عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 25-02-2020, 04:16 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 33,264
الدولة : Egypt
افتراضي الاجتهاد في الكليات

الاجتهاد في الكليات


الشيخ وليد بن فهد الودعان







حكم الاجتهاد من حيث التشريع:
التشريع: مصدر شرَّع بالتشديد، وهو مأخوذ من الشريعة، والشريعة أصلها من شرع: وهو أصل يدل على شيء يفتح في امتداد يكون فيه، ومن ذلك الشريعة: وهي مورد الشاربة الماء، واشتق من ذلك الشرعة في الدين والشريعة، ومنه قوله تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48]، وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ ﴾ [الجاثية: 18]، ويقال: أشرعت طريقًا؛ أي: أنفذته وفتحته، والشرع: نهج الطريق الواضح، وهو اسمٌ للطريق النهج[1].
والشريعة: هي الطريق في الدين[2]، وعلى وجه الخصوص: هي الأحكام التي سنها الله لعباده ليكونوا مؤمنين عاملين على ما يسعدهم في الدنيا والآخرة[3].
والتشريع: هو سن الشريعة، وبيان الأحكام، وإنشاء القوانين[4].


والمراد بهذا المطلب: هل الاجتهاد أمر قد أتى به الشرع، وأقره شرعًا وطريقًا ينتهج لاستنباط الأحكام الشرعية، وللوصول إلى أحكام المسائل غير المنصوصة، أو أن الأمر بعكس ذلك، بل وقف الشرع أمامه ومنع من اتخاذه طريقًا ومسلكًا، وجعله خروجًا عن الشريعة؟، هذا ما سنفصله في هذا المطلب، علمًا أن الأصوليين قد بحثوا هذه المسألة في جانبين: جانب الاجتهاد في الأصول، وجانب الاجتهاد في الفروع، وسنعرض لحكم الاجتهاد في هذين الجانبين باسمين آخرين موافقين لتعبير الشَّاطبي، وهما: الاجتهاد في الكليات، والاجتهاد في الجزئيات، وفي المسألتين الآتيتين توضيح لمعناهما، وبيان لوجه الشبه بينهما وبين الأصول والفروع.

الاجتهاد في الكليات:
قبل أن نبين رأي الشَّاطبي في هذه المسألة المهمة، لا بد أن نوضح معنى الكليات؛ لِما له من تعلق وثيق بما نحن فيه، ولما أن كان الأصوليون يتعرضون لهذه المسألة باسم حكم الاجتهاد في مسائل الأصول، لزم أن نبين أيضًا معنى الأصول، وهل الكليات هي الأصول عند الشَّاطبي أو أن بينهما فرقًا، ثم ما الذي يحق أن يطلق عليه أنه من الكليات أو أنه من الأصول؟ هذا ما نريد إيضاحه قبل التعرض لحكم المسألة في رأي الشَّاطبي.


أما الكليات في اللغة: فهي جمع كلي، وأصلها من "كل"، وهذه الكلمة في أصل اللغة تدل على معانٍ:
الأول: يدل على خلاف الحدة.
والثاني: يدل على إطافة شيء بشيء.
والثالث: عضو من الأعضاء.
ومن الأول: قولهم: كلَّ السيف، يكل كلولًا وكلة: إذا أعيا، وأكل البعير: إذا أعياه وأتعبه.
ومن الثاني: الكُل - بالضم - وهو اسم لجميع الأجزاء، ومنه الإكليل - بالكسر -: وهو التاج، سمي بذلك لإحاطته بالرأس.
ومن الثالث: الكلكل: وهو الصدر[5].


والكليات مأخوذة من كُل - بالضم - فهي من المعنى الثاني، وكل: اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكَّر، نحو: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185]، والمعرَّف المجموع، نحو: ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ [مريم: 95]، وأجزاء المفرد المعرَّف، نحو: كل زيد حسَن[6].
وكل مِن صيغ العموم؛ لإفادتها الاستغراق، باتفاق من النحاة والأصوليين[7].


وينسب إلى كل: بـ: "كلي"، والأصل أن "كل" معرفة؛ ولذا فلا يضاف إليها الألف واللام؛ لعدم الفائدة من إضافتهما إليها؛ ولذا لم يأت عن العرب إلحاق: "أل" بها، قال الراغب: "ولم يرد في شيء من القرآن ولا في شيء من كلام الفصحاء الكل بالألف واللام، وإنما ذلك شيء يجري في كلام المتكلمين والفقهاء ومن نحا نحوهم"[8].
ومع هذا، فقد جوز بعض علماء اللغة دخول "أل" عليها[9].
والكلي عند المناطقة والمتكلمين هو: ما لا يمنع تعقل مدلوله من وقوع الشركة فيه.
وذلك كقولك: الإنسان، فهو قدر مشترك يشترك فيه زيد وعمرو وخالد وغيرهم[10].


أما الكليات عند الشَّاطبي، فلم يرد في كلام الشَّاطبي ما يبينها بوضوح ويحدد معناها بجلاء، إلا أنه يمكن أن يلاحظ من كلامه إطلاق الكليات على القواعد الثلاث، وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات، قال الشَّاطبي عن هذه القواعد: "لأنها كليات تقضي على كل جزئي؛ إذ ليس فوق هذه الكليات كلي تنتهي إليه، بل هي أصول الشريعة"[11].


بل هو يطلق على غيرها من الأصول والقواعد الأخرى جزئيات، فيقول بعد تقريره لما سبق: "وإذا كان كذلك، وكانت تلك الجزئيات، وهي أصول الشريعة، فما تحتها مستمدة من تلك الأصول الكلية شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات، فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات"[12].


وعلى هذا فهو يطلق على القواعد الثلاث مسمى الكليات دون غيرها، فكل ما سوى تلك الكليات يعتبر جزئيًّا كما يرى الشَّاطبي، وإنما أطلق عليها لفظة الكليات؛ لأن موضوعاتها كلية، ولأنها محكوم فيها على كل فرد من أفرادها[13].


ولكن يبدو أن الأمر غير مقتصر على ذلك؛ إذ يلاحظ أن الشَّاطبي يطلق هذه اللفظة على أمور أخرى غير تلك القواعد، فهو يسمي ما ثبت بالأدلة العقلية القطعية وما ثبت بالاستقراء كليًّا، فيقول عن كليات الشريعة: "إنها ترجع إما إلى أصول عقلية، وهي قطعية، وإما إلى الاستقراء الكلي من أدلة الشرع، وذلك قطعي أيضًا"[14]، ويقول: "فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية..." [15].
ويقول: "الكلي لا يثبت كليًّا إلا من استقراء الجزئيات كلها أو أكثرها"[16]، ويقول: "ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات"[17].


وعلى هذا فهو أيضًا يطلق مسمى الكليات على الأصول العقلية القطعية، وعلى ما ثبت بالاستقراء من الأدلة النقلية، ويدل على هذا أنه مثَّل على مخالفة الكلي بالخلاف في ربا الفضل، والمتعة، وإتيان النساء في أدبارهن؛ ولذا اعتبر الخلاف فيها غير معتبر[18]، كما أنه مثَّل على الكليين المتعارضين بما ثبت من وصف الدنيا بالذم والأمر بعدم الالتفات إليها، ومن وصفها بالمدح والدعوة إلى الالتفات إليها وأخذ ما فيها بيد القبول[19]، كما مثَّل عليه بمسألة التحسين والتقبيح، واعتبر كل مخالف فيها مخالفًا في أصل كلي[20].


وبتأمُّل ما سبق وباستقراء كلامه في المواضع الأخرى يتبين لي أنه يطلق الكليات بإطلاقين:
الإطلاق الأول: يطلقها على القواعد الثلاث الكبرى، ويعتبرها هي أصل الأصول، وهي الكليات التي لا كلي فوقها، ويمكن تسميتها بالكليات الحقيقية، باعتبار أنه لا كلي فوقها.
والإطلاق الثاني: يطلق الكليات على كل ما كان قطعيًّا، سواء كان أصلًا عقليًّا أو استقراء نقليًّا مفيدًا للقطع، وهذه الكليات يعتبرها الشَّاطبي جزئيات بالنظر إلى القواعد الثلاث الكبرى؛ ولذا يمكن تسمية هذه الكليات بالكليات الإضافية؛ لأنها كليات بالنسبة لما دونها، وهي جزئيات بالنسبة لما فوقها.


ويؤيد هذا التقسيم قول الشَّاطبي: "إذ لو جاز تعلق الظن بكليات الشريعة لجاز تعلقه بأصل الشريعة؛ لأنه الكلي الأول، وذلك غير جائز عادة، وأعني بالكليات هنا الضروريات[21]، والحاجيات[22]، والتحسينيات[23]"[24].
فقوله: "وأعني بالكليات هنا..." يفيد أن للكليات معنى آخر لم يرده هنا، ويؤيد هذا أيضًا قوله - بعد أن ذكر أن كليات الشريعة هي قواعدها الثلاث - السابق نقله: "وإذا كان كذلك، وكانت الجزئيات وهي أصول الشريعة فما تحتها مستمدة من تلك القواعد الكلية..." [25].
فهو هنا قد جعل أصول الشريعة وما تحتها مما قد سمى بعضه كليًّا في موضع آخر جزئيات بالنسبة للكليات الثلاث الكبرى.


وما سبق من هذا التقسيم للكلي موافق لِما يراه المناطقة من تقسيم الكلي إلى قسمين:
الأول: الكلي الحقيقي: وهو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، والثاني: الكلي الإضافي: وهو الأعم من الشيء[26].
أما الأصول: فهي جمع أصل، والأصل أساس الشيء، وقيل: أسفله، وقيل: منشَؤه الذي ينبت فيه[27]. وعرفه بعضهم لغة: بأنه ما يبتنى عليه غيره[28].
وأطلق الأصل اصطلاحًا على معانٍ، منها:
أولًا: الدليل، وهو الغالب في إطلاقه، ومثاله: قولهم: الأصل في وجوب الصلاة النص والإجماع.
ثانيًا: القاعدة، وقيدها بعضهم بالمستمرة، ومثاله: قولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان.
ثالثًا: الراجح، ومثاله: قولهم: الأصل براءة الذمة، يعني الراجح.
رابعًا: المقيس عليه، ومثاله: قولهم: الحنطة أصل يقاس عليه الأرز في تحريم الربا[29].


واختلف العلماء في المقصود بالمسائل الأصولية بناءً على اختلافهم في ضابط المسألة:
فقيل: ضابطها: المسائل التي تدرك بالعقل، فما أدرك بالعقل فهو من المسائل الأصولية؛ ولذا أطلق عليها بعضهم العقليات[30].
وقيل: إن ضابطها كونها مسائل علمية فلا يتعلق بها عمل[31].
وقيل: هي المسائل الخبرية الاعتقادية[32].
وقيل: كل مسألة قطعية فهي من الأصول[33].
وحدها الباقلاني: بكل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع، ويكون معتقد خلافها جاهلًا، سواء كانت عقلية أو سمعية[34].
وبعضهم ضبطها بأكثر من ضابط؛ ككونها قطعية وعقلية[35].


ولا يخفى أن هذه الضوابط لا تخلو من مناقشات واعتراضات، وليس المقام مقام بسط للمسألة، ولكن أحب أن أشير إلى رأي الشَّاطبي حيال ضابط المسألة، وذلك في نقاط:
أولًا: صرح الشَّاطبي بالتفريق بين الأصول والفروع، فهو في ذلك موافق للجمهور[36].
ثانيًا: يظهر أن الشَّاطبي لا يوافق من يقول بأن الضابط هو إدراك العقل دون غيره؛ لأن العقل - فيما يرى الشَّاطبي - لا يستقلُّ بنفسه في إدراك الأحكام الشرعية، بل هو تابع للأدلة النقلية؛ فالأدلة العقلية لا تستعمل في الأصول إلا مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة لها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك؛ ولذا فالأدلة العقلية خادمة للنقل، تابعة له، تنظر من ورائه، فلا يسرح العقل إلا مقيدًا بالشرع[37].


واستدل على ذلك بما يلي:
أولًا: أن الشارع قد حد للعقل حدًّا، فلو أجزنا أن يتقدم العقل على النقل، لم يكن لذلك الحد فائدة ولا معنى، ولا ريب أن هذا باطل، فما أدى إليه باطل أيضًا.
ثانيًا: أن مِن المقرر أن العقل لا يحسِّن ولا يقبِّح، ولو فرضناه متعديًا لِما حدَّه الشرع، لجاز أن يكون محسنًا ومقبحًا، وهذا باطل؛ إذ إثباته يعود على الأصل بالنقض.
وما ذكره الشَّاطبي هنا في محله، ولكن لو عبر بأن العقل لا يُثبت ثوابًا ولا عقابًا، لكان أسَدَّ.
ثالثًا: تقديم العقل يؤدي إلى إبطال الشريعة، وبطلان الشريعة باطل، فما أدى إليه فهو باطل، وبيان ذلك: أن الشريعة قد رسمت للمكلفين أعلامًا، وحدت لهم حدودًا في جميع تصرفاتهم، فلو جاز تعدي حد واحد، لكان ذلك شاملًا لجميع الحدود، فما ثبت لحد واحد ثبت لغيره؛ إذ لا خاصية للجواز في ذلك الحد دون غيره، وتعدي الحد الواحد إبطال له، وإذا ثبت ذلك الحكم لذلك الحد سرى على جميع الشريعة بالإبطال[38].


ومع هذا فقد عبر الشَّاطبي عن الأصول بالعقليات، كما في قوله مثلًا: "ولكنها غير قادحة في أصلنا المذكور؛ إذ لا يتصور فيه خلاف؛ لأن أصله عقلي"[39].
ولعل هذا صدر منه جريًا على اصطلاح القوم، ولعل الأولى أنه أراد الأدلة العقلية المأخوذة من النقل، أو المعتمدة على النقل؛ إذ النقل قد جاء بأصول الأدلة العقلية.


ثالثًا: أشار الشَّاطبي إلى التفريق بين الأصول والفروع بكون الأصول علمية والفروع عملية، ومن ذلك قوله: "فكان ذلك عندهم عامًّا في الأصول والفروع حسبما اقتضته الظواهر المتضافرة والأدلة القاطعة، فلما جاءتهم مواضع الاشتباه، وكلوا ما لم يتعلق به عمل إلى عالمه على مقتضى قوله: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ﴾ [آل عمران: 7]، ولم يكن لهم بد من النظر في متعلقات الأعمال.."، ثم أخذ في تقرير أن الصحابة نظروا في مشتبهات الأعمال الفروعية[40].
وقال أيضًا: "وأم الكتاب يعم ما هو من الأصول الاعتقادية أو العملية"[41].
وقال أيضًا: "أن تكون التكاليف الاعتقادية والعملية مما يسع الأميَّ تعقُّلُها"[42].
ولكن يعكر على ذلك قوله في موضع آخر: "ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع، وتارة يكون في كلٍّ وأصل من أصول الدين، كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية"[43].
وهذا يخالف ما سبق؛ إذ أدخل في الأصول ما هو من الفروع العملية.


رابعًا: أشار الشَّاطبي أيضًا إلى فرق آخر، وهو التفريق بدلالة القطع، وقد قرر الشَّاطبي هذا الفرق، مما يوحي بتقديمه على غيره من الفروق.
قال في المقدمة الأولى من الموافقات: "إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي.." [44]، وقال: "لو جاز تعلق الظن بأصل الشريعة، لجاز تعلق الشك بها، وهي لا شك فيها، ولجاز تغييرها وتبديلها، وذلك خلاف ما ضمِن اللهُ مِن حفظها"[45].
وقال في موضع آخر: "وأصول الشريعة قطعية... ولو جاز إثباتها بالظن لكانت الشريعة مظنونة أصلًا وفرعًا، وهذا باطل"[46].
واستدل الشَّاطبي على قطعية الأصول بأنها راجعة إلى كليات الشريعة، وهي قطعية، ورجوعها إلى كليات الشريعة مأخوذ من الاستقراء المفيد للقطع.


وأما كون كليات الشريعة قطعية فيدل عليه ما يلي:
أولًا: أنها إما أن ترجع إلى أصول عقلية وهي قطعية، أو إلى استقراء كلي من أدلة الشرع وهو كلي، أو مما يتألف منهما وما يتألف من القطعي قطعي أيضًا.
ثانيًا: أنها لا يمكن أن تكون ظنية؛ لأنها راجعة إلى أمر عقلي، ولا يقبل الظن في العقليات، أو إلى استقراء كلي، والظن لا يتعلق بالكليات، ولو جاز تعلقه بالكليات لتعلق بأصل الشريعة، ولو جاز تعلقه بأصل الشريعة لجاز تعلق الشك بها ولجاز تغييرها وتبديلها، وهذا منافٍ لحفظ الله لها.
ثالثًا: لو تعلق الظن بأصول الفقه لتعلق بأصول الدين، ولا يصح ذلك باتفاق، فكذلك لا يصح في أصول الفقه؛ لأن نسبة أصول الفقه إلى الشريعة كنسبة أصول الدين إليها[47].


ومما يؤكد اعتماده القطعية قوله السابق: "وتارة يكون في كلٍّ وأصل من أصول الدين، كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية"[48]؛ ذلك أن من الفروع ما هو قطعي؛ كوجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحو ذلك، فيكون هذا مما يندرج في الأصول[49].


وليس من غرضنا هنا تفصيل القول في المسألة؛ إذ هذا ليس محلًّا لها، ولكن أشرنا هنا إلى رأي الشَّاطبي في المسألة، وغرضنا من ذلك التنبيه إلى أننا سنسير في هذه الرسالة على ما هو الغالب من تعبير الشَّاطبي بالأصول.


وبعد اتضاح معنى الأصول عند الشَّاطبي، يرد تساؤل لا بد من الإجابة عنه، وهو: هل الأصول هي الكليات، وليس بينهما فرق أو أنهما متباينان؟
وللجواب عن هذا التساؤل نعرض بعض أقوال الشَّاطبي، ثم نخلص منها إلى رأيه:
قال الشَّاطبي: ".. وتكون مخالفته تارة في جزئي، وهو أخف، وتارة في كلي من كليات الشريعة وأصولها العامة، كانت من أصول الاعتقاد أو الأعمال"[50]، ويقول: "وبهذا امتازت الأصول من الفروع؛ إذ كانت الفروع مستندة إلى آحاد الأدلة، وإلى مآخذ معينة، فبقيت على أصولها من الاستناد إلى الظن، بخلاف الأصول، فإنها مأخوذة من استقراء مقتضيات الأدلة، لا من آحادها على الخصوص"[51]، وقال: "ولا يتصور فيه الخلاف؛ لأن أصله قطعي"[52]، وقال أيضًا: "المراد بالأصول القواعد الكلية؛ كانت في أصول الدين، أو في أصول الفقه، أو في غير ذلك من معاني الشريعة الكلية لا الجزئية"[53]، وقال: "التشابه لا يقع في القواعد الكلية"، ثم قال مدللًا: "إن الأصول لو دخلها التشابه لكان أكثر الشريعة من المتشابه، وهذا باطل"[54].


وقال في الاستدلال على مراعاة القواعد الثلاث، وأنه لا بد أن يكون الدليل عليها قطعيًّا: "وكونه ظنيًّا مع أنه أصل من أصول الشريعة، بل هو أصل أصولها، وأصول الشريعة قطعية، فأصول أصولها أولى أن تكون قطعية"[55].
ويلاحظ مما سبق: أن الشَّاطبي يطلق الأصول على الكليات؛ ولذلك فهو لا يخرج الأصول عن كونها أدلة عقلية قطعية أو استقرائية نقلية مفيدة للقطع، ويؤيد هذا أيضًا أن الأصول عنده على قسمين: أصول لا أصول أعلى منها، وأصول مندرجة ضمن ما هو أعلى منها، وكذلك الكليات كما سبق، كما أن الأصول عنده قطعية، وكذلك الكليات[56]، وعليه فالكليات والأصول بمعنى واحد عند الشَّاطبي.

رأي الشَّاطبي:
يرى الشَّاطبي أن الكليات والأصول القطعية ليست محلًّا للاجتهاد، وأن الاجتهاد إنما يقع في الظني، يقول الشَّاطبي وهو يريد أن يحدد مجال الاجتهاد: "فتارة يكون[57] قطعيًّا، وتارة يكون غير قطعي، فأما القطعي فلا مجال للنظر فيه بعد وضوح الحق في النفي أو في الإثبات، وليس محلًّا للاجتهاد"، ويعلل ذلك فيقول: "وهو قسم الواضحات؛ لأنه واضح الحكم حقيقة، والخارج عنه مخطئ قطعًا"[58].


ولذا؛ فإن الشَّاطبي يرى أن أخطاء العالِمِ في الكلي لا يصح اعتمادها خلافًا معتبرًا في المسائل الشرعية، ويعلل ذلك بقوله: "لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد، فهو لم يصادف فيها محلًّا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهدين"[59]، وسبب عدم اعتماد خلاف المخالف في الأصول هو أن الخلاف إنما يعتد به إذا صدر عن أهله بالاستناد إلى الأدلة المعتبرة في الشريعة، وخلاف من يخالف في الأصول مع وضوحها إنما هو صادر عن خَفاء الدليل، أو عدم الاطلاع عليه، ولا يعتد بذلك[60].
وقال الشَّاطبي: "ولا يتصور فيه الخلاف؛ لأن أصله عقلي"[61]، وإنما لم يتصور فيه الخلاف؛ لأن الشَّاطبي يرى أن الأصل العقلي قطعي؛ ولذا لا يتصور فيه الخلاف.


ومما يدل على أن الشَّاطبي لا يرى الاجتهاد في القطعي أنه نص على أن الخلاف إنما يكون رحمة إذا كان في الفروع، وهو الخلاف الذي حصل بين الصحابة، أما الخلاف في الكليات فهو خلاف يدعو إلى الفُرقة، وهي محرمة بلا شك، قال الشَّاطبي - وهو يريد أن يقرر أن من قال: إن الخلاف رحمة، إنما ينصب قوله على الخلاف الواقع بين الصحابة -: لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق؛ لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة... فوسع الله على هذه الأمة بوجود الخلاف الفروعي منهم"، ثم قال: "أن يقع الاتفاق في أصل الدين ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية، وهو المؤدي إلى التفرق شيعًا"[62].
فواضح من كلامه هذا أن الاختلاف في الكليات مذموم؛ لأنه يعود إلى الفُرقة المذمومة شرعًا، وعلى هذا فالاجتهاد المؤدي إلى الاختلاف ممنوع منه في هذا الباب.


ولا بد من الإشارة إلى أن مراد الشَّاطبي بالقطعي هو قطعي الثبوت والدلالة، ولا يكتفي الشَّاطبي بكونه قطعي الثبوت فحسب؛ لأنه يرى أن المتواتر وإن كان قطعي الثبوت إلا أن إفادته القطع موقوف على مقدمات ظنية[63]، وإفادة المتواتر للقطع متوقف عليها، ولما أن كان إفادة التواتر موقوفًا على مقدمات ظنية، كان الموقوف على الظني ظنيًّا؛ ولذا فإفادة المتواتر للقطع أمر متعذر، أو نادر، حسب رأي الشَّاطبي.
وعلى هذا، فالدليل القاطع المفيد للقطع هو الاستقراء في جملة الأدلة الظنية المتضافرة على إثبات معنى واحد إلى حد القطع، وهذا عند الشَّاطبي هو القطعي ثبوتًا ودلالة[64].


ولا يعارض ما سبق من رأي الشَّاطبي، قوله: "ولعلك لا تجد خلافًا واقعًا بين العقلاء معتدًّا به في العقليات أو في النقليات، لا مبنيًّا على الظن، ولا على القطع إلا دائرًا بين طرفين"[65].
إذ معنى كلامه هنا أن الخلاف الواقع في مسألة ظنية مرتبطة بأصل قطعي من الخلاف المعتبر، وهذا لا إشكال فيه، بخلاف المسألة القطعية؛ فالخلاف فيها غير معتبر؛ ولذلك قال هنا: "لا مبنيًّا..."، وهو يشير بذلك إلى أن مراده الخلاف في مسألة ظنية ترجع إلى أصل قطعي، ويمكن أن يمثَّلَ على ذلك بما مثَّل به مرارًا من الخلاف في آيات الصفات؛ فالشَّاطبي يرى أن المسألة مسألة اجتهادية، وهي عنده مبنية على أصل واحد قطعي، وبما أن المختلفين متفقون على الأصل القطعي، فلا بأس أن يختلفوا فيما تفرع عنه من مسائل ظنية، قال الشَّاطبي - وهو يقرر أن التشابه لم يقع في كليات الشريعة، وإنما وقع في فروعها -: وإنما وقع في فروعها؛ فالآيات الموهمة للتشبيه والأحاديث التي جاءت مثلها فروع عن أصل التنزيه، الذي هو قاعدة من قواعد العلم الإلهي"[66].


هذا ما تبين لي في الجمع بين قوله السابق مع ما قرره من عدم جواز الاجتهاد في الكليات، ومما يرشح ما ذكرت أن الشَّاطبي قد قرر في بداية الفصل الذي ذكرنا فيه كلامه السابق أن الاجتهاد لا يجوز في القطعي؛ لوضوحه، فلا يمكن أن يناقض ذلك في خاتمة الفصل، ثم لو فرض أن مراده هنا القطعي فكلامه في المواضع الأخرى واضح في مناقضة ذلك، والمصير إليها أولى.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.56 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.38%)]