-64.
[11] البداية والنهاية، 12/387.
[12] البداية والنهاية، 12/392.
[13] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص70.
[14] البداية والنهاية، 12/392 -393.
[15] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص70.
[16] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص68-69.
[17] البداية والنهاية، 12/ 394.
[18] البداية والنهاية، 12/ 396.

[19] النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، ص124-125.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #124  
قديم 20-07-2020, 06:52 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

رعاية الأقصى من سنن المرسلين والصالحين


أيمن الشعبان




الحمد لله ذي الجود والعطاء، باسطِ الأرض ورافع السماء، والصلاة والسلام على من أمَّ الأنبياء جميعًا ليلة الإسراء، وعلى آله الأتقياء وصحابته الأوفياء، ومن سار على نهجهم إلى يوم العرض والجزاء، وبعد:
فإنّ الله سبحانه وتعالى جعل لرقيِّ ونُهوضِ الأمم سُننًا ومقدماتٍ وقوانينَ ومقومات، ومن أعظمِ خصائص السنن الإلهية أنها ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، وأنها لا تحابي أحدًا ولا تجامل أمةً ولا دولة، قال سبحانه: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا} [فاطر:43].
المقدسات من المساجد والبقاع والمدن والأماكن، التي عظّمها الله سبحانه وتعالى وشرّفها واصطفاها وكرّمها على غيرها؛ هي من شعائر الله المكانية التي جعل الله سبحانه تعظيمها وتقديسها ومحبتها والذبِّ عنها معياراً ومؤشراً للتقوى والفلاح، قال عز وجل: ( {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} ) [الحج:32].
والشعيرة هي ما أشعرنا الله سبحانه بأهميتها ومكانتها وفضلها، لتعظيمها والمحافظة على حرمتها والذبِّ عنها والعناية بها كما أراد الله سبحانه الذي اجتباها واختارها، والشعيرة هي المعلم الظاهر الواضح والعلامة التي تتميز بها الأمة، والشعيرة من الشعور ليشعر بها الرائي فتختلط محبتها في وجدانه وقلبه.
يقول (محمد صديق خان) في تفسيره فتح البيان (9/47): "فشعائر الله أعلام دينه".
ويقول (ابن عاشور) في التحرير والتنوير (17/256): "فَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ بِزِيَارَتِهِ أَوْ بِفِعْلٍ يُوقَعُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، أَيْ مِمَّا أشعر الله النَّاس وَقَرَّرَهُ وَشَهَرَهُ".
ويضيف قائلاً في بيان ضرورة غرس محبة الشعيرة في القلب وظهور أثر ذلك عملاً وتطبيقًا، فيقول في تفسيره (17/257): "وَإِضَافَةُ تَقْوَى إِلَى الْقُلُوبِ لأَنَّ تَعْظِيمَ الشَّعَائِرِ اعْتِقَادٌ قَلْبِيٌّ يَنْشَأُ عَنهُ الْعَمَل".
لقد حظي المسجد الأقصى المبارك منذ تأسيسه في عهد آدم؛ بعناية ربانية فائقة ورعاية نبوية كبيرة، إذ ارتبط ارتباطًا متينًا بالمسجد الحرام تاريخيًا وعقديًا وإيمانيًا وتعبديًا، فهما كالعقدين الثمينين النفيسين، اللذين أصبحا رمزًا وعنوانًا لتوحيد الله عز وجل وتحقيق العبودية الخالصة لله.
منذ وجوده على ثرى فلسطين صار المسجد الأقصى مهوى أفئدة الأنبياء وأتباعهم، ومركزًا ومحلاً لنشر التوحيد وتحقيق العبودية لله عز وجل، حتى صار عنوانًا لقوة الدِّين وبوصلةً للصراع بين الحق والباطل بمختلف الأزمنة والظروف والأحوال.
الأرض المباركة التي قَلبُها بيت المقدس، هاجر إليها أبو الأنبياء وإمام الحنفاء وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، مع ابن أخيه لوط وزوجه سارة، وأسس مجتمعًا صالحًا مع ذريته، واعتنى بالمسجد الأقصى عمرانيًا وإيمانيًا.
قال سبحانه: ( {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} ) [الأنبياء:71-73].
يوسف الصديق الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم عليه السلام، الذي توفاه الله في مصر، ومع ذلك أوصى علماء بني إسرائيل بأن يحملوا جثمانه إلى الأرض المباركة، عند انتقالهم إليها، ليعطي درسًا بليغًا بأن بيت المقدس هي أرض الأنبياء في حياتهم وبعد مماتهم!
رسخّ كليم الله موسى -عليه السلام- أهمية وجود المقدسات في حياة الأمة، كركيزة أساسية وقوة مركزية، لضمان الاستقرار والتماسك والرقي بمختلف المجالات، إذ كان يتطلع بعد نجاتهم من فرعون وجنده في آخر مراحل حياته لفتح بيت المقدس وتحريرها، من العمالقة الجبارين الوثنيين.
سار موسى وبنو إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة، لاستعادتها وتحقيق العبودية الخالصة لله عز وجل فيها، بعد وعد من الله سبحانه أنهم بمجرد الدخول والصبر والثبات والاستجابة لأمر موسى؛ تكون لهم الغلبة والتمكين، إلا أنهم خذلوا موسى عليه السلام فعاقبهم الله -عز وجل- بالتيه أربعين سنة وحرمها عليهم!
فالقوم الذين يعتادون الراحة والدعة حتى تصبح المقدسات من آخر أولوياتهم؛ فإن مآلهم الخذلان والانتكاس والذُّل، وبالتالي يعيشون في تيه وحيرة، فالأمة التي لا تحافظ على الأرض المباركة تعاقب بنقيض قصدها وبجنس اختيارها من عدم الاستقرار والأمن والأمان.
وهنا توجيه عظيم وإشارة مهمة إلى أن الأمم من بعدهم إذا لم يحفظوا المقدسات ويحافظوا على المسجد الأقصى، فإن الله سيعاقبهم بتيه من نوع آخر هو تيه معنوي؛ يأخذ عدة أشكال وصور، تيه فيه الضلال والفرقة والتخبط حتى تصبح الأمة ضعيفة وفي آخر الركب.
فكل من تخلى عن مسؤولياته وتنصل عن الواجب تجاه المقدسات، سيناله حظٌ من التيه المعنوي الذي هو أخطر من التيه الحسي الذي وقع على بني إسرائيل وهو مؤقت بمدَّة سينتهي بزوال الجيل المُخذِّل بعد أربعين سنة، أما التيه المعنوي فالاستبدال مرتبط بسنن شرعية وأخرى كونية، والتيه قد يكون تيه في التصور وتيه في السلوك وتيه في العقيدة وتيه في العلم وتيه في الإصلاح وتيه في الأهداف والتخطيط وتيه في المخرجات والثمار، حتى يشمل جميع جوانب الحياة كالإدارة والاقتصاد والسياسة والتنمية والإعلام وهكذا.
فبِقَدْرِ تَشَبُّع الأمة بمظاهر التيه فإن عَدّاد المنافسة مع الأمم الأخرى يتوقف، حتى تصبح فترة التيه عبئاً ووبالاً ومنقصةً للدول والمجتمعات، لأنها فترات مشطوبة لا قيمة لها!
إن عناية سليمان -عليه السلام- وتجديده بناء بيت المقدس؛ يرسخ هذا الأصل والمفهوم، ففي ظل تسخير الجن والإنس والريح والمعجزات التي أعطيها، وأنه قاد أعظم مملكة عبر التاريخ، تكون له تلك الرعاية العمرانية والتعبدية للمسجد الأقصى، للتدليل على العلاقة المطردة بين المحافظة والعناية بالمقدسات، ورقي وازدهار ورفعة الأمة وديمومة وتمكين الملك.
بعد وفاة سليمان -عليه السلام- عمّ الفساد وضعف الدِّين، وانقسمت مملكته إلى دولتين متعاديتين، مملكة (يهودا) وعاصمتها القدس ومملكة (السامرة) وعاصمتها نابلس، حتى تسلط عليهم (نبوخذ نصر ) أو (بختنصر) سنة 586 ق.م. وسباهم بما بات يعرف بالسبي البابلي الثاني.
فُتحت القدس في عهد عمر -رضي الله عنه- وهي المدينة الوحيدة التي تسلم مفاتيحها، في الوقت الذي فتحت في عهده العديد من المدن والقرى والأقاليم والأمصار، لكن لخصوصيتها وتمكنها من وجدانهم وقيمتها في قلوبهم، كان لها عناية ورعاية منقطعة النظير، وشغف في ضمها لحياض المسلمين، لإدراكهم أن الأمة بلا أقصى لا قيمة لها!
وخاض بالوحل فقال له أبو عبيدة: "لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ صَنِيعًا عَظِيمًا عِنْدَ أَهْلِ الأَرْضِ"! فقال له الفاروق: "لو غيرك قالها أبا عبيدة وضربه على صدره"، ثم قال مقولته المشهورة: "يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَذَلَّ النَّاسِ وَأَقَلَّ النَّاسِ وَأَحْقَرَ النَّاسِ فَأَعَزَّكَمُ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ فَمَهْمَا تَطْلُبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِهِ يُذِلَّكُمُ اللَّهُ"1.
أدرك وأيقن الصحابة -رضوان الله عليهم- أن عزهم وسؤددهم ورفعتهم مرتبطة بالمحافظة على مقدساتهم لا سيما المسجد الأقصى المبارك، ولنتأمل هذا الموقف الذي أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (1/146) عن أبي ذر الغفاري –رضي الله عنه- قوله: أتاني نبي الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا نائم في مسجد المدينة فضربني برجله، وقال: "ألا أراك نائما فيه؟ قال: قلت يا نبي الله غلبتني عيني، قال: كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ قال: قلت آتي الشام الأرض المقدسة، قال: فكيف تصنع إذا أخرجت من الشام قال: أعوذ بالله ....".
ومن أعجب العجب العجاب أن الأعداء يدركون حقيقة أن الأقصى إذا حازه المسلمون تكون لهم القوَّة والغلبة والرفعة والتمكين، فيبذلون جهدهم ويمكرون مكر الليل والنهار ويحرصون ويسعون لإبعادنا عنه، إلا أننا أضعنا البوصلة الحقيقية لاستعادة المجد والمكانة الحقيقية لها.
ومن المواقف التاريخية التي تؤكد وتُرسِّخ مفهوماً مُهماً في نفوس المسلمين، أن الأمة بأسرها بلا مسرى الحبيب -صلى الله عليه وسلم– لا وجود لها ولا مكانة بين الأمم؛ ما سطرته كتب التاريخ من إقدام وشجاعة أمير الموصل مودود، وتحريضه الأمراء والقادة وشحذ هممهم لاسترجاع بيت المقدس.
ففي سنة (505هـ) بعث السلطان (غياث الدِّين) جيشًا كثيفًا، صحبة الأمير (مودود بن زنكي) صاحب الموصل، في جملة أمراء ونواب، منهم (سكمان القطبي)، صاحب تبريز، و(أحمد يل) صاحب مراغة، والأمير (إيلغازي) صاحب ماردين، وعلى الْجَمِيعِ الْأَمِيرُ (مَوْدُودٌ) صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، لِقِتَالِ الْفِرِنْجِ بِالشَّامِ، فَانْتَزَعُوا مِنْ أَيْدِي الْفِرِنْجِ حُصُونًا كَثِيرَةً، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً ولله الحمد، وَلَمَّا دَخَلُوا دِمَشْقَ دَخَلَ الْأَمِيرُ (مَوْدُودٌ) إِلَى جَامِعِهَا لِيُصَلِّيَ فِيهِ فَجَاءَهُ بَاطِنِيٌّ فِي زِيِّ سائل فطلب منه شيئاً فأعطاه، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُ ضَرَبَهُ فِي فُؤَادِهِ فَمَاتَ من ساعته2.
يقول ابن الأثير عن الأمير مودود رحمه الله: "وَكَانَ خَيِّرًا، عَادِلا، كَثِيرَ الْخَيْرِ. حَدَّثَنِي وَالِدِي قَالَ: كَتَبَ مَلِكُ الْفِرِنْجِ إِلَى طُغْتِكِينَ، بَعْدَ قَتْلِ مَوْدُودٍ، كِتَابًا مِنْ فُصُولِهِ: أَنَّ أُمَّةً قَتَلَتْ عَمِيدَهَا. يَوْمَ عِيدِهَا. فِي بَيْتِ مَعْبُودِهَا. لَحَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُبِيدَهَا"3.
حَرِصَ العلماء والقادة والعظماء على خَلْقِ وعيٍ وصناعة جيلٍ تعيش معه قضية الأقصى في جميع أحوالهم وظروفهم، وأن تتصدر همومهم وأولوياتهم ومسؤولياتهم علمًا وعملاً تنظيرًا وتطبيقًا.
ذكر (أبو شامة المقدسي) في كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين": "أنه جاء إلى نور الدِّين ذات يوم جماعة من العلماء فقالوا: جئنا نروي عنك بسند متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا مسلسلاً قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبتسم، فتبسم نروه عنك. فالتفت إليهم نور الدين والهمُ يَعصر فؤاده وهو يقول: "كيف ابتسم والمسجد الأقصى راسف في قيود الذُّل والهوان، تحت سنابك خيل الأعداء"4؟!.
هذه الحقيقة راسخة في وجدان ذلك القائد الهمام، لذلك كان يقول: "إِذا كَانَ معي ألف فَارس فَلَا أُبَالِي بهم –أي الأعداء- قلوا أَو كَثُرُوا، وَوَاللَّه لا أستظل بجدار حَتَّى اخذ بثأر الإِسْلام وثأري"5.
ويذكر (أبو شامة المقدسي) البيت المقدس بوصف جميل، ما جعل القائد الهمام صلاح الدين مستنفرًا حريصًا أشد الحرص على استعادته وتحريره من الاحتلال الصليبي، فيقول: "فَمَا أَجَلَّهُ وأعظمه، وأشرفه وأفخمه، وَأَعلاهُ وَأَجْلاهُ، وأسماه وأسناه، وأيمن بركاته وأبرك ميامنه، وَأحسن حالاته وَأحلى محاسنه، وأزين مباهجه وأبهج مزاينه، وَقد أظهر الله طُوله وَطَوْله بقوله: (الَّذِي باركنا حوله) وَكم فِيهِ من الآيَات الَّتِي أَرَاهَا الله نَبيه، وَجعل مسموعنا من فضائله مرئية"، وَوصف للسُّلْطَان من خَصَائِصه ومزاياه، مَا وثق على استعادة آلائه مواثيقَه وألاياه، وَأقسم لا يبرح حَتَّى يبر قَسمُه، وَيُرْفَع بأعلاه عَلَمُه، وتخطو إِلَى زِيَارَة مَوضِع الْقدَم النَّبَوِيَّة قدمُه6، ويصغي إِلَى صرخة الصَّخْرَة، وَسَار واثقًا بِكَمَال النُّصْرَة7.
تشير مكاتبات ورسائل وبشارات العلماء الأفذاذ في وصف الفتح الصلاحي لبيت المقدس سنة 583هـ، إلى تلك المحبة المتجذرة والحرص العظيم والفرح الشديد باستعادة المسجد الأقصى إلى حياض الأمة، ما اعتبروه فتحًا عظيمًا ونقطةً فارقةً في تاريخ ومجد الأمة الإسلامية.
يقول العلامة الإمام (خليفة القاضي الفاضل الهمام، عماد الدين القرشي الأصبهاني) واصفًا تحرير المسجد الأقصى المبارك: "الْحَمدُ لله الَّذِي أنْجز لِعِبَادِهِ الصَّالِحين وعد الاسْتِخْلاف، وقهر بِأَهْل التَّوْحِيد أهل الشّرك وَالْخلاف، وَخَصَّ سُلْطَان الدِّيوَان الْعَزِيز بِهَذِهِ الْخلافَة، وَمكَّن دينه المُرتضى، وَبَدَّل الأَمْن من المخافة، وَذخر هَذَا الْفَتْح الأَسْنَى والنصر الأهنى للعصر الإمامي النَّبَوِيّ الناصري على يَد الْخَادِم؛ أخْلص أوليائه، وأخصِّ مَنِ اعتزازُه باعتزائه إِلَيْهِ وانتمائه. وَهَذَا الْفَتْح الْعَظِيم والنُّجح الْكَرِيم قد انقرض من الْمُلُوك الْمَاضِيَة، والقرون الخالية على حسرةِ تمنِّيه، وحيرة ترجيه، ووحشة الْيَأْس من تسنِّيه، وتقاصرت عَنهُ طوال الهِمَم، وتخاذلت عَن الِانْتِصَار لَهُ أَمْلَاكُ الأُمَم، فَالْحَمْد لله الَّذِي أعَاد الْقُدُس إِلَى الْقُدْس، وأعاذه من الرِّجس، وحقَّق من فَتْحه مَا كَانَ فِي النَّفس، وَبدَّل وَحْشَة الْكُفْر فِيهِ من الإِسْلَام بالأُنس، وَجعل عِزَّ يَوْمه ماحياً ذُلَّ الأمس، وَأَسْكَنَهُ الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء بعد الْجُهَّال والضُّلال من البطرك والقَسّ، وَعَبدَة الصَّلِيب ومستقبلي الشَّمْس، وَقد أظهر الله على الْمُشْركين الضَّالّين جُنُودَه الْمُؤمنِينَ الْعَالمين، وَقطع دابر الْقَوْم الظَّالِمين، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، فَكَأَن الله شَرَّف هَذِه الْأمة، وَقَالَ لَهُم اعزموا على اقتناء هَذِه الْفَضِيلَة الَّتِي بهَا فَضَّلكُمْ، وحقق فِي حَقهم امْتِثَال أمره فِي قَوْله الْكَرِيم: (ادخُلُوا الأَرْض المقدسة الَّتِي كتب الله لكم)"8.
إن الموقف التاريخي للسلطان (عبد الحميد الثاني) يجسد هذا المعنى ويرسخ هذا المفهوم بأن فلسطين جزءًا مهمًا في كيان الأمة لا يمكن التنازل عنه، لما طلب منه (هرتزل) بتسهيل الإجراءات والسماح لليهود بالهجرة لفلسطين، فردَّ عليه السلطان العثماني قائلاً: "لا أستطيع بيع حتى ولو شبر واحد من هذه الأرض؛ لأن هذه الأرض ليس مُلكاً لشخصي بل هي ملكٌ للدولة العثمانية، نـحن ما أخذنا هذه الأراضي إلا بسكب الدماء والقوة ولن نسلمها لأحد إلا بسكب الدماء والقوة، والله لئن قطعتم جسدي قطعة قطعة لن أتخلى عن شبرٍ واحد من فلسطين".
لقد عرض (هرتزل) على السلطان (عبد الحميد) مناصرة اليهود له، وسداد ديون الدولة العثمانية مقابل السماح لليهود بإقامة دولة خاصة بهم في فلسطين، فأبى كل الإباء، بل وعمل على منع توطين اليهود في تلك الديار، فما كان من اليهود إلا أن ثلوا عرشه، وأزالوا ملكه، وحققوا مرادهم الذي خططوا له9.

