عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-09-2020, 03:03 AM
الصورة الرمزية ابو معاذ المسلم
ابو معاذ المسلم ابو معاذ المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 48,200
الدولة : Egypt
افتراضي رد: النوازل الناشئة خارج ديار الإسلام



وعن أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدى له في السفر، وأن أنجشة كان يحدو بالنساء، والبراء بن مالك – رضي الله عنه – يحدو بالرجال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أنجشة، رويداً سوقك بالقوارير"(56).

قال ابن قدامة وأما الحداء فمباح لا بأس في فعله واستماعه وكذلك نشيد الأعراف، وسائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء(57).
قال ابن حجر العسقلاني: نقل ابن عبد البر الاتفاق على إباحة الحداء(58). وبالرغم مما سبق من نصوص وأقوال للعلماء في هذا الشأن، إلا أنه لما كان النشيد في الوقت الحاضر مختلفاً عما سبقه من الحداء الذي وردت الشريعة بإقراره وجوازه، وهو كذلك مختلف إلى حد كبير عن الغناء الذي وردت الشريعة بتحريمه، فقد وقع النزاع فيه مع اتفاقهم على تحريمه ما كان مصحوباً بآلات لهو ومعازف، واختلفوا فيما إذا جرد عن ذلك على قولين:
القول الأول: أنه مباح وجائز بشروط وهو قول أكثر أهل العلم المعاصرين، وممن قال بجوازه الشيخ محمد بن إبراهيم، وعبد العزيز بن باز وعبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان، ومحمد بن صالح العثيمين، وصالح اللحيدان، وسليمان الأشقر، وبه صدرت فتوى اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية(59).
واستدلوا بأدلة كثيرة، منها:
1- مجيء جملة كبيرة من النصوص الصحيحة مع اختلاف دلالاتها على جواز إنشاد الشعر واستماعه ومن ذلك ما ورد ذكره من الأحاديث في مقدمة هذه المسألة من كونه صلى الله عليه وسلم كان يقرهم على حدائهم وكان يقول مثل قولهم وتارة يكون بشكل فردي وتارة بشكل جماعي، فهذه النصوص تدل دلالة واضحة صريحة على جواز مثل هذا العمل ومشروعيته، وهو لا يخالف الإنشاد الذي نحن بصدده فيلحق هذا الإنشاد بالحداء الذي رخص فيه بالارتجاز الذي أجازه النبي صلى الله عليه وسلم عند مزاولة الأعمال الشاقة(60).
2- أنه فيما إذا لم يصح الاستدلال على جواز تلك الأناشيد لا بالنفي ولا بالقياس فهي جارية على الأصل وهو الإباحة، ولا نعلم نصاً في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم يمنع من سماع الشعر أو تلحينه أو ترديده جماعياً أو فردياً(61).
3- أنه مع كون الأناشيد على الأصل، وعدم مخالفتها للشرع، إلا أنها تترتب عليها مصالح محققة تندفع بها مفاسد، ونحو هذا تقره الشريعة وتثبته، حيث جاءت الشريعة بتحصيل المصالح ودفع المفاسد(62).
القول الثاني:
التحريم والمنع، وهو قول لبعض العلماء كالشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وصالح الفوزان، وصالح الأطرم، وحمود التويجري(63)، واستدلوا بأدلة كثيرة منها:
1- أن الأناشيد غناء وقد جاءت النصوص الصريحة بتحريم الغناء، ولا يستثنى من ذلك إلا ما قام الدليل على استثنائه كالحداء وحينئذٍ يقتص عليه قدراً ووقتاً وكيفية، كما أنه إذا ثبت كونه مستثنى من أصل عام، فإنه يمنع أن يقاس عليه غيره فلا يقاس النشيد على الحداء، ويبقى على الأصل وهو تحريم الغناء(64).
2- أن الأناشيد بدعة من الأمور المحدثة، وليس معروفاً عند السلف، حيث لم يرد عنهم إلا سماع القرآن فيكون ما سواه من السماعات محدثاً ومذموماً كما أن تلك الأناشيد أشبه بسماع الصوفية البدعي، سيما إذا كان يتقرب بها إلى الله(65).

