|
ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#71
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 72 ) باب : مسح الحصى في الصلاة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 350.عَنْ مُعَيْقِيبٍ رضي الله عنه: قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ - يَعْنِي الْحَصَى – قَالَ: «إِنْ كُنْتَ لَابُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً».الشرح: قال المنذري: باب: مسح الحصى في الصلاة . والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/387) وبوب عليه النووي: باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة. وأخرجه البخاري في كتاب العمل في الصلاة: باب مسح الحصا في الصلاة (1207). معيقيب بالتصغير : هو ابن أبي فاطمة الدوسي، وحليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد، وولي بيت المال لعمر، ومات في خلافة عثمان أو علي. روى له الستة، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد. قوله: «ذَكَرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْحَ في الْمَسجِدِ - يعني الْحصَى – قَالَ: «إِنْ كُنْتَ لَابُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً». وفي رواية: «أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسح في الصلاة؟ فقال : « واحدة». وقال الكرماني: ترجم بالحصى، أي: البخاري؛ لأن الغالب أنه يوجد في التراب، فيلزم من تسويته مسح الحصى. وقال ابن رشيد: ترجم بالحصى، والمتن الذي أورده في التراب، لينبه على إلحاق الحصى بالتراب في الاقتصار على التسوية مرة، وأشار بذلك أيضا إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ (الحصى) كما أخرجه مسلم. وقال الحافظ: تنبيه: والتقييد بالحصى وبالتراب، خرج للغالب، لكونه كان الموجود في فرش المساجد إذْ ذاك، فلا يدل تعليق الحكم به على نفيه عن غيره؛ مما يُصلى عليه من الرمل والقذى وغير ذلك . فقوله: «إنْ كنت لا بد فاعلا فواحدة»، معناه: لا تفعل، وإنْ فعلتَ فامسح واحدة لا تزد، وقوله: «فواحدة» بالنصب على إضمار فعل، أي: فامسح واحدة، أو على النعت لمصدر محذوف، ويجوز الرفع على إضمار الخبر، أي: فواحدة تكفي، أو إضمار المبتدأ، أي: فالمشروع واحدة. ووقع في رواية الترمذي: «إنْ كنتْ فاعلا فمرة واحدة». قال: والعمل على هذا عند أهل العلم . وهذا نهيٌ عن هذا الفعل أثناء الصلاة، وحكى النووي اتفاق العلماء: على كراهة مسح الحصى وغيره في الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، فقد حكى الخطابي في (المعالم) عن مالك: أنه لم ير به بأسا! وكان يفعله، فكأنه لم يبلغه الخبر. وأفرط بعض أهل الظاهر، فقال: إنه حرام إذا زاد على واحدة، لظاهر النهي، ولم يفرق بين ما إذا توالى أو لا؟ مع أنه لم يقل بوجوب الخشوع! قال: والذي يظهر أنّ علة كراهيته: المحافظة على الخشوع، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة انتهى . وأيضا: فقد اتفق العلماء على كراهة المسح؛ لأنه يُنافي التواضع؛ ولأنه يشغل بال المصلي. قال القاضي: وكره السلف مسح الجبهة في الصلاة، وقبل الانصراف - يعني من المسجد - مما يتعلق بها من تراب ونحوه. وقد روى ابن أبي شيبة: عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «ما أحبُ أن لي حُمر النعم، وأني مسحتُ مكان جبيني من الحصى». وروى أيضا: عن أبي صالح السمان قال: إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإنّ كل حصاةٍ تُحب أن يسجد عليها، فهذا تعليل آخر، والله أعلم. وأما حديث أبي ذر مرفوعا بلفظ: «إذا قام أحدُكم إلى الصلاة، فإنّ الرحمة تُواجهه، فلا يمسح الحصى». فهو حديثٌ ضعيف، رواه أبوداود (201) والترمذي (380) والنسائي وابن ماجة (213). وقوله في رواية البخاري: «في الرجل يُسوّي الترابَ حيث يسجد»، أي: حكم الرجل، وذُكر للغالب، وإلا فالحكم جارٍ في جميع المكلفين. وقوله: «حيث يسجد»، أي: مكان السجود، وهل يتناول العضو الساجد؟ لا يبعد ذلك، قاله الحافظ. وقد ورد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه - كما في الصحيحين - أنه لما حصل المطر وصلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، وخر المطر من السقف، قال أبو سعيد رضي الله عنه: فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم رأيت أثر الطين والماء على جبهته وأنفه. صلوات ربي وسلامه عليه، فدل هذا على أنه لم يمسحها في الصلاة، فالسنة أن تترك إلى ما بعد السلام. وقد سئل العلامة ابن باز رحمه الله: سمعنا من يقول: يكره مسح الجبهة عن التراب بعد الصلاة، فهل لهذا أصل؟! فقال: الجواب: ليس له أصلٌ فيما نعلم، وإنما يكره فعل ذلك قبل السلام؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض صلواته أنه سلّم من صلاة الصبح في ليلة مطيرة ويرى على وجهه أثر الماء والطين فدل ذلك أن الأفضل عدم مسحه قبل الفراغ من الصلاة. انتهى كلامه. 149- باب: دَلكُ النُّخاعة بالنّعل 351-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَرَأَيْتُهُ تَنَخَّعَ فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ. الشرح: قال المنذري: باب: دَلك النُخاعة بالنعل. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/390) وبوّب عليه النووي: باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها. عبدالله بن الشخير بتشديد الشين والخاء، هو ابن عوف العامري ، صحابي من مُسلمة الفتح، روى له مسلم والأربعة. قوله: «دَلك النُخاعة بالنعل»، النخاعة: هي ما يخرج من الرأس. ودلكها بالنعل في المسجد، يدل على أنها طاهرة. ويدل على جواز ذلك الفعل في الصلاة، إذا كانت أرض المسجد رملا، وكان لا يؤذي بها أحدا. وقد سبق الكلام على ذلك بتفصيل في الأبواب السابقة قريبا.
__________________
|
#72
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 73 ) باب : عقص الرأس في الصلاة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 352-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِي؟! فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا، مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ».- الشرح : قال المنذري: باب: عقص الرأس في الصلاة. وأخرجه مسلم في الصلاة (1/355) وبوب عليه النووي: باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة. عبد اللَّه بن الحارث هو ابن نوفل الهاشمي أبومحمد المدني، أمير البصرة، له رؤية، ولأبيه وجده صحبة، قال ابن عبدالبر: أجمعوا على ثقته، مات سنة تسع وسبعين، ويقال : سنة أربع وثمانين. روى له الستة . قوله: «معقوص» عَقَصَ الشَّعْر: ضَفَّرَهُ وفَتَلَهُ, والْعِقَاص: خَيطٌ يُشَدّ بِهِ أَطْرَاف الذَّوَائِب. والنَهْي عن العَقْص في الصَّلاة، يعني أن يربط الرجل شعره بخيط أو غير ذلك وهو يصلي، وكذلك النَهْي عن تشمير الثوب في الصلاة . قوله: «وَهُوَ مَكْتُوف» كَتَفْته كَتْفًا كَضَرَبْته ضَرْبًا، إِذَا شَدَدْت يَده إلَى خَلْف كَتفيْه مُوثَقًا بحبْل. قَال النَّوويّ: اتَّفَق الْعلَماء علَى النَّهي عن الصَّلاة وثَوْبه مُشَمَّر, وكُمّه أَو نحوه أَو رَأْسه مَعْقُوص، أَو مرْدُود شَعْره تَحْت عمامَته، أَو نحْو ذلك, فكُلّ هذا منهيّ عنه باتِّفَاق الْعلَماء، وهو كَراهة تَنْزيه, فَلَو صلَّى كَذلك فقد أَساءَ وصحَّتْ صلاَته. (4/ 209). فالحديث فيه نَهى النبِيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُصلِّي الرجل ورأسه مَعْقوص، يعني نهى أنْ يكون شعره ذو ضفائر، أو أنْ يربطه بخيط في الصلاة، وقد أمرَ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعةِ آراب - يعني سبعة أعضاء - ونَهى أن يَكِفَّ شعره وثوبَه - يعني نهى أنْ يضم شعره ويربطه بشيء، أو أنْ يشمر ثوبه أو كمّه أو نحو ذلك في الصلاة . والحكْمة أنْ لا يكون شبيهًا بالمكتوف الَّذي ربطَت يده خلْفه، فإنَّه إذا سجدَ لا تسجد يَداه معه، بل إذا إذا سجَد، فإن الشعر يَسْجد معه. واعلم أنَّ النَهْي مختصٌّ بالرِّجال على الصحيح دون النِّساء . وقد ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنَّه دخل المسجد، فرأى فيه رجلاً يُصلِّي عاقصًا شعره، فلمَّا انصرفَ قال عبدالله بن مَسْعودٍ للرجل: إذا صلَّيت فلا تعقصَنَّ شعرك، فإنَّ شعرك يَسْجد معك، ولك بكلِّ شعرةٍ أَجْر، فقال الرَّجلُ: إنِّي أخافُ أنْ يتترب، قال: تَتْريبُه خيرٌ لك . وهو أثر صحيح: رواه عبدالرزاق (2/ 185)، وابن أبي شيبة (2/ 194)، والطبراني في الكبير (9/ 267) وثبت نحوه أيضًا عن ابن عمر. وفي الحديث: مشروعية تغيير المحرّم والمكروه باليد، وهو فيما يقدر عليه الإنسان، ولم يترتب عليه مفسدة أعظم، وإلا فباللسان، ثم بالقلب . وأنه لا يؤخر إلا لمصلحة؛ إذْ لم يؤخره ابن عباس حتى يفرغ من الصلاة. وفيه: حرص الصحابة رضي الله عنهم على تبليغ العلم ، مما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 151- باب: الصلاة بحضرة الطعام 353.عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ، وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَابْدَؤُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ». - الشرح : قال المنذري: باب: الصلاة بحضرة الطعام. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/392) وبوب عليه النووي: باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، وكراهة الصلاة مع مدافعة الأخبثين . قوله: «إذا قرب العشاء، وحضرت الصلاة» أي: إذا حضر طعام العشاء في وقت الصلاة، فالمستحب أنْ يبدأ بالعَشاء، قبل الصلاة; ليكون أفرغ لقلبه، وأحضر لباله، وأكمل لخشوعه في صلاته . لكن لا ينبغي له أن يتعمد الإتيان بالعشاء وقت الصلاة؟! لكن لو حضرالعشاء دون تعمد بل اتفق ذلك، فإنه يبدأ بالعشاء ولو فاتته الجماعة أو بعضها، حتى يأتي الصلاة وقلبه فارغ غير مشغول ولا مشوش. ولا يستحب أنْ يَعجل عن عشائه أو غدائه، فإنّ في الرواية الأخرى لمسلم: أن أنسا رضي الله عنه قال: إن النبي[ قال: «إذا قُرّب العشاءُ وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أنْ تُصلوا صلاة المغرب، ولا تَعجلوا عن عشائكم». وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إني سمعت رسول الله[ يقول: «لا صلاةَ بحضرةِ طعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان» رواه مسلم وغيره. ولا فرق بين أنْ يخاف فوتها في الجماعة، أو لا يخاف ذلك، فإن في بعض ألفاظ حديث أنس السابق: «إذا حَضر العشاءُ، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء». وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله[: «إذا قُرب عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشاء، ولا يَعْجلن حتى يفرغ منه». رواهما مسلم وغيره. وتعشى ابن عمر، وهو يسمع قراءة الإمام. قال ابن قدامة: قال أصحابنا: إنما يقدم العشاء على الجماعة إذا كانت نفسه تتوق إلى الطعام كثيرا، ونحوه قال الشافعي، وقال مالك: يبدؤون بالصلاة، إلا أن يكون طعاما خفيفا! وقال بظاهر الحديث عمر وابنه، وإسحاق وابن المنذر. وقال ابن عباس: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام ، فأكمل صلاته أن صلاته تجزئه، كذلك إذا صلى حاقنا. وقال الشافعي وأبو حنيفة والعنبري: يكره أن يصلي وهو حاقن، وصلاته جائزة مع ذلك، إنْ لم يترك شيئا من فروضها. وقال مالك: أحب أن يعيد إذا شغله ذلك. قال الطحاوي : لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من الدنيا، أنه لا يستحب له الإعادة، كذلك إذا شغله البول. (المغني) فإن صلى في هذه الحال وترك الطعام، فصلاته صحيحةٌ مع الكراهة، وقيل: لا تصح؛ وهما قولان للعلماء. ومنشأ الخلاف : هل النفي في الحديث: «لا صلاة بحضرة الطعام» هو نفيٌّ للصحة أو نفي للكمال؟ قولان للعلماء، أرجحهما: أنه نفيٌ للكمال، كما هو مذهب الجمهور، والثاني : نفيٌ للصحة، وهو قول أهل الظاهر وجماعة. فيكون المعنى على الصحيح: لا صلاة كاملة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان. وفي حديث عائشة أنها أنكرت على القاسم مخالفته للحديث، وقيامه للصلاة وهو بحضرة الطعام. والحديث: فيه دليل على أن عادة الصحابة رضي الله عنهم أنهم يتعشون قبل المغرب، كحال أهل نجد سابقًا وغيرهم .