تبقى قضية الأقصى المبارك قضية أمة بأكملها، وهي عنوان ولب ومحور الصراع بين الحق والباطل إلى قيام الساعة، يقول عليه الصلاة والسلام: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال"10.
وأخيرًا: هذه شذرات ووقفات وإشارات تقودنا لحقيقةٍ مهمةٍ، يُراد تغييبها وطمسها واختزالها؛ وهي أن الأمة لن تقوم لها قائمة ولن تستعيد مكانتها وقوتها ورفعتها وسؤددها ورقيها ونهضتها وتقدمها وازدهارها، إلا إذا استعادت المقدسات وطهرتها من دنس الغاصبين وحافظت عليها وعملت على رعايتها وعمرانها حسيًا ومعنويًا.


سلسلة بيت المقدس للدراسات- العدد 27
ذو القعدة 1441هـ - يوليو 2020م
----------
الهوامش:
1- أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/47)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/100).
2- البداية والنهاية (12/213).
3- الكامل في التاريخ (8/596).
4- تذكير النفس بحديث القدس، د. سيد العفاني (1/281).
5- الروضتين في أخبار الدولتين، لأبي شامة المقدسي (1/398).
6- لا يجوز تتبع آثار النبي عليه الصلاة والسلام وتعظيمها وقصدها بالزيارة فيما لو ثبتت، فكيف والحال أنه لا دليل على تحديد بقعة بعينها أنه صلى الله عليه وسلم عرج به منها.
7- الروضتين في أخبار الدولتين (3/338).
8- الروضتين في أخبار الدولتين، لأبي شامة المقدسي (3/346-347).
9- وليتبروا ما علوا تتبيرا، للشيخ عمر الأشقر، ص13.
10- صحيح الجامع برقم (2526).









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #125  
قديم 22-07-2020, 02:09 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

مكانة بيت المقدس في الإسلام وعند المسلمين


عبد الحليم عويس



إنَّ تعرُّفَنا على مكانة بيْت المقدس في الإسلام يُلزمنا بالرجوع إلى المصادر الإسلاميَّة الأساسيَّة: القرآن والسنة، ثمَّ عمل الصَّحابة وإجْماع الأمَّة، مكتفين بتقديم بعضِ النصوص الواردة في الموضوع.

يقول القرآن الكريم: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ» [الإسراء: 1].

وقد أُسري بالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعُرِج به إلى السَّماء قبل الهجرة النبويَّة بعام وبضعة أشهر، ويقول الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «لا تُشَدُّ الرّحال إلاَّ لثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» [1]؛ متفق عليه.

ويقول أيضًا: «فُضِّلت الصلاة في المسجد الحرام على غيرِه بمائة ألْف صلاة، وفي مسجدي بألف صلاة، وفي مسجد بيْت المقدس بخمسمائة صلاة» [2]؛ رواه الإمام أحمد.

ويقول أبو ذر الغفاري: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ مسجد وُضِع في الأرض أوَّلاً؟ قال: «المسجد الحرام»، قلتُ: ثمَّ أيّ؟ قال: «المسجد الأقصى» ، قلتُ: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنَة» [3]؛ متَّفق عليه.


ويقول أبو أُمامة الباهلي: إنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ، لعدوِّهم قاهرين، لا يضرهم مَن خالفهم، حتى يأتيَهم أمر الله - عزَّ وجلَّ - وهم كذلك»، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» [4]؛ رواه الإمام أحمد في "مسنده".

إنَّ المسجد الأقصى كما نرى من النصوص الإسلامية:
♦ مسرى الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومنطقة عروجه.
♦ وهو أولى القِبلَتين.
♦وثاني مسجدَين وُضِعَا في الأرض.
♦ وهو منزل مبارَك تُضاعَف فيه الحَسنات، وتُغفر فيه الذنوب.

عند الصحابة والتابعين:
وبهذه القداسة، وبناءً على هذه المكانة، نظر المسلمون إلى بيت المقدس على أنه مزارٌ شريف، ومنزل مبارك وموضِع مقدَّس كريم، فشدُّوا إليه الرِّحال، وأحرموا منْه للحج والعمرة، وزاروه لذاتِه بغية الصَّلاة والثَّواب، وأحاطوه برعايتهم الدينيَّة الكريمة.

وقد أحرم الخليفة عمر بن الخطَّاب نفسه للحج والعمرة من المسجد الأقْصى، وقدِم سعد بن أبي وقَّاص قائد جيشِ القادسية إلى المسجد الأقصى فأحرَم منه بعُمرة، وكذلك فعَل الصَّحابة: عبدالله بن عمر، وعبدالله بن عبَّاس، ومحمود بن الربيع الأنصاري الخزرجي[5].

أمَّا الصحابة والفُقهاء وأعلام الفِكْر الإسلامي الذين زاروا بيت المقدس، وبعضُهم أقام فيه، فهُم أكثر من أن يُحصَوا، وحسبُنا أن نذكُر بعضهم لندلَّ على المكانة الدينيَّة التي احتلَّها بيتُ المقدس في فِكْر المسلمين وحضارتِهم.
فمِن هؤلاء[6]: أبو عبيدة بن الجرَّاح، وصفيَّة بنت حُيَي زوْج رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومعاذ بن جبَل، وبلال بن رباح مؤذِّن الرسول - الذي رفَض الأذان بعدَ وفاة الرسول، فلم يؤذِّن إلاَّ بعد فتْح بيت المقدس - وعياض بن غُنم، وعبدالله بن عمر، وخالد بن الوليد، وأبو ذر الغفاري، وأبو الدَّرداء عوَيمر، وعُبادة بن الصَّامت، وسلمان الفارسي، وأبو مسعود الأنصاري، وتميم الداري، وعمرو بن العاص، وعبدالله بن سلام، وسعيد بن زيد، وشدَّاد بن أوس، وأبو هريرة، وعبدالله بن عمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وعوف بن مالِك، وأبو جمعة الأنصاري، وكل هؤلاء مِن طبقة صحابة الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.

ومن التَّابعين والفقهاء الأعلام: مالك بن دينار، وأويْس القرني، وكعْب الأحْبار، والإمام الأوزاعي، وسفْيان الثَّوري، وإبراهيم بن أدهم، ومقاتل بن سفيان، واللَّيْث بن سعد، ووكيع بن الجرَّاح، والإمام الشافعي، وأبو جعفر الجرشي، وبشر الحافي، وثوبان بن يمرد[7]، ذو النون المصري، وسُليم بن عامر، والسري السقطي، وبَكْر بن سهل الدمياطي، وأبو العوَّام مؤذِّن بيت المقدس، وسلامة المقدس الضرير، وأبو الفرج عبدالواحد الحنبلي، والإمام الغزالي، والإمام أبو بكر الطرطوشي، والإمام أبو بكر العربي، وأبو بكر الجرجاني[8]، وأبو الحسن الزهري... ومئات غيرهم.

خلفاء وملوك زاروا القدس:
ومن الخلفاء الذين زاروا بيتَ المقدس: عمر بن الخطاب، ومعاوية بن أبي سفيان[9]، وعبدالملك بن مروان، وعمر بن عبدالعزيز، والوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك الذي همَّ بالإقامة في بيت المقدس واتِّخاذها عاصمةً لدولته بدل دمشق، وأبو جعفر المنصور، والخليفة المهدي بن المنصور، وغيرهم مِن خلفاء الأيوبيين والمماليك والعثمانيين.

وقد درج بعضُ الخلفاء والملوك - بدءًا من العصر المملوكي - على كَنْس الصَّخرة وغسلها بماء الورْد بأيديهم، ومن هؤلاء: الظاهر بيبرس، والملِك العادل زين الدين كتبغا المنصوري، والملك الناصر محمد بن قلاوون، وأخوه السلطان حسن والملك الظاهر برقوق، والملِك الأشْرف برسباي، والملِك الأشرف إبنال، والملِك الأشرف قايتباي، والسلطان سليمان القانوني، والسلطان محمود الثاني، والسلطان عبدالمجيد، والسلطان عبدالعزيز، والسلطان عبدالحميد الثاني، وغيرهم[10].

حماية بيت المقدس حق للمسلمين لا اليهود:
نحن - المسلمين - نؤمِنُ عن يقينٍ نابع من الإسلام أنَّ بيت المقدس وما حولَه إنَّما هو أرضٌ مقدَّسة، لا نستطيع أن نفرِّط فيها إلاَّ إذا فرَّطنا في تعاليم ديننا.

وغنيٌّ عن التأكيد أنَّنا - وحْدَنا في الأرض بالأمس واليوم - الذين نؤمِن بكلِّ الأنبياء ونُكرمهم ونُنزههم عن كل نقصٍ، بدءًا من آدم وإبراهيم ونوح، وحتَّى موسى وعيسى ومحمَّد - عليهم جميعًا السَّلام - وليس في دِيننا نصٌّ واحد - لا في القرآن الكريم ولا في السنَّة النبوية الشريفة - يَنسبُ إلى أي نبي فاحشةً أو جريمة أو كذبًا.

ولا يُقبل إيمانُ المسلم إلاَّ إذا آمَنَ بكلِّ الأنبياء وأنزلهم جميعًا منزلة كريمة؛ {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285].
{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 126].

وفي القرآن الكريم عشراتُ الآيات التي تتناول كلَّ نبي على حِدَة، وتُثبت له كلَّ كريم من الخُلُق، وتَنفي عنه كلَّ ما حاول بعضُهم إلْصاقه به، وتَحكي للمسلم قصة جهاده في أداء رسالته، وما لاقاه من الأذى المادي والمعنوي؛ لتوحي إلى المسلم أن يَحذوَ حَذْوه؛ لأنَّ رسالة الأنبياء منذ نوح وحتى محمد - صلَّى الله عليهم أجمعين - رسالةٌ واحدة، تَنبِع من مصدر واحد، وتهدف إلى غايات واحدة، ويُكمِّل بعضها بعضًا[11].

وبالتَّالي، وانطلاقًا مِن هذا الإيمان الكامل نقف نحن - المسلمين - حُماة لكل التراث والمقدَّسات الدينيَّة السَّماويَّة، وذلك بأمر دِيننا الذي مثَّل آخِرَ حلقة في سلسلة الوحْي السَّماوي، والذي حمل أتباعه - نتيجة هذا - مسؤولية إنسانيَّة عامَّة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78].

وإنَّ حقيقة هذه المسؤوليَّة العامَّة وقيمتها، لتتَّضح إذا قارنَّاها بالموقِف اليهودي مِنَ الأنبياء، وهو ذلك الموقف الذي لا يؤهِّلهم لأي لونٍ من ألوان الحماية أو الهيمنة على أيَّة مقدسات دينيَّة في الأرض.

إنَّ التوارة نفسها - والإنجيل والقرآن أيضًا - تصِفُهم في مواضع عديدة بأنَّهم "قتَلة الأنبياء" ومُشوِّهوهم، و"أولاد الأفاعي"، و"الضَّالون والعُميان"، و"الملعونون بكفرهم"، وتقول: "قال الرَّب: ها أنذا جالبٌ شرًّا على أورشليم ويهوذا، وأدفعهم إلى أيدي أعدائهم غنيمة ونهبًا لجميع أعدائهم؛ لأنَّهم عملوا الشَّرَّ في عيني"[12].

وتقول: "ها أنذا جالب الشَّر على هذا الموضع وسكَّانه؛ من أجْل أنهم تركوني وأوقدوا لآلهةٍ أخرى؛ لكي يغيظوني بكلِّ عملِ أيديهم، فيشتعل غضبي على هذا الموضع ولا ينطفِئ"[13].

وتقول: "إنَّ الله قال: اذهب: قل لهذا الشَّعْب: اسمعوا سمعًا، ولا تُقهقِهوا، وأبصروا إبصارًا، ولا تعرفوا غِلظَ قلب هذا الشَّعب، وثقل أذنيه، وأطمس عينيه؛ لئلا يبصرَ بعينيْه ويسمع بأُذنيه ويَفهم بقلبه"[14].

وتقول: "وصار مرشدو هذا الشَّعب مضلِّين؛ لأجل ذلك لا يفرح الرَّب بفتيانِه، ولا يرحم أيتامَه وأراملَه؛ لأنَّ كلَّ واحد منهم منافِق وفاعل شرٍّ"[15].

وتسجِّل كتبهم التاريخية أنهم قتلوا من الأنبياء: "حزقيال"، و"أشعيا بن أموص"، و"آرميا"، و"زكريا"، و"يحيى بن زكريا"[16]، كما أنَّهم حاوَلوا قتْل "عيسى"، و"محمَّد" - عليهما الصَّلاة والسَّلام - وتواطؤوا ضدَّهما وضدَّ أتباعهما.

وفي "التوراة" أنَّ إسرائيل "النبي يعقوب" أصرَّ على محْق العرب الكنعانيِّين وعدم الاعتراف لكنعان بحقِّ الحياة "حتَّى لو اعتنق العربُ اليهوديَّة"؛ لأنَّها دين إسرائيل وحْده[17]، وهو أمرٌ محرَّف؛ لأنَّ يعقوب نبي الله ولا يصدُر عنْه هذا التصرُّف الظالم.

وفيها أيضًا أنَّ كلَّ البشر غير اليهود كلاب وخدَم لليهود، ففي أصل الديانة وهي تقول على لسان اليهود:
"لم نأخذْ أرضًا لعرب، ولم نستولِ على شيء لأجنبي، ولكنَّه ميراث آبائنا الذي كان أعداؤنا قد استولَوْا عليه ظلمًا"[18].

وتقول: "استيلاء اليهود على ما يَملِكه الغوييم - أي: غير يهود - حقٌّ وعَمَل تصحبه المسرَّة الدائمة".
وتقول: "يستحقُّ القتلَ كلُّ غوييم - أي: غير اليهود - حتَّى ذَوو الفضل منهم".
فهل يمكن أن يؤتمنَ ناسٌ - هذه تعاليم كُتبهم المقدَّسة - على التراث الدِّيني، أو على الحضارة البشرية؟! ويقول القرآن الكريم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} [آل عمران: 112].
فهل يصلُحُ ناسٌ هذا موقفهم لحماية تراث الأنبياء؟!
وأين موقف الإسلام والمسلمين من موقف اليهوديَّة واليهود؟!
ومَن يا ترى أَوْلى بحفظ هذا التراث وحمايته؟!

والمسلمون منذ أربعة عشر قرنًا يَنظرون إلى بيْت المقدس نظرةَ تقديس، على أنَّه مركز لتراث دِيني كبير تجب حمايتُه، وهم يربطون ربطًا كاملاً وثيقًا بيْن المسجد الحرام في مكَّة والمسجد الأقصى في القُدس، وينظرون إلى القُدس نظرةً تقترب من نظرتهم إلى مكَّة، فإليهما يشدُّون الرِّحال، وفي كليهما تراث ديني ممتدٌّ في التَّاريخ.

وإذا كان المسلمون في كلِّ بقاع الأرض أصبحوا يتَّجهون في صلاتهم إلى المسجد الحرام، فإنَّهم لا ينسَوْن أنَّ نبيَّهم محمَّدًا وأسلافهم الصَّالحين قد اتَّجهوا - قبل نزول آيات حديث القِبلة إلى الكعبة - إلى المسجد الأقْصى أُولى القِبلتين، ولا زالت مدينة الرسول - عليْه الصَّلاة والسَّلام - تضم مسجدًا يسمى "مسجد القبلتين" شاهدًا حيًّا على الترابط الديني بين مكَّة والقدس، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى.

وإذا ذَكَر المسلم بحسِّه الديني الممتد، ووَعْيه التاريخي الإسلامي - بيتَ المقدس، فإنَّه يذكر أنَّه المكان الذي كلَّم الله فيه موسى، وتاب على داود وسليمان، وبشَّر زكريا بيحيى، وسخَّر لداود الجبال والطَّير، وأوْصى إبراهيم وإسحاق أن يُدفنا فيه، وفيه وُلِد عيسى، وتكلَّم في المهد، وأُنزِلت عليه المائدة ورُفِع إلى السَّماء، وماتَت مريم[19].

إنَّ هذا هو موقف المسلم من الأنبياء وتُراثهم ومن بيت المقدس، وهو موقفٌ يقوم على التقْدير والتَّقديس والشعور بالمسؤوليَّة الدينيَّة والتاريخيَّة.


[1] متفق عليه.
[2] رواه الإمام أحمد.
[3] متفق عليه.
[4] رواه الإمام أحمد في "مسنده".
[5] انظر: الأنس الجليل 1/260-266، ومحمد الفحام؛ المسلمون واسترداد بيت المقدس، ص34 وما بعدها، نشْر الأزهر، والإحرام في الإسلام قبل الميقات، وهو أمر معروف والمهم ألا يتعدَّى المَيقات.
[6] انظر: ابن سعد؛ "الطبقات الكبرى" 7/424، طبعة بيروت.
[7] "الطبقات" 7/464.
[8] "الأنس الجليل"، ص575 وما بعدها.
[9] انظر: ابن سعد؛ "الطبقات الكبرى" 7 /406.
[10] انظر: د. رشاد الإمام؛ "مدينة القدس في العصر الوسيط"، ص62 وما بعدها.
[11] انظر: "حقيقة هذه الوحدة في الآيات" (83- 90).
[12] "سفر الملوك الثاني" 21 /12 - 15.
[13] "سفر الملوك الثاني" 21 /16 - 17.
[14] "سفر أشعيا" 6/1208.
[15] "سفر أشعيا" 9/13- 17.
[16] انظر: نبيل شبيب، "الحق والباطل"، ص 18 - أخن - ألمانيا.
[17] انظر: سفر المكابين الثاني.
[18] انظر: سفر المكابين الثاني.
[19] انظر: "الأنس الجليل" 1/239.










__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #126  
قديم 16-08-2020, 04:24 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

تلامذة التلمود

د. محمد قسم الله محمد إبراهيم


كلمة التلمود كلمة عبرية تعني الشريعة الشفوية والتعاليم ، وهو كتاب تعليم الديانة اليهودية بكل ما فيها من شطحات وسفاهات وأحقاد على العالم.
ويدَّعي اليهود أنّ موسى عليه السلام ألقى التلمود على بني إسرائيل فوق طور سيناء، وحفظه عند هارون ، ثم تلقاه يوشع من هارون ثم إليعازر وهلم جرا … حتى وصل الحاخام يهوذا حيث وضع التلمود بصورته الحالية في القرن الثاني قبل الميلاد وذلك على ما يزعمون.
والحقيقة أن التلمود هو كتاب مختلق يضم كل شيء عن هواجس وخرافات بني إسرائيل، ويعطي اليهود التلمود أهمية كبرى وتقديس منقطع النظير لدرجة أنهم يعتبرونه الكتاب الثاني ، والمصدر الثاني للتشريع ، حتي أنهم يقولون إنّه من يقرأ التوراة بدون المشناه والجمارة فليس له إله.
والمشناة والجمارة هما جزءا التلمود. فالمشناه Mishnah هي النسخة الأولى المكتوبة من الشريعة اليهودية التي كانت تتواتر شفويا والشريعة اليهودية الشفوية دُونت بواسطة يهوذا هاناسي أو يهوذا الأمير وعُرفت باسم الميشناه عام 200 م. أما الجماره Gemara فهى التى تتناول الميشناه بالبحث والدراسة وشروحات وتعليقات حاخامات وحكماء بنى صهيون. وفي القرون الثلاثة اللاحقة للعام 200م خضعت الميشناه للتحليل والدراسه والإضافه في كل من فلسطين وبابل أكثر أماكن تواجد اليهود في العالم في ذلك الزمان.
إذاً فالتلمود هو محض تدوين لنقاشات حاخامات اليهود حول الشريعة اليهودية والأعراف، وقصص التراث اليهودي ، وهو أيضا المصدر الأساسي لتشريع الحاخامات في الدعاوى القانونية والعامل المؤثر الرئيسي في الإيمان والمعتقد اليهودي . وكذلك فهو القاعدة الأساسية لجميع التشريعات القانونية اليهودية اللاحقة.
ولذلك فالمرتكز الأساسى لدولة إسرائيل هو هذا التلمود بكل ما فيه من خزعبلات أقلها الطعن فى الذات الإلهيه تعالى الله عن ما يزعمون علواً كبيراً ولو أنك إطلعت على بعض ما جاء فى هذا التلمود لتصبب عرقك مما يفترون.
ولا يختلف يهودى فى استمساكه بتشريعات التلمود أكثر من إستمساكه بالتشريعات السماويه التى أُنزلت على بنى إسرائيل عبر العصور لا يختلف فى ذلك المنتمين لحزب العمل أو الليكود أو حزب شاس الراديكالى. الشاهد أنَّ إعتناق اليهود للتلمود وتعاليمه وإجتهادهم فى التلمذه على مبادئه لا لشيئ إلا لأنَّ التلمود بهرطقاته يًُعلى من شأنهم بما يحتويه من أباطيل ما أنزل الله بها من سلطان ويجعلهم فى منزلة شعب الله المختار وهذا ما لم تُقره التشريعات السماويه على اختلافها وتواتر أزمانها. وعلى ما عُرف به اليهود من المعصيه فقد وجدوا ضالتهم فى التلمود هذا السفر الموضوع الذى أضفوا عليه سمة القداسه في مسعاهم الحثيث والخبيث لهيمنة العنصر اليهودى .
وقد تمكن اليهود وعبر السنوات من خدمة أغراضهم الإستعماريه والإستعلائيه على السواء مستندين على خبثهم ودهائهم وعلى تلمودهم الذى يجتمعون حول ضلالاته بعصبيه غريبه منقطعة النظير حتى بلغ بهم الأمر السيطره على مفاصل الإقتصاد العالمى بل والتأثير على مجريات الأحداث السياسيه فى الكثير من بلدان العالم غير أنّ ما يدور عبر العصور فى الأراضى الفلسطينيه يدعو للتأمل فى المكر اليهودى على النحو الذى يجعلنا فى كل مره تتجدد فيها الأطماع الإسرائيليه فى المزيد من الأرض العربيه نسترجع أدبيات الصراع الأزلي لكن المؤسف أن سياسات التمدد اليهودى لا تزال تأخذ طريقها بطابع دينى مستمد من شريعة التلمود المزعوم..
وهذا االصراع الأزلى يرتبط بشكل جذري بتاريخ اليهود في المنطقه ونشوء الصهيونية والهجرة اليهودية إلى فلسطين ، والاستيطان فيها ، ودور الدول العظمى في أحداث المنطقة هذا من جانب ، بالمقابل وفي الجانب الآخر تتمحور القضية الفلسطينية حول تاريخ الفلسطينيين في نفس المنطقه الجغرافيه وقضية اللاجئين الفلسطينيين وشرعية إسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية بعدة مراحل ، وارتكابها للمجازر بحق الفلسطينيين وعمليات المقاومة الفلسطينيه ضد الإحتلال.
والمعلوم بالضروره أنَّ القضية الفلسطينية أو النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي مصطلح يشار به إلى الخلاف السياسي والتاريخي والمشكلة الإنسانية في فلسطين بدءاً من عام 1880 وحتى يومنا الحالي ، ويُعتبر هذا النزاع القضية المركزية في الصراع العربي الإسرائيلي وسبب أزمة هذه المنطقة وتوترها. وبالرغم من أن هذا النزاع يحدث ضمن منطقة جغرافية صغيرة نسبياً ، إلا أنه يحظى باهتمام سياسي وإعلامي كبير نظراً لتورط العديد من الأطراف الدولية فيه وبمشاركه فاعله للدول العظمى في العالم نظراً لتمركزه في منطقة حساسة من العالم وارتباطه بقضايا إشكالية تشكل ذروة أزمات العالم المعاصر، مثل الصراع بين الشرق والغرب ، وعلاقة الأديان الإسلام والمسيحية واليهودية فيما بينها ، وعلاقات العرب مع الغرب ، وأهمية النفط العربي للدول الغربية ، وأهمية وحساسية القضية اليهودية في الحضارة الغربية خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية نتيجةً للتغلغل اليهودى متمثلاً فى جماعات الضغط واللوبيات اليهوديه فى صناعة رأى عالمى ينحاز لجانب اليهود وإظهارهم بمظهر المضطهد كما فى دعاوى الهولوكوست اليهودي وقضايا معاداة السامية.
أما علي الصعيد العربي فيعتبر الكثير من المفكرين والمنظرين العرب وحتى السياسيين أن قضية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي هي القضية والأزمة المركزية في المنطقة التي تنال إهتماماً واسعاً لدى القادة العرب في دعم القضية في كافة الأوساط والانتهاء بها إلى إثبات الحق العربي الفلسطيني في الأرض المحتلة وإعلان الدولة الفلسطينية كاملة السيادة.
والثابت تاريخياً أنَّ أطماع اليهود الغربيين في العصر الحديث في الأراضي الفلسطينية بدأت منذ عام 1530 م عندما حاول اليهودي الإيطالي يوسف ناسي الذي كان يعتبر أغنى رجل في العالم حينها بناء مستعمرة لليهود الغربيين يفرون فيها من الاضطهاد الذي يتعرضون له في الغرب . ثمَّ بدأ اليهود الغربيون في ثمانينيات القرن التاسع عشر تبني نظريات جديدة في استعمار الأراضي الفلسطينية تقوم على فكرة استبدال محاولات السيطرة المدنية أو السلمية بالسيطرة المسلحة، وقد كان من أكبر الداعمين لهذه النظرية الحركة الصهيونية العالمية التي قالت إن اليوم الذي نبني فيه كتيبة يهودية واحدة هو اليوم الذي ستقوم فيه دولتنا. ففي أواسط العام 1880، قامت الحركة الصهيونية في أوروبا بتكوين مجموعة "عشاق صهيون". كأول كتيبه يهوديه طالبت بإقامة دولة خاصة باليهود ، ورأى العديد من الصهاينة أن موقع هذه الدولة يجب أن يكون في المنطقة التي تعرف باسم فلسطين. وكانت فلسطين حينذاك جزءاً من الدولة العثمانية وتحظى بحكم محلي كولاية عثمانيه ، وكانت المنطقة مأهولة بالفلسطينيين العرب بشكل رئيسي.
لاقى هذا المشروع الصهيوني غضباً شعبياً عمَّ كل فلسطين، ورفضاً قاطعاً من كل الشخصيات السياسية آنذاك ، كان من بينهم زعماء سياسيين ودينيين وعسكريين ، وكانت تلك هي بدايات نشوء المقاومة الشعبية في فلسطين التي اكتسبت مداً شعبيا وتعاطفا عربياً كاسحاً من الشعوب العربية والقادة العرب.
أما بالنسبة للدول الغربية فقد رحبت بالمشروع الصهيوني في فلسطين ، فتلقى المشروع دعماً مالياً وعسكرياً ولوجستياً من دول كبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، والتي رأت في الدولة العبرية التي يطمح الصهاينة لإنشائها في فلسطين حماية لمصالحها في المنطقة.
وحينما أعلن الشريف حسين بن علي الثورة ضد الأتراك بإسم العرب جميعاً تحت مبادئ الثورة العربية التي وُضعت بالاتفاق ما بين الشريف حسين وقادة الجمعيات العربية في بلاد الشام والعراق في ميثاق قومي عربي غايته استقلال العرب وإنشاء دولة عربية متحدة قوية ، وكانت فلسطين من ضمن المناطق المكونة لهذه الدولة المرتقبه. وقد وعدت الحكومة البريطانية العرب من خلال مراسلات حسين - مكماهون (1915) بالاعتراف باستقلال العرب ورفع العلم العربى ذى الألوان الأربعه إبتداءاً من يونيو 1917 فى الذكرى السنويه الأولى للثوره العربيه مقابل إشراكهم في الحرب إلى جانب الحلفاء ضد الأتراك. إلا أن بريطانيا نقضت عهدها للعرب ، وتمت المصادقة على اتفاقية سايكس بيكو ومن ثم وعد بلفور لتكريس الوجود الصهيوني في فلسطين ، وفصل الأخيرة عن محيطها العربي ومنحها لقمةً مستساغةً فى طبق من ذهب لتلامذة التلمود الذين أحسنوا المحاوره والمناوره والمداوره تماماً كما علمهم حيي بن أخطب ويهوذا الأمير..
ولقد تبنت إنجلترا منذ بداية القرن العشرين وبإلحاح سياسة إيجاد كيان يهودي سياسي في فلسطين يكون في المستقبل مشغلة للعرب ينهك قواهم ويورثهم الهم الدائم ويعرقل كل محاولة للوحدة فيما بينهم .وفى سبيل خدمةً أغراضها الإستراتيجيه ومصالحها التوسعيه فى الشرق الأوسط قامت بريطانيا بتحويل مسار هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد إلي فلسطين وقامت بتوفير الحماية لهم والمساعدة اللازمة . وتوجت بريطانيا سياستها هذه بوعد بلفور الذي أطلقه وزير خارجيتها آنذاك آرثر جيمس بلفور بإسم ملكة بريطانيا لزعماء الحركة الصهيونية في الثاني من نوفمبر عام 1917 بتأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين.
ولقي هذا الإعلان معارضة العرب الشرسة ، ووجدت فلسطين نفسها فى المأزق الذي لا زال يكبلها حتى اليوم وتعددت المساعي الحميده والخبيثه علي السواء لحل المشكل العربى الإسرائيلي ومن ذلك ما يُعرف بخارطة تقسيم فلسطين وهي من أولي المحاولات لحل النزاع على أرض فلسطين فى العام1947 بواسطة الأمم المتحده وقضت بإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وتقسيم أراضيه إلي ثلاثة كيانات جديدة ، أي تأسيس دولة عربية وأخرى يهودية على تراب فلسطين وأن تقع مدينتا القدس وبيت لحم في منطقة خاصة تحت الوصاية الدولية ... وتوالت المحاولات التي دائماً ما تذروها الرياح .... كما توالت السنوات ... ولاتزال السلطة الفلسطينية ومنذ تأسيسها عام 1994عقب إتفاقية غزه أريحا، تفاوض على قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة وتقع في هاتين المنطقتين مدن فلسطينية كبيرة مثل القدس الشرقية وغزة ورام الله ونابلس والخليل. وتتخذ السلطة من مدينتي رام الله وغزة مقرا مؤقتا لمؤسساتها. وتشمل الضفة الغربية جغرافيا جبال نابلس و جبال القدس بما في ذلك الجزء الشرقي من مدينة القدس وجبال الخليل وغربي غور الأردن. وقد سمتها السلطات الأردنية بالضفة الغربية لأنها واقعة إلى الغرب من نهر الأردن بينما يقع معظم أراضي المملكة الأردنية الهاشمية شرقي النهر. أما قطاع غزة فهو شريط ضيق يمتد جنوب الشاطئ الفلسطيني على البحر المتوسط ذو الكثافة السكانية الأعلى بالعالم نتيجة لجوء أعداد كبيرة من فلسطينيي الداخل إليه بعد النكبة.
وتعتبر مكانة قطاع غزة السياسية معقدة بشكل خاص منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي منها عام 2005 دون اتفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية على طبيعة السلطة فيه، وكذلك بسبب استيلاء حركة حماس الراديكالية عليه رغم معارضة السلطة الفلسطينية لخطوة حماس تلك وما استتبع ذلك من صراع فلسطينى – فلسطيني لم يكن بطبيعة الحال في صالح القضيه برمتها. وتنفجر الأوضاع بشكل متزايد بين الحزبين الكبيرين_إن جاز التعبير_ فى فلسطين حزب فتح وحزب حماس وبينهما ما بينهما من التنافس المضمر والأجنده الخفيه ... فتاريخياً وفي العام 1964 تأسست منظمة التحرير الفلسطينية كمنظمة سياسية شبه عسكرية ، معترف بها في الأمم المتحدة والجامعة العربية وكممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني داخل وخارج فلسطين. وجاء تأسيسها بعد انعقاد المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في القدس نتيجة لقرار الجامعة العربية في اجتماعها الأول بالقاهرة عام 1964 لتمثيل الفلسطينيين في المحافل الدولية وهي تضم معظم الفصائل والأحزاب الفلسطينية تحت لوائها. ومن بينها حركة فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية... وغيرها. ويعتبر رئيس اللجنة التنفيذية فيها رئيسا لفلسطين والشعب الفلسطيني في الأراضي التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بالإضافة إلى فلسطينيي الشتات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي ليستا من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
كان الهدف الرئيسي من إنشاء المنظمة، هو تحرير فلسطين عبر النضال المسلح إلا أن المنظمة تبنت فيما بعد فكرة إنشاء دولة ديمقراطية علمانية ضمن حدود فلسطين التي أقرتها سلطة الإنتداب البريطاني.
وفي العام 1988 تبنت منظمة التحرير رسميا خيار الدولتين في فلسطين التاريخية ، والعيش جنبا لجنب مع إسرائيل في سلام شامل يضمن عودة اللاجئين واستقلال الفلسطينيين على الأراضي المحتلة عام 1967 وتحديد القدس الشرقية عاصمة للدوله الفلسطينيه ، وبحلول العام 1993 قام رئيس اللجنة التنفيذية بمنظمة التحرير آنذاك ياسرعرفات بالاعتراف رسميا بإسرائيل، في رسالة رسمية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين ، في المقابل اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني. نتج عن ذلك تأسيس السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي تُعتبر من نتائج اتفاق أوسلو بين المنظمة وإسرائيل.
أما كفة الميزان الأخرى فتمثلها الحركة الإسلامية في فلسطين والتي يُعبِّر عنها فصيلان رئيسيان، هما حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وحركة المقاومة الإسلامية (حماس). وكانت نشأة حركة الجهاد الإسلامي ثمرة تدافع سياسي شهدته الحركة الإسلامية الفلسطينية أواخر السبعينات وقادته مجموعة من الشباب الفلسطيني أثناء وجودهم للدراسه الجامعية في مصر، وكان على رأسهم مؤسس الحركة فتحي الشقاقي.
في أوائل الثمانينات وبعد عودة الشقاقي وعدد آخر من السياسيين إلى فلسطين تم بناء القاعدة التنظيمية لحركة الجهاد وبدأ التنظيم خوض غمار التعبئة الشعبية والسياسية في الشارع الفلسطيني بجانب الجهاد المسلح ضد إسرائيل، كحل وحيد لتحرير فلسطين.
أما بالنسبة لحركة حماس فأعلن عن تأسيسها الشيخ أحمد ياسين في ديسمبر 1987، حيث اجتمع سبعة من كوادر وكبار قادة جماعة الإخوان المسلمين العاملين في الساحة الفلسطينية، وكان هذا الاجتماع إيذانًا بانطلاق حركة حماس وبداية الشرارة الأولى للعمل الجماهيري ضد الاحتلال.
واشتعلت الانتفاضة فى العام1987 وهي التي أعادت القضية الفلسطينية إلى الأجندة العالمية من جديد بعد سنوات من الإهمال السياسي. وكان من أهم نتائج هذه الانتفاضة إضافة إلى الخسائر المادية التي ألحقتها بإسرائيل أن أزالت الخوف من صدور الشباب الفلسطيني وأعادت خيار المقاومة المسلحة إلى صدارة الحلول المطروحة لحل المشكلة الفلسطينية.
وأثناء ذلك قام المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر 1988 بإعلان استقلال دولة فلسطين على جزء من أرض فلسطين التاريخية، تم ذلك خلال انعقاد الدورة التاسعة عشرة (دورة الانتفاضة) المنعقدة في الجزائر.ويطلق إعلاميا على إعلان الاستقلال بوثيقة إعلان الاستقلال التي كتبها الشاعر محمود درويش وقرأها الرئيس الراحل ياسر عرفات. ومع نهاية الإعلان عزفت موسيقي الجيش الجزائري النشيد الوطني الفلسطيني. بعدها قامت مائه وخمسة دول بالاعتراف بهذا الاستقلال، وقامت منظمة التحرير بنشر سبعين سفيراً فلسطينياً في عدد من الدول المعترفة بالاستقلال.
لكن لم يستمتع الفلسطينيون بالحكم الذاتي على علاته إلا بعد تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية بموجب إتفاق أوسلو الذى تم التوقيع عليه في واشنطن في سبتمبر 1993 على أساس إعلان المبادئ بين الفلسطينيين والإسرائيليين حول الحكم الذاتي المرحلي ، وفي إطاره تم إعطاء الصلاحيات المدنية بشكل مؤقت لحين مفاوضات الوضع النهائي ، ويعول عليها أن تكون نواة الدولة الفلسطينية المقبلة على جزء من أرض فلسطين التاريخية وهي الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس، والتي طالما حلم بها الشعب الفلسطيني.
يقوم الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) بانتخاب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية وأعضاء المجلس التشريعي.
ويقوم الرئيس بتعيين المدعي العام ويختار رئيس الوزراء ويكون مسؤولا عن قوات الأمن والشرطة الفلسطينية ويقوم رئيس الوزراء باختيار مجلس الوزراء.
في الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير 1996 حصل ممثلو حركة فتح على الأكثرية البرلمانية محتلين خمسه وحمسين مقعدا من أصل ثمانيه وثمانين ولم تشارك حركة حماس في الإنتخابات. وفي الانتخابات التشريعية التاليه في يناير 2006 خسرت فتح الأكثرية البرلمانية في المجلس التشريعي الفلسطيني لتفوز بها حركة حماس بواقع سته وسبعين مقعداً من أصل مئه إثنين وثلاثين مقعداً ، مما أعطى حماس أغلبية في المجلس التشريعي ، وحيث لا تؤمن حماس بأي حق لليهود الذين أعلنوا دولتهم عام 1948 في فلسطين، ولكن لا تمانع في القبول مؤقتاً وعلى سبيل الهدنة بحدود 1967، ولكن دون الاعتراف لليهود الوافدين بأي حق لهم في فلسطين التاريخية.
وتعتقد حماس التي تتوزع قياداتها السياسية ما بين فلسطين والخارج أن مسيرة التسوية بين العرب وإسرائيل التي انطلقت رسميا في مؤتمر مدريد عام 1991 أقيمت على أسس خاطئة، وتعتبر اتفاق إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل والذي وقع عام 1993 ومن قبله خطابات الاعتراف المتبادل ثم تغيير ميثاق المنظمة وحذف الجمل والعبارات الداعية إلى القضاء على دولة إسرائيل تفريطا بحق العرب والمسلمين في أرض فلسطين التاريخية وبينما كانت المساعي تمضي حثيثة بدعم عربي للقضية الفلسطينية للوصول بتعقيداتها المتشابكة لتسوية سياسية مرضية لكن حماس بمواقفها الراديكالية المتطرفة أفسدت تلك الجهود الجادة وانحرفت بالقضية في مسار آخر تماماً يتسم بالصراع بين الطرفين فتح وحماس.
هذا الصراع المزمن يعيق الهدف الإستراتيجى ممثلاً في عودة الأرض العربيه وهو صراع بطبيعة الحال يعطل تسارع الخطى حثيثاً نحو تحقيق هذا الهدف الإستراتيجى بعيد المنال. وتعود جذور هذا الصراع عملياً بين الحركتين عندما وقع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مع إسرائيل عام 1994 إتفاق إعلان المبادئ الشهير بـ " اتفاق غزة أريحا "، فقد أعلنت حركة حماس رفضها الاتفاق وقررت مواصلة عملها العسكري ضد إسرائيل، وهو بالطبع ما حولها بعد نشوء السلطة الفلسطينية بموجب تطبيق اتفاق إعلان المبادئ والملاحق التابعة له لقوة المعارضة الرئيسية في الأراضي الفلسطينية.
ومنذ تلك الفترة، بدأت المناوشات وحرب التصريحات الإعلامية تظهر على الساحة بين حركة ( فتح ) التي ذابت تماماً داخل جسد السلطة الفلسطينية وحركة ( حماس ) التي اعتمدت الخطاب الديني المتزمت خطاً لمسيرتها، وازدادت شدة الاحتدام عندما بدأت الأخيرة بشن عمليات تفجيرية في قلب الدولة العبرية، فردت السلطة الفلسطينية تحت ضغوط كبيرة من الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة الأميركية بإعلان ( حماس ) تنظيماً محظوراً وشنت حملة إغلاق لمؤسساتها الخيرية والإعلامية واعتقلت العديد من كوادرها وأنصارها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
في مارس 2002 اجتاحت القوات الإسرائيلية كافة مدن الضفة الغربية، ودمرت غالبية مقرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وهو ما ولد معه مستجدات على الساحة، واقتربت حركتا (فتح) و(حماس) وفقاً لذلك نوعاً ما من بعضهما، ونفذتا عمليات عسكرية مشتركة ضد إسرائيل ولكن مرحلة الانفجار والتوتر بين الحركتين تجددت مع إعلان حركة (حماس) قرارها بترشيح نفسها لخوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي عقدت عام 2006، بعد عشر سنوات من رفض الحركة المشاركة في الانتخابات التي أجريت 1996. وبالتالي بدأت الغيره السياسيه لحركة (فتح) تسري مسراها كما رأت فى ذلك تهديداً جديداً لوجودها، ومارس قادة حركة (فتح) ضغوطا على الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن من أجل إرجاء الانتخابات التشريعية تحسباً لفوز حركة حماس.
ومع إعلان فوز حماس بأغلب مقاعد المجلس التشريعي حينها ثارت قيادات وأنصار حركة فتح، واستخدموا بالتالي خطاباً إعلامياً عنيفاً ضد حماس حمل لغة المنافسة والتحريض والاستقطاب .
وفي ظل موجة من التصريحات والاتهامات المتبادلة ، انطلقت شرارة الاقتتال الداخلي فى الأول من أكتوبر العام 2006 وسمي هذا التاريخ بيوم "الأحد الأسود أو الدامي" حيث وقعت اشتباكات بين عناصر من القوة التنفيذية التي أسستها حركة (حماس) أثناء تشكيلها لحكومتها الأولى، وعناصر من الأجهزة الأمنية التابعة لحركة (فتح) .
ووصلت بعدها درجة التحريض والاحتقان للذروة، وكانت أرضية خصبة مهدت لوقوع اشتباكات اشد عنفاً، انتهت في يونيو2007 عندما أحكمت حركة حماس سيطرتها العسكرية على قطاع غزة. وهو ما أسس لمرحلة تحارب وتحريض غير مسبوقة بين الحركتين، وبات المواطن الفلسطيني والعربي يسمع مصطلحات جديدة يتبادلها الطرفان، مثل الانقلابيون والخونة والزمرة الفاسدة، وغيرها من الكلمات ذات الطابع الاستفزازي والمحرض وتقول منظمة العفو الدولية في آخر تقاريرها إن الصراع بين حركتي فتح وحماس الفلسطينيتين يؤدي الى انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان.
والآن لا تزال الخلافات الفلسطينيه – الفلسطينيه تراوح مكانها . وتحت ظل هذا الصراع المتأجج بين فتح التي تتشبث ببضع كيلومترات ترزح تحت رحمة دولة الكيان فى الضفه ورام الله، وحركة حماس تنفرد بقطاع غزه فإن شقة الخلاف تتسع والخاسر الكبير هى القضيه الفلسطينيه فى المقام الأول والحال هكذا يفقد الشارع العربى والفلسطينى الثقه فى كلتا الحركتين التين كانتا يُعوَّل عليهما الكثير وليس التصارع على كراسى ليست كاملة الأهلية والعدو ينخر كالسوس مستثمراً لهذا الصراع فما بين الإتهامات التى تطعن فى أخلاقيات قادة فتح وسلوكياتهم فضلاً عن ذممهم الماليه على النحو الذى تحدث عنه مسئول أمنى سابق فى السلطه الفلسطينيه مما تناقلته وسائل الإعلام وقتها، و قضية إبن القيادى فى حركة حماس القابع فى السجون الإسرائيليه حسن يوسف الإبن الذى إسمه مصعب أصدر كتاباً أعلن فيه عمالته لإسرائيل وبدل إسمه إلى جوزيف بدلاً عن مصعب بعد أن إعتنق المسيحيه .. فتأمل كيف اخترقت إسرائيل فتح وحماس، وقبلها يذكر الناس الخلافات الشهيره بين الرئيس محمود عباس أبو مازن والرئيس الراحل ياسر عرفات وغير ذلك من الخلافات المتجدده بينما يري العالم كيف أسس هؤلاء اليهود لأنفسهم نظام حكم مستقر يرسخون به لأنفسهم في ظل هذا الصراع المخزي بين الإخوه الأعداء فتح وحماس.
وكل العالم شهد عمليات الإستيطان المستمره وعمليات ضم المقدسات الإسلاميه للتراث اليهودي، تخسر فتح وتخسر حماس وتخسر القضية الفلسطينية برمتها حينما تتصارع الثيران فى مستودع الخزف حيث المستفيد الأوحد هم هؤلاء التلامذه النجباء .. تلامذة التلمود.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #127  
قديم 01-09-2020, 12:56 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