المناقشة والترجيح:
قولهم إن الأناشيد غناء، هذا الكلام ليس دقيقاً لأن الحداء متمحضاً في معنى الغناء، وإن شابهه في بعض صوره؛ وذلك أن الغناء يطلق على رفع الصوت في الشعر وموالاته ويدخل فيه حينئذ الحداء، وهذا ليس محرماً بالاتفاق بل هو مباح، وإطلاق الغناء عليه على هذا النحو ليس على الوجه المحرم الممنوع فالاشتراك فيه لغة لا يعني الاشتراك في سائر أحكامه(66).
أما قولهم إن الأناشيد بدعة محدثة.. فيناقش بما يلي:
أ‌) أن السماع المحدث هو ما قصد فاعله به التقرب إلى الله كما هو الشأن عند الصوفية، والنشيد لا يقصد به التقرب إلى الله، ولم يدع ذلك أحد، وكونه يحدث في النفس حباً للطاعة، أو بغضاً للمعصية، فهذا لا يعني أنه اتخذ عبادة.
ب‌) أن سماع الصوفية ينكر؛ لأنه لا يخلو غالباً من معازف محرمة كما أنه يشتمل على عبارات لا يجوز نسبتها إلى الله تعالى، لاشتماله في الغالب على شركيات كما وقع في البردة، كما أنهم – أي الصوفية – يرون أن هذه الأناشيد قربة إلى الله، وهذا معتقد باطل فاسد، كما أن أناشيد الصوفية يختلط فيها الرجال بالنساء ويرقص الرجال والنساء ويقولون إن من رقص غفر له إلى آخر الممارسات الخاطئة فشتان ما بين هذين السماعين(67).

وبعد بيان أدلة الفريقين ومناقشة أدلة أصحاب القول الثاني يترجح القول الأول، وذلك للاعتبارات التالية:
أ‌) استقرار وجواز الحداء في الشريعة الإسلامية بنصوص صحيحة صريحة وليس في تلك النصوص ما يوجب قصرها على المواضع التي وردت فيها كما ذكر، فلا ينبغي أن يقيد بها وقتاً وكيفيةً وقدراً، إلا إذا ورد في السنة الصحيحة ما يقيد بمواضع أو بعدد أو بهيئة فإنه والحالة هذه يلزم التمسك بهذا التقييد.
ب‌) أن الشريعة أقرت الشعر الحسن ونهت عن الشعر القبيح والأناشيد لا تخلو في أصلها من مادة شعرية يشملها المعنى المذكور، إلا أن يصحبها شيء من الحداء، ولا أعلم دليلاً على تحريمه، فإذا اجتمع الشعر المباح مع ما لم يقم الدليل على تحريمه فإنه لا يلزم من ذلك تحريم ومنع. وعليه فالراجح جواز تلك الأناشيد بالشروط والقيود الآتية:
1- ألا يتخذ ديدناً بحيث يحافظ على السماع صباحاً ومساءً، إنما بالقدر الذي يحصل به الترويح والترفيه، بدون إفراط ولا تفريط.
2- ألا يكون ذلك مصطحباً لآلات اللهو والمعازف المحرمة، وألا يكون بتطريب متكلف موزون على الأنغام الموسيقية، والأغاني الماجنة، لكن على الوجه اليسير المعتاد.
3- ألا يكون السامع قاصداً بذلك التقرب إلى الله، إذ هذا شأن الصوفية المبتدعة.
4- ألا يكون في الأناشيد معانٍ فاسدة أو دعوة إلى أفكار باطلة كالدعوة إلى الوطنية والقومية والحزبية، بل الهدف أن تكون الأبيات داعية إلى الخير.
5- ألا يكون القائمون بذلك فرقاً تؤجر وتحضر إلى الحفلات والمناسبات لأداء هذه الأناشيد على نحو الفرق الموسيقية.
6- ألا يعتقد القائمون بهذه الأناشيد أنها طريقة من طرق الوعظ غاية ما فيها أنها سبيل للترويح المباح، وألا يقصد الإنشاد في أماكن وأوقات يعتقد فضلها كيوم المولد النبوي، أو ليلة النصف من شعبان ونحو ذلك. وفي الختام لا بأس باستعمال تلك الأناشيد كمؤثر صوتي للعمل التمثيلي، حيث يمكن اعتبار الشروط السابقة، ولو اكتفي بالأصوات الطبيعية كضرب السيوف وصهيل الخيول أو بتلاوة آية من كتاب الله تناسب الحدث المعروض، أو قرئ حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل نفس المعنى، وهكذا(68).
وأما استخدام بعض المعازف أو وجود بعض المشاهد المنكرة في بعض البدائع الإعلامية الإسلامية؛ فالقول فيه أنه قد ثبت النهي عن الاستماع إلى الموسيقى والغناء الخليع، فقد روى البخاري في صحيحه برقم (5268) قال: (وقال هشام بن عمار حدثنا صدقة ابن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الطلابي، حدثنا عبد الرحمن ببن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر وأبو مالك الأشعري، والله ما كذبني، سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر، والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم بروح بسارحة لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولون ارجع إلينا غداً، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة".
قال ابن القيم في إغاثة اللهفان ووجه الدلالة منه: "أن المعازف وهي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالاً لما ذمهم على استحلالها، ولما قرر استحلالها باستحلال الخمر"(69).

وأما مخالفة ابن حزم فقد عدها العلماء خرقاً للإجماع؛ لأنه - رحمه الله – توهم وجود انقطاع في الإسناد بين الإمام البخاري وهشام بن عمار، فتوهم عدم ثبوت الحديث، وغفل الإمام ابن حزم عن أن هشام بن عمار هو شيخ البخاري، وأن الإمام البخاري قد لقيه وسمع منه، كما غفل الإمام ابن حزم – أيضاً – عن الطرق الأخرى المسندة المتصلة الصحيحة لهذا الحديث، وقد تتابع جمهور أهل العلم على ذكره هذه الطرق الصحيحة لهذا الحديث، وقد تتابع جمهور أهل العلم على ذكر هذه الطرق الصحيحة المتصلة لهذا الحديث، بحيث تحقق صحة الحديث قطعاً، بفضل الله تعالى(70).
ولا يخفى على كل ذي عقل وبصيرة ما في الاستماع إلى هذه المحرمات من أثر على أخلاق الولد ومن جره إلى الترهل والفجور والمنكر، ومن انزلاقه إلى متاهات الشهوات والملذات. المبحث الثالث: حكم تهنئة الكافرين بأعيادهم وشهودها والمشاركة فيها: إذا كانت التهنئة في الأمور المشتركة كزواج، أو قدوم مولود، أو غائب، أو عافية ونحوها، لم أر أحداً صرح بالمنع إلا رواية عن الإمام أحمد ولكن لما جازت تهنئتهم، والأصل في عيادة مرضى الكفار ما رواه البخاري وغيره: (أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم يهودي يخدمه فمرض فأتاه فعاده...)(71).

قال ابن حجر: (وفي الحديث جواز عيادة المشرك إذا مرض)(72).
وقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً عمه أبا طالب في مرض وفاته، وعرض عليه الإسلام(73).
كل ذلك دل على جواز عيادة مرضى المشركين؛ لأنها نوع من البر، وهي من محاسن الإسلام ولا بأس بها(74).
ما دام أن عيادتهم جائزة فتهنئتهم في الأمور المشتركة جائزة من باب أولى.

قال ابن القيم: ولكن فليحذر الوقوع في الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، مثل (أعزك الله) وما قاربها.
أما إن كانت التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: (عيد مبارك)، فهذا من المحرمات عند أكثر الفقهاء. وأما إن بلي الرجل بذلك، فتعاطاه دفعاً لشر يتوقعه منه فمشى إليهم ولم يقل إلا خيراً، ودعا لهم بالتوفيق والسداد فلا بأس) قاله ابن القيم(75).
ومما لا شك فيه أن القضية مهمة وحساسة، خاصة للمسلمين المقيمين في بلاد الغرب، أرى أن ينطبق عليهم ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم..: "لو أن مسلماً بدار حرب أو بدار كفر غير حرب – قلت كالأقليات المسلمة في الغرب وغيرها – لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر. بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية، من دعوتهم إلى الدين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة"(76)، وبالتالي فلا مانع إذن أن يهنئهم الفرد المسلم، أو المركب الإسلامي بهذه المناسبة، مشافهة أو بالبطاقات التي لا تشتمل على شعار أو عبارات دينية تتعارض مع مبادئ الإسلام مثل الصليب، فإن الإسلام ينفي فكرة الصليب ذاتها، قال الله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء:157]. والكلمات المعتادة للتهنئة في مثل هذه المناسبات لا تشتمل على إقرار لهم على دينهم، أو رضا بذلك، إنما هي كلمات مجاملة تعارفها الناس. ولا مانع من قبول الهدايا منهم، ومكافأتهم عليها فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا غير المسلمين مثل المقوقس عظيم القبط بمصر وغيره، بشرط ألا تكون هذه الهدايا مما يحرم على المسلم كالخمر ولحم الخنزير(77).

أما شهود أعيادهم ومشاركتهم فيها فلا يجوز للمسلم ممالأة الكفار على أعيادهم، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم؛ لأنهم على منكر وزور، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين المؤثرين له، فيخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع(78).

