شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري - الصفحة 13 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         قواعد الترجيح عند المفسرين‏ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 729 )           »          دروس وعبر من الهجرة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 135 - عددالزوار : 75846 )           »          حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 259 - عددالزوار : 158000 )           »          إعانة الفقيه بتيسير مسائل ابن قاسم وشروحه وحواشيه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 99 - عددالزوار : 31533 )           »          اشتباه الطريق ومراتب المخالفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          ما دام قلبك مستيقظًا فالبلايا هدايا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          من تعلّق بغير الله عُذِّب به (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          كلٌّ يختار معركته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          (مَن صَلَّى عَلَيَّ واحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عليه عَشْرًا) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #121  
قديم 01-11-2025, 04:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 125 )

باب: تركُ الأذان والإقامة في العيدين

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
.عن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ قال: صَلَّيْتُ معَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم العِيدَيْنِ، غَيرَ مرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ ولَا إِقَامَةٍ.
الشرح:
قال المنذري: باب: تركُ الأذان والإقامة في العيدين.
والحديث أخرجه مسلم في صلاة العيدين (2/604).
والعيد سمي عيداً، لعوده وتكرّره، وقيل: لعود السُرور فيه، وقيل: تفاؤلاً بعوده على مَن أدركه، كما سُميت القافلة حين خروجها، تفاؤلاً لقفولها سالمة، وهو رجوعها وحقيقتها الراجعة.
وصلاة العيد شعيرة ظاهرة من شعائر أهل الإسلام.
وقد اختلف العلماء في حكم صلاة العيدين على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها سُنة مُؤكدة. وهو مذهب الإمامين مالك والشافعي.
والقول الثاني: أنها فرض كفاية، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وأبو سعيد الإصطخري من الشافعية.
القول الثالث: أنها واجبةٌ على كل مسلم، فتجب على كل ذكر بالغ عاقل، ويأثم من تركها من غير عذر. وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ورواية عن الإمام أحمد.
وممن اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني رحمهما الله.
انظر: المجموع (5/5)، المغني (3/253)، الإنصاف (5/316)، الاختيارات (ص 82).
قال الكاساني: والصحيح أنها واجبة، وهو قول أصحابنا انتهى.
ولا تجب صلاة العيد على المسافر، ولا على أهل البوادي، كما تجب عليهم صلاة الجماعة.
كما أن الحاج في منى لا يُخاطب بها، ولا يؤمر بأدائها.
واستدل مَنْ قال بوجوبها بأدلة عدة، منها:
1- قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} الكوثر:2.
قال ابن قدامة في (المغني): المشهور في التفسير أن المراد بذلك صلاة العيد اهـ.
وذهب بعض العلماء إلى أنّ المراد من الآية الصلاة عموماً، وليست خاصة بصلاة العيد، فمعنى الآية: الأمر بإفراد الله تعالى بالصلاة والذبح، فتكون كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام:162).
وهو اختيار ابن جرير (12/724)، وابن كثير (8/502).
فعلى هذا لا دليل في الآية على وجوب صلاة العيد.
2- أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالخروج إليها، حتى النساء.
فقد روى البخاري (324) ومسلم (2/605): عن أُمِّ عطِيَّةَ -رضي اللَّهُ عنها- قالَتْ: أَمَرَنَا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ والأَضحى: الْعَوَاتِقَ والْحُيَّضَ وذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاةَ، ويَشْهَدْنَ الْخيرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ. قال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».
والْعَوَاتِق جمع عَاتِق، وهي مَنْ بلَغتْ الْحُلم أَو قارَبَتْ , أَو استحقَّت التَّزْوِيج. وذَوَات الْخُدُور: هن الأبكار.
فالحديث يدل على وجوب صلاة العيد، وهو أقوى من الاستدلال بالآية السابقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها النساء العواتق وذوات الخدور أن يخرجن إلى صلاة العيد، بل أمر الحيّض أنْ يخرجن إلى صلاة العيد، ولكن يعتزلن المصلى، وهذا يدل على تأكدها.
3- قوله صلى الله عليه وسلم : «وجب الخروج على كل ذاتِ نطاق في العيدين» رواه أحمد والطيالسي.
إذا وجب الخروج على كل من تملك حجابا تخرج به، فكيف بالرجال؟!
4 – كذلك استدلوا على وجوبها: بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها دون تركها ولو مرة.
وأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم يصلى التطوع بجماعة، ما خلا قيام رمضان وكسوف الشمس وصلاة العيدين، فإنها تؤدى بجماعة، فلو كانت سُنة ولم تكن واجبة، لاستثناها الشارع كما استثنى التراويح وصلاة الكسوف.
قال النووي في المنهاج: فإذا قلنا: فرض كفاية، فامتنع أهلُ موضعٍ من إقامتها، قُوتلوا عليها كسائر فروض الكفاية، وإذا قلنا: إنها سُنة لم يقاتلوا بتركها، كسنة الظهر وغيرها، وقيل: يقاتلون لأنها شعارٌ ظاهر انتهى.
وقال الشيخ ابن باز في (مجموع الفتاوى) (13/7) عن القول بأنها فرض عين، قال: «وهذا القول أظهر في الأدلة، وأقرب إلى الصواب» اهـ.
وكذا قال الشيخ ابن عثيمين: «والذي يترجح لي من الأدلة أنها فرض عين، وأنه يجب على كل ذكر أنْ يحضر صلاة العيد، إلا من كان له عذر» اهـ. (مجموع الفتاوى) (16/214).
وينبغي العلم بأنها لا تجب على المسافر، ولا على أهل البوادي كما تجب عليهم صلاة الجماعة.
كما أن الحاج في منى لا يُخاطب بها، ولا يؤمر بأدائها.
إلا أنها شعيرة ظاهرة، وهي من شعار أهل الإسلام، فلا ينبغي تركها.
قوله «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين» أي: في حال كثير، وسنوات متعددة.
قوله: «بغير أذان ولا إقامة» فيه دليل: على أنه لا أذان ولا إقامة في صلاة العيدين.
قال النووي: وهو إجماع العلماء، وهو المعروف من فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، ونقل بعض السلف فيه شيءٌ خلاف إجماع من قبله وبعده انتهى.
قال الترمذي: وفي الباب عن جابر بن عبد الله وابن عباس.
والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ألا يؤذن لصلاة العيدين، ولا لشيء من النوافل.
قال الحافظ العراقي: وعليه عمل العلماء كافة.
وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في هذا خلافا ممن يعتد بخلافه، إلا أنه روي عن ابن الزبير أنه أذن وأقام. قال: وقيل: إن أول من أذن في العيدين زياد انتهى.
وقد روى مسلم أيضا (2/604) عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: شَهِدْتُ مَع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّلاةَ يومَ العِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلاةِ قبلَ الْخُطْبَةِ، بغيرِ أَذَانٍ ولا إِقامةٍ.
وفي الرواية الأخرى عنه عند مسلم أيضا: لا أَذَانَ للصَّلاةِ يومَ الْفِطْرِ حين يَخْرُجُ الإِمَامُ، ولا بعدَ ما يَخرُجُ، ولا إِقَامَةَ ولا نِدَاءَ، ولا شَيءَ، لا نِدَاءَ يومَئِذٍ ولا إِقَامةَ.
وروى البخاري (960) ومسلم (2/604) عن ابْنِ عبَّاسٍ وعن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأَنْصارِيِّ قالا: لم يَكُنْ يُؤَذَّنُ يومَ الْفِطْرِ ولا يومَ الأَضْحَى.
فهذه أدلة من السُنة النبوية الصحيحة، على أنه لا أذان لصلاة العيد ولا إقامة، ولا ينادى لها بشيء.
وذهب بعض العلماء إلى أنه ينادى لها بقول: الصلاة جامعة، قياساً على صلاة الكسوف!
وهو قياس في مقابلة الحديث، فلا يعتد به.
قال ابن قدامة رحمه الله: «وقال بعضُ أَصحابِنا: يُنَادى لها: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، وهو قولُ الشَّافعي. وسُنَّةُ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ» اهـ.
وقول جابر «ولا شَيءَ» يدل على أنه لا ينادي لها بشيء.
225- باب: صلاة العيدين قبل الخطبة
431.عن ابن عباسٍ قال: شَهِدْتُ صلاةَ الْفِطرِ مع نبِيِّ اللَّه صلى الله عليه وسلم وأَبي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ، فكلُّهُم يُصلِّيها قبلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ، قال: فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيه حينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ ثُمَّ أَقْبلَ يَشُقُّهُمْ، حتى جاءَ النِّساءَ ومعهُ بِلَالٌ، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} (الممتحنة:12)، فَتَلَا هَذه الْآيَةَ حتَّى فَرَغَ مِنها، ثُمَّ قال حينَ فَرَغَ منها: «أَنْتُنَّ على ذلك» فقالَت امْرَأَةٌ واحِدَةٌ لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُها مِنْهُنَّ: نعم يا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يُدْرَى حينَئِذٍ منْ هي، قال: «فَتَصَدَّقْنَ» فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قال: هَلُمَّ فِدًى لكُنَّ أَبِي وأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ والْخَوَاتِمَ في ثَوْبِ بِلَالٍ.
الشرح:
قال المنذري: باب: صلاة العيدين قبل الخطبة.
والحديث أخرجه مسلم في صلاة العيدين (2/602).
وأخرج البخاري (961) نحوه عن جابررضي الله عنه .
قوله: «شهدت صلاة الفطر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب» قال النووي: فيه دليل لمذهب العلماء كافة: أن خُطبة العيد بعد الصلاة.
قال القاضي: هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء الأمصار، وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده، إلا ما روي أن عثمان في شطر خلافته الأخير، قدّم الخطبة؛ لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة. وروي مثله عن عمر، وليس بصحيح، وقيل: إنّ أول من قدمها معاوية، وقيل: مروان بالمدينة في خلافة معاوية، وقيل: زياد بالبصرة في خلافة معاوية، وقيل: فعله ابن الزهري في آخر أيامه.
وخطبة العيد سنة مؤكدة مستحبة، ولا يجب الجلوس لها، لحديث عبدالله بن السائب رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد، فلما قضى الصلاة قال: «إنَّا نخطب، فمنْ أحبّ أنْ يَجلس فليجلس، ومنْ أحبَّ ألا يجلس فليذهب» رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
ولم يرد في افتتاح خطبة العيدين بالتكبيرات شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما ورد عن التابعين وغيرهم.
قوله: «يجلس الرجال بيده» أي: يأمرهم بالجلوس.
قوله: «فقالت امرأة واحدة، لم يجبه غيرها منهن: يا نبي الله، لا يدري حينئذ من هي» هكذا وقع في جميع نسخ مسلم «حينئذ» وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ. قال هو وغيره: وهو تصحيف، وصوابه: لا يدري «حسن» من هي، وهو حسن بن مسلم روايه عن طاوس عن ابن عباس، ووقع في البخاري على الصواب من رواية إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق: «لا يدري حسن».
ويحتمل تصحيح «حينئذ» ويكون معناه لكثرة النساء، واشتمالهن ثيابهن، لا يُدرى من هي؟
قوله: «فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء النساء ومعه بلال» قال القاضي: هذا النزول كان في أثناء الخطبة، وليس كما قال إنما إليهن بعد فراغ خطبة العيد، وبعد انقضاء وعظ الرجال، وقد ذكره مسلم صريحا في حديث جابر، قال: «فصلى ثم خطب الناس، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن» فهذا صريح في أنه أتاهن بعد فراغ خطبة الرجال.
قال النووي: وفي هذه الأحاديث استحباب وعظ النساء، وتذكيرهن الآخرة، وأحكام الإسلام، وحثهن على الصدقة، وهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، وخوف على الواعظ أو الموعوظ أو غيرهما.
وفيه: أنّ النساء إذا حضرن صلاة الرجال ومجامعهم، يكن بمعزل عنهم خوفا من فتنة أو نظرة أو فكر ونحوه.
وفيه: أنّ صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول، بل تكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال، من غير كلام منهن ولا من بلال، ولا من غيره، وهذا هو الصحيح في مذهبنا، وقال أكثر أصحابنا العراقيين: تفتقر إلى إيجاب وقبول باللفظ كالهبة، والصحيح الأول، وبه جزم المحققون.
قوله: «فدى لكنّ أبي وأمي» هو مقصور بكسر الفاء وفتحها، والظاهر أنه من كلام بلال.
قوله: «فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال» الفتخ هو بفتح الفاء والتاء المثناة فوق، وبالخاء المعجمة، واحدها فتخة كقصبة وقصب. واختلف في تفسيرها ففي صحيح البخاري:عن عبد الرزاق قال: هي الخواتيم العظام، وقال الأصمعي: هي خواتيم لا فصوص لها، وقال ابن السكيت: خواتيم تلبس في أصابع اليد، وقال ثعلب: وقد يكون في أصابع الواحد من الرجال، وقال ابن دريد: وقد يكون لها فصوص وتجمع أيضا فتخات وأفتاخ.
والخواتيم: جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء وكسرها، وخاتام وخيتام.
وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على ثُلث مالها، قال النووي: هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجوز الزيادة على ثلث مالها، إلا برضاء زوجها.
ودليلنا من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألهن:أستأذنَّ أزواجهن في ذلك، أم لا؟ وهل هو خارج من الثلث، أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل.
وأشار القاضي إلى الجواب عن مذهبهم: بأن الغالب حضور أزواجهن، فتركهم الإنكار يكون رضاء بفعلهن. وهذا الجواب ضعيف أو باطل؛ لأنهن كن معتزلات، لا يَعلم الرجال من المتصدقة منهن من غيرها، ولا قَدر ما يتصدّق به، ولو علموا، فسكوتهم ليس إذناً.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #122  
قديم 01-11-2025, 04:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 126 )

بـــاب: ما يقــــرأ فــــي صـــــلاة العيـــــــدين

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
432.عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه : سَأَلَ أَبا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ رضي الله عنه : ما كَان يَقْرَأُ بِهِ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في الْأَضْحَى والْفِطْرِ ؟ فقال: كان يَقْرَأُ فيهما بِـ{ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} و{اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}.
الشرح: قال المنذري: باب: ما يقرأ في صلاة العيدين.
والحديث أخرجه مسلم في صلاة العيدين (2/602).
قوله: «إنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه : سَأَلَ أَبا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ رضي الله عنه » أبو واقد هو الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف الليثي، صحابي من بني ليث بن بكر بن عبد مناة من قبيلة كنانة، قيل: إنه شهد بدراً. وقيل: لم يشهدها. وكان معه لواء بني ضمرة وبني ليث وبني سعد ابن بكر بن عبد مناة يوم الفتح. وقيل: إنه من مسلمة الفتح. والصحيح أنه شهد الفتح مسلماً، يعد في أهل المدينة، وشهد اليرموك بالشام، وجاور بمكة سنة، ومات بها، ودفن في مقبرة المهاجرين سنة ثمان وستين، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: خمس وثمانين سنة، روى له الستة.
وقد استبعد العلماء عدم علم عمر رضي الله عنه بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ به في العيدين، وقد كان يشهدها معه، فقيل: إنما أراد عمر من أبي واقد تحديث الناس بهذه السُنة النبوية، أو غيره من المقاصد.
قال ابن عبد البر في التمهيد (16/327): يحتمل سؤال عمر رحمه الله - مع جلالته - لأبي واقد، عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين؛ ليَعلم إنْ كان عنده من ذلك علم، وإلا أنبأه به، ويحتمل أن يكون على مذهب من قال: إن القراءة في العيدين تكون سراً، وهو قول شاذ ؟!
روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: من السُنة أنْ لا يسمع الإمام قراءته من يليه، ولا يرفع صوته!
ويحتمل أن يكون عمر نَسي ذلك، أو أراد عاما بعينه، والله أعلم بما كان من ذلك، وموضع عمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروف، وأنه كان من أولي الأحلام والنهى الذين كانوا يَلونه، والله أعلم انتهى.
قال ابن عبد البر: واختلفت الآثار أيضا في هذا الباب، وكذلك اختلف الفقهاء أيضا فيه، فقال مالك: يقرأ في صلاة العيدين بـ {والشمس وضحاها} و{سبح اسم ربك الأعلى} ونحوها.
وقال الشافعي بحديث أبي واقد الليثي هذا في (ق) و(اقتربت الساعة).
وقال أبو حنيفة: يقرأ فيهما بـ {سبح اسم ربك الأعلى} و{هل أتاك حديث الغاشية} وما قرأ من شيءٍ أجزأه، وقال أبو ثور (نحوه)..
قال ابن عبد البر: وما قرأ به الإمام في صلاة العيدين أجزأه، إذا قرأ فاتحة الكتاب انتهى.
قال كاتبه: وأكثر ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيد بسبح والغاشية، كما كان يقرأ بهما في الجمعة، فقد جاء في الحديث: عن النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما قال: كان رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ علَيه وسلَّم يَقْرَأُ في الْعِيدَيْنِ وفي الْجُمُعَةِ: بِـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} رواه مسلم.
227- باب: تركُ الصلاةِ قبلَ العيدِ وبعده في المُصلّى
433.عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه : أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَو فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَها، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ ومَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا، وتُلْقِي سِخَابَهَا.
الشرح: قال المنذري: باب: ترك الصلاة قبل العيد وبعده في المصلى.
والحديث أخرجه مسلم في صلاة العيدين (2/606) وقد بوب النووي بمثل تبويب المنذري.
والحديث قد رواه البخاري في العيدين (964).
قوله «أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يومَ أَضْحَى أَو فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلها ولا بَعْدَها» فيه وفي بقية أحاديث الباب الآتية: دليل على أنّ صلاة العيد، ليس لها راتبةٌ قبلية ولا بعدية، وإلى ذلك ذهب الإمام أحمد بن حنبل، قال ابن قدامة: وهو مذهب ابن عباس وابن عمر، قال: وروي ذلك: عن علي وابن مسعود وحذيفة وبريدة وسلمة بن الأكوع وجابر وابن أبي أوفى.
وقال به: شريح وعبد اللَّه بن مغفل ومسروق والضحاك والقاسم وسالم ومعمر وابن جريج والشعبي ومالك، وروي عن مالك أنه قال: لا يتطوع في المصلى قبلها ولا بعدها، وله في المسجد روايتان.
وقال الزهري: لم أسمعْ أحدًا من علمائنا يذكر: أنّ أحدًا من سلف هذه الأمة، كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها.
قال ابن قدامة: وهو إجماع كما ذكرنا، عن الزهري وعن غيره انتهى.
ومما ورد في الباب من الحديث: ما جاء عن ابن عمر رضي اللَّه عنه: أنه خرجَ يوم عيدٍ، فلم يُصل قبلها ولا بعدها، وذكر أنّ النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم فعله. رواه أحمد والترمذي وصححه.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كان رسول صلى الله عليه وسلم لا يُصلي قبل العيد شيئاً؛ فإذا رجعَ إلى منزله صلى ركعتين» أخرجه ابن ماجة (1293) وصححه البوصيري في الزوائد (1/423)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (1/297)، وحسنه الحافظ في البلوغ (517).
وعن ابن مسعود عند الطبراني في الكبير قال: ليس من السنة الصلاة قبل خروج الإمام يوم العيد. ورجاله ثقات.
قال الترمذي بعد حديث ابن عباس (543): والعمل عليه عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.
وقد رأى طائفةٌ من أهل العلم: الصلاة بعد صلاة العيدين وقبلها، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.
قال: والقول الأول أصح انتهى.
وحمل الشافعي أحاديث الباب على الإمام فقط، فقال: فلا يتنفّل قبلها ولا بعدها، وأما المأموم فمخالفٌ له في ذلك، نقل ذلك عنه البيهقي في المعرفة، وهو نصه في الأم.
وقال النووي في شرح مسلم: قال الشافعي وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها.
قال الحافظ: إنْ حمل كلامه على المأموم، وإلا فهو مخالفٌ لنص الشافعي.
وقد أجاب القائلون بعدم كراهة الصلاة، قبل صلاة العيد وبعدها، عن أحاديث الباب بأجوبة، منها: جواب الشافعي المتقدم.
ومنها ما قاله العراقي في شرح الترمذي: أنه ليس فيها نهيٌ عن الصلاة في هذه الأوقات، ولكنْ لما كان صلى الله عليه وسلم يتأخر مجيئه إلى الوقت الذي يُصلي بهم فيه، ويرجع عقب الخطبة، روى عنه من روى من أصحابه أنه كان لا يصلي قبلها ولا بعدها، ولا يلزم من تركه لذلك، لاشتغاله بما هو مشروعٌ في حقه، من التأخر إلى وقت الصلاة، أن غيره لا يشرع ذلك له ولا يستحب، فقد روى عنه غيرُ واحدٍ من الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم لم يكنْ يصلي الضحى، وصح ذلك عنهم، وكذلك لم ينقل عنه أنه صلى الله عليه وسلم صلى سنة الجمعة قبلها، لأنه إنما كان يؤذن للجمعة بين يديه وهو على المنبر.
وقال البيهقي: «يوم العيد كسائر الأيام والصلاة مباحة إذا ارتفعت الشمس، حيث كان المُصلي، ويدل على عدم الكراهة: حديث أبي ذر قال: قال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم: «الصلاةُ خيرُ موضوعٍ، فمنْ شاء اسْتكثر، ومنْ شاء استقل». رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في صحيحه.
وكذا قال العراقي في شرح الترمذي، وهو كلام صحيح جار على مقتضى الأدلة، فليس في الباب ما يدل على منع مطلق النفل، ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه، كتحية المسجد إذا أقيمت صلاة العيد في المسجد، وقد قدمنا الإشارة إلى مثل هذا في باب تحية المسجد.
وقال الحافظ ابن حجر بعد أنْ عَرض الخلاف: «والحاصل أنَّ صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها ولا بعدها، خلافاً لمن قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاص؛ إلا إن كان في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، ورجّح عدم المنع ابن المنذر». فتح الباري (2/552)، وانظر الإجماع الأوسط لابن المنذر (4/270).

فحاصل التنفل المطلق، أنه لا يخلو من حالتين:
أ - إما أن يكون قبل العيد في وقت النهي؛ فلا يجوز لعموم النهي عن ذلك.
ب - وإما أن يكون قبل العيد، ولكن ليس في وقت النهي، كما لو أخروا صلاة العيد، أو بعد العيد، وهذا هو الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء، فمنهم من أجازه مطلقاً، ومنهم من منعه مطلقاً، ومنهم من أجازه قبل صلاة العيد، ومنهم من أجازه بعدها، ومنهم من أجازه للمأموم دون الإمام، ومنهم من أجازه في المسجد لا في المصلى.
والذي يظهر والله أعلم الجواز لعدم الدليل على المنع، وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فهو يحكي فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو إما ينتظر إذا حضر صلى بهم، وإذا انتهى انصرف كما في الجمعة، ثم لا يدل عدم فعله على المنع منه.
قال ابن عبد البر: الصلاةُ فعل خير فلا يجب المنع منها إلا بدليل لا معارض له فيه، وقد أجمعوا أن يوم العيد كغيره، في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، فالواجب أن يكون كغيره في الإباحة. الاستذكار (7/95).
وانظر الخلاف والحجج في هذه المسألة: الدر المختار (1/777)، وبداية المجتهد (1/212)، والمهذب (1/119)، ومغني المحتاج (1/213)، والمغني (3/280)، والشرح الممتع (5/203).
وليعلم: أنه إذا كان التنفل قبل صلاة العيد، فقد ترك صاحبه الفاضل إلى المفضول؛ لأنَّ عبادة التكبير في وقته المأمور به، أفضل من مطلق النفل.
- أما إذا كانت صلاة العيد تقام في المسجد، فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، لما سبق في حديث أبي قتادة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دَخل أحدُكم المسجدَ، فليركع ركعتين قبل أنْ يجلس» رواه البخاري في الصلاة (444)، ومسلم (714).
قوله «فجعلت المرأة» المراد بالمرأة، جنس النساء الحاضرات.
قوله «تصدّق بخرصها» تصدّق، أي: تتصدق، والخرص هو الحلقة الصغيرة من الحلي. وفي القاموس «الخرص بالضم ويكسر، حلقة الذهب والفضة، أو حلقة القرط، أو الحلقة الصغيرة من الحلي انتهى.
قوله «وسخابها» بسين مهملة مكسورة بعدها خاء معجمة، وهو خيط تنظم فيه الخرزات. وفي القاموس: السّخاب ككتاب، قلادة من سك وقرنفل ومحلب بلا جوهر انتهى.
وفي هذا الحديث: استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام، وتذكيرهن بما يجب عليهن، واستحباب حثهن على الصدقة، وتخصيصهن بذلك في مجلسٍ منفرد.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #123  
قديم 01-11-2025, 04:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 127 ) باب: فــي خُــــرُوجِ النَّــــساءِ إلى العِيـــــدين

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
434.عن أُمِّ عَطِيَّةَ قالَت: «أَمَرَنَا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ والْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ والْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، ويَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، ودَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لا يكونُ لها جِلْبَابٌ؟ قال: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُها مِنْ جِلْبَابِهَا».
الشرح: قال المنذري: باب: في خروج النساء إلى العيدين. والحــديث أخرجــه مســـلم فـــي صــــلاة العيـدين ( 2/602 ).
وأخرجه البخاري في العيدين (974) باب خروج النساء والحُيّض إلى المصلى. وأخرجه من وجه آخر ( 980 ) باب: إذا لم يكن لها جلبابٌ في العيد.
أُمِّ عطِيَّةَ اسمها: نُسيبة بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصارية ، صحابية مشهورة، مدنية ثم سكنت البصرة، روى لها الستة.
قولها: «أَمَرَنَا رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ والْأَضْحَى»، وفي رواية النسائي: قالت حفصة بنت سيرين: كانت أم عطية لا تَذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قالت: بأبي، فقلت: أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر كذا وكذا؟ قالت: نعم بأبي، قال: لتخرج العواتق وذوات الخدور والحيض..».
واستدل به من قال بوجوب صلاة العيدين، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم للنساء بالخروج إلى العيد، فما بالك بالرجال البالغين؟!
وكذا قوله صلى الله عليه وسلم : «وجَبَ الخروج على كل ذاتِ نطاق في العيدين» رواه أحمد والطيالسي.
وقد سبق الكلام على وجوب صلاة العيدين.
قولها: «الْعَوَاتِقَ والْحُيَّضَ وذَوَاتِ الْخُدُورِ»، الْعَواتق جمع عَاتِق، وهي مَنْ بلغتْ الْحُلُم أَو قاربَتْ, أَو اسْتَحَقَّتْ التَّزْوِيج.
وذَوَات الْخُدُور: هن الأبكار.
قال الحافظ: فيه اسْتحبابُ خُروجِ النِّساءِ إلى شُهُودِ الْعِيدَيْنِ، سَوَاءٌ كُنَّ شَوَابَّ أَم لا؟ وذواتِ هيئَاتٍ أَم لا. اهـ .
وقال الشوكاني: والحديثُ وما في معناهُ مِنْ الأحاديث، قاضيةٌ بِمشْروعيَّةِ خروجِ النِّساءِ في العيدين إلَى الْمُصلّى، من غيرِ فرْقٍ بين البِكرِ والثَّيِّبِ والشَّابَّة والْعجُوز، والْحائضِ وغيرها، ما لم تَكُنْ مُعْتدَّةً، أَو كان خُروجُها فتْنةً أَو كَان لَها عُذْرٌ. اهـ .
أي: أن خروجها لصلاة العيد، لا يخالف أمر الله تعالى؛ حيث قال: {ﭶ ﭷﭸ}(الأحزاب :33)، ولاسيما غير المتزوجة .
قولها: «وأمر الحُيض أنْ يعتزلن مصلى المسلمين»، هو بفتح الهمزة والميم في «أمر» فيه منع الحُيض من المصلى، قال النووي: واختلف أصحابنا في هذا المنع، فقال الجمهور: هو منعُ تنزيه لا تحريم؛ وسببه الصيانة والاحتراز من مقارنة النساء للرجال من غير حاجة ولا صلاة، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس مسجداً.
قال: وحكى أبو الفرج الدارمي من أصحابنا عن بعض أصحابنا أنه قال: يحرم المكث في المصلى على الحائض، كما يحرم مكثها في المسجد؛ لأنه موضع للصلاة فأشبه المسجد. والصواب الأول.
والصواب أنّ المقصود بـ«يعتزلن المصلى، أي: الصلاة، فتشهد صلاة العيد ولا تصلي؛ لأن السنة أن صلاة العيد تقام في الفضاء، وليس في المساجد.
وقولها في الحيض: «يُكبّرن مع النساء»، فيه جواز ذكر الله تعالى للحائض والجنب؛ وإنما يَحرم عليها القرآن، قاله النووي.
قال كاتبه: قد اختلف العلماء رحمهم الله في قراءة الحائض للقرآن، فمن أهل العلم من قال : إنها لا تقرأ كالجنب، واحتجوا بحديث ضعيف، رواه أبو داود: عن ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب، شيئاً من القرآن»، وهذا الحديث ضعيف عند أهل العلم؛ لأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة.
وبعض أهل العلم قاسها على الجُنب! قال: لأن عليها حدثاً أكبر يوجب الغسل، فهي مثل الجنب.
قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: والجواب عن هذا: أن هذا قياسٌ غير صحيح؛ لأن حالة الحائض والنفساء غير حالة الجنب، فالحائض والنفساء مدتهما تطول، وربما شقّ عليهما ذلك، وربما نسيتا الكثير من حفظهما للقرآن الكريم، أما الجنب فمدته يسيرة متى فرغ من حاجته اغتسل وقرأ، فلا يصح قياس الحائض والنفساء عليه.
والصواب من قولي العلماء: أنه لا حرج على الحائض والنفساء أنْ تقرأ ما تحفظانه من القرآن، عن ظهر قلب، هذا هو الصواب، وهذا هو الأصل؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة لما حاضت في حجة الوداع، قال لها: «افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري»، ولم ينهها عن قراءة القرآن. انتهى مختصراً.
فالراجح جواز قراءة القرآن للحائض، وهو قول مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشرط الجواز أنْ يكون بدون مس المصحف، فإن المحدث ممنوع من مس المصحف، سواء كان حدثه أصغر أم أكبر، في قول الجمهور، وللحائض أنْ تقرأ القرآن من كتب التفسير؛ لأن هذه الكتب لا تسمى مصحفا، ولها أن تقرأ القرآن من الهاتف المحمول أو الحاسوب؛ لأن مس المحمول والحاسوب لا يسمى مسّا للمصحف.
وقولها: «يُكبرن مع الناس» دليل على استحباب التكبير لكل أحدٍ في العيدين، وهو مجمعٌ عليه. ويستحب التكبير ليلتي العيدين، وحال الخروج إلى الصلاة.
قال القاضي: التكبير في العيدين أربعة مواطن في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإمام، والتكبير في الصلاة، وفي الخطبة، وبعد الصلاة.
قال النووي: أما الأول فاختلفوا فيه فاستحبه جماعة من الصحابة والسلف، فكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى يرفعون أصواتهم.
وقال به الأوزاعي ومالك والشافعي، وزادوا استحبابه ليلة العيدين.
وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر! وخالفه أصحابه فقالوا بقول الجمهور.
وأما التكبير للشروع في أول صلاة العيد: فقال الشافعي: هو سبعٌ في الأولى غير تكبيرة الإحرام، وخمس في الثانية غير تكبيرة القيام.
وقال مالك وأحمد وأبو ثور: سبع في الأولى ، إحداهن تكبيرة الإحرام.
وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة، وقال عطاء والشافعي وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى، وروي هذا أيضا عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وأما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى، فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه على نحو عشرة مذاهب: والصحيح ابتداؤه من صبح يوم عرفة وانتهاؤه بغروب الشمس من آخر أيام التشريق. وهو الراجح عند جماعة من أهل العلم، وعليه العمل في الأمصار.
قولها: «ويَشهدنَ الخير ودعوة المسلمين» فيه استحباب حضور مجامع الخير، ودعاء المسلمين ، وحلق الذكر والعلم، ونحو ذلك.
قولها: «لا يكون لها جلباب»، قال النضر بن شميل: هو ثوب أقصر وأعرض من الخمار، وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها. وقيل: هو ثوبٌ واسع دون الرداء، تُغطي به صدرها وظهرها، وقيل: هو كالملاءة والملحفة ، وقيل: هو الإزار، وقيل: الخمار .
قوله: «لتلبسها أختها من جلبابها». معناه: لتلبسها جلباباً، لا تحتاج إليه، كعاريِّة لها.
وفيه: الحثُّ على حضور العيد لكل أحد، وعلى المواساة والتعاون على البر والتقوى بين المسلمين والمسلمات.
والحديث يدل: على أنّ الأفضل للمرأة أنْ تخرج إلى صلاة العيد، ولا تبقى في بيتها، وبهذا أمرها النبي صلى الله عليه وسلم .
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر المرأة أن تخرج لصلاة العيد في المصلي، فمن باب أولى أنْ تصليها في المسجد.
وقد سئـل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: أيهما أفضـل للمرأة: الخروج لصلاة العيد أم البقاء في البيت؟
فأجاب: «الأفضل خروجها إلى العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أنْ تخرج النساءُ لصلاة العيد، حتى العواتق وذوات الخدور، يعني: حتى النساء اللاتي ليس من عادتهن الخروج، أمرهن أنْ يَخرجن، إلا الحيض فقد أمرهن بالخروج واعتزال المصلى -مصلى العيد- فالحائض تخرج مع النساء إلى صلاة العيد، قال: وعلى هذا فنقول: إن النساء في صلاة العيد مأمورات بالخروج، ومشاركة الرجال في هذه الصلاة، وفيما يحصل فيها من خير، وذكر ودعاء» اهـ . «مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين» (16/210) مختصرا.
وقال أيضا: «لكن يجب عليهن أن يخرجن تَفِلات، غير مُتبرجات ولا مُتطيبات، فيجمعن بين فعل السُنة، واجتناب الفتنة. وما يحصل من بعض النساء من التبرج والتطيب، فهو منْ جهلهن، وتقصير ولاة أمورهن، وهذا لا يمنع الحكم الشرعي العام، وهو أمر النساء بالخروج إلى صلاة العيد». اهـ .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #124  
قديم 01-11-2025, 04:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 128 )

باب: ما يقـــــولُ الجَــــــواري فـــــــي العِيــــــد

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
435.عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالَت: دَخَلَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فاضْطَجَعَ علَى الْفِرَاشِ وحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فانْتَهَرَنِي، وقال: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؟! فأَقْبَلَ عليه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: «دَعْهُمَا» فلمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ والْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وإِمَّا قال: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ» فَقُلْتُ: نعم، فأَقَامني وراءَهُ، خَدِّي على خَدِّهِ، وهو يقولُ: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ» حتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَال: «حَسْبُكِ» قُلْتُ: نَعَمْ، قال: «فَاذْهَبِي».
الشرح: قال المنذري: باب: ما يقول الجَواري في العيد. والحديث أخرجه مسلم في صلاة العيدين (2/607) وبوب عليه النووي: باب الرُخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد.
ورواه البخاري في العيدين (949، 950) باب الحراب والدرق يوم العيد، وفي باب: إذا فاته العيد يصلي ركعتين (987).
قولها: «دَخَلَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعِنْدِي جَارِيَتَانِ» جاريتان: من النساء هي التي تُستَجْرَى في الخدمة، ويقال: في أيام جِرَائها، أي صِبَاها.
قال القرطبي رحمه الله: الجارية في النساء كالغلام في الرجال، وهما يقالان على من دون البلوغ منهما. المفهم (3/1494).
قولها: «تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ» بُعَاث: هو بضم الباء، يوم مشهور مذكور من أيام الجاهلية، كان فيه حَرْبٌ بين الأوس والخزرج، وبُعاث اسم حصن للأوس وقعت الحرب عنده، وكان به مقتلة عظيمة وانتصر الأوس على الخزرج، واستمرت المقتلة 120 سنة حتى جاء الإسلام فألف بينهم. كما في غريب الحديث والنهاية وغيرها.
قوله: «وتُغَنِّيانِ» الغنى بالقصر يدلُّ على الكِفاية، والغناء ممدود صوتٌ، والأُغْنِيَّةُ: اللون من الغناء، والجمع أغاني.
وكلُّ صوت رُفع عند العربِ فهو غِنَاءٌ، والتغنِّي بالقرآن: تحسين الصوت بالقراءة والجهر به، وقد كانت العرب تفعل ذلك بالشعر والحُدَاء والرَّجز، في أسفَارها وأنديتها وحروبها. النهاية (3/392).
وكانت العرب تُثبت مآثرها بالشعر، فتروِّيها أولادها وعبيدها، فيكثر إنشادهم لها وروايتهم إياها، فيترنّم بها الرّفاق إذا سارت بهم الرِّكاب، والساقية على الآبَار، كل ذلك عندهم غنَاء.
ولم تقصد به في الحديث هاهنا: ذكر الخَنا والمجون، والتشبيب بالنساء، والتعريض بالفواحش.
وأكثر مَنْ كان يتولّى الغناء: الإمَاء دون الحرائر، ولذلك سميت المغنية: قيْنَة، لأنّ القينة عند العرب هي الأَمَة. انظر لسان العرب.
قولها: «فاضْطَجَعَ علَى الْفِرَاشِ وحَوَّلَ وَجْهَهُ» فيه: تنزه أهل الفضل والصلاح والخير عن اللهو، وإن لم يكن فيه إثم.
قوله: «فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فانْتَهَرَنِي، وقال: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عند رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؟! وفي رواية البخاري» مِزْمَارَة «والمراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن، وأصله الآلة التي يزمر بها، شَبّه حسن الصوت وحلاوة نغمته، بصوت المزمار.
قال النووي رحمه الله في قوله: صلَّى اللَّه عليه وسلّم في أَبِي موسى الْأَشْعريّ: «أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آلِ دَاوُدَ» قَال الْعُلَماء: الْمُراد بالْمِزْمَارِ هنا: الصَّوت الْحَسَن، وأصل الزَّمْر: الغِنَاء، وآلُ داوُدَ هو داودُ نفْسه، وآلُ فُلَان قد يُطْلَق علَى نَفْسه، وكَان دَاوُدُ صلى الله عليه وسلم حَسَن الصَّوْت جِدًّا» انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): «والْمُراد بالمِزْمَارِ الصَّوْت الْحَسَن، وَأَصْله الْآلَة، أُطلِقَ اسمه علَى الصَّوْت لِلمُشابهة» انتهى.
فأصل المِزْمار والزَّمارة: الآلة التي يُزَمَّر بها، وهي القَصَبَة، لتحسين الصوت وحلاوة نغمته، يقال امرأة زَامِرَةٌ، ورجلٌ زمَّارٌ.
واستدل بالحديث: على جواز سماع صوت غناء الجارية الصغيرة السن دون البلوغ، إذا أمنت الفتنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ففي هذا الحديث بيان إنّ هذا لم يكن من عادة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سمّاه الصديق رضي الله عنه » مزمور الشيطان «والنبي صلى الله عليه وسلم أقرّ الجواري عليه مُعللا بأنه يومُ عيد، والصغار يُرخص لهم في اللعب في الأعياد» انتهى كلامه رحمه الله.
قلت: ومثله ما جاء: عن الرُّبَيِّعِ بنت مُعَوِّذِ بنِ عَفْرَاءَ: جاء النَبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَدَخَلَ حين بُنِيَ علَيَّ، فجلسَ علَى فراشِي كمجلِسِكَ مِنِّي، فجعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لنا يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ، ويَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ من آبَائي يومَ بَدْرٍ، إِذْ قالتْ إِحْدَاهُنَّ: وفينا نَبِيٌّ يَعْلَمُ ما في غَدٍ؟! فقال: «دَعِي هذه، وقُولي بالذي كُنْتِ تَقُولِينَ».
وقال تلميذه ابن القيم -رحمه الله- في (إغاثة اللهفان) كلام موسع بعد أن ذكر الحديث قال: «فلم يُنكر صلى الله عليه وسلم على أبي بكر تسمية الغناء» مزمار الشيطان «وأقرّهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين، تغنيان بغناء الأعراب، الذي قيل في يوم حرب بُعاث، من الشجاعة والحرب، وكان يوم عيد».
قال: «فتوسع حزبُ الشيطان في ذلك، إلى صوت امرأة أجنبية أو صبي أمْرد، صوته وصورته فتنة، يُغنّي بما يدعو إلى الزنا والفجور، وشرب الخمور، مع آلات اللهو التي حرّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث، مع التصفيقِ والرقص، وتلك الهيئة المنكرة التي لا يستحلها أحدٌ، ويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين، بغير شبابة (مزمار) ولا دف، ولا رقص ولا تصفيق، ويَدَعون المحكم الصريح لهذا المتشابه، وهذا شأن كل مبطل.
نعم، لا نُحرّمُ ولا نَكره مثلَ ما كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الوجه، وإنما نُحرّم نحنُ وأهلُ العلم السماعَ المخالف لذلك» انتهى كلامه رحمه الله.
قوله: «فأَقْبَلَ عليه رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال: «دَعْهُمَا» قال الحافظ ابن حجر: «فيه تعليل وإيضاح، خلاف ما ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه صلى الله عليه وسلم ، لكونه دخل فوجده مُغطى بثوبه فظنه نائماً، فتوجه له الإنكار على ابنته من هذه الأوجه، مستصحبا لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار ذلك، قياماً عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضحَ له النبي صلى الله علي وسلم الحال، وعرفه الحكم مقرونا ببيان الحكمة بأنه يوم عيد، أي: سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا يُنكر في الأعراس».
قال: «وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقره النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وتكلف جواباً لا يخفى تعسفه».انتهى كلامه رحمه الله في الفتح (2/442).
وهذه بعض الأدلة من الكتاب والسنة على حرمة الغناء الفاحش وما يصحبه من المعازف:
1- فقال الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿٦﴾وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} لقمان: 6-7. قال ابن مسعود رضي الله عنه : «والله الذي لا إله غيره، إنه الغناء، يرددها ثلاث مرات».
وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه الغناء» وبه قال ابن عباس -رضي الله عنهما.
ولا شك أن هؤلاء الصحابة -رضي الله عنهم- الذين فسروا لهو الحديث بالغناء شهدوا الوحي والتنزيل، فهم أعلم الناس بكلام الله تعالى.
2- وقال تعالى: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} الإسراء: 65. قال مجاهد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «الغناء والمزامير واللهو».
فابن عباس رضي الله عنهما وهو حَبر الأمة يُفسّر الآية بالغناء، وأنه هو صوت الشيطان، الذي يستفزّ به بني الإنسان، إلى الفجور والعصيان.
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة من سماع الغناء، واتخاذ المعازف، أشد التحذير، لما فيها من المفاسد والشرور، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
1- فروى البخاري في صحيحه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليَكونَنّ مِنْ أمتي أقوامٌ يَستحلونَ الحِرَ - الزنا - والحرير والخمر والمعازف». فلاحظ اقتران هذه الموبقات الأربع مع بعضها البعض.
ولاحظ كلمة (يَستحلون) الدالة على أنهم يستحلون حراماً.
2- وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يكون في أمتي خَسفٌ وقذفٌ ومَسْخ، قيل: يا رسول الله متى؟ قال: «إذا ظهرت المَعازف، والقَينات، واستُحلت الخمرة» أخرجه أحمد والترمذي والطبراني واللفظ له، وصححه الألباني في الصحيحة (2203).
3- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «صَوتانِ ملعونانِ في الدنيا والآخرة: مزمارٌ عند نعمةٍ، ورنّةٌ عند مُصيبة» البزار والضياء، وسنده حسن.
قوله: «غَمَزْتُهُمَا» هو كالنَّخْسِ في الشيء بشيء، يقال: غَمَزَهُ يَغْمِزه غَمْزًا. والغَمْزُ: يكون بالإشارة بالعين والحاجب والجفن، وبالعَصْر باليد والكَبْس بها. اللسان.
الدَّرق: ضربٌ من التَروسَ، الواحدة: دَرَقَة، تتخذ من الجلود ليس فيه خشب، والجمع دَرَق ودِراق.
والحِرَابُ: جمع حربة، والحَرْبَة: هي سلاح يتخذ في الحرب، قدره دون الرُّمْحُ الكامل، وليس بعريض النَّصْل.
قولها: «فَإِمَّا سَأَلْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وإِمَّا قال: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ» فَقُلْتُ: نعم» هذا تردد منها، فيما وقع، هل كان أذن لها ابتداء منه، أو عن سؤال منها، وفي رواية النسائي عن أم سلمة عنها: دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : « يا حميراء، أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت نعم». قال الحافظ: إسناده صحيح، ولم أرَ في حديث صحيح ذكر الحُميراء إلا في هذا. الفتح (2/444).
قولها: «فأَقَامني وراءَهُ، خَدِّي على خَدِّهِ» أي: متلاصقين. وفي رواية قالت: أردتُ أنْ يبلغ النساء مقامه لي» أي: الضرائر، لتفخر بذلك عليهن.
قوله: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ» أَرفدة: هو أبو الحُبْش الأقدم، وهو لقبٌ لهم، والرفد في اللغة: هو المعاونة والمظاهرة بالعطاء وغيره، ورَفَدَ بنو فلانٍ فلانًا؛ إذا سوَّدوه عليهم وعظَّمُوه.
وقوله: «دُونَكُمْ» بالنصب على الإغراء، والمغرى به محذوف، وهو لعبهم بالحراب.
واستدل به: على جواز اللعب بالسلاح، للتدريب على الحرب والتنشيط، وتمرين الأيدي على حمله. وجواز ذلك في المسجد في العيد.
قولها: «حتَّى إِذَا مَلِلْتُ قال: «حَسْبُكِ» قُلْتُ: نَعَمْ، قال: «فَاذْهَبِي» وفي رواية للبخاري» فاقدُرُوا قَدر الجارية الحديثة السّن، الحريصة على اللهو». وفيه: أنها كانت حينئذ شابة.
قال عياض: وفيه جوازُ نظر النساء، إلى فعل الرجال الأجانب، لأنه إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن، والاستلذاذ بذلك.
ومن تراجم البخاري عليه: «باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة».
وقال النووي: أما النظر بشهوة، وعند خشية الفتنة، فحرامٌ اتفاقاً، وأما بغير شهوة فالأصح أنه غير محرم.
وفيه: التوسعة على الأهل والعيال في أيام الأعياد، بما يحصل به الترويح عن النفس.
وفيه: جواز دخول الرجل ابنته وهي عند زوجها، إذا كان له بذلك عادة.
وفيه: تأديب الأب بحضرة الزوج وإن تركه الزوج، إذ التأديب وظيفة الآباء ولو تزوجت ابنته.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #125  
قديم 08-11-2025, 08:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 129 )

باب: قَصْر صلاة المسافر في الأَمن

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
436.عن يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ قال: قُلْتُ لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء: 101)، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَال: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فسَأَلْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذلِك فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
437.عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم في الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الْخَوْفِ رَكْعَةً.
الشرح:
قال المنذري: باب: قَصر صلاة المسافر في الأمن.
وفي الباب حديثان:
- الحديث الأول: أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (1/478).
يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ بن أبي عبيدة التميمي المكي، حليف قريش، وهو يعلى بن منية بنت غزوان، أخت عتبة بن غزوان.
أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وشهد الطائف وتبوك، وله أحاديث عدة.
حدث عنه: بنوه: صفوان وعثمان ومحمد، وأخوه عبد الرحمن، وابن أخيه صفوان بن عبد الله وآخرون، له نحو من عشرين حديثا، وحديثه في «الصحيحين».
قال ابن سعد: كان يعلى بن منية يفتي بمكة. وقيل: ولي نجران لعمر. وكان من أجواد الصحابة ومتموليهم. وقال عمرو بن دينار: كان أول من أرّخ الكتب: يعلى بن أمية، وهو باليمن.
قال الذهبي في السير (3/101): «ولي اليمن لعثمان. وكان ممن خرج مع عائشة، وطلحة، والزبير يوم الجمل في الطلب بدم عثمان الشهيد، فأنفق أموالاً جزيلة في العسكر كما ينفق الملوك، فلما هزموا، هرب يعلى إلى مكة، ثم أقبل على شأنه.
بقي إلى قريب الستين، فما أدري أتوفي قبل معاوية أو بعده؟».
وقصر الصلاة جائز بالكتاب والسُنة الإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} (النساء: 101).
ومعنى قصر الصلاة: هو اختصار الصلاة الرباعية إلى ركعتين.
والصلاة التي تقصر: هي الصلاة الرباعية: وهي الظهر والعصر والعشاء.
وهو جائز سواءً كان في حالة الخوف أو الأمن، لكن تعليق القصر على الخوف في الآية، إنما كان لتقرير الحالة الواقعة آنذاك؛ لأنّ غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم لم تخلُ منه.
وأما السُنة النبوية: فقد تواترت الأخبار أنّ رسول الله كان يقصر في أسفاره كلها، حاجاً ومعتمراً، وغازياً محارباً، آمناً وخائفا، قال ابن عمر: صحبتُ النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك. متفق عليه.
ونحوه عن ابن مسعود رضي الله عنه ، رواه الشيخان.
وروى الترمذي والنسائي: عن ابن عباس: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة إلى المدينة لا يخاف إلا رب العالمين، يصلي ركعتين.
وقد أجمع العلماء على مشروعية القصر في السفر المعتبر عندهم، واختلفوا في تفصيل ذلك كما سيأتي.
قوله «قال: قُلتُ لِعُمَرَ بنِ الْخَطَّاب: قوله {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء: 101). فأورد أمية الآية محتجاً بها على القصر في الخوف، فقال: فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَال عمر: «عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ». وقد استدل بالحديث على أن القصر جائز في السفر في حال الأمن، وهو قول عامة أهل العلم.
وقول عز وجل: {وإذا ضَربتم في الأرض} أي: سافرتم، {فليس عليكم جناح} أي: حرجٌ وإثم {أنْ تقصروا من الصلاة} يعني: من أربع ركعات إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء، {إنْ خفتم أنْ يفتنكم} أي: يغتالكم ويقتلكم {الذين كفروا} في الصلاة، قال البغوي: نظيره قوله تعالى: {على خَوفٍ من فرعونَ وملئهم أنْ يفتنهم} (يونس: 83)، أي: يقتلهم. وقوله {إنّ الكافرين كانوا لكم عدواً مبينا} أي: ظاهرين العداوة.
واختلفوا في حُكم القصر: أي: هل المسافر يجب عليه شرعاً قصر الصلاة، أم أنه مخير في ذلك؟ بعد اتفاقهم أن قصر الصلاة في السفر مشروع بإجماع الأمة.
فذهب أكثر الصحابة إلى أنّ القصر واجبٌ، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة، وهو قول مالك وأصحاب الرأي، لما روت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: «الصلاةُ أول ما فُرضت ركعتين، فأقرّت صلاة السفر، وأتمَّت صلاة الحضر». متفق عليه.
ونحوه حديث ابن عباس رضي الله عنهما في الباب: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ علَى لِسانِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم في الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الْخَوْفِ رَكْعَةً». ورواه النسائي وابن ماجة (1068).
وعن عمر رضي الله عنه قال: صلاةُ الجُمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السّفر ركعتان، تمامٌ غير قصرٍ، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم . رواه النسائي وابن ماجة (1063).
وذهب طائفة كم أهل العلم إلى جواز الإتمام، فالمسافر إنْ شاء أتم وإنْ شاء قصر، والقصر أفضل. روي ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، وبه قال الشافعي رحمه الله.
واحتجوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قصر الصلاة وأتم». وقد رواه النسائي والدارقطني وحسن إسناده، والبيهقي وصححه؟!
قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (2/44): «وقد استنكره أحمد، وصحته بعيدة، فإنّ عائشة كانت تُتم، وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان، كما في الصحيح، فلو كان عندها عن النبي رواية لم يقل عروة أنها، وقد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك».
والحجة كما هو معلوم فيما روت، لا فيما رأت، وقد أنكر الصحابة كابن مسعود رضي الله عنه وغيره على عثمان رضي الله عنه إتمامه للصلاة بمنى.
وقال ابن القيم زاد المعاد (1/471): وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذبٌ على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب؟ّ! كيف وهي القائلة:» فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأقرّت صلاة السفر». فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله؟ وتخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟».
وربما كان هذا من فعلها هي، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق، لذا قال ابن القيم رحمه الله: «وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم ، فإنها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلاً، والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له...».



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #126  
قديم 08-11-2025, 08:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري



شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 130 )

باب: ما تقصر فيه الصلاة من السفر

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
438-عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وصَلَّيْتُ معه الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ.
الشرح: قال المنذري : باب : ما تقصر فيه الصلاة من السفر . والحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/480).
وقد رواه البخاري في كتاب تقصير الصلاة (2/569) باب يقصر إذا خرج من موضعه. ومواضع أخرى كثيرة.
قوله: باب: ما تقصر فيه الصلاة من السفر، أي: مقدار المسافة التي تُقصر فيها الصلاة، وفي البخاري : (باب يقصر إذا خرج من موضعه) يعني إذا قصد سفراً، وهي من المسائل المختلف فيها. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنّ لمن يريد السفر، أنْ يقصر إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي يخرج منها، واختلفوا فيما قبل الخروج عن البيوت، فذهب الجمهور إلى: أنه لا بد من مفارقة جميع البيوت، وذهب بعض الكوفيين: إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله! ومنهم من قال: إذا ركب قصر إنْ شاء، ورجّح ابن المنذر الأول، بأنهم اتفقوا على أنه يقصر إذا فارق البيوت، واختلفوا فيما قبل ذلك، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أنّ له القصر، قال: ولا أعلم النبي صلى الله عليه وسلم قصر في شيء من أسفاره، إلا بعد خروجه عن المدينة . انتهى الفتح (2/569 ) .
فالصحيح أنه لا بد أنْ يُغادر عمران البلد، وهو أنْ يُفارق بيوت المدينة أو البلدة أو القرية التي يسكن فيها ؛ لقول الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} (النساء: 101)، ومن لم يفارق البيوت لم يضرب في الأرض ، فلا يسمى مسافراً إلا إذا ارتحل؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يقصر صلاته، إلا إذا ارتحل من المدينة، كما في حديث أنس رضي الله عنه هاهنا.
ومن خرج مسافراً مسافة تبيح القصر، ثم بدا له أنْ يرجع قبل استكمال المسافة، فلا يعيد الصلاة التي صلاها أثناء سفره؛ لأن المعتبر نية قطع مسافة القصر، لا قطع المسافة نفسها، بدليل أنه يبتدئ القصر بعد مغادرة عمران البلد، وهي ليست مسافة قصر.
قوله: «صليت الظهر مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين»، في رواية (الكشميهني) في البخاري «والعصر بذي الحليفة ركعتين»، وهي ثابتة في رواية مسلم، وكذا في رواية أنس عند البخاري في الحج، قال الحافظ: «واستدل به: على استباحة قصر الصلاة في السفر القصير؛ لأن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، وتعقب: بأنّ ذا الحليفة لم تكن منتهى السفر، وإنما خرج إليها؛ حيث كان قاصداً إلى مكة، فاتفق نزوله بها، وكانت أول صلاة حَضَرت بها العصر، فقصرها واستمر يقصر إلى أنْ رجع».
قال: «استدل به على أنّ من أراد السفر لا يقصر حتى يبرز من البلد، خلافاً لمن قال من السلف: يقصر ولو في بيته! وفيه حجة على مجاهد في قوله: لا يقصر حتى يدخل الليل». انتهى
وقد روى عبد الرزاق: من طريق علي بن ربيعة الأسدي قال: خرجنا مع علي -رضي الله عنه- ونحن ننظر إلى الكوفة، فصلى ركعتين، ثم رجع فصلى ركعتين وهو ينظر إلى القَرية ، فقلنا له: ألا تُصَلي أربعا ؟ قال: حتى ندخلها.
ورَوى: عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يَقْصر الصلاة حين يخرج من بُيوت المدينة ، ويَقْصر إذا رَجع حتى يَدخل بيوتها.
قال الإمام مالك: لا يَقصر الصلاة الذي يريد السفر، حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يُتِمّ حتى يدخلها أو يُقَارِبها.
قال ابن عبد البر رحمه الله: وهو مذهب جماعة العلماء إلاَّ من شـذّ.
ولو عَزَم المسافر على السَّفر، وقد نُودِي للصَّلاة وهو في البَلَد، ثم فَارَق البلد، فكيف يُصلي؟
جُمهور أهل العِلْم على أنه يُصلي صلاة مسافر؛ لأن العِبْرَة بالأداء، وهو يُؤدِّيها أداء مُسافِر.
خلافاً لمن قال من فقهاء الحنابلة: إذا دخل وقت الصلاة وهو مقيم ثم سافر صلاها أربعاً؛ قالوا: لأن الصلاة وجبت في ذمته وهو مقيم غير مسافر، ومن كان هذا حاله فحقه الإتمام لا القصر! وحديث الباب يرده.
وقد اختلف أهل العلم في مسافة القصر، فقالت طائفة: يجوز القصر في السفر الطويل والقصير، روي ذلك عن أنس رضي الله عنه، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصر بعرفة، أما عامة الفقهاء فلا يجوزون القصر في السفر القصير.
واختلف في حدِّ ما يجوز به القصر، فقال الأوزاعي: مسيرة يوم، وكان ابن عمر وابن عباس -رضي الله- عنهم يقصران ويفطران في أربعة بُرُد، وهي ستة عشر فرسخا، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحق، وقول الحسن والزهري قريب من ذلك، قالا: مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي -رضي الله عنه- قال: مسيرة ليلتين قاصدتين، وقال في موضع: ستة وأربعون ميلا بالهاشمي، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: مسيرة ثلاثة أيام.
والصحيح: أن هذه تقديرات اجتهادية، وليست نصوصا يجب المصير إليها، أو مسافة مطلوبة، والصواب: أن كل من أطلق عليه اسم (المسافر) لخروجه من وطنه إلى مكان آخر، فهو مسافر، جاز له قصر الصلاة، والفطر في رمضان.
ويشرع القصر للمسافر، ولو طالت المدة، كمن يأتي مسافراً إلى بلد لحاجة ويقول اليوم أخرج، غداً أخرج؛ فهذا له أنْ يقصر الصلاة ولو بقي أكثر من أربعة أيام؛ لما جاء عن أَنسِ بن مالكٍ قال: خَرَجْنَا مع رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم من الْمدِينَةِ إلَى مكَّةَ، فصَلَّى ركعتَينِ ركعتَينِ، حتى رَجَعَ، قلتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَال: عَشْرًا.
وعن جابر قال: أَقَامَ رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم بِتَبُوكَ عشْرينَ يوماً، يَقْصُرُ الصَّلاةَ. رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح. وسيأتي الكلام عليه.
أما الأحوال التي لا يُشرع فيها القصر للمسافر، ويجب عليه أنْ يتم صلاته، فهو فيما يلي:
ا- إذا اقتدى المسافر بإمامٍ مقيم؛ لما روى موسى بن سلمة قال: كُنَّا مَع ابْنِ عباسٍ بمكَّةَ، فقلتُ: إِنَّا إِذا كُنَّا معكم صَلَينا أَرْبَعًا، وإِذا رَجَعنا إلَى رِحَالِنَا صَلَينا ركْعَتَيْنِ؟ قال: تِلك سُنَّةُ أَبي الْقَاسم[. رواه أحمد بإسناد حسن .
وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلاها أربعاً، وإذا صلى وحده صلاها ركعتين. رواه مسلم .
ب- إذا نوى المسافرُ الإقامة مطلقاً من غير تحديد؛ كالعُمَّال المقيمين للعمل، والطالب المقيم للدراسة ونحوهم، فهؤلاء حكمهم حكم المقيمين؛ لأن السفر المبيح للقصر قد انقطع بنيَّة الإقامة الطويلة.
أما إذا أقام في بلد بسبب الحبس فيها ظُلماً، أو لعُذر الثلج أو المطر ونحوها، فإنه يقصر الصلاة ولو أقام سنين؛ لما جاء: عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: «أَرْتَجَ علَينَا الثَّلْجُ، ونحنُ بِأَذْرَبِيجَانَ ستَّةَ أَشْهرٍ في غَزَاةٍ. قال ابنُ عمرَ: فَكُنَّا نُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ». رواه البيهقي بإسناد صحيح .
- تنبيه (1): اشترط بعض الفقهاء لجواز القصر للمسافر أن يكون سفره سفر طاعة، لا سفر معصية! والأدلة لم تفرق بين سفرٍ وسفر، وليس في ذلك دليل يصار إليه .
- تنبيه (2): يظن كثير من الناس، أنه إذا قصر الصلاة، فلا بد له من الجمع بين الصلاتين!
وهذا خطأ، فلا تلازم بين القصر والجمع، فالجمع إنما يشرع للحاجة والتعب والمرض أو للتنقل.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #127  
قديم 08-11-2025, 08:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري



شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 131 )

باب: قصر الصلاة في الحج

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.

439.عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قال: خَرَجْنَا مع رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم مِنْ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكعَتَيْنِ، حتَّى رَجَعَ، قُلتُ: كمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَال: عَشْرًا. وفي رواية: خَرَجْنَا مِنْ المَدِينَةِ إلى الْحَجِّ.
الشرح: قال المنذري: باب: قصر الصلاة في الحج. وقد أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/481) . الحديث أخرجه البخاري في تقصير الصلاة (2/561) باب: ما جاء في التقصير، وكم يُقيم حتى يقصر ؟
قوله: «خَرَجْنَا مع رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم مِنْ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكعَتَيْنِ»، المراد بهذا السفر، سفره صلى الله عليه وسلم في حَجة الوداع، فقد قدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة، فأقام بها الخامس والسادس والسابع، وخرج منها في الثامن إلى منى، وذهب إلى عرفات في التاسع، وعاد إلى منى في العاشر، فأقام بها الحادي عشر والثاني عشر، ونفر في الثالث عشر إلى مكة، ونفر منها إلى المدينة في الرابع عشر، فكانت المدة كلها عشرا، وكان يقصر الصلاة فيها كلها، أي: في مكة وما حولها.
وقد استَدل بهذا الحديث مَنْ قال: بأنّ نهاية السفر أربعة أيام! وأن الثلاثة أيام ليست إقامة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.
وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قدِم مكة حاجا أقام فيها ثلاثة أيام يقصر، ثم خرج في اليوم الرابع إلى منى؛ فالقصر لمن يعلم متى يرجع لا يزيد على أربعة أيام!
وهذه المسألة وهي تحديد مدة القصر للمسافر، وما يتعلق بها من المسائل، لم يرد فيها دليلٌ فاصل يقطع النزاع؛ فلذلك اختلفت فيها أقوال العلماء، فمنهم مَن يرى أنّ المسافر إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، فإنه ينقطع حكم السفر في حقه ويلزمه الإتمام، وهو قول الحنابلة والشافعية والمالكية، واستدلوا بالحديث السابق وغيره.
وذهب الأحناف إلى أنه إذا نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يوماً، أتم صلاته.
والأئمة الأربعة متفقون: على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها، يقول: اليوم أخرج، غداً أخرج، فإنه يقصر أبداً. كما في زاد المعاد لابن القيم (3/493).
والاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق ، مُتعقّب من وُجوه عدة:
- الوجه الأول: أنّ هذا حكاية فِعْل وواقعة، ولا يُمكن الاستدلال به على انقطاع أحكام السفر، بمضي أربعة أيام.
- الوجه الثاني: أنّ الاستدلال بفعله هذا بناء على ظَنّ! وليس بنص ولا بينة واضحة، والظنّ لا يُغني من الحق شيئا! وذلك أنهم قالوا : لو أقام بمكة أكثر من أربعة أيام أتَمّ!
وهذا مُتعقّب بـ:
- الوجه الثالث: أنّ القول بأنه صلى الله عليه وسلم لو أقام بمكة أكثر من أربعة أيام لم يقصر، ليس أوْلَى من القول بِضِدِّه، وهو أنه لو أقام بمكة أكثر أربعة أيام قصر، بل هو الصحيح؛ وذلك لأنه لا يصِحّ أنه عليه الصلاة والسلام أتَمّ في سفره قط ، ولو كان صلى الله عليه وسلم يُتِمّ في سفره لكان الحَمْل على ذلك له وَجْه.
فتعيَّن أنه لو أقام بمكة أكثر من أربعة أيام لَقَصَر؛ لأنه متوافق مع سائر أسفاره، فقد سافر صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما، ففي حديث ابن عبَّاسٍ -رضي اللَّهُ عنهما- قال: أَقَامَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ تسعةَ عَشَرَ يومًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. رواه البخاري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فإنَّ رسول الله كان يُسافر أسفاراً كثيرة، قد اعتمر ثلاث عُمر سوى عمرة حجته، وحجّ حجة الوداع ومعه ألوفٌ مُؤلّفة، وغَزا أكثر من عشرين غَزاة، ولم يَنقل عنه أحدٌ قط أنه صلى في السفر لا جمعةً ولا عيداً، بل كان يُصلي ركعتين ركعتين في جميع أسفاره، ويوم الجمعة يُصلي ركعتين كسائر الأيام. اهـ .
- الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبيِّن لأصحابه أنهم إذا أقاموا أكثر من أربعة أيام أن يُتِمُّوا! ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما هو معلوم.
- الوجه الخامس: أن الإقامة مُمتنِعة في حقِّه صلى الله عليه وسلم بمكة، وفي حق المهاجرين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا». وفي الرواية الأخرى: «مُكثُ المهاجر بمكة بعد قضاء نُسكه ثلاثا». وفي رواية: «للمهاجرِ إقامة ثلاثٍ بعد الصدر بمكة»؛ كأنه يقول: لا يزيد عليها. رواها مسلم .
ومعنى الحديث: أن الذين هاجروا من مكة قبل الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يَحرم عليهم استيطان مكة والإقامة بها، ثم أُبيح لهم إذا دخلوها بحجٍ أو عمرة أو غيرهما، أنْ يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام، ولا يزيدوا على الثلاثة.
قال النووي: واستدل أصحابنا وغيرهم بهذا الحديث، على أنّ إقامة ثلاثة ليس لها حكم الإقامة، بل صاحبها في حكم المسافر .
وقال ابن عبد البر: ليس مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إذْ دخلها لحجته بإقامة؛ لأنها ليستْ له بدار إقامةٍ ولا بِمَلاذ، ولا لِمُهَاجِريّ أن يتخذها دار إقامة ولا وطن، وإنما كان مقامه بمكة إلى يوم التروية، كمقام المسافر في حاجة يقضيها في سفر منصرفاً إلى أهله، فهو مقام مَن لا نِـيَّـة له في الإقامة، ومن كان هذا فلا خلاف أنه في حُكم المسافر يقصر، فلم يَنوِ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إقامة. اهـ .
- الوجه السادس: أن أقوال الصحابة قد تباينت في تحديد مُدّة الإقامة ؛ فروى البخاري: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قوله: ونحن نقصر ما بيننا وبين تسع عشرة، فإذا زدنا أتممنا.
وتقدّم قول أنس -رضي الله عنه-: أقمنا بها عشراً. رواه البخاري ومسلم .
وذَكَر ابن عبد البر في تحديد مدّة الإقامة أحد عشر قولاً.
ورُوي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: إذا أقام عشرة أيام أتم. ذَكَره ابن عبد البر.
- الوجه السابع : أنهم عدوا خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى منى انقطاعا لإقامته صلى الله عليه وسلم -لو صحّ عدها إقامة- ومعلوم أنهم لا يقولون بِأن ما بين مكة ومِنى يُعد سفراً؛ فإن مِنى في حُكم مكة، وهي تابعة لها؛ ولذلك عد أنس -رضي الله عنه- إقامته صلى الله عليه وسلم في حجته عشرة أيام، وهي مدة إقامته في حجة الوداع، قال قلت: كم أقام بمكة ؟ قال: عشراً؛ لأنّ منى تابعة لِمكة.
وروى الإمام مالك: عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن عمر بن الخطاب كان إذا قدم مكة صلّى بهم ركعتين، ثم يقول: يا أهل مكة أتمُوا صلاتكم، فإنا قومٌ سَفْر. ومن طريقه رواه البيهقي .
فالأقوال في المسألة إذاً يجمعها ثلاثة أقوال:
- القول الأول: أن القصر ثلاثة أيام أو أربعة، فمن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام أتَمّ .
- القول الثاني: يُقابل هذا القول، وهو أنّ مَن سافر، فإن له أنْ يقصر مهما طال سفره.
- والقول الثالث: وهو الوسّط بين الفريقين: أنّ له أن يقصر ما دام مُسافرا، ما لم ينوِ الإقامة المطلقة.
والإقامة المطلقة أو الاستيطان: هي أنْ يأتي طالب العلم، أو التاجر أو العامل إلى بلد، فيجد فيه ما يطلبه من العلم والتجارة والعمل، فينوي فيه إقامةً غير مقيدةٍ بزمن؛ فهذه هي الإقامة المطلقة التي تقطع عنه حكم السفر، وعلى هذا فإنه يتم صلاته، ولا يجوز له القصر، ولا الجمع بحجة السفر، بدليل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أقام مُدداً مختلفة يقصر فيها، فأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة، أخرجه الإمام أحمد وأبو داود.
مسألة: إذا نسي صلاة الحضر، فذكرها في السفر، فعليه أنْ يُصليها صلاة حضر تامة من غير قصر إجماعًا؛ لأن الصلاة تعيَّن عليه فعلها أربعًا، فلم يجز له النقصان من عددها؛ ولأنه إنما يَقضي ما فاته وقد فاته أربعٌ.
وأما إنْ نَسي صلاة السفر فذكرها في الحضر، فقال مالك والثوري وأصحاب الرأي: يصليها صلاة سفر؛ لأنه إنما يقضي ما فاته، ولم يفته إلا ركعتان. وقال أحمد: عليه الإتمام احتياطًا، وبه قال الأوزاعي وداود، والشافعي في أحد قوليه.
وإنْ نسيها في سفر وذكرها فيه، أو ذكرها في سفرٍ آخر قضاها مقصورة؛ لأنها وجبت في السفر، وفعلت فيه.
والله عز وجل أعلم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #128  
قديم 08-11-2025, 08:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 132 )

باب: قـصـر الصـــلاة بمـــنى

الفرقان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
440- عن ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ، وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ، أَو قال: سِتَّ سِنِينَ .
قال حَفْصٌ (يعني ابن عاصم): وكان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَين، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ ، فقلْتُ: أَيْ عَمِّ ، لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ، قال: لَوْ فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ.
الشرح :
قال المنذري: باب: قصر الصلاة بمنى.
والحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين ( 1/483 ) وبوب عليه النووي بمثل تبويب المصنف.
قوله: «صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمِنًى، قال النووي: قوله «بمنى» أو غيره هكذا في الأصول وغيره، وهو صحيح؛ لأنّ منى تذكر وتؤنث، بحسب القصد، إنْ قصد الموضع فمذكر، أو البقعة فمؤنثة، وإذا ذُكر صرف وكتب بالألف، وإذا أنث لم يصرف وكتب بالياء، والمختار تذكيره وتنوينه، وسُمي منى: لما يمنى به من الدماء، أي : يُراق.
قوله: «صَلَاةَ الْمُسَافِر»، أي: ركعتين، وهذا منه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع .
قوله: «وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمَانُ ثَمَانِيَ سِنِينَ، أَو قال: سِتَّ سِنِين»، أي: جروا على هذه السنة النبوية، ثمانيَ سنينَ، أَو قال : ستَّ سنينَ، ثم أتم عثمان -رضي الله عنه- الصلاة بمنى بعد ذلك.
وقد روى البخاري (1084) في تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى: عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى بنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بمنى أربع ركعات ، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فاسترجع، ثم قال: «صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليتُ مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- بمنى ركعتين، وصليتُ مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بمنى ركعتين، فليتَ حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان». متفق عليه .
وقد اختلف العلماء في المقيم بمنى: هل يقصر أو يتم؟ فقيل: يقصر الصلاة، بدليل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس من أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة قصراً، ولم يأمر أهل مكة بالإتمام، ولو كان واجباً عليهم لبينه لهم .
القول الثاني: يتمّ أهل مكة بمنى، وذلك أنّ المكي غير مسافر، فحكمه حكم المقيم، فيتم الصلاة ولا يقصر، وإنما يقصر من كان سفره سفراً تُقصر في مثله الصلاة. وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، واختاره بعضهم احتياطاً.
أما إنَّ عثمان صلى بعد أربعاً، فقد تأول العلماء إتمام عثمان -رضي الله عنه- للصلا تأويلات عدة، ذكرها الحافظ في الفتح وغيره، ورد بعضها لبعده أو لكونه مخالفا لما هو أصح منه، ومن تلك التأويلات: إنَّ سبب إتمام عثمان -رضي الله عنه- بمنى: أنه تأهَّل بمكة، أي: تزوج بها ، فلم يكن مسافراً ، فصلى صلاة المقيم، فدل على أن أهل مكة يتمون بمنى ولا يقصرون.
وقيل: إنه لم يكن يرى أنّ القصر واجبا.
وقيل: إن عثمان كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصا سائراً، وأما من أقام في مكان أثناء السفر، فله حكم المقيم فيتم.
ومنها: أن عثمان كان يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر على أمته، وأخذ عثمان بالشدة. وهذا التأويل صححه ابن بطال كما يقول الحافظ، ورجّحه جماعة منهم القرطبي.
ومنها: أن عثمان صلى بمنى أربعا؛ لأن الأعراب كثروا في ذلك العام؛ فأحبّ أنْ يعلمهم أن الصلاة أربع. قال الحافظ: روى البيهقي من طريق عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه: عن عثمان أنه أتم بمنى ثم خطب فقال: إنّ القَصر سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ولكنه حَدَث طغام - يعني: جهال لا علم لهم، بفتح الطاء والمعجمة - فخفت أنْ يستنوا، وعن ابن جريج : أنّ أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين، ما زلتُ أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين. وهذه طرق يقوي بعضها بعضا. انتهى
وبناء على ما تقدم، فإنّ إتمام عثمان للصلاة له ما يسوغه، وإنْ كان الحديث المشار إليه في المسند ضعيف.
وحديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال الحافظ: «قوله باب الصلاة بمنى أي في أيام الرمي، ولم يذكر المصنف حكم المسألة لقوة الخلاف فيها، وخص منى بالذكر؛ لأنها المحل الذي وقع فيها ذلك قديما . واختلف السلف في المقيم بمنى هل يقصر أو يتم ، بناء على أنَّ القصر بها للسفر أو للنسك ؟
وقوله: «ثم أتمها»، وفي رواية عند مسلم: «ثم إنّ عثمان صلى أربعا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا، وإذا صلى وحده صلى ركعتين».
وقوله: «فاسترجع»، أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال الحافظ: «إنما استرجع ابن مسعود، لما وقع عنده من مخالفة الأولى. ويؤيده ما روى أبو داود». أن ابن مسعود صلى أربعا، فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعا. فقال: الخلاف شر» فتح الباري (2/ 564) .
قوله: قال حَفْصٌ يعني ابن عاصم ، هو ابن عمر بن الخطاب العمري، تابعي ثقة ، روى له الستة .
قوله: «وكان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنًى رَكْعَتَين، ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ، فقلْتُ: أَيْ عَمِّ، لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، قال: لَو فَعَلْتُ لَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ، قال النووي: «قوله لو كنت مسبحا أتممت صلاتي المسبح هنا المتنفل بالصلاة، والسُبحة هنا صلاة النفل، وقوله: «لو كنت مسبحا لأتممت» معناه: لو اخترت التنفل، لكان إتمام فريضتي أربعا، أحب إليَّ، ولكني لا أرى واحدا منهما، بل السُنة القصر ، وترك التنفل».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #129  
قديم 17-11-2025, 05:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 133 ) باب: الجمع بين الصلاتين في السفر


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.
441.عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ، يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
الشرح: قال المنذري: باب: الجمع بين الصلاتين في السفر. والحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/489) وبوب عليه النووي: باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر. والحديث رواه البخاري في تقصير الصلاة ( 1111، 1112).
وورد عندهما بلفظ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أنْ تزيغ الشمس، أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، وإذا زاغت قبل أنْ يرتحل صلى الظهر ثم ركب». متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: «إذا أراد أنْ يجمع بين الصلاتين في السفر، أخّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما».
قوله: «إِذَا عَجِلَ عليْهِ السَّفَرُ» هو بمعنى: عجل به السفر.
وفي حديث ابن عمر: «كان إذا جدَّ به السير، جَمَع بين المغرب والعشاء».
قوله: «يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ وهذا جمع تأخير للصلاة».
وفي رواية لمسلم (4 / 1784) عن معاذ رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، فصلى الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، حتى إذا كان يوما أخّر الصلاة ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعا.
وقد رواه الترمذي (553) عنه رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك، إذا ارتحلَ قبل زيغ الشمس، أخّر الظهر إلى أنْ يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، عجل العصر إلى الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب، أخّر المغربَ حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب، عجّل العشاء فصلاها مع المغرب.
قال الترمذي: وفي الباب عن علي وابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو وعائشة وابن عباس وأسامة بن زيد وجابر بن عبد الله.
وبهذا الحديث يقول الشافعي، وأحمد وإسحق، يقولان: لا بأس أنْ يجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما.
وقوله: «قبل زيغ الشمس» أي قبل الزوال فإن زيغ الشمس هو ميلها عن وسط السماء إلى جانب المغرب. «عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعا» فيه دلالة على جواز جمع التقديم في السفر، وهو نص صريح فيه لا يحتمل تأويلا.
وقال في بلوغ المرام بعد أن ذكر حديث أنس هذا: وفي رواية الحاكم في الأربعين بإسناد الصحيح: «صلى الظهر والعصر ثم ركب». ولأبي نعيم في مستخرج مسلم: «كان إذا كان في سفرٍ فزالت الشمس، صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل». انتهى.
وأما حديث عائشة رضي الله عنها الذي أشار له الترمذي: فأخرجه الطحاوي وأحمد والحاكم عنها، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر يؤخر الظهر ويقدم العصر، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء».
وأما حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه الذي أشار له الترمذي: فأخرجه مسلم في حديثه الطويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: «ثم أذّن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا».
وأما حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما الذي أشار له الترمذي، فقال: كان رسول الله يجمع بين الصلاتين في السفر، المغرب والعشاء، والظهر والعصر. المسند ( 3 / 367 ).
وقول الترمذي: «وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد وإسحق» قال الحافظ في الفتح: قال بإطلاق جواز الجمع، كثيرٌ من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء: الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأشهب انتهى.
يعني قالوا بجواز الجمع في السفر مطلقا، سواء كان سائراً أم لا، وسواء كان سيرا مُجدّا أم لا.
قال الحافظ: وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقاً إلا بعرفة ومزدلفة! وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه. انتهى.
وقيل: يختص الجمع بمن يجد في السير. قاله الليث وهو القول المشهورعن مالك. وقيل: يختص بالمسافر دون النازل. وهو قول ابن حبيب.
وقيل: يختص بمن له عذر. حكي عن الأوزاعي. ..انتهى.
والصحيح: أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في السفر، بجمعي التقديم والتأخير، إذا دَعت الحاجة إليه، وأما دون عذر فلا يجمع، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم المنقول عنه في الأحاديث.
وقد استدل العلماء على جواز جمع التقديم بحديث معاذ المذكور في الباب وبحديث أنس وبحديث عائشة وبحديث جابر السابقة، واستدلوا على جواز جمع التأخير بحديث أنس الذي تقدم لفظه، وبحديث ابن عمر الآتي.
وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بأنها محمولة على الجمع الصوري ؟!، وهذا القول مردود بأن الأحاديث الواردة في الجمع: بعضها نصوص صريحة في جمع التقديم، وفي جمع التأخير، لا تحتمل تأويلا.
قال العلامة بالحديث والفقيه الحنفي محمد عبد الحي الأنصاري اللَّكنَويّ الهندي في «التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد»: حمل أصحابنا - يعني الحنفية - الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوري. وقد بسط الطحاوي الكلام فيه في شرح معاني الآثار، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحة بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت؟ وهي مروية في صحيح البخاري وسنن أبي داود وصحيح مسلم، وغيرها من الكتب المعتمدة ما لا يخفى على من نظر فيها، فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التميز لهم، فظنوا قرب خروج الوقت، فهذا أمر بعيد عن الصحابة الناهين على ذلك، وإنْ اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد، فهو أبعد وأبعد، مع إخراج الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها، وإنْ عورض بالأحاديث التي صرّحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت، والتقديم في أول الوقت، فهو أعجب، فإن الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال ممكن، بل هو الظاهر، انتهى كلامه.
وقال إمام الحرمين: «ثبت في الجمع أحاديث نصوص لا يتطرق إليها تأويل، ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة، فإن سببه احتياج الحاج إليه، لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار، ولم تتقيد الرخص، كالقصر والفطر بالنسك» إلى أن قال: «ولا يخفى على منصف، أنّ الجمعَ أرفقُ من القصر، فإن القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه، ورفق الجمع واضح لمشقة النزول على المسافر انتهى. نقله الحافظ في الفتح.
وقال الحافظ ابن عبد البر: ولا معنى للجمع الذي ذهب إليه أبو حنيفة، ومن قال بقوله؛ لأن ذلك جائز في الحضر بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في طرفي وقت الصلاة: «ما بين هذين وقت «فأجاز الصلاة في آخر الوقت، ولو لم يَجز في السفر من سعة الوقت إلا ما جاز في الحضر بطل معنى السفر ومعنى الرخصة والتوسعة لأجله. الاستذكار (6 / 20).
وقال ابن قدامة: «الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه، لكان أشد ضيقا وأعظم حرجا، من الإتيان بكل صلاة في وقتها ؛ لأن الإتيان بكل صلاة في وقتها، أوسع من مراعاة طرفي الوقتين، بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها، ومَن تدبّر هذا، وجده كما وصفنا، ولو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب والعشاء والصبح، ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك. المغني ( 3 / 129).
وقال ابن حجر: الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع، ومما يَرُدّ الحمل على الجمع الصوري: جمع التقديم. فتح الباري (2 / 676) باختصار.
ومن الدليل على أن الجمع بنوعيه رخصة، قول ابن عباس رضي الله عنهما: أراد أنْ لا يحرج أمته. أخرجه مسلم.
وأُجيب عن القول بأن الجمع يختص بمن جـدّ به السير، بما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه السابق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك.
قال ابن قدامة: وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الردّ على من قال: لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جدّ به السير، لأنه كان يجمع وهو نازل غير سائر، ماكث في خبائه، يخرج فيصلي الصلاتين جميعا ثم ينصرف إلى خبائه. المغني ( 3 / 131 ).
وكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ظاهر حديث معاذ أنه كان نازلا في خيمة في السفر، وأنه أخّر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل إلى بيته ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا، فإنّ الدخول والخروج إنما يكون في المنـزل، وأما السائر فلا يقال: دخل وخرج، بل نزل وركب». مجموع الفتاوى ( 24 / 64 ).
قال العراقي: وحكَى أَبو العبَّاس الْقرطبيُّ عدَمَ اشْتراط الجـدِّ في السَّفر عن جمهورِ السَّلَفِ، وعلَماء الْحجاز وفقهاء المُحدِّثين وأَهل الظَّاهر. طرح التثريب ( 3 / 752 ).
- متى يجوز الجمـع للمسافر؟.
يجوز للمسافر الترخّص بالجمع، تقديما أو تأخيراً، متى تأهّب للسفر، ولو لم يخرج من حَضَرِه، كما تقدم في الحديث.
- هل يُشترط للجمع نِـيّـة، عند افتتاح الأولى؟.
الصحيح: أنه لا يُشترط للجمع نِيّـة عند افتتاح الأولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلي جمعا بأصحابه، ولم يُنقل عنه أنه أمرهم أو أرشدهم إلى ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «اختلفوا في الجمع والقصر: هل يشترط له نية؟ فالجمهور لا يشترطون النية، كمالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وهو مقتضى نصوصه، والثاني تشترط كقول الشافعي وكثير من أصحاب أحمد كالخرقى وغيره، والأول أظهر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه. مجموع الفتاوى (24 / 16).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #130  
قديم 17-11-2025, 05:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,653
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري

شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 135 ) باب: الصلاةُ في الرِّحال في المَطر


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء.

443.عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ، فقال في آخِرِ نِدَائِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ».
الشرح: قال المنذري: باب: الصلاةُ في الرحال في المطر.
والحديث أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (1/484) وبوب عليه النووي: باب الصلاة في الرحال في المطر.
وقد رواه البخاري في الأذان (666) باب: الرخصة في المطر والعلة أن يُصلى في رحله.
قال الأزهري وغيره: الرِّحال: المنازل، سواء كانت من مَدَر أم شعر ووبر أم غير ذلك، والوحَل، بفتح الحاء على اللغة المشهورة. قال الجوهري: ويقال بإسكانها في لغة رديئة.
قوله «أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ» نادى بالصلاة، أي: أذّن لها.
قوله: «فقال في آخِرِ نِدَائِهِ» وفي رواية البخاري: «ثم يقول على أثره» وهو صريح أن قوله «أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» كان بعد فراغ الأذان، قاله الحافظ (الفتح 2/113).
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون المراد في آخره، قبيل الفراغ منه، جمعاً بينه وبين حديث ابن عباس. انتهى
وقد اتفق الفقهاء -رحمهم الله- على مشروعية قول المؤذن عند المطر أو الريح أو البَرد: ألا صلُوا في رحالكم، أو: الصلاة في الرِّحال، حكاه النووي وابن عبد البر في التمهيد (3 /56-57).
واستدلوا على ذلك بحديث الباب، وبأدلة أخرى منها:
1- ومنها حديث أسامة الهذلي رضي الله عنه : أن يوم حنين كان يوم مطر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه: أن الصلاة في الرحال. رواه أحمد برقم (20976) وأبو داود برقم (1057) وصححه الألباني.
2- ومنها: ما جاء عنه أيضاً أنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا، فنَادى مُنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «صَلُوا في رِحالكم». رواه ابن ماجة برقم (936)، وصححه الألباني.
- أين موضعها من الأذان:
اختلف الفقهاء -رحمهم الله- في موضعها، بعد اتفاقهم على مشروعيتها: هل تقال أثناء الأذان، أم بعد الفراغ منه؟ على أربعة أقوال:
القول الأول: أنها تقال أثناء الأذان بدلاً من الحَيعلة، وهو وجه للشافعية، وظاهر مذهب الحنابلة.
ودليله: حديث عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: «خطبنا ابن عباس في يوم ردغ، فلما بلغ المؤذن «حيَّ على الصلاة» فأمره أنْ ينادي: «الصلاة في الرِّحال»، فنظر القوم بعضُهم إلى بعض، فقال: فعل هذا من هو خير منه، وإنها عَزمة». رواه البخاري برقم (616).
والردغ: طين ووحل كثير. وعزمة: أي حقٌ وواجب. النهاية
القول الثاني: أنها تقال في أثناء الأذان، ولكن بعد الحيعلة، فيجمع بينها وبين الحيعلة، وهو وجه للشافعية. المجموع (3 /136).
ودليله: حديث نعيم بن النحام رضي الله عنه قال: سمعت مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة باردة وأنا في لحاف، فتمنيت أنْ يقول: صلوا في رحالكم، فلما بلغ حي على الفلاح، قال: صلوا في رحالكم، ثم سألت عنها فإذا النبي صلى الله عليه وسلم كان أمر بذلك. رواه عبد الرزاق في مصنفه برقم (1926) وأحمد في مسنده برقم (17933)، وهو حسن بطرقه.
القول الثالث: أنها تقال بعد الفراغ من الأذان، وهو مذهب الحنفية والمالكية، ووجه للشافعية.
ودليله: ما روى البخاري ومسلم: عن نافع قال: أذَّن- ابن عمر رضي الله عنهما- في ليلةٍ باردة بضَجْنان، ثم قال: «صلوا في رحالكم»، فأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مُؤذناً يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال، في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر. رواه البخاري (632) ومسلم (697).
وضَجْنان: جبل بناحية مكة.
القول الرابع: أنَّ الأمر في هذا واسع، وهو الراجح والله أعلم، سواءً قالها في أثناء الأذان، أم بعد الفراغ منه فكله جائز، والأولى بعد الفراغ منه، وهو رأي لبعض الحنفية، ومذهب الشافعية. الأم (1 /88).
ودليل هذا القول: هو جمع ما تقدم من الأحاديث، ولكن قولها بعد الأذان أفضل ليبقى نظم الأذان على وضعه. شرح مسلم للنووي (2 /207) وغيره.
- الأصل وجوب الجماعة:
والحديث دليل على وجوب الجماعة على الرجل القادر، ولو في السفر، إذا لم يكن له عذرٌ يمنعه منها، وهو من الأدلة الكثيرة في هذا الباب.
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ سَمِع النِّداء فلم يأتِ، فلا صلاةَ له إلا منْ عُذر». رواه ابن ماجة وغيره، وصححه الشيخ الألباني.
وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رجلاً أعمى قال: يا رسول الله، ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «هل تسمع النداء للصلاة؟» قال: نعم، قال: «فأجب».
وفي صحيح مسلم أيضا: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «مَنْ سرّه أنْ يلقى اللهَ غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإنَّ الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سُنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يُصلي هذا المتخلّف في بيته، لتَركتم سُنة نبيكم، ولو تركتم سُنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتُنا وما يتخلّف عنها إلا منافقٌ أو مريض، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين، حتى يُقام في الصف». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
فعلى المسلم المبادرة بالحضور إلى صلاة الجماعة في جميع الصلوات المفروضة في المسجد، فمن سمع النداء لا يسعه التخلف عنه إلا لعذر، كما قال صلى الله عليه وسلم .
قال النووي: «قال أصحابنا: تسقط الجماعة بالأعذار، سواء قلنا: إنها سُنة أم فرض كفاية، أم فرض عين؛ لأنا، وإنْ قلنا: إنها سُنة فهي سنة متأكدة، ويكره تركها كما سبق بيانه، فإذا تركها لعذر زالت الكراهة، وليس معناه أنه إذا ترك الجماعة لعذر تحصل له فضيلتها، بل لا تحصل له فضيلتها بلا شك، وإنما معناه سقط الإثم والكراهة.
قال: واتفق أصحابنا على أنَّ المطر وحده عذر، سواء كان ليلا أم نهارا.
وفي الوحل وجهان: الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور: أنه عذرٌ وحده، سواء كان بالليل أم النهار. والثاني: ليس بعذر، حكاه جماعة من الخراسانيين.
قال (فرع): البردُ الشديد عذرٌ في الليل والنهار، وشدة الحر عذرٌ في الظهر، والثلج عذر إنْ بلّ الثوب، والريح الباردة عذرٌ في الليل دون النهار.
قال الرافعي: ويقول بعض الأصحاب: الريح الباردة في الليلة المظلمة.
قال: وليس ذلك على سبيل اشتراط الظلمة». انتهى من المجموع (3 /136).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 11 ( الأعضاء 0 والزوار 11)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 197.66 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 191.81 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (2.96%)]