عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 28-09-2020, 01:39 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 47,580
الدولة : Egypt
افتراضي شرح حديث: نحن أحق بالشك من إبراهيم

شرح حديث: نحن أحق بالشك من إبراهيم
الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح




عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: " رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي". قَالَ: "وَيَرْحَمُ اللّهُ لُوطاً، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ".



ترجمة راوي الحديث:

أبو هريرة رضي الله عنه تقدمت ترجمته في الحديث الأول من كتاب الإيمان.



تخريج الحديث:

أخرجه مسلم حديث (151)، وأخرجه البخاري في " كتاب التفسير " " باب "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ" (البقرة:260) حديث (4537)، وأخرجه ابن ماجه في " كتاب الفتن " " باب الصبر على البلاء" حديث (6094)، وسيأتي تخريج مسلم له مرة أخرى في " كتاب فضائل إبراهيم عليه السلام".



شرح ألفاظ الحديث:

(نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ): قال ابن حجر رحمه الله:" واختلف في معنى قوله صلى الله عليه وسلم " نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ" فقال بعضهم معناه: نحن أشد اشتياقاً إلى رؤية ذلك من إبراهيم عليه السلام، وقيل: معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى بالشك، أي لو كان الشك متطرقاً إلى الأنبياء عليهم السلام لكنت أنا أحق به منهم وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك، وإنما قال ذلك تواضعاً منه، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، وهو كقوله في حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم" أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية، قال صلى الله عليه وسلم:" ذاك إبراهيم ".

وقيل: إن سبب هذا الحديث أن الآية لما نزلت قال بعض الناس شك إبراهيم ولم يشك نبياً، فبلغه ذلك فقال:" نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ " وأراد ما جرت به العادة من المخاطبة لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئاً، قال مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لي، ومقصوده (لا تقل ذلك).

وقيل: أراد بقوله: نحن أمته الذين يجوز عليهم الشك وإخراجه منه بدلالة العصمة، وقيل: معناه هذا الذي ترون أنه شك أنا أولى به لأنه ليس بشك إنما هو طلب لمزيد البيان" [الفتح (6/412)].

وفي معناها أقوال أخرى ما تقدم أشهرها، وخلاصتها نفي الشك عن إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء، فالشك لا يقع ممن رسخ الإيمان في قلبه فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟

وطلبه ذلك أراد به زيادة الإيمان والانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين، وطمأنينة القلب ولذا قال: ﴿ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.



(وَيَرْحَمُ اللّهُ لُوطا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ): قال النووي رحمه الله:" المراد بالركن الشديد، هو الله سبحانه وتعالى، فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها، ومعنى الحديث والله أعلم، أن لوطاً عليه السلام لما خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين، ضاق ذرعه واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في ذلك الحال: لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي أو آوي إلى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط عليه السلام إظهار العذر عند أضيافة، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضاً منه صلى الله عليه وسلم عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لما ذكرناه من تطييب قلوب الأضياف" [شرح النووي لصحيح مسلم (2/362)].



وعليه فمعنى الركن الشديد في الآية: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ (هود:80 )، ﴿ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾: هم العشيرة التي تدافع عنه فليس له عشيرة، والمراد بالركن الشديد في قول النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث:" لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ" هو الله تعالى.



(وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ): قال النووي رحمه الله:" هو ثناء على يوسف عليه الصلاة والسلام، وبيان لصبره وتأنيه، والمراد بالداعي رسول الملك الذي أخبر الله سبحانه وتعالى أنه قال: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾ (يوسف:50) فلم يخرج يوسف عليه السلام مبادراً إلى الراحة ومفارقة للسجن الطويل، بل تثبت وتوقر وراسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه، ولتظهر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه، ولا خجل من يوسف ولا غيره، فبيَّن نبينا صلى الله عليه وسلم فضيلة يوسف عليه السلام في هذا وقوة نفسه في الخير وكمال صبره وحسن نظره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه ما قال تواضعاً وإيثاراً للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف عليه السلام والله أعلم." [شرح النووي لصحيح مسلم (2/362)].



من فوائد الحديث:

الفائدة الأولى: الحديث مثال عظيم من أمثلة تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ودفاعه عن إخوانه ونفيه الشبهة عن الأنبياء إبراهيم ولوط ويوسف عليهم الصلاة والسلام وتقدم بيان ذلك بجلاء في شرح ألفاظ الحديث، ففي قول إبراهيم عليه السلام بيَّن أن قوله ليس شكاً كما يفهمه البعض بل طلب لزيادة الإيمان واطمئنان القلب، وأن قول لوط عليه السلام لا يفهم منه عدم الاعتماد على الله تعالى؛ بل لأن ليس له عشيرة تدافع عنه، وأن قول يوسف عليه السلام دليل على ثباته وصبره حيث لم يجب الداعي ولو كان مكانه لأجابه، قال ذلك تواضعاً، وإظهاراً لفضل أخيه، مع أنه صلى الله عليه وسلم بلا شك أفضل منه، ومثله حين نهى عن مفاضلته بيونس عليه السلام ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى " مع أنه صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء بلا شك، وفي هذا أدب يتعلمه المسلم فيتواضع لإخوانه ويقدمهم عليه ويثني عليهم بما فيهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ثناءه على صبر وثبات يوسف عليه السلام في حديث الباب.



الفائدة الثانية: الحديث دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، ومن ذلك التأمل في آيات الله تعالى التي فيها إحياء الأموات، وفي حديث الباب طلب إبراهيم عليه السلام من ربه عز وجل أن يريه كيف يحيي الموتى ليزداد إيمانه ويطمئن قلبه، وتقدم الحديث عن معتقد أهل السنة من أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.



الفائدة الثالثة: في طلب إبراهيم عليه السلام دلالة على أن عين اليقين أقوى من خبر اليقين، وهو ما أراده إبراهيم عليه السلام فهو موقن بخبر الله تعالى أنه يحيي الموتى ولكنه أراد عين اليقين بأن يرى ذلك وليس الخبر كالمعاينة واليقين كما ذكر العلماء له ثلاث درجات دلت عليها الآيات علم اليقين وأقوى منه عين اليقين وأقوى منه هو حق اليقين ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾ (الواقعة:95).

ومثال ذلك: قول الثقة لك عندي تفاحة حلوة هذا علم اليقين، فإن أراك إياها فهذا عين اليقين، فإن أعطاك إياها لتأكلها ووجدتها كما وصفها فهذا حق اليقين.




الفائدة الرابعة: الحديث دليل على إثبات صفة الكلام لله تعالى حيث قال: ﴿ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾ وأهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله عز وجل يتكلم وأن كلامه بصوت وحرف، وأن القرآن كلامه منَّزل غير مخلوق، وكلام الله صفة ذاتية فعلية، فهو متكلم سبحانه ولم يزل متكلماً، وتقدم الكلام عن هذه الصفة والأدلة عليها من الكتاب والسنة في حديث "ثلاثة لا يكلمهم..." الحديث.

مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الإيمان)



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.29 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]