وقد روى البيهقي أيضاً بإسناد صحيح عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: "لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة (اللعة) تنزل عليهم. وروى البيهقي أيضاً بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – قوله: "من بنى ببلاد الأعاجم ووضع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم".
ويمكن أيضاً أن يستدل على حرمة شهود أعيادهم وما يحدث فيها بشعائر كفرية بقوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء:140].
قال القرطبي: فدل بها على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، فكل من جلس في مجلس معصية، ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية(79).

ومن هنا أجمع العلماء على حرمة أن يباع لهم شيء من مصلحة دينهم في يوم عيدهم، أو الإهداء إليهم(80).
ومن هنا فإن شهود أعيادهم ومشاركتهم فيها من الكبائر الموجبة للعقاب؛ لأن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله، ولأن مشابهتهم في أعيادهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الباطل، ثم إن مشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضاً مناسبة وائتلافاً واكتساب أخلاقهم ونوع مودة ومحبة فحرم ذلك؛ سداً لذريعة الشرك ومنعاً للتشبه بالكفار(81).
أما إذا ترتب على عدم الحضور في هذه المناسبات الدينية ضرر كأن يكون زعيم حزب أو مفتي أو ذا وجاهة اجتماعية فالحضور جائز من باب ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، وهذا من القواعد الشرعية المقررة:

دفع الضرر الأعلى بتحمل ضرر أدنى.
ويقرب من ذلك: أن يرجو مصلحة كبيرة بقبوله الدعوة، مثل رجاء قبول الإسلام من بعض الحاضرين أو إحساسه ببداية انعطافهم نحو الدين، ويخشى أن تضيع هذه الفرصة، إذا أوحش قلب الداعي، والأولى بل الواجب ألا يحضر المسلم أي مناسبة إذا كان يوجد خمر أو خنزير أو نحو ذلك مما يحرمه الإسلام قطعاً، لكن إذا ترتب على ذلك ضرر وجب الحضور من باب ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين.

وهناك قضية محل نزاع بين بعض طلبة العلم وهي التظاهر أمام السفارات وفي الميادين العامة مناصرة لقضية عامة كقضية فلسطين والعراق هل هذا الفعل مباح أم محرم. هناك رأيان في هذه القضية:
الرأي الأول: يرى حرمة هذا الفعل لأنه من الوسائل البدعية التي لم تعرف عن سلف هذه الأمة، قال صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولأن هذه المظاهرات تصحبها أعمال عنف وقد تؤدي إلى قتل وجرح بعض المتظاهرين، والضرر يزال في الشريعة الإسلامية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".

الرأي الثاني: جواز هذه المظاهرات طالما أنها ضمن القوانين المرعية ولا يصحبها عنف ولا أرى أن على المسلم حرج أن يشارك فيها باعتباره مواطناً أو مقيماً في هذه الديار وهذه من العادات التي لا أعتقد أنها محرمة إلا إذا صحبتها محرمات كالاختلاط أو التعدي على الممتلكات العامة وما إلى ذلك. وأما المشاركة في الأعياد الاجتماعية كعيد الحب وعيد الأم وعيد الميلاد ونحوه، فهذا لا يجوز أيضاً لأنها مرتبطة بأمور دينية كعيد الميلاد أو اجتماعية خاصة بهم كعيد الحب وعيد الأم وليس عندنا في الإسلام إلا عيدان عيد الفطر وعيد الأضحى، وأقل ما فيها إنها أعياد بدعية. وأما الاحتفال بالأعياد الوطنية مثل عيد الاستقلال أو الوحدة فلا أرى أن هناك حرجاً على المسلم أن يهنأ بها، بل يشارك فيها، باعتباره مواطناً أو مقيماً في هذه الديار على أن تجتنب المحرمات التي تقع في هذه المناسبات(82).
المبحث الرابع:

حق الآباء في الرقابة على الناشئة عبر وسائل الاتصالات في ديار الغرب: التربية الخلقية مهمة والمقصود بها مجموعة المبادئ الخلقية والفضائل السلوكية والوجدانية التي يجب أن يتلقنها الطفل ويكتسبها ويعتاد عليها منذ تمييزه وتعقله إلى أن يصبح مكلقاً إلى أن يتدرج شاباً إلى أن يخوض خضم الحياة.

