|
ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#1
|
||||
|
||||
![]() الجمع بين حديث "من مس ذكره فليتوضأ"، وحديث "إنما هو بضعة منك": دراسة حديثية فقهية عبد السلام عبده المعبأ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن من المسائل الفقهية التي وقع فيها الخلاف بين أهل العلم: مسألة نقض الوضوء بمسِّ الذكر، وقد ورد فيها حديثان ظاهر أحدهما يدل على نقض الوضوء بمسِّ الذَّكَر، وهو حديث: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فليتوضَّأ"، والثاني يدل على عدم نقضه، وهو حديث: "إنما هو بضعة منك". ولأهمية الجمع بين النصوص الشرعية، وعدم ضرب بعضها ببعض، جاءت هذه الدراسة لبحث مسألة الجمع بين الحديثَينِ على منهج أهل الحديث والفقه، وجمعًا بين دلالة النصوص، واستظهارًا لأقوال العلماء في ذلك. الحديث الأول: قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: (27293) - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أَبِي قَالَ: ذَاكَرَنِي مَرْوَانُ مَسَّ الذَّكَرِ؟ فَقُلْتُ: لَيْسَ فِيهِ وُضُوءٌ، فَقَالَ: إِنَّ بُسْرَةَ بِنْتَ صَفْوَانَ تُحَدِّثُ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا رَسُولًا، فَذَكَرَ الرَّسُولُ أَنَّهَا تُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ[1]". أولًا: (صحابي الحديث): بُسْرة بنت صفوان بن نوفل: قرشية أسدية، بنت أخي ورقة بن نوفل، وأخت عقبة بن مُعيط لأُمِّه، لها سابقة قديمة وهجرة، وكانت من المبايعات[2]. ثانيًا: (تخريج الحديثين): الحديث أخرجه أحمد في المسند رقم (27293)، بهذا اللفظ، وأبو داود في سننه رقم (181)، عن عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن عبدالله بن أبي بكر، عن عروة بنفس اللفظ، والترمذي في سننه رقم (82)، عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام بن عروة، بلفظ: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فلا يصلِّ حتى يتوضأ"، ومالك في الموطأ معلقًا بلفظ: "من مسَّ ذَكَرَه، فقد وجب عليه الوضوء"، وابن حبان في صحيحه رقم (1115)، عن الفضل بن الحباب الجمحي، عن مسلم بن إبراهيم، عن علي بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه بلفظ: "مَنْ مَسَّ فَرْجَه فليُعِد الوضوء"، وغيرهم. وجميع من ذكر أخرجوه عن الصحابية بُسْرة بنت صفوان، رضي الله عنها. ثالثًا: (دراسة هذه الأسانيد): جميع رجال الأسانيد السابقة ثقات رجال الشيخين، غير مروان بن الحكم، فمن رجال البخاري فقط، وغير الصحابية بسرة، فقد روى لها أصحاب السنن. وهذا الحديث وإن اختُلِف في إسناده اختلافًا كثيرًا كما هو واضح في سياقات الأسانيد السابقة، إلا أن إسناده محفوظ، وقد نَبَّه على ذلك الحافظ في "أطراف المسند" 2/ 410، وقد صحَّحَه الإمام أحمد، والترمذي، وابن معين، والدارقطني. تنبيه: الحديث له شواهد وطرق وتخريج غير ما ذكر هنا، ولكنني اكتفيت في ذكر هذه الطرق اختصارًا. رابعًا: (الحكم على سند الحديث): سند الحديث رجالُه كُلُّهم ثقات؛ فهو إذًا إسناد صحيح. خامسًا: (فوائد الحديث): 1- ورد الحديث بلفظ: "ومِنْ مَسِّ الذَّكَر"؛ يعني: ومما يحصل به نقض الوضوء مَسُّ الذَّكَر، وفي رواية: "فرجه"، وفي رواية الترمذي: "فلا يصَلِّ حتى يتوضأ"، وهذه الرواية نَصٌّ في أنَّ مَسَّ الذَّكَر ناقضٌ للوضوء؛ سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وسواء قصد مسَّه أو لم يقصد، لكن بشرط أن يحصل المَسُّ مباشرةً؛ أي: من غير حائل بينهما، أما إذا كان من وراء حائل فلا يؤثر مَسُّه؛ لعدم وجود حقيقة المسِّ؛ لأن المَسَّ هو مباشرة العضو العضو؛ يدل لذلك ما رواه النسائي وغيره: "إذا أفْضَى أحدكم بيده إلى فَرْجِه وليس بينها سِتْر ولا حائل فليتوضَّأ". 2- وفيه أن مَسَّ الذَّكر ينقض الوضوء؛ سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، وسواء حصل المَسُّ بقصد أو بغير قصد. 3- وفيه حرص عروة ومروان على تحصيل العلم. تنبيه: مسألة الجمع بين هذا الحديث والحديث الثاني المذكور في عنوان هذا البحث سيأتي في نهاية ذكر الحديث الثاني. الحديث الثاني: قال الإمام النسائي– رحمه الله تعالى-: 165 -أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ، عَنْ مُلَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: "وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْكَ أَوْ بِضْعَةٌ مِنْكَ[3]". أولًا: (صحابي الحديث): هو طلق بن علي: بن طلق بن عمرو، ويُقال: ابن علي بن المنذر بن قيس بن عمرو، ويُقال: هو طلق بن قيس بن عَمرو بن عَبدالله بن عَمرو بن عبدالعزى بن سحيم الحنفي السحيمي، يُكنى أَبا علي. مشهور وله صُحبَةٌ ووفادة ورواية. ويُقال: هو طلق بن ثمامة حكاه ابن السَّكَن. روى عنه ابنه قيس وابنته خلدة وعبدالله بن بدر وعبدالرحمن بن علي بن سنان[4]. ثانيًا: (تخريج الحديث): الحديث أخرجه الترمذي في السنن رقم (85)، عن هناد، عن ملازم بن عمرو، عن عبدالله بن بدر، بلفظ: "وهل هو إلا مضغة منه؟ أو بضعة منه؟"، والنسائي في السنن رقم (165)، عن هناد، عن ملازم عن عبدالله بن بدر، عن قيس بن طلق، بنفس اللفظ، وأبي داود في السنن رقم (182) عن مسدد، عن ملازم بن عمرو الحنفي، عن عبدالله بن بدر، عن قيس بن طلق، وابن ماجه في السنن رقم (483) عن علي بن محمد، عن وكيع، عن محمد بن جابر، بلفظ: "سئل عن مَسِّ الذَّكَر، فقال: "ليس فيه وضوء، إنما هو منك" وأحمد في المسند رقم (16286)، عن حماد بن خالد، عن أيوب بن عتبة، بلفظ: "إنما هو بضعة منك أو جسدك"، وغيرهم. وجميع هذه الطُّرُق رووه عن طلق بن علي، رضي الله عنه. ثالثًا: (دراسة هذه الأسانيد): جميع رجال هذه الأسانيد ثقات، عدا قيس بن طلق، ففيه خلاف، ولكن الصحيح أنه ثقة، كما ذكره ابن حجر[5]، وغيره. دعوى تعارض أحاديث الوضوء مِنْ مَسِّ الذَّكَر: مضمون التعارض: يَدَّعي بعض المتوهمين أن أحاديث الوضوء من مَسِّ الذَّكَر متعارضة في كون المسِّ ناقضًا للوضوء أو غير ناقض. ويستدلون على هذا بحديث قيس بن طلق عن أبيه أنه قال: "سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيتوضَّأ أحدنا إذا مَسَّ ذَكَرَه؟ قال: "إنما هو بضعة منك أو جسدك"، بينما روي عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مَسَّ أحَدُكم ذَكَرَه فليتوضَّأ". ويتساءلون: أليس هذا دليلًا على تناقُض السُّنَّة وتعارضها؟ والجواب على ذلك الآتي: تبين لنا مما سبق ذكره أن الأحاديث الواردة بشأن الوضوء من مَسِّ الذَّكَر صحيحة، ولا تعارض بينها، وللعلماء في دفع هذا التعارض المتوهم قولان: القول الأول: أن حديث طلق بن قيس: "إنما هو بضعة منك" منسوخ بحديث بسرة بنت صفوان: "إذا مَسَّ أحدُكم ذَكَرَه فليتوضَّأ"؛ لأنه متأخر عنه، بسرة أسلمت عام الفتح، وطلق بن علي قدم على النبي- عليه الصلاة والسلام- وهو يبني المسجد، يعني في أول الهجرة، فحديث بسرة ناسخ. وعلى هذا القول فيكون مَسُّ الذَّكَر بدون حائل ينقض الوضوء، وهو مذهب الجمهور: المالكية[6]، والشافعية[7]، والحنابلة[8]، وبه قالت طائفةٌ من السَّلف[9]، واستظهَره الشوكانيُّ[10]، واختاره ابنُ باز[11]. والقول الثاني: وهو الجمع بين الحديثين، على أن الوضوء واجب إذا كان اللمس بشهوة وإلَّا فلا، أو أن الأمر بالوضوء على الاستحباب لا الوجوب. وعلى هذا القول فيكون مسُّ الذَّكَرِ- بدونِ حائلٍ- لا ينقُضُ الوضوءَ مُطلقًا، وهو مذهَبُ الحنفيَّة[12]، وقولُ بعض المالكيَّة[13]، وروايةٌ عند الحنابلة[14]، وبه قالت طائفةٌ من السَّلَف[15]، واختاره ابن المُنذِر[16]، وابن تيميَّة[17]، وابنُ عثيمين[18]. [1] مسند الإمام أحمد (45/ 265). [2] "الإصابة" 4/ 245-246. [3] سنن النسائي (1/ 101). [4] الإصابة في تمييز الصحابة، ط هجر (852) (5/ 433). [5] انظر حاشية المسند للشيخ/ شعيب الأرناؤوط (26/ 214). [6] المشهورُ عندهم اشتراطُ أن يمسَّه بباطِنِ كفِّه، أو بباطنِ أصابعِه؛ ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/ 140)، ((حاشية الدسوقي)) (1/ 121)، وينظر: ((المدونة الكبرى)) لسحنون (1/ 118)، ((الذخيرة)) للقرافي (1/ 221). [7] وقد تعقَّب ابنُ حزمٍ هذا الاشتراطَ، فقال: "أمَّا قول الأوزاعيِّ والشافعيِّ ومالكٍ في مراعاةِ باطِنِ الكفِّ دون ظاهِرِها، فقولٌ لا دليلَ عليه، لا من قرآنٍ، ولا من سُنَّة، ولا من إجماعٍ، ولا من قولِ صاحبٍ، ولا من قياسٍ، ولا مِن رأيٍ صحيحٍ، وشغَّب بعضُهم بأن قال: في بعضِ الآثار "من أفضى بيَدِه إلى فرْجِه فليتوضَّأ"، قال أبو محمَّد: وهذا لا يصحُّ أصلًا، ولو صحَّ لَما كان فيه دليلٌ على ما يقولون؛ لأنَّ الإفضاءَ باليَدِ يكون بظاهِرِ اليدِ كما يكون بباطِنِها، وحتى لو كان الإفضاءُ بباطِنِ اليد، لَمَا كان في ذلك ما يُسقِطُ الوضوءَ عن غيرِ الإفضاءِ؛ إذا جاء أثرٌ بزيادةٍ على لفظ الإفضاءِ، فكيف والإفضاءُ يكونُ بجميعِ الجسَد؟! قال الله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]"؛ ((المحلى)) (1/ 222). شريطة مسِّه بباطِنِ الكفِّ؛ ((روضة الطالبين)) للنووي (1/ 75)، ((مغني المحتاج)) للشربيني (1/ 35). [8] سواءٌ مسَّه بظاهِرِ الكفِّ أو بباطِنِه؛ ((الإنصاف)) للمرداوي (1/ 151)، ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/ 126). [9] قال ابنُ قدامة: "وهو مذهبُ ابن عُمر، وسعيد بن المسيَّب، وعطاء، وأبان بن عثمان، وعُروة، وسليمان بن يسار، والزُّهْريِّ، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وهو المشهور عن مالكٍ، وقد رُوي أيضًا عن عمر بن الخطَّاب، وأبي هريرة، وابن سِيرين، وأبي العالية"؛ ((المغني)) (1/ 131-132). [10] قال الشَّوكانيُّ: "فالظَّاهر: ما ذهب إليه الأوَّلون؛ أي: إنَّ المسَّ ناقضٌ للوضوء"؛ ((نيل الأوطار)) (1/ 251). [11] قال ابن باز: "مسُّ الفرْج ينقُض الوضوءَ إذا كان مِن غيرِ حائلٍ؛ مسُّ اللَّحمِ اللَّحمَ، ولو بدونِ شَهوةٍ، هذا هو الصَّوابُ"؛ ((فتاوى نور على الدرب)) (5-206). [12] ((تبيين الحقائق)) للزيلعي (1/ 12)، وينظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (1/ 56). [13] ((حاشية الدسوقي)) (1/ 121)، وينظر: ((الذخيرة)) للقرافي (1/ 221). [14] ((الإنصاف)) للمرداوي (1/ 151). [15] قال ابن قدامة: "رُوي ذلك عن عليٍّ، وعمَّار، وابن مسعود، وحذيفة، وعمران بن حُصين، وأبي الدَّرداء، وبه قال ربيعةُ، والثوريُّ، وابن المُنذِر"؛ ((المغني)) (1/ 132). [16]قال ابن المُنذِر: "إذا لم يثبت حديثُ بُسرة، فالنَّظر يدلُّ على أنَّ الوضوءَ مِن مَسِّ الذَّكَر غيرُ واجب، ولو توضَّأ مَن مسَّ ذَكَره احتياطًا، كان ذلك حَسَنًا، وإنْ لم يفعَلْ فلا شيءَ عليه"؛ ((الإشراف)) لابن المُنذِر (1/ 104)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (1/ 132). [17] قال ابن تيميَّة: "الأظهَرُ... أنَّها لا تنقُض الوضوء، ولكن يُستحبُّ الوضوءُ منها؛ فمَن صلَّى ولم يتوضَّأ منها، صحَّت صلاته، ومَن توضَّأ منها، فهو أفضَلُ"؛ ((مجموع الفتاوى)) (21/ 222). [18] اختار ابنُ عثيمين استحبابَ الوضوءِ مِن مسِّ الذَّكَر احتياطًا، فقال: "الخلاصة: أنَّ الإنسانَ إذا مسَّ ذكَره استُحِبَّ له الوضوءُ مطلقًا، سواءٌ بشهوةٍ أم بغيرِ شَهوةٍ"؛ ((الشرح الممتع)) (1/ 284). وقال أيضًا: "مسُّ الذَّكَر ليس بناقضٍ للوضوء، وإنَّما يُستحبُّ الوضوءُ منه استحبابًا، وهو اختيارُ شيخِ الإسلام ابن تيميَّة، وهو أقرَبُ إلى الصَّواب، لا سيَّما إذا كان عن غير عمْدٍ، لكنَّ الوضوءَ أحوَطُ"؛ ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (11/ 203). ولابن عثيمين أيضًا قولٌ قديمٌ بنَقضِ الوضوءِ إنْ كان مسُّه بشهوةٍ؛ ((لقاء الباب المفتوح)) (اللقاء رقم: 1).
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
أدوات الموضوع | |
انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |