|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#51
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام (كتاب الصلاة 6) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك الحديث السادس 50- عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال: أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء فخرج عمر، فقال: الصلاة، يا رسول الله. رقد النساء والصبيان. فخرج ورأسه يقطر يقول:" لو لا أن أشق على أمتي - أو على الناس - لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة". • قال البخاري: باب النوم قبل العشاء لمن غلب. وذكر حديث عائشة، قالت أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالعشاء حتى ناداه عمر الصلاة نام النساء والصبيان، فخرج، فقال: "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم " قال: ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول، وحديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- شغل عن صلاة العتمة فاخرها حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ثم رقدنا ثم استيقظنا فخرج علينا فقال: "ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم" وكان ابن عمر لا يبالي أقدمها أم أخرها إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها وكان لا يرقد قبلها[1]. قال ابن جريج: قلت لعطاء وقال: سمعت ابن عباس يقول أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالعشاء. قوله: حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- فقال الصلاة، قال عطاء قال ابن عباس: فخرج نبي الله - صلى الله عليه وسلم- حتى أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء واضعا يده على شق رأسه فقال: لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك قال فاستثبت عطاء كيف وضع النبي - صلى الله عليه وسلم- يده على رأسه كما أنبأه ابن عباس، فبدد لي عطاء بين أصابعه شيئا من تبديد، ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس، ثم ضمها يمر بها كذلك على الرأس حتى مست إبهامه طرف الأذن مما يلي الوجه على الصدغ وناحية اللحية، لا يقصر ولا يبطش إلا كذلك، وقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك). • قال الحافظ: (قوله: (باب النوم قبل العشاء لمن غلب) في الترجمة إشارة إلى أن الكراهة مختصة بمن تعاطى ذلك مختارا، وقيل ذلك مستفاد من ترك إنكاره - صلى الله عليه وسلم- على من رقد من الذين كانوا ينتظرون خروجه لصلاة العشاء، ولو قيل بالفرق بين من غلبه النوم في مثل هذه الحالة وبين من غلبه وهو في منزله مثلا لكان متجها. قوله: وكانوا. أي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السياق من المواظبة على ذلك، وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائي ولفظه (ثم قال صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل "وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنس "أنه أخر الصلاة إلى نصف الليل" معارضة لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته - صلى الله عليه وسلم - قوله: (شغل عنها ليلة فأخرها)، هذا التأخير مغاير للتأخير المذكور في حديث جابر وغيره المقيد بتأخير اجتماع المصلين، وسياقه يشعر بان ذلك لم يكن من عادته. قوله: (حتى رقدنا في المسجد)، استدل به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء، ولا دلالة فيه لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان قاعدا متمكنا، أو لاحتمال أن يكون مضطجعا لكنه توضأ وإن لم ينقل، اكتفاء بما عرف من أنهم لا يصلون على غير وضوء. قوله: (وكان) ، أي ابن عمر، (يرقد قبلها) أي قبل صلاة العشاء، وهو محمول على ما إذا لم يخش أن يغلبه النوم عن وقتها كما صرح به قبل ذلك حيث قال "وكان لا يبالي أقدمها أم أخرها" وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان ربما رقد عن العشاء الآخرة ويأمر أن يوقظوه، والمصنف حمل ذلك في الترجمة على ما إذا غلبه النوم، وهو اللائق بحال ابن عمر)[2]. أ هـ. قوله: ( أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء) العتمة الظلمة، وقيل إنها اسم لثلث الليل الأول بعد غروب الشمس. قوله: (فخرج فقال الصلاة يا رسول الله رقد النساء والصبيان). • قال الحافظ: (وهو مطابق لحديث عائشة الماضي، قوله: فخرج ورأسه يقطر. • قال الحافظ: وكان اغتسل قبل أن يخرج. قوله: "لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوا هكذا)، والحديث يدل على استحباب تأخير صلاة العشاء إذا لم يشق ذلك على الناس. • قال ابن دقيق العيد: وفيه دليل على تنبيه الأكابر إما لاحتمال غفلة أو لاستثارة فائدة منهم في التنبيه لقول عمر رقد النساء والصبيان)[3] ا هـ [1] فتح الباري: (2/ 49). [2] فتح الباري: (2/ 49). [3] فتح الباري: (2/ 51).
__________________
|
|
#52
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام (كتاب الصلاة 7-8) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك الحديث السابع: 50/ 1- عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدوا بالعشاء". وعن ابن عمر نحوه. الحديث الثامن: 50/ 2- ولمسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان". • قال البخاري: (باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة، وكان ابن عمر يبدأ بالعشاء، وقال أبو الدرداء من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ، وساق حديث عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء" ثم ذكر حديث أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" وحديث ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه" وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الأمام، وقال زهير ووهب بن عثمان عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة) رواه إبراهيم بن المنذر عن وهب بن عثمان ووهب مديني. • قال الحافظ: (وكأنه أشار بالأثرين المذكورين في الترجمة إلى منزع العلماء في ذلك، فإن ابن عمر حمله على إطلاقه، وأشار أبو الدرداء إلى تقييده بما إذا كان القلب مشغولا بالأكل، قوله: إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء وفي رواية إذا وضع)[1]. • قال الحافظ: (والفرق بين اللفظين أن الحضور أعم من الوضع، فيحمل قوله: "حضر" أي بين يديه لتأتلف الروايات ويؤيده حديث أنس الآتي بعده بلفظ: (إذا قدم العشاء) ولمسلم: (إذا قرب العشاء) وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء لكنه لم يقرب للأكل كما لو لم يقرب. • قوله: (فابدؤا بالعشاء) حمل الجمهور هذا الأمر على الندب، ومنهم من قيده بمن كان محتاجا إلى الأكل. • قال النووي: في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلتحق به ما في معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت. • قال الحافظ: وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس "أنهما كانا يأكلان طعاما وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم فقال له ابن عباس: لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء". وفي رواية ابن أبي شيبة: "لئلا يعرض لنا في صلاتنا"، وله عن الحسن بن علي قال: "العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة" وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودا وعدما ولا يتقيد بكل ولا بعض)[2] اهـ. • قال ابن الجوزي: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة. ثم إن طعام القوم كان شيئا يسيرا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبا. عن عمرو بن أمية أن أباه قال ثم رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكل ذراعا يحتز منها فدعي إلى الصلاة فقام فطرح السكين فصلى ولم يتوضأ. • وقال الزين بن المنير: لعله - صلى الله عليه وسلم - أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة فقدم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة لأنه لا يقوى على مدافعة الشهوة. • قوله: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) الأخبثان الغائط والبول. • قال ابن دقيق العيد: ومدافعة الأخبثين، إما أن تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدى إلى ذلك امتنع دخول الصلاة معه، إن دخل واختل الركن أو الشرط فسدت الصلاة بذلك الإخلال، وإن لم يؤد إلى فالمشهور فيه الكراهة[3]، والله أعلم. [1] فتح الباري: (2/ 159). [2] فتح الباري: (2/ 160، 162). [3] إحكام الإحكام شرح عمدة الإحكام: (1/105).
__________________
|
|
#53
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام (كتاب الصلاة 9-10) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك الحديث التاسع والعاشر الحديث التاسع: 51/ 1- عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: شهد عندي رجال مرضيون - وأرضاهم عندي عمر- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. الحديث العاشر: 51/ 2- عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس". وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وسلمة بن الأكوع، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، ومعاذ بن عفراء، وكعب بن مرة وأبي أمامة الباهلي، وعمرو بن عبسة السلمي، وعائشة - رضي الله عنها -، والصنابحي، ولم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -. • قوله: (شهد عندي رجال مرضيون) أي أخبرني رجال لاشك في صدقهم ودينهم. • قوله: (وأرضاهم عندي عمر). • قال ابن دقيق العيد: (في الحديث الأول رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت و أكابر الصحابة - رضي الله عنهم-)[1]. • قال الحافظ: (لم يقع لنا تسمية الرجال المرضيين الذين حدثوا ابن عباس بهذا الحديث، وبلغني أن بعض من تكلم على العمدة تجاسر وزعم أنهم المذكورون فيها عند قول مصنفها: وفي الباب عن فلان وفلان. ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأ بينا فلا حول ولا قوة إلا بالله)[2]. • قوله: (نهى عن الصلاة بعد الصبح) أي بعد صلاة الصبح (حتى تشرق الشمس). وفي حديث أبي هريرة: "حتى تطلع الشمس". • قال الحافظ: (ويجمع بين الحديثين بان المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي حتى تطلع مرتفعة. قال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وصلاة الجنازة وقضاء الفائتة، فذهب الشافعي وطائفة إلى جواز ذلك كله بلا كراهة، وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى أن ذلك داخل في عموم النهي)[3] ا هـ. • وقال الموفق في "المقنع": (ويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي وتجوز صلاة الجنازة وركعتا الطواف إعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد بعد الفجر والعصر وهل يجوز في الثلاثة الباقية على روايتين، ولا يجوز التطوع بغيرها في شيء من هذه الأوقات الخمسة إلا ماله سبب كتحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وقضاء السنن الراتبة فإنها على روايتين)[4] ا هـ. • قوله: (بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس). • قال في "الكافي": هذا المشهور في المذهب أن النهي متعلق بالوقت لما روى أبو داود، عن يسار مولى ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال: يا يسار، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: ليبلغ شاهدكم غائبكم! لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين، والرواية الثانية: أن النهي متعلق بفعل الصلاة وحجة هذا القول ما رواه أحمد والبخاري لا صلاة بعد صلاتين بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب، وفي حديث عمرو ابن عبسة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى الشمس" ولأبي داود: فصل ما شئت فإن الصلاة مشهودة مكتوبة حتى تصلي الصبح[5]. • قال المجد في "المنتقى": (وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن النهي في الفجر لا يتعلق بطلوعه بل بالفعل كالعصر) [6] انتهى. • قوله: (وبعد العصر حتى تغرب) وفي حديث ابن عمر "إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب" وفي رواية: "فإنها تطلع بين قرني شيطان". • قال الحافظ: وفيه إشارة إلى علة النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين، وزاد مسلم من حديث عمرو بن عبسة "وحينئذ يسجد لها الكفار" فالنهي حينئذ لترك مشابهة الكفار، وقد اعتبر ذلك الشرع في أشياء كثيرة[7]. • قوله: (لا صلاة بعد الصبح)، نفي بمعنى النهي، أي: لا تصلوا بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس. • وقال البخاري: (باب من لم يكره الصلاة إلا بعد الفجر والعصر. رواه عمر ابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة، حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: أصلي كما رأيت أصحابي يصلون لا أنهى أحدا يصلي بليل ولا نهار ما شاء غير أن لا تحروا طلوع الشمس ولا غروبها، وقال ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تكره فيها الصلاة أنها خمسة: عند طلوع الشمس. وعند غروبها، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء. وترجع بالتحقيق إلى ثلاثة: من بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس، فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس، وكذا من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس. قال: وفي الجملة عدها أربعة أجود، وبقي خامس وهو الصلاة وقت استواء الشمس وكأنه لم يصح عند المؤلف على شرطه فترجم على نفيه وفيه أربعة أحاديث: حديث عقبة بن عامر وهو عند مسلم ولفظه: (وحين يقوم قائم الظهيرة حتى ترتفع"، وحديث عمرو بن عبسة وهو عند مسلم أيضا ولفظه: "حتى يستقل الظل بالرمح، فإذا أقبل الفيء فصل" وفي لفظ لأبي داود "حتى يعدل الرمح ظله" وحديث أبي هريرة وهو عند ابن ماجه والبيهقي ولفظه: "حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا زالت فصل" وحديث الصنابحي وهو في الموطأ ولفظه: "ثم استوت قارنها، فإذا زالت فارقها" وفي آخره: "ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة في تلك الساعات" وهو حديث مرسل مع قوة رجاله. قال: وهو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك فقال: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار. وقال ابن عبد البر: وقد روى مالك حديث الصنابحي فإما أنه لم يصح عنده وإما أنه رده بالعمل الذي ذكره. انتهى. وقد استثنى الشافعي ومن وافقه من ذلك يوم الجمعة، وحجتهم أنه - صلى الله عليه وسلم - ندب الناس إلى التبكير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام وجعل الغاية خروج الإمام، وهو لا يخرج إلا بعد الزوال، فدل على عدم الكراهة. وجاء فيه حديث عن أبي قتادة مرفوعا: (أنه - صلى الله عليه وسلم - كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة" في إسناده انقطاع. وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضمت قوي الخبر[8]. والله أعلم. وفرق ابن جرير بين حكمة النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح والعصر، وعن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فقال: يكره في الحالتين الأوليين، ويحرم في الحالتين الأخريين. • قال الحافظ: (والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع فقيل: هي كراهة تحريم وقيل كراهة تنزيه. والله أعلم. قال بعض العلماء: المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة إنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت إقامة الصلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، وفي حالة الصلاة المكتوبة جماعة لمن لم يصلها)[9]. عن جبير بن مطعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا بني عبد المطلب أو يا بني عبد مناف إن وليتم من هذا الأمر شيئا فلا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الخمسة. وهذا الحديث يدل على مشروعية ركعتي الطواف. وقال الموفق: (ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي وقال الشافعي: لا يمنع فيها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار" وعن أبي ذر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يصلين أحد بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر إلى أن تغرب الشمس إلا بمكة" يقول: قال ذلك ثلاثا. رواه الدار قطني. ولنا: عموم النهي وأنه معنى يمنع الصلاة فاستوت فيه مكة وغيرها وحديثهم أراد به ركعتي الطواف فيختض بهما وحديث أبي ذر ضعيف يرويه عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف قاله يحيى بن معين)[10] ا هـ. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يصلي ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس" رواه الترمذي، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضاها الفريضة لما نام عن الفجر في السفر وعن قيس بن قهد قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي بعد صلاة الصبح ركعتان، فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فصليتهما الآن فسكت. رواه أبو داود. قال في الاختيارات: (ولا نهي عند طلوع الشمس إلى زوالها يوم الجمعة وهو قول الشافعي وتقضى السنن الراتبة، ويفعل ما له سبب في أوقات النهي وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار جماعة من أصحابنا وغيرهم، ويصلي صلاة الاستخارة وقت النهي في أمر يفوت بالتأخير إلى وقت الإباحة، ويستحب أن يصلي ركعتين عقب الوضوء ولو كان وقت النهي وقاله الشافعية)[11] ا هـ والله أعلم. [1] إحكام الأحكام: (1/180). [2] فتح الباري (2/59). [3] فتح الباري: (2/ 59). [4] المبدع شرح المقنع: (2/36). [5]شرح أبي داود للعيني: (5/174). [6] نيل الأوطار: (3/109). [7] فتح الباري: (2/ 59). [8] فتح الباري: (1/ 27). [9] فتح الباري: (2/ 373). [10] المغني ( 1/ 795) [11] الفتاوى الكبرى( 5/ 345).
__________________
|
|
#54
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام (كتاب الصلاة 11) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك الحديث الحادي وعشر عن جابر- رضي الله عنه - أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والله ما صليتها" قال: فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب. • قال البخاري: (باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت وساق الحديث)[1]. • قوله: (فجعل يسب كفار قريش). • قال الحافظ: (لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار كما وقع لعمر، وإما مطلقا كما وقع لغيره. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم - والله ما صليتها، قد اختلف في سبب تأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ذلك اليوم، فقيل كان ذلك نسيانا، وقيل كان عمدا لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك. • قال الحافظ: وهو أقرب، لاسيما وقد وقع عند أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف ï´؟ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ï´¾ [البقرة: 239]. • قوله: ( إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها) واد بالمدينة. • قوله: (فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها بعد المغرب). قال الحافظ: (وفي الحديث من الفوائد: ترتيب الفوائت. قال: وفيه جواز اليمين من غير استحلاف إذا اقتضت مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفي توهم. وفيه ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه من مكارم الأخلاق وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم وما ينبغي الاقتداء به في ذلك. وفيه استحباب قضاء الفوائت في الجماعة ويه قال أكثر أهل العلم إلا الليث)[2]. • قال البخاري: باب قضاء الصلاة الأولى. ثم ساق الحديث فالأولى بلفظ: "جعل عمر يوم الخندق يسب كفارهم وقال: ما كدت أصلي العصر حتى غربت. قال: فنزلنا بطحان فصلى بعد ما غربت الشمس ثم صلى المغرب"[3]. • وقال البخاري: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو. • وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا فيصلوا ركعتين فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير ويؤخروها حتى يأمنوا وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا، وقال أنس بن مالك: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها، ثم ذكر الحديث ولفظه: جاء عمر يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والله ما صليتها، قال: فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس)[4]. • قال الحافظ: (قوله: "باب الصلاة عند مناهضة الحصون" أي عند إمكان فتحها، وغلبة الظن على القدرة على ذلك. قوله: "ولقاء العدو" وهو من عطف الأعم على الأخص، قال الزين بن المنير: كأن المصنف خص هذه الصورة لاجتماع الرجاء والخوف تلك الحالة، فإن الخوف يقتضي مشروعية صلاة الخوف والرجاء بحصول الظفر يقتضي اغتفار التأخير لأجل استكمال مصلحة الفتح، فلهذا خالف الحكم في هذه الصورة الحكم في غيرها عند من قال به)[5] ا هـ والله أعلم. تتمة: قال في الاختيارات: (باب المواقيت، بدأ جماعة من أصحابنا كالخرقي والقاضي في بعض كتبه وغيرهما بالظهر ومنهم من بدأ بالفجر كابن أبي موسى وأبي الخطاب والقاضي في موضع وهذا أجود لأن الصلاة الوسطى هي العصر وإنما تكون الوسطى إذا كان الفجر هو الأول. ومن زعم أن وقت العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء وفي الصيف فقد غلط غلطا بينا باتفاق الناس. وجمهور العلماء يرون أن تقديم الصلاة أفضل إلا إذا كان في التأخير مصلحة راجحة مثل المتيمم يؤخر ليصلي آخر الوقت بوضوء والمنفرد يؤخر ليصلي آخر الوقت مع جماعة ونحو ذلك، ويعمل بقول المؤذن في دخول الوقت مع إمكان العلم بالوقت وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين وكما شهدت له النصوص خلافا لبعض أصحابنا. ومن دخل عليه الوقت ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض فلا قضاء عليه إلا أن يتضايق الوقت عن فعلها ثم يوجد المانع وهو قول مالك وزفر رواه زفر عن أبي حنيفة. ومتى زال المانع من تكليفه في وقت الصلاة لزمته إن أدرك فيها قدر ركعة وإلا وهو قول الليث وقول الشافعي ومقالة في مذهب أحمد ولا تسقط الصلاة بحجة ولا تضعيف في المساجد الثلاثة ولا غير ذلك إجماعا)[6]. [1]فتح الباري: ( 2/68) [2]فتح الباري: ( 2/6) [3]فتح الباري: ( 2/72) [4]فتح الباري: ( 2/434) [5]فتح الباري: ( 2/434) [6] الاختيارات الفقهية: (1/ 33).
__________________
|
|
#55
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام (باب صلاة الجماعة ووجوبها) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك الحديث الأول: 53/ 1- عن عبد الله بن عمرو: - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". الحديث الثاني: 53/ 2- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك: أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء. ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه خطيئة. فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة". • قال البخاري: باب فضل صلاة الجماعة، وكان الأسود إذا فاتته الجماعة ذهب إلي مسجد آخر وجاء أنس بن مالك إلا مسجد قد صلي فيه فأذن وأقام وصلى جماعة، ثم ساق الحديثين وكون الشيء واجبا لا ينافي كونه ذا فضيلة، ولكن الفضائل تتفاوت، قوله: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ" وفي رواية لمسلم "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده بسبع وعشرين درجة" قال الترمذي عامة من رواه قالوا خمسا وعشرين إلا ابن عمر فإنه قال سبعا وعشرين[1]. وقد جمع بين روايتي الخمس والسبع بأن ذكر القليل لا ينفي الكثير. وقيل: السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية. • قوله: في حديث أبي هريرة: (وذلك لأنه إذا توضأ فأحسن الوضوء). • قال ابن دقيق العيد: (والأظهر: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا توضأ" لا يتقيد بالفعل وإنما خرج مخرج الغلبة أو ضرب المثال وأما إحسان الوضوء: فلا بد من اعتباره)[2]. • قوله: (لا يخرجه إلا الصلاة) أي قصد الصلاة في المسجد مع الجماعة. • قوله: (لم يخط خطوة)، قال الجوهري: الخطوة بالضم ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة. • قال الشوكاني: (واعلم أن التخصيص بهذا العدد من أسرار النبوة التي تقصر العقول عن إدراكها وقد تعرض جماعة للكلام على وجه الحكمة وذكروا مناسبات)[3]. • قال الحافظ: ( وقد خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة قال ابن الجوزي: وما جاءوا بطائل. وقال المحب الطبري: ذكر بعضهم أن في حديث أي هريرة إشارة إلي بعض ذلك)[4]. قال الحافظ: (وقد نقحت ما وقفت عليه من ذلك وحذفت ما لا يختص بصلاة الجماعة: فأولها إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيا، وصلاة التحية عند دخوله كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة، سادسها انتظار الجماعة، سابعها صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له ثامنها شهادتهم له، تاسعها إجابة الإقامة، عاشرها السلامة من الشيطان حين يفر عند الإقامة، حادي عاشرها الوقوف منتظرا إحرام الإمام أو الدخول معه في أي هيئة وحده عليها، ثاني عشرها إدراك تكبيرة الإحرام كذلك، ثالث عشرها تسوية الصفوف وسد فرجها، رابع عمرها جواب الإمام عند قوله سمع الله لمن حمده، خامس عشرها الأمن من السهو غالبا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه، سادس عشرها حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبا، سابع عشرها تحسين الهيئة غالبا، ثامن عشرها احتفاف الملائكة به، تاسع عشرها التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض، العشرون إظهار شعائر الإسلام، الحادي والعشرون إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل، الثاني والعشرون السلامة من صفة النفاق ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسا، الثالث والعشرون رد السلام على الإمام، الرابع والعشرون الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص، الخامس والعشرون قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات. فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه، ويقي منها أمران يختصان بالجهرية وهما الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية، والله أعلم)[5]. قال مقتضى الخصال التي ذكرتها اختصاص التضعيف بالتجمع في المسجد وهو الراجح في نظري. ا هـ والله أعلم. الحديث الثالث: 54- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار". • قال البخاري: (باب وجوب صلاة الجماعة، وقال الحسن إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها، وساق الحديث ولفظه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلي رجال فأحرق عليهم بيوتهم والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء". • قال الحافظ: قوله: "باب وجوب صلاة الجماعة" هكذا بت الحكم في هذه المسالة، وكان ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين، لما عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب، وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين، لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه قال وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان، وبالغ داود ومن تبعه فجعلها شرطا في صحة الصلاة)[6]. • قال ابن دقيق العيد: ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية قال أحمد: إنها واجبة غير شرط، وقال الحافظ: وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة[7]. • وقال الموفق في "المغني": ولو لم تكن واجبة لرخص فيها حالة الخوف ولم يجب الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها. • قوله: (وأثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر) فيه دليل على أن الصلاة كلها ثقيلة عليهم قال تعالى: ï´؟ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى ï´¾ [التوبة: 54] وإنما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلي تركهما، لأن العشاء وقت السكون والراحة والصبح وقت لذة النوم. • قوله: (ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا) أي لو يعلمون ما فيهما من مزيد الفضل "لأتوهما" أي لأتوا إلي المسجد الذي يصليان فيه جماعة. قوله: "ولو حبوا" أي يزحفون ولابن أي شيبة ولو حبوا على المرافق والركب. • قوله: ( لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام) إلى آخره. وفي رواية: والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلي رجال فأحرق عليهم بيوتهم. • قال الحافظ: (قوله: " ثم أخالف إلى رجال" أي آتيهم من خلفهم. وقال الجوهري: خالف إلا فلان أي أتاه إذا غاب عنه أو المعنى أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة وأتركه وأسير إليهم، أو أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، أو معنى أخالف أتخلف- أي عن الصلاة- إلى قصدي المذكورين، والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان)[8]. • قوله: (فأحرق عليهم بيوتهم بالنار). • قال الحافظ: (يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعا للقاطنين بها. وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح: "فأحرق بيوتا على من فيها")[9]. • وقال أيضا: (قوله: في رواية يزيد بن الأصم عن أي هريرة عند أبي داود: "ثم آتى قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة" فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي. • قال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد أيضا: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة، نبه عليه ابن دقيق العيد. وفيه جواز العقوبة بالمال. وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة لأنه - صلى الله عليه وسلم - هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل وترجم عليه البخاري في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام باب إخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو أمتنع في بيته لددا ومطلا أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها كما أراد - صلى الله عليه وسلم - إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. قال وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها)[10] ا هـ والله أعلم. تتمة: قال في الاختيارات: (باب صلاة الجماعة، في حديث أبي هريرة وأبي سعيد [تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمس وعشرين درجة] وفي حديث ابن عمر: [بسبع وعشرين درجة] والثلاثة في الصحيح وفد جمع بينهما بأن حديث الخمس والعشرين ذكر فيه الفضل الذي بين صلاة المنفرد والصلاة في الجماعة والفضل خمس وعشرين، وحديث السبع والعشرين ذكر فيه صلاته منفردا وصلاته في الجماعة فصار المجموع سبعا وعشرين، ومن كانت عادته الصلاة في جماعة والصلاة قائما ثم ترك ذلك لمرض أو سفر فإنه يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم وكذلك من تطوع على الراحلة وفد كان يتطوع في الحضر فإنه يكتب له ما كان يعمل في الإقامة وأما من لم تكن عادته الصلاة في جماعة ولا الصلاة قائما إذا مرض أو سافر فصلى قاعدا أو وحده فهذا لا يكتب له مثل صلاة الصحيح المقيم. وقال أبو العباس في "الصارم المسلول": خبر التفضيل في المعذور الذي تباح له الصلاة وحده لقوله - صلى الله عليه وسلم -: [ صلاة الرجل قاعدا على النصف ومضطجعا على النصف] فإن المراد به المعذور كما في الخبر أنه خرج على أصحابه وقد أصابهم وعك وهم يصلون قعودا فقال ذلك وذكر في موضع آخر أن [من صلى قاعدا لغير عذر له أجر القائم]. والجماعة شرط للصلاة المكتوبة هو إحدى الروايتين عن أحمد واختارها ابن أبي موسى وأبو الوفاء بن عقيل ولو لم يمكنه الذهاب إلا بمشيه في ملك غيره فعل فإذا صلى وحده لغير عذر لم تصح صلاته وفي الفتاوى المصرية: وإذا قلنا هي واجبة على الأعيان وهو المنصوص عن أحمد وغيره من أئمة السلف وفيها الحديث فهؤلاء تنازعوا فيما إذا صلى منفردا لغير عذر هل تصح صلاته؟ على قولين: أحدهما: لا تصح وهو قول طائفة من قدماء أصحاب أحمد ذكره القاضي في شرح المذهب عنهم والثاني: تصح مع إثمه بالترك وهو المأثور عن أحمد وقول أكثر أصحابه. وليس للإمام إعادة الصلاة مرتين ولو جعل الثانية فائتة أو غيرها والأئمة متفقون على أنه بدعة مكروهة وفي الفتاوى المصرية: وإذا صلى الإمام بطائفة ثم صلى بطائفة أخرى تلك الصلاة بعينها لعذر جاز ذلك للعذر مثل: صلاة الخوف ونحوها ولا ينبغي له أن يفعل ذلك لغير عذر ولا يعيد الصلاة من بالمسجد وغيره بلا سبب وهو ظاهر كلام بعض أصحابنا وذكره بعض الحنفية وغيرهم، ومن نذر متى حفظ القرآن صلى مع كل صلاة فريضة أخرى وحفظه لا يلزمه الوفاء به فإنه منهي عنه ويكفر كفارة يمين ولا يدرك الجماعة إلا بركعة وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختارها جماعة من أصحابنا وهو مذهب مالك ورجه في مذهب الشافعي واختاره الروياني )[11] ا هـ والله أعلم. الحديث الرابع: 55- عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها". قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فاقبل عليه عبد الله، فسبه سبا سيئا، ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول: والله لنمنعهن؟. وفي لفظ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". • قال البخاري: (باب خروج النساء إلي المساجد بالليل والغلس. وذكر حديث عائشة- رضي الله عنها- قالت: أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة وفيه نام النساء والصبيان ثم ذكر الحديث ولفظه: "إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن ". • قال الحافظ: وكان اختصاص الليل بذلك لكونه أستر، ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمنت المفسدة منهن وعليهن، قال النووي: استدل به على أن المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لنوحه الأمر إلي الأزواج بالأذن. ا هـ وزاد مسلم في هذا الحديث: "فقال له ابن له يقال له وأقد: إذا يتخذنه دغلا، قال: فضرب في صدره وقال: أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول لا" ولم أر لهذه القصة ذكرا في شيء من الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث، وقد أوهم صنيع صاحب العمدة خلاف ذلك، ولم يتعرض لبيان ذلك أحد من شراحه، وأظن البخاري اختصرها للاختلاف في تسمية ابن عبد الله بن عمر، فقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر وسمي الابن بلالا، قال: والراجح من هذا أن صاحب القصة بلال، وكانه قال ذلك لما رأى من فساد بعض النساء في ذلك الوقت وحملته على ذلك الغيرة، وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث، وإلا فلو قال مثلا إن الزمان قد تغير دان بعضهن ربما ظهر منه قصد المسجد وإضمار غيره لكان يظهر أن لا ينكر عليه، وإلى ذلك أشارت عائشة يعني قولها لو أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل. وأخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده د أن كان كبيرا إذا تكلم بما لا ينبغي له، وجواز التأديب بالهجران. • قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عام في النساء، إلا أن الفقهاء خصوه بشروط: منها أن لا تتطيب، وهو في بعض الروايات وليخرجن تفلات. قال: ويلحق بالطيب ما في معناه لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال)[12]. • قال الحافظ: (وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر بلفظ "لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن " أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة. ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد القاعدية "أنها جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك. قال: قد علمت، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة" وإسناد أحمد حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود. ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة، ومن ثم قالت عائشة ما قالت)[13] ا هـ • قال في الاختيارات: (قال أحمد في رواية حرب وقد سئل عن النساء يخرجن في العيد قال لا يعجبني في زماننا هذا إنهن فتنة وهذا يعم سائر الصلوات)[14] والله أعلم. الحديث الخامس: 56- عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. وفي لفظ: فأما المغرب والعشاء والجمعة: ففي بيته. وفي لفظ: أن ابن عمر قال: حدثتني حفصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر. وكانت ساعة لا أدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها. • قوله: (صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها). • قال ابن دقيق العيد: (وفي تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها: معنى لطيف مناسب أما في التقديم: فلأن الإنسان يشتغل بأمور الدنيا وأسبابها فتتكيف النفس من ذلك بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة والخشوع فيها الذي هو روحها فإذا قدمت السنن على الفريضة تأنست النفس بالعبادة وتكيفت بحالة تقرب من الخشوع فيدخل في الفرائض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لو لم تقدم السنة فإن النفس مجبولة على التكيف بما هي فيه لاسيما إذا كثر أو طال وورود الحالة المنافية لما قبلها قد يمحو أثر الحالة السابقة أو يضعفه وأما السنن المتأخرة: فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض فإذا وقع الفرض ناسب أن يكون بعده ما يجبر خللا فيه إن وقع) [15]ا هـ. والحديث دليل على سنية الرواتب العشر وتأكيدها، وفي البخاري عن عائشة كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغدة، قال الداودي: وقع في حديث ابن عمر "أن قبل الظهر ركعتين" وفي حديث عائشة "أربعا" وهو محمول على أن كل واحد منهما وصف ما رأى. • قال الحافظ: (والأولى أن يحمل على حالين: فكان تارة يصلي سنتين وتارة يصلي أربعا، قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها. • قوله: (فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته) وفي رواية: "فأما المغرب والعشاء ففي بيته". • قال الحافظ: والظاهر أن ذلك لم يقع عن عمد وإنما كان - صلى الله عليه وسلم - يتشاغل بالناس في النهار غالبا وبالليل يكون في بيته غالبا. وأما الجمعة فقال في رواية أخرى: وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف. • قال الحافظ: والحكمة في ذلك أنه كان يبادر إلى الجمعة ثم ينصرف إلي القائلة بخلاف الظهر فإنه كان يبرد بها وكان يقيل قبلها) [16]ا هـ. • قال ابن بطال: "إنما أعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد الظهر من أجل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي حذفت. وروي مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا". • قال شيخ الإسلام بن تيميه: إن صلى في المسجد صلى أربعا وإن على في بيته صلى ركعتين. • قال الحافظ: (وأقوى ما يتمسك به في مشروعية ركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا: "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان" ومثله حديث عبد الله بن مغفل بين كل أذانين صلاة) [17]ا هـ والله أعلم. الحديث السادس: 57- عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل تعاهدا منه على ركعتي الفجر. وفي لفظ لمسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها". • قال البخاري: ( باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعا وذكر الحديث. • قال الحافظ: أورد في الباب بلفظ النوافل، وأشار بلفظ التطوع إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي رواية أبي عاصم عن ابن جريج عند البيهقي "قلت لعطاء أواجبة ركعتا الفجر أو هي من التطوع؟ فقال: حدثني عبيد بن عمير" فذكر الحديث. قوله: "أشد تعاهدا" وفي رواية لمسلم "ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلا الركعتين قبل الفجر" والحديث دليل على تأكد ركعتي الفجر وعلو مرتبتها في الفضيلة وعظم ثوابها)[18] وبالله التوفيق. • قال في الاختيارات: (والتطوع يكمل به صلاة الفرض يوم القيامة إن لم يكن المصلي أتمها وفيه حديث مرفوع رواه أحمد في المسند وكذلك الزكاة وبقية الأعمال، واستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلا ونهارا أفضل من جهاد لم يذهب فيه نفسه وماله والعبادة في غيره تعدل الجهاد للأخبار الصحيحة المشهورة وقد رواها أحمد وغيره ومن طلب العلم أو فعل غيره مما هو آجر في نفسه لما فيه من المحبة له لا لله ولا لغيره من الشركاء فليس مذموما بل قد يثاب بأنواع من الثواب أما بزيادة فيها وفي أمثالها فتنعم بذلك وأما بغير ذلك، وتعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد وأنه من أنها الجهاد من جهة أنه من فروض الكفايات، وأشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه فذنبه من جنس ذنب اليهود، والطواف بالبيت أفضل من الصلاة فيه وهو قول العلماء والذكر بقلب أفضل من القرآن بلا قلب. وقال أبو العباس: في رده على الرافضي بعد أن ذكر تفضيل أحمد للجهاد والشافعي للصلاة وأبي حنيفة ومالك للعلم: والتحقيق أنه لا بد لكل من الآخرين وقد يكون كل واحد أفضل في حال كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه بحسب المصلحة والحاجة ويوافق هذا قول إبراهيم بن جعفر لأحمد الرجل يبلغني عنه صلاح فأذهب فأصلي خلفه قال: قال لي أحمد: انظر إلي ما هو أصلح لقلبك فافعله، وقال الإمام أحمد: معرفة الحديث والفقه أعجب إلا من حفظه. قال: ومن السنن الراتبة قبل الظهر كريم وهو مذهب الشافعي. قلت: "كذا في النسخة وهو في الأصل أبي حنيفة" رحمه الله تعالى وليس للعصر سنة راتبة وهو مذهب أحمد وما تبين فعله منفردا كقيام الليل وصلاة الضحى ونحو ذلك إن فعل جماعة في بعض الأحيان فلا بأس بذلك لكن لا يتخذ سنة راتبة) [19] ا هـ والله أعلم. [1] فتح الباري: (2/ 131). [2] في إحكام الأحكام: (1/ 190). [3] نيل الأوطار: (3/ 155). [4] فتح الباري: (2/ 133). [5] فتح الباري: (2/ 133). [6] فتح الباري: (2/ 125). [7] فتح الباري: (2/ 125). [8] فتح الباري: (2/ 125). [9] فتح الباري: (2/ 129). [10] فتح الباري: (2/ 127). [11] الفتاوى الكبرى: (5/ 345). [12] فتح الباري: (2/ 347). [13] فتح الباري: (3/ 269). [14] الفتاوى الكبرى: (5/345). [15] إحكام الأحكام: (1/ 199). [16] فتح الباري: (3/ 58). [17] فتح الباري: (2/426). [18] فتح الباري: (3/45). [19] الفتاوى الكبرى: (5/ 342 ).