صلاح الدين.. أخلاق الفارس الإسلامي (في ذكرى وفاته: 27 من صفر 589هـ)






أحمد تمام




شاءت الأقدار أن يتولى صلاح الدين الأيوبي الوزارة للخليفة العاضد الفاطمي، سنة (564هـ = 1168م)، خلفا لعمه “أسد الدين شيركوه” الذي لم ينعم بالوزارة سوى أشهر قليلة، وبتوليه هذا المنصب تغيرت حركة التاريخ في القرن السادس الهجري، فسقطت دولة كانت في النزع الأخير، وتعاني سكرات الموت، وقامت دولة حملت راية الجهاد ضد الإمارات الصليبية في الشام، واستردت بيت المقدس من بين مخالبهم، بعد أن ظل أسيرا نحو قرن من الزمان.

صلاح الدين وزيرًا

شهدت السنوات الأخيرة من عمر الدولة الفاطمية في مصر صراعا محموما بين “شاور” و”ضرغام” على منصب الوزارة، ولم ينجح واحد منهما في حسم الصراع لمصلحته، والانفراد بالمنصب الكبير، فاستعان كل منهما بقوة خارجية تعينه على تحقيق هدفه؛ فاستعان ضرغام بالصليبيين، واستعان الآخر بنور الدين محمود سلطان حلب، فلبَّى الفريقان الدعوة، وبدأ سباق بينهما لاستغلال هذا الصراع كلٌّ لصالحه، والاستيلاء على مصر ذات الأهمية البالغة لهما في بسط نفوذهما وسلطانهما في تلك المنطقة.

وانتهى الصراع بالقضاء على الوزيرين المتنافسين سنة (564هـ = 1168م)، وتولى “أسد الدين شيركوه” قائد حملة نور الدين منصب الوزارة للخليفة العاضد الفاطمي، ثم لم يلبث أن تُوفي شيركوه فخلفه في الوزارة ابن أخيه صلاح الدين الذي كان في الثانية والثلاثين من عمره.

وزير سنِّي في دولة شيعية

كانت المفارقة أن يتولى صلاح الدين السُّني المذهب الوزارة لدولة شيعية، وأن يدين في الوقت نفسه بالولاء لنور الدين الزنكي سلطان حلب التابع لدولة الخلافة العباسية، وتحولت مهمته من منع مصر من السقوط في أيدي الصليبيين إلى السعي في ردها إلى أحضان الخلافة العباسية.

ولم يكن لصلاح الدين من سابق الأعمال أو خبرة السنين ما يُسَهِّل عليه القيام بهذه المهمة الصعبة، لكنه نجح في أدائها على نحو يثير الإعجاب، والتقدير، واستعان في تحقيقها بوسائل جديدة تدل على فرط الذكاء وعمق البصيرة، وحسن التصرف، وقوة الإدراك والوعي بحركة التاريخ، وتفضيل التغيير السلمي الواعي على غيره من وسائل التغيير، وتهيئة الأجواء له حتى لا تصطدم به أي عوائق.

ولكي ينجح صلاح الدين في تحقيق هدفه كان عليه أن يقوي المذهب السني في مصر؛ حتى يتمكن من إسقاط الدولة الفاطمية، وإلغاء المذهب الإسماعيلي الشيعي، واستغرقت هذه المهمة ثلاث سنوات، لجأ في أثنائها إلى العمل المتأني والخطوات المحسوبة، فعزل القضاة الشيعيين، وأحل محلهم قضاة من أهل السنة، وأنشأ عددا من المدارس لتدريس الفقه السني.

حتى إذا وجد أن الفرصة المناسبة قد لاحت، وأن الأجواء مستعدة للإعلان عن التغيير، أقدم على خطوة شجاعة، فأعلن في الجمعة الأولى من شهر المحرم (567هـ = سبتمبر1171) قطْع الخطبة للخليفة الفاطمي الذي كان مريضًا وملازمًا للفراش، وجعلها للخليفة العباسي، فكان ذلك إيذانا بانتهاء الدولة الفاطمية، وبداية عصر جديد.

بناء الوحدة الإسلامية

قضى صلاح الدين السنوات الأولى بعد سقوط الدولة الفاطمية في تثبيت الدولة الجديدة، وبسط نفوذها وهيبتها على كل أرجائها، خاصة أن للدولة الفاطمية أنصارًا وأعوانًا ساءهم سقوطها، وأحزنهم إضعاف مذهبها الإسماعيلي، فناهضوا صلاح الدين، ودبروا المؤامرات للقضاء على الدولة الوليدة قبل أن يشتد عودها، وكان أشد تلك الحركات مؤامرة “عمارة اليمني” للقضاء على صلاح الدين، وفتنة في أسوان اشتعلت لإعادة الحكم الفاطمي، لكن تلك الحركات باءت بالفشل، وتمكَّن صلاح الدين من القضاء عليها تماما.

وبعد وفاة “نور الدين محمود” سنة (569هـ = 1174م) تهيأت الفرصة لصلاح الدين الذي يحكم مصر نيابة عنه، أن يتطلع إلى ضم بلاد الشام إلى حكمه؛ لتقوية الصف الإسلامي، وتوحيد الجهود استعدادا للوقوف أمام الصليبيين، وتحرير الأراضي المغتصبة من أيديهم، فانتهز فرصة استنجاد أحد أمراء دمشق به، فسار إلى دمشق، وتمكن من السيطرة عليها دون قتال سنة (570هـ = 1174م)، ثم على حمص وحماة وبعلبك، ثم أعلن عن استقلاله عن بيت نور الدين محمود وتبعيته للخلافة العباسية التي منحته لقب سلطان، وأصبح حاكما على مصر، ثم عاود حملته على الشام سنة (578هـ = 1182م)، ونجح في ضم حلب وبعض المدن الشامية، وأصبح شمال الشام كله تحت سيطرته، وتعهَّد حاكم الموصل بإرسال مساعدات حربية إذا طلب منه ذلك.

واستغرق هذا العمل الشاق من أجل توحيد الجبهة الإسلامية أكثر من عشر سنوات، وهي الفترة من سنة (570هـ = 1174م) إلى سنة (582هـ = 1186م)، وهي فترة لم يتفرغ فيها تماما لحرب الصليبيين.

من نصر إلى نصر

اطمأن الناصر صلاح الدين إلى جبهته الداخلية، ووثق تماما في قوتها وتماسكها، فانتقل إلى الخطوة الأخرى، وانصرف بكل قوته وطاقته إلى قتال الصليبيين، وخاض معهم سلسلة من المعارك كُلِّلت بالنصر، ثم توج انتصاراته الرائعة عليهم في معركة “حطين” سنة (583هـ = 1187م)، وكانت معركة هائلة أُسر فيها ملك بيت المقدس وأرناط حاكم حصن الكرك، وغيرهما من كبار قادة الصليبيين.

وترتب على هذا النصر العظيم، أن تهاوت المدن والقلاع الصليبية، وتساقطت في يد صلاح الدين؛ فاستسلمت قلعة طبرية، وسقطت عكا، وقيسارية، ونابلس، وأرسوف، ويافا وبيروت وغيرها، وأصبح الطريق ممهدا لأن يُفتح بيت المقدس، فحاصر المدينة المقدسة، حتى استسلمت وطلبت الصلح، ودخل صلاح الدين المدينة السليبة في (27 من رجب 583هـ = 2 من أكتوبر 1187م)، وكان يوما مشهودا في التاريخ الإسلامي.

ارتجت أوروبا لاسترداد المسلمين لمدينتهم المقدسة، وتعالت صيحات قادتهم للأخذ بالثأر والانتقام من المسلمين، فأرسلت حملة من أقوى حملاتهم الصليبية وأكثرها عددا وعتادا، وقد تألفت من ثلاثة جيوش ألمانية وفرنسية وإنجليزية، نجح جيشان منها في الوصول إلى موقع الأحداث، في حين غرق ملك ألمانيا في أثناء عبوره نهرًا بآسيا الصغرى، وتمزق شمل جيشه.

استطاع الجيش الفرنسي بقيادة “فيليب أغسطس” من أخذ مدينة عكا من المسلمين، واستولى نظيره الإنجليزي بقيادة “ريتشارد قلب الأسد” من الاستيلاء على ساحل فلسطين من “صور” إلى “حيفا”؛ تمهيدا لاستعادة بيت المقدس، لكنه فشل في ذلك، واضطر إلى طلب الصلح، فعُقد صلح بين الطرفين، عُرف بصلح الرملة في (22 من شعبان 588هـ = 2 من سبتمبر 1192م)، ولحق ريتشارد بملك فرنسا عائدا إلى بلاده.

إنجازات حضارية

يظن الكثير من الناس أن صلاح الدين شغلته أعمال الجهاد عن الانصراف إلى شئون الدولة الأخرى الحضارية، ولعل صورة الفارس المحارب صلاح الدين قد طغت على الجوانب الأخرى من شخصيته، فأخفت بعضا من ملامحها المشرقة وقسماتها المضيئة.

وأول عمل يلقانا من أعمال صلاح الدين هو دعمه للمذهب السني؛ بإنشائه مدرستين لتدريس فقه أهل السنة، هما المدرسة الناصرية لتدريس الفقه الشافعي، والمدرسة القمحية لتدريس الفقه المالكي، وسُميت بذلك؛ لأنها كانت توزع على أساتذتها ومعيديها وتلاميذها قمحًا، كانت تغله أرض موقوفة عليها، وفي الوقت نفسه قصر تولي مناصب القضاء على أصحاب المذهب الشافعي، فكان ذلك سببا في انتشار المذهب في مصر وما يتبعها من أقاليم.

وبرز في عصر صلاح الدين عدد من الشخصيات العلمية والفكرية، مثل “القاضي الفاضل” المتوفَّى سنة (596هـ = 1200م) رئيس ديوان الإنشاء وصاحب القلم البديع في الكتابة، وكان صلاح الدين يستشيره في أدق أمور الحرب والسياسة، و”العماد الأصفهاني” المتوفَّى سنة (597هـ = 1201م)، وصاحب المؤلفات المعروفة في الأدب والتاريخ، ونجح مع القاضي الفاضل في ازدهار ديوان الإنشاء في مصر، وهذا الديوان يشبه في وظيفته وزارة الخارجية.

وعُني صلاح الدين ببناء الأسوار والاستحكامات والقلاع، ومن أشهر هذه الآثار “قلعة الجبل”؛ لتكون مقرًّا لحكومته، ومعقلا لجيشه، وحصنا منيعا يمكِّنه من الدفاع عن القاهرة، غير أن صلاح الدين لم يتمكن من إتمام تشييدها في عهده، وظلت القلعة مقرا لدواوين الحكم في مصر حتى وقت قريب، وأحاط صلاح الدين الفسطاط والعسكر وأطلال القلاع والقاهرة، أحاطها جميعا بسور طوله 15كم، وعرضه ثلاثة أمتار، وتتخلله الأبراج، ولا تزال بقاياه قائمة حتى اليوم في جهات متفرقة.

واستقرت النظم الإدارية؛ فكان السلطان يرأس الحكومة المركزية في العاصمة، يليه نائب السلطان؛ وهو المنصب الذي استحدثه صلاح الدين لينوب عنه في أثناء غيابه يليه الوزير، وكان يقوم بتنفيذ سياسات الدولة، ويلي ذلك الدواوين، مثل: “ديوان النظر” الذي يشرف على الشئون المالية، و”ديوان الإنشاء” ويختص بالمراسلات والأعمال الكتابية، و”ديوان الجيش” ويختص بالإشراف على شئون الجيش، و”ديوان الأسطول” الذي عُني به صلاح الدين عناية فائقة لمواجهة الصليبيين الذين كانوا يستخدمون البحر في هجومهم على البلاد الإسلامية، وأفرد له ميزانية خاصة، وعهد به إلى أخيه العادل، وقد اشترك الأسطول في عدة معارك بحرية في سواحل مصر والشام، منها صدِّه لحملة أرناط على مكة والمدينة.

وعُني صلاح الدين بالمؤسسات الاجتماعية التي تعين الناس وتخفف عنهم بعض عناء الحياة؛ فألغى الضرائب التي كانت تفرض على الحجاج الذين يمرون بمصر، وتعهد بالإنفاق على الفقراء والغرباء الذين يلجئون إلى المساجد، وجعل من مسجد “أحمد بن طولون” مأوى للغرباء من المغاربة.

واشتهر صلاح الدين بسماحته وجنوحه إلى السلم؛ حتى صار مضرب الأمثال في ذلك، فقد عامل الصليبيين بعد استسلام المدينة المقدسة معاملة طيبة، وأبدى تسامحا ظاهرا في تحصيل الفداء من أهلها، وكان دخول المسلمين بيت المقدس دون إراقة دماء وارتكاب آثام صفحة مشرقة ناصعة، تُناقض تماما ما ارتكبه الفرنج الصليبيون عند استيلائهم على المدينة سنة (492هـ = 1099م) من الفتك بأهلها المسلمين العُزَّل وقتل الألوف منهم.

وفي أثناء مفاوضات صلح الرملة التي جرت بين المسلمين والصليبيين مرض السلطان صلاح الدين، ولزم فراشه، ثم لقي ربَّه في (27 من صفر 589هـ = 4 من مارس 1193م)، وكان يوم وفاته يوما لم يُصب الإسلام والمسلمون بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدين.

ولما تُوفِّي لم يخلف مالا ولا عقارا، ولم يوجد في خزائنه شيء من الذهب والفضة سوى دينار واحد، وسبعة وأربعين درهما، فكان ذلك دليلا واضحا على زهده وعفة نفسه وطهارة يده.



من مصادر الدراسة:

ابن واصل الحموي – مفرج الكروب في أخبار بني أيوب – تحقيق: جمال الدين الشيال – مطبعة جامعة القاهرة – 1953م.

علي بيومي – قيام الدولة الأيوبية – القاهرة – 1952.

سعيد عبد الفتاح عاشور – الناصر صلاح الدين – المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر – القاهرة – 1965م.

نظير حسان سعداوي – التاريخ الحربي المصري في عهد صلاح الدين الأيوبي – مكتبة النهضة المصرية – القاهرة – 1957م.


السيد الباز العريني – الشرق الأدنى في العصور الوسطى (الأيوبيون) – دار النهضة العربية – بيروت – بدون تاريخ


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #128  
قديم 13-09-2020, 12:09 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

إِنْ مُتُّ..يَا قُدْسَ الْأُبَاةْ
محسن عبد المعطي عبد ربه


مَنْ ذَا يُضَحِّي بِالنَّفِيسْ *** وَالنَّفْسِ إِنْ حَمِيَ الْوَطِيسْ؟!!!

مَنْ ذَا يُجَاهِدُ نَفْسَهُ *** كَيْ يَسْعَدَ الْقَلْبُ التَّعِيسْ؟!!!
مِنْ أَيِّ رُكْنٍ نَبْتَدِي *** هَدْمَ الْجِدَارِ لِكَيْ نَعِيشْ؟!!!
مِنْ أَيِّ زَاوِيَةٍ نُحَدْ *** دِدُ مَا النَّفُوسُ بِهِ تَجِيشْ؟!!!
يَا سَادتِي أَمَلِي ذَبِيحْ *** وَالْكَوْنُ فِي عَيْنِي فَسِيحْ
نَفْسِي يُعَاوِدُهَا الْحَنِي *** نُ لِكَيْ تُرِيحَ وَتَسْتَرِيحْ
يَا ثَالِثَ الْحَرَمَيْنِ يَا *** وَشْماً عَلَى قَلْبِي الْجَرِيحْ
عُدْ فَالْحَيَاةُ بِلَا مَعَا *** نٍ وَالتَّنَاسِي لَا يُرِيحْ
عُدْ إِنَّنَا تُهْنَا وَتَا *** هَتْ دَمْعَةُ الطِّفْلِ الْكَسِيحْ
يَا أُمَّتِي أَمَلٌ تَرَعْ *** رَعَ فِي السُّهُولِ وَفِي الْجِبَالْ
أَنْ تَنْهَضَ الْقِمَمُ الشَّوَا *** مِخُ مِنْ جَدِيدٍ لِلنِّضَالْ
أَنْ نْتَرُكَ الْكَسَلَ الْمُمِي *** تَ وَلَا نَخُورُ كَمَا الْجِمَالْ
يَا قِبْلَةَ الْأَقْصَى أَبُثْ *** ثُكِ مَا اعْتَرَانِي فِي الْحَيَاةْ
أَنَا مَيِّتٌ حَيٌ بِدُو *** نِكَ وَالْجِرَاحُ لِمُنْتَهَاهْ
أَنَا شَاعِرٌ عَبَرَ الْكَمِي *** نَ وَسَاءَهُ ظُلْمُ الطُّغَاةْ
أَنَا قِصَّتِي مِنْ أَيْنَ أَبْ *** دَأُ وَالْمُتَيَّمُ فِي عَمَاهْ
أَنَا مَنْ طُرِدْتُ مِنَ الْوَطَنْ *** أَنَا لَيْسَ لِي أَبَداً سَكَنْ
أَنَا مَوْطِنِي الْقُدْسُ الشَّرِي *** فُ مِنَ الْبِدَايَةِ لِلْكَفَنْ
أَنَا لَيْسَ لِي وَطَنٌ سِوَا *** هُ وَلَسْتُ أَبْخَلُ بِالثَّمَنْ
إِنْ مُتُّ.. يَا قُدْسَ الْأُبَا *** ةِ احْكِ الْحِكَايَةَ لِلزَّمَنْ
إِنِّي ابْتَغَيْتُ طَرِيقَ حُبْ *** بِكَ سِرْتُ فِي دَرْبِ الْمِحَنْ
وَعَزَفْتُ مِنْ دَمِيَ الزَّكِيْ *** يِ نَشِيدَ حُبِّي يَا وَطَنْ




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #129  
قديم 17-09-2020, 05:36 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

القدس

بين السلطان الكامل والملك الصالح

د. زين العابدين كامل





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
فلا شك أن التاريخ هو المنتج الثقافي للأمم ، وهو رصيدها الحضاري، وهو عبارة عن تجارب إنسانية تكررت ولا زالت تتكرر كثيرًا في حياتنا وواقعنا، ومن التاريخ نستخلص الدروس والعبر،قال تعالى: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون} (الأعراف:176) وقال {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} (111 يوسف).
وقد ذكر لنا التاريخ أن العرب اليبوسيين هم أول من سكن مدينة القدس، وهم بطن من بطون العرب الكنعانيين، وكانوا قبل ذلك يعيشون في شبه الجزيرة العربية، وقد هاجرت هذه القبائل الكنعانية قبل الميلاد بثلاثة آلاف عامٍ تقريباً من شبه الجزيرة العربية الى أرض فلسطين، حيث استوطنوا وأقاموا في بيت المقدس، لذا كان يطلق على أرض فلسطين في وقت من الأوقات (أرض كنعان) نسبة إلى العرب الكنعانيين، وكان يطلق عليها في وقت من الأوقات مدينة (يبوس) نسبة الى اليبوسيين، ثم هاجر إليها خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك عام (1800) ق.م تقريبًا، ثم دخلها بعض الأنبياء عليهم السلام ، فمنهم من أقام بالمدينة، ومنهم من قاتل من أجل تحريرها كداود عليه السلام،ومنهم من ساهم في تشييدها كسليمان عليه السلام، وقد تعرضت المدينة للإحتلال من قبل الرومان الى أن جاء يحيى وعيسى عليهما السلام، واستمر الأمر كذلك حتى البعثة النبوية المباركة، ثم تم انعقاد القمة النبوية بمدينة القدس، وأعني بانعقاد القمة النبوية، اجتماع الرسل والأنبياء في مدينة القدس بالمسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج، يوم أن صلى النبي عليه الصلاة والسلام إماماً باللأنبياء والمرسلين، وكأنه عليه الصلاة والسلام يتسلم منهم المسؤلية لتحمل الأمانة في استرداد بيت المقدس ومدينة القدس، وبعد محاولات كثيرة يقدر الله تعالى أن يكون عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي يتسلم مفاتيح بيت المقدس عام 15 هـ ،وذلك بعد أن حاصرتها جيوش المسلمين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، ثم يقدر الله تعالى أن تقع القدس في أسر الصليبين عام (492 هـ ـ 1099 م )، وذلك بعد انهيار العالم الإسلامي وركون كثير من الحُكام والمحكومين إلى الدنيا، حيث ابتعد المسلمون عن طريق عزهم وعزتهم، وقد رفع الصليبيون الصليب على المسجد، ومنعوا صلاة الجماعة أكثر من تسعين سنة، ثم بدأت الأمة تعود إلى خالقها وتتمسك بدينها فأكرم الله الأمة بمجموعة من العظماء المجاهدين كعماد الدين زنكي ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم، فتم القضاء على الدولة العبيدية الشيعية، وتوحدت ىمصر والشام تحت راية واحدة، ويدخل صلاح الدين مدينة القدس بعد رحلة طويلة من الجهاد والكفاح، وينتصر على الصليبيين في معركة حطين عام 583هـ / 1187م ، ويسترد مدينة القدس والمسجد الأقصى مرة أخرى، ومن المؤرخين من ذكر أن تحرير القدس ودخول صلاح الدين المسجد الأقصى كان في السابع والعشرين من شهر رجب ، أي ليلة ذكرى الإسراء والمعراج، أي في مثل اليوم الذي اجتمع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ، على قول من يقول أن الإسراء والمعراج كان في السابع والعشرين من شهر رجب.
ولذا فنحن جميعًا نفخر ونتفاخر بعمر بن الخطاب الذي فتح مدينة القدس وبصلاح الدين الأيوبي الذي حررها من الصليبيين،
صفقة تسليم مدينة القدس
وقد ظل المسلمون يسيطرون على مدينة القدس منذ أن حررها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، حتى كان عصر السلطان الكامل بن العادل الأيوبي سلطان مصر، وهو الذي تعامل مع القدس و كأنها جوهرة ثمينة يهديها للأعداء حفاظًا على كرسيه وسلطانه، ولم يتعامل معها كمدينة مقدسة لها قدرها وقدسيتها، فلقد عرض على الصليبيين أن يسلمهم مدينة القدس وذلك أثناء حصارهم لمدينة دمياط عام ( 616هـ/ 1219م) وذلك مقابل الجلاء عن مصر، وهذه الحملة هي ما تعرف بالحملة الصليبية الخامسة على مصر، وقد قدر الله تعالى أن يرفض الصليبييون هذا العرض حيث أنهم كانوا يطمعون في الاستيلاء على مصر، وظلُّوا في دمياط ثمانية عشر شهرًا كاملةً ، حتى تمكَّن المصريُّون من الانتصار عليهم وطردهم من دمياط، وقد تعاون أبناء السلطان الملك العادل الثلاثة: الكامل محمد، والمعظم عيسى، والأشرف موسى، أثناء هذه الحملة مما كان له أثر بالغ في انتصار المسلمين على الحملة الصليبية، ثم بسبب الصراع على الكراسي والمناصب شبَّ صراعٌ بين الكامل وأخيه السلطان المعظَّم عيسى صاحب دمشق، واستعان كلٌّ من الأخوين بقوى خارجيَّة لمؤازرته ومساندته في مواجهة الآخر؛ فاستنجد الملك المعظم بالسلطان جلال الدين بن خوارزم شاه سلطان الدولة الخوارزمية، في حين استعان السلطان الكامل بالإمبراطور فريدريك الثاني صاحب صقلية وإمبراطور الدولة الرومانية في غرب أوربَّا، وللأسف الشديد كان الثمن الذي أعلنه السلطان الكامل للإمبراطور فريدريك هو تسليمه الجوهرة الثمينة (بيت المقدس وجميع المدن التي فتحها صلاح الدين بالساحل الشامي)، كل ذلك من أجل مساعدته في حربه ضدَّ أخيه الملك المعظم، ويا له من ثمنٍ غالٍ في مقابل كرسي زائل وثمن بخس، ثم قدر الله تعالى أن مات الملك المعظَّم عيسى ، وبهذا زال سبب الصراع بين الأخوين، وعندما وصل الإمبراطور فريدريك إلى عكا لمساندة الكامل، علم بوفاة الملك المعظَّم عيسى الذي كان يعمل على التوسُّع على حساب إخوته، وقد انتهى الصراع بين الأخوين بوفاة أحدهما، وقد اقتسم الأخوان الكامل محمد والأشرف موسى ممتلكات أخيهما المعظَّم عيسى ، وعادت الأمور في البيت الأيوبي إلى الهدوء والاستقرار، فأرسل فريدريك وفدًا محملاً بالهدايا إلى السلطان الكامل ، وقد طلب الوفد من الكامل الوفاء بما تعهَّد به للإمبراطور، وتسليم بيت المقدس له، وهنا رفض السلطان الكامل هذا الطلب حيث تغيرت الأحوال بوفاة المعظم عيسى، وهنا لجأ الإمبراطور إلى أسلوب التذلل والإنكسار والخضوع والإستعطاف، حيث خاطب فريدريك الكامل بكلمات احتوت على التعظيم، فأثرت تلك الكلمات المزيفة في السلطان الكامل وألهبت مشاعره، ورق قلبه لها، وقد نجح الإمبراطور في خداعه، واتَّفق الفريقان على عقد اتفاقيَّة يافا في ربيع الأول (626هـ / 1229م)، وبمقتضاها تقرَّر الصلح بين الطرفين لمدَّة عشر سنوات، على أن يأخذ الصليبيُّون بيت المقدس وبيت لحم والناصرة وصيدا وتبنين وهونين، ونصَّت المعاهدة على أن تبقى مدينة القدس على ما هي عليه، فلا يُجدِّد سورها، وأن يظل الحرم بما يضمُّه من المسجد الأقصى وقبة الصخرة بأيدي المسلمين، تُقام فيه الشعائر والصلوات، ولا يدخله الصليبيُّون إلَّا للزيارة فقط، وبعد عقد الصلح توجه فريدريك إلى بيت المقدس، فدخل المدينة المقدَّسة في (19 ربيع الآخر 626هـ /17 من مارس 1229م)، وفي اليوم التالي دخل كنيسة القيامة، ليُتوَّج ملكًا على بيت المقدس، ويصف المقريزي ما حلَّ بالمسلمين من ألمٍ وغم بقوله: "فاشتدَّ البكاء وعظم الصراخ والعويل، وحضر الأئمَّة والمؤذِّنون من القدس إلى مخيَّم الكامل، وأذَّنوا على بابه في غير وقت الأذان واشتدَّ الإنكار على الملك الكامل، وكثرت الشفاعات عليه في سائر الأقطار" وهكذا سيطر الصليبيُّون على بيت المقدس بلا حرب ولا سلاح،وقد ذكر صاحب كتاب مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ما نصه" ورأى الملك الكامل أنه إن شاقق الانبراطور ولم يف له بالكلية أن يفتح له باب محاربة مع الفرنج، ويتسع الخرق ويفوت عليه كلما خرج بسببه، فرأى أن يرضي الفرنج بمدينة القدس خرابًا ويهادنهم مدة، ثم هو قادر على انتزاع ذلك منهم متى شاء" وظلَّ بيت المقدس أسيرًا في أيدي الصليبيين نحو خمسة عشر عامًا يشكو إلى الله ظلم الحُكَّام وخيانتهم، حتى نجح الخوارزميُّون في تحريره في عهد السلطان المجاهد الملك الصالح نجم الدين أيوب في شهر صفر (642هـ/ 1244م) وهكذا التاريخ يتكرر في واقعنا.([1])

([1])ابن الأثير: الكامل في التاريخ، - المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك،- مفرج الكروب في أخبار بني أيوب ، محمَّد بن سالم بن نصرالله- التاريخ المنصوري، محمد بن علي بن نظيف الحموي-- سعيد عبد الفتاح عاشور: الحركة الصليبية، - قاسم عبده قاسم: الحروب الصليبية، سلسلة عالم المعرفة




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #130  
قديم 23-09-2020, 03:37 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 41,782
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القدس اسلامية رغم أنف امريكا متابعة لملف القدس وفلسطين المحتلة وكل ما يستجد من اح

ملأ الظالمون أرضَك يا دارُ!


د. عدنان علي رضا النحوي

يَا دِيارَ الإسلام ! أَنى تَلَفَّ تُّ تَجَرَّعْتُ غُصَّةً وَجُزُوعا[1]
وخِيامُ اللّجُوءِ تَقْذِفُها الآفا قُ! تَرمي أَفْواجَها والجُموعَا
غَصَّتِ الدَّرْبُ والشّعابُ ومَاج ال مَوْتُ فِيها جَمَاجِماً وضُلُوعَا
أَيْنَ لُبْنانُ؟! والدِّماءُ التي كا نَتْ تُنَادِي وَمَا تُلاقي سَمِيعا
فَجَّرَ المُجْرِمونَ فيها البَرَاكِي نَ فَمَادَتْ زلازِلاً وصُدُوعا
يَالهَوْلِ الإجرام! صَبَّ على السَّا حاتِ دَمْعاً مُرَوَّعاً ونجيعَا
كمْ شَقِيٍّ بَغَى عَلَيْكِ فَوَلَّى راضِياً بالإِيابِ عَنْكِ قَنُوعا
* * * *
يا حَنينَ الأَقْصَى! وَيالَهْفَةَ الشَّو قِ! وَيَا خَفْقَةً تَهزُّ الضُّلُوعا
الحَمامُ الَّذي عَهِدْنَاهُ فِيهِ غَابَ يَرْجُو مَعَ الحَنينِ رُجُوعا
لم تَزَلْ أَنَّةُ اللُّجُوء تُدَوِّي بَيْنَ أَحْنَائِنا دَويّاً فَظِيعا
الهَوَانُ الذَّليلُ خَلَّى رُبَاها عن خُطى أَهْلِهَا حِمىً مَمْنوعا

لا يَزَالُ الغَرِيبُ يَضْربُ في الأَرْضِ ليلقَى أُصُولَهُ والفُروعا

حِين يَلْقَى حِماهُ في أُمَّةِ الإِسْلاَم تُغْني رُبُوعَها والجُموعَ


ايا ظِلالَ الزَّيتُون! أَيْنَ حديثُ الأَمْ سِ؟! هَاتِ الحديثَ و التَّرجِيعا
أَيْنَ عِطرُ اللَّيمون يَنْشُر تَاري خاً ويَرْوِي مَلاَحِماً وصَنيعا
وطُيوفُ الأَقْصى تُنادِي: أَبَيْنَا أَنْ نَسُومَ الدِّيارَ أَو أَنْ نَبيعا
* * * *
أَيْنَ يا قَلْبُ أَسكُبُ الدَّمْعَ؟! أَنَّى طُفْتُ أَلْقَى مَذَلَّةً وخُنُوعا
أَعلى دِجْلةٍ أَصُبُّ دُمُوعي وأُعِيدُ الأَحْزانَ والتَّقْرِيعا
يالهولِ المُصَابِ فيها وقلبي لم يَزلْ راجفاً يَدُقُّ هلُوعا
أَم على النِّيل؟! كَمْ أَرادوكَ يا نِي لُ جَنيّاً يُرَاوِدُ التَّطويعا
وَأَرادُوكَ أَنْ تَضِيعَ مَعَ الشِّرْ كِ وتأبى عَلَيْهِمُ أَن تَضيعا
أَم على الشَّام والعَدُوُّ حوَالَيْ ها يَمدُّ السّكِّينَ والتقطيعا
أَم على الهِنْد؟! لهفَ نَفْسي! تَراهُمْ نَزَعوا للفسادِ فيها نُزُوعا
مَلؤوا الأرْضَ مِنْ جَرَائِم هِنْدُو سٍ وسِيخٍ وصَدَّعوا تَصدِيعا
وأَحَاطوا بالمُسْلِمين وهَزُّوا مِنْ قَناةٍ وجَمَّعوا تَجْمِيعا
يا "لِكَشْمير" والدِّمَاءُ عَلَيها صَبَغتْها رِيعاً يَموجُ فريعَا
[2]

كُلَّ يَومٍ تمُرُّ فِيها اللّيَالي وصَرِيعٌ يَرْثي عَلَيْها صرِيعا
أُمَّةٌ تَدْفَعُ الكتائِبَ لِلحَ قِّ وتُحْيِي جِهَادَها المَشْروعا
يالأَرْضِ "الصُّومَالِ" يَجْرِفُها المَوْ تُ فَتَلْقَى بهِ الهَلاَكَ المُريعَا
جُنَّ في أَرْضِها الشَّياطينُ بالمَكْ رِ فَصَبُّوا الفَنَاءَ والتَّجْوِيعَا
* * * *
كُلُّها سَاحَةٌ يُخَيِّمُ فِيهَا اللَّي لُ يَطْوي فَضاءَها و الرُّبوعا
الضَّلالُ البَعيدُ والمَكْرُ والمَوْ تُ ظِلالٌ يَرُوعُها تَرْويعا
وَظَلامُ السُّجُونِ يَطْوي أَنيناً وصُراخاً من الضَّحايا مُريعا
بَيْنَ آلاتِه تُمَزَّقُ أَجْسَا مٌ وتَأبى نفوسُهَا أَن تُطيعا
سَاحَةٌ يَلْعَبُ الشَقِيُّ عَلَيها مُجْرِماً ضَلَّ أَو سَفيهاً خَلِيعَا
مَلأَ الظَّالِمونَ أَرضَكِ يا دا رُ وكَانَتْ حِمىً أَبَرَّ مَنيعا
* * * *

---------------------------

[1] جزع : جزعاً وجزوعاً وهو ضد الصبر


[2] الريع : المرتفع من الأرض.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 218.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 212.62 كيلو بايت... تم توفير 6.17 كيلو بايت...بمعدل (2.82%)]