ومما لا شك فيه، ولا جدال معه أن الفضائل الخلقية والسلوكية والوجدانية هي ثمرة من ثمرات الإيمان الراسخ، والتنشئة الدينية الصحيحة، ومما لا شك فيه أيضاً أن لكل أمة ثقافتها وشخصيتها المتميزة، فالغربيون أو فلنقل بعضهم يرون أن تدخل الآباء في الرقابة على الناشئة من خلال الرسائل والمكالمات يتعارض مع الخصوصية التي تنتجها ثقافة هذه المجتمعات ولكن المسلمين يرون أن ذلك من التربية الخلقية القويمة ويرون أن التقيد بالأخلاق والسلوك والعادات والتقاليد واجب شرعي؛ لأن فقدانها يؤدي إلى فقدان الذات، وذوبان الشخصية، وهزيمة الروح والإرادة، فكيف إذن يجمع المسلمون بين التزامهم بأخلاقهم وآدابهم وعدم انتهاك الخصوصية التي تراها تلك المجتمعات، إن الجواب على هذا السؤال في غاية الصعوبة ولكن يمكن أن يقال أن عقلاء الغربيين وغيرهم يرون أن الأخلاق مهمة في بناء الأمم وإليك طائفة من آرائهم وتوجيهاتهم: قال الفيلسوف الألماني (فيخته): (الأخلاق من غير دين عبث).
قال الزعيم الهندي المعروف (غاندي): (إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد لا يقبلان الانفصال، ولا يفترق بعضها عن بعض، فهما وحدة لا تتجزأ... إن الدين كالروح للأخلاق، والأخلاق كالجو للروح، وبعبارة أخرى الدين يغذي الأخلاق، وينميها وينعشها، كما أن الماء يغذي الزرع وينميه).

وقال القاضي البريطاني (ديننج) معقباً على فضائح وزير بريطاني سابق في علاقة خلقية: (بدون الدين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، وبدون أخلاق لا يمكن أن يكون هناك قانون!!.. الدين هو المصدر الفذ المعصوم الذي يعرف منه حسن الأخلاق من قبيحها، والدين هو الذي يحد من أنانية الفرد ويكفكف من طغيان غرائزه وسيطرة عادات ويخضعها لأهدافه ومثله، ويربي فيه الضمير الحي الذي على أساسه يرتفع صرح الأخلاق(83).

ومن جهة أخرى يمكن للمسلم أن يراقب أبناءه بطريقة إرشادية توجيهية تجتنب صيغة الأوامر والنواهي وصدق الله إذ يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، ويقول صلى الله عليه السلام: "إذا أمرتك بأمر فأتوا منه ما استطعتم".

المبحث الخامس: اللباس والزينة حدوده وضوابطه في ديار الغرب: اللباس من النعم التي أنعم الله بها على عباده، يقول الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:26].

وسوف أتناول بعض الأمور المهمة التي تهم الجاليات في الغرب وهي:
أولاً: قصات الشعر للناشئة:
تشاهد أن بعض شباب المسلمين في الغرب وغيره قد انساقوا وراء التقليد الأعمى، وظنوا أن التشبه بغيرهم آية النهوض فقلد الغربيين في كثير من الأمور ومنها قصات الشعر التي تقص بطريقة فيها تشبه وتقليد فأحياناً تجد الشاب قد رتب شعره بطريقة تشبه النساء والعكس كذلك وهذا الأسلوب محرم؛ لأن فيه تشبهاً وتقليداً لغير المسلمين، وديننا قد حذر من التشبه والتقليد الأعمى في السلوك والعادات والتقاليد لكونها تؤدي إلى فقدان الذات، وذوبان الشخصية وهزيمة الروح والإرادة، ونكسة الفضيلة والأخلاق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم"(84)، فإن هذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه وإن كان ظاهره يقتضي كفر من تشبه به(85)، ولكن ظاهر لا يعمل به. وجاء في رسالة عمر – رضي الله عنه – إلى أهالي أذربيجان: "إياكم والتنعم وزي أهل الشرك..."(86)، فيجب توعية شبابنا وشاباتنا في الغرب وغيره أن يلتزموا بالإسلام قولاً وفعلاً حتى تبقى لهم شخصيتهم الإسلامية المتميزة.
ثانياً: لبس البنطال للنساء والمكياج الخفيف للمرأة عند الرجال الأجانب:
الأصل في اللباس أن يكون ساتراً لما يجب ستره موارياً للعورة والسوءة، وما تعارف الناس على إخفائه، غير أننا نجد الآن أنواعاً من الرداء قد انتشرت في صفوفنا وظهرت وتعورف على لباسها، فبعضها طويل مغلق لا توجد به شقوق لكنه شفاف يظهر ما تحته وقد يكون ساتراً ولكنه ضيق وهو البنطال الضيق ضيقاً شديداً، وهو عدة أصناف أشهرها ما يسمى بالجينز وكلها في العموم تصف حجم الجسم وتظهر أعضاءه، وكأن الناظر إلى من يرتدي يرى جسداً عارياً غير أنه ملون حسب ذلك اللباس، وهذا أحد معاني "كاسيات عاريات"(87) الثابت في الحديث النبوي الكريم.

وتحتج بعض النسوة أن هذا النوع من اللباس قد عرف فعلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فهل ما ذهبت إليه هؤلاء النسوة صحيح؟! إن المتتبع لكتب السنة يجد أن ما يشبه هذا اللباس قد عرف فعلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأقر، غير أن ما أقر كان يشبه هذا اللباس في الشكل العام لكنه يختلف عنه كلية من حيث الحجم والهدف من اللبس وذلك اللباس الذي عرف هو السروال وهو واسع الحجم كثيراً، وقد كانت المسلمة ترتديه تحت لباسها الظاهر للعيان مبالغة منها في التحشم والتستر، وكان السروال مخفياً لا يبدو للعيان، إلا إن تعرضت المرأة لكشف ساقيها ونحوهما عند التعرض لسقوط وغيره، كما ورد في الحديث الذي رواه علي – رضي الله عنه – حيث قال: "كنت قاعداً مع النبي صلى الله عليه وسلم عند البقيع – يعني بقيع الغرقد – في يوم مطر، فمرت امرأة على حمار ومعها مطار(88)، فمرت في وهدة(89) من الأرض فسقطت، فأعرض عنها بوجهه" فقالوا: "يا رسول الله إنها متسرولة"

فقال: "اللهم اغفر للمتسرولات من أمتي"(90).
والبنطال – اليوم – يلبس بحيث يكون هو الظاهر للعيان، ولذا أرى أن يمنع ما كان منه محدداً لشكل الجسم بوصف ما تحته، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كاسيات عاريات" قد فسر بأن عليهن كسوة لا تفي بالستر الواجب لقصرها أو خفتها أو ضيقها، فالضيقة ساترة عن الرؤية، غير أنها تبدي مفاتن المرأة، فلبس هذا ما وصفه لا يجوز إلا لمن يجوز إبداء العورة له، والضيق لا يجوز عند محرم ولا عند النساء(91) إن كان ضيقه شديداً يبين المفاتن وقد منعه (البنطال) البعض لما فيه من التشبه بالرجال.
وقد أفتت اللجنة الدائمة في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بما يلي: ليس للمرأة أن تلبس الثياب الضيقة لما في ذلك من تحديد جسمها، وذلك مثار للفتنة والغالب في البنطلون أنه ضيق يحدد أجزاء البدن التي يحيط بها ويسترها، كما أنه قد يكون في لبس البنطلون تشبه من النساء بالرجال..."(92).

المرأة منهية عن إبداء الزينة للرجال الأجانب، قال جل شأنه: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} فقد دلت الآية على حرمة إبداء المرأة زينتها أمام الأجانب خشية الافتتان والزينة في الأصل اسم لكل ما تتزين به المرأة وتتجمل من أنواع الثياب والحلي... إلخ، وغيرها ثم قد تطلق على ما هو أهم وأشمل من أعضاء البدن ومن ذلك المكياج لأنه قول المجيزين لكشف الوجه والكفين لا يجوز للمرأة أن تضع على وجهها شيئاً من الأصباغ والمساحيق بقصد التجميل وتظهر به أمام الرجال الأجانب في الطرقات(93).
وأما المكياج الخفيف أو ما يسمى بأصل المكياج فلعله جائز لأنه شبيه بالحلي والثياب باعتباره شيئاً طبيعياً والله أعلم وأعلى. ثالثاً: لبس الأسورة والحلق والعقد للناشئة من الذكور: أراد الإسلام أن تكون طبيعة المرأة متميزة وأن يكون مظهرها صورة صادقة لهذه الطبيعة – كما أراد ذلك للرجل – فنهى كلاً منهما أن يتشبه بالآخر وحرم عليه ذلك، وسواء أكان التشبه في اللباس أم الكلام أم الحركة أو غير ذلك. وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال"(94).
وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المخنثين(95) من الرجال والمترجلات(96) من النساء"(97)، وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: "لعن رسول الله الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبس الرجال"(98).

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.78 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.71%)]