__________________
|
|
#56
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب الأذان) الحديث الأول: 58- عن أنس - رضي الله عنه- قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. الأذان في اللغة: الإعلام قال الله تعلى وأذان من الله ورسوله. وفي الشرع: الإعلام بوقت الصلاة وهو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلوات للإعلام بصفتها، قال الله تعالى: ï´؟ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ï´¾ [المائدة: 58] وقال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ï´¾ [الجمعة: 9] . قال الحافظ: (قال القرطبي وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد - صلى الله عليه وسلم- ثم دعا إلي الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم وفيه الإشارة إلي المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدا. ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام. والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان، واختلف أيهما أفضل الأذان أو الإمامة؟ ثالثها إن علم من نفسه القيام بحقوق الأمانة فهي أفضل وإلا فالأذان، وفي كلام الشافعي ما يومئ إليه)[1]. • قوله: ( أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة). • قال ابن دقيق العيد: (المختار عند أهل الأصول: أنه قوله [أمر] راجع إلي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- وكذا أمرنا و نهينا لأن الظاهر: انصرافه إلي من له الأمر والنهي شرعا ومن يلزم إتباعه ويحتج بقوله وهو النبي - صلى الله عليه وسلم- وفي هذا الموضع زيادة على هذا وهو أن العبادات والتقديرات فيها: لا تؤخذ إلا بتوقيف)[2]. وفي رواية عن أنس قال: "لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة. • وعند أبي الشيخ: فقالوا: لو اتخذنا ناقوسا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "ذاك للنصارى". فقالوا: لو اتخذنا بوقا، فقال: "ذاك لليهود". فقالوا: لو رفعنا نارا، فقال: "ذاك للمجوس " فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة. وعن ابن عمر أنه كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلوات وليس ينادي بها أحد فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم نتخذ ناقوسا مثل ناقوس النصارى وقال بعضهم بل قرنا مثل قرن اليهود فقال عمر - صلى الله عليه وسلم-: أفلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: " قم يا بلال فناد بالصلاة" متفق عليه. • قوله: (أن يشفع) أي يأتي بألفاظه شفعا. قال الزين بن المنير: لكن لم يختلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة. • قال البخاري: باب الأذان مثنى مثنى وذكر الحديث ولفظه أمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة. • قال الحافظ: (المراد بالمنفي غير المراد بالمثبت فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلا الصلاة والمراد بالمنفي خصوص قوله قد قامت الصلاة، قال: ورواه عبد الرزاق ولفظه كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة إلا قوله قد قامت الصلاة قال وقد استشكل عدم استثناء التكبير في الإقامة وأجاب بعض الشافعية بأن التثنية في تكبيرة الإقامة بالنسبة إلى الأذان إفراد قال النووي ولهذا يستحب أن يقول المؤذن كل تكبيرتين بنفس واحد قلت وهذا إنما يتأتى في أول الأذان لا في التكبير الذي في آخره، وعلى ما قال النووي ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس، ويظهر بهذا التقرير ترجيح قول من قال بتربيع التكبير في أوله على من قال بتثنيته مع أن لفظ الشفع يتناول التثنية والتربيع فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك، وأما الترجيع في التشهدين فالأصح في صورته أن يشهد بالوحدانية سنتين ثم بالرسالة ثنتين ثم يرجع فيشهد كذلك، فهو وإن كان في العدد مربعا فهو في الصورة مثنى)[3] والله أعلم. ا هـ. • قال البخاري أيضا: (باب الإقامة واحدة إلا قد قامت الصلاة وذكر الحديث. • قال الزين بن المنير: خالف البخاري لفظ الحديث في الترجمة فعدل عنه إلى قوله: "واحدة" لأن لفظ الوتر غير منحصر في المرة فعدل عن لفظ فيه الاشتراك إلا ما لا اشتراك فيه. قال الحافظ: وإنما لم يقل واحدة واحدة مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبان في حديث ابن عمر ولفظه: "الأذان مثنى والإقامة واحدة، قال: والحديث حجة على من زعم أن الإقامة مثنى مثنى")[4]ا هـ. • قال الحافظ: (وقال ابن عبدالبر: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رقم التكبير الأول في الأذان، أو ثناه، أو رجع في التشهد أو لم يرجع، أو ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو إلا "قد قامت الصلاة" فالجميع جائز. • قال الحافظ: (قيل: الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان لإعلام الغائبين فيكرر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة فإنها للحاضرين، ومن ثم استحب أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف الإفاقة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مرتلا والإقامة مسرعة، وكرر "قد قامت الصلاة" لأنها المقصودة من الإقامة بالذات وإنما اختص بالتشهد لأنه أعظم ألفاظ الأذان، والله أعلم)[5]. تتمة: • قال في الاختيارات الفقهية: (ويستحب للمؤذن أن يرفع فمه واجهه إلي السماء إذا أذن أو أقام ونص عليه أحمد، كما يستحب للذي يتشهد عقيب الوضوء أن يرفع بصره إلى السماء، وكما يستحب للمحرم بالصلاة أن يرفع رأسه قليلا لأن التهليل والتكبير إعلان بذكر الله لا يصلح إلا له فاستحب الإشارة إليه كما تستحب الإشارة بالإصبع الواحدة في التشهد والدعاء وهذا بخلاف الصلاة والدعاء إذ المستحب فيه خفض الطرف)[6]. الحديث الثاني: 59- عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم- وهو في قبة له حمراء من أدم قال: فخرج بلال بوضوء، فمن ناضح ونائل، قال: فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم- عليه حلة حمراء، كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فتوضأ وأذن بلال، قال: فجعلت أتتبع فيه ههنا وههنا، يقول يمينا وشمالا: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ثم ركزت له عنزة، فتقدم وصلى الظهر ركعتين، ثم نزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة. • قال البخاري: (باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا وهل يلتفت في الأذان، ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه وكان ابن عمر لا يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال إبراهيم: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء، وقال عطاء: الوضوء حق وسنة، وقالت عائشة: كان الذي - صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحيانه. حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن عون بن أبى صحيفة عن أبيه أنه رأى بلالا يؤذن فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا بالأذان)[7]. قال الحافظ: • (قوله: (ها هنا وهاهنا بالأذان) كذا أورده مختصرا، ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتم حيث قال: "فجعلت أتتبع فيه هاهنا وهاهنا يمينا وشمالا يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح " وهذا فيه تقييد للالتفات في الأذان وأن محله عند الحيعلتين، وبوب عليه ابن خزيمة: "انحراف المؤذن عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح بفمه لا ببدنه كله " قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثم ساقه من طريق وكيع أيضا بلفظ: " فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يمينا وشمالا" وفي رواية عبد الرزاق عن الثوري في هذا الحديث زيادتان: إحداهما الاستدارة، والأخرى وضع الإصبع في الأذن، ولفظه عند الترمذي "رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتبع فيه هاهنا وهاهنا وإصبعاه في أذنيه" فأما قوله: "ويدور" فهو مدرج في رواية سفيان عن عون، بين ذلك يحيى بن آدم عن سفيان عن عون عن أبيه قال: "رأيت بلالا أذن فأتبع فاه هاهنا وهاهنا والتفت يمينا وشمالا" قال سفيان: كان حجاج- يعني ابن أرطاة- يذكر لنا عن عون أنه قال: "فاستدار في أذانه" فلما لقينا عونا لم يذكر فيه الاستدارة، أخرجه الطبراني وأبو الشيخ من طريق يحيى بن آدم، وكذا أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان، لكن لم يسم حجاجا، وهو مشهور عن حجاج أخرجه ابن ماجه وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم من طريقه ولم ينفرد به بل وافقه إدريس الأودي ومحمد العرزمي عن عون، لكن الثلاثة ضعفاء، وقد خالفهم من هو مثلهم أو أمثل وهو قيس بن الربيع فرواه عن عون فقال في حديثه " ولم يستدر" أخرجه أبو داود، ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عني استدارة الرأس، ومن نفاها عني استدارة الجسد كله)[8]. • وقال في "المغني" عن أحمد: لا يدور إلا إن كان على منارة يقصد إسماع أهل الجهتين. وأما وضع الإصبعين في الأذنين فقد رواه مؤمل أيضا عن سفيان أخرجه أبو عوانة وله شواهد ذكرتها في "تعليق التعليق " من أصحها ما رواه أبو داود وابن حبان من طريق أبي سلام الدمشقي أن عبد الله الهوزني حدثه قال: قلت لبلال كيف كانت نفقة النبي - صلى الله عليه وسلم-؟ فذكر الحديث وفيه "قال بلال: فجعلت إصبعي في أذني فأذنت" ولابن ماجه والحاكم من حديث سعد القرظ " لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه" وفي إسناده ضعف، قال العلماء في ذلك فائدتين: إحداهما أنه قد يكون أرفع لصوته، وفيه حديث ضعيف أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القرظ عن بلال، ثانيهما أنه علامة للمؤذن ليعرف من رآه على بعد أو كان به صمم أنه يؤذن. • قال البخاري: (باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة حدثنا إسحاق قال أخبرنا جعفر بن عون قال حدثنا أبو العميس عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالأبطح فجاءه بلال فآذنه بالصلاة ثم خرج بلال بالعنزة حتى ركزها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالأبطح وأقام الصلاة)[9]. • وقال البخاري: (باب سترة الإمام سترة من خلفه ولفظه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- صلى بهم بالبطحاء وبين يديه عنيزة الظهر ركعتين والعصر ركعتين تمر من بين يديه المرأة والحمار)[10]. • قال الحافظ: (حديث أبي جحيفة أخرجه المصنف مطولا ومختصرا، وقد تقدم في الطهارة في "باب استعمال فضل وضوء الناس " وفي حديث ستر العورة من الصلاة في "باب الصلاة في الثوب الأحمر" وذكره أيضا هنا وبعد بابين أيضا وفي الأذان وفي صفة النبي - صلى الله عليه وسلم- في موضعين وفي اللباس في موضعين. قوله: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم- صلى بهم بالبطحاء" يعني بطحاء مكة، وهو موضع خارج مكة، وهو الذي يقال له الأبطح، قوله: (يمر بين يديه) أي بين العنزة والقبلة لا بينه وبين العنزة، قوله: "فخرج بلال بوضوء فمن ناضح ونائل " وفي رواية (ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء فمن أصاب منه شيئا تمسح به، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه")[11]. • قال الحافظ: (وفي الحديث من الفوائد التماس البركة مما لامسه الصالحون، ووضع السترة للمصلي حيث يخشى المرور بين يديه والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة، وأن قصر الصلاة في السفر أفضل من الإتمام لما يشعر به الخبر من مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم- عليه، وأن ابتداء القصر من حين مفارقة البلد الذي يخرج منه، وفيه تعظيم الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم-، وفيه استحباب تشمير الثياب لاسيما في السفر، وكذا استصحاب العنزة ونحوها، ومشروعية الأذان في السفر كما سيأتي في الأذان، وجواز النظر إلي الساق وهو إجماع في الرجل حيث لا فتنة، وجواز لبس الثوب الأحمر، وفيه خلاف يأتي ذكره في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى، قال وفيه دلالة بينة على طهارة الماء المستعمل)[12]. • وقال البخاري أيضا: (باب السترة بمكة وغيرها وذكر الحديث ولفظه خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالهاجرة فصلى بالبطحاء الظهر والعصر ركعتين ونصب بين يديه عنزة وتوضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه)[13]. • قال الحافظ: (والذي أظنه أنه أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرزاق حيث قال في "باب لا يقطع الصلاة بمكة شيء" ثم أخرج عن ابن جريج عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده قال: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم- يصلي في المسجد الحرام ليس بينه وبينهم- أي الناس- سترة " وأخرجه من هذا الوجه أيضا أصحاب السنن، ورجاله موثقون إلا أنه معلول، فقد رواه أبو داود عن أحمد عن ابن عيينة قال: كان ابن جريج أخبرنا به هكذا، فلقيت كثيرا، فقال: ليس من أبي سمعته ولكن عن بعض أهلي عن جدي. فأراد البخاري التنبيه على ضعف هذا الحديث وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، واستدل على ذلك بحديث أبي جحيفة وهذا هو المعروف عند الشافعية وأن لا فرق في منع المرور بين يدي المصلي بين مكة وغيرها. واغتفر بعض الفقهاء ذلك للطائفين دون غيرهم للضرورة، وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة)[14] ا هـ والله أعلم. الحديث الثالث: 60- عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". • قال البخاري: (باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره. وساق الحديث وفي آخره: ثم قال وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت. • قوله: (إن بلالا يؤذن بليل) فيه إشعار بأن ذلك كان من عادته المستمرة، قوله: "فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم". • قال الحافظ: فيه إشعار بان الأذان كان علامة عندهم على دخول الوقت فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك. واسم (ابن أم مكتوم) عمرو وهو قرشي عامري، أسلم قديما وكان النبي - صلى الله عليه وسلم- يكرمه ويستخلفه على المدينة، وشهد القادسية في خلافة عمر فاستشهد بها قال وهو الأعمى المذكور في سورة عبس)[15]. قوله: "وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت" وفي رواية: "حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر". • قال الحافظ: (وفي هذا الحديث جواز الأذان قبل طلوع الفجر، واستحباب أذان واحد بعد واحد. وأما أذان اثنين معا فمنع منه قوم، ويقال إن أول من أحدثه بنو أمية. وقال الشافعية: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش. • قال ابن دقيق العيد: وأما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرض له[16]. • قال الحافظ: ونص الشافعي على جوازه ولفظه: ولا يتضيق إن أذن أكثر من اثنين، وعلى جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت، وعلى جواز شهادة الأعمى، وعلى جواز العمل بخبر الواحد، وعلى أن ما بعد الفجر من حكم النهار، وعلى جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفا به وإن لم يشاهد الراوي، وعلى جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التعريف ونحوه، وجواز نسبة الرجل إلي أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه)[17] ا هـ ملخصا. • قال البخاري أيضا: (باب الأذان بعد الفجر، وذكر حديث حفصة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان إذا اعتكف المؤذن للصبح ويدا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة، وحديث عائشة وكان النبي - صلى الله عليه وسلم- يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح " ثم ذكر الحديث. • قال الحافظ: (قوله: "باب الأذان في الفجر" قال الزين بن المنير: قدم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر فخالف الترتيب الوجودي، لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، فقدم ترجمة الأصل على ما ندر عنه. وأشار ابن بطال إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر. والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر، وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفي به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر، والله أعلم. قوله: "كان إذا اعتكف المؤذن للصبح". • قال الحافظ: (والحديث في الموطأ عند جميع رواته بلفظ: "كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح " وكذا رواه مسلم وغيره وهو الصواب قال والحق أن لفظ: "اعتكف" محرف من لفظ: "سكت" وقد أخرجه المؤلف في باب الركعتين بعد الظهر من طريق أيوب عن نافع بلفظ: "كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر")[18]. • وقال البخاري: (باب الأذان قبل الفجر، وذكر حديث بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يمنعن أحدكم أو أحدا منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم ولينبه نائبكم وليس أن يقول الفجر أو الصبح وقال بأصابعه ورفعها إلي فوق وطأطأ إلى أسفل حتى يقول هكذا" وقال زهير بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى ثم مدها عن يمينه وشماله ثم ذكر حدبث عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، قوله: "باب الأذان قبل الفجر" أي ما حكمه؟ هل يشرع أو لا؟ وإذا شرع هل يكتفي به عن إعادة الأذان بعد الفجر أو لا؟ وإلى مشروعيته مطلقا ذهب الجمهور. وخالف الثوري وأبو حنيفة ومحمد، وإلى الاكتفاء مطلقا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، وخالف ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث وقال به الغزالي في الإحياء)[19] انتهى. • قال البخاري: (باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم- "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلالا" وذكر الحديث ولفظه عن عائشة- رضي الله عنها- أن بلالا كان يؤذن بليل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر قال القاسم ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا". • قال ابن بطال: وقد روى لفظ الترجمة وكيع من حديث سمرة مرفوعا: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق ". وقال الترمذي: هو حديث حسن)[20] .ا هـ. وفي حديث سمرة عند مسلم: "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطيع هكذا" يعني معترضا. وفي رواية: "ولا هذا البياض حتى يستطير". • قال النووي: (وهو الفجر الثاني الصادق، (والمستطير) قال: والفجر الكاذب المستطيل باللام كذنب السرحان)[21]. • قال الموفق: (ويستحب أيضا أن لا يؤذن قبل الفجر إلا أن يكون معه مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح كفعل بلال وابن أم مكتوم اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولأنه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الإعلام بالوقت المقصود بالآذان فإذا كانا مؤذنين حصل الاعلام بالوقت بالثاني وبقربه بالمؤذن الأول. فصل: وينبغي لمن يؤذن قبل الوقت أن يجعل أذانه في وقت واحد في الليالي كلها ليعلم الناس ذلك من عادته فيعرفوا الوقت بأذانه ولا يؤذن في الوقت تارة وقبله أخرى فيلتبس على الناس ويغتروا بأذانه فربما صلى بعض من سمعه الصبح بناء على أذانه قبل وقتها وربما امتنع المتسحر من سحوره والمتنفل من صلاته بناء على أذانه ومن علم حاله لا يستفيد بأذانه فائدة لتردده بين الاحتمالين ولا يقدم الآذان كثيرا تارة ويؤخره أخرى فلا يعلم الوقت بأذانه فتقل فائدته، ويكره الآذان قبل الفجر في شهر رمضان نص عليه أحمد في رواية الجماعة لئلا يغتر الناس به فيتركوا سحورهم ويحتمل أن لا يكره في حق من عرف عادته بالآذان في الليل لأن بلالا كان يفعل ذلك بدليل قوله عليه السلام: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، وقال عليه السلام: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال فإنه يؤذن بليل لينتبه نائمكم ويرجع قائمكم "[22] انتهى والله المستعان. فائدة: عن عروة عن امرأة من بني النجار قالت: كان بلال يجلس على بيتي وهو أعلى بيت في المدينة. فإذا رأى الفجر تمطى ثم أذن. أخرجه أبو داود، قيل إن بلالا كان في أول ما شرع الأذان يؤذن وحده ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر ثم كان في آخر الأمر يؤذن بليل فإذا طلع الفجر أذن ابن أم مكتوم. قال الحافظ: (وادعى بعض الحنفية أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان وإنما كان تذكيرا أو تسحيرا كما يقع للناس اليوم وهذا مردود لكن الذي يصنعه الناس اليوم محدث قطعا انتهى والله الموفق)[23]. الحديث الرابع: 61- عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:" إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول". • قال البخاري: باب ما يقول إذا سمع المنادي. وساق الحديث ولفظه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن". قوله: "فقولوا مثل ما يقول المؤذن". • قال الكرماني: قال: "ما يقول "ولم يقل مثل ما قال ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها. قلت: والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة" أنه - صلى الله عليه وسلم- كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت". • قال النووي: فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل. • قال الحافظ: (وظاهر قوله مثل أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر وحديث معاوية يدلان على أنه يستثنى من ذلك "حي على الصلاة وحي على الفلاح " فيقول بدلهما "لا حول ولا قوة إلا بالله" كذلك استدل به ابن خزيمة وهو المشهور عند الجمهور. • وقال الطيبي: معنى الحيعلتين هلم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلا والفوز بالنعيم لمجلس، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته. • قال الحافظ: (واستدل به على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة قالوا: إلا في كلمتي الإقامة فيقول: "أقامها الله وأدامها" انتهى)[24]. عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : "إذا قال المؤذن: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد ألا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدا رسول الله قال: أشهد أن محمدا رسول الله ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا الله ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة" رواه مسلم وأبو داود. تتمة: عن جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم- : "من قال إذا سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة و الفضيلة و ابعثه المقام المحمود الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة" رواه الجماعة إلا مسلما وزاد البيهقي "إنك لا تخاف الميعاد". وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة" رواه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن. وعن أبي الدرداء- رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: " ما من ثلاثة في قرية فلا يؤذن ولا تقام فيهم الصلوات إلا استحوذ عليهم الشيطان" رواه أحمد. عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس شظية للجبل يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته جنتي " رواه أحمد وأبو داود والنسائي. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين " رواه أحمد وأبو داود والترمذي. عن أبي محذورة - رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان فعلمه، فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله. رواه أحمد وأبو داود. قال مالك في الموطأ لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة حدا محدودا إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس فإن منهم الثقيل والخفيف. تتمة: والصحيح أنهما فرض كفاية وهو ظاهر مذهب أحمد وغيره. وقد أطلق طوائف من العلماء أن الأذان سنة ثم من هؤلاء من يقول إنه إذا اتفق أهل بلد على تركه قوتلوا. والنزاع مع هؤلاء قريب من النزع اللفظي فإن كثيرا من العلماء يطلق القول بالسنة على ما يذم تاركه ويعاقب تاركه شرعا. وأما من زعم أنه سنة لا إثم على تاركه فقد أخطأ. وليس الأذان بواجب للصلاة الفائتة وإذا صلى وحده أداء أو قضاء وأذن وأقام فقد أحسن وإن اكتفى بالإقامة أجزأه. وإن كان يقضي صلوات فأذن أول مرة وأقام لبقية الصلوات كان حسنا أيضا وهو أفضل من الإمامة وهو أصح الروايتين عن أحمد واختيار أكثر أصحابه. وأما إمامته - صلى الله عليه وسلم- وإمامة الخلفاء الراشدين فكانت متعينة عليهم فإنها وظيفة الإمام الأعظم ولم يكن يمكن الجمع بينها وبين الأذان فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الأذان لخصوص أحوالهم وإن كان لأكثر الناس الأذان أفضل، ويتخرج أن لا يجزئ أذان القاعد لغير عذر كأحد الوجهين في الخطبة وأولى إذ لم ينقل عن أحد من السلف الأذان قاعدا لغير عذر وخطب بعضهم قاعدا لغير عذر وأطلق أحمد الكراهة والكراهة المطلقة هل تنصرف إلى التحريم أو التنزيه على وجهين. قلت: قال أبو البقاء العكبري في شرح الهداية نقل عن أحمد إن أذن قاعدا يعيد قال القاضي محمول على نفي الاستحباب وحمله بعضهم على نفي الاعتداد به والله أعلم. وأكثر الروايات عن أحمد المنع من أذان الجنب وتوقف عن الإعادة في بعضها وصرح بعدم الإعادة في بعضها وهو اختيار أكثر الأصحاب. وذكر جماعة عنه رواية بالإعادة واختارها الخرقي. وفي إجراء الأذان من الفاسق روايتان أقواهما عدمه لمخالفته أمر النبي - صلى الله عليه وسلم- وأما ترتيب الفاسق مؤذنا فلا ينبغي قولا واحدا. والصبي المميز يستخرج أذانه للبالغ روايتان كشهادته وولايته. وقال في موضع آخر اختلف الأصحاب في تحقيق موضع الخلاف منهم من يقول موضع الخلاف سقوط الفرض به والسنة المؤكدة إذا لم يوجد سواه وأما صحة أذانه في الجملة وكونه جائزا إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه. ومنهم من أطلق الخلاف لأن أحمد قال لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم إذا كان قد راهق. وقال في رواية علي بن سعيد وقد سئل عن الغلام يؤذن قبل أن يحتلم فلم يعجبه. والأشبه أن الأذان الذي يسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام لا يجوز أن يباشره صبي قولا واحدا ولا يسقط الفرض ولا يعتد به في مواقيت العبادات. وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك فهذا فيه الروايتان والصحيح جوازه. ويكره أن يوصل الأذان بما قبله مثل قول بعض المؤذنين قبل الأذان:ï´؟ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ï´¾ [الإسراء: 111] والخروج من المسجد بعد الأذان منهي عنه. وهل هو حرام أو مكروه في المسالة وجهان إلا أن يكون التأذين للفجر قبل الوقت فلا يكره الخروج نص عليه أحمد. والنداء بالأذان والإقامة مختص بالصلوات الخمس وأن النداء بغير الأذان والإقامة فالسنة أن ينادي للكسوف بالصلاة جامعة لحديث عائشة: خسفت الشمس على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- فبعث مناديا الصلاة جامعة ولا ينادي للعيد والاستسقاء وقاله طائفة من أصحابنا ولهذا لا يشرع للجنازة ولا للتراويح على نص أحمد خلافا للقاضي لأنه لم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم- والقياس على الكسوف فاسد الاعتبار وقال الآمدي: السنة أن يكون المؤذن من أولاد من جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيهم الأذان وإن كان من غيرهم جاز. • قال أبو العباس: ولم يذكر هذا أكثر أصحابنا وظاهر كلام أحمد لا يقدم بذلك فإنه نص على أن المتنازعين في الأذان لا يقدم أحدهما بكون أبيه هو المؤذن. وأما ما سوى التأذين قبل الفجر من تسبيح وتنشيد ورفع الصوت بدعاء ونحو ذلك في المآذن فهذا ليس بمسنون عند الأئمة بل قد ذكر طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد: أن هذا من جملة البدع المكروهة ولم يقم دليل شرعي على استحبابه ولا حدث سبب يقتضي إحداثه حتى يقال إنه من البدع اللغوية التي دلت الشريعة على استحبابها وما كان كذلك لم يكن لأحد أن يأمر به ولا ينكر على من تركه ولا يعلق استحقاق الرزق به وإن شرطه واقف، وإذا قيل: إن في بعض هذه الأصوات مصلحة راجحة على مفسدتها فتقتصر من ذلك على القدر الذي يحصل به المصحلة دون الزيادة التي هي ضرر بلا مصلحة راجحة. ويستحب أن يجيب المؤذن ويقول مثل ما يقول ولو في الصلاة وكذلك يقول في الصلاة كل ذكر ودعاء وجد سببه في الصلاة ويجيب مؤذنا ثانيا وأكثر حيث يستحب ذلك كما كان المؤذنان يؤذنان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحن المسجد فليس أذانهم مشروعا باتفاق الأئمة بل ذلك بدعة منكرة وقد اتفق العلماء على أنه لا يستحب التبليغ وراء الإمام بل يكره إلا لحاجة. وقد ذهب طائفة من الفقهاء أصحاب مالك وأحمد إلى بطلان صلاة المبلغ إذا لم يحتج إليه، وظاهر كلامه هذا أن المجيب يقول مثل ما يقول حتى في الحيعلة وقيل: يقول لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال في موضع آخر وقيل يقول لا حول ولا قوة إلا بالله. • ويجوز الأذان للفجر قبل دخول وقتها قاله جمهور العلماء. وليس عند أحمد نص في أول الوقت الذي يجوز فيه التأذين إلا أن أصحابنا قالوا يجوز بعد نصف الليل كما يجوز بعد نصف الليل الإفاضة من مزدلفة وعلى هذا فينبغي أن يكون الليل الذي يعتبر نصفه أوله غروب الشمس وآخره طلوعها كما أن النهار المعتبر نصفه أوله طلوع الشمس وآخره غروبها لانقسام الزمان إلي ليل ونهارا ولعل قول النبي - صلى الله عليه وسلم- في أحد الحديثين ينزل ربنا إلي السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل يعني الليل الذي ينتهي لطلوع الفجر وفي الآخر حين يمضي نصف الليل يعني الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس فإنه إذا انتصف الليل الشمسي يكون قد بقي ثلث الليل الفجري تقريبا. ولو قيل تحديد وقت العشاء إلى نصف الليل تارة وإلى ثلثه أخرى من هذا الباب لكان متوجها. ويستحب إذا أخذ المؤذن في الأذان أن لا يقوم إذ في ذلك تشبه بالشيطان قال أحمد لا يقوم أول ما يبتدئ ويصبر قليلا[25]. [1] فتح الباري: (2/396). [2] أحكام الأحكام: (1/ 203). [3] فتح الباري ابن حجر: (2/83). [4] فتح الباري: (2/84). [5] فتح الباري: (2/404). [6] الاختيارات الفقهية: (1/ 38). [7] فتح الباري: (2/ 114). [8] فتح الباري: (2/ 115). [9] فتح الباري: (2/ 111). [10] فتح الباري: (1/ 571). [11] فتح الباري: (2/ 239). [12] فتح الباري: (1/ 574). [13] فتح الباري: (1/ 576). [14] فتح الباري: (1/ 576). [15] فتح الباري: (2/ 99). [16] إحكام الأحكام: (1/ 127). [17] فتح الباري: (2/ 100). [18] فتح الباري: (2/ 100). [19] فتح الباري: (2/ 103). [20] فتح الباري: (4/ 136). [21] شرح النووي على مسلم: (4/70). [22] المغني: (1/ 455). [23] الفتح: (2/104). [24] فتح الباري: (2/ 90- 92). [25] الاختيارات الفقهية: ( 1/36)
__________________
|
|
#57
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب استقبال القبلة) الحديث الأول: 62- عن ابن عمر - رضي الله عنه - : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان يسبح على ظهر راحلته، حيث كان وجهه، يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله. وفي رواية: كان يوتر على بعيره. ولمسلم: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. وللبخاري: إلا الفرائض. استقبال القبلة شرط في صحة الصلاة إلا في حالتين اشتداد الخوف والتطوع على الراحلة في السفر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ï´؟ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ï´¾ [البقرة: 149]. • قوله: (كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه)؛ أي: يصلي النافلة وهو راكب. • قال البخاري: (باب الوتر على الدابة: حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن سعيد بن يسار أنه قال كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة فقال سعيد: فلما خشيت الصبح، نزلت فأوترت، ثم لحقته، فقال عبدالله بن عمر: أين كنت فقلت: خشيت الصبح فنزلت فأوترت فقال عبدالله: أليس لك في رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، فقلت: بلى، والله قال فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان يوتر على البعير. حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا جريرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في السفر على راحلته، حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته. • قال الزين بن المنير: ترجم بالدابة تنبيها على أن لا فرق بينها وبين البعير في الحكم، والجامع بينهما أن الفرض لا يجزئ على واحدة منهما. • قال الحافظ: ولعل البخاري أشار إلى ما ورد في بعض طرقه فسيأتي في أبواب تقصير الصلاة من طريق سالم عن أبيه أنه كان يصلي من الليل على دابته وهو مسافر. • قوله: (إلا الفرائض) أي لكن الفرائض بخلاف ذلك فكان لا يصليها على الراحلة[1]. • وقال البخاري أيضًا: (باب ينزل للمكتوبة، وذكر حديث عامر بن ربيعة أخبره قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو على الراحلة يسبح يومئ برأسه قبل أي وجه ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" ثم ذكر حديث ابن عمر ولفظه: قال سالم كان عبد الله يصلي على دابته من الليل وهو مسافر ما يبالي حيث ما كان وجهه. قال ابن عمر وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يسبح على راحلته قبل أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة ثم ذكر حديث جابر بن عبدالله: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة، نزل فاستقبل القبلة. قوله: (باب ينزل للمكتوبة) أي لأجلها. • قال ابن بطال: أجمع العلماء على اشتراط ذلك، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر، حاشا ما ذكر في صلاة شدة الخوف. • قال الحافظ: قال المهلب هذه الأحاديث تخص قوله تعالى: ï´؟ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ï´¾ [البقرة: 150] وتبين أن قوله تعالى: ï´؟ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ï´¾ [البقرة: 115] في النافلة وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة والحجة لذلك حديث الجارود بن أبي سبرة عن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة ثم صلى حيث وجهت ركابه أخرجه أبو داود وأحمد والدارقطني. • قال الحافظ: واستنبط من دليل التنفل للراكب جواز التنفل للماشي)[2]. تتمة: عن يعلى بن مرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وأصحابه على ظهور دوابهم، يُومئون إبقاءً، يجعلون السجود أخفض من الركوع؛ رواه الأثرم و الترمذي. • قال الموفق: (قال أبو القاسم: إذا اشتد الخوف وهو مطلوب، ابتدأ الصلاة إلى القبلة وصلى إلى غيرها راجلا وراكبا يومئ إيماء على قدر الطاقة ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. • وقال أيضا: ولا يؤخر الصلاة عن وقتها لقول الله تعالى: ï´؟ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ï´¾ [البقرة: 239][3] انتهى. وعن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: فإن كان خوفًا هو أشد من ذلك صلوا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن الذي - صلى الله عليه وسلم. وعن ابن عمر- رضي الله عنه- قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف أصلي في السفينة؟ قال: "صل فيها قائمًا إلا أن تخاف الغرق"؛ رواه الدارقطني. • قال البخاري: وصلى جابر وأبو سعيد في السفينة قائمًا. • وقال الحسن: قائمًا ما لم تشق على أصحابك تدور معها وإلا فقاعدًا؛ انتهى. والله أعلم. الحديث الثاني: 63- عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة. • قال البخاري: (باب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة، وقد سلم النبي - صلى الله عليه وسلم- في ركعتي الظهر وأقبل على الناس بوجهه ثم أتم ما بقي. وذكر حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "وافقت ربي في ثلاث" ثم ذكر حديث عبد الله ابن عمر قال": بينا الناس بقباء في صلاة الصبح)[4]. • قال الحافظ: (وهذا فيه مغايرة لحديث البراء المتقدم فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر، والجواب أن لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة وهم بنو حارثة وذلك في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك عباد بن بشر أو ابن نهيك، ووصل الخبر وقت الصبح إلى من هو خارج المدينة وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وذلك في حديث ابن عمر)[5]. • قوله: (إذا جاءهم آت فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم). • قال الحافظ: (فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي والليلة التي تليه مجازًا، والتنكير في قوله: (قرآن) لإرادة البعضية، والمراد قوله: ï´؟ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ï´¾ [البقرة: 144]. • قوله: (وقد أمر) فيه أن ما يؤمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - يلزم أُمته، وأن أفعاله يتأسى بها كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص. • قوله: (فاستقبلوها)؛ أي: فتحولوا إلى جهة الكعبة وفي رواية: وقد أمر أن يستقبل القبلة ألا فاستقبلوها. • قوله: (وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة). • قال الحافظ: (ووقع بيان كيفية التحول في حديث ثويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم وقد ذكرت بعضه قريبًا وقالت فيه: "فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام"، قلت: وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلا مؤخر المسجد؛ لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحول الأمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه وتحولت النساء حتى صرن خلف الرجال). • قال: (وفي هذا الحديث أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه؛ لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم تلك بصلوات، واستنبط منه الطحاوي أن من لم تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك، فالفرض غير لازم له، قال وفيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، قال: وفيه جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، وأن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يفسد صلاته)[6]؛ ا .هـ. وفي حديث البراء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال على أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عثر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلاها معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكان يعجبه أن يحول قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم، إذ كان يصلي قبل بيت المقدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا فلم ندر ما يقول فيهم، فأنزل الله: ï´؟ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [البقرة: 143][7]. تتمة: • قال الموفق: (وان اشتبهت عليه في السفر اجتهد في طلبها بالدلائل، قال: ومن صلى بالاجتهاد ثم علم أنه قد أخطأ القبلة فلا إعادة عليه)[8]؛ ا .هـ. عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة مظلمة، فأشكلت علينا القبلة، فصلينا فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة، فنزلت: ï´؟ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ï´¾ [البقرة: 115][9]. • قال الحافظ في "البلوغ": ضعفه الترمذي. تعقيب: لأنه فيه أشعث بن سعد السمان وهو ضعيف[10]. وروي الطبراني: (من حديث معاذ بن جبل قال: صلينا مع رسول الله في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة، فلما قضى الصلاة وسلم تجلت الشمس فقلنا: يا رسول الله، صلينا إلى غير القبلة، فقال: قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله - عز وجل - قال في سبل السلام وفيه أبو علية وقد وثَّقه ابن حبان)[11]. • قال الحافظ: (قوله: "باب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة" وأصل هذه المسالة في المجتهد في القبلة إذا تبين خطؤه فروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وغيرهم أنهم قالوا: لا تجب الإعادة، وهو قول الكوفيين. وعن الزهري ومالك وغيرهما تجب في الوقت لا بعده، وعن الشافعي يعيد إذا تيقن الخطأ مطلقا. وفي الترمذي من حديث عامر بن ربيعة ما يوافق قول الأولين، لكن قال: ليس إسناده بذاك)[12] ؛ ا .هـ، والله أعلم. 64- عن أنس بن سيرين قال: استقبلنا أنسًا حين قدم من الشام، فلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار، ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله ما فعلته. • قال البخاري: (باب صلاة التطوع على الحمار، وذكر الحديث بلفظه: لو لا أني رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - فعله لم أفعله)[13]. • قال الحافظ: (قوله: "باب صلاة التطوع على الحمار" قال ابن رشيد مقصوده أنه لا يشترط في التطوع على الدابة أن تكون الدابة طاهرة الفضلات، بل الباب في المركوبات واحد بشرط أن لا يماس النجاسة وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث طهارة عرق الحمار؛ لأن ملابسته مع التحرز منه متعذر، لا سيما إذا طال الزمان في ركوبه واحتمل العرق. • قوله: (استقبلنا أنسًا) ابن مالك (حين قدم من الشام)، كان أنس قد توجه إلى العام يشكو من الحجاج، فلقيناه بعين التمر. • قال الحافظ: هو موضع بطريق العراق مما يلي الشام، وكانت به وقعة شهيرة في آخر خلافة أبي بكر بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووجد بها غلمانًا من العرب كانوا رهنا تحت يد كسرى منهم جد الكلبي المفسر، وحمدان مولى عثمان، وسيرين مولى أنس. • قوله: قال الحافظ: "رأيتك تصلي لغير القبلة" قال الحافظ: فيه إشعار بأنه لم ينكر الصلاة على الحمار ولا غير ذلك من هيئة أنس في ذلك، وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط، وفي قول أنس "لولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم- يفعله " يعنى ترك استقبال القبلة للمتنفل على الدابة، وقال وقد روى السراج من طريق يحيى بن سعيد عن أنس أنه رأى النبي- صلى الله عليه وسلم - يصلي على حمار وهو ذاهب إلى خيبر إسناده حسن، وله شاهد عند مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازني عن سعيد بن يسار عن ابن عمر "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم- يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر" فهذا يرجح الاحتمال الذي أشار إليه البخاري.، قال وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى أن من صلى على موضع فيه نجاسة لا يباشرها بشيء منه أن صلاته صحيحة؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها وفيه الرجوع إلى أفعاله كالرجوع إلى أقواله من غير عرضة للاعتراض عليه، وفيه تلقى المسافر، وسؤال التلميذ شيخه عن مستند فعله والجواب بالدليل، وفيه التلطف في السؤال، والعمل بالإشارة لقوله: "من ذا الجانب")[14]؛ ا .هـ، والله أعلم. تتمة: • قال الدار قطني وغيره في قول الراوي: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على حمار" كلا من عمرو بن يحيى المازني وإنما المعروف صلاته- صلى الله عليه وسلم - على راحلته أو البعير. والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم في رواية أخرى ولهذا لم يذكر البخاري حديث عمرو هذا. وقيل: إن في تغليظه نظرًا، وقيل: إنه شاذ لمخالفته رواية الجماعة، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ما بين المشرق والمغرب قبلة هذا خطاب منه لأهل المدينة، ومن جرى مجراهم؛ كأهل الشام، والجزيرة والعراق، وأما أهل مصر، فقبلتهم بين المشرق والجنوب من مطلع الشمس في الشتاء. وذكر طائفة من الأصحاب أن الواجب في استقبال القبلة هواؤها دون بنيانها بدليل المصلى على جبل أبي قبيل وغيره من الجبال العالية بمكة، فإنه إنما يستقبل الهواء لا البناء وبدليل ما لو انتقلت الكعبة والعياذ بالله، فإنه يكفيه استقبال العرصة. • قال أبو العباس: الواجب استقبال البنيان، وأما العروة والهواء، فليس بكعبة ولا ببناء. وأما ما ذكروه من الصلاة على أبي قبيل ونحوه، فإنما ذلك لأن بين يدي المصلي قبلة شاخصة مرتفعة، وإن لم تكن مسامة، فإن المسامة لا تشترط كما لم تكن مشروطة في الاهتمام بالإمام. وأما إذا زال بناء الكعبة والعياذ بالله، فنقول بموجبه، وأنه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئًا يصلى إليه؛ لأن أحمد جعل المصلي على ظهر الكعبة لا قبلة له، فعلم أنه جعل القبلة البناء الشاخص، وكذلك قال الآمدي: إن صلى بإزاء الباب وكان مفتوحًا، لا تصح صلاته، وإن كان مردودا صحَّت، وأن كان مفتوحًا وبين يديه شيء منصوب كالسترة صحَّت؛ لأنه يصلي إلا جزء من البيت. فإن زال بنيان البيت والعياذ بالله وصلى وبين يديه شيء، صحت الصلاة، وأن لم يكن بين يديه شيء لم تصِح. وهذا من كلام الآمدي يدل على أن البناء لو زال لم تصح الصلاة، إلا أن يكون بين يديه شيء، وإنما يعني به والله أعلم ما كان شاخصًا كما قيَّده فيما لو صلى إلى الباب، ولأنه علل ذلك بأنه إذا صلى إلى سترة، فقد صلى إلا جزءًا من البيت، فعلم أن مجرد العرصة غير كاف. ويدل على هذا ما ذكره الأزرقي في أخبار مكة أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير: لا تدع الناس بغير قبلة، انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل الستور عليها؛ حتى يطوف الناس من ورائها، ويصلوا إليها، ففعل ذلك ابن الزبير. وهذا من ابن عباس وابن الزبير دليل على أن الكعبة التي يطاف بها ويصلى إليها، لا بد أن تكون شيئًا منصوبًا شاخصًا، وأن العرصة ليست قبلة، ولم ينقل أن أحدًا من السلف خالف في ذلك ولا أنكره. نعم لو فرض أنه قد تعذَّر نصب شيء من الأشياء موضعها، بأن يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في آخر الزمان، فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة، كما يكتفي المصلي أن يخط خطًّا إذا لم يجد سترة، فإن قواعد إبراهيم كالخط. وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا أن البناء إذا زال صحت الصلاة إلى هواء البيت مع قولهم: إنه لا يُصلَّى على ظهر الكعبة، ومن قال هذا يفرق بأنه إذا زال البناء، لم يبق هناك شيء شاخص يستقبل بخلاف ما إذا كان هناك قبلة تستقبل ولا يلزم من سقوط الشيء الشاخص إذا كان معدومًا سقوطُ استقباله إذا كان موجودًا، كما فرقنا بين حال إمكان نصب شيء وحال تعذره، وكما يفرق في سائر الشروط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز. فإذا قلنا: لا بد من الصلاة إلى شيء شاخص، فإنه يكفي شخوصه، ولو أنه شيء يسير كالعتبة التي للباب، قاله ابن عقيل، وقال أبو الحسن الآمدي: لا يجوز أن يصلى إلى الباب إذا كان مفتوحًا، لكن إذا كان بين يديه شيء منصوب كالسترة، صحَّت. فعلى هذا لا يكفي ارتفاع العتبة ونحوها، بل لا بد أن يكون مثل آخرة الرحل؛ لأنها السترة التي قدر بها الشارع السترة المستحبة، فلأن يكون تقديرها في الواجب أَولى. ثم إن كانت السترة التي فوق السطح ونحوه بناءً أو خشبة مسمرة ونحو ذلك، مما يتبع في مطلق البيع لو كان في موضع مملوك، جازت الصلاة إليه؛ لأنه جزء من البيت، وإن كان هناك لبن وآجر بعضه فوق بعض، أو خشبة معروضة غير مسمرة ونحو ذلك، لم يكن قبلة فيما ذكره أصحابنا؛ لأنه ليس من البيت. ويتوجه أن يكتفي في ذلك بما يكون سترة في الصلاة؛ لأنه شيء شاخص. ولأن حديث ابن عباس وابن الزبير دليل على الاكتفاء بكل ما يكون قبلة وسترة، فإن الخشب والستور المعدة عليها لا يتبع في مطلق البيع. قلت: وقد يقال: إنما اكتفى بما نصبه ابن الزبير، وأن لم يتبع في مطلق البيع؛ لأنه حال ضرورة ولا ضرورة بالمصلي إلى الصلاة على ظهر الكعبة أو باطنها؛ إذ يمكنه أن يتوجه إلى جزء منها أو أن يستقبل جميعها، والله أعلم. وقال ابن حامد وابن عقيل في الواضح وأبو المعالي: لو صلى إلى الحجر من فرضه المعاينة، لم تصح صلاته؛ لأنه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام، وإنما وردت الأحاديث بأنه كان من البيت، فعمِل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف دون الاكتفاء به للصلاة احتياطًا للعبادتين. وقال القاضي في التعليق: يجوز التوجه إليه في الصلاة، وتَصِح صلاته كما لو توجه إلى حائط الكعبة. قال أبو العباس: وهذا قياس المذهب؛ لأنه من البيت بالسنة الثابتة المستفيضة وبعيان من شاهده من الخلق الكثير لِما نقضه ابن الزبير ونصَّ أحمد أنه لا يصلي الفرض في الحجر، فقال: لا يُصَلَّى في الحجر، الحجر من البيت. قال أبو العباس: والحجر جميعه ليس من البيت، وإنما الداخل في حدود البيت ستة أذرع وشيء، فمن استقبل ما زاد على ذلك، لم تصِح صلاته البتة)[15]؛ ا .هـ، والله أعلم. [1] فتح الباري؛ تعليق ابن باز: (2/ 488). [2] فتح الباري: (2/ 574). [3] المغني: (1/ 670). [4] فتح الباري: (1/ 504). [5] فتح الباري: (1/ 506). [6] فتح الباري: (1/ 506). [7] الطبقات الكبرى؛ لابن سعد: (1/243) [8] المقنع الشرح الكبير؛ لابن قدامة: (1/ 486). [9] بلوغ المرام: (1/ 42). [10] بلوغ المرام: (1/42). [11] المعجم الأوسط: (1/ 84). [12] فتح الباري: (1/ 505). [13] فتح الباري: (2/ 576). [14] فتح الباري: (2/ 576). [15] الاختيارات الفقهية: (1/ 45).
__________________
|
|
#58
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب الصفوف) الحديث الأول 65- عن أنس - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة". • قوله: (من تمام الصلاة) وفي رواية: "من إقامة الصلاة" وفي حديث أبي هريرة- رضي الله عنه-: "وأقيموا الصف في الصلاة فإن إقامة الصف من حسن الصلاة". • وقال البخاري: (باب إقامة الصف من تمام الصلاة، وذكر الحديثين قال الحافظ: قال ابن رشيد: إنما قال البخاري في الترجمة من تمام الصلاة ولفظ الحديث من حسن الصلاة لأنه أراد أن يبين أنه المراد بالحسن هنا وأنه لا يعني به الظاهر المرئي من الترتيب بل المقصود منه الحسن الحكمي بدليل حديث أنس حيث عبر بقوله من إقامة الصلاة انتهى والحديث دليل على الأمر بتسوية الصفوف)[1]. عن جابر بن سمرة قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصفوف فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم، قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ فال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف". رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعن أبي مسعود الأنصاري قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" أخرجه أحمد و مسلم والنسائي وابن ماجة، وعن ابن مسعود نحوه وقال: "وإياكم وهيشات الأسواق". • قال الشوكاني: (أي اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها. والهوشة الفتنة والاختلاط. والمراد النهي عن أن يكون اجتماع الناس في الصلاة مثل اجتماعهم في الأسواق متدافعين متغايرين مختلفي القلوب والأفعال)[2] ا هـ. وعن أبي أمامة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سووا صفوفكم وحاذوا بين مناكبكم ولينوا في أيدي إخوانكم، وسدوا الخلل فإن الشيطان يدخل بينكم بمنزلة الحذف" يعني أولاد الضأن الصغار[3]. • قال الشوكاني: (قوله: ولينوا بأيدي إخوانكم، أي إذا جاء المصلي ووضع يده على منكب المصلي فليكن له بمنكبه وكذا إذا أمره من يسوي الصفوف بالإشارة بيده أن يستوي في الصف أو وضع يده على منكبه فليستو، وكذا إذا أراد أن يدخل في الصف فليوسع له. • وقال النووي: (الحذف: غنم سود صغار تكون باليمن والحجاز) [4]والله أعلم. الحديث الثاني 66- عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لتسوق صفوفكم أو ليخالفن الله لين وجوهكم". ولمسلم: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى إذا رأى أن قد عقلنا عنه، ثم خرج يوما فقام، حتى إذا كاد أن يكبر، فرأى رجلا باديا صدره، فقال: "عباد الله، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". • قوله: (لتسوق صفوفكم)، المراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد. • قال البيضاوي: (هذه اللام هي التي يتلقى بها القسم، والقسم هنا مقدر ولهذا أكده بالنون المشددة)[5] انتهى. ولأبي داود: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه فقال: "أقيموا صفوفكم ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم". قال: فلقد رأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه. • قوله: (أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، أي: إن لم تسووا. • قال الحافظ: (واختلف في الوعيد المذكور فقيل: هو على حقيقته والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضع القفا أو نحو ذلك، فهو نظير ما تقدم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية وهي المخالفة، وعلى هذا فهو واجب، والتفريط فيه حرام قال ويؤيد حمله على ظاهره حديث أبي أمامة " لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه" أخرجه أحمد وفي إسناده ضعف، ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها. • قال الحافظ: ومنهم من حمله على المجاز، قال النووي معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما تقول: تغير وجه فلان علي، أي: ظهر لي من وجهه كراهية. لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. ويؤيده رواية أبي داود وغيره بلفظ "أو ليخالفن الله بين قلوبكم ". وقال القرطبي: معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجها غير الذي أخذ صاحبه؛ لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب الداعي إلي القطيعة)[6] انتهى. • قوله: (حتى كأنما يسوي بها القداح)، قال في القاموس: القدح السهم قبل أن يراش وينصل، جمعه قداح. • وقال ابن دقيق العيد: القداح خشب السهام حين تنبري وتنحت وتهيأ للرمي وهي مما يطلب فيها التحرير وإلا كان السهم طائشا. والحديث: دليل على وجوب تسوية الصفوف، وعلى جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة. وفيه: مراعاة الإمام لرعيته والشفقة عليهم، وتحذيرهم من المخالفة بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله عز وجل. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وسطوا الإمام وسدوا الخلل " رواه أبو داود[7]، وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أتموا الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقصا فليكن في الصف المؤخر" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وبالله التوفيق. • قال في الاختيارات: (وظاهر كلام أبي العباس أنه يجب تسوية الصفوف لأنه عليه السلام رأى رجلا باديا صدره فقال: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " وقال عليه السلام: "سووا صفوفكم فإن تسويتها من تمام الصلاة" متفق عليهما. وترجم عليه البخاري بباب: إثم من لم يقم الصف. قلت: ومن ذكر الإجماع على استحبابه فمراده ثبوت استحبابه لا نفي وجوبه)[8]. والله أعلم. الحديث الثالث 67- عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- : أن جدته مليكة دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: " قوموا فلأصلي لكم " قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا. فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف. ولمسلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى به وبأمه فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا. اليتيم: سميرة جد حسين بن عبد الله بن ضميرة. • قال البخاري: (باب الصلاة على الحصير. وذكر الحديث. • قال ابن بطال: إن كان ما يصلى عليه كبيرا قدر طول الرجل فأكثر فإنه يقال له حصير ولا يقال له خمرة. وكل ذلك يصنع من سعف النخل وما أشبهه[9]. • قوله: (أن جدته مليكة)، روي عن أنس قال: أرسلتني جدتي إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - واسمها مليكة. • قوله: (دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته فأكل منه). • قال الحافظ: (وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم كما في قصة عتبات بن مالك وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دعي لأجله. • قوله: (قوموا فلأصلي لكم) أي لأجلكم. • قال الحافظ: كذا في روايتنا بكسر اللام وفتح الياء، وفي رواية الأصيلي بحذف الياء، قال ابن مالك: روي بحذف الياء وثبوتها مفتوحة وساكنة. • قوله: (فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس). • قال الحافظ: (فيه أن الافتراش يسمى لبسا، وقد استدل به على منع افتراش الحرير لعموم النهي عن لبس الحرير. وقد روى البخاري عن حذيفة- رضي الله عنه- قال: نهانا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نشرب في أنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه. • قال الحافظ: (يحتمل أن يكون النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره، ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره. لأن الأصل الطهارة. • قوله: (فقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا). • قال الحافظ: هي مليكة المذكورة أولا، قال وفي هذا الحديث من الفوائد إجابة الدعوة ولو لا تكن عرسا ولو كان الداعي امرأة لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة لأجل المرأة فإنها قد يخفى عليها بعض التفاصيل لبعد موقفها. وفيه تنظيف مكان المصلى، وقيام الصبي مع الرجل صفا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفا وحدها إذا لم يكن معها امرأة غيرها، قال وفيه صحة صلاة الصبي المميز ورضوئه، وأن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردا حيث لا يكون هناك مصلحة كالتعليم، بل يمكن أن يقال هو إذ ذاك أفضل ولاسيما في حقه - صلى الله عليه وسلم -، وقال واستدل بقوله: "فصففت أنا واليتيم وراءه" على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفا خلف الإمام، خلافا لمن قال من الكوفيين أن أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن يساره، وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود الذي أخرجه أبو داود وغيره عنه أنه أقام علقمة عن يمينه والأسود عن شماله، وأجاب عنه ابن سيرين بان ذلك كان لضيق المكان، رواه الطحاوي)[10]. • وقال البخاري: (باب المرأة وحدها تكون صفا. وذكر الحديث ولفظه: عن إسحاق عن أنس بن مالك قال: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمي أم سليم خلفنا. • قال الحافظ: وفيه أن المرأة لا تصف مع الرجال، وأصله ما يخشى من الافتتان بها فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور)[11] ا هـ. تتمة: عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن لكي يثوب إليه الناس ويجعل الرجال قدام الغلمان والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان. وعن سمرة بن جندي قال: (أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا). رواه الترمذي. عن علي بن شعبان: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له: "استقبل صلاتك فلا صلاة لمنفرد خلف الصف" رواه أحمد وابن ماجه. والله أعلم. الحديث الرابع 68- عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه. • قال البخاري: (باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين. وذكر الحديث ولفظه: "بت في بيت خالتي ميمونة فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء ثم جاء فصلى أربع ركعات ثم نام ثم قام فجئت فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين ثم نام حتى سمعت غطيطه أو قال خطيطه ثم خرج إلي الصلاة". • وقال أيضا: باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما. وذكر الحديث ولفظه: نمت عند ميمونة والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندها تلك الليلة فتوضأ ثم قام يصلي فقمت على يساره فأخذني فجعلني عن يمينه فصلى ثلاث عشرة ركعة ثم نام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ. • قال الحافظ: (قوله: (باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام إلخ " وجه الدلالة من حديث ابن عباس المذكور أنه - رضي الله عنه- لم يبطل صلاة ابن عباس مع كونه قام عن يساره أولا، وعن أحمد تبطل لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقره على ذلك، والأول هو قول الجمهور)[12]. • وقال البخاري: (باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم ثم جاء قوم فأمهم. وذكر الحديث ولفظه: بت عند خالتي فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل فقمت أصلي معه فقمت عن يساره فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه. • قال الحافظ: (قوله: (باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم إلخ" لم يجزم يحكم المسالة لما فيه من الاحتمال، لأنه ليس في حديث ابن عباس التصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينو الإمامة كما أنه ليس فيه أنه نوى لا في ابتداء صلاته ولا بعد أن قام ابن عباس فصلى معه، لكن في إيقافه إياه منه موقف المأموم ما يشعر بالثاني، وأما الأول فالأصل عدمه، وهذه المسألة مختلف فيها، والأصح عند الشافعية لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة، واستدل ابن المنذر أيضا بحديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى في شهر رمضان قال: "فجئت فقمت إلي جنبه، وجاء آخر فقام إلي جنبي حتى كنا رهطا، فلما أحس النبي - صلى الله عليه وسلم - بنا تجوز في صلاته" الحديث، وهو ظاهر في أنه لم ينو الإمامة ابتداء، وائتموا هم به وأقرهم. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وعلقه البخاري قال وذهب أحمد إلى التفرقة بين النافلة والفريضة فشرط أن ينوي في الفريضة دون النافلة وفيه نظر لحديث أبي سعيد "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)[13]. • وقال البخاري أيضا: (باب ما جاء في الوتر حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك ابن أنس عن مخرمة بن سليمان عن كريب أن ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة وهي خالته فاضطجعت في عرض وسادة واضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهله في طولها فنام حتى انتصف الليل أو قريبا منه فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه ثم قرأ عشر آيات من آل عمران ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي شن معلقة فتوضأ فأحسن الوضوء ثم قام يصلي فصنعت مثله فقمت إلي جنبه فوضع يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلها ثم صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين ثم خرج فصلى الصبح. • قوله: (بت عند خالتي ميمونة)، ولمسلم: فرقبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يصلي، وللنسائي: بعثني العباس إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - في إبل أعطاه إياه من الصدقة. • قوله: (فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل فقمت عن يساره فأخذ براسي فأقامني عن يمينه)، وفي رواية: أنه أداره عن خلفه. • قال الحافظ: واستدل به على أن مثل ذلك من العمل لا يفسد الصلاة)[14]. • قال الحافظ: (والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات فيها، ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم ولاسيما إن زاد أو نقص، والمحقق من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة. وقال: وفي حديث ابن عباس من الفوائد غير ما تقدم جواز إعطاء بني هاشم من الصدقة وهو محمول على التطوع، ويحتمل أن يكون إعطاؤه العباس ليتولى صرفه في مصالح غيره ممن يحل له أخذ ذلك. وفيه جواز تقاضي الوعد وإن كان من وعد به مقطوعا بوفائه. وفيه الملاطفة بالصغير والقريب والضيف، وحسن المعاشرة للأهل، والرد على من يؤثر دوام الانقباض. وفيه مبيت الصغير عند محرمه إن كان زوجها عندها، وجواز الاضطجاع مع المرأة الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير وأن كان مميزا بل مراهقا. وفيه صحة صلاة الصبي وجواز فتل أذنه لتأنيسه وإيقاظه وقد قيل إن المتعلم إذ تعوهد بفتل أذنه كان أذكى لفهمه وفيه حمل أفعاله - صلى الله عليه وسلم - على الاقتداء به ومشروعية التنفل بين المغرب والعشاء، وفضل صلاة الليل ولاسيما في النصف الثاني والبداءة بالسواك واستحبابه عند كل وضوء وعند كل صلاة، وتلاوة آخر آل عمران عند القيام إلى صلاة الليل، واستحباب غسل الوجه واليدين لمن أراد النوم وهو محدث، قال وفيه جواز الاعتراف من الماء القليل قال واستحباب التقليل من الماء في التطهير مع حصول الإسباغ، وجواز التصغير والذكر بالصفة حيث قال: "نام الغليم"، وبيان فضل ابن عباس وقوة فهمه وحرصه على تعلم أمر الدين وحسن تأتيه في ذلك. وفيه اتخاذ مؤذن راتب للمسجد، وإعلام المؤذن الإمام بحضور وقت الصلاة، واستدعاؤه لها وفيه مشروعية الجماعة في النافلة والائتمام بمن لم ينو الإمامة، وبيان موقف الإمام والمأموم، وفيه استحباب الإضطجاع قبل صلاة الصبح لمن قام من الليل ليخرج إليه نشيطا. وبالله التوفيق)[15]. [1] فتح الباري: (2/ 208). [2] نيل الأوطار: (3/ 222). [3] رواه أحمد: (36/ 597). [4] نيل الأوطار: (3/ 231). [5] فتح الباري: (3/ 67). [6] فتح الباري: (3/ 67). [7] سنن أبي داود: (ا/ 238). [8] الفتاوى الكبرى: (5/ 331). [9] فتح الباري: (1/ 488) [10] فتح الباري: (2/ 91). [11] فتح الباري: (2/ 212). [12] فتح الباري: (2/ 190). [13] فتح الباري: (2/ 192). [14] فتح الباري: (2/ 477). [15] فتح الباري: (3/ 421).
__________________
|
|
#59
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب الإمامة) الحديث الأول 69- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أما يخشى الذي يرفع رأسه فبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار". • قوله: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام)، أما حرف استفتاح وهو استفهام توبيخ، ولأبي داود: أما يخشى، أو: ألا يخشى الذي يرفع رأسه والإمام ساجد. • قال الحافظ: (وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع في حديث آخر أخرجه البزار عن رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعا: "الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان". وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفا وهو المحفوظ. • قوله: (أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار) الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمه وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد ومسلم من رواية يونس بن عبيد والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان فقالا: "رأس" وأما يونس فقال: (صورة) وأما الربيع فقال: "وجه"، والظاهر أنه من تصرف الرواة. قال عياض: هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه. • قال الحافظ: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضا، وأما الرأس فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتمدة وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية وهي أشمل، وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النووي في شرح المهذب، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر تبطل وبه قال أحمد في رواية وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد، وفي المغني عن أحمد أنه قال في رسالته: ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث قال: ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب ولم يخش عليه العقاب) [1] انتهى. • وقال ابن بزيزة: (يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معا، وفيه دليل على وقوع المسخ في هذه الأمة كما في الحديث الآخر ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة). • قال الحافظ: وفي الحديث كمال شفقته - صلى الله عليه وسلم - بأمته وبيانه لهم الأحكام وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، وقال دل الحديث بمنطوقه على ما منع المسابقة، وبمفهومه على طلب المتابعة. وقال ابن بزيزة: استدل بظاهرة قوم لا يعقلون على جواز التناسخ. • قال الحافظ: وهو مذهب رديء مبني على دعاوى بغير برهان. • قال صاحب "القبس": ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال ودواؤه أن يستحضر أنه لا يسلم قبل الإمام فلا يستعجل في هذه الأفعال)[2]، والله أعلم. الحديث الثاني 70- عن أبي هريرة - رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا فال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ماذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون". الحديث الثالث 71- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته وهو شاك، صلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم: أن اجلسوا فلما انصرف قال: " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون". • قال البخاري: (باب إنما جعل الإمام ليؤتم به وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس)[3]. وقال ابن مسعود: إذا رفع قبل الإمام يعود فيمكث بقدر ما رفع ثم يتبع الإمام. وقال الحسن: فيمن يركع مع الإمام ركعتين ولا يقدر على السجود يسجد للركعة الآخرة سجدتين ثم يقضي الركعة الأولى بسجودها وفيمن نسي سجدة حتى قام يسجد. ثم ذكر حديث عائشة بطوله، وفيه: فصلى أبو بكر تلك الأيام. ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأوما إليه النبي بأن لا يتأخر. قال: "أجلساني إلى جنبه"، فأجلساه إلى جنب أبي بكر. قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة رسول الله والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي قاعد. ثم ذكر حديث عائشة صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته وهوشاك إلى آخره. وحديث أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا فسقط منه فجحش شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد فصلينا وراءه قعودا قال لما سلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى حاكما فصلوا قياما وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون". قال أبو عبد الله: قال الحميدي: قوله: إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا هو في مرضه القديم ثم صلى بعد ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. • قال الحافظ: (قوله: باب إنما جعل الإمام ليؤتم، هذه الترجمة قطعة من الحديث الآتي في الباب، والمراد بها أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه في أحوال الصلاة فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه، ولهذا صدر المصنف الباب بقوله: "وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه وهو جالس، أي والناس خلفه قياما ولم يأمرهم بالجلوس كما سيأتي، فدل على دخول التخصيص في عموم قوله " إنما جعل الإمام ليؤتم به- إلى أن قال- وقد صرح الشافعي بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة وهي هذه التي صلى فيها قاعدا وكان أبو بكر فيها أولا إماما ثم صار مأموما يسمع الناس التكبير، قال: واستدل بهذا الحديث على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاته بهم قاعدا لأنه - صلى الله عليه وسلم - استخلف أبا بكر ولم يصل بهم قاعدا غير مرة واحدة، واستدل به على صحة إمامة القاعد المعذور بمثله وبالقائم أيضا وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه ومحمد بن الحسن فيما حكاه الطحاوي قال واستدل به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدا إذا صلى الإمام قاعدا لكونه - صلى الله عليه وسلم - أقر الصحابة على القيام خلفه وهو قاعد، هكذا قرره الشافعي، وكذا نقله المصنف في آخر الباب عن شيخه الحميدي وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة وأبو يوسف والأوزاعي، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك، وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعودا، ثانيتهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدا أم لا كما في الأحاديث التي في مرض موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائما وصلوا معه قياما، بخلاف الحالة الأولى فإنه - صلى الله عليه وسلم - ابتدأ الصلاة جالسا فلما صلوا خلفه قياما أنكر عليهم، ويقوي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لاسيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين، لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدا، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد)[4]. • قولها: (صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته). • قال الحافظ: (أي في المشربة التي في حجرة عائشة، وهو دال على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه - صلى الله عليه وسلم - عجز عن الصلاة بالناس في المسجد فكان يصلي في بيته بمن حضر. • قولها: (وهو شاك) من الشكاية وهي المرض. • قال الحافظ: وكان سبب ذلك ما في حديث أنس أن سقط عن فرس. • قال: وأفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة)[5]. • وقال أيضًا: • (قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) قال البيضاوي وغيره: الائتمام الاقتداء والإتباع أي جعل الإمام إماما ليقتدي به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال انتهى ثم مع وجوب المتابعة ليس بشيء منها شرطا في صحة القدوة إلا تكبيرة الإحرام، قوله: إذا ركع فأركعوا، قال ابن المنير: مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام إما بعد تمام انحنائه وإما أن يسبقه الإمام بأوله فيشرع فيه بعد أن يسرع، وإذا رفع فارفعوا، وفي رواية في حديث أبى هريرة- رضي الله عنه- وإذا رفع فارفعوا وإذا سجد فاسجدوا. • قال الحافظ: وهو يتناول الرفع من الركوع والرفع من السجود وجميع السجدات)[6]. • قوله: (وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولو: ربنا ولك الحمد). • قال الحافظ: (كذا لجميع الرواة في حديث عائشة بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة وأنس إلا في رواية الليث عن الزهري في "باب إيجاب التكبير" فللكشميهني بحذف الواو ورجح إثبات الواو بان فيها معنى زائدا لكونها عاطفة على محذوف تقديره ربنا استجب أو ربنا أطعناك ولك الحمد فيشتمل على الدعاء والثناء معا قال ونقل عيان عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله: "سمع الله لمن حمده" وأن المأموم يقتصر على قوله "ربنا ولك الحمد" وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول "ربنا لك الحمد" عقب قول الإمام: "سمع الله لمن حمده" فأما من الإمام من قول: "ربنا ولك الحمد" فليس بشيء لأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بينهما)[7] انتهى. وروي مسلم، والنسائي، عن بن عباس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملأ السماوات وملأ الأرض وملأ ما بينهما وملأ ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وعن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا يوما نصلي وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حميده" قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: "من المتكلم" قال: أنا قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول"[8]. • قوله: (وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون)، كذا في جميع الطرق في الصحيحين بالواو، إلا أن الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة كما سيأتي في "باب إقامة الصف" فقال بعضهم "أجمعين" بالياء والأول تأكيد لضمير الفاعل في قوله: "صلوا" وأخطأ من ضعفه فإن المعنى عليه، والثاني نصب على الحال أي جلوسا مجتمعين، أو على التأكيد لضمير مقدر منصوب كأنه قال: أعنيكم أجمعين. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم مشروعية ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها والتاسع لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق للنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الواقعة وبه الأسوة الحسنة. وفيه أنه يجوز عليه - صلى الله عليه وسلم - ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة. انتهى. • قال البخاري: (باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة، حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب قال حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - "إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون". • قال الحافظ: واستدل به وبحديث عائشة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتح الصلاة بالتكبير على تعيين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم وهو قول الجمهور ورافقهم أبو يوسف انتهى)[9]. والله أعلم. الحديث الرابع 72- عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري - صلى الله عليه وسلم - قال: حدثني البراء- وهو غير كذوب- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: "سمع الله لمن حمده": لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجدا، ثم نقع سجودا بعده. • قوله: (عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري - رضي الله عنه- قال: حدثني البراء). • قال الحافظ: (وفيه لطيفة وهي رواية صحابي بن صحابي عن صحابي ابن صحابي كلاهما من الأنصار ثم من الأوس وكلاهما سكن الكوفة قال وكان عبد الله المذكور أمير على الكوفة في زمن ابن الزبير. • قوله: (وهو غير كذوب)، الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يزيد وعلى ذلك جرى الحميدي في جمعه وصاحب العمدة. • قال النووي: معنى الكلام حدثني البراء وهو غير متهم كما علمتم فثقوا بما أخبركم به عنه)[10] انتهى. وأخرج الطبراني في مسند عبد الله بن يزيد أنه كان يصلي بالناس بالكوفة فكان الناس يضعون رءوسهم قبل أن يضع رأسه ويرفعون قبل أن يرفع وأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم. • قوله: (إذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره)، أي لم يثن، يقال: حنيت العود إذا ثنيته. وفي رواية لمسلم: "لا يحنو". • قوله: (حتى يقع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجدا ثم نقع سجودا بعده) ولا مدة حتى يسجد ثم يسجدون، ولأبي يعلى من حديث أنس حتى يتمكن النبي - صلى الله عليه وسلم - من السجود، واستدل به على طول الطمأنينة وعلى جواز النظر إلى الإمام لا تباعه في انتقالته. • قال ابن دقيق العيد: (والحديث يدل على تأخر الصحابة في الاقتداء عن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يتلبس بالركن الذي ينتقل إليه لا حين يشرع في الهوي إليه، وفي ذلك دليل على طول الطمأنينة من النبي - صلى الله عليه وسلم -)[11] انتهى والله أعلم. الحديث الخامس 73- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمن الإمام فآمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه". • قال البخاري: (باب جهر الإمام بالتأمين، وقال عطاء آمين دعاء، أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة، وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا تفتني بآمين، وقال نافع: كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم وسمعت منه في ذلك خيرا، وساق الحديث وفي آخره وقال ابن شهاب وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول آمين)[12]. • قال الحافظ: (وهي بالمد والتخفيف في جميع الروايات، قال: ومعناها اللهم استجب عند الجمهور، وعند أبي داود من حديث أبي زهير النميري الصحابي: أن آمين مثل الطابع على الصحيفة، ثم ذكر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ختم بآمين فقد أوجب"، قوله: إذا أمن الإمام فأمنوا، ظاهر في أن الإمام يؤمن، قال: وقد ورد التصريح بان الإمام يقولها في هذا الحديث بلفظ: "إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين لأن الإمام يقول آمين" الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والسراج وهو صريح في كون الإمام يؤمن قال وإذا ترجح أن الإمام يؤمن فيجهر به في الجهرية كما ترجم به المصنف وهو قول الجمهور، قال: وقد روى روح بن عبادة عن مالك في هذا الحديث ولا الضالين جهر بآمين. أخرجه السراج، ولابن حبان من رواية الزبيدي في هذا الحديث عن ابن شهاب: كان إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال آمين)[13]. • قال الحافظ: (وقال الشيخ أبو محمد الجويني: لا تستحب مقارنة الإمام في شيء من الصلاة غيره أي التأمين، قال إمام الحرمين: يمكن تعليله بأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه وهو واضح. ثم إن هذا الأمر عند الجمهور للندب، وحكي ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم عملا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصل. • قال الحافظ: ثم في مطلق أمر المأموم بالتامين أنه يؤمن ولو كان مشتغلا بقراءة الفاتحة وبه قال أكثر الشافعية. ثم اختلفوا هل تنقطع بذلك الموالاة؟ على وجهين: أصحهما لا تنقطع لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة، بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كالحمد للعاطس)[14] والله أعلم. • قوله: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)، وعند مسلم: فإن الملائكة تؤمن فمن وافق.. الحديث. • قال الحافظ: (وهو دال على أن المراد الموافقة في القول والزمان، وقال ابن المنير: الحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها، لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم كان متيقظا، وقوله: غفر له ما تقدم من ذنبه، هو محمول عند العلماء على الصغائر)[15]. • قال الحافظ: (وفي الحديث حجة على الإمامية في قولهم إن التأمين يبطل الصلاة، لأنه ليس بلفظ قرآن ولا ذكر وفيه فضيلة الإمام لأن تأمين الإمام يوافق تأمين الملائكة ولهذا شرعت للمأموم موافقته"[16]. • قال البخاري: (باب فضل التأمين، وذكر الحديث ولفظه: إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى كفر له ما تقدم من ذنبه. • قال ابن المنير: وأي فضل أعظم من كونه قولا يسيرا لا كلفه فيما ثم قد ترتبت عليه المغفرة)[17] ا هـ. • قال الحافظ: (ويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة سواء كان داخل الصلاة أو خارجها). • وقال البخاري: (باب جهر المأموم بالتأمين، وذكر الحديث ولفظه: قال: إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. والحديث دليل على مشروعية التأمين للإمام والمأموم والجهر به في الجهرية وروي أبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول، ورواه ابن ماجه وقال: حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد) [18]وبالله التوفيق. الحديث السادس 74- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء". • قال البخاري: باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء، وساق الحديث ولفظه مثل حديث الباب إلا أنه قال: والكبير بدل وذي الحاجة. • قال الحافظ: (المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة وبالسقيم من به مرض، زاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد "والصغير والكبير" وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص "والحامل والمرضع " وله من حديث عدي بن حاتم "والعابر السبيل" وقوله في حديث أبي مسعود الماضي "وذا الحاجة" وهي أشمل الأوصاف المذكورة. • قوله: (إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء). • قال الحافظ: عموم الأمر بالتخفيف مختص بالأئمة فيما المنفرد فلا حجر عليه في ذلك)[19]. الحديث السابع 75- عن أبي مسعود الأنصاري - صلى الله عليه وسلم - قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان، مما يطيل بنا، قال: فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ، فقال: "يا أيها الناس، إن متكلم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة". • قال البخاري: (باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود وذكر الحديث بنحوه قوله: "باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود" قال الكرماني: الواو بمعنى مع كأنه قال باب التخفيف بحيث لا يفوقه شيء من الواجبات، فهو تفسير لقوله في الحديث: "فليتجوز" لأنه لا يأمر بالتجوز المؤدي إلى فساد الصلاة)[20]. • قوله: (إني لأتأخر عن صلاة الصبح)، أي: فلا أحضرها مع الجماعة من أجل فلان مما يطيل بنا. • قال الحافظ: (والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وأما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب لأن قصة معاذ كانت في العشاء وكان الإمام فيها معاذا وكانت في مسجد بني سلمة، وهذه كانت في الصبح وكانت في مسجد قباء، ووهم من فسر الإمام المبهم هنا بمعاذ، بل المراد به أبي بن كعب كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية عن جابر قال: "كان أبي بن كعب يصلي بأهل قباء فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته، فغضب أبي فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو الغلام وأتى الغلام يشكو أبيا، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى عرف الغضب في وجهه ثم قال: إن منكم منفرين، فإذا صليتم فأوجزوا، فإن خلفكم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة" فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب: "مما يطيل بنا فلان" أي في القراءة واستفيد منه أيضا تسمية الإمام وبأي موضع كان. وفي الطبراني من حديث عدي بن حاتم "من أمنا فليتم الركوع والسجود". • قوله: (فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ). • قال ابن دقيق العيد: وسببه إما لمخافة الموعظة أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه. • قوله: (فأيكم أم الناس فليوجز)، وفي حديث أبي هريرة: إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، وفيه دليل على استحباب التخفيف للإمام حيث يشق التطويل على المأمومين وليس فيه حجة للنقارين)[21]. • قال ابن القيم: فإن الإيجاز أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومن خلفه[22]. • قال الحافظ: (وأولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له " أنت إمام قومك، وأقدر القوم بأضعفهم " إسناده حسن وأصله في مسلم. قال وفي الحديث الغضب في التعليم، وفيه مراعاة الإمام للضعيف وذي الحاجة وتخفيف الصلاة لأجله)[23] والله أعلم. تتمة: • قال في الاختيارات: (ويصح ائتمام مفترض بمتنفل وهو إحدى الروايتين عند أحمد ومذهب الشافعي واختيار أبي موسى المقدسي وغيره من أصحابنا وأصح الطريقين في مذهب أحمد: أنه يصح ائتمام القاضي بالمؤدي وبالعكس لا يخرج عن ذلك ائتمام المفترض بالمنتفل ولو اختلفا أو كانت صلاة المأموم أقل وهو اختيار أبي البركات وغيره. قال: والمأموم إذا لم يعلم بحدث الإمام حتى قضيت الصلاة أعاد الإمام وحده وهو مذهب أحمد وغيره. ويلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره وليس له أن يزيد على القدر المشروع وينبغي أن يفعل غالبا ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد وينقص أحيانا والصلاة بالمسجد الحرام بمائة ألف وبمسجد المدينة بألف والصواب في الأقصى بخمسمائة. والجن ليسوا كالإنس في الحد والحقيقة لكنهم يشاركونهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم بلا نزاع بين العلماء وكان أبو العباس إذا أتى بالمصروع وعظ من صرعه وأمره ونهاه فإن انتهى وأفاق المصروع أخذ عليه العهد أن لا يعود وإن لم يأتمر ولم ينته ولم يفارقه ضربه على أن يفارقه والضرب في الظاهر يقع على المصروع وإنما يقع في المصروع وإنما يقع في الحقيقة على من صرعه ولهذا لا يتألم من ضربه ويصحو. ولا يقدم في الإمامة بالنسب وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد ويجب تقديم من قدمه الله ورسوله ولو مع شرط الواقف بخلافه فلا يلتفت إلى شرط يخالف شرط الله ورسوله وإذا كان بين الإمام والمأموم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء أن المذاهب لم ينبغ أن يؤمهم بالصلاة جماعة لأنها لا تتم إلا بالائتلاف ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تختلفوا فتختلف قلوبكم". قال: وإذا فعل الإمام ما يسوغ فيه الاجتهاد تبعه المأموم فيه، وإن كان هو لا يراه مثل: القنوت في الفجر واصل الوتر، وإذا ائتم من يرى القنوت بمن لا يراه تبعه في تركه. ولا تصح الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع والفسقة مع القدرة على الصلاة خلف غيرهم وتصح إمامة من عليه نجاسة يعجز عن إزالتها بمن ليس عليه نجاسة ولو ترك الإمام ركنا يعتقده المأموم ولا يعتقده الإمام صحت صلاته خلفه وهو إحدى الروايتين عن أحمد ومذهب مالك واختيار المقدسي. وقال أبو العباس في موضع آخر: لو فعل الإمام ما هو محرم عند المأموم دونه ما يسوغ فيه الاجتهاد صحت صلاته خلفه وهو المشهور عن أحمد وقال في موضع آخر: أن الروايات المنقولة عن أحمد لا توجب اختلافا وإنما ظواهرها أن كل موضع يقطع فيه بخطأ المخالف تجب الإعادة وما لا يقطع فيه بخطأ المخالف لا تجب الإعادة وهو الذي تدل عليه السنة والاثار وقياس الأصول وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء ولم يتنازعوا في أنه لا ينبغي تولية الفاسق. ولا يجوز أن يقدم العامي على فعل لا يعلم جوازه ويفسق به إن كان مما يفسق به ذكره القاضي وتصح صلاة الجمعة ونحوها قدام الإمام لعذر، وهو قول في مذهب أحمد ومن تأخر بلا عذر له فلما أذن جاء فصلى قدامه عزر وتصح صلاة الفذ لعذر، وقاله الحنفية وإذا لم يجد إلا موقفا خلف الصف فالأفضل أن يقف وحده ولا يجذب من يصافه لما في الجذب من التصرف في المجذوب فإن كان المجذوب يطيعه قائما أفضل له وللمجذوب الاصطفاف مع بقاء فرجة أو وقوف المتاجر وحده، وكذلك لو حضر اثنان وفي الصف فرجة فأيهما أفضل وقوفهما جميعا أو يسد أحدهما الفرجة وينفرد الآخر؟ رجح أبو العباس الاصطفاف مع بقاء الفرجة لأن سد الفرجة مستحب والاصطفاف واجب وإذا ركع دون الصف ثم دخل الصف بعد اعتدال الإمام كان ذلك سائغا، ومن أخر الدخول في الصلاة مع إمكانه حتى قض القيام أو كان القيام متسعا لقراءة الفاتحة ولم يقرأها فهذا تجوز صلاته عند جماهير العلماء، وأما الشافعي فعليه عنده أن يقرأ وإن تخلف عن الركوع وإنما تسقط قراءتها عنده عن المسبوق خاصة فهذا الرجل كان حقه أن يركع مع الإمام ولا يتم القراءة لأنه مسبوق، والمرأة إذا كان معها امرأة أخرى تصاففها كان من حقها أن تقف معها وكان حكمها إن لم تقف معها حكم الرجل المنفرد عن صف الرجال وهو أحد القولين في مذهب أحمد وحيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كرهت إلا لعذر. والمأموم إذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع الرؤية والاستطراق صحت صلاته إذا كانت لعذر وهو قول مذهب أحمد بل نص أحمد وغيره. وينشأ مسجد إلى جنب آخر إذا كان محتاجًا إليه ولم يقصد الضرر، فإن قصد الضرر أو لا حاجة فلا ينشأ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد نقلها عنه محمد بن موسى ويجب هدمه)[24] انتهى والله أعلم. [1] فتح الباري: (2/ 183). [2] فتح الباري: (2/ 183). [3] فتح الباري: (2/ 172). [4] فتح الباري: (3/ 22). [5] فتح الباري: (3/ 24). [6] فتح الباري: (3/ 24). [7] فتح الباري: (3/ 25). [8] صحيح البخاري (2/209). [9] فتح الباري: (2/ 216). [10] فتح الباري: (2/ 181). [11] إحكام الأحكام: (1/ 226). [12] فتح الباري: (2/ 262). [13] فتح الباري: (2/ 262). [14] فتح الباري: (3/159) [15] فتح الباري: (2/265) [16] فتح الباري: (2/265) [17] فتح الباري: (2/266) [18] فتح الباري: (2/ 266). [19] فتح الباري: (3/ 49). [20] فتح الباري: (2/ 197). [21] فتح الباري: (2/198). [22] مشكاة المصابيح مع شرحه مدعاة المفاتيح: (4/ 143). [23] فتح الباري- تعليق ابن باز: (2/199). [24] الفتاوى الكبرى: (5/ 345).
__________________
|
|
#60
|
||||
|
||||
|
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك ( باب صفة صلاة النبي ) ( باب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ) الحديث الأول: 76- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة: ما تقول؟ قال: "أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد". • قال البخاري: باب ما يقول بعد التكبير. وذكر حديث أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر- رضي الله عنه - كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين "ثم ذكر حديث الباب ولفظه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاته قال أحسبه قال هنية فقلت بابي وأمي يا رسول الله إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول قال أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد". • وقال ابن رشيد: دعاء الافتتاح يتضمن مناجاة الرب والإقبال عليه بالسؤال، وقراءة الفاتحة تتضمن هذا المعنى، فظهرت المناسبة بين الحديثين. قوله كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ وفي رواية هنية وفي رواية هنيئة: قال في القاموس وفي الحديث "هنية" مصغرة هنا وأصلها "هنوة" أي شيء يسير، ويروى "هنيهة" بإبدال الياء هاء. • قوله: (فقلت يا رسول الله بابي أنت وأمي) أي أفديك بأبي وأمي. • قوله: (أرأيت سكوتك بين التكبيرة والقرأة ما تقول). • قال ابن دقيق العيد: لعله استدل على أصل القول بحركة الفم كما استدل غيره على القراءة باضطراب اللحية[1]. • قال الحافظ: (وقد نص الشافعي على أن المأموم يقول دعاء الافتتاح كما يقوله الإمام، قال الغزالي في الإحياء: إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح قال الحافظ: وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهة تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام. قال والمعروف أن المأموم يقرؤها إذا سكت الإمام بين الفاتحة والسورة، قال والسكتة التي بين الفاتحة والسورة ثبت فيها حديث سمرة عند أبي داود وغيره)[2]. انتهى. قلت: ولفظه عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وله وسلم: (أنه كان يسكت سكتتين إذا استفتح الصلاة وإذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين) روى ذلك أبو داود وكذلك أحمد والترمذي وابن ماجه بمعناه. • قال النووي: عن أصحاب الشافعي يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة[3]. • وقال صاحب الفروع: يستحب سكوته بعدها قدر قراءة المأمومين الفاتحة. وقال: يستحب سكوته بعدها قدر قراءة المأموم[4]. • وقال الموفق في "المغني"[5]: يستحب أن يسكت الإمام عقب قراءة الفاتحة سكتة يستريح فيها ويقرأ فيها من خلفه الفاتحة كيلا ينازعوه فيها. • قوله: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب). • قال الحافظ: (المراد بالمباعدة محو ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، قال ابن دقيق العيد: ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به. • قوله: (اللهم اغسلني من خطايايي بالثلج والماء والبرد) وفي رواية: "اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد". • قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد تأكيد، أو لأنهما ما آن لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال. وقال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، وقال الطيبي: يمكن أن يكون المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم برد الله مضجعه أي رحمه ووقاه عذاب النار. • وقال الكرماني: يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلي الأزمنة الثلاثة فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. • قال الحافظ: واستدل بالحديث على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافا للمشهور عن مالك، وورد فيه أيضا حديث: "وجهت وجهي إلخ " وهو عند مسلم من حديث علي لكن قيده بصلاة الليل. وأخرجه الشافعي وابن خزيمة وغيرهما بلفظ: "إذا صلى المكتوبة" واعتمده الشافعي في الأم، وفي الترمذي وصحيح ابن حبان من حديث أبي سعيد الافتتاح بسبحانك اللهم، ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح وهو اختيار ابن خزيمة وجماعة من الشافعية وحديث أبي هريرة أصح ما ورد في ذلك، واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافا للحنفية، قال وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتى حفظ الله بهم الدين)[6] انتهى وبالله التوفيق. • قال في الاختيارات: (وإذا قدر المصلي أن يقول الله أكبر لزمه ولا يجزئه غيرها وهو قول مالك وأحمد ولا يشترط أن يسمع المصلي نفسه القراءة الواجبة بل يكفيه الإتيان بالحروف وإن لم يسمعها وهو وجه في مذهب أحمد واختاره الكرخي من الحنفية وكذا كل ذكر واجب. ويستحب أن يجمع في الاستفتاح بين قوله: سبحانك اللهم وبحمدك إلي آخره وبين: وجهت وجهي إلي آخره وهو اختيار أبي يوسف وأبي هبيرة، ولا يجمع بين لفظي كبير وكثير بل يقول هذا تارة وهذه تارة، وكذا المشروع في القراءات السبع أن يقرأ هذه تارة وهذه تارة لا الجمع بينهما ونظائره كثيرة والأفضل أن يأتي في العبادات الواردة على وجوه متنوعة بكل نوع منها: كالاستفتاحات وأنواع صلاة الخوف وغير ذلك والمفضول قد يكون أفضل لمن انتفاعه به إثم والله أعلم[7]. الحديث الثاني: 77- عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ"الحمد لله رب العالمين" وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد، حتى يستوي قاعدا، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم الصلاة بالتسليم". هذا الحديث بهذا اللفظ لم أجده في "صحيح البخاري" ولعل المصنف رحمه الله أورده لاشتماله على كثير من صفة الصلاة. • قال ابن دقيق العيد: (هذا الحديث سها المصنف في إيراده في هذا الكتاب فإنه مما انفرد به مسلم عن البخاري فرواه من حديث الحسين المعلم عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوزاء عن عائشة- رضي الله عنها- وشرط الكتاب: تخريج الشيخين للحديث)[8] انتهى. وترجم عليه النووي فقال: باب ما يجمع صفة الصلاة. • قال النووي: (باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختم به وصفة الركوع والاعتدال منه والسجود والاعتدال منه والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية وصفة الجلوس بين السجدتين وفى التشهد الأول) [9]انتهى. • قولها: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير)، أي: قول الله أكبر. • قولها: (والقراءة بالحمد لله رب العالمين) أي يستفتح القراءة بسورة الفاتحة قبل غيرها من القرآن، واستدل به على ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. • قولها: (وكان إذا ركع لم يشخص رأسه) أي لم يرفعه (ولم يصوبه) أي لم ينكسه (ولكن بين ذلك) وهو استواء الظهر والرأس. • قولها: (وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما)، فيه دليل على الرفع من الركوع والاعتدال فيه. • قولها: (وكان إذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي قاعدا)، يدل على الرفع من السجود وعلى الاستواء في الجلوس بين السجدتين. • قولها: (وكان يقول في كل ركعتين التحية)، أي يتشهد في كل ركعتين فيقول: التحيات لله إلي آخره. • قال ابن دقيق العيد: (أطلقت لفظ التحية على التشهد كله من باب إطلاق اسم الجزء على الكل)[10]. • وقولها: (وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى)، فيه دليل على اختيار هذه الهيئة للجلوس في الصلاة. وروي البخاري[11] من حديث أبي حميد في صفة صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته. • قال في "سبل السلام"[12]: وللعلماء خلاف في ذلك، والظاهر أنه من الأفعال المخير فيها. • وقولها: (كان ينهى عن عقبة الشيطان)، وفي رواية: عن عقب الشيطان، أي في القعود. وقال: وفسرت بتفسيرين: أحدهما أنه يفترش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه، ولكن هذه القعدة اختارها العبادلة في القعود في غير الأخير، وهذه تسمى إقعاء، وجعلوا المنهي عنه عنه هو الهيئة الثانية وتسمى أيضا إقعاء، وهي أن يلصق الرجل إليتيه في الأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب. انتهى. • قولها: (وكان ينهى أن يفرش الرجل ذراعيه افتراش السبع) هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود والسنة أن يرفعهما ويكون الموضوع على الأرض كفه قط. • قولها: (وكان يختم الصلاة بالتسليم). أخرج الخمسة إلا النسائي عن علي بن أبى طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده. رواه الخمسة، وعن عامر بن سعد عن أبيه قال: كنت أرى النبي - صلى الله عليه وسلم -: يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده وعن يساره حتى يرى بياض خده. رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وزاد النسائي فقال: عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر، وفي رواية: حتى يرى بياض خده من ههنا، وبياض خده من ههنا، وعن أبى هريرة- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حذف السلام سنة" رواه أحمد وأبو داود. وقال ابن المبارك: معناه لا يمد مدا. وعن مالك بن الحويرث - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه أحمد والبخاري والله الموفق. الحديث الثالث: 78- عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد"، وكان لا يفعل ذلك في السجود. • قال البخاري: باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء وذكر الحديث قال الربيع قلت للشافعي ما معنى رفع اليدين قال تعظيم الله وإتباع سنة نبيه. • قال النووي في شرح مسلم: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، قال ابن المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. • قال الحافظ: ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة يأثم تاركه. • وقال البخاري: باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع وذكر حديث ابن عمر بنحوه وحديث مالك ابن الحويرث عن أبي قلابة أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر يرفع يديه وإذا أراد أن يركع رفع يديه وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه وحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع هكذا. • قال الحافظ: (قوله: "باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع " قد صنف البخاري في هذه المسألة جزءا منفردا، وحكي فيه عن الحسن وحميد بن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال البخاري: ولم يستثن الحسن أحدا. وقال ابن عبد البر: كل من روى عنه ترك الرفع في الركوع والرفع منه روى عنه فعله إلا ابن مسعود. وقال محمد بن نصر المروزي: أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة)[13]. • قال البخاري أيضا: (باب إلي أين يرفع يديه وقال أبو حميد في أصحابه رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - حذو منكبيه، ثم ذكر حديث ابن عمر- رضي الله عنه - قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح التكبير في الصلاة فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه ماذا كبر للركوع فعل مثله وإذا قال سمع الله لمن حمده فعل مثله، وقال ربنا ولك الحمد، ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود. • قال الحافظ: (قوله: "باب إلي أين يرفع يديه" لم يجزم المصنف بالحكم كما جزم به قبل وبعد جرياً على عادته فيما إذا قوى الخلاف، لكن الأرجح عنده محاذاة المنكبين لاقتصاره على إيراد دليله)[14]. • وقال البخاري أيضا: باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين. وذكر الحديث ولفظه عن نافع أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر يرفع يديه وإذا ركع رفع يديه وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه وإذا قام من الركعتين رفع يديه ورفع ذلك ابن عمر إلي نبي الله - صلى الله عليه وسلم. • قال الحافظ: وأبعد أيضا من استدل برواية سالم على ضعف رواية نافع، والحق أنه ليس بين روايتي نافع وسالم تعارض، بل في رواية نافع زيادة لم ينفها سالم وقال ابن خزيمة: هو سنة وإن لم يذكره الشافعي فالإسنان صحيح، وقد قال: قولوا بالسنة ودعوا قولي. وقال ابن دقيق العيد: قياس نظر الشافعي أنه يستحب الرفع فيه لأنه أثبت الرفع عند الركوع والرفع منه لكونه زائدا على من اقتصر عليه عند الافتتاح، والحجة في الموضعين واحدة، وأول راض سيرة من يسيرها. قال: والصواب استحباب الرفع عند القيام من الركعتين لثبوت الحديث فيه. • قوله: (وكان لا يفعل ذلك من السجود) وفي رواية: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يركع رأسه من السجود. أي: لا يرفع يديه في الهواء إليه وإليه ولا في الرفع منه. والله أعلم[15]. تتمة: وعن وائل بن حجر- رضي الله عنه - أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد رواه أحمد وأبو داود، ولا بن خزيمة على صدره، وعن علي - رضي الله عنه - قال: إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة. رواه أحمد وأبو داود. قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أن ذلك صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلي الخشوع. وبالله التوفيق. يتبع
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |