مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ - الصفحة 4 - ملتقى الشفاء الإسلامي
القرآن الكريم بأجمل الأصوات mp3 جديد الدروس والخطب والمحاضرات الاسلامية الأناشيد الاسلامية اناشيد جهادية دينية اناشيد طيور الجنة أطفال أفراح أعراس منوعات انشادية شبكة الشفاء الاسلامية
الإعلانات تفسير الاحلام لمساهماتكم في دعم المنتدى علاج السحر

لوحة المفاتيح العربية

شروط التسجيل 

لتشخيص وعلاج كل حالات السحر والمس والعين إضغط هنا / وبإمكانكم التواصل معنا مباشرة عبر خدمة واتس اب - Whats App / 009613654576

 
اخر عشرة مواضيع :         حديث: صلوا قبل المغرب (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          شرح حديث صهيب في قصة الملك والساحر والغلام (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          العمق التربوي للنص النبوي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          شرح حديث أنس: ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيه إلا الجنة (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          فوائد من حديث: إنما الأعمال بالنيات (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          فتاوى الشيخ مصطفى العدوى من خلال صفحته على الفيس ***متجدد (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 120 - عددالزوار : 7346 )           »          أخلاق يجب غرسها في الاطفال (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          أختـاه هـل تطلبـين التميـز؟؟ تفضــلي اذن.. (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          ترجمة الشيخ العلامة الفقيه أبو محمد محمود بن محمد بن أحمد بن خطاب السُّبكي (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          ترجمة الشيخ أبي الحسن سعد الدين علي بن محمد بن علي بن عراق (اخر مشاركة : ابو معاذ المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم 24-10-2019, 05:33 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 16,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

(33) " آريوس أمة محمد" (محمد بن عبد الوهّاب)




" إن الذي أدعو إليه هو دين اللَّه، فلا يُدعى إلا اللَّه، ولا يُنذر إلا للَّه، ولا يُذبح القربان إلا للَّه"
(محمد بن عبد الوهّاب)
"ولم تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثا في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقة إلى مغربه، وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأدرك المسلمين أن علة الهزائم التى تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه. وأنهم خلفاء أن يستردوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب الباع، والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه"
(العقاد)
الوهّابية! الوهّابي!! الوهّابيون!!! مصطلحاتٌ باتت تتكرر كثيرًا في السنوات الأخيرة، ما بين مهاجم ومدافع، ما بين محلل ومحذر، فأفردت الصحف الكبرى صفحاتها لمناقشة هذه الظاهرة، ظاهرة "المد الوهّابي"! وحفز الكتّاب أقلامهم يحللون هذه الظاهرة التي باتت تنتشر انتشارًا واسعًا بين الشباب، والغريب في الأمر أن بعض المحسوبين على علماء الدين أصبح لا هم لهم في الدنيا إلا المشاركة في البرامج الحوارية، لا لتفسير آيات اللَّه، بل لتحذير الناس من خطر هذا (الفكر المستورد) والذي يمثل (خطرًا) على الإسلام يفوق خطر جحافل التتار التي دمرت الأخضر واليابس! ولكن الشيء الذي يدعو للسخرية أن أَيًّا من هؤلاء لم يشرح لنا ما هي الوهابية، بل إن الأمر الهزلي الأكثر مدعاة للسخرية هو أن الوهابية التي تشغل عليهم حياتهم ما هي إلّا شيءٌ وهمي لا وجود له على الإطلاق!!!


ولأن الحديث ذو شجون، أتذكر زميلًا لي من أرض العراق اسمه عمر (عرفت فيمابعد أن اسمه الحقيقي هو حيّاوي!)، هذا الزميل الشيعي لم يكن له همٌ في الحياة إلا تحذيري من خطر الوهابية، بل إنه تطوع لكي يحذر بعض الرفاق الأوروبيين بلغته الإنجليزية الركيكة من خطر (الوهّابزم) (Wahhabism) حتى صار يكرر ذلك التحذير عليهم لدرجةٍ جعلتني أناديه باسم (عمر وهّابزم)!
وصدق الشاعر إذ قال:


وإذا أراد اللَّه نــشر فـضيـلــــة ... طُويـت أتـاح لهـا لسـان حسـود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرف طيبُ عَرف العود


فلقد دفعني عمر وهّابزم أو حيّاوي وهّابزم أيًا كان اسمه إلى أن أفتش في صفحات خلت من التاريخ، علّي أجد شرحًا وافيًا لهذه الظاهرة التي شغلت بال الناس في السنوات الأخيرة، ولأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فإننا لا نستطيع أن نحكم على إنسانٍ إلّا من خلال أعماله أو أقواله، لا من خلال ما يقال عنه من أعدائه أو حتى من أصدقائه، فالوهابية تنسب أساسًا إلى رجلٍ من صحراء نجد السمه الشيخ محمد ابن عبد الوهاب التميمي، والذي وُلد سنة 1703 م وتوفي سنة 1792 م، هذا الرجل حفظ كتاب اللَّه صغيرًا وتعلم على أيدي علماء مكة والمدينة، قبل أن يرحل إلى البصرة لينهل من علمائها أحاديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبعد تنقلاته العديدة بين صحاري نجد والحجاز والعراق، وفي سن التاسعة عشرة قرر هذا الشاب أن يجهر بدعوةٍ عجيبة، لقد قرر محمد ابن عبد الوهاب أن يجهر بدعوة التوحيد!


وقد يعجب المرء من أمر هذا الشاب الصغير الذي يدعو إلى توحيد اللَّه تعالى بعد أكثر من اثني أحد عشر قرنًا من وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأين؟! في مهبط الوحي في الجزيرة العربية نفسها!!! فإذا كنت تعتقد أن التوحيد هو مجرد نطقك لشهادة أن لا إله إلا اللَّه فأنت واهمٌ! ولكي نفهم ذلك أكثر فإنه يجب علينا أن نبحر بها من جديد عبر بوّابة الزمن لكي نرى حال الأمة الإسلامية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، الموافق الثامن عشر الميلادي:
الخلافة العثمانية والتي كانت تحكم أغلب ديار الإسلام كانت قد دخلت في طورٍ من

الضعف بعد سليمان القانوني رحمه اللَّه، فانشغل العثمانيون في الدفاع عن أراضي المسلمين في أوروبا في ظل هجمات متكررة من روسيا القيصرية في الشرق وفرنسا من الغرب.
في نجد مسقط رأس محمد بن عبد الوهاب كان الناس يحجّون إلى قبر زيد ابن الخطاب رضي اللَّه عنه وأرضاه ويدعونه لتفريج الكرب، وكشف النوب، وقضاء الحاجات، وكانت هناك شجرةً اسمها "شجرة الذئب" يتبرك بها الناس، فيطوفون حولها، ويأمها النساء ليعلقن عليها الخرق البالية لكي يسلم أولادهن من الموت والحسد، والرجل الفقير يذهب إلى تلك الشجرة لكي ينال الرزق، والمريض يذهب إليها لتشفيه!


في الحجاز كان المسلمون يصلون في مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أربع مراتٍ عند وقت كل صلاة، فأتباع المذهب الحنبلي لا يصلون خلف إمامٍ شافعي، وأتباع المالكية لا يصلون خلف إمامٍ يتبع مذهب أبي حنيفة وهكذا، أما في مكة مسقط الوحي فقد كان الناس يطوفون حول قبور الصحابة!
في مصر انتشرت الطرق الصوفية المختلفة، وتدافعت القوافل من مختلف أصقاع أرض الكنانة إلى مدينة "طنطا" لتحج إلى قبر السيد البدوي كل عام، داعين البدوي لتفريج الهم، وزيادة الرزق! وأصبحت القبور مكانًا يتكسب منه الدجالون، فانهالت عليهم أموال النذر، وأصبحت الموالد مكانًا خصبًا لطالبي الزنى ومتعاطي المخدرات، وشاع السحر والشعوذة أرجاء مصر!

في العراق عُبد الحسين من دون اللَّه! وأصبحت النجف مكانًا لعبّاد القبور والأضرحة، وأصبحت المناسبات الدينية موسمًا لطالبي المتعة الجنسية، فاندفع شباب الشيعة في طرقات الأضرحة الضيقة كل منهم يريد نصيبه من الرذيلة والفاحشة، أما أهل السنة فصاروا يتبركون بقبر أبي حنيفة النعمان في بغداد!

في المغرب لم يكن الوضع في المغرب أفضل بكثيرٍ من المشرق، فقد كان الناس يدعون السيد عبد القادر الجيلاني من دون اللَّه، وانتشرت الموالد والبدع، وقدم الناس النذور لشيوخ الطرق الصوفية!
الخلاصة أن العالم الإسلامي كان في صورة لا يحسد عليها، صورها المؤرخ الأمريكي (لوتروب ستودارد) بقوله: "في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ

من الانحطاط أعظم مبلغ، فقد ألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس ثوبًا من الخرافات وقشور الصوفية، وخرج الناس من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، وانتشر الحج إلى قبور الأولياء، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يُدعى الإسلام لغضب! "
وفي ظل هذا الجو القاتم ظهر من صحراء نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدعا الناس إلى ترك هذه الخزعبلات والرجوع إلى الإسلام الصحيح -إلى التوحيد- وأوضح لهم أنه لا يكفي المسلم أن يقول عن نفسه موحدًا للَّه من دون أن يُعكس ذلك على أفعاله وأقواله!


وقد علم الشيخ ابن عبد الوهاب أن أغلب زوّار القبور والأضرحة وحتى الذين يدعون الأموات يدركون أن اللَّه واحدٌ، وهم إنما يذهبون إلى قبور الأولياء الصالحين طلبًا للبركة التي تقربهم إلى اللَّه! فقام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتوضيح معنى التوحيد لهؤلاء المساكين بأن اللَّه لا يحتاج إلى واسطة في دعائه!

فلقد طلب اللَّه من رسوله الكريم أن يبين للناس ما قد سألوه من أمور مختلفة بقوله (قل) أي قل يا محمد، فقال اللَّه عز وجل في كتابه الكريم: {وَيَسْأَلُونَك� � عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]. {وَيَسْأَلُونَك� � عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189].
ولم يستثنِ اللَّه من ذلك إلا حالة واحدة، هي حالة الدعاء! فقد قال اللَّه في الآية السادسة والثمانين بعد المائة من سورة البقرة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.
وأوضح الشيخ لهم أن اللَّه لم يقل "فقل إني قريب"! فليس هناك واسطةٍ بين دعاء العبد وربه حتى ولو كان صاحب هذه الواسطة هو رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم بين لهم الشيخ ابن عبدالوهاب أنه لا يجوز أبدًا دعاء الأموات، وذكر لهم ما قاله اللَّه في سورة فاطر من أمر دعاء الأموات والأولياء الصالحين:
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)}.


وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب أن اللَّه قد قال أولًا (دعاءكم) ثم قال (شرككم) أي أن دعاء غير اللَّه يُدخل الإنسان في حالة الشرك الأكبر!

عند ذلك حورب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ممن كانوا يتكسبون من القبور والأضرحة وأموال النذور، فسافر الشيخ من مكانٍ إلى مكان يدعو الناس إلى التوحيد، ودعوته تلقى الصد من أمراء نجد وشيوخها، فقد تعود الناس هناك على البدع والطواف حول القبور، إلى أن وصل الشيخ إلى بلدة في نجد يقال لها "الدرعية" فعرض دعوته في التوحيد على أميرها الشيخ (محمد بن سعود)، فاقتنع الأمير بها، وبايعه على النصرة والمنعة مقابل أن يقيم الشيخ ابن عبد الوهاب دائمًا معهم في الدرعية ليعلم شباب القبيلة الدين الصحيح، فوافق الشيخ ابن عبد الوهاب على ذلك.


فأقام الشيخ بالدرعية مُؤيدًا من حاكمها ابن سعود، فكان أول شيء قام به هناك هو تعليم الناس أهم شيء في دينهم -التوحيد- فرتب الدروس في العقائد، وفي القرآن الكريم، وفي التفسير، وفي الفقه، والحديث، والعلوم العربية، والتاريخ، وغير ذلك من العلوم النافعة، فأقبل الناس على العلم، وذاع صيت ذلك الشيخ الذي يعلم الناس أمور التوحيد، فتوافد شباب القبائل المجاورة على الدرعية من كل مكان، وأصبحت الدرعية بؤرة للنور في بحرٍ من الظلمات، وازداد عدد أتباع الشيخ ابن عبد الوهاب، وأصبحت الدرعية قوة ضاربة في صحراء نجد، وبعد سنين قليلة من دعوة ابن عبد الوهاب للتوحيد، وبعد أن تعلم الشباب أصول دينهم الصحيح على يديه، أعطى الشيخ ابن عبد الوهاب إشارة الإذن بالجهاد لنشر أصول التوحيد بين عُبّاد القبور، فذهب الشيخ محمد ابن عبد الوهاب إلى القبة التي بنيت على قبر الصحابي البطل زيد بن الخطاب رضي اللَّه وأرضاه والتي كان الناس يتعبدون بها ويطوفون حولها، فهدمها بنفسه، ثم نشر الشباب الموحد بين القبائل العربية لكي يعيدوا إحياء مفهوم التوحيد المنسي، وأرسل المرشدين والدعاة في الصحراء والبوادي ليبينوا للناس مفهوم التوحيد الصحيح، كما أرسل المعلمين والقضاة إلى القرى النائية، فبدأت الناس تعمر المساجد الخاوية من جديد، وعاد الناس لصيام رمضان، فترك الناس العادات البدعية التي ورثوها من آبائهم.


وبعد وفاة الشيخ ابن عبد الوهاب رحمه اللَّه، استطاع أتباعه نشر دعوته في مكة والمدينة، فقام هؤلاء بنشر مفهوم التوحيد بين الحجاج من مختلف البلدان الإسلامية، فانتشرت دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب من البنغال شرقًا إلى المغرب غربًا، فاستغل

الشباب المسلم من أتباع الشيخ البطل محمد بن عبد الوهاب توافد الحجيج على مكة والمدينة من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، فأخذ أولئك الشباب يعلمون الحجيج مبادئ التوحيد والإسلام الصحيح، فتعلم كثيرٌ من حجاج بيت اللَّه الحرام من مختلف أرجاء العالم من أولئك الموحدين، ثم قام أولئك الحجاج بنشر هذه المبادئ التوحيدية في بلدانهم، وهكذا جدد الإمام محمد بن عبد الوهاب دين الأمة الإسلامية بأسرها، وما زال يجددها بعد مماته بفضل كتابه العظيم، كتاب "التوحيد"!
بقي أن أنوه إلى أمرٍ أخير، فلقد اجتهدت في إطلاق لقبٍ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا الكتاب ألا وهو "آريوس أمة محمد"! وذلك بعد أن رأيت تطابقًا عجيبًا بين قصة هذا الإمام وقصة آريوس التي سبق أن ذكرناها سابقًا في هذا الكتاب، فكلاهما رفض تغيير مبدأ التوحيد، وكلاهما لم يكن له مذهب أصلًا لكي يتبعه الناس، وكلاهما حورب في حياته وبعد مماته، وكلاهما دعا إلى الرجوع إلى فهم سلف الأمة للإسلام وترك التقليد الأعمى للمذاهب، هذا إلى رجال القرون الثلاثة الأولى من أمة محمد، وهذا إلى رجال القرون الأولى من أمة عيسى! والشيء اللافت للنظر أن النصارى الموحدين من أتباع أريوس والذين رفضوا البدع سُمّوا من دون أن يعلموا بـ "الآريسيين"، بينما سُمّي المسلمون الموحدون الذين رفضوا البدع وأنكروا على الناس دعاءهم لغير اللَّه أيضًا بدون علمهم أيضًا باسم "الوهابيين". . . . أو "الوهابزم" كما يحب أن يسميهم حيّاوي الكذاب!


الغريب في الأمر أن دعوة التوحيد هذه لم تكن مسألة مسلمّا بها في كل حِقب تاريخ أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، بل إن التوحيد لطالما كان في مهب الريح بين الحين والآخر في تاريخ هذه الأمة!
فما هي قصة التوحيد في بلاد المغرب الإسلامي؟ وما هي الأوضاع المزرية التي وصل لها المسلمون في المغرب الإسلامي في القرن الخامس الهجري؟ وكيف كان المسلمون هناك يحرمون أكل لحم الخنزير ويحللون أكل لحم الخنزيرة؟! وما هي قصة المرابطين؟ ولماذا سُمّوا بهذا الاسم؟ ومن يكون ذلك البطل الإسلامي العملاق الذي ظهر على ضفة نهر السنغال في أقصى الغرب الأفريقي ليسجل اسمه بحروفٍ من نورٍ في قائمة العظماء المائة في أمة التوحيد؟
يتبع. . . . . .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 01-11-2019, 10:20 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 16,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني


(34) "مؤسس جماعة المرابطين" عبد اللَّه بن ياسين





كلما غوَّرت أكثر في هذا الكتاب اكتشفت العجب!
كنت أعلم منذ البداية أن عظماء هذه الأمة لديهم من الخصائص ما يجمعهم ويوحدهم تحت سقف واحد، ولكن ما كنت أجهله فعلًا هو ذلك الشبه العجيب الذي يتكرر تباعًا بين عظماء أمة الإسلام المائة، وكأنهم وُلدوا إخوانًا! أو كأنهم خُلقوا جميعًا من نفس الجينات البشرية! فالقصص تتكرر بشكلٍ عجيب أذهلني شخصيًا.

فعندما بدأت كتابة هذا الكتاب وقررت أن أصل بين كل عظيم والعظيم الذي يليه، ساورني بعض الشك في إمكانية ربط أناسٍ من بلدان مختلفة وأعراق مختلفة وأزمانٍ مختلفة، ولكنني أعترف أنه إلى حد الآن -وبعد أن أنجزت ما يقرب من ثلث هذا الكتاب- لم أجد صعوبة تذكر في ربطٍ أي منهم بالآخر!
بل إن الشيء الأعجب في الأمر، والذي لا يعرفه القارئ الكريم، أنني لا أمتلك أي خطة عمل في ترتيب العظماء المائة! فكاتب هذا الكتاب مثل قارئه لا يعرف من سيأتي بعد ذلك! فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يكن ضمن حساباتي مثلًا أن أكتب عن هذا العظيم الإسلامي في هذا الموضع، وإنما جاءت فكرة الكتابة عنه قبل عدة ساعات وفي نفس هذا اليوم الذي انتهيت فيه من الكتابة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب!
فالقصة بينهما ليست متشابهة فحسب، بل إنها تكاد تكون متطابقة تمامًا، ولكن مع تغييرٍ في مسرح الأحداث من صحراء نجدٍ في جزيرة العرب إلى صحراء موريتانيا في الغرب الأفريقي، وتغييرٍ في الزمان من القرن الثاني عشر الهجري إلى الخامس الهجري.
هناك في أقصى الجنوب الموريتاني كانت أحوال المسلمين مزريةً للغاية، فبالرغم من دخول قبائل "صنهاجة" البربرية في الإسلام منذ فجر الفتوحات على يد الفاتح الإسلامي الأموي (عقبة بن نافع)؛
إلا أن الإسلام الصحيح ضاع بين البربر هناك مع مرور الزمن وبُعد المكان عن مهبط الوحي وانعزاله خلف كثبان الصحراء الكبرى، فتبرك المسلمون هناك بالقبور، ودعا الناس الأولياء الصالحين من دون اللَّه، وأدمنوا شرب الخمور، وانتشر الزنى بينهم بشكلٍ رهيب، حتى أن الرجل كان يجامع خليلة جاره من دون أن يعترض زوجها على ذلك!
وامتنع الناس عن أكل لحم الخنزير، ولكنهم أكلوا لحم الخنزيرة!!! وكان لقبيلة "جُدالة" وهي فرعٌ من فروع "صِنهاجة" شيخ بفطرةٍ طيبة اسمه الشيخ (يحيى بن إبراهيم الجدالي)، فأراد هذا الشيخ أن يصلح من حال قبيلته، ولكنه لم يكن يعلم من أمور الدين الكثير، فذهب إلى الحج، وفي طريق عودته مرَّ على "القيروان" في تونس، وقصَّ على علمائها أمر قومه وما هم عليه من الضلال والبعد عن شرع اللَّه، فبعثوا معه رجلًا من البربر اسمه الشيخ (عبد اللَّه بن ياسين) لكي يُرجع أهل جدالة إلى التوحيد الذي جاء به محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-؛
فأخذ الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين يدعوهم إلى عبادة اللَّه وحده وترك الدعاء عند القبور، فطلب الناس منه أن يتركهم وشأنهم وأن يعود من حيث أتى، لكن الشيخ رفض ترك الدعوة، فحرق الناس بيته، وطردوه خارج القبيلة وهددوا الشيخ يحيى بن إبراهيم بنفس المصير إن هو ساعده، فأصبح الشيخ عبد اللَّه بن ياسين طريدًا في صحراء موريتنيا، وأصبح بين خيارين، إما العودة أو الاستمرار؛
فاختار الشيخ ابن ياسين خيار الأنبياء، وهو الطريق الأصعب بطبيعة الحال، ولو أنه اختار الطريق السهل، لمات مجهولًا في حدائق القيروان، ولما كُتبت هذه الحروف عنه بعد ما يقارب الألف عام من وفاته، فبدلًا من أن يتجه الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين إلى الشمال حيث تلال تونس الخضراء، غوَّر جنوبًا في أدغال أفريقيا ليعبر نهر السنغال، وهناك في غابة من غاباتها، أقام خيمةً ورابط فيها، فكانت خيمة الرباط الأولى، ثم بعث رسالة إلى أهل جدالة يخبرهم فيها أنه من أراد تعلم دين اللَّه فليأته في رباطه في أرض السنغال، فخرج خمسة شباب من جدالة خفية واتجهوا نحو السنغال، ورابطوا مع الشيخ ابن ياسين في خيمته، فأخذ الشيخ يعلمهم معنى التوحيد، فاقتنع الشباب الخمسة بدعوة الشيخ، فذهبوا إلى جدالة وأحضروا عائلاتهم، وبنى كل منهم خيمة يرابط بها بعد أن روى لهم الشيخ حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- «رباط يومٍ وليلةٍ خير من صيام شهرٍ وقيامه»، ثم جاء خمسة شباب آخرين؛ فصار المرابطون عشرة، ثم صاروا عشرين، فمائة، فوضع الشيخ لجماعة المرابطين برنامجًا قاسيًا في التربية، فكان عليهم قيام الليل، وصيام النهار، وحفظ القرآن، وصيد طعامهم من غابات السنغال بأيديهم، فصار الشيخ يعلمهم فنون القتال بنفسه، وما هي إلا أربعة أعوامٍ حتى صار بين يدي الشيخ عبد اللَّه بن ياسين ألف رجل من المرابطين الأشداء السليمي العقيدة، وفي هدية من هدايا اللَّه سبحانه وتعالى، يؤمن زعيم قبيلة "لنتونة" وهي فرعٌ آخر من فروع "صنهاجة"، كان هذا الرجل اسمه (يحيى بن عمر اللنتوني)، ليدخل هذا الشيخ جزاه اللَّه كل خير بين يومٍ وليلة جميع رجال قبيلته المقدر عددهم بسبعة آلاف رجل في جماعة المرابطين، في الوقت الذي احتاج فيه الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين إلى أربع سنواتٍ ليجمع فيها ألف مرابط فقط! وبعدها بأيام يموت الشيخ يحيى بن عمر اللنتوني رحمه اللَّه بعد أن أدخل قبيلةً كاملة إلى دين التوحيد، ويالها من خواتيم!
وبعد ذلك دخلت "جدالة" كلها مع المرابطين، ليصبح عدد المرابطين اثني عشر ألفا، لينشر ابن ياسين المرابطين بين القبائل البربرية يدعوهم إلى دين اللَّه الصحيح من جديد، وفي إحدى طلعاته، أغارت قبيلة من القبائل المبتدعة على الشيخ ومن معه من المرابطين، فطلب المرابطون منه أن يبقى في خيمته ليقوموا هم بحمايته، إلّا أن الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين تناول سيفه ولبس عدة القتال وقال للمرابطين من حوله: "إني لأرجوا أن يرزقني اللَّه الشهادة، فإذا قتلت فادفنوني في نفس المكان الذي أسقط فيه" وفعلًا استشهد الشيخ البطل عبد اللَّه بن ياسين في ميدان الجهاد، ودُفن رحمه اللَّه في مكان استشهاده كما أوصى.

فما الذي حصل لجماعة المرابطين بعد مقتل زعيمها؟ وكيف تطورت جماعة المرابطين التي بدأت بخيمة على نهر السنغال لكي تصبح أكبر إمبراطورية عرفتها أفريقيا وأوروبا؟ ومن يكون ذلك الرجل العظيم الذي أدخل بمفرده خمسة عشر دولة أفريقية في دين اللَّه؟
يتبع. . . . . . .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 01-11-2019, 10:24 PM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 16,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ


- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني
(35) "فاتح قارة أفريقيا" أبو بكر بن عمر اللّنتوني




البداية كانت من قبيلة "لنتونة" البربرية التي انضمت إلى جماعة الشيخ (عبد اللَّه ابن ياسين) بفضل (يحيى بن عمر اللنتوني) والذي أدخل قبيلته إلى مجموعة المرابطين قبل أن يتوفى بأيام قليلة، عندها تولى أخوه (أبو بكر بن عمر اللنتوني) زعامة القبيلة، قبل أن يتولى زعامة جماعة "المرابطين" بعد موت الشيخ عبد اللَّه بن ياسين رحمه اللَّه، فأصبح أبو بكر اللنتوني زعيمًا لجماعة المرابطين في أقصى جنوب موريتانيا وأقصى شمال السنغال، فأخذ اللَّنتوني يجاهد في سبيل اللَّه في جميع أرجاء موريتانيا والسنغال، ليعيد القبائل البربرية إلى جادة الإسلام الصحيح، فدخل الناس هناك في جماعة المرابطين، وازداد عددهم بشكلٍ كبير، وأصبحت جماعة المرابطين المجاهدة رقمًا صعبًا في معادلة الغرب الأفريقي بأسره!
وبعد سنتين فقط من حكم الشيخ أبي بكر بن عمر اللنتوني وبالتحديد في سنة 453 هـ، سمع الشيخ بأن طائفتين من المسلمين على وشك الاقتتال في جنوب السنغال، فأخذ نصف فرسان المرابطين البالغ عددهم 14 ألف مرابط ليصلح بين المسلمين هناك، وأوكل قيادة دويلة المرابطين الناشئة إلى ابن عمٍ له، فأدرك الشيخ المسلمين في السنغال قبل أن يقتتلوا، ولكنه تفاجأ هناك أن في جنوب السنغال من لا يزال على عبادة الأشجار والأوثان، فقام الشيخ بدعوتهم للإسلام، وشرح لهم ما يدعو إليه الإسلام من عدلٍ ومساواةٍ بين البشر، فأعجب الأفارقة بهذا الدين العجيب الذي يغزو العقول والقلوب معًا، وبعد ذلك أراد الشيخ أن يرجع إلى دولته الناشئة، ولكن حبه للدعوة كان يفوق حبه للكرسي، فاستمر الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في التوغل في أدغال أفريقيا، يحارب بـ 7 آلاف جندي من المرابطين الحكام الوثنيين الذين يمنعون دعاة المسلمين من دعوة الشعوب المستضعفة، فدخل الأفارقة في دين أفواجًا، فاستمر الشيخ المجاهد يدعو الأفارقة إلى الإسلام بشكلٍ أنساه كرسي الحكم الذي تركه لابن عمه، وظل الشيخ ينشر دين اللَّه هنا وهناك في أدغال أفريقيا وغاباتها ليدخل في الإسلام دولًا بأسرها! فقد أدخل الشيخ اللنتوني في الإسلام كل من:
السنغال، الكاميرون، نيجيريا، غانا، بنين، سيراليون، ليبيريا، الجابون، غامبيا، النيجر، تشاد، مالي، غينيا، غينيا بينساو، غينيا الاستوائية، بوركينا فاسو، أفريقيا الوسطى، توجو، ساحل العاج، الكونغو. وبعد خمسة عشر عامًا قضاها الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في الدعوة إلى اللَّه رجع الشيخ عام 468 هـ بنصف مليون من الجنود الأفارقة الأشداء الذين أدخلهم في الإسلام، فلمّا وصل الشيخ أبو بكر إلى "مراكش" التي بناها ابن عمه واتخذها عاصمة له، تفاجأ أن ابن عمه الذي تركه مع 7 آلاف جندي في صحراء موريتانيا قد أدخل القبائل البربرية بأسرها إلى دولة المرابطين، ولم يكتفِ بذلك فحسب، بل انتهز فرصة غياب ابن عمه ليقوم بدوره بدعوة الناس في الشمال الأفريقي إلى دين اللَّه الصحيح، فضم إلى دولة المرابطين كلًا من: موريتانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس! فأصبحت دولة المرابطين التي أسسها الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين من خيمة مرابطة واحدة في غابة نائية من غابات السنغال الشمالية تمتد الآن من تونس شرقًا إلى غينيا بيساو غربًا، ومن الجزائر شمالًا إلى الجابون جنوبًا.

وهناك في مراكش، تقابل ابنا العم المجاهدان، وتعانقا بعد طول فراق، وتذكرا كيف كان حالهم قبل مجيئ الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين إليهم بدعوة التوحيد، وكيف كان شيخهم يعلم الناس التوحيد في رباطه من خيمته البالية، وكيف تحمل أذى الناس في دعوته حتى بعد أن أحرقوا له بيته، وكيف ضربوه وطردوه في الصحراء، وكيف لم ييأس في دعوته، تذكرا ذلك كله، ونظرا إلى ما هما عليه الآن من ملك لأكبر إمبراطورية عرفتها أفريقيا، عندها أجهش الرجلان في البكاء، قبل أن يعيد ابن عم الشيخ أبي بكر بن عمر اللنتوني زعامة الإمبراطورية له، عندها حدث أمرٌ عجيب!

لقد قام الشيخ المجاهد أبو بكر بن عمر اللَّنتوني بعملٍ لا يتكرر في التاريخ الإنساني إلا في حالة أمة الإسلام فقط، فلقد رفض الشيخ أبو بكر تسلم مقاليد الإمبراطورية! وفضَّل على ذلك أن يترك الحكم لابن عمه، ليستمرَّ هو في الدعوة إلى اللَّه، ليس ذلك فحسب. . . . بل ذهب الشيخ أبو بكر إلى زوجته وأخبرها أنه وهب نفسه للَّه سبحانه وتعالى، وأنه عازمٌ على الشهادة في سبيل اللَّه، وأخبرها بأنه قد نوى على تطليقها لكي لا يظلمها معه في رحلته الدعوية الطويلة، بعد ذلك ودع الشيخ أبو بكر ابن عمه الذي أجهش بالبكاء في وداعه، وتعانق البطلان عناقًا أخيرًا، لينتقل بطلنا مرة أخرى إلى عمق القارة السمراء، يدعو الناس إلى عبادة اللَّه الواحد، ويجاهد في سبيله ملوك الكفر والظلم، حتى جاء ذلك اليوم الذي كان فيه الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في رحلةٍ دعوية جديدة في إحدى غابات أفريقيا الاستوائية، هناك انطلق سهم غادرٌ من قوس أحد الملوك الوثنيين، ليستقر في قلب هذا البطل الإنساني العظيم، ليسقط فاتح أفريقيا شهيدًا بإذن اللَّه، وليسجل التاريخ الإسلامي اسم القائد الشيخ المجاهد البطل أبو بكر بن عمر اللنتوني بحروف من نور في قائمة العظماء، فلا يصلي شيخ في "أبيدجان"، ولا يُرفع الأذان في "دكار"، ولا يسجد طفل في "وجادوجو"، ولا يزكي مسلم في "أكرا"، إلا وكان للشيخ المجاهد البطل أبو بكر بن العمر اللنتوني مثل أجرهم. . . . لا ينقص من أجرهم شيء.


وقبل أن نعرف بقية قصة المرابطين، ونعرف اسم ابن عم الشيخ أبي بكر اللنتوني، وما الذي فعله في الأندلس بعد ذلك، ينبغي علينا أولًا أن نسافر بجملٍ من جمال المرابطين الأبطال، لينقلنا من عاصمتهم "مراكش" إلى ميناء "طنجة" المغربي، لنستقل سفينة من هناك نعبر بها مضيق "جبل طارق"، لتنقلنا إلى الأندلس من جديد، لنرى معًا ما الذي كان يدور على أرضها في نفس ذلك الوقت الذي تأسست فيه دولة المرابطين في الغرب الأفريقي!


فما هي قصة ملوك الطوائف؟ ولماذا ركّز المستشرقون على تلك الفترة بالذات من تاريخ الأندلس؟ ومن هو ذلك الرجل العظيم الذي استحق أن يضاف اسمه لقائمة المائة على الرغم من كونه ملكًا من ملوك الطوائف؟!
يتبع. . . . . . .










__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 07-11-2019, 05:59 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 16,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني

(36) العزيز في زمن الذلة (المتوكل بن الأفطس)


" ليس بيننا وبينك يا ألفونسو إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك"
(المتوكل بن الأفطس)

لو لم أكن أعرف نسبي جيدًا حتى أصل به إلى (سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان)، لشككت حينها أنني امرءٌ من البربر! فلقد ذكرت أبطال البربر كثيرًا لدرجة بتّ أخشى فيها أن يتَّهمني البعض بمحاباتي للبربر على حساب غيرهم في هذا الكتاب!
والحقيقة أنني نفسي متفاجئ من تاريخ قبائل الأمازيغ الذي لا نعرف عنه شيئًا، فلقد قدّم أولئك القوم الكثير لأمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولو لم يكن فيهم إلّا رجلًا واحدًا هو الشيخ (عبد اللَّه بن ياسين) أو الشيخ (أبو بكر بن عمر اللنتوني) لكفاهم، إلا أنني لا أستطيع أن اغفل ذكر بطلٍ إسلامي عظيم ظهر في زمن ضعف وهوان، فأن تكون عظيمًا في زمن العظماء فهذا شيءٌ عادي، أما أن تكون عظيمًا في زمن ندرت فيه العظمة، فأنت وقتها عظيم بالفعل!

وعظيمنا هو البطل الإسلامي البربري (المتوكل بن الأفطس)، وهو ملك ظهر في زمن ملوك الطوائف، وهي فترة من فترات الضعف والتفرق في الأندلس استمرت من سنة 422 هـ إلى سنة 479 هـ، أي أنها فترة استمرت 57 سنة من حكم المسلمين الذي امتد لأكثر من 800 سنة في الأندلس! ومع ذلك لا يذكر إعلامنا الأندلس إلا وسلط الأضواء على عهد ملوك الطوائف، وكأن تاريخ الأندلس كان كله تاريخ ملوك الطوائف! وليس عندي أدنى شك أن ذلك تطبيق عملي لـ "نظرية الغزو التاريخي" التي سبق وأن تطرقنا إليها مرارًا في هذا الكتاب، فمن أهم بنود هذه النظرية بندٌ يقوم فيه الغزاة بتسليط الضوء على مراحل الضعف التي مرت بها الأمة، وذلك لكي يشعر شباب الإسلام بأن تاريخهم أسود بالمجمل، فينغرس في عقلهم الباطن بأن أمتنا ما هي إلى نبتة برية سُقيت بأوساخ التاريخ، فينعدم كيان شبابنا، وتسود فيهم روح الانكسار، ولا يبقى لهم في النهاية إلّا أن يكونوا أتباعًا لأولئك الغزاة!


فكلما بحثتُ اكثر عن تاريخنا، اقتنعت أكثر بحقيقة كانت قد تجسدت لدي، ألا وهي أن معركتنا القادمة إنما هي معركة إعادة كتابة تاريخ هذه الأمة، ورفع الغبار عن صفحات كتابها المجيد، لا لكي نشعر بالفخر والاعتزاز بتاريخ أبطالنا فقط (وهذا شيءٌ مطلوبٌ أيضًا!)،

بل من أجل أخذ العبر واستلهام الدروس من تجاربهم التي خاضوها، فحال قبائل البربر قبل بدء دعوة ابن ياسين لا يختلف كثيرًا عن حال الأمة الآن، فدراسة قصة الأندلس منذ بدايتها وحتى نهايتها تبين لشباب هذه الأمة كيفية الصعود الحضاري، وهذه هي فائدة دراسة التاريخ، وهذا ما نرمي إليه من خلال هذا الكتاب إن شاء اللَّه.

وقبل أن نتحدث عن بطلنا العظيم ينبغي علينا أن نعرف حال الأندلس في زمانه، ومن خلال ذلك يمكن لنا أن نقيس مدى عظمة المتوكل بن الأفطس، فلقد انقسمت دولة الأندلس الإسلامية إلى 22 دولة، يحكمها ملوك من العرب والبربر والمولدين (الإسبان المسلمين)، فساد التضعضع أرجاء الممالك، وأغار كل واحد منهم على أخيه، فكانت المملكة الواحدة تتفكك إلى مملكتين أو أكثر بعد موت ملكها، وهكذا ظلت الأندلس تتشظى حتى أصبحت لقمة سائغة لمملكة قشتالة الصليبية في الشمال، والتي كانت إلى وقت قريب تدفع الجزية إلى الخلفاء الأمويين، ولكن الوقت قد تغير بالكلية في عهد ملوك الطوائف، فلقد أصبح ملوك تلك الممالك المتشرذمة هم من يدفعون الجزية لملك قشتالة (ألفونسو السادس)، فكان هذا الملك الصليبي يجهز جيشه بأموال الجزية التي يأخذها من المسلمين ليقوم بعد ذلك باحتلال مدنهم الواحدة تلو الأخرى! فسقطت بذلك "طليطلة" أعظم مدن الأندلس والتي فتحها الفاتح الإسلامي (طارق ابن زياد) منذ فجر الفتوح الأندلسية، المضحك المبكي في قصة سقوط تلك المدينة العظيمة يكمن في أنها سقطت بعد أن استضاف ملكها (ابن ذي النون) الملك (ألفونسو السادس) في قصورها وذلك بعد أن طرده إخوته الإسبان، فقام ذلك الملك الصليبي الخائن باستكشاف منافذ المدينة من كل جانب ليسهل عليه فتحها بعد ذلك بجيشه. أما ملك "سرقسطة"، وهو أحد ملوك الطوائف، فقد قام بالاستعانة بالصليبيين في مملكة "أراجون" ضد أخيه، فدفع الأموال لملك "برشلونة" الصليبي لكي يعيد له مدينة "بربشتة" التي أخذها أخوه منه، فقام الصليبيون بقتل 100 ألف من المسلمين في يوم واحد في بربشتة، ثم قام الصليبيون باغتصاب الفتيات المسلمات في طرقات تلك المدينة، قبل أن يرسلوا 7 ألاف فتاة بكر من أجمل بنات المسلمين كهدية إلى ملك "القسطنطينية" الصليبي في المشرق.

أمّا ملوك الطوائف، فقد زاد عددهم يومًا بعد يوم، وتلقبوا بألقابٍ كبيرة، فكان منهم المعتصم والمعتضد والمعتمد والناصر، وكان كل منهم أميرًا للمؤمنين، فكان المرء يمشي مسيرة يوم واحد ليقابل ثلاثة من أمراء المؤمنين في دويلات الأندلس المتشظية، مما دفع شاعر الأندلس في ذلك الوقت (أبا بكر بن عمار) لكي يصف ذلك الوضع المزري في الأندلس بقوله:

ممـا يُـزهِّدُني في أرْضِ أندلسٍ ... ألقـابُ مُعتـمـدٍ فـيـهـا وَمُـعْتَـضِـدِ
ألقْابُ ممَلكَة في غَيْرِ مَوْضِعِـها ... كَالهِرِ يَحْكي انْتِفاخًا صَوْلة الأسَدِ


وفي الوقت الذي دفع فيه جميع ملوك الطوائف الجزية للصليبيين مقابل البقاء على كراسيهم، أبى منهم ملكٌ واحدٌ فقط أن يعطي الدنية في دينه، وهو ملك مملكة "بطليوس" في "البرتغال"، ألا وهو الملك البربري (المتوكل باللَّه بن الأفطس)، والحقيقة أن هذا الموقف يكفيه لكي ينضم إلى قافلة المائة العظماء في هذه الأمة، فأن يحاول المرء مجرد الوقوف في وجه التيار في مثل هذه الظروف، يجعل منه بطلًا بالضرورة، فلم يكتفِ ابن الأفطس بعدم دفع الجزية فحسب، بل بعث برسالة قوية يرد فيها على (ألفونسو) الذي توعده بالحرب إن لم يقتدِ بإخوانه من ملوك الطوائف ويدفع الجزية، فكان رد المتوكل عليه:
"وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن للَّه جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أعزّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل اللَّه لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن اللَّه وليعلم المؤمنين، وليميز اللَّه الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين. أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. أما نحن فإن قلّت أعدادنا وعُدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وباللَّه تعالى وملائكته المسوّمين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى اللَّه مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل اللَّه فيا لها من جنة، وفي اللَّه العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت".


فما أن قرأ ألفونسو السادس رده حتى عرف أن هذا الرجل ليس من نفس معدن ملوك الطوائف، فرجع بجيوشه إلى "قشتالة"، ليظل المتوكل بن الأفطس الوحيد بين ملوك الطوائف الذي لم يدفع الجزية البتة!
وظلت الأندلس على هذه الحالة القاتمة حتى حدث شيء عجيب غير من مسار التاريخ هناك، فلقد بعث ألفونسو السادس بوزيره اليهودي (ابن شاليب) إلى (المعتمد بن عبّاد) ملك "إشبيلية" و"قرطبة" يطلب منه أمرًا عجيبًا يوضح مدى الذلة التي وصل إليها ملوك الطوائف، فلقد طلب ألفونسو السادس من المعتمد ابن عباد أن يفتح له أبواب جامع قرطبة (أكبر جامع على وجه الأرض في وقتها!)، وذلك لكي تقوم زوجته ملكة إسبانيا بالولادة عند منبر المسجد!! فتعجب ابن عباد من هذا الطلب المقزز، وعرض أن يضاعف أموال الجزية بدلًا من ذلك، لكن الوزير اليهودي ابن شاليب رفض ذلك وأساء أدبه مع الملك في حضرة الوزراء والشيوخ، عند ذلك بلغ السيل الزبى لدى ابن عباد، فقد وصل الأمر إلى حد الاستخفاف ببيت اللَّه، عندها استل المعتمد بن عباد سيفه وقطع به رأس ذلك الوزير، وأرسل به إلى ألفونسو مرفقًا برسالة أن لا جزية لك بعد اليوم، فاقض ما أنت قاض!

فاستشاط ألفونسو السادس غضبًا، وتقدم بجنوده لأشبيلية، فحاصرها، فطال أمد الحصار هناك، عند ذلك بعث ألفونسو السادس برسالة يستخف بها من ابن عباد، فكتب له يقول: "إن الذباب قد آذاني حول مدينتك، فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل" فتناول المعتمد بن عباد تلك الرسالة وكتب على ظهرها ردًا من جملة واحدة، ثم لف الرسالة وبعثها مرة أخرى إلى ألفونسو السادس، فما إن قرأ ألفونسو السادس ذلك الرد القصير، حتى ارتعدت مفاصله، وارتجفت شفتاه، وأعطى الإشارة لجنوده بالانسحاب الفوري من أسوار اشبيلية، والعودة السريعة إلى حصون قشتالة!

فما هي تلك الجملة القصيرة التي أدخلت الرعب في قلب ألفونسو السادس؟ ولماذا رجع ألفونسو القهقرة بمجرد قراءتها؟ وماذا حصل بعد ذلك؟ وما هي حكاية معركة "الزلاقة" الخالدة والتي تقاس بمعركة "اليرموك" في عظمتها؟ ولماذا سميت بهذا الاسم؟ وكيف كانت نهاية المجرم الصليبي ألفونسو السادس؟
يتبع. . . . .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #35  
قديم 13-11-2019, 05:06 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 16,860
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

جهاد الترباني


(8) (حواري رسول اللَّه) الزبير بن العوام




أن تكون ابن عمة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فهذا شرف كبير، وأن تكون عمتك أخت أبيك هي خديجة -رضي اللَّه عنها- زوجة رسول اللَّه فيالك من محظوظ، وأن تكون زوجتك بنتًا للصديق وأختًا لعائشة زوجة رسول اللَّه فأكرم بهذا النسب، وأن تكون أحد العشرة المبشرين بالجنة فحَيْهَلا بك وبالتسعة، وأن ينزل جبريل الأمين بهيأتك ومعه خمسين ألف ملك كلهم على نفس صورتك فهذا شرف ما بعده شرف، وأن يكون خالك حمزة وابن خالك علي وابن خالك الأخر عبد اللَّه بن العباس فأنت أشرف الناس نسبًا، وأن تكون حواري سيد الخلق فهذا قمة التشريف والتبجيل، ولكن أن يجتمع هذا الشرف كله في إنسان واحد فاعلم أنك تتحدث عن رجل واحد فقط، إنك تتحدث عن البطل المقدام، والفارس الهُمام، والصائم القوّام، إنك تتحدث عن حواري خير الأنام، إنك تتحدث عن الزبير بن العوّام!

والحواري هو ناصر النبي من صفوته الذي بالغ في نصرة نبيه ونقي من كل عيب. وإذا أردت أن تعرف لماذا كان الزبير حواريًا لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فارجع معي إلى السنوات الأولى من البعثة النبوية الشريفة، وانتقل بروحك إلى مكة المكرمة. . . . هناك في شوارعها يرى الناس غلامًا صغيرًا يمد الخطى شاهرًا سيفه والشرر يقدح من عينيه كأنه شبل ليث مفترس، فيتعجب الناس من أمر هذا الفتى الصغير المشهر سيفه أمامه كأنه كتيبة كاملة من الأبطال، فيصيح الناس بدهشة بالغة: الغلام معه السيف! الغلام معه السيف! وبينما هذا الغلام يمد خطاه في شوارع مكة وإذ برسول يراه في هذه الهيأة العجيبة، فيسأله بعجب: مالك يا زبير؟! فيرتشف الفتى الصغير من أنفاسه ما ينعش به روحه ويقول:

سمعت يا رسول اللَّه أنك أُخِذت وقتلت! فينظر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بحنان إلى عينيه الصغيرتين ويقول له: فماذا كنت صانعًا؟! فيقول الزبير بن العوام بكل حزم: جئت لأضرب بسيفي من أخذك!
ومن شوارع مكة إلى ضواحي المدينة، هناك عند جبل أحد، هناك تحت شمس الصحراء القاحلة عند بدء المعركة وقبل أن يلتحم الجيشان وقف ما رد ضخم هو أعظم فارس في جيش الكفار اسمه (طلحة بن أبي طلحة العبدري) والذي كان يُطلق عليه لقب "كبش الكتيبة" لشدة بأسه وضراوة قتاله، فتقدم هذا الوحش البشري راكبًا على جمل ضخم حاملًا راية المشركين في يده وهو ينادي في المسلمين طالبًا رجلًا منهم ليبارزه، عندها برز من بين كثبان الصحراء القاحلة وأشعة الشمس الملتهبة، هناك من بين شباب محمد. . .

انبثق من بين أسنة السيوف اللامعة ورؤوس الرماح الشامخة شابٌ مفتول العضلات طويل القامة عريض الكتفين يمد الخطى بكل ثقة باتجاه كبش الكتيبة وكأنه البرق الخاطف، إنه هو هو ذلك الغلام الصغير الذي حمل سيفه قبل عدة سنوات ليذود به عن ابن خاله. . . إنه حواري رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . .
إنه البطل الزبير بن العوام! فلمّا صار هذا البطل أمام الجمل الضخم وفوقه أعظم فرسان العرب، قفز الزبير فوق الجمل كالفهد الجارح وجذب بذراعيه القويتين الجمل وصاحبه نحو الأرض وبرك فوق كبش الكتيبة، وأمسك برأسه المخيف فجزها جزًا ليجعل من صاحبها جسدًا بلا رأس، عندها نظر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ابن عمته صفية بكل فخر واعتزاز، فرفع صوته ونادى: اللَّه أكبر!
ومن أحد نتجه شمالًا من المدينة المنورة حتى نصل إلى اليرموك في بلاد الشام، هناك يتعجب الروم من فارس ملثم يتقدم وحده بفرسه قبل بدء المعركة كالصقر الكاسر، ليخترق جيش الرومان بفرسه وفي يده اليمنى سيف وفي يده اليسرى سيف آخر يحارب بهما معًا، لتتطاير رؤوس الروم عن اليمين وعن الشمال، لقد كان هذا الفارس الملثم هو الزبير بن العوام!


ومن الشام إلى مصر. . . . . هناك في قلب مصر تحصن الروم في حصن "بابليون" المنيع لمدة سبعة أشهر عجز فيها جيش (عمرو بن العاص) من إحداث أي اختراق فيه، عندها قرر الفاروق عمر أن يحل هذه المشكلة، فأرسل إلى عمرو مددًا يحتوي على رجال المهمات الصعبة في الجيش الإسلامي، من بينهم محمد بن مسلمة والزبير بن العوام، فما إن وصل الزبير حصن بابليون، حتى تفاجأ الروم، بفارسٍ عظيم البنيان، مفتول العضلات، لم يحددوا إن كان إنسيًا أم مخلوقًا من عالم آخر، يتسلق الحصن كأنه ماردٌ يشق الأسوار شقًا بيديه، وما هي إلا ثوانٍ معدودةِ حتى أصبح ذلك العملاق الإسلامي فوق أعلى نقطة في الحصن، وعند هذه اللحظة. . . .

رفع هذا المغامر المقدام سيفه في عنان السماء وصاح بصوت زلزل الأرض كهزيم الرعد: اللَّه اكبر! عندها هرع الروم من ثكناتهم من هول ذلك المنظر العجيب، لقد كان هذا العملاق هو نفسه ذلك الرجل الذي نزل جبريل عظيم الملائكة بهيأته، لقد كان هذا البطل هو حواري رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إنه البطل الإسلامي العملاق الزبير بن العوام -رضي اللَّه عنه-.
وبعد. . . كانت هذه السطور غيضًا من فيض أسطورة حقيقية لفارس حقيقي اسمه الزبير بن العوام، هذا الفارس العملاق هو البطل الذي ينبغي لشبابنا أن يقتدوا به ويدرسوا سيرته، فلقد انتهى زمان التبعية، وآن الأوان لشباب هذه الأمة أن يعرفوا أبطالهم حق المعرفة.

وإذا ذكر الزبير ذكر معه فارس آخر ارتبط اسمه ارتباطًا كليًا مع الزبير، إلى درجة صار فيها الاثنان جاري رسول اللَّه في الجنة، فمن هو ذلك الصحابي الجليل الذي أصبح شهيدًا وهو ما يزال حيًا يُرزق؟!
يتبع. . . . .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 0 والزوار 6)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.


 ••• جميع المشاركات والآراء المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها وليس بالضرورة وجهة نظر الموقع •••

انضم الينا عبر فيس بوك

انضم الينا عبر فيس بوك

إجعلها بداية تصفحك للأقسام  

شبكة الشفاء الاسلامية  لإعلاناتكم إضغط هنا

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 129.75 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 125.71 كيلو بايت... تم توفير 4.04 كيلو بايت...بمعدل (3.12%)]