__________________
|
#73
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 74 ) باب : السهو في الصلاة والأمر بالسجود فيه الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 354.عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَاماً لِأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ».الشرح: قال المنذري: باب: السهو في الصلاة والأمر بالسجود فيه . والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/ 400) وبوب النووي: باب السهو في الصلاة والسجود له . قوله: «فَلَمْ يَدْرِ» مجزوم بحذف الياء، كقوله تعالى: {ﮚ ﮛ ﮜ} (يوسف: 90). قوله: «إِذا شكَّ أَحدُكُم فِي صَلَاته» الشك في اللغة: التردد بين وجود الشيء وعدمه. قوله: «فليطرح الشك وليبن على ما استيقن» وفي رواية: «فليصلِّ» وفي هذا الحديث دلالة صريحة: على أنّ من شكّ في صلاته، فلم يدر كم صلى، فإنه يبني على اليقين، وهو الأقل ، وهو موافق لقواعد الشرع في الشك. ويؤيده حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سَها أحدُكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلى أو اثنتين، فليبنِ على واحدةٍ، فإنْ لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثا، فليبنِ على ثنتين، فإنْ لم يدر ثلاثاً صلى أو أربعا، فليبنِ على ثلاثٍ، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم». ونوقش هذا الحديث : بأنه معلول . ويجاب عنه بأنه قد صححه الترمذي والحاكـم والذهبي، وقال الشيخ أحمد شاكر بعدما ذكر شواهد لهذا الحديث: «ومجموع هذه الروايات تؤيد تصحيح الترمذي والحاكم والذهبي للحديث».اهـ . وعلى افتراض عدم صحة الحديث ، فإنّ مدار الحكم لا يعتمد على هذا الحديث وحده ، فالعمدة حديث أبي سعيد الخدري المتقدم ، وهو صحيح . قال ابن عبد البر : وفي الحديث دلالةٌ قوية، لقول مالك والشافعي والثوري وغيرهم : أنّ الشاك يبني على اليقين ، ولا يجزيه التحري وورد في بعض الأحاديث الأمر بالتحرّي عند حصول الشك . وقد استدل من قال بالتحري: بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: صلى النبيُ صلى الله عليه وسلم- قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص - فلما سلّم، قيل له: يا رسول الله، أَحَدثَ في الصلاة شيءٌ؟ قال: «وما ذاك؟»، قالوا: صليتَ كذا وكذا، فثنى رجله واستقبل القبلة، وسجد سجدتين ثم سلم ، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: « إنه لو حَدثَ في الصلاة شيءٌ، لنبّأتكم به، ولكنْ إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكروني، وإذا شكّ أحدُكم في صلاته، فليتحرّ الصوابَ فليتمّ عليه، ثم يُسلم ثم يسجد سجدتين» . متفق عليه. وجه الاستدلال من الحديث: قالوا: أفاد الحديث بأن من شك في صلاته، فلم يدر كم صلى، فإنه يتحرّى بأنْ يبني على غالب ظنه. واختلف الفقهاء في كيفية الجمع بينه، وبين الحديث الأول، على مسلكين: - المسلك الأول: ذهب بعـض الفقهاء - ومنهم الإمام مالك - إلى أن المقصود بالتحري في حديث ابن مسعود هذا، هو: الرجوع إلى اليقين؛ جمعاً بين هذا الحديث، وأحاديث البناء على اليقين المتقدمة . - المسلك الثاني: أنه يحمل حديث ابن مسعود هذا على من عنده ظنٌ غالب فيتحرى؛ بأن يبني على غالب ظنه، وتحمل أحاديث البناء على اليقين، على من لم يكن عنده ظن غالب يعمل عليه، فيبني على اليقين وهو الأقل؛ جمعا بين الأحاديث . ويظهر - والله أعلم - أنّ المسلك الثاني أرجح وأصوب؛ لأن فيه إعمالاً لجميع الأحاديث، بينما المسلك الأول يجعل التحرّي هو البناء على اليقين، وهذا غير صحيح، فإنّ معنى التحري يختلف عن معنى البناء على اليقين، كما هو معلوم. وقيل: بالتفريق بين الإمام والمنفرد، بأنّ الإمام يبني على غالب ظنه؛ لأن له منْ يُنبهه، ويذكره بالصواب إذا أخطأ، فيتحرى ويعمل بالأظهر عنده؛ لأنه إنْ أصاب أقرّه من خلفه من المأمومين، فيتأكّد له صواب نفسه، وإنْ أخطأ سبّحوا له ، فيعلم أنه أخطأ، فيرجع إليهم، فيحصل له الصواب على كلتا الحالتين. وليس كذلك المنفرد؛ إذْ ليس له من يذكره فيبني على اليقين ليحصل له إتمام صلاته . وعلى هذا يحمل حديث أبي سعيد وعبد الرحمن بن عوف على المنفرد ، وحديث ابن مسعود على الإمام؛ جمعا بين الأحاديث وعملا بها جميعا. ونُوقش هذا الدليل : بأن الخطاب في أحاديث هذه المسألة لجميع المصلين، الإمام والمنفرد، وليس في لفظ واحدٍ منها ما يدل على ذلك، فإخراج الأئمة من حديث أبي سعيد وغيره غير صحيح ولا يجوز ، وكذلك إخراج المنفردين من حديث ابن مسعود غير صحيح أيضا. قوله: «وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم» فيه: أنّ سجود السهو قبل التسليم. وفي حديث ابن مسعود، وفيه القيام إلى خامسة، سجد بعد السلام. وفي حديث ذي اليدين الآتي، سجد بعد السلام. فاختلف الفقهاء في الأخذ بها، فقال أبوحنيفة: الأصل هو السجود بعد السلام . وقال الشافعي: الأصل السجود قبل السلام . وقال مالك: إن كان السهو زيادة، سجد بعد السلام، وإنْ كان نقصاً فقبله. وقوله أحسن الأقوال، والله تعالى أعلم. وقال عياض: لا خلاف بين هؤلاء وغيرهم من العلماء، أنه لو سجد قبل السلام أو بعده، للزيادة أو النقص، أنه يُجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل، والله أعلم. ومن المسائل: 1- أنه لو سها سهوين فأكثر، كفاه سجدتان للجميع ، وبه قال الجمهور. قال صديق حسن خان: أحسن ما يستدل به لهذا : أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحدٍ من الصحابة، أنهم كرّروا السجود لتكرر السهو، مع أن تكرر السهو ممكن لكل مصل انتهى . 2- أن أحاديث سجود السهو، شاملةٌ لجميع من سها في صلاته، فرضا كانت أم نفلاً. 3- أن الإمام إذا سها، وسجد للسهو، وجب على المأموم أن يسجد معه، ولو لم يسه هو، لحديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». 4- أن المأموم إذا سها، فترك واجباً من واجبات الصلاة، فإنه لا يلزمه أن يسجد للسهو بعد صلاته، إذْ لم يعرف عن أحدٍ من الصحابة ، أنه سجد للسهو خلف النبي صلى الله عليه وسلمفي صلاة الجماعة. ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الإمام ضامنٌ..»، رواه أبوداود والترمذي وصححه ابن حبان من حديث أبي هريرة . قوله: «فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا ، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ»، وفي رواية: «فإنْ كانت الركعة التي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين»، أي: ردّها إلى الشفع، قال الباجي: يحتمل أن الصلاة مبنية على الشفع، فإنْ دخل عليه ما يوترها من زيادة، وجب إصلاح ذلك بما يشفعها. قوله: «وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَاماً لِأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ»، تَرْغيما لِلشَّيطان، أي إغاظة له وإذلالا، قال النووي: المعنى : أن الشيطان لبّس عليه صلاته، وتدارك ما لبسه عليه فأرغم الشيطان، وردّ خاسئاً مُبعدا عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم، وامتثل أمر الله تعالى، الذي عصى به إبليس من امتناعه من السجود.
__________________
|
#74
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 75 ) بـاب: فــي سجــــــود القـــــرآن الفرقان المشروع في وقت سجود التلاوة أن يكون عند ختام آية السجدة، فإنْ أخّرها قليلاً لسهو أو عذر، فلا حرج عليه الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 356.عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَانِ جَبْهَتِهِ.قال المنذري: باب: في سجود القرآن. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/405) وبوب عليه النووي: باب سجود التلاوة. والسجود عند تلاوة الآيات التي تشتمل على السجدة، هو مما شرع الله تعالى لعباده، وهو من أنواع النوافل والتطوعات التي تقرّبهم إليه سبحانه، فشرع لهم السجود عند تلاوة الآيات التي تشتمل على السجدة، وفيها كمال الخشوع، وإظهار الافتقار إليه، والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وإغاظة وإبكاء الشيطان عدو الله، وغير ذلك من المصالح والفوائد. ومما يدل على مشروعيته قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (الإسراء: 107-109). - وقد ورد فضلٌ عظيم لسجود التلاوة، لا ينبغي أنْ يُفرط فيه القارىء، فقد ورد في صحيح مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا قرأ ابنُ آدمَ السجدةَ فسجد، اعتزلَ الشيطانُ يبكي يقولُ: يا ويلي، أُمرَ ابن آدم بالسجود فسجدَ، فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت، فلي النار». فينبغي للمسلم المواظبة على سجود التلاوة، إلا من مانع أو شغل، وسجود التلاوة تحصل بسجدةٍ واحدة باتفاق الفقهاء، ولا يشرع الزيادة على ذلك. والسجود المشروع: أنْ يتلو القارئ القرآن لقصد التلاوة، ثم يسجد لآية السجدة أما أنْ يقتصر فقط على تلاوة آية السجدة، ويكون قصده السجود، فيكره ذلك عند جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة. - ويشتمل القرآن على خمس عشرة سجدة، سجدة في سورة الأعراف وسورة والرعد وسورة النحل وسورة الإسراء وسورة مريم، وسجدتان في سورة الحج، وسجدة في سورة الفرقان وسورة النمل وسورة السجدة وسورة ص وسورة فصلت وسورة النجم وسورة الانشقاق وسورة العلق. وقد اتفق الأئمة على مشروعية السجود فيها إلا السجدة الثانية في الحج والسجدات الثلاث في المفصل كما حكاه ابن قدامة في الكافي، والجمهور على مشروعية السجود فيها، والسجدة الثانية في الحج ثبت فيها الحديث، كما روى أبوداود (1402) والترمذي (578) وصححه أحمد شاكر: عن عقبة بن عامر قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله، أفي الحج سجدتان ؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما. وثبت عن عمر وابنه عبد الله وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري أنهم سجدوا عندها، ولم يعلم لهم مخالف، وقال إسحاق: أدركت الناس منذ سبعين سنة، يسجدون في الحج سجدتين. وأما سجدات المفصل الثلاث، فقد ثبت بالأدلة الصحيحة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدها، سجدة النجم وردت في صحيح البخاري، وسجدة الانشقاق وردت في صحيح مسلم، وسجدة العلق أيضا وردت في صحيح مسلم، وبهذا يتبين أنّ عدد السجود خمس عشرة سجدة، على الصحيح، لظاهر الأدلة، وعمل الصحابة وقول الجمهور. ورُوي عن عمرو بن العاص: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان». رواه أبو داود (1401) وابن ماجة، بإسناد فيه مقال، وضعفه الألباني. - وسجود التلاوة سنةٌ مستحبة عند جمهور الفقهاء، وقال أبوحنيفة هو واجب، والصحيح الأول، وهو الذي دلّت عليه الأحاديث، فقد ثبت في صحيح البخاري: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة (النحل) حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس إنا نمرُ بالسجود فمنْ سجد فقد أصاب، ومنْ لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر رضي الله عنه . وأقرّه الصحابة على ذلك، ولم يُنكر عليه أو يخالفه أحدٌ منهم، فدل ذلك على إجماع الصحابة عليه، وفيه ردٌ لقول من أوجب سجود التلاوة. ولا حجة صحيحة لمن أوجب سجود التلاوة على قارئ السجدة. وتشرع السجدة سواء كان القارىء في داخل الصلاة، أم في خارجها، فإذا كان خارج الصلاة فقرأ آية سجدة، سُنّ له في الحال السجود على حسب حاله، إنْ كان قائما خرّ للسجود، وإنْ كان جالسا سجد وهو جالس، ولا يشترط أن يقوم. واستحب طائفة القيام حينئذ، ولا دليل عليه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل سجود التلاوة قائماً أفضل منه قاعداً، كما ذكر ذلك من ذكره من العلماء، من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وكما نقل عن عائشة رضي الله عنها. أما إنْ كان في الصلاة فقرأ آية سجدة، سُنّ له السجود من فوره، ثم يعود إلى القيام مرة أخرى ويتم صلاته، وهو مخير إنْ شاء قرأ ثم ركع، أو ركع بلا قراءة. وهو سنةٌ في الصلاة السرية والجهرية، إلا أن الإمام لا ينبغي له أنْ يسجد في الصلاة السرية؛ لأنّ ذلك يُشوش على المصلين، ويلبس عليهم صلاتهم، ولذلك كره بعض الفقهاء ذلك. - والمأموم في الصلاة تابعٌ للإمام في سجود التلاوة، إنْ سجد تابعه على السجود، وإنْ ترك السجدة لم يسجد؛ لأنه مأمورٌ بمتابعته، ومنهيٌ عن مخالفته. وكذلك الأمر للمستمع للقارئ خارج الصلاة، إذا سجد القارىء سجد معه. قال ابن بطال: «أجمعوا على أنّ القارئ إذا سجد، لزم المستمع أنْ يسجد، وإذا لم يسجد القارئ لم يسجد المستمع؛ لأنه مقتد به، تابع له في التلاوة. قال زيد بن ثابت: قرأت على النبي [ (والنجم) فلم يسجد فيها». متفق عليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد، لأن زيداً لم يسجد. ومثله المستمع للمذياع والتلفاز، لا يسجد إذا مر القارئ بسجدة للتلاوة فلم يسجد؛ لأنه تابع له. أما السامع للقارئ من غير قصدٍ للاستماع، كأن يكون مارا به، أو منشغلا عنه، فلا يلزمه أن يتابعه على السجود؛ لأنه لم يأتم ولم يقتد به في التلاوة. فقد مرّ عثمان رضي الله عنه بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال عثمان: إنما السجود على من استمع، ثم مضى ولم يسجد. رواه عبد الرزاق في مصنفه. - وهل يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة، من طهارة من الحدث الأصغر والأكبر، واجتناب نجاسة، وستر عورة، واستقبال القبلة؛ لأن السجود جزء من الصلاة، فيأخذ حكم الصلاة فيما يشترط لها ويدخل في عموم النصوص؟ قال كثيرٌ من الفقهاء بذلك، قال ابن قدامة: يشترط لسجود التلاوة ما يشترط لصلاة النّافلة من الطهارتين من الحدث والنجس، ولا نعلم فيه خلافا إلا ما روي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في الحائض تسمع السجدة تومئ برأسها، وبه قال سعيد بن المسيب. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة ويسجد، وما توضأ، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى عدم اشتراط ذلك، لأنه لم يرد اشتراط ذلك في السنة، والأصل براءة الذمة. وسئل العلامة ابن باز رحمه الله عن ذلك، فقال: الصواب لا يشترط، سجود التلاوة خضوعٌ لله، مثل التسبيح والتهليل لا يشرع فيه سجود الصلاة، هذا هو الصحيح، فلها أنْ تسجد وللرجل أن يسجد، وهو على غير وضوء، ولها أن تسجد وهي مكشوفة الرأس ؛ لأنه خضوع لله، مثل ما تقرأ القرآن، وتسبح وتهلل وهي مكشوفة الرأس، لا حرج عليها في ذلك، هذا هو الصواب، وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يسجد وهو على غير طهارة، وهكذا جاء عن الشعبي التابعي الجليل، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن في المجلس، وعنده الصحابة، فيسجد ويسجدون معه، ولم يقل لهم يوماً ما: من كان منكم على غير طهارة، فلا يسجد معنا ! ومعلوم أن المجالس تجمع الطاهر وغير الطاهر، من على وضوء، ومن ليس على وضوء، فلو كانت السجدة تحتاج إلى طهارة، يعني سجدة التلاوة لكان ذلك من أهم المهمات أن يبينه للصحابة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يترك البلاغ بل يبين ويبلغ عليه الصلاة والسلام، فلو كان التطهر لسجود التلاوة شرطاً لبينه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة حين يقرأ بهم القرآن، ويسجد ويسجدون معه في المكان العظيم الكثير، قال ابن عمر: نسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لجبهته من كثرة الزحام، فلو كانت الطهارة شرطاً لقال لهم ذلك: يا أيها الإخوان، أو أيها الناس، مَنْ كان على غير وضوء، فلا يسجد معنا. فالمقصود: أنّ الصواب في هذا أنّ سجود التلاوة - وهكذا سجود الشكر - لا يُشترط لهما الطهارة ولا السترة؛ لأنهما ليستا صلاةً، وإنما هما خضوعٌ لله وتعبدٌ له، وذكرٌ له بما يحبه سبحانه، كما تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وتقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتقرأ القرآن عن ظهر قلب، وأنت على غير طهارة، فهكذا سجود التلاوة، وسجود الشكر مثل هذا. لكن إذا تيسرت الطهارة، إذا تيسر أنْ تقرأ وأنت على طهارة، فهذا أفضل، إذا تيسر ذلك. انتهى كلامه. - وإذا سجد خارج الصلاة كبّر في ابتداء السجود في خفضه، ولم يكبر في انتهائه عند رفعه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أنه كبر بعد السجود، وإنما نقل عنه عند الخفض لما رواه أبو داود في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة، كبر وسجد وسجدنا». واستحب الجمهور التكبير مطلقا قبل السجود وبعده، وقد ورد عن بعض السلف ويقتضيه القياس، ويكون للقارئ علامة لانتهاء السجود لمن ائتم به بالسجود. أما داخل الصلاة فيكبر إذا هوى للسجود، ويكبر عند قيامه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الصلاة في كلّ وخفضٍ و رفع، فيدخل هذا في العموم. - ولا يشرع مطلقاً تشهدٌ ولا تسليم لسجود التلاوة؛ لأنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله مع كثرة سجوده، ولو كان مشروعاً لفعله وأمر به. فإذا سجد الإنسان للتلاوة رفع من سجوده، واكتفى بذلك ولم يجلس للتشهد، ولا يحتاج انصرافه لتسليم. - والمريض الذي لا يستطيع السجود، يجزئه في سجود التلاوة الإيماء بالسجود لعذره، كما يومئ في صلاته. وكذلك المسافر على الراحلة إذا قرأ آية سجدة أَوْمأ في سجوده، لأنّ سجوده من التطوع، وثبت في السنة التطوع فوق الراحلة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. أما الماشي إذا أراد السجود للتلاوة، وجب عليه السجود على الأرض وتمكين جبهته عليها ولا يجزئه الإيماء حينئذ. - وإذا كرّر القارئ آية السجدة، أجزأه أنْ يسجد مرة واحدة، ولم يكرر السجود حينئذ على الصحيح؛ لأنه قد حصل المقصود أول مرة، ولأن في ذلك مشقة ظاهرة. - والصحيح أنه لا حرج في السجود للتلاوة وقت النهي، بناء على مشروعية فعل الصلوات ذوات الأسباب في أوقات النهي، كما دلت السُنة الصحيحة على ذلك، وهو قول الشافعي وغيره من أهل العلم، والسجود شُرع لسبب التلاوة فيدخل في عموم ذوات الأسباب. والصحيح أنه لا يجزئ عن السجود قول: « سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». أو: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» بل هو عملٌ استحسنه بعض الفقهاء، ولا أصل له في الشرع ؟! - ويستحب في سجود التلاوة أن يقول ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل، يقول في السجدة مراراً: «سَجَد وجهي للذي خَلَقه، وشقّ سمعه وبصره، بحوله وقوته» رواه أبوداود (1414) والترمذي (580) والنسائي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! رأيتني الليلة وأنا نائم، كأني أصلي خلف شجرة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: اللهم اكتبْ لي بها عندك أجراً، وضَعْ عني بها وِزْراً، واجعلها لي عندك ذُخراً، وتقبّلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس: فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول، مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة. رواه الترمذي وابن ماجة. كذلك يصح أنْ يقول فيه ما يقال في سائر السجود من الذكر المشروع والدعاء، فيقول الساجد: سبحان ربي الأعلى. وسبوح قدوس رب الملائكة والروح. ونحوها، وإنْ جمعها فحسن، وإنْ أحبّ أنْ يدعو بما شاء فحسن؛ لأن السجود موضع من مواضع الدعاء المستجاب. - والمشروع في وقت سجود التلاوة أن يكون عند ختام آية السجدة، فإنْ أخّرها قليلاً لسهو أو عذر، فلا حرج عليه، أما إذا طال الوقت فلا يشرع قضاؤها على الصحيح؛ لأنه فات وقتها بزوال السبب الذي شُرعت لأجله. الحديث الثاني: 357.عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه صَلَاةَ الْعَتَمَةِ، فَقَرَأَ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فَسَجَدَ فِيهَا، فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَاهُ. الشرح: الحديث الثاني وهو في الباب نفسه. وفيه: جواز السجود في هذه السورة (الانشقاق). وجواز السجود في المفصل لأنها منه. أما حديث « أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل، منذ تحول إلى المدينة « فرواه أبو داود (1403): عن أبي قدامة عن مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس. فإنه حديث ضعيف، فإنه من رواية أبي قدامة، واسمه الحارث بن عبيد، ضعيف، وكذلك مطر فإنه كثير الخطأ، وضعفه الألباني في (المشكاة 1036). وحتى لو صح خبر أبي قدامة هذا، لوجب تقديم خبر أبي هريرة عليه ; لأنه مثبتٌ، فمعه زيادة علم، والله أعلم. - فائدة: مواضع السجدات في القرآن نوعان: إخبارٌ، وأمر. فالإخبار: خبر من الله تعالى عن سجود مخلوقاته له عموما أو خصوصا، فسُنّ للتالي والسامع وجوبا أو استحبابا أن يتشبه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها. وآيات الأوامر: كقوله: {فاسجدوا لله واعبدوا}، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} وهو مما يقتضي السجود بطريق الأولى، امتثالاً لأوامر الله عز وجل، وعبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعها، وقربة إليه، وخضوعا لعظمته، وتذللا بين يديه، والله المستعان. وفيه: ملازمة الصحابة للسنن النبوية، والمحافظة عليها. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
__________________
|
#75
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 76 ) باب: القُــــنـــوت في صـــــــلاة الصُـــــبح الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 358.عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنْزِلَ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ}(آل عمران: 128).الشرح: قال المنذري: باب: القُنوت في صلاة الصُبح. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/466-467) وبوب عليه النووي: باب استحباب القنوت في جميع الصلوات، إذا نزلت بالمسلمين نازلة. والحديث أخرجه البخاري في الاستسقاء (1/1007) باب: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : «اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وأبواب كثيرة غيره. قوله: كَان رسولُ اللَّهصلى الله عليه وسلم يَقُولُ حينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْر مِنْ الْقِرَاءة فيه القنوت في صلاة الفجر للنازلة. والنازلة: «هي الشديدة من شدائد الدهر» كما في كشاف القناع (1/421). قوله: ثُمَّ يقولُ وهو قَائمٌ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوليدَ بن الْوليد، وسلَمةَ بن هشامٍ، وعيَّاشَ بن أَبي ربيعَةَ فيه: جواز القنوت والدعاء لأشخاص بأسمائهم في الصلاة، وهي قولٌ للإمام أحمد وغيره واختاره ابن المنذر. (المغني 2/238). والوليد وسلمة وعياش رضي الله عنهم، حبسهم المشركون في مكة لما أسلموا، ومنعوهم من الهجرة، وقد تواعدوا جميعاً للهروب من المشركين، فدعا لهم النبيصلى الله عليه وسلم . والمراد «بالمستضعفين من المؤمنين» هم ضعفاء المؤمنين بمكة وغيرها، الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وآذوهم وعذبوهم. قوله: «اللهم اشددْ وطأتك على مُضر» أصل الوَطأة: الدَّوس بالقَدم، ومَنْ وطأ الشيء برجله بشدة، فقد استقصى في إهلاكه وإهانته، فيكون المعنى: اجعل بأسك وعذابك الشديد عليهم. قوله: «اللهم اجْعلها عليهم سَنين كسني يوسف» الضمير في اجعلها يعود على المدة التي تقع فيها الشدّة، وهي المشار إليها في قوله تعالى من سورة يوسف: {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ} (يوسف: 48). فأتت عليهم سبعة أعوام، عمّهم فيها القحط، ونقص الطعام، فيكون المعنى هنا: هو الدعاء عليه بالقحط العظيم والجوع. قوله: ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنْزِلَ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون} (آل عمران: 128). قال ابن جرير رحمه الله: وتأويل قوله: «ليس لك من الأمر شيء» ليس إليك يا محمد، مِن أمر خَلقي إلا أن تنفذ فيهم أمري، وتنتهي فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إليّ، والقضاء فيهم بيدي دون غيري، أقضى فيهم وأحكمُ بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي، وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعدّدت لأهل الكفر بي.ومن الأحاديث في الباب: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قَتَلوا أصحابَ بئر معونة ثلاثين غداة، على رِعل وذكوان وعُصية، عصت الله ورسوله»، قال أنس: أنزل في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنٌ قرأناه، ثم نسخ بعد «بلّغُوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه». رواه البخاري. وعن أنس قال: قنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً حين قُتل القراء، فما رأيت رسول الله حَزن حُزنا قط، أشدّ منه. رواه البخاري. وفي هذا الحديث وغيره من الأحكام: 1- مشروعية القنوت – وهو الدعاء برفع اليدين بعد الركوع – في صلاة الجماعة في النازلة. وسيأتي أن قنوته صلى الله عليه وسلم كان في الصلوات كلها، كما في الأحاديث الصحيحة، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وابن المبارك, وسفيان الثوري, وأحمد وإسحاق. وذهب الشافعي إلى القنوت في الفجر دائما سنّة؟! وهذا لم يثبت به الدليل! فحديث أنس: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. رواه أحمد (3/162) وفيه: أبوجعفر الرازي، سيء الحفظ، فالحديث ضعيف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «القنوت مسنونٌ عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثورعن الخلفاء الراشدين». (مجموع الفتاوى 23/ 108). وقال: «.. فيشرع أنْ يقنتَ عند النوازل، يدعو للمؤمنين، ويدعو على الكفار، في الفجر وغيرها من الصلوات، وهكذا كان عمر يقنت لما حارب النصارى، بدعائه الذي فيه: اللهم العنْ كفرةَ أهل الكتاب» (مجموع الفتاوى 22/270). وقال أيضاً: «وأكثر قنوته، يعني النبي صلى الله عليه وسلم كان في الفجر». (مجموع الفتاوى 22/269). وقال ابن القيم: «وكان هديه صلى الله عليه وسلم القنوت في النوازل خاصة، وترْكَه عند عدمها، ولم يكن يخصّه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها». (زاد المعاد 1/273). والنبي صلى الله عليه وسلم قنت في النوازل في الصلوات الخمس كلها، فقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم منها: الفجر والظهر والمغرب والعشاء، أما العصر، فقد ثبت عند أحمد وأبي داود بسند جيد. وأكثر ما رواه الصحابة في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث كان في الفجر، ثم المغرب والعشاء، ثم الظهر، ثم العصر. 2- وأن قنوت النوازل إنما يكون في الركعة الأخيرة، وأنّ محله بعد الرفع من الركوع، وقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. 3- والمشروع أن يكون القنوت يسيراً، فيبتعد الإمام عن الإطالة، لحديث أَنَسٍ رضي الله عنه لما سئل: هل قَنَتَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم في صَلَاةِ الصُّبْحِ ؟ قَالَ: «نَعَمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا» أخرجه مسلم. ومن نظر في الأحاديث السابقة، يجد أن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم كان جُمَلاً قليلة، والسعيد منْ وُفق للعمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم . 4 - الاقتصار في الدعاء على النازلة، فلا يزيد في قنوته أدعية أخرى، وإنما يقتصر على النازلة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم . والذي يظهر من الأدلة السابقة وغيرها، أّن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر الدعاء نفسه في قنوته حينما قنت شهراً، وربما كان بينها اختلاف يسير. 5- قنوت النوازل ليس له صيغةٌ معينة، وإنما يدعو في كل نازلةٍ بما يُناسب تلك النازلة. أما الدعاء الذي علّمه النبي صلى الله عليه وسلم للحسن رضي الله عنه: «اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت..إلخ» فإنما هو في قنوت الوتر، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا به في قنوت النوازل؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «فالسُنة أنْ يقنت عند النازلة، ويدعو فيها بما يناسب القوم المحاربين». (مجموع الفتاوى 21/155). وقال أيضاً: «وينبغي للقانت أنْ يدعو عند كل نازلة، بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمّى مَنْ يدعو لهم من المؤمنين، ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين، كان ذلك حسناً».(مجموع الفتاوى 22/271). وقال أيضاً: «عمر رضي الله عنه قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة، ودعا في قنوته دعاءً يُناسب تلك النازلة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قنت أولاً على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده، ثم لما قنتَ يدعو للمستضعفين من أصحابه صلى الله عليه وسلم ، دعا بدعاء يناسب مقصوده، فسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على شيئين: أحدهما: أن دعاء القنوت مشروعٌ عند السبب الذي يقتضيه، ليس بسنةٍ دائمة في الصلاة. الثاني: أنّ الدعاء فيه ليس دعاء راتباً، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم أولاً وثانياً، وكما دعا عمر رضي الله عنه لما حارب منْ حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده». انتهى (مجموع الفتاوى 23/109). وللإمام أنْ يدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ؛ بما يناسب نوازل المسلمين، كأن يقول في مثل مصابنا هذه الأيام: «اللهم أنج إخواننا المسلمين في الشام، اللهم انصرهم، اللهم اشدد وطأتك على طغاة النصيرية ومن شايعهم وأعانهم، اللهم العنهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، وهذا اقتباسٌ حسن؛ لأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأحسن وأجمع ما يُدعى به الله تعالى. 6- القنوت مشروعٌ عند وجود سببه - وهو النازلة بالمسلمين - فإذا زال السبب تُرك القنوت، أما قنوت النبي صلى الله عليه وسلم شهراً، فليس مقصوداً منه تحديد المدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك القنوت لما زال سببه، وذلك بقدوم منْ قنتَ لهم، كما دلّ على ذلك حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ شَهْرًا.. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ، فَقُلْتُ: أُرَى رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ! قَالَ فَقِيلَ: وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا». أخرجه مسلم. وروى أحمد: عن عبدالله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله {ليسَ لكَ من الأمر شيءٌ} إلى آخر الآية، قال: وهداهم الله للإسلام. قال ابن القيم: «إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قَدم منْ دعا لهم، وتخلّصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت». (زاد المعاد 1/272). 7- يسنُّ جهر الإمام في القنوت للنازلة، كما في حديث أَبِي هريرةَ رضي الله عنه : «أَنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَان إِذا أَرادَ أَنْ يَدْعُوَ علَى أَحَدٍ، أَو يَدْعُوَ لأحَدٍ قَنَتَ بعد الرُّكُوعِ.. اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ.. يَجْهَرُ بِذَلِكَ». أخرجه البخاري. قال النووي: «وحديث قنوت النبي صلى الله عليه وسلم حين قُتل القراء رضي الله عنهم، يقتضي أنه كان يجهر به في جميع الصلوات، هذا كلام الرافعي. والصحيح أو الصواب: استحباب الجهر». (المجموع 3/482). وقال ابن حجر: «وظهر لي أنّ الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود، مع أن السجود مظنة الإجابة كما ثبت» أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد «وثبوت الأمر بالدعاء فيه: أنّ المطلوب من قنوت النازلة أنْ يشارك المأموم الإمام في الدعاء، ولو بالتأمين، ومن ثمَّ اتفقوا على أنه يجهر به» (فتح الباري 2/570). 8- يسن تأمين المأموم على دعاء الإمام في قنوت النازلة، لحديث ابن عباس رضي الله عنه في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه: «.. يَدْعُو علَى أَحْيَاءٍ مِنْ بني سُلَيْمٍ، علَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، ويُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ» أخرجه أحمد، و أبو داود بإسناد جيد. 9- يسن رفع اليدين في دعاء قنوت النازلة، لحديث أنس رضي الله عنه قال: «.. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَجَدَ عَلَى شَيءٍ قَطُّ، وَجْدَهُ عَلَيْهِمْ يعني القرَّاء فَلقَد رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم في صلَاةِ الْغَدَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا علَيهم». أخرجه أحمد بإسناد صحيح. وعن أبي رافع قال: «صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقنت بعد الركوع، ورفع يديه، وجهر بالدعاء». أخرجه البيهقي وقال «هذا عن عمر صحيح» (سنن البيهقي 2/212). قال النووي: «وعن أبي عثمان قال: كان عمر رضي الله عنه يرفع يديه في القنوت. وعن الأسود أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يرفع يديه في القنوت.. رواها البخاري في كتاب» رفع اليدين». بأسانيد صحيحة، ثم قال في آخرها: هذه الأحاديث صحيحة عن رسول الله[ وأصحابه «(المجموع 3/490). تنبيهات: - أولاً: لا يشرع مسح الوجه بعد دعاء القنوت، فما ورد في المسح ضعيف لا يحتج به. قال البيهقي رحمه الله: «فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء، فلست أحفظه عن أحدٍ من السلف في دعاء القنوت، وإنْ كان يُروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد رُوي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثٌ فيه ضعفٌ، وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عملٌ لم يثبت بخبرٍ صحيح، ولا أثر ثابت، ولا قياس، فالأولى أنْ لا يفعله، ويقتصر على ما فعله السلف رضي الله عنهم من رفع اليدين، دون مسحهما بالوجه في الصلاة، وبالله التوفيق». (سنن البيهقي 2/212). وبين النووي رحمه الله ضعف ما ورد في مسح الوجه بعد الدعاء في الصلاة. وقال: «وله يعني البيهقي رسالة مشهورة كتبها إلى الشيخ أبي محمد الجويني أنكر عليه فيها أشياء، من جملتها مسحه وجهه بعد القنوت» (المجموع 3/480). وقال ابن تيمية: «وأما مسحُ وجهه بيديه، فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان، لا يقوم بهما حجة» (مجموع الفتاوى 22/519). - ثانياً: الذي ثبت في الأحاديث: هو القنوت في الصلوات الخمس في الجماعة. أما القنوت في صلاة الجمعة، أو النوافل، أو للمنفرد فلم يثبت القنوت فيها للنازلة في حديثٍ أو أثر صريح. وقد بوّب عبد الرزاق في مصنفه (3/194): «باب القنوت يوم الجمعة»، وكذا ابن أبي شيبة في مصنفه (2/46) وابن المنذر في الأوسط (4/122) وذكروا آثاراً عن بعض الصحابة والتابعين، عامتها في ترك القنوت وذمّه في الجمعة عموما. وقال المرداوي: «وعنه يقنت في جميع الصلوات المكتوبات خلا الجمعة، وهو الصحيح من المذهب، نص عليه، اختاره المجد في شرحه، وابن عبدوس في تذكرته، والشيخ تقي الدين، وجزم به في الوجيز، وقدمه في الفروع، وقيل: يقنت في الجمعة أيضاً. اختاره القاضي، لكن المنصوص خلافه» (الإنصاف 2/175). واختار ابن تيمية مشروعية القنوت للمنفرد (انظر الإنصاف 2/175). والله أعلم. - ثالثاً: قال ابن تيمية: «ينبغي للمأموم أن يتابع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإذا قنتَ، قنت معه، وإنْ ترك القنوت لم يقنت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنما جُعل الإمام ليؤتم به» وقال: «لا تختلفوا على أئمتكم» وثبتَ عنه في الصحيح أنه قال: «يُصلّون لكم، فإنْ أصابوا فلكم ولهم، وإنْ أخطؤوا فلكم وعليهم» (مجموع الفتاوى: 23/115ـ116). - رابعاً: قال فقهاء الحنابلة: إنّ القنوت للإمام الأعظم فقط، أما غيره من الناس فلا يقنتون إلا بإذنه، قالوا: لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قنت حين قُتل القرَّاء، ولم يأمر أحداً بالقنوت في مساجد المدينة، ولا علمنا أنّ أحداً من مساجد المدينة قنت، فالقنوت لولي الأمر الذي له السلطة على كل المسلمين. انظر فتاوى لقاء الباب المفتوح (226/17) للشيخ ابن عثيمين. وقال العلامة صالح الفوزان حفظه الله: أما القنوت في الفريضة، فهذا لا بد من الرجوع فيه إلى أهل العلم وأهل الفتوى؛ لأنهم هم الذين يُقدّرون النوازل التي يُشرع من أجلها القنوت، والنوازل التي لا يقنت فيها، والصلاة كما تعلمون عبادة، لا يجوز أن يضاف إليها شيء ويدخل فيها شيء،إلا عن طريق أهل العلم الراسخين في العلم، الذين يقدّرون الحوادث والنوازل التي تستدعي القنوت في الفرائض، وليس هذا مفتوحاً لكل أحد يتلاعب في الصلاة ويزيد فيها، وقد يدعو في حالة لا تستدعي القنوت، وقد يدعو لأناسٍ لا يستحقون الدعاء بما عندهم من المخالفات العظيمة، فالذي يُقدر هذا هو أهل العلم، والمرجع في هذا أهل العلم، ويكون بأمر ولي الأمر بعد فتوى العلماء. (شريط: فتاوى العلماء في الجهاد). - خامسا: هذه الأحاديث الصحيحة توضح لنا سنةً من سنن النبي صلى الله عليه وسلم في الأزمات والملمات، وعند حلول الكوارث التي تنزل بالأمة المسلمة، في أي مكانٍ وزمان، وهي في نفس الوقت مظهر من مظاهر العبودية لله عز وجل، والتعلق به سبحانه وتعالى، والتضرع إليه، والرغبة فيما عنده، واليقين بأنه هو النافع الضار وحده سبحانه، وأنّ النصر بيده، فإنه مالك الملك، وبيده الأمر كله، وأنهم يأوون إلى رُكن شديدٍ، وأنّ لهم إلها قادرٌا حكيما عليما، لا يهزم جنده، ولا يخلف وعده، وإذا قال للشيء كن فيكون، وغيرها من العبادات القلبية، والمعاني العظيمة، والأصول المتينة في هذه السُنة المباركة، والمُؤثرة في نفوس أفراد الأمة الإسلامية وجماعتها، التي تربي فيهم العديد من القيم والأسس والمعاني الجليلة. ولاسيما ونحن في هذه الأيام، نقف على حرب ضروس، وهجمة شرسة على الإسلام والمسلمين في كل مكان، فجديرٌ بأمتنا أنْ تلتفت لهذه السنة النبوية المباركة، التي تربى عليها الجيل الأول من هذه الأمة، يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت بأصحابه، في غير ما نازلةٍ حلّت بهم في زمنهم، كما بينتها النصوص المتقدمة، حتى ينجي الله -عز وجل- المسلمين من الشرور والفتن، ويكتب لهم الفرج العاجل، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}(يوسف: 21). - سادساً: في سُنة القنوت تتضح لُحمة الأمة الإسلامية، وأنها جسد واحد، وأمة واحدة، فهي تطبيقٌ عملي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : «مثلُ المؤمنينَ في تَوادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجَسدِ الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تَداعَى له سائرُ الجسدِ بالسّهر والحمّى». فما تحلُّ بالمسلمين نازلة أو كارثة أو حرب، في مشارق الأرض ومغاربها، إلا ونسمع الدعوات هنا وهناك من هذه الأمة العريقة، ونجد الجميع يرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى ليكشفها الله عنهم، ويحفظ المسلمين منها؛ مما يجسد روح الأخوة الإسلامية بأجمل صورها. - سابعا: كذلك نجد أن هذا التشريع الإلهي (قنوت النوازل) يحثُّ المسلمين جميعاً على الاهتمام بقضايا الأمة، وتفقد أحوالها، وينهاهم عن التفرق والأنانية، ولاسيما عند الأزمات؛ حيث يكون المسلم أحوج ما يكون إلى أخيه المسلم، ولو بالدعاء، فبقنوت النوازل، تتحقق كل هذه المطالب العالية. فقنوت النوازل توحيد للكلمة، وجمع للرأي الإسلامي العام، ولاسيما أن هذه السنة النبوية مرتبطة بالفريضة التي يجتمع فيها المسلمون كل يوم وليلة؛ حيث لا نزاع ولا افتراق فيها، بل الكل في تيار واحد ضد النازلة. - ثامناً: قنوت النوازل نوع من أنواع إرهاب العدو في الحروب، فعندما يشعر العدو أو يسمع عن هذا التلاحم في الدعاء، وهذا التوافق المطبق من كل من ينتمي للإسلام في كل بقاع العالم، وأن الكل يبتهل إلى الله أن يخزي العدو، ويدحر الظالمين، فلاشك أن ذلك سيؤثر على نفسيات العدو، وإنْ كانوا كفارا، والدعاء سلاح المؤمن يشهره في وجه كل ظالم وباغٍ معتدٍ. وبالجملة: فإن هذه السنة العظيمة إذا أداها المسلمون بصدقٍ وإخلاص، فإنها بإذن الله تحقق الأمل المنشود بنصر الإسلام والمسلمين، وهزيمة الكافرين والظالمين، وتكون سبباً لرفع البلاء، ودرء المحن عن أمة الإسلام، اللهم وفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، يا أرحم الراحمين، والله أعلى وأعلم. 155- باب: القنوت في الظهر وغيرها 359.عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الظُّهْرِ، وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ. الشرح: قال المنذري: باب: القنوت في الظهر وغيرها. وأخرجه مسلم في الموضع السابق. قوله «وَاللَّهِ لَأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ[» أي: لأصلين بكم صلاة تشبه صلاة النبي صلى الله عليه وسلم . قوله: «فَكَانَ أَبُو هُريرة يَقْنُتُ في الظُّهر، والْعِشَاء الْآخِرَةِ، وصَلَاةِ الصُّبْحِ» فيه جواز القنوت في هذه الصلوات، كما سبق. أما العصر فيمكن قياسه على الظهر، وقد ثبت عند أحمد وأبي داود، قنوته في العصر. 156- باب: القنوت في المغرب 360.عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ. قال المنذري: باب: القنوت في المغرب. وأخرجه مسلم في الموضع السابق، وفيه جواز القنوت في هذه الصلوات، كما سبق، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخص الصبح بالقنوت
__________________
|
#76
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 77 ) باب: فـــي ركعـــــتي الفجــــــر الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 361.عَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، لَا يُصَلِّي إلَّا ركْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ.الشرح: قال المنذري: باب: في ركعتي الفجر. وأخرجه مسلم في الصلاة (1/500) وبوب عليه النووي: باب استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما، وتخفيفهما والمحافظة عليهما، وبيان ما يستحب له أن يقرأ فيهما. قولها «كَان رسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّمَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، لَا يُصَلِّي إلَّا ركْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن» في الحديث دليل: على استحباب تخفيف صلاة سنة الفجر، وسيأتي بيان ما كان يقرأ فيهما. وعن عائشةَ رضي الله عنها قالَت: «كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُخَفَّفُ الرَّكعتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبلَ صلاةِ الصُّبْحِ، حتَّى إنِّي أَقُولُ: أَقَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ؟» مُتَّفقٌ علَيه. وقولها «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ» دليلٌ على أنها لا تصلى من الليل. وفي الباب: عن عائشة رضي الله عنها قالَت: «كان رسول صلى الله عليه وسلم يُصلي ركعتي الفجر، إذا سمع الأذان، ويخففهما». وفي رواية لها: «أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يُصلي ركعتين بين النداء والإقامة، منْ صلاة الصبح». رواهما مسلم. قولها «لَا يُصَلِّي إلَّا ركْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن» استدل به على منع التنفل بعد طلوع الفجر الثاني، إلا سنة الفجر. وقد اختلف العلماء في جواز التنفل بالصلاة بعد طلوع الفجر الثاني؟ وسبب الخلاف هو: هل وقت النهي عن الصلاة بعد الفجر، متعلقٌ بطلوع الفجر، أم بأداء صلاة الفجر؟ وعلى هذا ينبني القول بجواز التنفل بعد ركعتي الفجر، فمن علق النهي بطلوع الفجر، منع من الصلاة إلا سنة ركعتي الفجر، ومن علق النهي بأداء الصلاة، جاز على أصله التنفل بعد أداء ركعتي الفجر. والمشهور من مذهب أحمد، وهو قول أهل الرأي والليث والأوزاعي، هو القول الأول. وعند أحمد في رواية أخرى وهو مذهب الشافعية والظاهرية، أن النهي متعلقٌ بفعل الصلاة. وقد استدل للقول الأول: بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد طلوع الفجر، إلا سجدتين». رواه الترمذي. وعن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابنُ عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار، إنّ رسول الله خرج علينا، ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: «ليبلّغ شاهدُكم غائبكم، لا تُصلوا بعد الفجر إلا سجدتين». رواه أحمد (2/104) وأبو داود (1278) والترمذي (2/279) وغيرهم. وحديث: «إذا طلعَ الفجرُ، فلا صلاة إلا ركعتي الفجر». رواه الطبراني في الأوسط، وله شواهد (الإرواء 478). وروى البيهقي وغيره بسند صحيح: عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر، أكثر من ركعتين، يُكثر فيها الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد يعذّبني الله على الصلاة؟! قال: «لا، ولكن يُعذّبك على خلاف السنة»؟!. واستدل من علّق النهي بفعل صلاة الفجر: بحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاةَ بعد العصر حتى تغربَ الشمس، ولا صلاةَ بعد صلاةِ الفجر حتى تطلع الشمس». متفق عليه. وبحديث عمرو بن عبسة: وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : «صلّ صلاة الصُبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس». ووجه الدلالة من الحديثين: أنه رتّب النهي على فعل الصلاة. والراجح - والله أعلم - أنّ النهي الأول متعلقٌ بطلوع الفجر، والثاني متعلق بما بعد الصلاة. والمنع من صلاة بعد الفجر إلا سجدتين، هو قول الأكثر، بل حكاه الترمذي إجماعا، فقال بعد روايته لحديث ابن عمر: «وهو ما أجمعَ عليه أهلُ العلم، كرهوا أنْ يُصلي الرجلُ بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر». وقد تَعقب الترمذي غير واحدٍ من أهل العلم، منهم القاضي عياض، والقرطبي في «المفهم لما أشكل من صحيح مسلم» وابن حجر في التلخيص وغيرهم. قال القرطبي: هذا الإجماع الذي حكاه الترمذي، إنما هو على كراهة التنفل المبتدأ، وأما ما كان بحسب سببٍ، فقد ذكرنا الخلاف فيه في باب تحية المسجد. وقد ذكر هناك الاختلاف عن مالك: فيمن ركع ركعتي الفجر في بيته، هل يُحيي المسجد أو لا يحييه؟ قولان عنه. وقال ابن حجر: «دعوى الترمذي الإجماع على الكراهة لذلك عجيب، فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر وغيره، وقال الحسن البصري: لا بأس به، وكان مالك يرى أنْ يفعله من فاتته صلاة بالليل؟!». وروي عن مالك أنه قال: من غلبته عينه ففاته بعض حزبه، أو ركوع كان يركعه بالليل، فأرجو أن يكون خفيفاً أنْ يصليه بعد طلوع الفجر؟! أما غير ذلك فلا يُعجبني أنْ يصلي بعد انفجار الصبح إلا ركعتين. والجواز مروي عن عائشة ومجاهد والحسن وعروة وعطاء. ولا شك في مخالفة هذا القول للأحاديث المتقدمة ! وعلى القول بالمنع، فهل هو خاص بالتطوع المطلق، من غير ذوات السبب فتجوز صلاة ما له سببٌ، كصلاة فائتة الليل، أو تحية المسجد لمن صلى ركعتي الفجر في بيته، ثم جاء إلى المسجد؟ وقد قوّى ابن عبد البر القول بجواز تحية المسجد خاصة، لمن صلى ركعتي الفجر في بيته ثم أتى المسجد، وحمل حديث ابن عمر في النهي على فرض صحته، على التطوع في البيت، مما لم يندب إلى فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه قد أمر الداخل إلى المسجد أنْ يركع ركعتين قبل أن يجلس، وهو أثبت سنداً من حديث النهي، كما قوّى هذا من جهة النظر، وهو أن ركعتي تحية المسجد من فعل الخير، فلا ينهى عنه ما لم ترد سنة بالنهي عنه، من وجه لا معارض له. ولكن الأولى كما ذكرنا ألا يصلي بعد ركعتي الفجر إلا الفريضة، اتباعا للسنة كما في حديث حفصة المتقدم وغيره، ومن صلاهما في البيت فإنه يتحرى بقدومه إلى المسجد إقامة الصلاة، والله تعالى أعلم. 158- باب: فضل ركعتي الفجر 362.عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ، خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». الشرح: قال المنذري: باب: فضل ركعتي الفجر. وأخرجه مسلم في الصلاة، وهو في الباب السابق. قوله «ركعتا الفجر» أي: سنّة الفجر الراتبة. قوله «خيرٌ من الدنيا» أي: خيرٌ من متاع الدنيا كله. وقيل: خيرٌ من إنفاق مال الدنيا في سبيل الله، والأول أظهر. وفي الحديث: عظم الثواب الذي رتّبه ربنا تبارك وتعالى على صلاة ركعتي الفجر، مع أنهما عملُ قليل، فهذا من فضل الله تعالى، وواسع كرمه. وإذا علم المؤمن فضل ركعتي الفجر، فينبغي أنْ يحافظ عليهما، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحافظ عليها غاية المحافظة، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «ولم يكنْ يَدعهما أبداً». وقالت: «لم يكنْ النبي صلى الله عليه وسلم على شيءٍ من النوافل، أشدّ منه تعاهداً على ركعتي الفجر» متفق عليهما. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيءٍ منْ النوافل أشدّ منه تعاهداً، على ركعتي الفجر» رواه البخاري في التهجد (1110). وفيه: فضل الآخرة على الدنيا، لأنّ متاع الدنيا مهما كان، فإنه يزول ويفنى وينفد، وأما الآخرة فنعيمها باقٍ لا ينفد، قال تعالى {َلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 96). والعاقل مَنْ لم تشغلة الدنيا الفانية، عن الآخرة الباقية، بل يُقبل على ما فيه صلاح آخرته، وتكثير حسناته، مع قيامه بما يحتاج إليه من أمر معاشه ودنياه، كما قال تعالى {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} (القصص: 77).
__________________
|
#77
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 78 ) بــاب: القـــــراءة فـــي ركعتي الفجـــر الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 363.عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ[ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}.الشرح : قال المنذري : باب: القراءة في ركعتي الفجر . وأخرجه مسلم في الموضع السابق (1/502 ) . قوله : «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون} و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} فيه: أنه يستحب قراءة سورة بعد الفاتحة فيهما . وفيه: استحباب قراءة سورتي (الكافرون) و (الإخلاص) فيهما. أي : يقرأ في الركعة الأولى منهما ![]() وأيضا : فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بهما في سنة المغرب: فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رَمَقتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم عِشرِينَ مَرَّةً يَقرَأُ فَي الرَّكعَتَينِ بَعدَ المَغرِبِ ، وَفِي الرَّكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). رواه أحمد في المسند (2/ 99) والنسائي (992) وقال النووي في (المجموع) (3/385): إسناده جيد. وصححه الألباني في (السلسلة) (3328) والشيخ أحمد شاكر . ولذا نص العلماء على استحباب قراءة هاتين السورتين في سنتي الفجر والمغرب، عملاً بهذه الأحاديث. انظر: (المغني)(1/435)، (مغني المحتاج) (1/464) وغيرهما . وثبت أيضا: أنه كان صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في ركعتي الطواف . وأما الحكمة من قراءة هاتين السورتين ، فلأنهما قد اشتملتا على أنواع التوحيد الثلاثة ، وعلى التوحيد العِلمي والعَملي، فسورة (قلْ هُو اللهُ أحد) اشتملت على توحيد الألوهية والأسماء والصفات، فأثبتت أنّ الله تعالى إلهٌ واحد، ونفت عنه الولد والوالد، والكُفؤ والنّظير، وهو مع هذا (الصّمد) الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها . وهذا هو التوحيد العلمي. أما سورة (قل يا أيها الكافرون) فاشتملت على التوحيد العَملي، وهي آمرةٌ بالإخلاص فيه لله تعالى، وهي سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، فقوله: (قلْ يا أيها الكافرون) شمل كل كافرٍ على وجه الأرض ، وإنْ كان المواجهون بهذا الخطاب أصلا هم كفار قريش . وروي : أنهم من جهلهم دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سَنةً ، ويعبدون معبوده سَنة ، فأنزل الله هذه السورة ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيها أنْ يتبرأ منْ دينهم بالكلية . قال الإمام ابن القيم : وسورة (قل يا أيها الكافرون) تضمنت توحيد العبادة، وأن العبدَ لا يعبد إلا الله، ولا يُشرك به في عبادته أحداً؛ فلذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفتتح بهما النهار في سُنّة الفجر، ويُختم بهما في سنة المغرب، وفي السنن أنه كان يوتر بهما، فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار. انتهى. من «بدائع الفوائد» (1/145-146). وقد روى الإمام أحمد في فضلها : عن الحارث بن جبلة قال: قلت: يا رسول الله، علّمني شيئا أقوله عند منامي. قال: «إذا أخذتَ مضجعك من الليل فاقرأ: {قلْ يا أيُّها الكافرون} فإنها براءةٌ منَ الشّرك». وهناك قراءةٌ له أحياناً بغير هاتين السورتين في سُنة الفجر : فكان أحيانا يقرأ بعد الفاتحة في الأولى منهما آية: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} (البقرة : 136) إلى آخر الآية، وفي الأخرى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} (آل عمران: 64) إلى آخرها. كما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو عند مسلم ( 1/502 ). أو يقرأ ما رواه أبو داود : من حديث أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} (آل عمران: 84). في الركعة الأولى، وفي الركعة الأخرى بهذه الآية: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران: 53). أو : {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} (البقرة: 119). قال الشيخ الألباني : حسن. فهذه أيضا سنة أخرى في القراءة في سنة الفجر، والأمر في ذلك واسع، لثبوت ذلك كله عنه صلى الله عليه وسلم وبأيهما حصلت القراءة به، فقد أصاب السُنة ، والحمد لله تعالى . 160- باب: الاضطجاع بعد ركعتي الفجر 364.عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: كَانَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ. الشرح: قال المنذري: باب: الاضطجاع بعد ركعتي الفجر . وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/511) وبوب عليه النووي: باب صلاة الليل، وعدد ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل. والحديث أخرجه البخاري في التهجد ( 1161) باب: من تحدّث بعد الركعتين ولم يضطجع. قولها: «كَانَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إِذَا صلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ» وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على الاضطجاع بعد سنة الفجر. وهذا الاضطجاع، قد ورد فيه جملة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : فمنها: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا صلّى أحدُكم الركعتين قبلَ صلاةِ الصُبح، فليَضطجعْ على جَنبه الأيمن» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه . ومنها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع ركعتي الفجر، اضطجع على شقه الأيمن . رواه أحمد والطبراني، وفي إسناده: حيي بن عبد الله المعافري ، وهو مختلف فيه، وفي إسناد أحمد أيضاً ابن لهيعة، وفيه مقال مشهور، لكن الحديث يتقوّى بما قبله. وقد اختلف العلماء والفقهاء رحمهم الله، في حكم هذا الاضطجاع على ستة أقوال: - الأول: أنه مشروع على سبيل الاستحباب. وممن كان يفعل ذلك، أو يفتي به من الصحابة: أبو موسى الأشعري، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك ، وأبو هريرة. واختلف فيه على ابن عمر؛ فرُوي عنه فعل ذلك، وروي عنه إنكاره كما سيأتي. وممن قال به من التابعين: ابن سيرين، وعروة ، وبقية الفقهاء السبعة. وممن قال باستحباب ذلك من الأئمة: الشافعي وأصحابه. وهو مذهب الحنابلة قال في (الإقناع)، وشرحه (كشاف القناع): ويسن الاضطجاع بعدهما على جنبه الأيمن، قبل فرضه، نص عليه، بقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع. وفي رواية: فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع. وبه قال الموفق في (المغني). قال الحافظ: وذهب بعض السلف، إلى استحبابها في البيت دون المسجد، وهو محكيٌ عن ابن عمر، وقوّاه بعض شيوخنا: بأنه لم ينقل عن النبي أنه فعله في المسجد، وصحّ عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة (الفتح 3/44). - القول الثاني: أن الاضطجاع بعدهما واجبٌ مفترض؟! لا بد من الإتيان به، وهو قول أبي محمد بن حزم، واستدل بحديث أبي هريرة المذكور، انظر (المحلى) (3/ 196) وما بعدها . بل لقد قال ببطلان الفريضة لمن صلاها بعد ركعتين لم يضطجع بعدهما، ذاكراً أو ناسياً! - القول الثالث: أنّ ذلك مكروه وبدعة! وممن قال به من الصحابة: ابن مسعود، وابن عمر، على اختلاف عنه. فروى ابن أبي شيبة: عن إبراهيم: قال ابن مسعود: ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك، كما تتمعك الدابة، أو الحمار؟! وعن سعيد بن المسيب قال: رأى عمر رجلا يضطجع بعد الركعتين، فقال: احصبوه. وممن كره ذلك من التابعين: الأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي، وقال: هي ضجعة الشيطان. وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومن الأئمة: مالك، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء؟! - القول الرابع: أنه خلاف الأولى، روى ابن أبي شيبة: عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ركعتي الفجر. - القول الخامس: التفرقة بين من يقوم بالليل، فيستحب له ذلك للاستراحة، وبين غيره ، فلا يشرع له. واختاره ابن العربي، وقال: لا يضطجع بعد ركعتي الفجر لانتظار الصلاة، إلا أن يكون قام الليل فيضطجع؛ استجماماً لصلاة الصبح، فلا بأس.اهـ (عارضة الأحوذي) (2/ 216) . وهذا مجرد ظن وتخمين، وليس بحجة، وقد روت عائشة أنه كان يفعله ، والحجة في فعله، وقد ثبت أمره به، فتأكدت بذلك مشروعيته. - القول السادس: أن الاضطجاع ليس مقصودًا لذاته، وإنما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر والفريضة . روى ذلك البيهقي عن الشافعي السنن (3/ 46). وفيه: أن الفصل يحصل بالقعود، والتحول، والتحدث، وليس بمختص بالاضطجاع. قال النووي: والمختار: الاضطجاع؛ لظاهر حديث أبي هريرة. اهـ انظر (الفتح) (3/43-44 )(نيل الأوطار) (3/ 24، 25) .
__________________
|
#78
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 79 ) الجلوس في المصلّى بعد صلاة الصبح الفرقان كان شيخ الإسلام ابن تيمية إذا صلى الفجر يجلس في مكانه حتى يتعالى النار جداً، يقول: هذه غَدوتي، لو لم أتغدَ هذه الغَدوة ، سقطت قُواي الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 365.عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ : أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ - أَوْ الْغَدَاةَ - حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ.الشرح: قال المنذري: باب: الجلوس في المصلّى بعد صلاة الصبح. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (1/ 463) وبوب عليه النووي (5/170): باب: فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد. قوله: «كَان لا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصلي فيه الصُّبْحَ». لفظ (كان) يفيد الاستمرار غالباً، وهذا يدل على كثرة فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، أو على المداومة عليها. قوله: «حتى تطلع الشمس». أي: ترتفع حسناء نقية بيضاء، وتطلع طلوعا ظاهراً بينا. ومعناه: أنه كان يجلس متربعاً في مجلسه، إلى أنْ ترتفع الشمس حسناء، ويحل له أنْ يصلي . والحديث يدل على أنّ السنة: المكوث في المصلى بعد صلاة الصبح، وعدم الانتقال منه إلى بيت أو نحوه، كما ترجم النووي للحديث فقال: باب: فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح وفضل المساجد (5/170) وعلى هذا تراجم العلماء أيضا، وبه ترجم الترمذي في جامعه لحديث الباب. وقال المناوي في (فيض القدير): وفيه: ندب القعود في المصلى بعد صلاة الصبح، إلى طلوع الشمس، مع ذكر الله عز وجل. ومثله قال المباركفوري. وقد اختلف أهل العلم في المراد «بمصلاه الذي صلى فيه»، هل يختصُ بالبقعة التي أَوقع فيها الصلاة؛ بحيث لو انتقل إلى بقعة أخرى في المسجد، لم يكن له هذا الثواب المترتب عليه؟! أو المراد بمصلاه: جميع المسجد الذي صلى فيه، فلو انتقل إلى موضع آخر بالمسجد، لم يكن خارجا عن مصلاه. وهذا الثاني هو الأرجح. يدل عليه أحاديث، منها: 1- حديث أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «صلاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وإِذا دَخَلَ المَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ - مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ». رواه البخاري (477) ومسلم (649) . 2- وفي الصحيحين: عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه لما أخّر صلاة العشاء الآخرة، ثم خرج فصلى بهم، قال لهم: «إنكم لم تَزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة». 3- وفيهما أيضا: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الملائكة تُصلي على أحدكم ما دام في مُصلاه ما لم يحدث، اللهم اغفرْ له اللهم ارحمه، ولا يَزال أحدكم في صلاة، ما كانت الصلاةُ تحبسه، لا يمنعه أنْ ينقلبَ إلى أهله إلا الصلاة» . 4- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «القاعدُ يُراعي الصلاةَ كالقانت، ويُكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع إليه»، وفي رواية له: «فإذا صلى في المسجد ثم قعد فيه، كان كالصائم القانت حتى يرجع». مسند أحمد(28/648) وصححه محققو المسند، وغيرها من الأحاديث الكثيرة. 5- أن المقصود من الحديث: إعمار المساجد، والمرابطة فيها، وحبس النفس في أماكن العبادة، وقطعها عن المشاغل الدنيوية، وذلك أمرٌ يتحقق لكل من بقي في المسجد، ولو انتقل من موضع صلاته. 6- أن الانتقال عن موضع الصلاة داخل المسجد، قد يكون فيه مصلحةٌ لذلك المتعبد، فقد يحتاج إلى مصحف، أو حضور درس علم في ناحية المسجد، أو ينتقل إلى مكان يخلو فيه مع ربّه، ونقص الأجر بسبب ذلك وهو من مصلحة العبادة ، فيه بُعد. 7- ثم إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في مصلاه بعد صلاة الفجر، ولكن بعد أنْ يغير جلسته فيتوجه إلى أصحابه بوجهه، ولا يعرف أنه كان يحرص على التزام مكانه وجلسته بعد الصلاة إلى الصلاة الأخرى، أو إلى طلوع الشمس، بل كان ينصرف عن القبلة كي ينصرف أصحابه من بعده. وقد نص غيرُ واحد من أهل العلم على ترجيح هذا القول في معنى الحديث . فقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: هل المراد بـ(مُصلاه) الموضع نفسه الَّذِي صلى فيه، أو المسجد الَّذي صلى فيه كله مصلى لَهُ؟ هذا فيه تردد. وفي صحيح مُسلم عن جابر بن سمرة: «أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صلى الفجر، جلس فِي مصلاه حَتَّى تطلع الشمس حسناء». ومعلوم أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن جلوسه فِي الموضع الَّذِي صلى فِيهِ؛ لأنه كَان يَنفتل إلى أصحابه عقب الصلاة، ويقبل عليهم بوجهه. فهذا الحَدِيْث يدل عَلَى أن المراد بـ(مصلاه الَّذِي يجلس فِيهِ): المسجد كله. وإلى هَذَا ذهب طائفةٌ من العلماء، منهم: ابن بطة من أصحابنا وغيره.انتهى باختصار من فتح الباري لابن رجب (4/56). وقال الإمام زين الدين العراقي رحمه الله: «ما المراد بمصلاه؟ هل البقعة التي صلى فيها من المسجد، حتى لو انتقل إلى بقعة أخرى في المسجد لم يكن له هذا الثواب المترتب عليه، أو المراد بمصلاه جميع المسجد الذي صلى فيه؟ يحتمل كلا الأمرين، والاحتمال الثاني أظهر وأرجح « انتهى من (طرح التثريب 2/367) . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: «في مصلاه». أي: في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد، مستمرا على نية انتظار الصلاة، كان كذلك. (فتح الباري 2/136) . وهو ما رجحه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله كما في «لقاءات الباب المفتوح». (لقاء رقم/225، ص14) وبهذا يتبين أنه لا حرج عليك في المشي في المسجد والانتقال من مكان صلاتك الفريضة، فكل المسجد مكان مبارك، وكله يشمله الأجر الوارد في الحديث. أما إذا احتاج الجالس في مصلاه لانتظار الشروق إلى دخول الخلاء، ورجع إلى المسجد بعد وضوئه ليصلي به ركعتين، فإنه يحصل على الأجر المترتب على ذلك إن شاء الله، إنْ كان من عادته أن يجلس للذكر وانتظار الصلاة؛ فهو كالمسافر والمريض اللذين يُكتب لهما أجر الطاعة، التي منعهما منها عذر السفر والمرض، ففي البخاري: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مرضَ العبدُ أو سافر، كُتب له مثل ما كان يعمل، مقيماً صحيحا». قال الحافظ ابن حجر: وهو في حقّ منْ كان يعمل طاعة فمنع منها ، وكانت نيته - لولا المانع - أن يدوم عليها (الفتح). قوله: «في جماعة» وصفٌ مقيد، يخرج به مَن صلى الفجر في بيته أو في غير جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، فلا يشمله هذا الأجر وهذا الفضل الخاص، وهو أجر الحجة والعمرة التامة. أما المرأة فالأفضل لها أنْ تصلي في بيتها وليس في المسجد، ولها من الأجر والفضل الكثير العام، فذكرُ الله من أفضل القربات، وأحب العبادات إلى الله تعالى، وإنْ صلتْ مع أختها أو بنتها أو خادمتها، كان لها الأجر المذكور في الحديث. وللحديث شواهد كثيرة، منها: 1- عن أَنسِ بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: « مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ في جَمَاعَةٍ، ثمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صلَّى ركْعَتَيْن، كَانتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ»، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه[: «تَامَّةٍ تامَّةٍ تَامَّةٍ». رواه الترمذي (586) وصححه الألباني في الصحيحة (3403) . 2- وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأنْ أقعد أذكر الله تعالى وأُكبره، وأحمده وأسبحه وأهلله، حتى تطلع الشمس، أحبُ إلى من أن أعتق رقبتين أو أكثر من ولد إسماعيل، ومن بعد العصر حتى تغرب الشمس: أحب إلى من أن أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل». رواه أحمد، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب. 3- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر لم يقمْ من مجلسه، حتى تمكنه الصلاة»، وقال: «منْ صلى الصبحَ ثم جلسَ في مجلسه حتى تُمكنه الصلاة، كان بمنزلة عمرةٍ وحجة متقبلتين». رواه الطبراني في الأوسط ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب. 4- وعن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله: هل من ساعة أقرب من الله - عز وجل - من الأخرى؟ أو: أَهَل من ساعة يبتغى ذكرها ؟ قال: «نعم، إنّ أقربَ ما يكون الربُ عز وجل من العبد: جوف الليل الآخر، فإنْ استطعتَ أنْ تكونَ ممن يذكرُ الله عز وجل في تلك الساعة فكن، فإنّ الصلاة محضورةٌ مشهودةٌ إلى طلوع الشمس، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وهي ساعةُ صلاة الكفار، فدع الصلاةَ حتى ترتفع قيد رمح، ويذهب شعاعها، ثم الصلاة محضورةٌ مشهودة حتى تعتدل الشمس اعتدال رمح» الحديث. رواه أبو داود والترمذي والنسائي واللفظ له – صحيح الترغيب 628. قال الشوكاني: مشهودة، أي: تَشهدها الملائكة ويحضرونها، وذلك أقرب إلى القبول والرحمة. مسائل تتعلق بهذه السُنة: - الأولى: هل هاتان الركعتان هما سُنة الضحى؟ والجواب: نعم هي أول الضحى، وسمّاها بعض العلماء: بصلاة الشروق؛ لأنها تكون عند شروق الشمس وارتفاعها قدر رمح، وهو وقت انتهاء وقت النهي عن الصلاة، وإنْ صُليت بعد ذلك سُميت: ضحى. أما أقلها فركعتان، وأكثرها ثمان، وقيل: اثنتا عشرة، ويقرأ فيها الفاتحة وما تيسر من القرآن، ولم يردْ قراءة شيء مخصوص فيهما. (انظر فتاوى الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين) . وقد ورد في حديث معاذ الجهني أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «منْ قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح، حتى يسبح ركعتي الضحى ، لا يقول إلا خيراً، غفر الله له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر».أخرجه أبو داود والبهيقي في السنن الكبرى (3/490).ولكن هذا الحديث إسناده ضعيف، ضعفه ابن عبد البر والألباني. وإنْ كان الأفضل لوقت صلاة الضحى، هو عند اشتداد الحر، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلاةُ الأَوابين، حين تَرمض الفِصال». رواه مسلم . أي: حين يجد الفصيل - وهو ولد الإبل - حرّ الشمس، ولا يكون ذلك إلا عند ارتفاعها واشتدادها، بمقدار أكبر من رمح أو رمحين، بخلاف وقت أداء هذه السُنة - صلاة الشروق -. - ثانياً: متى تُؤدى؟ من المعلوم أن وقتها بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح، أما قبله فهو وقت نهي، فعن عقبة بن عامر قال: «ثلاثُ ساعاتٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أنْ نُصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع..» رواه مسلم (831) . فعلى هذا: يكون وقت أدائها بعد خروج وقت النهي، وهو ارتفاع الشمس قيد رمح. قال النووي في الأذكار: باب: الحث على ذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح، ثم قال: اعلم أنّ أشرف أوقات الذكر في النهار: الذّكر بعد صلاة الصبح. اهـ. وكان الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية يحرص على هذه الصلاة، ويروي عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله فيقول: كان إذا صلى الفجر يجلس في مكانه حتى يتعالى النار جداً، يقول: هذه غَدوتي، لو لم أتغدَ هذه الغَدوة ، سقطت قُواي. وبعد: فهذا الأجر العظيم لهذه السنة النبوية، وحرص نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته وسلفنا على فعلها، يدعونا للسير على خُطاهم واتباعهم، وإنّ كثيراً من الدعاة إلى الله، فضلاً عن غيرهم في هذه الأيام، يشكو الإحساس بنقص الإيمان، وقسوة القلب ، ويبحث دائماً عن علاج لهذا، وإذا نظرنا لأنفسنا نظرة متجردة، رأينا تركنا لسنن كثيرة ، وتهاوننا فيها، مع أن لها أثراً كبيراً في إحياء قلوبنا، وتثبيتها على الطاعة. والله الموفق لكل خير.
__________________
|
#79
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 80 ) بـــــاب : فـــــي صـــــــلاة الضـــــحى الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 366.عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ! وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيَدَعُ الْعَمَلَ ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.الشرح: قال المنذري : باب : في صلاة الضُحى. والحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/496) وبوب عليه النووي (5/228): باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع ركعات أو ست، والمحافظة عليها . قولها: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ». أي: أنها ما رأته صلى الله عليه وسلم يُصلي صلاة الضحى، وسُبحة أي: نافلة. وورد عنها عند مسلم أيضا: أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلى الضُحى أربعَ ركعاتٍ، ويَزيد ما شاءَ اللهُ . فيجمع بينهما : أنه كان صلى الله عليه وسلم يُصليها بعض الأوقات لفضلها، ويتركها خشيةَ أنْ تُفرض على أمته ، كما صرّحت به. قال النووي رحمه الله: قال العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يداوم على صلاة الضحى، مخافة أن تفرض على الأمة فيعجزوا عنها، كما ثبت هذا في الحديث (حديث زيد بن أرقم)، وكان يفعلها في بعض الأوقات كما صرحت به عائشة في الأحاديث السابقة، وكما ذكرته أم هانئ، وأوصى بها أبا الدرداء وأبا هريرة. وقول عائشة: «ما رأيته صلاها»، لا يخالف قولها : «كان يصليها»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يكون عندها في وقت الضحى، إلا في نادر من الأوقات؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في وقت يكون مسافراً وفي وقت يكون حاضراً، وقد يكون في الحضر في المسجد وغيره، وإذا كان في بيته فله تسع نسوة ، وكان يقسم لهن، فلو اعتبرت ما ذكرناه لما صادف وقت الضحى عند عائشة إلا في نادرٍ من الأوقات، وما رأته صلاها في تلك الأوقات النادرة، فقالت: «ما رأيته»، وعلمت بغير رؤية أنه كان يصليها، بإخباره صلى الله عليه وسلم أو بإخبار غيره، فروت ذلك، فلا منافاة بينهما.(المجموع 4 / 38) . وقال الشوكاني: وقد جمع هذه الروايات بأن قولها: كان يصلى الضحى أربعاً، لا يدل على المداومة، بل على مجرد الوقوع ، على ما صرح به أهل التحقيق، من أن ذلك مدلول «كان» كما تقدم.. قال: وغاية الأمر أنها أخبرتْ عما بلغ إليه علمُها ، وغيرها من أكابر الصحابة أخبر بما يدل على المداومة، وتأكّد المشروعية، ومَنْ علم حجة على منْ لم يعلم، ولاسيما وذلك الوقت الذي تُفعل فيه، ليس من الأوقات التي تُعتاد فيها الخلوةُ بالنساء . نيل الأوطار (3/63). وقد اختلف العلماء في حكم صلاة الضحى على أقوال عدة، أوصلها الإمام ابن القيم في «الزاد» إلى ستة أقوال : القول الأول: أنها لا تُشرع إلا لسببٍ، واحتجوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا لسبب ، فاتفق وقوعه وقت الضحى، واستدلوا بأحاديث عدة منها: 1- حديث الباب عن عائشة رضي الله عنها. 2- ما رواه البخاري: عن عبد الله بن أبى ليلى قال: ما حدثنا أحدٌ أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي الضحى غيرُ أم هانىء، فإنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة، فاغتسل وصلى ثماني ركعات، فلم أرَ صلاةً قط، أخفُّ منها، غير أنه يُتم الركوع والسجود. قالوا: وصلاته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ثمان ركعات ضحى، إنما كانت من أجل الفتح، وأنّ سنة الفتح أنْ تصلى عنده ثمان ركعات، وكان الأمراء يسمونها: صلاة الفتح، وذكر الطبري في تاريخه: عن الشعبى قال: لما فتح خالد بن الوليد «الحِيرة» صلى صلاة الفتح ثمان ركعات ، لم يسلم فيهن ثم انصرف، قالوا: وقول أم هانىء: «وذلك ضُحى» في بعض روايات الحديث، تريد أنّ فعله لهذه الصلاة كان ضحى، لا أن الضحى اسمٌ لتلك الصلاة؟! 3- ما رواه البخاري: عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري: أنّ عتبان بن مالك - وهو منْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدراً من الأنصار - أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، قد أنكرتُ بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار، سال الوادي الذى بيني وبينهم، لم أستطعْ أنّ آتى مسجدهم فأصلى بهم، ووددتُ يا رسول الله، أنْ تأتيني فتُصلى في بيتي، فأتخذه مصلى، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : «سأفعل إنْ شاء الله». قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: «أين تُحبُ أنْ أصلى من بيتك؟». قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبّر، فقمنا فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم..» الحديث . قالوا: وصلاته في بيت عِتبان كانت لسببٍ، فاختصر الحديث بعض الرواة عن عتبان، فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي سُبحة الضحى، فقاموا وراءه فصلوا. قالوا: فهذا من أبين الأمور أن صلاته لها إنما كانت لسبب. لكن ما ذكره أصحاب هذا القول، من أدلةٍ لا تقوى على دفع الأحاديث الصحيحة التي وردت في فضلها مُطلقة، غير مقيدة بسببٍ، وفي تسميتها صريحا بصلاته الضُحى، والتي احتج بها جمهور العلماء ، كما سيأتي . القول الثاني : قول الجمهور وهو أصح الأقوال: أنها سنةٌ مستحبة، ورد في فضلها أجر عظيم، فمن شاء ثوابها فليؤدها، وإلا فلا شيء عليه في تركها، لكن يفوته خيرٌ كثير، واستدل أصحاب هذا القول بجملة الأحاديث الصحيحة التي وردت في فضل صلاة الضحى، وسيأتي بعضها. القول الثالث : قول بعض السلف: أنها لا تُستحب أصلاً؟! وذهبت هذه الطائفة إلى أحاديث الترك، أو لم تصح عندهم صلاة الضحى بسندٍ يثقون به، وعمل بعض الصحابة بموجب ذلك، ومن هذه الأحاديث: 1- عن مورق قال: قلت لابن عمر رضي الله عنهما: أتُصلى الضحى ؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي صلى الله عليه وسلم ؟، قال: لا إخَاله. رواه البخاري . 2- وعن عبد الرحمن بن أبى بكرة قال: رأى أبو بكرة ناساً يصلون الضحى، قال: إنكم لتصلون صلاة ما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عامة أصحابه. 3- قال أبو الحسن علي بن بطَّال: فأخذ قوم من السَّلف بحديث عائشة، ولم يَرَوا صلاةَ الضحى، وقال قوم: إنها بدعة؟! روى الشعبي عن قيس بن عُبيد قال: كنت أختلِف إلى ابن مسعود السَّنَةَ كلَّها، فما رأيتُه مصلياً الضحى. وروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف كان لا يصلي الضحى. وعن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ابنُ عمر جالس عند حُجرة عائشة، وإذا الناس في المسجد يُصلون صلاة الضحى ، فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة. وقال مرة: ونِعمَتِ البِدعةُ. وقال الشعبي: سمعتُ ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل صلاة مِن الضحى. وقصده البدعة اللغوية. قال الحافظ في الفتح: وفى الجملة ليس في أحاديث ابن عمر هذه، ما يدفع مشروعية صلاة الضحــى؛ لأن نفيـه محمولٌ على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في الأمر نفسه، أو الذي نفاه سُنة مخصوصة، كما سيأتي نحوه في الكلام على حديث عائشة . قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر ملازمتها، وإظهارها فى المساجد، وصلاتها جماعة، لا أنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبه: عن ابن مسعود أنه رأى قوماً يصلونها، فأنكر عليهم، وقال: إنْ كان ولا بد ، ففي بيوتكم. القول الرابع: أنه يستحب فعلها تارة، وتركها أخرى، أو باستحباب فعلها غِبّاً، وحجة هؤلاء ما من ورد من الأحاديث والآثار في ترك صلاة الضحى أحيانا. وهذا أحدُ الروايتين عن أحمد، وحكاه الطبري عن جماعة ، قال: واحتجوا بما روي عن عائشة: أكانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أنْ يَجيءَ مِن مغيبه. ثم ذكر حديث أبي سعيد: كان رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يُصلي الضحى، حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها. رواه الترمذي وحسنه. قالوا: ومِن هذا الحديثُ الصحيح: عن أنس : أن رجلاً من الأنصار كان ضخماً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني لا أستطيع أن أُصليَ معك، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً، ودعاه إلى بيته، ونضح له طرفَ حصير بماء، فصلى عليه ركعتين. قال أنس: ما رأيته صلى الضحى غير ذلك اليوم. رواه البخاري. ثم قال: كذا ذكر من كان يفعل ذلك مِن السلف وروى شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن عكرمة قال: كان ابنُ عباس يُصليها يوماً، ويدعها عشرة أيام يعني صلاةَ الضحى وروى شعبة، عن عبد اللّه بن دينار، عن ابن عمر، أنه كان لا يُصلي الضحى. فإذا أتى مسجد قُباء صلَّى، وكان يأتيه كلَّ سبت. وروى سفيان عن منصور قال: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويُصلون ويدعون، يعني صلاة الضحى. قال هؤلاء: وهذا أولى لئلا يتوهم متوهمٌ وجوبَها بالمحافظة عليها، أو كونَها سنةَ راتبةً، ولهذا قالت عائشة: لو نُشِرَ لي أَبَواي ما تَرَكتها . فإنها كانت تُصليها في البيت حتى لا يراها الناس. قلت: وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها غير واحد من الصحابة، وندب المسلمين إليها، وحضَّ عليها بأحاديث كثيرة، وكان هو صلى الله عليه وسلم يَستغني عنها بقيام الليل، فإنّ فيه غُنية عنها، وهي كالبدل منه، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذي جَعَلَ اللَيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكورَاً}(الفرقان: 62). قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: عوضاً وخلفاً، يقوم أحدُهما مقامَ صاحبه، فمن فاته عمل في أحدهما ، قضاه في الآخر. قال قتادة : فأدوا للّه من أعمالكم خيراً في هذا الليل والنهار، فإنهما مطيَّتان يُقحِمَان الناسَ إلى آجالهم، ويُقرِّبان كلَّ بعيد ، ويبليان كلَّ جديد، ويَجيئان بكلَّ موعود إلى يوم القيامة . وقال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: فاتتني الصلاةُ الليلة، فقال: أدرك ما فاتك مِن ليلتك في نهارك، فإن اللّه عزّ وجل جعل الليلَ والنهار، خِلفة لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شُكورا. ومن تأمل الأحاديث المرفوعة في الترغيب فيها، والوصيةُ بها، وآثارَ الصحابة، وجدها تدل على هذا القول. ومما في فضلها: حديث نعيم بن همَّار الْغَطَفَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ابن آدَمَ، لاَ تَعْجِزْ لي عَنْ أرْبَعِ ركَعَات في أوَّلِ النَّهَارِ، أَكْفِكَ آخِرَهُ». رواه أحمد وأبو داود (1289) في باب صلاة الضحى. قال الطيبي: أي أكفك شغلك وحوائجك، وارفع عنك ما تكرهه بعد صلاتك إلى آخر النهار. والمعنى: تفرغ لعبادتي في أول النهار، فأتعهّد لك بقضاء حوائجك آخره، فالجزاء من جنس العمل، فمن فرّغ نفسه دقائق لأربع ركعات أول النهار، لدقائق يسيرة، يسر الله بقية يومه.
__________________
|
#80
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 81 ) باب : صلاة الضُحى ركعتان الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 367.عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه: عَنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى».الشرح: قال المنذري: باب: صلاة الضحى ركعتان. وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/498) في الباب نفسه. قوله: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى «السُلامى هي العظام، أو مفاصل العظام، يعني: أنه يُصبح كل يومٍ على كل واحد منا صدقة، والبدن فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، ما بين صغيرٍ وكبير، كما في الحديث عند مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خُلق الإنسانُ على ستين وثلاثمائة مفصل، على كل مفصل صدقة». فعلى هذا يصبح على كل إنسان كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة. قوله: «فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ..» أي: هذه الصدقات ليست صدقات مالية، بل هي أعم من ذلك، في كل أبواب الخير، فكل تهليلةٍ صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة. وفي الرواية الأخرى: عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة كلَّ يوم تطلع فيه الشمس، تَعدلُ بين اثنين صدقة، وتعين الرَّجل في دابَّته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعَه صدقة ، والكلمةُ الطيِّبة صدقة، وبكلِّ خطوة تَمشيها إلى الصلاة صدقة، وتُميط الأذى عن الطريق صدقة». رواه البخاري ومسلم. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة مِمَّا تحصل به الصدقة، وهي فعلية وقولية، قاصرة ومتعدِّية، فكلُّ قُربة يأتي بها الإنسانُ، سواء كانت قولية أو فعلية، فهي صدقة. وعلى هذا: فقراءة القرآن صدقة، إفشاء السلام صدقة، والدعاء صدقة، طلب العلم صدقة، القراءة والتعليم صدقة، بر الوالدين صدقة، صلة الرحم صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق من شوك أو حجر صدقة؛ وحينئذ تكثر الصدقات، ويمكن أن يأتي الإنسان بما عليه من الصدقات بأي وجه منها. وقوله في الرواية الأخرى: «الكلمة الطيِّبة صدقة»، يدخل تحته كلُّ كلام طيِّب من الذكر والدعاء. ثم قال: «ويُجزئ من ذلك». أي: يُغني عن ذلك، أي الصدقات الكثيرة، «ركعتان يركعهما من الضحى» أي: أنك إذا صليت من الضحى ركعتين؛ أجزأتك عن كل الصدقات التي عليك، وهذا من تيسير الله عز وجل على العباد، وذلك أنَّ صلاةَ هاتين الركعيتن، يحصل بهما تحرك المفاصل في هذه العبادة -وهي الصلاة- فتكون مجزئة عن الصدقات في هذا اليوم. وممَّا يُستفاد من الحديث: 1- أن الصدقة تُطلق على ما ليس بمال. 2- وفيه: على أنّ ركعتي الضحى سُنة مؤكدة، وكل يوم؛ لأنه إذا كان كل يوم عليك صدقة على كل عضوٍ من أعضائك، وكانت الركعتان تجزي؛ فهذا يقضي أنّ صلاة الضحى سنة كل يوم، من أجل أن تقضي الصدقات التي عليك. ولذا قال أبو هريرة رضي الله عنه: «أَوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهرٍ، وركعتي الضُحى، وأنْ أوترَ قبل أنْ أرقد». متفق عليه؛ وكذا قال أبو ذر رضي الله عنه. وعنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَال: أَوْصَانِى حَبِيبِى صلى الله عليه وسلم بِثَلاَثٍ، لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْر، وَصَلاَةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لاَ أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ. رواه البخاري (1178، 1981) ومسلم (721). وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تصلى الضحى ثمان ركعات، ثم تقول: لو نُشر لى أبواي ما تركتُه. رواه مالك في «الموطأ» (1/153/30) وصحح إسناده الألباني في» مشكاة المصابيح» (1319). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : «لا يُحَافِظُ عَلَى صَلاةِ الضُّحَى إِلا أَوَّابٌ». وهو حديثٌ حسن، رواه الحاكم في المستدرك (1182) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وصححه ابن خزيمة (1224)، والحديث حسنه الألباني في الجامع ( 7628). 3 ــ وفيه أيضاً: الحثُّ على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. 4 ــ وفيه: الترغيب في كلِّ كلام طيِّب، من ذكر وقراءة وتعليم ودعوة وغير ذلك. 164- باب: صلاة الضحى أربع ركعات 368.عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. الشرح: قال المنذري: باب: صلاة الضحى أربع ركعات، وأخرجه مسلم في الموضع السابق. قولها: «كَان رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى أَربَعًا، ويَزِيدُ مَا شَاء اللَّهُ». فيه: أنّ صلاة الضحى تُصلى أربعا، وهو أوسطها، فأقلها ركعتان، وأوسطها أربع، أما أكثرها فلا حدّ لها على الصحيح؛ لأنها نفلٌ من النوافل كصلاة الليل. يدل عليه قولها: «ويَزِيدُ مَا شَاء اللَّهُ». قال الطبري في التوفيق بين الأحاديث: وليس منها حديث يدفع صاحبه، وذلك أنه منْ صلى الضحى أربعًا، جائز أن يكون رآه فى حال فعله ذلك، ورآه غيره في حال أخرى صلى ركعتين، ورآه آخر في حال أخرى صلاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحث على أنْ تصلى ستا، وآخر يحث على ركعتين، وآخر على عشر، وآخر على اثنتي عشرة، فأخبر كل واحد منهم عما رأى أو سمع. وقال مجاهد: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا الضحى ركعتين، ثم يوما أربعا، ثم يوماً ستا، ثم يوما ثمانياً، ثم ترك. فأبان بهذا الخبر عن صحة ما قلناه، من احتمال خبر كل مخبر ممن تقدم قوله، أنْ يكون إخباره بما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى، كان على قدر ما شاهده وعاينه. فالصواب: إذا كان الأمر كذلك، أن يصليها من أراد على ما شاء من العدد، وقد روى هذا عن قوم من السلف، ثم روى عن إبراهيم قال: سأل رجل الأسود قال : كم أصلى الضحى؟ قال: كما شئت. شرح صحيح البخاري لابن بطال(7/163) .
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |